هاتين الشهادتين قد دل عليها الكتاب والسنة.
فمثلاً بين الله تعالى في القرآن أن الجنة أعدت للمتقين، فنشهد لكل المتقين أنهم في الجنة، لكن لا نشهد لفلان أنه في الجنة إذا رأينا تقيا لاحتمال أن يرد عليه في آخر عمره أشياء تصرفه عن التقوى، فلا نشهد بالجنة بالتعيين إلا لمن عينه الرسول ﷺ ، ولا نشهد بالوصف إلا لمن شهد له الله ورسوله.
والشهادة بالوصف لا تجوز الشهادة بالعين، فمثلاً نقول: كل مؤمن فإنه في الجنة، وكل تقي فإنه في الجنة، لكن لا نشهد بان فلاناً المعين في الجنة.
كذلك أيضا في الشهادة؛ فكل من قتل في سبيل الله فهو شهيد، لكن لو رأينا رجلاً مسلماً قتل في المعركة فلا نقول: إنه شهيد؛ لأننا لو قلنا: إنه شهيد لزم من ذلك أن نشهد له بالجنة، وهذا لا يجوز.
وقال شيخ الإسلام ﵀: من أجمعت الأمة أو كادت أن تجمع على الثناء عليه، فإننا نشهد له بالجنة (١) ، واستدل لذلك بقوله تعالى: (وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطاً لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ) (البقرة: الآية١٤٣) ، فإنه قد مرت جنازة والنبي ﷺ جالس وأصحابه فاثنوا عليها خيرا، فقال: ((وجبت)) .
ثم مرت أخرى فأثنوا عليها شراً، فقال: ((وجبت)) . فقالوا: يا رسول اله، ما وجبت؟ قال: ((مرت الجنازة الأولى فأثنيتم عليها خيراً، فقلت: جبت؛ أي وجبت له الجنة، والثانية أثنيتم عليها شراً، فقلت: وجبت؛ أي وجبت له النار. إنتم شهداء الله في أرضه)) (٢)
стр. 597
وعلى رأي شيخ الإسلام ﵀ فإنه يجوز أن نشهد للإمام أحمد بأنه من أهل الجنة، لاتفاق الناس أو جملتهم عليه، وكذلك بقية الأئمة، وأئمة الإتباع؛ لأنهم ممن اتفق الناس أو جلهم على الثناء عليهم.
قال المؤلف ﵀: (فأهل بدر) أي بعد العشرة أهل بدر، والعشرة من أهل بدر، يعني لا يمتنع أن يكون في الإنسان وصفان.
وأهل بدر هم الذين قاتلوا مع النبي ﷺ في بدر، وكانت غزوة بدر في السنة الثانية من الهجرة في رمضان، وكان سببها أن النبي ﷺ سمع بعير لقريش جاءت من الشام تريد مكة، وهي لابد أن تمر بالمدينة أو حولها، فندب أصحابه إلى الخروج لهذه العير لأخذها، فانتدب منهم ثلاثمائة وبضعة عشر رجلاً فقط، على سبعين بعيراً وفرسين.
وكانوا لا يريدون غزواً ولا فكروا أن يكون هناك غزو، إنما أرادوا عير قريش مع أبي سفيان، وهي عير كثيرة محملة بالطعام والثياب وغيرها، ولذلك كان معها أبو سفيان من كبراء قريش، فلولا أنها عير كثيرة لم يكن معها هذا الزعيم.
فإذا قال قائل: كيف يجوز للرسول ﷺ أن يخرج ليأخذ أموالهم؟ نقول: فالجواب: أن أخذ أموالهم ليس بشيء بالنسبة لإخراج الرسول ﷺ وأصحابه من ديارهم، فهؤلاء اخرجوا الرسول ﷺ وأصحابه من ديارهم وأموالهم، والرسول ﷺ أراد أن يأخذ أموالهم فقط، وهي من الأنفال التي نفله الله : (قُلِ الْأَنْفَالُ لِلَّهِ وَالرَّسُولِ) (الأنفال: الآية١) .
فلما سمع أبو سفيان بالخبر، وأن الرسول خرج هو وأصحابه إليهم، وكان رجلا ذكياً، عدل عن الطريق إلى ساحل البحر وأرسل إلى أهل مكة
стр. 598
يستصرخهم؛ لا للقتال، ولكن لإنقاذ العير فقط، وظن أنهم سيرسلون فلاناً وفلاناً من عامة الناس لإنقاذ العير ويرجعون، ولكن قريش أخذتهم الحمية، وقالوا: كيف يتعرض محمد لعيرنا بقيادة زعيم من زعمائنا؟! لابد أن نخرج ونقضي عليه.
وتشاوروا فيما بينهم، وفي النهاية أجمعوا على أن يخرجوا للرسول ﵊ بكبرائهم؛ خرجوا بطراً ورئاء الناس، بحدهم وحديدهم، وخيلهم ورجلهم، وزعمائهم ومن دونهم، وجاءوا إلى الرسول ﵊.
فلما كانوا في أثناء الطريق تشاوروا فيما بينهم: هل نمضي أو نرجع؟! فكان أبو جهل يلمزهم في هذا، ويقول: كيف تفكرون في الرجوع وأنتم خرجتم؟! والله لا نرجع حتى نقدم بدراً ونقيم فيها ثلاثاً؛ ننحر الجذور، ونسقي الخمور، وتعزف علينا القيان، وتسمع بنا العرب، فلا يزالون يهابوننا أبداً. وهذا فخر وبطر منه، ولكن الحمد لله؛ فلم تنحر الجذور ولكن نحر هو!!
فقدموا بدراً وتلاقى الصفان، وتراءى الجمعان، وحصل ما حصل، وبني للنبي ﷺ عريش يدخل فيه يدعو الله بالنصر؛ لأنه إذا استنفذنا قوتنا المادية الحسية لم يبق لنا إلا الدعاء. فالدعاء مع القوة المادية الحسية وعدم استعمالها خطأ، لكن الدعاء عند العجز واجب، وإن جمعت بينهما فخير.
فكان الرسول ﷺ يدعو الله . فماذا كان الأمر؟ قال الله تعالى: (إِذْ يُوحِي رَبُّكَ إِلَى الْمَلائِكَةِ أَنِّي مَعَكُمْ فَثَبِّتُوا الَّذِينَ آمَنُوا سَأُلْقِي فِي قُلُوبِ الَّذِينَ
стр. 599
كَفَرُوا الرُّعْبَ فَاضْرِبُوا فَوْقَ الْأَعْنَاقِ وَاضْرِبُوا مِنْهُمْ كُلَّ بَنَانٍ) (الأنفال: ١٢) ، فنفرت الملائكة، ونزلت تقاتل؛ تثبت المؤمنين، وتلقي في قلوب الكفار الرعب، فهربوا، وقتل منهم سبعون رجلاً، واسر سبعون رجلاً.
وكان ممن قتل هذا الزعيم الذي يقول: إننا لن نرجع حتى نقدم بدراً، وأخر ما قال: وتسمع بنا العرب فلا يزالون يهابوننا أبداً. لكن العرب سمعت بهم فنزلت مرتبتهم عند العرب!!
فالحاصل أن أهل بدر في الفضل يلون العشرة المبشرين بالجنة، لما لهم من بلاء حسن في غزوة بدر.
وقد يرد هنا إشكال على قوله تعالى لأهل بدر: (اعملوا ما شئتم فقد غفرت لكم) (١) ؛ فإن ظاهر هذا القول العموم، يعني أنه يشمل الكفر وما هو دونه، والجواب على هذا بأحد وجهين:
الأول: أن يقال أنهم لا يمكن أن يشاءوا الكفر لما حل في قلوبهم من الإيمان الراسخ الذي لا يمكن أن يدخل من خلاله الكفر، فيكون في هذا بشارة لهم أنهم لن يكفروا، ويبقى ما دون الكفر مكفر بهذه الغزوة.
إذاً فقوله: ((ما شئتم)) لا يدخل فيه الكفر لأنهم لا يمكن أن يشاءوا الكفر بسبب ما قدموه من هذه الحسنات العظيمة، ويكون في هذا بشارة لهم بأنهم لن يكفروا.
ثانياً: أنه على فرض كفرهم سوف ييسرون للتوبة حتى يغفر لهم: (قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ يَنْتَهُوا يُغْفَرْ لَهُمْ مَا قَدْ سَلَفَ) (الأنفال: الآية٣٨) ، فيكون في هذا
стр. 600
بشارتان، إما بأنهم لن يكفروا، أو أنه لو قدر أنهم كفروا فإنهم سوف يعودون إلى الإسلام، ويغفر لهم ما قد سلف، ومن تتبع أحوالهم لم يجد أحداً منهم ارتد، فكل الذين في غزوة بدر لم يرتد منهم أحد، وبهذا يكون المعنى الأول اقرب واصح، وهو أنهم لن يشاءوا الكفر.
ثم قال المؤلف ﵀: (ثم أهل الشجرة) أي بعد أهل بدر أهل الشجرة؛ و (الـ) هنا في قوله: (أهل الشجرة) للعهد الذهني، أي الشجرة التي بايع تحتها رسول الله ﷺ أصحابه.
وذلك أن النبي ﷺ خرج في ذي القعدة ومعه نحو ألف وأربعمائة رجل، خرج قاصداً البيت الحرام للعمرة، ومعه البدن قد ساقها ﵊ تعظيماً لله ولبيته الحرام، فلما وصل إلى الحديبية - وهي مكان بعضها من الحل وبعضها من الحرم - صده المشركون، وقالوا: لا يمكن أن تدخلوا علينا مكة وأن نؤخذ ضغطة.
