← Сияса и кади

Сияса и кади · id 9762

الإدارة في عصر الرسول صلى الله عليه وآله وسلم

أحمد عجاج كرمى

Полный текст (275 стр.). Показаны 106–145 · переход к 111.

стр. 106

الفصل الثالث التنظيم الإداري للدولة ثانيا: الإدارة الدينية كانت إدارة الصلاة في عصر الرسول ﷺ على رأس سلّم الأولويات وتتضمن اختيار الأئمة والمؤذنين، والمحافظة على أوقات الصلاة وأدائها، والمساجد وادابها ونظافتها. كان النبي ﷺ يؤم المسلمين في المدينة، وعندما مرض النبي ﷺ وقال: «مروا أبا بكر فليصلّ بالناس» «١» ومع أن عائشة حاولت أن تصرف الأمر عن أبيها؛ لأنه ضعيف الصوت رقيق القلب، إلا أن النبي ﷺ أصرّ على ذلك قائلا: «يأبى الله والمؤمنون إلا أبا بكر» «٢» ، ويدل هذا النص على أن إمامة المسلمين في الصلاة تتجاوز المعنى العبادي إلى المعنى السياسي في إمامة المسلمين بشكل عام، ويتضح ذلك من قول ابن خالدون (ت ٨٠٨ هـ) : «استدل الصحابة في شأن أبي بكر باستخلافه في الصلاة على استخلافه في السياسة في قولهم: ارتضاه رسول الله ﷺ لديننا، أفلا نرضاه لدنيانا، فلولا أن الصلاة أرفع من السياسة لما صح القياس» «٣» . ويفترض في من يتولى هذه المهمة (إمامة الصلاة) أن يكون من القارئين لكتاب الله المتفقهين في أحكامه، الورعين الوجلين في قيامهم بين يدي الله، ويتضح هذا من قول النبي ﷺ : «يؤم القوم أقرؤهم لكتاب الله» «٤» ، ويشير البلاذري (ت ٢٧٩ هـ) : «إلى أن المهاجرين لمّا قدموا إلى المدينة قبل مقدم رسول الله إليها نزلوا فيها، فكان سالم مولى أبي حذيفة (ت ١٢ هـ) يؤمهم؛ لأنه أكثرهم قرانا وفيهم عمر وأبو سلمة بن عبد الأسد» «٥» . وأشار ابن حزم (ت ٤٥٦ هـ) إلى ذلك بقوله: «ينبغي على الإمام أن يولي الصلاة رجلا قارئا للقران، حافظا له، عالما بأحكام الصلاة والطهارة، فاضلا في دينه خطيبا

стр. 107

فصيحا معربا» «١» . أما في الأمصار فكان يتولى إمامة الصلاة الولاة، وقد أشار الكتاني إلى ذلك بقوله: «ولاية الصلاة أصل في نفسها، فإن النبي ﷺ كان إذا بعث أميرا جعل الصلاة إليه. ولكن لما فسدت الولاة ولم يكن منهم من ترضى حالته للإمامة، بقيت الولاية في يده بحكم الغلبة، وقدم للصلاة من ترضى حالته للإمامة، سياسة منهم للناس، وإبقاء على أنفسهم» «٢» . ويقوم من يلي هذا الأمر بإقامة الصلوات جميعا، يتضح هذا من قول المالقي (ت ٧٨٣ هـ) : « ... تكون له الجمعة والعيدان، والصلوات الخمس المفروضات والكسوف والاستسقاء في جميع البلدة التي ولي صلاتها» «٣» . لقد كان الولاة يؤمون الناس في الصلاة في حواضر الأمصار، أما بقية المساجد فيقوم أهل البلدة بتعيين من يتولّى ذلك، ويتضح هذا من إشارة ابن خالدون (ت ٨٠٨ هـ) : «إن المساجد في المدينة صنفان: مساجد عظيمة كثيرة الغاشية معدة للصلوات المشهورة، فأمرها راجع للخليفة، ومساجد محلّة قوم فأمرها راجع إلى الجيران ولا تحتاج إلى نظر خليفة أو سلطان» «٤» . ومن الوظائف التي تتبع ولاية الصلاة (وظيفة المؤذن) وهو الذي يدعو الناس إلى الصلاة باللفظ المعروف، وقام بذلك في عهد رسول الله ﷺ عدة أشخاص «٥» ، فكان بلال بن رباح (ت ٢٠ هـ) يؤذن للنبي ﷺ في مسجد المدينة وفي الأسفار «٦» ، وأذن ابن أم مكتوم أذان الإمساك في رمضان «٧» ، وأذن أبو محذورة أوس بن معير (ت ٥٩ هـ) للرسول في المسجد الحرام بعد الفتح (٨ هـ) «٨» . ويفترض في من يتولى المهمة أن يكون ندي الصوت، متقنا لحركات الأذان،

