← Акыда

Акыда · id 9725

شرح العقيدة السفارينية

ابن عثيمين

Полный текст (734 стр.). Показаны 561–600 · переход к 566.

стр. 561

ثم قال المؤلف رحمه الله تعالى: ١٤٤- وأن كل واحد منهم سلم ... من كل ما نقص ومن كفر عصم ١٤٥- كذاك من إفك ومن خيانة ... لوصفهم بالصدق والأمانة ١٤٦- وجائز في حق كل الرسل ... النوم والنكاح مثل الأكل ــ الشرح قوله رحمه الله تعالى: (وأن كل واحد منهم سلم) - ((وأن)) : الظاهر أن الصواب كسرها، وإن كان المعنى: ونؤمن بأن، لكن الأصل عدم التقدير. والضمير في قوله: (منهم) يعود على الرسل عليهم الصلاة والسلام، فكل واحد منهم سلم (من كل ما نقص) و (ما) هنا زائدة، والتقدير: من كل نقص، وليس المراد بقول (من كل ما نقص) نقص الخلقة، أو نقص البشرية، بل المراد من كل ما نقص في الدين، لأنهم عليهم الصلاة والسلام هم أسبق الناس إلى الخيرات، وأعظم الناس امتثالاً لأمر الله، فهم سالمون من كل نقص في الدين. وكذلك من فوات الدين بالكلية لقوله: (ومن كفر عصم) . فلم يكفر أحد من الرسل، وليس من الرسل كافر، ولم يتعمد أحد من الرسل أن يفعل ما فيه نقص الدين أبداً، وإن فعلوا شيئاً فأما عن اجتهاد أو تأويل أو ما أشبه ذلك، ثم يبرؤون من إثمه بتوبة الله عليهم. قوله: (كذاك من إفك ومن خيانة) يعني أنهم مبرؤون من الإفك وهو الكذب؛ ولهذا ما كذب نبي قط، وأما ما جاء عن إبراهيم عليه الصلاة

стр. 562

والسلام من أنه كذب ثلاث كذبات في الله (١) فهي كذبات تورية، والتورية ليست كذباً في الواقع، لأن المعنى الباطن منها حقيقي مطابق للواقع، فقوله للملك الظالم: هذه أختي وهي زوجته، فهي وإن كانت ليست أخته بمعنى شقيقته، فإنها أخته على وجه صحيح، فقد أراد أنها أخته في دين الله، وكذلك قوله: بل فعله كبيرهم هذا، أيضاً فيه تورية، وإن كان الكبير لم يفعله، لكن الذي كسر الأصنام هو إبراهيم ﵊، إلا أنه ورى أي فعله كبيرهم الذي تزعمون أنه إله. وفعل إبراهيم ﵊ هنا ضرورة، ولا يقال إن التورية جائزة مطلقاً، فالتورية للظالم حرام بالإجماع، وللمظلوم جائزة، أما من ليس بظالم ولا مظلوم ففيها خلاف بين أهل العلم؛ فبضعهم يقول إنها حرام؛ لأن الإنسان يتهم بذلك ويجر على نفسه التهمة، وبعضهم يقول ليست بحرام، والراجح أنها حرام إلا لحاجة؛ لأن الإنسان لو أجزنا له التورية كلما شاء صار كل كلامه تورية، وأدى ذلك إلى عدم وثوق الناس به. وقوله (ومن خيانة) أي: أن الرسل مبرؤون من الخيانة، فهم لا يمكن أن يخونوا لا بالقول ولا بالفعل، حتى إن النبي ﷺ منع من الإشارة بالعين ومن الغمز بالعين، لأن هذا نوع من الخيانة. إذاً فهم صلوات الله وسلامه عليهم قد سلموا من كل كذب، وسلموا من كل خيانة؛ لأن الكذب والخيانة ينافيان الرسالة منافاة كاملة، إذ لا ثقة بقول الخائن ولا ثقة بقول الكاذب، لاحتمال أن يكون ما يقول به من الكذب الذي

стр. 563

كان يكذبه، ولاحتمال أن يكون خان فأخبر بالأمر على خلاف وجهه، لذلك فهم مبرؤون من الكذب والخيانة. لذلك قال ﵀: (لوصفهم بالصدق) وهذا ضد قوله: (من إفك) ، (والأمانة) وهي ضد قوله: (ومن خيانة) ، فهم موصوفون بالصدق عليهم الصلاة والسلام، لأن الله شهد لهم، كذلك موصوفون بالأمانة؛ لأنهم أمناء على وحي الله ، وإذا كان جبريل ﵊ موصوفاً بالأمانة وهو رسول إليهم، فهم كذلك من باب أولى. وأفادنا المؤلف ﵀ أن الرسل معصومون مما ذكر، لكن هل هم معصومون من صغائر الإثم؟ وجواب ذلك أن نقول: إنهم ليسوا معصومين من صغائر الإثم، لكنهم معصومون من إرادة المخالفة، ومن الإصرار على المعصية. وقلنا: إنهم معصومون من إرادة المخالفة. وقلنا: إنهم معصومون من إرادة المخالفة لأن الذي يقع منهم يكون عن قصد اخطئوا فيه الصواب، فمثلاً قال تعالى: (عَفَا اللَّهُ عَنْكَ لِمَ أَذِنْتَ لَهُمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكَ الَّذِينَ صَدَقُوا وَتَعْلَمَ الْكَاذِبِينَ) (التوبة: ٤٣) ، فهو قد أذن لهم اجتهاداً منه ﷺ يظن أن المصلحة في ذلك، ولكن المصلحة في غير هذا، فالمصلحة أن يتأنى حتى يعلم الذين صدقوا ويعلم الكاذبين. وقال تعالى: (يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكَ تَبْتَغِي مَرْضَاتَ أَزْوَاجِكَ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ) (التحريم: ١) ، فالنبي ﷺ حرم ما احل الله له طلباً لمرضاة زوجاته وتأليف قلوبهن، ولكنه لم يحرمه حكماً شرعياً، إنما حرمه امتناعا، يعني حرمه على نفسه، كما يقول أحدنا: حرام علي أن البس هذا الثوب، أو حرام علي أن ادخل هذا البيت، أو حرام علي أن اشتري هذه السيارة مثلاً. فتحريمه ﷺ هذا ليس تحريماً شرعياً، لكنه تحريم امتناع، يعني إنني ألزم نفسي

стр. 564

أن امتنع من هذا الشيء. كذلك قال تعالى: (وَتُخْفِي فِي نَفْسِكَ مَا اللَّهُ مُبْدِيهِ) (الأحزاب: الآية٣٧) ، وهو ﷺ لم يخف في نفسه هذا عناداً ومخالفة؛ لكنه أخفاه تحرياً للمصلحة، ومع ذلك نهي عن هذا، فالحاصل أنهم عليهم الصلاة والسلام لا يمنعون من وقوع صغائر الذنوب، لكنهم لا يفعلونها كما يفعلها غيرهم تعمداً للمخالفة، ولا يقرون عليها أيضاً، بل لابد أن ينبهوا عليها حتى يرجعوا إلى الصواب. مسألة: قال الله تعالى عن يونس ﵊: (وَذَا النُّونِ إِذْ ذَهَبَ مُغَاضِباً فَظَنَّ أَنْ لَنْ نَقْدِرَ عَلَيْهِ) (الأنبياء: الآية٨٧) ، فهل يجوز مثل هذا الظن من الرسل؟ والجواب: أن معنى نقدر أي نضيق كما قال تعالى: (وَمَنْ قُدِرَ عَلَيْهِ رِزْقُهُ فَلْيُنْفِقْ مِمَّا آتَاهُ اللَّهُ) (الطلاق: الآية٧) ، فيونس ﵊ ظن أنه بخروجه هذا أنه يجد سعة عما كان عليه في الأول فظن ذلك، ولكن الله تعالى أراه انه في قبضته وضيق عليه أكثر من ذي قبل، في بطن الحوت: (فَلَوْلا أَنَّهُ كَانَ مِنَ الْمُسَبِّحِينَ) (الصافات: ١٤٣) (لَلَبِثَ فِي بَطْنِهِ إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ) (الصافات: ١٤٤) . مسألة: إذا كان الأنبياء معصومين من فعل الكبائر. وقتل النفس من الكبائر وقد وقع من بعضهم فما الجواب؟ والجواب: أن قتلهم للنفس يكون بتأويل وإذا كان بتأويل فقد يكون الشيء كبيرة لكن في حقهم ليس بكبيرة لأنهم لم يتعمدوا.