وهذا من حمية الجاهلية؛ لأن قريشاً لا تمنع أي أحد من الحج أو من العمرة، بل ترحب به؛ لأنه يفيدها اقتصادياً، لكن محمد ﷺ وهو أولى الناس بالبيت هو ومن معه، هو الذي يصد، وهذه حمية جهل لا حمية علم. فمنعوه.
وجرت بينه وبينهم مراسلات، فبايع النبي ﵊ أصحابه تحت هذه الشجرة على أن لا يفروا أبداً، وذلك لأنه أشيع أن عثمان بن عفان ﵁ وهو السفير بين الرسول ﷺ وبين قريش - حين بعثه رسول الله ﷺ إلى مكة، أنه قتل، فقال: لئن كان كذلك لأناجزنهم أن يقتلوا رسولي، لأن قتل الرسول أمر ممنوع في كل قانون، فالرسول الذي يكون بين
стр. 601
المتحاربين لا يمكن أن يقتل، حتى في الجاهلية فهو ممنوع.
فقال ﷺ : ((إن كانوا قتلوه لأناجزنهم)) ، فبايع أصحابه، وكان ﵊ يبايعهم على أن لا يفروا، وقد قال الله تعالى في هذه البيعة المباركة: (إِنَّ الَّذِينَ يُبَايِعُونَكَ إِنَّمَا يُبَايِعُونَ اللَّهَ يَدُ اللَّهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ) (الفتح: الآية١٠) ، فصرح أن مبايعتهم للرسول مبايعة لله، وأن الرسول نائب عن الله في ذلك، قال: (يَدُ اللَّهِ) وهي يد الرسول ﷺ ، (فَوْقَ أَيْدِيهِمْ) ، لكن لما كانت يد رسوله كانت كيده على أحد القولين في الآية، فبايع الرسول ﷺ ، وقد قال الله تعالى في هذه البيعة: (لَقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبَايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ فَعَلِمَ مَا فِي قُلُوبِهِمْ فَأَنْزَلَ السَّكِينَةَ عَلَيْهِمْ وَأَثَابَهُمْ فَتْحاً قَرِيباً) (الفتح: ١٨) ، والفتح القريب هو الصلح الذي جرى بين النبي ﷺ وبين قريش.
فإن قال قائل: كيف كان فتحاً مع أن ظاهره أنه هضم للمسلمين؟ فالجواب: أنه كان فتحاً لأن الناس بدا يأتي بعضهم إلى بعض من مكة إلى المدينة ومن المدينة إلى مكة، لأجل العهد الذي بينهم. فكان فتحاً مبيناً، والشيء الذي خشي عليه أن يكون ضغطاً على المسلمين زال ولله الحمد، وذلك في قصة أبي بصير ﵁ ومن خرج إليه من أهل مكة.
فإنه لما جاء أبو بصير إلى المدينة فاراً من أهل مكة الحقوا به رجلين يطلبانه، وذلك تعصباً منهم، فلما وصل إلى الرسول ﵊ إذا الرجلان قد وصلا خلفه، فقالا: يا محمد، العهد أن من جاء منا إليك ترده علينا.
فلما رده إليهما وخرجوا من المدينة، جلس الثلاثة يتغدون؛ أبو بصير ورجلا قريش، وكان أبو بصير قوياً، فقال لأحدهم: أعطني سيفك؛ إنه
стр. 602
سيف جيد، وقام يمدح هذا السيف، قال الرجل: نعم إنه جيد، وكم قرعت به من رأس، وأعطاه السيف، فسله أبو بصير وجب به رقبته.
أما الرجل الثاني فهرب إلى المدينة فاراً، ولحقه أبو بصير، فجاء إلى الرسول مذعوراً، وقال: إن صاحبي قتل، يعني وأنا أخاف على نفسي، فقال الرسول ﵊: ((ويل أمه - يعني أبا بصير- مسعر حرب لو يجد من ينصره)) (١) !! فعرف أن الرسول ﷺ لن ينصره، وسوف يسلمه مرة ثانية، فخرج من المدينة وقعد الصراط لعير قريش؛ كلما جاءت عير هجم عليها وأخذ منها ما شاء الله.
فعلم بعض الصحابة الذين في مكة بخبره فخرجوا إليه فكانوا عصابة، فأخافوا السبيل، وأرسلت قريش إلى الرسول ﵊، يلغون العهد الذي بينه وبينهم في هذا، فرجع أبو بصير ومن معه إلى المدينة، واستتب الأمن (٢) ، ولله الحمد.
وأما العهد الذي كانت مدته عشر سنين فإن قريشا نقضته، حيث أعانت حلفاءها على حلفاء النبي ﷺ وحينئذٍ انتقض العهد، فلم يكن بينهم وبين رسول الله ﷺ عهد فغزاهم.
وبهذا فان هذا الصلح صار فتحاً مبيناً، قال تعالى: (لا يَسْتَوِي مِنْكُمْ مَنْ أَنْفَقَ مِنْ قَبْلِ الْفَتْحِ وَقَاتَلَ أُولَئِكَ أَعْظَمُ دَرَجَةً مِنَ الَّذِينَ أَنْفَقُوا مِنْ بَعْدُ وَقَاتَلُوا وَكُلّاً وَعَدَ اللَّهُ الْحُسْنَى) (الحديد: الآية١٠) ، والمراد بالفتح هنا صلح الحديبية.
стр. 603
فهؤلاء أهل الشجرة، وهذه الشجرة بقيت في عهد النبي ﵊، وإلى عهد أبي بكر وهي باقية، فلما كان عمر سمع أن قوماً يترددون إلى هذه الشجرة فأمر ﵁ بقطعها حماية لحمى التوحيد.
ولعلها لو بقيت كانت ذات أنواط أو أشد أو لعَبَدَها الناس!! لأن الناس الآن أكثرهم همج، لكن من بركات عمر بن الخطاب ﵁ على هذه الأمة أن قطع دابر الشجرة، وأخفى موضعها، حتى أخفيت - ولله الحمد - ولم يعرف مكانها حتى الآن.
ثم قال المؤلف ﵀: (وقيل أهل أحد المقدمة) يعني قال بعض العلماء رحمهم لله: إن أهل أحد مقدمون على أهل بيعة الرضوان، ومن المعلوم أن من الصحابة من كان من أهل بدر ومن العشرة ومن أهل بيعة الرضوان ومن أهل أحد، أي أن بعض الصحابة اجتمعت لهم الأوصاف الأربعة، وبعضهم ليس كذلك.
وإذا قلنا: إن أهل أحد مقدمون على أهل بيعة الرضوان، مع أن أهل بيعة الرضوان أكثر عدداً، حيث إن أهل بيعة الرضوان ألف وأربعمائة نفر، أما أهل أحد فنحو سبعمائة نفر، لكن أصابهم من البلاء والتمحيص والقتل مالم يكن في بيعة الرضوان، ولهذا رجح بعض العلماء أهل أحد على أهل بيعة الرضوان.
ولكن الذي يظهر القول الأول؛ أن أهل بيعة الرضوان أفضل، لأن أهل بيعة الرضوان استحقوا الرضا، قال تعالى: (لَقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ) (الفتح: الآية١٨) ، أما أهل أحد فاستحقوا العفو، وفرق بين هذا وهذا، قال الله:
стр. 604
(ثُمَّ صَرَفَكُمْ عَنْهُمْ لِيَبْتَلِيَكُمْ وَلَقَدْ عَفَا عَنْكُمْ وَاللَّهُ ذُو فَضْلٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ) (آل عمران: الآية١٥٢) ، ففرق بين من استحق وصف العفو ومن استحق وصف الرضوان؛ فالثاني أكمل. فالصحيح أن أهل بيعة الرضوان أفضل من أهل أحد، مع أنه ربما يكون أهل أحد قد شملتهم بيعة الرضوان.
أما غزوة أحد فالقصة فيها معروفة، وسببها أن قريشا لما هزموا تلك الهزيمة النكراء يوم بدر ورجعوا إلى بلدهم تشاوروا فيما بينهم، وقالوا: إن محمداً استأصل شأفتنا، وقتل خيارنا وسادتنا، فلنخرج إليه حتى نأتيه في المدينة ونقضي عليه فجاءوا إلى المدينة يريدون القضاء على رسول الله ﷺ .
واستشار النبي ﷺ أصحابه في الخروج لملاقاتهم، فالذين لم يشهدوا بدراً قالوا له: اخرج. يريدون الغزو والشهادة، والذين حضروا بدراً قالوا: يا رسول الله نبقى في المدينة، فإذا جاؤوا قضينا عليهم، ولكن الرسول ﷺ رجح رأي الذين قالوا بالخروج، فدخل النبي ﷺ بيته من أجل أن يتأهب للحرب، ويلبس لامة الحرب والدرع وغير ذلك، فكأنهم تشاوروا فيما بينهم، قالوا: لعلنا اكرهنا رسول الله ﷺ على الخروج، وذلك لأنه كان يميل بداية إلى أنهم لا يخرجون.
فلما خرج عليهم وقد لبس لامة الحرب على رأسه واستعد للحرب، قالوا: يا رسول الله، لو تركنا هذا وبقينا على الرأي الأول فنبقى في المدينة فإذا جاؤوا قاتلناهم، فقال النبي ﷺ : ((ما كان ينبغي لنبي لبس لامة الحرب حتى يقضي الله بينه وبين عدوه)) (١) ، فخرج ومعه ألف نفر؛ سبعمائة مؤمنين
стр. 605
خلص، وثلاثمائة منافقون، وكان المنافقون لا يريدون الغزو، بل كانوا يقولون: ابقوا هاهنا.