стр. 108

جهوريّ الصوت. ذكر ابن عبد البر (ت ٤٦٣ هـ) «أنّ أبا محذورة كان أحسن الناس أذانا، وأنداهم صوتا، وكان يرفع صوته بالأذان حتى قال له عمر: كدت أن ينشق مريطاؤك» «١» ، وكان سعد بن عائذ القرظ يتولى مهمة الأذان في مسجد قباء «٢» ، ويشير البلاذري (ت ٢٧٩ هـ) إلى: «أن عثمان بن عفان كان يؤذن بين يدي رسول الله ﷺ عند المنبر أي يوم الجمعة» «٣» . كان من واجبات المؤذن أن يحفظ أوقات الصلاة، ثم يرفع الأذان في وقته، ويتضح هذا مما رواه مسلم (ت ٢٦١ هـ) من قول النبي ﷺ لبلال بن رباح وهو عائد من خيبر (٧ هـ) : «أكلأ لنا الصبح» «٤» ، وكان النبي ﷺ يرشد هؤلاء إلى أوقات الصلاة، ومن ذلك ما رواه عبد الرزاق (ت ٢١١ هـ) في مصنفه من قول ثوبان مولى النبي ﷺ : أذنت مرة، فدخلت على النبي ﷺ فقلت: قد أذنت يا رسول الله، فقال: «لا تؤذن حتى تصبح» ، ثم جئته أيضا فقلت: قد أذنت، فقال: «لا تؤذن حتى تراه هكذا» ، وجمع بين يديه ثم فرّقها «٥» . أما بالنسبة إلى رواتب هؤلاء المؤذنين فلم تسعفنا المصادر- التي بين أيدينا- في معرفة ما إذا كانوا يقومون بهذا الأمر تطوعا، أم يتقاضون أجرا كما هو الحال بالنسبة إلى الوظائف الاخرى. وكان يقوم على تنظيف المساجد أناس متطوعون، فيروي الإمام مسلم (ت ٢٦١ هـ) أن امرأة سوداء كانت تنظف المسجد في عهد الرسول ﷺ فلما ماتت قام النبي ﷺ على قبرها، وذلك تقديرا واحتراما لها «٦» ، ويشير ابن حجر (ت ٨٥٤ هـ) إلى: «أن تميم الداري وفد مع مولى له يقال له «فتح» إلى مسجد رسول الله ﷺ وأنه أسرج فيه بالقنديل والزيت، وكانوا لا يسرجون قبل ذلك إلا