стр. 565

ثم قال المؤلف رحمه الله تعالى: وجائز في حق كل الرسل ... النوم والنكاح ومثل الأكل بعد أن تكلم المؤلف ﵀ عن الممتنع في حقهم صلوات الله وسلامه عليهم انتقل إلى الجائز في حقهم، والجائز في حقهم هي الطبائع البشرية، فالطبائع البشرية يستوون فيها مع الناس، ولهذا قالوا للمكذبين: (إِنْ نَحْنُ إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَمُنُّ عَلَى مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ) (إبراهيم: الآية١١) ، وقال خاتمهم محمد صلى الله عليه وعلى آله وسلم: (إنما أنا بشر مثلكم أنسى كما تنسون)) (١) ، وهذه طبيعة بشرية، فهو ﷺ يأكل كما نأكل، ويشرب كما نشرب، ويتقي البرد كما نتقيه، ويتقي الحر كما نتقيه، ويلبس الدروع في الحرب كما نلبسها، وهكذا، فالطبائع البشرية جائزة في حق الرسل. ولهذا قال المؤلف ﵀: (وجائز في حق كل الرسل النوم) ، لكن قد يختصون بخصائص في النوم، منها اختصاص النبي ﷺ بأنه تنام عيناه ولا ينام قلبه، فالإحساس الظاهري منه ينام كغيره، وفي الباطن لا ينام قلبه، فقلبه دائماً مشغول بذكر الله تعالى وبغير ذلك مما أراد . وقوله: (النوم والنكاح) أي والنكاح جائز في حقهم والجواز هنا جواز خلقي، أما شرعاً فهم مأمورون بذلك، لأنهم مشرعون للأمة؛ قال تعالى: (وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلاً مِنْ قَبْلِكَ وَجَعَلْنَا لَهُمْ أَزْوَاجاً وَذُرِّيَّةً) (الرعد: الآية٣٨) ، وقوله: (مثل الأكل) فالأكل أيضاً من الأمور الجائزة، فلا يعاب على الرسول إذا أكل أو شرب أو ما أشبه ذلك، فهذه من الأمور الجائزة، فكل الأمور البشرية جائزة عليهم.

стр. 566

بقي الشيء الواجب، وهو الدعوة إلى الله ، وإبلاغ الرسالة، والنصح للأمة. فيجب عليهم من ذلك ما لا يجب على غيرهم، فهم ملزمون بالبلاغ بكل حال، وملزمون بالدعوة في كل حال، وملزمون بالجهاد من أمر منهم بالجهاد، ووجوب هذه الأشياء عليهم أو كد من وجوبها على غيرهم، ولهذا نقول: الأمور المسنونة يجب على الرسول ﵊ أن يبلغها، ويجب أن يفعلها ليقتدي به الناس، وإن كانت أموراً مسنونة، فإذا كان البلاغ لا يحصل إلا بفعلها وجب على الرسول أن يفعلها لوجوب البلاغ عليه. ومما هو ممتنع في حقهم دعوى الإلوهية أو دعوى الربوبية، ولهذا لما قال الله تعالى لعيسى: (أَأَنْتَ قُلْتَ لِلنَّاسِ اتَّخِذُونِي وَأُمِّيَ إِلَهَيْنِ مِنْ دُونِ اللَّهِ قَالَ سُبْحَانَكَ مَا يَكُونُ لِي أَنْ أَقُولَ مَا لَيْسَ لِي بِحَقٍّ إِنْ كُنْتُ قُلْتُهُ فَقَدْ عَلِمْتَهُ تَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِي وَلا أَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِكَ إِنَّكَ أَنْتَ عَلَّامُ الْغُيُوبِ) (المائدة: الآية١١٦) (مَا قُلْتُ لَهُمْ إِلَّا مَا أَمَرْتَنِي بِهِ أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ رَبِّي وَرَبَّكُمْ) (المائدة: الآية١١٧) . ومما يجوز عليهم الموت، فهو جائز عليهم شرعاً وواقعاً، قال الله تعالى: (إِنَّكَ مَيِّتٌ وَإِنَّهُمْ مَيِّتُونَ) (الزمر: ٣٠) ، وقال تعالى: (وَمَا جَعَلْنَا لِبَشَرٍ مِنْ قَبْلِكَ الْخُلْدَ) (الأنبياء: الآية٣٤) ، وقال تعالى: (وَمَا مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ أَفَإِنْ مَاتَ أَوْ قُتِلَ انْقَلَبْتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ) (آل عمران: الآية١٤٤) ، أفإن مات: أي ميتة طبيعية، أو قتل: أي فمات بسبب القتل، انقلبتم على أعقابكم، إذاً فهو ميت. فإذا قال إنسان: كيف تكون الرسل أمواتاً والشهداء - وهم دونهم - إحياء، كما قال تعالى: (وَلا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتاً بَلْ أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ) (آل عمران: ١٦٩) .

стр. 567

والجواب: أن هذه الحياة التي للشهداء يكون للأنبياء والرسل أعظم منها، لكنها حياة برزخية لا حياة دنيا ولا حياة جسم، وإنما هي حياة برزخية، الله اعلم بكيفيتها. ولكن الخرافيين يأبون إلا أن يقولوا إنها حياة حقيقية، وهم بقولهم ذلك أشد الناس تقصيراً في حق النبي ﷺ ، لأن الواجب عليهم إذا كانوا يعتقدون هذا أن يذهبوا إليه بأكل وشرب لأنه محتاج له، وهذا مثل ما يفعله الرافضة فيما يعتقدونه المهدي الذي سيخرج في آخر الوقت، إذا تسنى له الخروج، حيث يقول السفاريني ﵀ في شرح العقيدة: إنهم كانوا في صباح كل يوم يذهب واحد منهم على فرس مسرج، وبيده رمح، ومعه ماء وعسل وخبز، وذلك كل صباح حتى ترتفع الشمس وييأس من خروجه إلى الفطور، فيرجع، وفي صباح اليوم الثاني مثل ذلك، وهو يأتي بهذا لأجل إذا خرج هذا المهدي من السرداب وجد الفطور جاهزاً والرمح جاهزاً، فأفطر ثم ركب الفرس ودعا إلى الجهاد. فيا لها من عقول سخيفة نسأل الله أن يرزقنا العافية مما ابتلاهم به. فالحاصل أن حياة الرسل والأنبياء في قبورهم أكمل من حياة الشهداء بلا شك، لأنهم أفضل عند الله، ولكن من المتعين أن هذه الحياة حياة برزخية لا حياة دنيوية وإلا لوجب علينا أن نأتي بالطعام والشراب إلى رسول الله ﵊ كل يوم.

стр. 568

فصل في ذكر الصحابة الكرام الصحابي والصاحب والصحب والصحابة لرسول الله ﷺ كلهم لهم ميزة على غيرهم، فالصاحب في غير صحابة الرسول ﷺ هو من كثرت ملازمته لصاحبه، أما الصحابي للرسول ﵊ فهو: (من اجتمع بالنبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم مؤمناً به ولو حكماً ومات على ذلك) . فخرج بقولنا: (من اجتمع) من أسلم في عهد الرسول ﷺ وآمن به لكن لم يجتمع به، مثل أن يكون اقبل على المدينة ليبايع النبي ﷺ فمات الرسول ﵊ قبل أن يصل، فهذا ليس بصحابي، وإن كان قد اسلم في عهد النبي ﷺ ؛ لكنه اصطلحوا على أن يسموه مخضرماً، ومرتبته بين الصحابة الخلص وبين التابعين الخلص، لأنك إن نظرت إلى كونه اسلم في عهد الرسول ألحقته بالصحابة، وإن نظرت إلى أنه لم يجتمع به ألحقته بالتابعين، ولهذا كان في منزلة بين منزلة الصحابة والتابعين ويسمى مخضرماً. وما رواه عن النبي ﷺ فإنه يعتبر منقطعاً، لأنه لم يجتمع بالرسول ﷺ . وقولنا: (مؤمنا به) خرج بذلك من اجتمع بالرسول ﷺ مؤمناً بغيره، ولما مات الرسول ﷺ آمن به، فهذا ليس بصحابي لأنه حين اجتماعه به لم يكن مؤمناً به. ودخل في قولنا (من اجتمع بالنبي) من كان أعمى واجتمع بالرسول ﷺ ، فإنه يكون صحابيا، وبهذا يكون قولنا: (من اجتمع به) أحسن من قول بعض

стр. 569

العلماء: (من رآه مؤمناً به، لأننا لو قلنا: (من رآه) خرج بذلك الأعمى. وقولنا: (ولو حكما) دخل فيه الصبي الذي في المهد إذا اجتمع بالرسول ﵊، كما لو جيء بصبي من أبناء المسلمين إلى الرسول ﵊ ثم مات النبي قبل أن يميز هذا الصبي، فإن هذا مؤمن بالرسول ﷺ حكماً؛ وقلباً لأنه صبي لا عقل له، لكنه مؤمن بإيمان أبويه وعلى هذا فمحمد ابن أبي بكر الذي ولد في حجة الوداع يعتبر صحابياً. وقولنا: (ومات على ذلك) دخل فيه من ارتد ثم رجع إلى الإسلام ومات على الإسلام، فإنه يكون صحابياً، فالردة لا تبطل الصحبة إلا أن يموت على الردة، كما أنها لا تبطل الأعمال الصالحة إلا أن يموت عليها، لقوله تعالى: (وَمَنْ يَرْتَدِدْ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَيَمُتْ وَهُوَ كَافِرٌ فَأُولَئِكَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ) (البقرة: الآية٢١٧) ، وخرج به من اجتمع بالرسول ﵊ مؤمناً به ثم ارتد ومات على الردة، فإنه لا يكون صحابيا. أما من اجتمع بالنبي ﷺ قبل البعثة ثم لم يره بعد وآمن لا يكون صحابيا، لأنه اجتمع بالنبي ﷺ قبل النبوة، ونحن ذكرنا أن الصحابي (من اجتمع بالنبي) أي بوصفه نبياً لا بوصفه رجلاً سينبأ، فمن اجتمع بالرسول ﷺ مؤمنا بالرسول وقال: هذا هو النبي الذي بشرت به التوراة والإنجيل فآمن بالرسول لكن بعد بعثة الرسول لم يره، فإنه لا يعتبر صحابياً؛ لأنه آمن بالرسول ﷺ قبل أن يكون نبيا. وهكذا نقول في الأعمال كلها، فلو أن الإنسان ارتد ثم عاد إلى الإسلام ومات على الإسلام، فإن أعماله السابقة للردة تبقى صحيحة مقبولة، إذا تمت

стр. 570

فيها شروط القبول، فإذا حج الإنسان ثم ارتد بترك الصلاة مثلاً، ثم عاد إلى الإسلام ومات على الإسلام فلا يؤمر بإعادة الحج؛ لأن الردة لا تبطل الأعمال إلا إذا مات وهو على الكفر. أما الصحبة في حق غير الرسول ﷺ فإنها لا تكون إلا بملازمة طويلة يستحق أن يسمى الإنسان بها صاحباً، فلو اتفق شخصا مع آخر في سفر فوصلا إلى المدينة وتفرقا، فإن ذلك لا يعد صحبة إلا مقيدة، فيقال: صحبته في السفر المعين، أو صحبته في الحج، أو ما أشبه ذلك.