ولما كانوا في أثناء الطريق قال عبد الله بن أُبي رأس المنافقين: محمد يطيع صغار السن ويعصينا، لا يمكن أن نقاتل، فرجع بثلث الجيش، وثلث الجيش لا يخفي أنه ليس بالأمر الهين في كسرة قلوب الجيش، فلولا أن الله تعالى أعان المسلمين بالإيمان لانخذلوا؛ لأنه إذا رجع من الجيش ثلثه فلا يبقى على عزيمته الأولى، ولهذا حرم الفرار من الزحف، ولو كان واحداً من الناس؛ لأنه يكون سبباً لضعف النفوس ووهن القلوب والهزيمة.
لكن هؤلاء صمموا حتى كانت الغزوة في أحد، وكان في أول النهار النصر للمؤمنين، إلا أن الله بحكمته أراد خلاف ذلك، فإن النبي ﷺ جعل خمسين رامياً وأمر عليهم عبد الله بن جبير فجعلهم على ثغر في الجبل وقال: لاتبرحوا مكانكم أبداً سواء لنا أو علينا. فلما انكشف المسلمون وانهزموا، صار المسلمون يجمعون الغنائم، قال الرماة بعضهم لبعض: انكشف المشركون وولوا الأدبار، فانزلوا لجمع الغنائم كما يجمع الناس فذكرهم أميرهم عبد الله بن جبير بقول النبي ﵊، ولكن (مِنْكُمْ مَنْ يُرِيدُ الدُّنْيَا وَمِنْكُمْ مَنْ يُرِيدُ الْآخِرَةَ) (آل عمران: الآية١٥٢) ، فنزلوا إلا نفراً قليلاً لا يغنون شيئاً.
وإذا فرسان قريش النبهاء الشجعان رأوا المكان خالياً فكروا على المسلمين من خلف الجبل، ومنهم خالد بن الوليد، وعكرمة بن أبي جهل، اللذان صارا فارسين من فرسان المسلمين والحمد لله - فاختلط المشركين بالمسلمين من
стр. 606
ورائهم، وحصل ما حصل من الأذى والضرر والقتل، وأصاب المسلمين محن عظيمة.
فحمزة بن عبد المطلب ﵁ أسد الله وأسد رسوله ﷺ يمثل به بعد أن قتل، حتى قيل إن هند بنت عتبة أخذت من كبده بعد أن فرت بطنه وجعلت تأكله، لكن عجزت أن تبلعها بإذن الله .
والرسول ﵊ شج وجهه، وجعل الدم يسيل على وجهه، وكسرت رباعيته، وحصل له من التعب والمشقة ما لا يصبر عليه إلا أمثاله ﵊.
وقتل من المسلمين سبعون نفراً، وأصابهم غم بغم، ولكن الله سَلاهُم بآيات كثيرة، كما في سورة آل عمران، فإن نصفها أو أكثر عن هذه الغزوة، ولما كانت النتيجة أن قتل منهم سبعون نفراً، قال الله ﵎: (أَوَلَمَّا أَصَابَتْكُمْ مُصِيبَةٌ قَدْ أَصَبْتُمْ مِثْلَيْهَا قُلْتُمْ أَنَّى هَذَا) (آل عمران: الآية١٦٥) أي كيف كانت هذه المصيبة؟ قال الله تعالى: (قُلْ هُوَ مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِكُمْ) (آل عمران: الآية١٦٥) أي أنتم السبب، (ْ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ) (آل عمران: الآية١٦٥) ، فهو قادر على أن يكشف المشركين، ولا ينالكم سوء، لكن انتم البلاء (قُلْ هُوَ مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِكُمْ) يقول هذا لجند معهم رسول الله ﵊.
(هُوَ مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِكُمْ) والمعصية التي فعلوها معصية يسيرة. فما الظن بنا الآن؟! هل عند أنفسنا شيء يمنعنا من النصر؟! والحقيقة أنه ليس عندنا شيء يوجب لنا النصر، فكثير من حكام المسلمين لا يرضون أن يحكموا بكتاب الله وسنة رسوله ﷺ ، وكثير من حكام المسلمين يلاحقون المؤمنين بالله ورسوله
стр. 607
(وَمَا نَقَمُوا مِنْهُمْ إِلَّا أَنْ يُؤْمِنُوا بِاللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ) (البروج: ٨) ، وكثير من أسواق المسلمين تشرب فيها الخمور، وتعاقر فيها النساء، وكثير من حكام المسلمين لهم موالاة ظاهرة مع أعداء الله.
فهل يمكن أن يكون النصر لهؤلاء؟! بل قد يكون هؤلاء أحق بالخذلان من الكفار الخلص؛ لأن الكفار كفار، لكن هؤلاء ينتمون إلى الإسلام وهم لا يؤمنون بالإسلام حقيقة، ولذلك نبذوا كتاب الله وراء ظهورهم إلا من شاء الله، فأقول: إننا ما أصبنا بهذه المصائب التي نحن عليها اليوم إلا بسبب ذنوبنا.
فالحاصل أن غزوة أحد قد حصل فيها من البلاء والتمحيص ما لم يحصل في غيرها؛ ولهذا قال بعض العلماء: إنها أفضل من غزوة الحديبية، ولكن الصحيح أن أهل الحديبية أفضل من أهل أحد، وذلك لان الله تعالى احل عليهم رضوانه، وأما هؤلاء فقال عنهم: (وَلَقَدْ عَفَا عَنْكُمْ) (آل عمران: الآية١٥٢) .
ثم قال ﵀: (والأول اولى) هنا سقطت همزة القطع مراعاة للوزن (والأول اولى للنصوص المحكمة) يعني للأدلة، والنصوص المحكمة: يعني الواضحة البينة، لان المحكم يقال بإزاء المتشابه، ومنه قوله تعالى: (مِنْهُ آيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَاب وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ) (آل عمران: ٧) ، ويقال: بإزاء المنسوخ، فيقال: هذا محكم وهذا منسوخ، وأصل الإحكام هو الإتقان.
стр. 608
ثم قال المؤلف رحمه الله تعالى:
١٥٥- وعائشة في العلمِ مع خديجة ... في السبق فافهم نكتة النتيجة
ــ
الشرح
عائشة وخديجة من أمهات المؤمنين ﵄، وقد اختلف العلماء ﵏ أيهما أفضل؟ فقيل: إن عائشة أفضل، وقيل: إن خديجة أفضل.
والصواب أن يقال: أما مرتبتهما عند الله فهذا ليس إلينا، بل هو إلى الله ولا نتكلم في هذا.
وأما المفاضلة بينهما بحسب ما ظهر لنا من أفعالهما وأحوالهما فهذا إلينا؛ لأنه أمر ظاهر معروف.
وأما باعتبار كونهما زوجين لرسول الله ﷺ فلا مفاضلة؛ كل أزواج النبي ﷺ يشتركن في هذه الفضيلة، أي في أنهن زوجاته في الدنيا والآخرة، وأنهن أمهات المؤمنين، وأنه يجب علينا من احترامهن وتعظيمهن ما يليق بهن وبحالهن.
فالجهات ثلاث:
أولاً: من حيث كونهما زوجين من أزواج النبي ﷺ ، ففي هذه الحال لا مفاضلة، لأن جميع زوجات الرسول ﷺ يشتركن في هذا الفضل.
ثانياً: من حيث المرتبة عند الله، فهذا لا مفاضلة أيضا؛ لأن هذا مجهول لنا، وكم من شخصين عملهما واحد لكن مرتبتهما عند الله بينهما كما بين السماء والأرض؛ لأن الله لا ينظر إلى صورنا وأعمالنا وإنما ينظر إلى قلوبنا.
ثالثاً: بالنسبة للأعمال الظاهرة أيهما أفضل عائشة أو خديجة؟
وأصح ما قيل في ذلك ما أشار إليه المؤلف ﵀؛ أن خديجة لها
стр. 609
فضل السبق إلى الإسلام، وفضل مناصرة النبي ﷺ في أول أمره، وأن النبي ﷺ يذكرها دائماً، وانه لم يتزوج عليها، وإنها أم أكثر أولاده، ونحو ذلك.
وعائشة ﵂ في كونها أحب النساء إلى الرسول ﵊، وعنايتها بالرسول ﷺ ، وشدة محبتها له، وما نشرت من العلم الكثير في الأمة، فتكون بذلك أميز من خديجة. فصارت خديجة أفضل من وجه وعائشة أفضل من وجه.
والى هذا أشار بقوله:
(وعائشة في العلم مع خديجة في السبق) فعائشة ﵂ نشرت كثيراً من العلم في آخر حياة الرسول ﵊، وخديجة سبقت، وناصرت الرسول ﷺ وعاضدته ﵂، وجزاها الله خيراً، وعائشة ﵂ في آخر حياة الرسول ﵊ لا أحد يشك في درجتها عند الرسول ﷺ ، ومحبته لها، بل وكونه ﷺ توفي في بيتها، وفي حجرها، وفي يومها، وأخر ما طعم من الدنيا ريقها ﵂، فكل هذه فضائل وميزات لم تحصل لخديجة ولا لغيرها من زوجات النبي ﷺ ، ولهذا قال: (فافهم) .