стр. 109

بسعف النخل، فقال رسول الله ﷺ : «من أسرج مسجدنا؟» ، فقال تميم: غلامي هذا، فقال: «ما اسمه؟» قال: فتح، فقال النبي ﷺ : «بل اسمه سراج» «١» . وعلى كل حال فإن هذه الوظائف لم تكن ثابتة لأشخاص بأعينهم، بل كان يقوم المسلمون بها ابتغاء الأجر والثواب، وأصبحت في عهود لاحقة وظائف ثابتة لخدمة المسجد، وكنسه، وتنظيفه، وبسط حصره، وتسوية حصاه إن كان مبسوطا بالحصى «٢» . أما «إدارة الحج» فاقتضت أن يقوم النبي ﷺ أو من ينوب عنه بإقامة الحج للناس، فيقوم بأداء مناسك الحج، ثم يتبعه الناس، وقد كانت مناسك الحج قبل الإسلام وظائف مقسمة بين بطون مكة وأفخاذها، ولما فتح النبي ﷺ مكة سنة (٨ هـ) . ولّى على الحج عتاب بن أسيد أميره على مكة ليقيم الحج للناس، وذلك على ما كانت العرب تحج عليه «٣» . وفي السنة التاسعة أرسل النبي ﷺ أبا بكر ليحج بالناس (أميرا على الحج) ، وكان الناس مؤمنهم وكافرهم يحجون معا، حتى نزلت سورة براءة، فبعث النبي ﷺ عليّا إلى الموسم كي يبلغ الناس أحكام هذه السورة، ومنها ألّا يقرب المسجد الحرام بعد هذا العام مشرك أبدا «٤» ، فيقول الله تعالى: إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ فَلا يَقْرَبُوا الْمَسْجِدَ الْحَرامَ بَعْدَ عامِهِمْ هذا [التوبة: ٢٨] «٥» . وفي السنة العاشرة حج النبي ﷺ بالناس حجة الوداع وكانت فيها الخطبة المشهورة التي يبين النبي ﷺ فيها كثيرا من الأحكام النهائية، وأبلغهم أنه بلغ الرسالة وأدى الأمانة، وأشهد الناس على ذلك «٦» . وكان أمير الحج يقوم بمهمات متعددة، فهو الذي يجمع الناس، ويشرف على شؤونهم، ويصلح بين الخصوم، ويلزمه أن يقوم بجميع مناسك الحج، لتقتدي به

стр. 110

الناس، فقد قال النبي ﷺ في حجة الوداع: «خذوا عني مناسككم» «١» ، ويفترض فيه أن يكون خطيبا، فقد خطب النبي ﷺ بالناس في خطبته التي اشتهرت «بخطبة حجة الوداع» «٢» ، وكان النبي ﷺ يجلس في البيت الحرام لاستقبال المسلمين من جميع أمصار الدولة للرد على استفساراتهم، والاستماع إلى شكاياتهم، ويتضح هذا من قصة «الزبية» التي اختلف فيها أهل اليمن، فقضى بينهم علي بن أبى طالب (استشهد ٣٩ هـ) . حتى جاؤوا إلى الحج (١٠ هـ) فعرضوا الأمر على الرسول ﷺ فاستمع إليهم وقضى بينهم «٣» . وكانت «السقاية» من الوظائف التابعة للحج، وبقيت هذه الوظيفة- كما كانت في الجاهلية- للعباس بن عبد المطلب (ت ٣٢ هـ) ، ويتضح هذا من رواية لمسلم (ت ٢٦١ هـ) أن النبي ﷺ مرّ على بني عبد المطلب وهم يسقون على زمزم فقال: «انزعوا بني عبد المطلب فلولا أن يغلبكم الناس على سقايتكم لنزعت معكم، فناولوه دلوه فشرب» «٤» ، وكذلك وظيفة «العمارة» وهي المحافظة على البيت، والاحتفاظ بمفاتيح الكعبة، وبقيت- كما كانت في الجاهلية- لعثمان بن أبي طلحة من بني عبد الدار (ت ٣٢ هـ) ، وقد دفع النبي ﷺ مفاتيح الكعبة إلى عثمان قائلا: «خذوها خالدة تالدة لا ينزعها منكم إلا ظالم» «٥» . وهاتان الوظيفتان الوحيدتان اللتان أبقاهما الإسلام من وظائف مكة قبل الإسلام، ويشير إلى ذلك الطبري (ت ٣١٠ هـ) بقوله: «قال النبي ﷺ يوم الفتح: ألا كلّ مأثرة أو دم يدعى فهو تحت قدمي هاتين إلا سدانة البيت، وسقاية الحاج ... » «٦» .