стр. 571

ثم قال المؤلف رحمه الله تعالى: ١٤٧- وليس في الأمة بالتحقيق ... في الفضل والمعروف كالصديق ــ الشرح هذه الأمة أفضل الأمم ولله الحمد، ودليل ذلك من القرآن والسنة؛ قال تعالى: (كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ) (آل عمران: الآية١١٠) ، وقال النبي ﵊: ((إنكم تتمون سبعين أمة أنتم خيرها وأكرمها على الله)) (١) . ثم إن خير هذه الأمة الصحابة ﵃، ثم الذين يلونهم، ثم الذين يلونهم)) (٢) ثم إن الصحابة المهاجرين أفضل من الأنصار؛ لأن المهاجرين جمعوا بين النصرة والهجرة، فقد هاجروا أوطانهم وأموالهم وأهليهم إلى الله ورسوله، ونصروا لله ورسوله، قال الله تعالى في وصف المهاجرين: (وَيَنْصُرُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُولَئِكَ هُمُ الصَّادِقُون) (الحشر: الآية٨) ، فنص على الهجرة ونص على النصرة، فهم ﵃ أفضل من الأنصار، وهذا من حيث الجنس. ثم إن أفضل المهاجرين الخلفاء الأربعة: أبو بكر، وعمر، وعثمان، وعلي. وأفضل هؤلاء الأربعة كما قال المؤلف: (وليس في الأمة) أي أمة محمد ﷺ (بالتحقيق) أي بالقول المحقق، الذي دلت عليه النصوص في الكتاب

стр. 572

والسنة، (في الفضل والمعروف كالصديق) الفضل: بذل الخير والإحسان؛ من العلم والمال وغير ذلك. والمعروف: ضد المنكر. فهو جامع ﵁ بين العدل الذي هو المعروف، وبين الفضل الذي هو الإحسان، ويدل لذلك أن الله تعالى لم يصف أحداً من الصحابة بأنه صاحب رسول الله ﷺ إلا أبا بكر، قال الله تعالى: (إِلاّ تَنْصُرُوهُ فَقَدْ نَصَرَهُ اللَّهُ إِذْ أَخْرَجَهُ الَّذِينَ كَفَرُوا ثَانِيَ اثْنَيْنِ إِذْ هُمَا فِي الْغَارِ إِذْ يَقُولُ لِصَاحِبِهِ لا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا) (التوبة: الآية٤٠) ، وهذه منقبة عظيمة لم ينلها إلا من هو أهل لها، وهو أبو بكر ﵁، قال تعالى: (اللَّهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسَالَتَهُ) (الأنعام: الآية١٢٤) ، وهو أعلم سبحانه، حيث يجعل فضله، فهذا الفضل العظيم الذي لأبي بكر لم ينله أحد من الصحابة ﵃. وقال النبي ﵊: ((لو كنت متخذاً من أمتي خليلاً لاتخذت أبا بكر، ولكن إخوة الإسلام ومودته)) (١) ، وقال: ((لا يبقين في المسجد باب ولا خوخة إلا سدت إلا باب أبي بكر)) (٢) ، وقال معلناً على المنبر: ((إن أمنَّ الناس عليّ بماله وصحبته أبو بكر)) (٣) ، فلا يقال بعد هذا إن غيره أفضل منه، مع أن المنة حقيقة للرسول ﵊، فكون أبي بكر يكون صاحباً للرسول ولم يطرده الرسول، أو يعرض عنه، أو يريه وجه غضب، هذا في الواقع منة

стр. 573

للرسول ﷺ ، لكن من كرم الرسول ﵊ أن جعل المنة من أبي بكر عليه. كذلك أيضاً الصحبة المنة فيها للرسول ﷺ . والمنة الأولى للجميع هي من الله ، ولهذا كان الرسول ﵊ كلما ذكر للأنصار يبين لهم ما من الله به عليهم؛ حيث إن الله هداهم به وأغناهم به وألفهم به، قالوا: الله ورسوله أمن. إذاً ليس في الأمة مثل أبي بكر ﵁ في الفضل والمعروف - الذي هو الإحسان والعدل -، وصحبة الرسول ﵊. وفي كل شيء، حتى إن الرسول ﷺ ذات يوم حث على الصدقة فانصرف الناس ليتصدقوا، فقال عمر ﵁، الآن اسبق أبا بكر، فأتى بنصف ماله - في حين أن الواحد منا الآن إذا أراد أن يخرج ربع العشر وهو الواجب صار يحمر ويصفر، ويسأل العلماء لعل أحداً منهم يقول: هذا ليس فيه زكاة - فسأله الرسول ﵊: ما تركت لأهلك؟ قال: شطر المال. فأتى أبو بكر بكل ماله. فسأله الرسول ﵊: ماذا تركت لأهلك؟ قال: تركت لهم الله ورسوله. فقال عمر: الآن لا أسابق أبا بكر أبدا (١) . فعرف أنه عاجز عن أن يسبقه، وعمر هو الرجل الثاني في هذه الأمة إذاً لا يسبق أبا بكر أحد من هذه الأمة، فما دام الرجل الثاني عجز عن سبقه فمن دونه من باب أولى. وقوله: (كالصديق) هذا لقب أبي بكر ﵁، وكنيته أبو بكر،

стр. 574

واسمه عبد الله، وإنما سمي بالصديق - والصديق: فعيل من الصدق - لكمال صدقه في المقال والفعال، ولتصديقه لرسول الله ﷺ حين كذبه الناس. ويقال: إن أول ما لقب بهذا اللقب لما حدث النبي ﷺ عن الإسراء والمعراج، فاتخذت قريش هذا فرصة وذهبت إلى أبي بكر فقالت: إن صاحبك يحدث بحديث المجانين، يزعم أنه ذهب إلى بيت المقدس ورجع منه، ونحن لا نصل إليه إلا في شهر ولا نرجع إلا في شهر، فقال: إن كان ما قلتم حقاً فهو صادق. وقال ذلك احترازا؛ لأنه يحتمل أنهم كذبوا على الرسول، فسمي من ذلك اليوم الصديق. ولا شك أنه أصدق هذه الأمة في المقال والفعال والمقاصد وغيرها، وانه أقواها يقيناً وتصديقاً، فهو ﵁ ليس في هذه الأمة مثله، ولو لم يكن من حسناته على هذه الأمة إلا استخلاف عمر بن الخطاب ﵁ لكفى بذلك فخراً؛ لأنه لا أحد ينكر ما صار لعمر بن الخطاب ﵁ من السياسة الحكيمة، والحكم العادل، والفتوحات العظيمة، وإذلال أهل الشرك، فعمر بذلك يعتبر حسنة من حسنات أبي بكر ﵁ على هذه الأمة.

стр. 575

ثم قال المؤلف رحمه الله تعالى: ١٤٨- وبعده الفاروق من غير افترا ... وبعده عثمان فاترك المرا ــ الشرح قال ﵀: (وبعده الفاروق) أي بعد أبي بكر الفاروق، والفاروق على وزن فاعول، وهو من صيغ المبالغة، مأخوذ من الفرق، وسمي بذلك لأن الله تعالى فرق به بين الحق والباطل، فقد أعز الله تعالى الإسلام بعمر بن الخطاب ﵁، وفرق الله تعالى به بين الحق والباطل في خلافته وقبل خلافته، وجعل الله الحق على لسانه، وقد قال فيه النبي ﵊: ((إن يكن فيكم محدثون فعمر)) (١) ، أي ملهمون بالوحي، وكان ﵁ موفقاً للصواب، حتى إن الوحي أحياناً يأتي موافقا لقوله واقتراحه، فهو ﵁ فاروق فرق الله به بين الحق والباطل، وكان ﵁ بعد أبي ﵁ في الفضيلة، وبعد أبي بكر في الخلافة، وعلى هذا أجمع أهل السنة والجماعة على أن هذين الرجلين أبا بكر وعمر هما أفضل الأمة، وأن أبا بكر أفضل من عمر. وعمر ﵁ ولي الخلافة بتعيين من أبي بكر، فإنه ﵁ عينه وتحمل أبو بكر ﵁ المسؤولية في هذه الأمة حياً وميتاً، لكنه ﵁ أدى الأمانة ووفق، فصار من فضائله على الأمة أن استخلف عمر بن الخطاب، ولا يخفى على أحد منصف فضل عمر بن الخطاب ﵁ إذا قرأ سيرته.