وبالنسبة لمحبتنا لهن، فإننا نحبهن كلهن على حد سواء، من حيث كونهن زوجات الرسول ﵊، ولهن عندنا من الاحترام والتعظيم ما يليق بحالهن، ويزداد حبنا للواحدة منهن بحسب ما أسدت إلى رسول الله ﷺ ، والى الأمة، وهذا هو العدل والميزان الحق، وأما الميل مع العاطفة فهذا لا شك أنه خلاف الحق: (فَلا تَتَّبِعُوا الْهَوَى أَنْ تَعْدِلُوا) (النساء: الآية١٣٥) يعني إن أردتم العدل فلا تتبعوا الهوى، بل اتبعوا ما يقتضيه العقل.
стр. 610
ثم قال المؤلف رحمه الله تعالى:
١٥٦- وليس في الأمة كالصحابة ... في الفضل والمعروف والإصابة
ــ
الشرح
الصحابة هم الذين صحبوا النبي ﷺ ، ومن خصائص النبي ﷺ أن صحبته تحصل بالاجتماع به على الإيمان ولو لحظة واحدة ولهذا قالوا: الصحابي من اجتمع بالنبي ﷺ مؤمناً به ومات على ذلك.
أما صحبة غير الرسول ﷺ فلا يكون الإنسان صاحباً إلا بعد طول مدة، لكن من خصائص النبي ﷺ أن صاحبه من اجتمع به مؤمناً به ومات على ذلك حتى لو فرضنا أنه وفد على النبي ﷺ وآمن به وانصرف إلى إبله وغنمه فإنه يعتبر من الصحابة، ولكن الصحابة درجات مختلفة على حسب ما سبق في هذا الفصل.
وقوله: (في الفضل والمعروف) الفضل هو الإحسان والمعروف هو العدل.
وقوله (والإصابة) يعني إصابة الحق فأقرب الناس إلى الصواب هم الصحابة ﵃ لا شك في هذا.
وقد اختلف العلماء ﵏ هل قول الصحابي حجة أو لا؟ بمعنى هل يجوز أن نعتمد في ديننا على قول الصحابي، أو نقول لا نعتمد على قول أحدٍ إلا على قول الله ورسوله؟ فمن العلماء من قال: لا نعتمد إلا على قول الله ورسوله، وأما ما سوى ذلك فهو مجتهد يخطئ ويصيب ولا نلزم بقوله، ومن العلماء من قال: بل إن قول الصحابي حجة بشرط ألا يخالف نصاً وألا
стр. 611
يخالف غيره، فإن خالف النص؛ فهو مردود سواء كان نص قرآن أو سنة، وإن خالف غيره، طلبنا الترجيح فنرجح من كان قوله إلى الصواب أقرب، ومن العلماء من زاد شرطاً ثالثاً وهو أن يكون معروفاً بالفقه والعلم ليخرج بذلك الصحابي الذي لم يجتمع بالرسول ﷺ كثيراً، وهذا شرط لابد منه، فشروط قبول قول الصحابي وكونه حجة ثلاثة: أن يكون مشهوراً بالعلم، والثاني: ألا يخالف النص، والثالث: ألا يخالف صحابيا آخر؛ لأنهم هم أقرب إلى الصواب.
ولهذا قال: (والإصابة) ، يعني أنهم أقرب إلى الصواب. ولا شك أن من نص النبي ﷺ على إتباع قوله فقوله حجة إذا لم يخالف النص مثل قول النبي ﷺ : (اقتدوا باللذين من بعدي أبي بكر وعمر)) (١) ، وقوله ﷺ : ((إن يطيعوا أبا بكر وعمر يرشدوا)) (٢) ، وهذه شهادة من رسول الله ﷺ ؛ لأن في قول أبي بكر وعمر ﵄ الرشد.
مسألة: إذا اختلف الصحابة ﵃ على قولين، فهل نقول: إن القولين تعارضا فتساقطا، أو لا بد من أن نطلب ما يساعده الدليل؟
الجواب: الغالب أن الحق لا يخرج عن أقوال الصحابة ﵃، وبناء على ذلك نقول: نبحث فيما يعضده الدليل لأنهم هم أقرب الناس إلى الصواب، ولا شك انه إذا تعارض قولان للصحابة ﵃ بدون مرجح فانه يضعف القول؛ لأنه عورض بمثله وهذا قد يبدو للإنسان أن
стр. 612
يقول: لا احتج به ما دام ضعيفاً عورض بمثله.
لكن: الخير أن نقول: ما دام أنه عورض بمثله فإن الواجب أن نبحث؛ لأنهما وإن تعارضا فإنهما أقرب إلى الصواب من غيرهما، ولكن يلاحظ أنه لا يمكن أن نعارض قول عمر ﵁ بقول رجل من الصحابة ﵃ بعيد عن الفقه إلا إذا عضده الدليل. فإذا عضد المفضول الدليل فمعلوم أن الواجب إتباع الدليل.
стр. 613
ثم قال المؤلف رحمه الله تعالى:
١٥٧- فإنهم قد شاهدوا المختارا ... وعاينوا الأسرار والأنوارا
١٥٨- وجاهدوا في الله حتى بانا ... دين الهدى وقد سما الأديانا
١٥٩- وقد أتى في محكم التنزيل ... من فضلهم ما يشفي للغليل
ــ
الشرح
قوله: (فإنهم) هذا تعليل لقوله: (وليس في الأمة كالصحابة) ؛ لأنهم قد شاهدوا المختارا وهذا تعليل وليس بدليل، الدليل قول النبي ﷺ : ((خير الناس قرني ثم الذين يلونهم ثم الذين يلونهم)) (١) ، وهذه الخيرية شاملة لخيرية العلم، وخيرية العبادة، وخيرية الأخلاق.
وقوله: (شاهدوا المختارا) ، يعني بذلك النبي ﷺ الذي اختاره الله تعالى لهذه الرسالة العظيمة التي قال الله تعالى عن الكتاب الذي هو مصدر أساسها: (إِنَّا سَنُلْقِي عَلَيْكَ قَوْلاً ثَقِيلاً) (المزمل: ٥) ، هو ثقيل في العمل به وتحمله وإبلاغه وغير ذلك، ولهذا قال: (إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا عَلَيْكَ القرآن تَنْزِيلاً) (الإنسان: ٢٣) (فَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ) (الإنسان: الآية٢٤) ، ولم يقل فاشكر نعمة الله؛ لأنه ثقيل بل قال: (فَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ) (الإنسان: الآية٢٤) ، أي: اصبر لحكم الله الشرعي والكوني الذي يترتب على هذا التنزيل، وهذا يدل على أنه سيناله منه ما يحتاج إلى صبر فلذلك كان النبي ﷺ مختاراً؛ لأنه أفضل الرسل عليهم الصلاة والسلام وأنه إمامهم وأنه الذي أخذ على الرسل إذا بعث أن يؤمنوا به وينصروه.
وقوله: (وعاينوا الأسرار والأنوار) ، أي أسرار الشريعة وعرفوا أسبابها ولا
стр. 614
شك أنه ليس الخبر كالمعاينة فنحن مثلاً نعرف أن الرسول ﷺ قال هذا الكلام في مناسبة ما ونستخلص منه الحكمة والسر، لكن ليس كالمعاين فهم عاينوا الأسرار يعني بذلك الحكم العظيمة التي بنيت عليها هذه الشريعة، فإن الشريعة كلها حكمة قال تعالى: (وَأَنْزَلَ اللَّهُ عَلَيْكَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ) (النساء: الآية١١٣) .
وقوله: (والأنوارا) ، أي الأنوار المعنوية وليست الأنوار الحسية ويدل لهذا قول أنس بن مالك ﵁: ((قدم النبي ﷺ المدينة فأضاء منها كل شيء)) ، إضاءة معنوية فلما توفي يقول: ((أظلم منها كل شيء)) إظلاماً معنوياً، وإلا من المعلوم أن الشمس لم تكسف حين موته وأنه لم يطلع شمسان حين قدومه، فالأمر كما هو فالإضاءة والإظلام ليس حسياً ولكنه معنوي كما وصف أنس بن مالك ﵁.
فالأنوار التي شاهدها الصحابة ﵃ هي الانوار المعنوية وذلك بما يتلقونه من العلم عن رسول الله ﷺ فإن علم الرسول ﷺ كله نور قال تعالى: (يَا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَكُمْ بُرْهَانٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكُمْ نُوراً مُبِيناً) (النساء: ١٧٤) .
وقوله: (وجاهدوا في الله) ، أي بذلوا الجهد في الله، أي في دينه وشريعته ولا أحد ينكر ذلك ممن عرف سيرة الصحابة ﵃ مع رسول الله ﷺ وبعد وفاته كيف جاهدوا الجهاد العظيم بأموالهم وأنفسهم تركوا أوطانهم وعرضوا رقابهم لسيوف الأعداء حتى كمل الدين ولله الحمد.
فجهادهم الجهاد العظيم يجعلهم في منزلة هي خير المنازل في هذه الأمة.
وقوله: (حتى بانا) ، بانا بالألف للإطلاق وليست ألف التثنية بل هي ألف تسمى ألف الإطلاق من أجل القافية.
стр. 615
وقوله: (دين الهدى) ، يعني بذلك دين رسول الله ﷺ كما قال تعالى: (هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ) (التوبة: الآية٣٣) .