стр. 111

أما إدارة «الصوم» فهي غير معقدة، ويقوم ولي الأمر بتحديد بدء الشهر القمري ونهايته. وقد حدد النبي ﷺ بداية شهر الصوم ونهايته فقال: «صوموا لرؤيته، وأفطروا لرؤيته» «١» وحدد الفقهاء شرطا للرؤيا أن يكون ذلك من قبل شخصين عدلين يصح الصيام والإفطار برؤيتها «٢» ، وعليه أيضا معاقبة المخالفين لأحكام الصيام والمنتهكين لحرمته.

стр. 112

الفصل الثالث التنظيم الإداري للدولة ثالثا: الكتابة والكتاب عرف العرب في الجاهلية منزلة الكتابة، وعدّوها أحد الأركان الثلاثة لاعتبار الرجل من الكاملين، ويشير ابن سعد (ت ٢٣٠ هـ) إلى ذلك بقوله: «الكامل عندهم في الجاهلية وأول الإسلام الذي يعرف يكتب بالعربية ويحسن العوم والرمي» «١» ومع أن العرب كانوا يأنفون من بعض الأعمال ويحتقرون صاحبها، إلا أن صنعة الكتابة لم تكن كذلك، فقد مارس مهنة التعليم كبار الأشراف في الجاهلية «٢» . لقد كانت الأمية سائدة بشكل كبير في الجزيرة العربية، ويؤكد ذلك ما رواه البخاري (ت ٢٥٦ هـ) من قول النبي ﷺ : «إنّا أمة أمية لا نكتب ولا نحسب» «٣» وتشعر بذلك الاية الكريمة: وَما كُنْتَ تَتْلُوا مِنْ قَبْلِهِ مِنْ كِتابٍ وَلا تَخُطُّهُ بِيَمِينِكَ [العنكبوت: ٤٨] «٤» وقوله: هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الْأُمِّيِّينَ رَسُولًا مِنْهُمْ [الجمعة: ٢] «٥» . ويقول البلاذري (ت ٢٧٩ هـ) : «دخل الإسلام، وفي قريش سبعة عشر رجلا كلهم يكتب ... » «٦» ، وهناك إشارات تدل على أن الذين كانوا يعرفون الكتابة في المدينة أحد عشر شخصا «٧» . ونحن لا يمكننا أن نعدّ هذه الإحصائية دقيقة خاصة أن مكة كانت موقعا تجاريّا ودينيّا وهذا يستدعي وجود عدد أكبر من المتعلمين، فقد ذكر ابن حبيب (ت ٢٤٥ هـ) جريدة بأسماء المعلمين الذين كانوا يلمون القراءة والكتابة في الجاهلية

стр. 113

وأول الإسلام «١» . وعندما جاء الإسلام أراد النبي ﷺ أن ينظم أمر الحكومة التي أنشأها في المدينة، فاستعان بعدد كبير من أصحابه الذين يعرفون القراءة والكتابة، وقد قسم النبي ﷺ هؤلاء الكتّاب إلى مجموعات تخصصية. فكانت هناك مجموعة اختصت بكتابة «الوحي» ، ومن أشهرهم زيد بن ثابت (ت ٥٦ هـ) ، فكان ملازما لكتابة الوحي عن النبي ﷺ وذلك لكفاءته وأمانته، مما جعله يستمر في كتابة الوحي حتى وفاة النبي ﷺ «٢» . وكان ممن كتب الوحي لرسول الله ﷺ أبيّ بن كعب (ت ٢٢ هـ) ، إذ كان يكتب له الوحي عند مقدمه إلى المدينة «٣» ، وكتب له بشكل أقل عبد الله بن أبي السرح (ت ٣٧ هـ) «٤» ، وخالد بن سعيد (ت ١٤ هـ) «٥» ، والعلاء بن الحضرمي (ت ١٤ هـ) «٦» ، وبعد فتح مكة كتب له معاوية بن أبي سفيان (ت ٦٠ هـ) «٧» ، واختص عدد بكتابة «الرسائل والإقطاع» . ويشير المسعودي (ت ٣٤٦ هـ) إلى أن «عبد الله بن أرقم كان من المواظبين على كتابة الرسائل» «٨» ويذكر ابن عبد البر (ت ٤٦٣ هـ) أن «عبد الله بن أرقم