стр. 576

تولى عمر ﵁ الخلافة بعد أبي بكر، وقام بأعباء الخلافة خير قيام، وكثرت الفتوحات على يده وصار له من الهيبة والعظمة ما خذل الله به أعداءه، ومع ذلك فكان متواضعاً يقبل الحق من أي شخص كان، وكان لا يأخذ من بيت المال إلا مثل ما يأخذه أي أحد من الناس، ولا يعطي أحداً من أولاده إلا مثل ما يعطي أحداً من الناس، بل ربما نقصه، ولم يتخذ ﵁ لنفسه بواباً ولا قصراً، بل كان ﵁ ينام في المسجد فيجمع الحصى ثم ينام عليه كوسادة له، وكان عليه رداء مرقعه، وفي سيرته من العجب ما لا يكاد يصدق فيما ينقل عنه، ولهذا أعز الله به الإسلام بعد أن كان خليفة، وقبل أن يكون خليفة. وكان له هيبة عظيمة ﵁، ومن ذلك ما يذكر من أن رجلاً من اليهود في الشام كان منزله إلى جنب بيت المال، فعرض عليه معاوية أن يشتريه منه، قال: بع على البيت - من أجل أن يدخله في بيت المال - فأبى اليهودي، فأعطاه ثمناً أكثر من ثمنه، فأبى. فأدخله معاوية ﵁ في بيت المال وقال: إن شئت أعطيناك، وذلك لما رأى معاوية ﵁ أن المصلحة العامة مقدمة على المصلحة الخاصة. ولكن اليهودي أبى فقدم المدينة يبحث عن عمر، فقيل له: تجده الآن في المسجد، فذهب إلى المسجد فوجده ﵁ نائماً على البطحاء في هدوء، عليه رداء مرقع، كأنه فقير؛ في حين أن معاوية وهو أمير من أمرائه - لما كانوا في الشام يقدسون ملوكهم ويعظمونهم ويجعلون لهم القصور - قد اتخذ لنفسه مثل هذا، لا حباً في الدنيا، ولكن إقامة للسلطة حتى يهابها الناس؛ لأن معاوية لو فعل مثل ما فعل عمر في المدينة وهو في الشام لن يبالي به

стр. 577

الناس. فجاءه الرجل فقص عليه القصة، فيقال انه ﵁ أخذ عظماً من الأرض، وكتب فيه: ليس كسرى بأعدل منا، ووضع خطاً وفوق الخط آخر كالصليب، وقال لليهودي: اذهب أعطه معاوية، فلما جاء به إلى معاوية، وقطعا بينه وبين عمر إشارة وهي ما يسمى في العرف الحاضر ((شفرة)) - لما رأى هذا العظم يقال إنه وضعه على رأسه، ثم قال لليهودي: ماذا تريد؟ أتريد أن أبني لك بيتك وأعيده من جديد؟ أم تريد أن أعطيك عشرة أمثاله أم ماذا تريد؟ فقال الرجل: وهكذا يكون أمراؤكم مع خلفائكم؟ قال: نعم. قال: أشهد أن لا إله إلا الله وأن محمد رسول الله، وأن بيتي صدقة للمسلمين. وبهذا نرى كيف أن العدل يجعل الناس يستجيبون ولو كانوا كفاراً، والظلم والاستئثار يجعل الناس لا يستجيبون ولو كانوا مسلمين. فالحاصل أن عمر بن الخطاب ﵁ مع كونه ذا سلطة عظيمة وهيبة عظيمة إذا جاءه الإنسان وجده كأنه عادي. وكذلك القصة المشهورة - وإن كان فيها شيء من النظر -: أنه لما خطب الناس ﵁ حين تغالوا في المهور، وقال: لا يزيد أحد على مهر النبي ﵊ لأزواجه وبناته إلا جعلت الزائد في بيت المال، فقامت امرأة فقالت: مهلاً يا أمير المؤمنين، ليس ذلك إليك، إن الله تعالى يقول: (وَإِنْ أَرَدْتُمُ اسْتِبْدَالَ زَوْجٍ مَكَانَ زَوْجٍ وَآتَيْتُمْ إِحْدَاهُنَّ قِنْطَاراً فَلا تَأْخُذُوا مِنْهُ شَيْئاً) (النساء: الآية٢٠) . فأقر الله تعالى إيتاء القنطار للزوجة، والقنطار ألف مثقال ذهب، وقيل إنه ملء جلد ثور صغير من الذهب. فقال ﵁: امرأة أفقه من

стр. 578

عمر، ثم ترك الناس، وهذا الحديث في صحته نظر لكنه مشهور عند الناس. وقد كان عمر ﵁ من أكثر الناس تواضعاً؛ وعظ الناس يوماً من الأيام، فقام إليه سلمان الفارسي، وقال: يا أمير المؤمنين، كيف تعطي عبد الله ابن عمر ثوبين ولم تعط الناس إلا ثوباً واحداً من بيت المال؟ فقال له: قم يا عبد الله رد عليه، فقام فرد عليه فقال: إن الثوب الثاني ثوب عمر أعطاه إياه، وليس زائدا على ما يعطي للمسلمين. وكان ﵁ إذا أمر الناس بشيء أو نهاهم عن شيء جمع أهله وقال لهم: إن الناس ينظرون إليكم نظر الطير إلى اللحم - والطيور تنظر إلى اللحم نظر شره تريد أن تبتلعه - وإني قد أمرت بكذا أو نهيت عن كذا، فلا أجد أحدكم مخالفاً إلا أضعفت عليه العقوبة. كل هذا من باب العدل والتخويف، وإلا كان العدل ألا يضعف العقوبة عليهم، لكنه ﵁ له غور في الفقه، قال: إن أقرباء السلطان يخالفون بسلطة قربهم منه، فيتوصلون إلى المخالفة بقربهم من ولي الأمر، فرأى ﵁ أن هذه نوع مخالفة، مع المخالفة الأصيلة، فيجمع عليهم عقوبتين. ومآثره ﵁ كثيرة، وكان آخر أمره أنه سأل الله أن يرزقه الشهادة في سبيله، والموت في بلد رسوله، فكان الناس يتعجبون؛ المدينة بلد إسلام وليس فيها قتال، فكيف يجتمع أنه شهيد في سبيل الله وميت في مدينة رسول الله ﷺ ؟ فاستجاب الله دعوته، وقتل شهيداً في بلد الرسول ﵊، وهو لم يقتل لعداء شخصي، لكنه لعداء ديني؛ لأن القاتل له أبو لؤلؤة المجوسي غلام المغيرة بن شعبة، وكان عمر رضي الله عنه

стр. 579

ينهى أن تكثر العلوج، يعني هؤلاء الأرقاء من الفرس وغيرهم في المدينة، ولكن كان أمر الله مفعولا. وهذا الخبيث لما قتل عمر ﵁ بخنجر له وجهان وكان قد مسكه بالوسط، وكان قد سقى كل جانب منه السم، فلما طعن عمر وهو يصلي بالناس الفجر، قال: أكلني الكلب. فزع الناس فلحقوا هذا الرجل الخبيث الهارب، فقتل نحو ثلاثة عشر نفراً، فلما رأى انه قد أدرك، وألقى عليه أحد الصحابة بساطاً غمه فيه، فلما رأى ذلك قتل نفسه فالحمد لله رب العالمين أنه قتل نفسه على هذا الوجه، وهو لم يسجد لله سجدة، فكان والعياذ بالله آخر أمره أن قتل نفسه، والذي يظهر لنا أنه قتل نفسه على الكفر، وهذا آخر ما حصل لعمر بن الخطاب ﵁، ومن أراد المزيد من ذلك فليقرأ ما كتب عنه في البداية والنهاية وغيرها. ثم قال ﵀: (وبعده عثمان فاترك المرا) أي بعد عمر بن الخطاب ﵁ فالأفضل عثمان، (فاترك المرا) أي الجدال، فإن هذا أمر مفروغ منه؛ أن عثمان ﵁ هو الثالث في الخلافة والفضيلة، وإنما قال: فاترك المراء لكثرة الجدال فيه وفي علي بن أبي طالب ﵄: أيهما أفضل؟ حتى إن بعض علماء السنة قالوا: علي بن أبي طالب أفضل من عثمان، فجعلوه في المرتبة الثالثة في الفضيلة، وعثمان في المرتبة الرابعة، ومنهم من قال: أبو بكر ثم عمر ثم عثمان وسكت، ومنهم من أخذ بما قال المؤلف، وهو أن الأفضل عثمان، ثم علي. وقد قال شخ الإسلام ﵀: وهذا هو الذي استقر عليه أمر أهل