وقله: (وقد سما الأديانا) ، سما أي علا، والأديان مفعول سما؛ يعني علا الأديان، وهذا أيضاً مأخوذ من قوله تعالى: (هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ) (التوبة: الآية٣٣)
ومعروف من وقائع الأمور أن دين الإسلام لما كان الناس عليه حقيقة علا كل الأديان، وأطاع بعروش كسرى وقيصر والمقوقس وغيرهم، وبإطاحته بهذه العروش صار الدين دين المسلمين وعلا على الأديان كلها حتى صار أعداء المسلمين أذلاء يعطون الجزية عن يدٍ وهم صاغرون، ولما تقاعس الناس عن الدين مع الأسف انخذلوا وذلوا وصارت الدائرة عليهم؛ لأن الله جل وعلا ليس بينه وبين الناس نسب يراعيهم به ويحابيهم به بل من تمسك بدينه فهو ولي الله المنصور إلى قيام الساعة ولهذا قال:
وقد أتى في محكم التنزيل من فضلهم ما يشفي للغليل
ويجوز ما يشفي للعليل.
قوله: (أتى في محكم التنزيل) ، يعني بذلك القرآن، والمحكم هو المتقن الواضح البين فأتى في هذا القرآن الكريم المحكم ما يشفي للغليل، أي للمريض، وإن كان الأصل في الغليل العطشان لكن هو يريد بها المريض هنا؛ لأن الشفاء يقابل المرض.
مثال ذلك: قول الله ﵎: (لِلْفُقَرَاءِ الْمُهَاجِرِينَ الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ وَأَمْوَالِهِمْ يَبْتَغُونَ فَضْلاً مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَاناً وَيَنْصُرُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُولَئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ)
стр. 616
(الحشر: ٨) وقال سبحانه: (وَالَّذِينَ تَبَوَّأُوا الدَّارَ وَالْأِيمَانَ مِنْ قَبْلِهِمْ يُحِبُّونَ مَنْ هَاجَرَ إِلَيْهِمْ وَلا يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ حَاجَةً مِمَّا أُوتُوا وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ) (الحشر: ٩) ، ومثل قوله تعالى: (مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ تَرَاهُمْ رُكَّعاً سُجَّداً يَبْتَغُونَ فَضْلاً مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَاناً سِيمَاهُمْ فِي وُجُوهِهِمْ مِنْ أَثَرِ السُّجُودِ ذَلِكَ مَثَلُهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَمَثَلُهُمْ فِي الإنْجِيلِ كَزَرْعٍ أَخْرَجَ شَطْأَهُ فَآزَرَهُ فَاسْتَغْلَظَ فَاسْتَوَى عَلَى سُوقِهِ يُعْجِبُ الزُّرَّاعَ لِيَغِيظَ بِهِمُ الْكُفَّارَ وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ مِنْهُمْ مَغْفِرَةً وَأَجْراً عَظِيماً) (الفتح: ٢٩) ، والآيات في هذا متعددة.
وقول المؤلف ﵀: (في محكم التنزيل) ، قلنا: إنه يريد به القرآن، والقرآن لا شك أنه محكم متقن، في ألفاظه ومعانيه وفي جميع ما يتعلق به؛ أخباره صدق، وأحكامه عدل، لا تجد فيه تناقضاً: (وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلافاً كَثِيراً) (النساء: الآية٨٢) .
ولكن قد يشكل على هذا أن الله تعالى سماه في موضع متشابها، فقال: (اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِتَاباً مُتَشَابِهاً) (الزمر: الآية٢٣) ، والمتشابه ضد المحكم؛ لأن المتشابه يوجب لمن نظر فيه الحيرة والتردد، فلا يكون محكما.
والجواب عن ذلك أن يقال: إن التشابه الذي وصف به القرآن، ليس التشابه الذي هو خفاء المعنى، بل التماثل والتساوي، يعني أنه متماثل يشبه بعضه بعضاً؛ في كماله، وجودته، وإصلاحه للقلوب والأعمال.
ولهذا لما أريد بالمتشابه المشتبه في معناه قسم الله تعالى القرآن إلى قسمين: محكم، ومتشابه، فقال جل وعلا: (هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ
стр. 617
آيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاءَ تَأْوِيلِهِ) (آل عمران: الآية٧) .
فحينئذٍ نقول: إن القرآن محكم: بمعنى واضح بين لا يشتبه على أحد، ومتشابه: أي خفي المعنى لا يعلمه إلا أولو العلم الراسخون فيه، ولهذا قال) وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ) (آل عمران: الآية٧) على قراءة الوصل. فصار القرآن يوصف بأنه كله محكم وبأنه كله متشابه، وبأن بعضه محكم وبعضه متشابه، ولكن المعنى يختلف في هذا التفصيل:
فإن قيل: هل يمكن أن يوجد في القرآن آيات متشابهة على جميع الناس لا يعرفون معناها؟
فالجواب: أنه لا يوجد مثل هذا في القرآن.
والدليل قوله تعالى: (وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَاناً لِكُلِّ شَيْء) (النحل: الآية٨٩) ، فلا يوجد فيه شيء غير واضح، وقال تعالى: (يَا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَكُمْ بُرْهَانٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكُمْ نُوراً مُبِيناً) (النساء: ١٧٤) فلا يمكن إطلاقاً أن يوجد فيه آية أو كلمة لا يفهم معناها، لكن الذي يخفى هو حقيقة مدلولات الآيات، مثل ما اخبر الله به عن نفسه واليوم الآخر فإننا نعرف حقيقته.
فإذا قال قائل: إن القول بأنه لا يوجد شيء يخفى معناه على جميع الناس منقوض بالحروف الهجائية التي ابتدئت بها السور، فان أحداً لا يعرف معناها.
فالجواب على ذلك: أن هذه الحروف التي ابتدئت بها السور ليس لها
стр. 618
معنى أصلاً، لأنها حروف هجائية غير مركبة، والقرآن نزل بلسان عربي مبين، واللسان العربي يقتضي أن مثل هذه الحروف ليس لها معنى.
ولكن لها مغزى، وهو ظهور إعجاز القرآن لهؤلاء القوم الذين ادعوا أنه مفترى على الله ، وأنه قول البشر، ويدل لهذا انه ما من سورة ابتدئت بها هذه الحروف إلا ويأتي بعدها ذكر القرآن.
فإن قيل: هل القرآن متفاضل، فيفضل بعضه بعضاً؟
فالجواب: أن يقال إن القرآن باعتبار المتكلم به لا يتفاضل؛ لأن المتكلم به واحد، وهو الله ، وأما باعتبار مدلوله لا شك انه يتفاضل، فإن: (تَبَّتْ يَدَا أَبِي لَهَبٍ وَتَبَّ) (المسد: ١) ليست مثل (قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ) (الإخلاص: ١) ، وإن أعظم آية في كتاب الله هي آية الكرسي. إذاً القرآن يتفاضل من حيث ما يدل عليه.
стр. 619
ثم قال المؤلف رحمه الله تعالى:
١٦٠- وفي الأحاديث وفي الآثار ... وفي كلام القوم والأشعار
١٦١- ما قد ربا من أن يحيط نظمي ... عن بعضه فاقنع وخذ من علم
ــ
الشرح
قوله ﵀: (وفي الأحاديث وفي الآثار) يعني ورد ذلك أيضاً في الأحاديث والآثار؛ والأحاديث ما أضيف للرسول ﷺ ؛ والآثار ما أضيف لغيره، هذا عند الإطلاق، وإلا فقد يراد بالأثر ما أضيف للنبي ﷺ ، لكن الغالب أنه يقيد فيقال: في الأثر عن النبي ﷺ .
قوله: (وفي كلام القوم والأشعار) والظاهر أنه يريد بالقوم في قوله: (وفي كلام القوم) أي الصحابة، وكذلك من بعدهم، فإن في أشعارهم من الثناء على الصحابة، وبيان فضلهم، ومواقفهم، ولهذا قال:
ما قد ربا من أن يحيط نظمي عن بعضه فاقنع وخذ من علم
يعني أن فضلهم ومآثرهم تربو عن أن يحيط نظمه ببعض ما قيل فيهم. فكيف بكل ما قيل فيهم؟! يكون من باب أولى أنه يعجز عنه.
واعلم أن المطالعة في الكتب التي في سيرة الصحابة ﵃ تحتاج إلى حذر؛ وذلك لأنه ظهر أعداء للصحابة من بعدهم؛ من الخوارج والروافض، فيحتاج الإنسان إلى حذر فيما ينقل عن الصحابة ﵃.
وقد أشار شيخ الإسلام ﵀ في العقيدة الواسطية (١) - تلك العقيدة المباركة - أشار إلى ما ورد عن الصحابة مما حصل من الفتن، وأن ما وقع منهم يكون مغفوراً ومغموراً بجانب الفضائل.
стр. 620
ثم قال المؤلف رحمه الله تعالى:
١٦٢- واحذر من الخوض الذي قد يزري ... بفضلهم مما جرى لو تدري
١٦٣- فإنه عن اجتهاد قد صدر ... فاسلم أذل الله من لهم هجر
١٦٤- وبعدهم فالتابعون أحرى ... بالفضل ثم تابعوهم طرا
ــ
الشرح
قال المؤلف ﵀ في تكميل الكلام على الصحابة ﵃: (واحذر من الخوض) أحذر: فعل أمر من الحذر، وهو التخوف وعدم الإقدام، والوقوف أمام الشر والفتنة بحيث لا يتجاوزها المرء.