стр. 580

السنة والجماعة: إن ترتيبهم في الفضيلة كترتيبهم في الخلافة: تولى عثمان ﵁ الخلافة لا بنص من عمر وتعيين، ولا باجتهاد مطلق من الرعية، فتوليه للخلافة أمر غريب لم يكن معروفاً؛ لأن عمر لما طعن وقيل له: استخلف على الأمة، قال: إن استخلف فقد استخلف من هو خير مني -يعني أبا بكر -، وإن لم أستخلف فقد ترك من هو خير مني - يعني رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم - وقال: لو كان أبو عبيدة حياً لاستخلفته، يقصد أبا عبيدة عامر بن الجراح؛ لأن النبي ﷺ قال: ((إنه أمين هذه الأمة)) (١) . فسبحان الله كانوا ﵃ لا ينظرون إلى شرف قبيلة، ولا إلى سيادة قوم، بل ينظرون إلى المعاني الشرعية، فقد قال النبي ﵊: ((أمين هذه الأمة أبو عبيدة عامر بن الجراح)) ، فقال عمر ﵁: لو كان حيا لاستخلفته (٢) ، ولكنه مات قبل عمر، ثم جعل الأمر شورى بين الستة الذين توفي عنهم رسول الله ﷺ وهو عنهم راض، فلما توفي جلس هؤلاء للتشاور واستقر الأمر على عثمان، وكان أكثر أهل المدينة يختارون عثمان، فبويع عثمان بالخلافة مبايعة شرعية؛ بايعه عليها علي بن أبي طالب، وبقية أصحاب الشورى وغيرهم، وأجمعت الأمة على ذلك، وصار الخليفة الثالث بإجماع المسلمين. ولهذا قال الإمام احمد ﵀: من طعن في خلافة واحد من هؤلاء فهو أضل من حمار أهله (٣)

стр. 581

أما الرافضة فقد طعنت في خلافة الجميع إلا علي بن أبي طالب ﵁، فضلت بهذا عن الأمة، وعن الحق، بل وعما مشى عليه علي بن أبي طالب ﵁، فإنه بايع أبا بكر وعمر وعثمان اختياراً لا اضطراراً، والعجب أن غلاة الرافضة قالوا: إن علياً فاسق لأنه رضي بالظلم وبايع، وهذه مداهنة، والمداهنة في الحق ضلال وفسق. وإنك لتعجب كيف وصل بهم الحال إلى هذا السفه، والمنصف منهم من يعرف إنه على ضلال، حيث يقولون: نحن شيعة، وهؤلاء أهل سنة. وكل يعرف أن أهل السنة هم على حق لأنهم على السنة، أما الشيعة فمتعصبون لأشخاص معينين، وكونهم يقولون: هؤلاء أهل سنة ونحن شيعة؛ اعتراف منهم بأنهم ليسوا على سنة، وإذا كان كذلك فيقال: اتقوا الله وارجعوا إلى السنة ما دمتم الآن تعترفون أن هؤلاء أهل السنة وأنتم شيعة. ثم نقول: إن أحق الناس تشيعاً لأهل البيت هم أهل السنة، فنحن نحب أهل البيت المؤمنين منهم؛ لكونهم مؤمنين؛ ولكونهم من قرابة الرسول ﵊، ونحن نفضلهم على غيرهم لهذا المعنى، لكن لا نعطيهم الفضل المطلق، بل ننزلهم منزلتهم، وأهل البيت يرضون بهذا غاية الرضى، وكان أمير المؤمنين علي بن أبي طالب وهو إمام أهل البيت ﵁ يقول على منبر الكوفة معلناً: خير هذه الأمة بعد نبيها أبو بكر، ثم عمر (١) ، وأحياناً يقول: ثم عثمان، وأحياناً يسكت. فعلى هذا نقول: إن عثمان ﵁ يلي عمر بن الخطاب في الفضيلة،

стр. 582

وهو الثالث في الفضل في هذه الأمة، وهو الثالث في الخلافة في هذه الأمة، ومن أنكر ذلك بالنسبة للخلافة فيقول الإمام احمد ﵀: إنه أضل من حمار أهله، وإنما قال: إنه أضل من الحمار؛ لأن الحمار من أبلد الحيوانات، ولهذا مثل الله اليهود بالحمار، الذين حملوا التوراة ثم لم يحملوها قال تعالى: (مَثَلُ الَّذِينَ حُمِّلُوا التَّوْرَاةَ ثُمَّ لَمْ يَحْمِلُوهَا كَمَثَلِ الْحِمَارِ يَحْمِلُ أَسْفَاراً) (الجمعة: الآية٥) فإنك إذا حملت على الحمار كتاب المغني، والمجموع، والإنصاف، وتفسير ابن كثير، وفتح الباري - فإنه لا يستفيد منها شيئاً، فالحمار لا يهمه إلا المبيت والمأوى والأكل والشرب، وأما غير ذلك فلا يشغل مخه به، وليس عنده تفكير. ولهذا قال الإمام احمد: إن من طعن في خلافة واحد من هؤلاء فهو أضل من حمار أهله.

стр. 583

ثم قال المؤلف رحمه الله تعالى: ١٤٩- وبعد فالفضل حقيقا فاسمع ... نظامي هذا للبطين الأنزع ١٥٠- مجدل الأبطال ماضي العزم ... مفرج الأوجال وافي الحزم ١٥١- وافي الندى مبدي الهدى مردي العدا ... مجلي الصدا يا ويل من فيه اعتدى ــ الشرح قال ﵀: (وبعد فالفضل حقيقا فاسمع) بعد: أي بعد الخلفاء الثلاثة الراشدين: أبي بكر، وعمر، وعثمان. وبعد ذلك (فالفضل حقيقاً) أي حقيقة، أو حقيقاً: بمعنى جديرا، كما في قوله تعالى: (حَقِيقٌ عَلَى أَنْ لا أَقُولَ عَلَى اللَّهِ إِلَّا الْحَقَّ) (الأعراف: الآية١٠٥) فهي صالحة لهذا وهذا، قال: (فاسمع نظامي هذا) فأمر بسماع النظام للتأكيد والتنبيه. (للبطين) خبر قوله: فالفضل، أي فالفضل كائن للبطين الأنزع، والبطين: أي واسع البطن، و (الأنزع) : الذي انحسر شعر مقدم رأسه، والبطين ضده الضامر، وهو الذي بطنه ليست واسعة، والأنزع ضده الأفرع، وهو الذي نزل شعر رأسه إلى جبهته. ونزع شعر الرأس ممدوح عند العرب، يقول الشاعر لزوجته: فلا تنكحي إن فرق الدهر بيننا أغم القفا والوجه ليس بأنزع إذاً وصف هذا المذكور بوصفين: أولاً: أنه بطين، وثانيا: أنه انزع. وأراد المؤلف ﵀ بهذا الوصف التعريف لا الذم؛ لأنه لا يريد أن

стр. 584

يذم علي بن أبي طالب ﵁ في هذا الوصف، بل أراد أن يعرفه، وكان ﵁ بطيناً أي واسع البطن وقد علم بهذا الوصف، وكان أنزع أي منحسر شعر الرأس من الإمام، وهذا لا يدل على شيء وإنما هو خلقة، ويكون عند الكبر كثيراً كما هو معروف ومشاهد. قوله: (مجدل الأبطال) ، التجديل معناه أنه يوقعهم صرعى، (والأبطال) جمع بطل، وهم الشجعان، (ماضي العزم) يعني أنه ذو عزيمة ماضية لا ينثني. قوله: (مفرج الأوجال) الأوجال: جمع وجل وهو الخوف، يعني أنه يفرج الخوف من شجاعته ﵁، ولا شك أنه ﵁ كان من أشجع الناس، (وافي الحزم) يعني أنه ذو حزم، ووافي: أي كامل. وقد يقول قائل تعليقاً على قول المؤلف ﵀ في وصف علي بن أبي طالب ﵁: (مفرج الأوجال) و (مجلي الصدا) : أليس في هذا العموم غلو؟ والجواب: الحقيقة أن فيه شيئاً من الغلو، خصوصا (مفرج الأوجال) ، لكن يقال في الاعتذار عن المؤلف ﵀: إن هذا وصف إضافي، بمعنى أنه عندما يخاف الناس يكون هو الذي يزيل الخوف عنهم، لكن بأمر الله ، وإلا فإن التفريج المطلق لا يكون إلا لله . أما مجلي الصدا فكذلك أيضاً يمكن أن يقال إن فيه شيئاً من المبالغة، لكنه ﵀ إنما أطنب في وصف علي بن أبي طالب ﵁ لأسباب سيأتي ذكرها إن شاء الله. (وافي الندى) الندى: أي الفضل والعطاء، وافيه: أي كامله، (مبدي

стр. 585

الهدى) مظهر الهدى، وهو العلم، وقد اشتهر علي ﵁ بسعة علمه وذكائه، (مردي العدا) مردي: أي مهلك، كما قال تعالى: (وَمَا يُغْنِي عَنْهُ مَالُهُ إِذَا تَرَدَّى) (الليل: ١١) أي إذا هلك، والعدا: جمع عدو، هذه ثلاثة أوصاف بالإضافة إلى ما سبق فتكون تسعة أوصاف. (مجلي الصدا) مجلي: أي مذهب، والصدا: في الأصل هو الوسخ الذي يكون على الحديد لطول مكثه، أو لكونه حول الماء؛ فهذا يجلوه ويزيله. وقوله ﵀: (يا ويل من فيه اعتدى) يا ويل: (يا) هذه للندبة، وويل: أي هلاك، من فيه اعتدى: أي من اعتدى في علي بن أبي طالب ﵁، ويريد بذلك الوعيد على من اعتدى في حق علي بن أبي طالب بإفراط أو تفريط؛ كلهم يا ويلهم، فالذين اعتدوا في حقه بالإفراط هم الرافضة، والذين اعتدوا في حقه بالتفريط هم الناصبة. وذكر المؤلف ذلك لأنه هلك في علي بن أبي طالب طائفتان؛ طائفة غلت وطائفة فرطت. الطائفة الأولى: وهي الطائفة التي غلت في علي بن أبي طالب ﵁، حيث غلوا فيه حتى جعلوه إلهاً، حتى أنهم صرحوا بذلك، فقد قال عبد الله بن سبأ وشيعته لعلي بن أبي طالب صراحة ومقابلة: أنت الله حقاً، وهو يهودي خبيث دخل في دين الإسلام ظاهراً ليفسده. وقد قال شيخ الإسلام ﵀: كما ظهر بولس في دين النصارى، وتنصر ظاهراً من أجل أن يفسد دين النصارى، فإن هذا الخبيث عبد الله بن سبأ اليهودي الماكر دخل في دين الإسلام على أنه مسلم (١) ، لكن أتى إلى