وقوله: (من الخوض الذي قد يزري) الخوض: الكلام اللغو الذي لا فائدة منه، ويطلق على الكلام الذي يأثم فيه الإنسان، كما في قوله تعالى: (الَّذِينَ هُمْ فِي خَوْضٍ يَلْعَبُونَ) (الطور: ١٢) ، فالكلام الذي لا فائدة منه في الصحابة، أو الكلام الذي قد يتأثم به العبد، يجب أن يحذره وألا يتكلم فيه.
وقوله: (قد يزري بفضلهم) أي يحط من قدرهم، (مما جرى بينهم) أي مما وقع بينهم، (لو تدري) لو هذه للتمني، أي ليتك تدري.
وذلك أنه جرى من الصحابة ﵃ من الأمور التي هي في الواقع من المتشابه، لكن من المتشابه الواقع، لا من المتشابه المنزل، ووجه كونها من المتشابه أنه قد يكون فيها مدخل لكل ذي غرض سيئ، وأن الصحابة ﵃ تقاتلوا فيما بينهم وأراقوا الدماء من أجل الوصول
стр. 621
إلى السلطة، لا من أجل إحقاق الحق، ولذلك فهو من المتشابه الواقع.
وطريقة أهل العلم والإيمان في المتشابه في المنزل، أو من الواقع، أن يرجعوا إلى المحكم الذي لا تشابه فيه، فما جرى من الصحابة ﵃ من الفتن؛ كالذي بين علي وعائشة والزبير ﵃، والذي بين علي ومعاوية ﵄، وأحداث كثيرة تعلم من التاريخ.
وقد استغل هذه الأحداث المغرضون الحاقدون على الإسلام من أجل الطعن في الصحابة، وحمولها على أنها صدرت عن نية سيئة، كالرافضة الذين في قلوب كثير منهم غل وحقد على الإسلام، ولا سيما على عمر بن الخطاب ﵁، الذي أطاح بعروشهم وفل جموعهم، فكانوا يتخذون من هذه الوقائع سلماً للقدح في الصحابة ﵃، حتى كانوا يلعنون من قام ضد علي بن أبي طالب ﵁، ويتقربون إلى الله تعالى بلعنه والعياذ بالله مع ما له من الفضيلة.
لكن الراسخين في العلم وأهل الإيمان يقولون: إن هذا الأمر الذي وقع بينهم يجب أن يحمل على نية حسنة، وذلك لما للصحابة من الفضل، والمعروف، والإحسان، والجهاد في سبيل الله. فما يقع منهم من المعاصي فهو منغمر في جانب الحسنات، والحكم العدل هو الذي يقارن بين الحسن والسيئ، ويجعل الحكم للأكثر، ونحن إذا قارنا بين ما حصل من الصحابة مما يظن إثماً وبين ما حصل منهم من الفضائل والكمالات، وجدنا أن الثاني
стр. 622
أكثر بكثير من الأول.
فالواجب أن تنغمر السيئات في جانب الحسنات، وهذا هو العدل وما أحسن كلمة قالها ابن رجب ﵀ في مقدمة كتاب القواعد: ((المنصف من اغتفر قليل خطأ المرء في كثير صوابه)) (١) .
ولهذا قال المؤلف ﵀: (فإنه عن اجتهاد قد صدر) فإنه: أي ما جرى بين الصحابة من الفتن والقتال، (عن اجتهاد قد صدر) والاجتهاد افتعال من جهد، أي بذل الجهد وهو الطاقة في الحصول على المقصود، ولهذا يسمى العالم الذي يتطلب الأحكام من أدلتها الشرعية مجتهداً؛ لأنه يبذل جهده وطاقته ووسعه للوصول إلى الحق عن طريق الدليل.
فالصحابة ﵃ حصل ما حصل بينهم عن اجتهاد، فمثلاً معاوية وعائشة والزبير ﵃ قاتلوا يظنون أن هذا هو الذي يكون سبباً للعثور على قتلة أمير المؤمنين عثمان ﵁؛ ليقتص منهم، وعلي بن أبي طالب ﵁ أخر البحث عن القاتل أو عن المتآمرين لأن الحال تقتضي ذلك، فالناس في فتنة، ويصعب جداً العثور على هؤلاء المدبرين، ثم إذا عثرنا عليهم فإن قتلهم قد يؤدي إلى فتنة أكبر؛ لأن منهم رؤوس قبائل، فعلي ﵁ له رأي، ومعاوية وعائشة والزبير ﵃ لهم رأي آخر، وكله عن اجتهاد.
ثم إنه قد قيل: إن الفتنة كادت تنطفئ لولا رجال من رجال معاوية ﵁ صار في نفوسهم بعض الشيء وبادروا بالقتال، فحصل
стр. 623
الشر.
وأيا كان التقدير فإنه يجب أن نحمل الإساءة على الإحسان، وننظر بينهما ونقول: إذا قدرنا أن هؤلاء أخطئوا في هذه الفتنة الكبيرة، فإن لهم من الحسنات ما يوجب محو هذا. والإنسان المجتهد إن أصاب فله أجران وإن أخطأ فله اجر، والخطأ مغفور.
وهكذا قال النبي ﷺ : ((إذا حكم الحاكم فاجتهد فأصاب فله أجران، وإن أخطأ فله أجر)) (١) ، وهؤلاء بين مجتهد مصيب ومجتهد مخطئ، فالمصيب له أجران والمخطئ له أجر واحد.
فإن قال قائل: أيهما أقرب إلى الصواب؟ وأيهما أحق بالخلافة؟ فالجواب: أن الأقرب إلى الصواب، والأحق بالخلافة علي بن أبي طالب ﵁، ولا شك في هذا، ودليل ذلك قول النبي ﷺ في عمار بن ياسر: ((إنه تقتله الفئة الباغية)) (٢) ، الباغية: يعني الخارجة على الإمام، والذي قتل عماراً هم أصحاب معاوية، وعلى هذا يكون علي بن أبي طالب أقرب إلى الصواب من معاوية، ويكون جيش معاوية هو الفئة الباغية.
لكن مع هذا يجب علينا ألا نضمر حقداً ولا بغضاء لواحد من الصحابة، وأن نحمل ما جرى منهم من الخطأ على أنه اجتهاد والله يغفر له، ثم إنه من العقل والإيمان إلا نجعل ما جرى بين الصحابة من هذه المسائل سبباً للأخذ
стр. 624
والرد والخلاف؛ لأن هذه أمة قد خلت؛ لها ما كسبت وعليها ما اكتسبت.
وعلينا أن نجتمع من الآن على طريق الحق الذي في كتاب الله وسنة رسوله ﷺ ، وألا نداهن كما يدعو إليه بعض الناس اليوم من محاولة التقريب بين الرافضة وبين أهل السنة؛ لأن محاولة التقريب بين المذهب الحق والمذهب الباطل ليس إلا مداهنة في دين الله.
وإن من الواجب على الجميع الرجوع إلى الكتاب والسنة وهدي السلف الصالح، وأول ما يجب الكف عن مساوئ الصحابة ﵃، واعتقاد أن من أخطأ منهم فإن خطأه منغمر في جانب صوابه، وما حصل من فساد فهو منغمر في جانب الإصلاح. هذا هو الواجب علينا فيما جرى بين الصحابة ﵃.
ثم قال المؤلف ﵀:
(فاسلم أذل الله من لهم هجر) اسلم: أي من الخوض، والوقوع في الصحابة ﵃ والعداوة والبغضاء لهم. (أذل الله من لهم هجر) أي أوقعه في الذل والهوان، وهذه جملة خبرية، جملة دعائية.
ويشير ﵀ هنا إلى الرافضة الذين هجروهم؛ لا نقول هجروهم فلا يكلمونهم فهم أموات، لكن هجروا فضلهم ونشر فضلهم، بل اعتدوا عليهم، وليت الصحابة سلموا منهم، وليتهم سكتوا عن نشر فضائلهم فحسب، ولكنهم اتهموهم ورموهم بالباطل، والكذب، بل لعنوهم على رؤوس المنابر - والعياذ بالله.
بل الأدهى والأمر أنهم يلعنونهم في أذكار الصباح والمساء، حيث
стр. 625
يكتبون: اللهم العن صنمي قريش وجبتيهما وطاغوتيهما. يعنون بذلك أبا بكر وعمر والعياذ بالله.
وهذا ما رأيناه في كتبهم يذكرونه في أذكار الصباح والمساء، يعني أنهم يتقربون إلى الله بلعن أبي بكر وعمر - نسأل الله العافية.
ولكن أبعدهم الله، فإنهم لا يزدادون بذلك إلا بعداً من الله . فنشكر المؤلف ﵀، ونسأل الله أن يعفو عنه حيث دعا بالذل على من هجر الصحابة بعدم نشر فضائلهم، ومن زاد على ذلك فنشر ما اتهمهم به وما كذب عليهم به من المساوئ.
ثم قال المؤلف ﵀: (وبعدهم فالتابعون أحرى بالفضل) أحرى: أي: أجدر، فبعد الصحابة في الفضل التابعون، وهم التابعون لهم بإحسان، وهم القرن الثاني من هذه الأمة.
واعلم أن القرن يعتبر بأكثره، كما قال شيخ الإسلام ﵀ (١) ، وليس معنى التابعين أنه لا يوجد أحد من الصحابة، بل إذا كان القرن أكثرهم من التابعين أي ممن لم يشاهد النبي ﵊ فإنه يسمى قرن التابعين، وإن كان يوجد العشرة والمائة وما أشبه ذلك من الصحابة، وكذلك يقال في تابعي التابعين، فالقرن يعتبر بأكثر أهله.
فالتابعون هم أحرى الناس بالفضل بعد الصحابة ﵃، لقول النبي ﷺ : ((خير الناس قرني، ثم الذين يلونهم، ثم الذين يلونهم)) (٢) ، والتفضيل هنا تفضيل للجمة على الجملة، وليس لكل فرد على كل فرد،
стр. 626
بمعنى أنه قد يوجد في تابعي التابعين من هو أفضل من التابعين؛ في العلم، والعبادة، والجهاد وكذلك أيضاً يوجد في التابعين من هو أفضل من بعض الصحابة في العلم والجهاد. فإن واحداً من هؤلاء قد يفضل واحداً من هؤلاء.
إلا أن الصحابة يتميزون بخصيصة ليست لغيرهم وهي الصحبة، وهذه لا يمكن أن ينالها أحد من التابعين، لكن الفضل والعلم والجهاد ربما يوجد في التابعين من هو خير من بعض الصحابة، كما يوجد في تابعي التابعين من هو خير من بعض التابعين، فالتفضيل اذاً في الجملة لا لكل فرد إلا من سبق من تميز الصحابة ﵃ بهذه الخصيصة، وهي الصحبة.
ثم قال المؤلف ﵀: (ثم تابعوهم طرا) أي تابعو التابعين.
وقوله: (طرا) يحتمل أن تكون بمعنى قطعاً، ويحتمل أن تكون بمعنى جميعاً، والأمر كذلك، فإننا نقطع بأن تابعي التابعين بعد التابعين، وأن التابعين بعد الصحابة.
وسكت المؤلف عن بقية الطبقات، فلم يذكر إلا ثلاث طبقات، وهم: الصحابة، والتابعون لهم، وتابعو التابعين، وإنما اقتصر على ذلك بناء على حديث عمران بن حصين وغيره من أن خير الناس الصحابة، ثم التابعون، ثم تابعو التابعين.
وعلى هذا فنقول: إنه بعد هذه القرون الثلاثة حصلت الفتن، وانتشرت البدع، وتفرقت الأهواء، وحصل الشر الكثير، ورفعت المبتدعة رؤوسها، واضطرب الناس أمناً وأيماناً، وتكلم الناس في كل شيء، حتى أنهم تكلموا
стр. 627
في الله ، وصاروا في الله ما بين معطل لصفاته، ومثبت ممثل، وقائم بالقسط معتدل.
واختلاف الناس في الله ، في أسمائه وصفاته، كان بعد الاختلاف في مسألة القدر، ومسألة الإيمان والكفر؛ لأن مسألة القدر أدركت أواخر عصر الصحابة ﵁، ومسألة الأسماء والإيمان والكفر بعدها، وكذلك الإرجاء وما يتعلق به، ثم جاءت بدع الأسماء والصفات، وانتشرت هذه انتشاراً عظيماً، وصار الناس يتكلمون عليها أكثر من غيرها؛ لأنها أشد خطرا من غيرها.
والى هنا انتهى كلام المؤلف ﵀ على الصحابة ﵃، وما يتعلق بفضلهم.
وبعد فإني أدعو إلى قراءة أخبار الصحابة ﵃ بعد قراءة سيرة النبي ﷺ ، حتى يشد الإنسان نفسه مع السابقين السالفين ليزداد بذلك إيماناً ومحبة لهم ومنهجاً طيباً.
стр. 628
فصل
في ذكر كرامات الأولياء وإثباتها
١٦٥- وكل خارق أتى عن صالح ... من تابع لشرعنا وناصح
١٦٦-فإنها من الكرامات التي ... بها نقول فأقف للأدلة
ــ
الشرح
انتقل المؤلف ﵀ إلى ذكر كرامات الأولياء وإثباتها. والكرامات جمع كرامة، وهي ما يقدم للضيف ونحوه تكريماً له، وهذا هو الأصل فيها. ثم صارت الكرامة اسماً لكل خارق للعادة، يظهره الله على يد ولي من أوليائه تكريماً له، أو إحقاقاً لحق قام به، فهي إذاً أمر خارق للعادة يجريه الله تعالى على يد ولي من أوليائه؛ إما تكريماً له، وإما إظهاراً للحق الذي قام به. وهنا ثلاثة قيود:
القيد الأول: قولنا: كل أمر خارق للعادة، يخرج به ما كان جارياً على العادة، فما كان جارياً على العادة لا يعد كرامة مثل أن يأكل الولي طعاماً فيشبع، فإنه إذا شبع من الخبز، لا يقال هذه كرامة؛ لأن هذا على العادة، أو لو قال الولي مثلاً: بعد عشر دقائق ستظهر الشمس، وكان قد بقي على طلوعها عشر دقائق، فخرجت فقال: ألا أيها الناس اشهدوا على كرامتي؛ إني قلت: الشمس ستطلع بعد عشر دقائق فطلعت. فليست هذه كرامة؛ لأن هذه جارية على العادة.
ولهذا قال العلماء ﵏: إن الكرامة أمر خارقٌ للعادة.
стр. 629
القيد الثاني: يظهره الله على يد ولي من أوليائه، وحينئذٍ فلابد أن نعرف من هو الولي. والولي بينه الله في قوله: (أَلا إِنَّ أَوْلِيَاءَ اللَّهِ لا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ) (يونس: ٦٢) (الَّذِينَ آمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ) (يونس: ٦٣) ، فمن تحقق فيه هذان الوصفان، وهما: الإيمان والتقوى - فهو الولي.
وقد قال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: ((من كان مؤمناً تقياً كان لله ولياً)) (١) ، وقد أخذ المعنى الآية الكريمة التي يقول الله فيها: (الَّذِينَ آمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ) .
القيد الثالث: تكريماً له، أو إظهاراً للحق الذي قام به، يعني قد يكون هذا تكريماً للشخص؛ كما وقع كثيراً من بعض الأولياء يعطش في البر، فيسأل الله تعالى الماء، فينشئ الله السحاب ويمطر ويشرب.
وكذلك أيضاً صلة ابن أشيم حيث يذكرأنه مات فرسه في أثناء السفر، فدعا الله أن يحييه إلى أن يصل إلى بلده، فأحيا الله له الفرس وركبه، فلما وصل إلى بيته قال لابنه: يا بني ألق السرج عن الفرس فإنه عارية، فألقى السرج عنه فمات الفرس في الحال. فهذه كرامة.
وكذلك أيضاً ما يذكر عن العلا بن الحضرمي انه خاض البحر بجنوده، وكذلك سعد بن أبي وقاص ﵁، وغير ذلك.
فالمهم أن الكرامات كثيرة، ومن أراد أن يطلع على شيء منها فعليه بكتاب الفرقان بين أولياء الرحمن وأولياء الشيطان، لشيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ (٢) .
стр. 630
قال العلماء ﵏: وكل كرامة لولي فإنها آية للنبي الذي اتبعه هذا الولي؛ لأن هذه الكرامة شهادة من الله أن هذا الولي على حق، فإذا كان يتبع نبياً من الأنبياء فهي أيضاً تستلزم الشهادة بأن هذا النبي حق، وإلا لما أيد متبعه بهذه الكرامة.
وقد خرج بقولنا: على يد ولي، معجزات الأنبياء، فمعجزات الأنبياء خوارق للعادة لكنها ليست على يد الأولياء، بل على يد من هم أكبر من الأولياء وهم الأنبياء.
فعيسى ابن مريم ﵊ كان يقف على قبر الميت ويقول: اخرج فيخرج، وعلى الميت فيقول: احي فيحيى، فهو يحيي الموتى ويخرج الموتى، وهذه لاشك أنها معجزة خارقة للعادة لكن على يد نبي فلا تسمى كرامة اصطلاحاً.
وإلا فإنها لا شك كرامة، لكنها اصطلاحا لا تسمى كرامة، لأن الكرامات إنما تكون على يد الأولياء.
وهذه تسمى عند كثير من العلماء ﵏ معجزة، والصحيح أنها آية وتسميتها آية أصح من تسميتها بمعجزة، لما يلي:
أولاً: لأن هذا الموافق للفظ القرآن؛ لأن الله سمى هذه المعجزات التي تأتي بها الأنبياء آيات ولم يسمها معجزات.
ثانياً: أن المعجزات قد لا تكون آية على نبوة، كما في حال المشعوذين وغيرهم من السحرة، لكن لو قلنا: آية؛ يعني علامة على صدق هذا النبي.
ثالثاً: أن كلمة معجزة من الإعجاز لفظها بشع، لكن آية أي علامة، هذه
стр. 631
محببة للنفوس، كما قيل: كأنه علم في رأسه نار.
فلهذا كان التعبير بالآية أولى.
وخرج أيضاً بقولنا: على يد ولي من أوليائه - ما يخرج العادة مما جرى على أيدي أولياء الشيطان من السحرة والمشعوذين وغيرهم؛ لأن منهم من يأتي بالخارق الذي يخرج عن العادة، لكن بواسطة الشياطين.
ويذكر عن مثل هؤلاء أشياء عجيبة، فيذكر أن الواحد منهم قبل أن تأتي الطائرات إذا كان يوم عرفة أحرم من بيته، وذهب إلى مكة - وهو من أقصى الشرق أو الغرب - وحج مع الناس، وهذا خارق للعادة، ولكن الذي حمله هم الشياطين، والشياطين قد تحمل أشياء ثقيلة من بلاد بعيدة وتحضرها في ساعة سريعة.