стр. 586

علي بن أبي طالب وقال له: أنت الله، فأمر علي ﵁ لشدة ما جرى- بالأخدود فحفرت، ثم أمر بالحطب فجمع في هذه الأخدود، ثم أمر بعبد الله بن سبأ وشيعته أن يلقوا في هذه الأخدود بعد أن أضرم فيها النار، فأحرقوا. ويقال: إن عبد الله بن سبأ هرب وذهب إلى مصر، وبث دعوته فيها، ثم إلى العراق، ثم إلى فارس، فانتشرت دعوته. فهؤلاء اعتدوا في علي بن أبي طالب بالإفراط وزيادة الحد. الطائفة الثانية: وهي الطائفة التي فرطت فيه، وهذه الطائفة قابلوا القسم الآخر، وذلك لأن العادة أنه إذا وجد غلو في جانب وجد تطرف في جانب آخر، وهذا يكون من أجل مواجهة ذلك الغلو، فهؤلاء أناس صاروا على العكس نواصب نصبوا العداوة لأهل البيت، وعلى رأسهم علي بن أبي طالب ﵁، فجعلوا يسبونهم ويلعنونهم ويعتدون في حق آل البيت - والعياذ بالله-. فيا ويل الطرفين هؤلاء وهؤلاء، ولا شك أن المفرط أشد ضررا على الإسلام من المفرط، لأن المفرط تعدى طوره كثيراً حتى جعل علي بن أبي طالب إلهاً، وجعل من أئمة أهل البيت من يعلم الغيب، ويدبر الكون، حتى سمعنا في أشرطتهم من يقول: إن جميع الكون تحت ظفر فلان، يدبره حيث شاء. وقوله: تحت الظفر، جعل كل الكون وسخاً من أوساخ الأظفار، نسأل الله العافية. وهذا أشد. وهم في الحقيقة يصوغونه بصيغة عاطفية، حتى في أداء شعائرهم التي يترنمون بها من الدعاء لآل البيت والدعوة له، فتجدهم يترنمون بصوت

стр. 587

حزين يشد العاطفة، أما الذين ينصبون العداوة لأهل البيت فلا يطيعهم أحد، بل كل الناس ينفرون مما ذهبوا إليه. لكن هؤلاء حيث أنهم يخاطبون العاطفة صار ضررهم على الناس أكثر جداً. ولهذا فإنك لو قارنت بين الروافض والنواصب من حيث العدد، لوجدت أن النواصب لا ينسبون إلى الروافض. فإن قال قائل: لماذا أطنب المؤلف ﵀ في وصف علي بن أبي طالب ﵁، دون الثلاثة الأولين وهم أفضل منه؟ فالجواب: انه أطنب في ذلك لسببين: السبب الأول: الرد على النواصب، فإنه لما كان موقف النواصب هو السب لعلي بن أبي طالب ﵁، فأراد المؤلف ﵀ أن يمدحه، ويثني عليه بما هو أهله، رداً على هؤلاء النواصب. السبب الثاني: الرد على الروافض، وكأنه قال: إن علي بن أبي طالب ﵁ مع هذه الأوصاف الكريمة، والآداب العالية، والشجاعة التامة، لا يستحق أن يترقى إلى المكان الذي رقاه إليه هؤلاء الرافضة. فصار في إطناب المؤلف ﵀ في مدح علي بن أبي طالب ﵁ فائدتان: الأولى: الرد على النواصب، والثانية: الرد على الرافضة. يعني أننا - أيها الروافض - نقر بفضله وأن فيه من الفضل كذا وكذا وكذا، لكننا لا ننزله فوق منزلته كما فعلتم أنتم.

стр. 588

ثم قال المؤلف رحمه الله تعالى: ١٥٢- فحبه كحبهم حتما وجب ... ومن تعدى أو قلى فقد كذب ــ الشرح قوله ﵀: (وحبه كحبهم حتماً وجب) حبه: أي حب علي بن أبي طالب، كحبهم: أي حب الثلاثة؛ أبي بكر وعمر وعثمان، حتماً وجب: أي وجب حتماً، يعني: وجوباً حتماً مؤكداً. ومحبة علي بن أبي طالب ﵃ واجبة لوجوب محبة الصحابة ﵃، والدليل على وجوب محبة الصحابة قوله تعالى: (رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالإيمَانِ وَلا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلّاً لِلَّذِينَ آمَنُوا) (الحشر: الآية١٠) ووجه ذلك أنهم سألوا الله أن يتخلوا من هذا الغل الذي يكون في القلوب، وهذا يقتضي وجوب المحبة، ولأحاديث كثيرة، منها قوله ﷺ : ((من أحب في الله وابغض في الله ووالى في الله وعادى في الله؛ فإنما تنال ولاية الله بذلك)) (١) ، ومنها قوله ﷺ : ((والذي نفسي بيده لا يذوق أحد حلاوة الإيمان.. وذكر منها: ((أن يحب المرء لا يحبه إلا لله)) (٢) . ونشهد الله على محبته، ونشهد الله على محبة إمامنا وإمامهم محمد ﷺ ، فالمحبة أولاً وآخراً كلها للرسول، ونحن لم نحب

стр. 589

هؤلاء إلا بمحبة الرسول ﵊، وإلا لكانوا من رجالات قريش وليس لهم فضل، لكن لمحبة الرسول له فإننا نحبهم. ثم إن محبتنا للرسول ﷺ أيضاً تابعة لمحبة الله، لأن المحبة، الأولى، والأخيرة، والنهاية، والبداية، كلها لله ، خلافا لمن صاروا الآن يحبون الرسول أكثر من محبة الله ، وإذا ذكر الرسول ﷺ عندهم بكوا وتهاملت الدموع، وإذا ذكر الله فالوجه هو الوجه لا تغير ولا بكاء - نسال الله العافية والسلامة - سبحان الله! الرسول ﷺ لم ينل هذا الشرف إلا لأنه رسول الله، ولأن الله يحبه، وإلا لكان بشراً عادياً لا يحب ولا يكره إلا بما فيه من الخير والشر. فنحن نحب الرسول ﷺ لمحبتنا لله تعالى الذي أرسله، ونحب الخلفاء الراشدين لمحبتهم للرسول ﵊، ولمحبتنا للرسول وهم خلفاؤه. فحب علي بن أبي طالب كحب الثلاثة الآخرين واجب حتماً، فيجب علينا أن نحبه. وقد يقول قائل: إن المحبة وصف فطري نفسي لا يملكه الإنسان، ولهذا يذكر عن النبي ﵊ أنه قال: ((هذا قسمي فيما املك فلا تلمني فيما لا أملك)) (١) ، يعني بذلك المحبة، والإنسان لا يمكن أن يجعل في قلبه محبة إنسان يبغضه. لكن المحبة يمكن أن تنال بالكسب؛ بأن تذكر صفات الكمال في هذا

стр. 590

الرجل، فإذا ذكرت أوصاف الكمال، واعتقدت ثبوتها فيه، والنفوس تميل بلا شك إلى الكمال فتحبه، ولهذا جاء في الحديث: ((أحبوا الله لما يغذوكم به من النعم)) (١) ، يعني أنك على الأقل إذا ذكرت نعم الله عليك فسوف تحبه لذلك؛ لأنك إذا من عليك أحد بمنة فانك تحبه، ((تهادوا تحابوا)) (٢) ، وهذا شيء مجرب. ومعلوم أن الإنسان لا يمكن أن يقع في نفسه محبة إلا لسبب ظاهر يحمله على المحبة، فإذا كان الأمر كذلك فاذكر ما للنبي ﵊، وما للخلفاء الراشدين، وما لغيرهم من عباد الله؛ من الصفات الحميدة، والخصال الطيبة، وحينئذٍ لابد أن تحبه. ولهذا فأحياناً يجمع الإنسان في قلبه بين محبة شخص وكراهته. فإن قال قائل: إن المحبة والكراهة ضدان لا يجتمعان؟ فيقال: بل يجتمعان، حيث يكون في الإنسان خير ويكون فيه الشر، فيحب لخيره، ويكره لشره، ثم إذا كان منصفاً عمل بأقوى الجانبين؛ فإن غلب خيره على شره غلبت محبته على كراهته، واغتفر شره بجانب الخير الغالب فيه. ولهذا قال ابن رجب ﵀ في أول قواعد الفقه قولاً حكيماً صحيحاً، حيث قال: ويأبى الله العصمة لكتاب غير كتابه، والمنصف من اغتفر قليل خطأ المرء في كثير صوابه (٣) . فنحن إذا نظرنا ما للصحابة الكرام ﵃ من الفضائل والسبق أحببناهم؛ فيجب علينا أن نحب الخلفاء الأربعة كلهم، كما يجب علينا أن

стр. 591

نحب بقية الصحابة ﵃، لكن لكل درجات مما عملوا. ثم قال المؤلف ﵀: (ومن تعدى أو قلى فقد كذب) تعدى: مثل الرافضة، أو قلى: يعني أبغض كالنواصب، (فقد كذب) نعم، لا شك أن من تعدى في حق هؤلاء، وتجاوز الحد، فقد كذب، ومن قلى وأبغض فقد كذب. إذاً فالرافضة مخطئون من الجانبين؛ تعدوا في علي، وقلوا في بقية الخلفاء، فجمعوا بين الشرين وبين الفسادين؛ غلو زائد في علي بن أبي طالب ﵁، وتفريط زائد في حق الخلفاء الراشدين الثلاثة، حتى إن بعضهم - والعياذ بالله - يلعن أبا بكر وعمر صراحة، ويقول: إنهما ظالمان، وإنهما ممن يذاد عن حوض الرسول ﷺ يوم القيامة. قاتلهم الله! كيف يذاد رجلان دفنا إلى جنب الرسول ﵊؟! ولم تحصل هذه الفضيلة لأحد سواهما أبدا، ولهذا كانا رفيقيه في الدنيا، ورفيقيه في البرزخ، وسيكونان رفيقيه في يوم القيامة ﵄ وأرضاهما -. وهنا يرد سؤال بالنسبة لقول الرافضة: علي كرم الله وجهه، أو الإمام علي؟ فالحقيقة أن هذه من شعار الرافضة، ونحن نقول؛ علي إمام ولا شك، وقوله متبوع بأمر الرسول ﵊: ((عليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين)) (١) ، وعلي منهم، ونقول: أبو بكر إمام، وعمر إمام، وعثمان إمام، بل نقول: من دون هؤلاء إمام؛ الإمام احمد بن حنبل، الإمام

стр. 592

الشافعي، الإمام أبو حنيفة، فليست الإمامة خاصة بعلي بن أبي طالب، إلا إذا كانوا يريدون بها إمامة هم يدعونها وهي إمامة العصمة، فنحن لا نقرهم على ذلك، لا في علي ابن أبي طالب ولا في غيره إلا الرسول ﷺ . أما قولهم: كرم الله وجهه، فالتكريم ليس بأبلغ من الرضا، بل الرضا أبلغ، والدليل على ذلك أن أهل الجنة يقول الله لهم: ((تمنوا علي)) ، فيقولون: الم تعطنا؟! الم تفعل؟! ألم تفعل؟! ويذكرون نعمه عليهم، ثم يقول: ((إن لكم عليّ أن احل عليكم رضواني فلا اسخط بعده أبدا)) (١) ، فصار الرضوان أعظم من التكريم. فهؤلاء الذين أرادوا أن يكرموا علي بن أبي طالب عدلوا عن الأفضل إلى المفضول، فنقول لهم: إنكم إذا قلتم: علي بن أبي طالب ﵁، فإن ذلك أفضل مما إذا قلتم: علي كرم الله وجهه؛ لأن التكريم دون الرضا، والدليل حديث أهل الجنة مع الله حين يذكرون نعمه عليهم فيقول ((احل عليكم رضواني فلا اسخط بعده أبداً)) . لكن الإنسان الذي يريد الباطل، فإنه بإذن الله يحرم الحق، فلما أرادوا الباطل بهذا، وتخصيص علي بن أبي طالب ﵁ بهذا حرموا الحق، وعدلوا إلى المفضول مع وجود الأفضل. ثم إننا نقول: إن أكمل شيء يناله العبد هو رضا الله، قال تعالى: (وَالسَّابِقُونَ الْأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسَانٍ رَضِيَ اللَّهُ

стр. 593

عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ) (التوبة: الآية١٠٠) ، فلم يقل الله تعالى إنه كرم وجوههم، ولكن قال تعالى: (رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْه) (التوبة: الآية١٠٠) . وقال تعالى (إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ أُولَئِكَ هُمْ خَيْرُ الْبَرِيَّةِ) (البينة: ٧) (جَزَاؤُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ جَنَّاتُ عَدْنٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَداً رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ) (البينة: الآية٨) ، ختمها بهذا: (ذَلِكَ لِمَنْ خَشِيَ رَبَّهُ) (البينة: الآية٨) ثم إنهم يزعمون أنهم يصفونه بكرم الله وجهه لأنه لم يسجد لصنم، ونقول لهم: إذا كان الأمر كذلك فما أكثر الصحابة الذين لم يسجدوا لصنم، فكل الذين ولدوا في الإسلام لم يسجدوا لصنم، والذين ولدوا في الجاهلية لا نعلم أنهم سجدوا للأصنام أم لم يسجدوا. مسألة: هل نطلق على من سب الصحابة ﵃ بالكفر؟ الجواب: نعم قال شيخ الإسلام ﵀ من سب الصحابة جميعاً أو اعتقد أنهم ارتدوا بعد موت النبي ﷺ فلا شك في كفره، بل لا شك في كفر من شك في كفره.

стр. 594

ثم قال المؤلف رحمه الله تعالى: ١٥٣- وبعد فالأفضل باقي العشرة ... فأهل بدر ثم أهل الشجرة ١٥٤- وقيل أهل احد المقدمة ... والأول أولى للنصوص المحكمة ــ الشرح ثم قال المؤلف ﵀: (وبعد فالأفضل باقي العشرة) بعد: أي بعد الخلفاء الأربعة، (فالأفضل باقي العشرة) وهم ستة. وهؤلاء العشرة هم المبشرون بالجنة، أطلق عليهم هذا اللقب لأن النبي ﷺ ذكرهم في نسق واحد، في حديث واحد. فقال: ((أبو بكر في الجنة، وعمر في الجنة، وعثمان في الجنة، وعلي في الجنة، وسعيد بن زيد في الجنة، ... )) (١) ، وقد جمعوا هؤلاء الستة المتممين للعشرة في بيت واحد وهو: سعيد وسعد وابن عوف وطلحة ... وعامر فهو والزبير الممدح فالخلفاء الأربعة وهؤلاء الستة المذكورون في البيت، وهم: سعيد بن زيد، وسعد بن أبي وقاص، وعبد الرحمن بن عوف، وطلحة بن عبيد الله، وعامر ابن الجراح - أبوعبيدة -، والزبير ابن العوام: مجموعهم عشرة، وقد عدهم النبي ﵊ في نسق واحد في حديث واحد قال: هؤلاء في الجنة.

стр. 595

فبشرهم النبي ﷺ بالجنة، وأخبر بأنهم في الجنة، وهذه بشرى لهم، ويجب علينا أن نقول: إن هؤلاء أفضل الصحابة؛ لأن النبي ﷺ جمعهم في نسق وحد. وفي حديث واحد. فإن قيل: هل اقتصرت شهادة الرسول ﷺ بالجنة على هؤلاء؟ فالجواب: لا، فقد شهد لأناس كثيرين غير هؤلاء؛ منهم عكاشة بن محصن، فقد شهد له النبي ﷺ بأنه يدخل الجنة بلا حساب ولا عذاب، وذلك أنه لما حدث الرسول ﵊ أن من أمته سبعين ألفاً يدخلون الجنة بلا حساب ولا عذاب، قام عكاشة فقال: ادع الله أن يجعلني منهم. فقال: ((أنت منهم)) (١) . وكذلك ثابت بن قيس بن شماس ﵁، حيث قال له النبي ﵊: ((إنه يحيا سعيداً، ويقتل شهيداً، ويدخل الجنة)) (٢) . وكذلك المرأة التي كانت تصرع، فقال لها النبي ﵊: ((إن شئت دعوت الله لك، وإن شئت صبرت ولك الجنة)) (٣) ، فقالت: اصبر. وإذا تتبع الإنسان هذا فإنه يتبين له أناس كثيرون ممن شهد لهم النبي ﷺ بالجنة. والشهادة بالجنة نوعان: شهادة بوصف وشهادة بشخص. أما الشهادة بالوصف: فان تشهد لكل مؤمن بأنه في الجنة على سبيل العموم. وأما الشهادة بالشخص: فأن تشهد لشخص بعينه بأنه من أهل الجنة، وكلتا

стр. 596

هاتين الشهادتين قد دل عليها الكتاب والسنة. فمثلاً بين الله تعالى في القرآن أن الجنة أعدت للمتقين، فنشهد لكل المتقين أنهم في الجنة، لكن لا نشهد لفلان أنه في الجنة إذا رأينا تقيا لاحتمال أن يرد عليه في آخر عمره أشياء تصرفه عن التقوى، فلا نشهد بالجنة بالتعيين إلا لمن عينه الرسول ﷺ ، ولا نشهد بالوصف إلا لمن شهد له الله ورسوله. والشهادة بالوصف لا تجوز الشهادة بالعين، فمثلاً نقول: كل مؤمن فإنه في الجنة، وكل تقي فإنه في الجنة، لكن لا نشهد بان فلاناً المعين في الجنة. كذلك أيضا في الشهادة؛ فكل من قتل في سبيل الله فهو شهيد، لكن لو رأينا رجلاً مسلماً قتل في المعركة فلا نقول: إنه شهيد؛ لأننا لو قلنا: إنه شهيد لزم من ذلك أن نشهد له بالجنة، وهذا لا يجوز. وقال شيخ الإسلام ﵀: من أجمعت الأمة أو كادت أن تجمع على الثناء عليه، فإننا نشهد له بالجنة (١) ، واستدل لذلك بقوله تعالى: (وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطاً لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ) (البقرة: الآية١٤٣) ، فإنه قد مرت جنازة والنبي ﷺ جالس وأصحابه فاثنوا عليها خيرا، فقال: ((وجبت)) . ثم مرت أخرى فأثنوا عليها شراً، فقال: ((وجبت)) . فقالوا: يا رسول اله، ما وجبت؟ قال: ((مرت الجنازة الأولى فأثنيتم عليها خيراً، فقلت: جبت؛ أي وجبت له الجنة، والثانية أثنيتم عليها شراً، فقلت: وجبت؛ أي وجبت له النار. إنتم شهداء الله في أرضه)) (٢)