وقد اطلعت على كلام لشيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ في كتاب الاستغاثة، قال: لو لم يكن من خطأ هؤلاء إلا أنهم يتجاوزون الميقات بلا إحرام (١) ، وذلك لأنه يمر به الشيطان مع الجو ولا يحرم إذا حاذى الميقات، بل يحرم في مكة.
فالحاصل أن ما يحصل من الأمور الخارقة للعادة على يد هؤلاء الذين نسميهم أولياء الشيطان، هذا ليس بكرامة، بل هو إهانة. فصار الخارق للعادة إما آية، وأما كرامة، وأما إهانة، وأما فتنة.
والفتنة ما يأتي من السحرة وشبههم، لأنهم يرون ذلك إكراماً لهم.
стр. 632
والإهانة مثل ما يذكر عن مسيلمة الكذاب الذي ظهر في اليمامة وادعى أنه نبي وذلك في آخر حياة النبي ﷺ ، وأخذ بذلك قومه وجعلوه نبياً، وصار يعينه الشيطان في بعض الأمور، فيقال إنهم جاءوا إليه في يوم من الأيام، وقالوا: يا أيها النبي، إن عندنا بئراً قد غار ماؤها، ولم يبق فيها إلا ماء قليل فنريد أن نتبرك بك، فذهب معهم واخذ بعض الماء ليتمضمض به ويمجه في البئر ينتظر أن يرتفع ماؤه، فيقال إنه لما مج الماء في البئر غار الماء الموجود، فصار هذا خارقاً للعادة؛ لأنه ليس من العادة أن يتمضمض إنسان بماء ثم إذا مجه ذهب ماؤه، فهذا خارق للعادة، لكنه إهانة، ودليل على كذبه.
وفي قصة أخرى يقال: إنه جيء إليه بغلام رأسه فيه قزع، يعني بعضه نبت وبعضه ما نبت، فقل له: أيها النبي، امسح على رأس هذا الغلام لعل الله يخرج بقية الشعر، فمسحه فزال الشعر الموجود، وهذا أيضاً إهانة، وهو خارق للعادة؛ لأنه لم تجر العادة أن إنساناً يمسح على شعر فيتحات.
وعلى كل حال فالخارق للعادة أربعة أنواع: أعلاها: الآية، ثم الكرامة، ثم الإهانة، ثم الفتنة.
ثم إن أهل العلم ﵏ قالوا: إن كل كرامة لولي فهي آية للنبي؛ لأنه لما كان هذا الولي متبعاً لنبي من الأنبياء - ومعلوم انه لا نبي بعد محمد ﷺ ثم أوتي كرامة لتأييد ما هو عليه من الحق، كان ذلك آية للرسول الذي اتبعه.
وقوله: (وكل خارق أتى عن صالح) أي: وكل خارق للعادة أتى عن صالح.
стр. 633
قوله: (من تابع لشرعنا) ، خرج به التابع لغير شرعنا، فهذا لا يمكن أن يؤتى كرامة، لأن من لم يتبع شرعنا فهو كافر، فإن وجد على يده خارق فهو فتنة أو إهانة؛ ففتنة إن كان فيما يحب، أو إهانة إن كان فيما يكره.
وقوله: (من تابع لشرعنا وناصح) وقد بين النبي ﵊ لمن تكون النصيحة، فقال: ((لله ولكتابه ولرسوله ولائمة المسلمين وعامتهم)) (١) .
وقوله ﵀: ((فإنها من الكرامات التي بها نقول)) الفاعل هنا مستتر وجوباً تقديره نحن، والمراد بذلك أهل السنة، يعني أن أهل السنة يقولون بإثبات الكرامات للأولياء.
وقوله ﵀: (فأقف للأدلة) اللام هنا للتعليل، والأدلة جمع دليل، وهو في اللغة المرشد، ومنه الدليل في الطريق، لكن الدليل في الشرع هو ما يثبت به الحكم.
وهناك أدلة كثيرة تدل على كرامات الأولياء، منها مثلاً:
قصة أصحاب البقرة: وهم قوم تدارؤوا حيث قتل بينهم قتيل، وكادت الفتنة أن تكون بين القبليتين، فأمرهم موسى ﵊ أن يذبحوا بقرة، وأن يضربوا القتيل بجزء منها، ففعلوا ذلك، فلما ضربوا القتيل بهذا الجزء من البقرة حيي بإذن الله وقال: إن قاتله فلان، وهذه كرامة لهؤلاء القوم، حيث ذهب عنهم النزاع وطفئت الفتنة. وربما نقول: هي كرامة من وجه وآية من وجه آخر؛ لأن موسى ﵊ هو الذي أمر بذلك.
ومثال آخر: الرجل الذي مر على قرية خاوية على عروشها هامدة، فقال:
стр. 634
(أَنَّى يُحْيِي هَذِهِ اللَّهُ بَعْدَ مَوْتِهَا) (البقرة: الآية٢٥٩) ، فأكرمه الله ؛ فأماته الله مائة عام ثم بعثه، وكان هذا الرجل معه حمار ومعه طعام، فأما الحمار فمات وأما الطعام فلم يتغير، بل بقي مائة سنة ولم يتغير؛ لا غيرته الشمس، ولا الهواء، ولا المطر، ولا أي شيء وهو طعام وكما نعلم أنه يسرع إليه الفساد، وربما فسد في يوم وليلة، لكن هذا الطعام بقي مائة سنة.
أما الحمار فلما بعث الله صاحبه وجد أنه قد مات، ووجده عظاماً تلوح، فقال الله له: (وَانْظُرْ إِلَى حِمَارِكَ وَلِنَجْعَلَكَ آيَةً لِلنَّاسِ وَانْظُرْ إِلَى الْعِظَامِ كَيْفَ نُنْشِزُهَا ثُمَّ نَكْسُوهَا لَحْما) (البقرة: الآية٢٥٩) ، فجعل ينظر إلى عظام الحمار يتراكب بعضها ببعض، وينشزها الله تعالى بالعصب، ويكسوها اللحم، حتى كمل الحمار، (فَلَمَّا تَبَيَّنَ لَهُ قَالَ أَعْلَمُ أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ) (البقرة: الآية٢٥٩)
وهذه نعمة من الله ؛ أن يري الله العبد آية كونية أو شرعية تقوي إيمانه؛ لأن الإنسان أحيانا قد يضعف إيمانه، وأحيانا يأتي الإنسان كسل وفتور وترد على القلب؛ لأن القلب يتقلب، فإذا منَّ الله على العبد وأراه آية يطمئن بها قلبه، فلا شك أن هذه نعمة من الله ؛ كبيرة ليس لها ثمن.
فهذا الرجل كان يشك في إحياء الله الموتى؛ لأنه أتى على هذه القرية وقال: (أَنَّى يُحْيِي هَذِهِ اللَّهُ بَعْدَ مَوْتِهَا) (البقرة: الآية٢٥٩) ، وهذه قرية فكيف بالبشر؟ فأراه الله الآية، فلما تبين له قال: (أَعْلَمُ أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ) (البقرة: الآية٢٥٩) .
ولا شك أن هذا كرامة لهذا الرجل؛ فالحمار شاهده والله تعالى يحييه
стр. 635
شيئاً فشيئاً؛ والطعام شاهده لم يتغير، وقد بقي مائة سنة - وهي ليست بهينة - ولم يتغير فآمن أن الله قادر على ألا يغير الشيء مع طول المدة، وقادر على أن ينشئ الشيء مرة أخرى، ففي هذه الآية طرد وعكس، ففيها إبقاء الشيء على ما هو عليه، وإنشاء الشيء من جديد وكل ذلك كرامة لهذا الرجل.
كذلك من الأدلة قصة مريم، وهي ليست نبيه، أرسل الله تعالى إليها رسوله جبريل، فنفخ فيها من روح الله ، أي نفخ في فرجها روحا، فالتقمها الرحم، وصار إنساناً بشراً - وهو عيسى ﵊ (فَأَجَاءَهَا الْمَخَاضُ إِلَى جِذْعِ النَّخْلَةِ) (مريم: الآية٢٣) يعني أدركها إلى جذع نخلة، فقالت: (يَا لَيْتَنِي مِتُّ قَبْلَ هَذَا وَكُنْتُ نَسْياً مَنْسِيّاً) (مريم: الآية٢٣) ، وهي هنا لم تتمن الموت، لكن تمنت أنها ماتت قبل أن تحصل هذه الفتنة؛ لأنها تعرف أن بني إسرائيل سيتهمونها كما وقع، والمسألة ليست هينة بل هي عرض.
(فَنَادَاهَا مِنْ تَحْتِهَا أَلَّا تَحْزَنِي قَدْ جَعَلَ رَبُّكِ تَحْتَكِ سَرِيّاً) (مريم: ٢٤) أي نهراً، وكان هذا النهر كرامة لها.
(وَهُزِّي إِلَيْكِ بِجِذْعِ النَّخْلَةِ تُسَاقِطْ عَلَيْكِ رُطَباً جَنِيّاً) (مريم: ٢٥) الله أكبر! امرأة أدركها المخاض - والمرأة إذا أدركها المخاض تكون ضعيفة جدا - تهز بجذع النخلة، وليس برأس النخلة! ثم إن الهز بجذع النخلة لا يجعل النخلة تتحرك أصلاً.
قال تعالى: (وَهُزِّي إِلَيْكِ بِجِذْعِ النَّخْلَةِ تُسَاقِطْ عَلَيْكِ رُطَباً جَنِيّاً) (مريم: ٢٥) والرطب من المعلوم أنه بعيد لا تدركه هي ولو أدركته لأخذته، فقال الله