стр. 597

وعلى رأي شيخ الإسلام ﵀ فإنه يجوز أن نشهد للإمام أحمد بأنه من أهل الجنة، لاتفاق الناس أو جملتهم عليه، وكذلك بقية الأئمة، وأئمة الإتباع؛ لأنهم ممن اتفق الناس أو جلهم على الثناء عليهم. قال المؤلف ﵀: (فأهل بدر) أي بعد العشرة أهل بدر، والعشرة من أهل بدر، يعني لا يمتنع أن يكون في الإنسان وصفان. وأهل بدر هم الذين قاتلوا مع النبي ﷺ في بدر، وكانت غزوة بدر في السنة الثانية من الهجرة في رمضان، وكان سببها أن النبي ﷺ سمع بعير لقريش جاءت من الشام تريد مكة، وهي لابد أن تمر بالمدينة أو حولها، فندب أصحابه إلى الخروج لهذه العير لأخذها، فانتدب منهم ثلاثمائة وبضعة عشر رجلاً فقط، على سبعين بعيراً وفرسين. وكانوا لا يريدون غزواً ولا فكروا أن يكون هناك غزو، إنما أرادوا عير قريش مع أبي سفيان، وهي عير كثيرة محملة بالطعام والثياب وغيرها، ولذلك كان معها أبو سفيان من كبراء قريش، فلولا أنها عير كثيرة لم يكن معها هذا الزعيم. فإذا قال قائل: كيف يجوز للرسول ﷺ أن يخرج ليأخذ أموالهم؟ نقول: فالجواب: أن أخذ أموالهم ليس بشيء بالنسبة لإخراج الرسول ﷺ وأصحابه من ديارهم، فهؤلاء اخرجوا الرسول ﷺ وأصحابه من ديارهم وأموالهم، والرسول ﷺ أراد أن يأخذ أموالهم فقط، وهي من الأنفال التي نفله الله : (قُلِ الْأَنْفَالُ لِلَّهِ وَالرَّسُولِ) (الأنفال: الآية١) . فلما سمع أبو سفيان بالخبر، وأن الرسول خرج هو وأصحابه إليهم، وكان رجلا ذكياً، عدل عن الطريق إلى ساحل البحر وأرسل إلى أهل مكة

стр. 598

يستصرخهم؛ لا للقتال، ولكن لإنقاذ العير فقط، وظن أنهم سيرسلون فلاناً وفلاناً من عامة الناس لإنقاذ العير ويرجعون، ولكن قريش أخذتهم الحمية، وقالوا: كيف يتعرض محمد لعيرنا بقيادة زعيم من زعمائنا؟! لابد أن نخرج ونقضي عليه. وتشاوروا فيما بينهم، وفي النهاية أجمعوا على أن يخرجوا للرسول ﵊ بكبرائهم؛ خرجوا بطراً ورئاء الناس، بحدهم وحديدهم، وخيلهم ورجلهم، وزعمائهم ومن دونهم، وجاءوا إلى الرسول ﵊. فلما كانوا في أثناء الطريق تشاوروا فيما بينهم: هل نمضي أو نرجع؟! فكان أبو جهل يلمزهم في هذا، ويقول: كيف تفكرون في الرجوع وأنتم خرجتم؟! والله لا نرجع حتى نقدم بدراً ونقيم فيها ثلاثاً؛ ننحر الجذور، ونسقي الخمور، وتعزف علينا القيان، وتسمع بنا العرب، فلا يزالون يهابوننا أبداً. وهذا فخر وبطر منه، ولكن الحمد لله؛ فلم تنحر الجذور ولكن نحر هو!! فقدموا بدراً وتلاقى الصفان، وتراءى الجمعان، وحصل ما حصل، وبني للنبي ﷺ عريش يدخل فيه يدعو الله بالنصر؛ لأنه إذا استنفذنا قوتنا المادية الحسية لم يبق لنا إلا الدعاء. فالدعاء مع القوة المادية الحسية وعدم استعمالها خطأ، لكن الدعاء عند العجز واجب، وإن جمعت بينهما فخير. فكان الرسول ﷺ يدعو الله . فماذا كان الأمر؟ قال الله تعالى: (إِذْ يُوحِي رَبُّكَ إِلَى الْمَلائِكَةِ أَنِّي مَعَكُمْ فَثَبِّتُوا الَّذِينَ آمَنُوا سَأُلْقِي فِي قُلُوبِ الَّذِينَ

стр. 599

كَفَرُوا الرُّعْبَ فَاضْرِبُوا فَوْقَ الْأَعْنَاقِ وَاضْرِبُوا مِنْهُمْ كُلَّ بَنَانٍ) (الأنفال: ١٢) ، فنفرت الملائكة، ونزلت تقاتل؛ تثبت المؤمنين، وتلقي في قلوب الكفار الرعب، فهربوا، وقتل منهم سبعون رجلاً، واسر سبعون رجلاً. وكان ممن قتل هذا الزعيم الذي يقول: إننا لن نرجع حتى نقدم بدراً، وأخر ما قال: وتسمع بنا العرب فلا يزالون يهابوننا أبداً. لكن العرب سمعت بهم فنزلت مرتبتهم عند العرب!! فالحاصل أن أهل بدر في الفضل يلون العشرة المبشرين بالجنة، لما لهم من بلاء حسن في غزوة بدر. وقد يرد هنا إشكال على قوله تعالى لأهل بدر: (اعملوا ما شئتم فقد غفرت لكم) (١) ؛ فإن ظاهر هذا القول العموم، يعني أنه يشمل الكفر وما هو دونه، والجواب على هذا بأحد وجهين: الأول: أن يقال أنهم لا يمكن أن يشاءوا الكفر لما حل في قلوبهم من الإيمان الراسخ الذي لا يمكن أن يدخل من خلاله الكفر، فيكون في هذا بشارة لهم أنهم لن يكفروا، ويبقى ما دون الكفر مكفر بهذه الغزوة. إذاً فقوله: ((ما شئتم)) لا يدخل فيه الكفر لأنهم لا يمكن أن يشاءوا الكفر بسبب ما قدموه من هذه الحسنات العظيمة، ويكون في هذا بشارة لهم بأنهم لن يكفروا. ثانياً: أنه على فرض كفرهم سوف ييسرون للتوبة حتى يغفر لهم: (قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ يَنْتَهُوا يُغْفَرْ لَهُمْ مَا قَدْ سَلَفَ) (الأنفال: الآية٣٨) ، فيكون في هذا

стр. 600

بشارتان، إما بأنهم لن يكفروا، أو أنه لو قدر أنهم كفروا فإنهم سوف يعودون إلى الإسلام، ويغفر لهم ما قد سلف، ومن تتبع أحوالهم لم يجد أحداً منهم ارتد، فكل الذين في غزوة بدر لم يرتد منهم أحد، وبهذا يكون المعنى الأول اقرب واصح، وهو أنهم لن يشاءوا الكفر. ثم قال المؤلف ﵀: (ثم أهل الشجرة) أي بعد أهل بدر أهل الشجرة؛ و (الـ) هنا في قوله: (أهل الشجرة) للعهد الذهني، أي الشجرة التي بايع تحتها رسول الله ﷺ أصحابه. وذلك أن النبي ﷺ خرج في ذي القعدة ومعه نحو ألف وأربعمائة رجل، خرج قاصداً البيت الحرام للعمرة، ومعه البدن قد ساقها ﵊ تعظيماً لله ولبيته الحرام، فلما وصل إلى الحديبية - وهي مكان بعضها من الحل وبعضها من الحرم - صده المشركون، وقالوا: لا يمكن أن تدخلوا علينا مكة وأن نؤخذ ضغطة. وهذا من حمية الجاهلية؛ لأن قريشاً لا تمنع أي أحد من الحج أو من العمرة، بل ترحب به؛ لأنه يفيدها اقتصادياً، لكن محمد ﷺ وهو أولى الناس بالبيت هو ومن معه، هو الذي يصد، وهذه حمية جهل لا حمية علم. فمنعوه. وجرت بينه وبينهم مراسلات، فبايع النبي ﵊ أصحابه تحت هذه الشجرة على أن لا يفروا أبداً، وذلك لأنه أشيع أن عثمان بن عفان ﵁ وهو السفير بين الرسول ﷺ وبين قريش - حين بعثه رسول الله ﷺ إلى مكة، أنه قتل، فقال: لئن كان كذلك لأناجزنهم أن يقتلوا رسولي، لأن قتل الرسول أمر ممنوع في كل قانون، فالرسول الذي يكون بين
следующие страницы →