стр. 114

كان يجيب الملوك وبلغ من أمانته عنده أنه كان يأمره أن يكتب إلى بعض الملوك فيكتب. ويأمره أن يطينه ويختمه وما يقرؤه لأمانته عنده» «١» . ويفيد النص أنهم كانوا يكتبون الكتاب أولا ثم يعرضونه على رسول الله ﷺ لأخذ موافقته، وكان باستطاعة النبي ﷺ أن يبدل أو يغير في نص الكتاب، ولم يكن الكتاب يأخذ شكله النهائي إلا بعد موافقة النبي ﷺ . ويتبع هذه المجموعة وظيفة «ترجمة» ، فكان زيد بن ثابت (ت ٥٦ هـ) يقوم بالترجمة من اللغات الفارسية والرومية والقبطية والحبشية والعبرية إذ تعلمها زيد من أهلها القاطنين في المدينة «٢» وكانت مهمة زيد أن يكتب للنبي ﷺ بهذه اللغات، ويرد على الكتب التي ترد فيترجمها للنبي ﷺ . ثم يكتب بردها بأمر رسول الله ﷺ ويتضح هذا من رواية البخاري (ت ٢٥٦ هـ) من قول النبي ﷺ لزيد بن ثابت: «تعلم كتاب يهود فإني ما امن يهود على كتابي» . فتعلمها زيد، وأصبح يقرأ للنبي ﷺ ما يكتبه يهود، ويكتب إلى اليهود ما يريده النبي ﷺ «٣» . وتذكر المصادر أسماء مجموعة كتبوا للنبي ﷺ رسائله وإقطاعاته منهم أبي بن كعب (ت ٢٢ هـ) «٤» وثابت بن قيس (ت ١٢ هـ) «٥» وخالد بن سعيد (ت ١٤ هـ) «٦» وعلي بن أبى طالب (ت ٣٩ هـ) «٧» ، ومعاوية بن أبي سفيان (ت ٦٠ هـ) «٨» وغيرهم. وكان يكتب «العهود والمواثيق» جماعة أشهرهم علي بن أبى طالب (ت ٣٩ هـ) ،

стр. 115

ويشير إلى ذلك ابن عبد البر (ت ٤٦٣ هـ) بقوله: «كان الكاتب لعهوده إذا عاهد وصلحه إذا صالح علي بن أبي طالب» «١» وكتب له كذلك جهيم بن الصلت «٢» والمغيرة بن شعبة (ت ٥٠ هـ) «٣» والأرقم بن أبي الأرقم (ت ٥٥ هـ) «٤» ، والزبير بن العوام (ت ٣٦ هـ) «٥» وغيرهم. وأشارت المصادر أن الحصين بن نمير كان يكتب حوائج النبي ﷺ «٦» ، وقام الزبير ابن العوام (ت ٣٦ هـ) وجهيم بن الصلت بكتابة أموال الصدقات «٧» وقام حذيفة بن اليمان (ت ٣٦ هـ) بمهمة كتابة خرص الثمار «٨» ، ومعيقب بن أبي فاطمة بكتابة مغانم رسول الله ﷺ «٩» . وكان عبد الله بن الأرقم (ت ٤٤ هـ) والعلاء بن عقبة يكتبان بين القوم في قبائلهم ومياههم، وفي دور الأنصار بين الرجال والنساء «١٠» . ولقد بلغ من اهتمام النبي ﷺ بالجهاز الإداري الكتابي أن عين خليفة لكل كاتب إذا غاب عن عمله، وأسند هذه الوظيفة إلى حنظلة بن الربيع، وذلك حتى لا تتعطل

стр. 116

حاجات الدولة الإدارية لغياب كاتب بسبب مرض أو غيره «١» . وعلى كل حال فإن الذين كتبوا الكتاب والكتابين والثلاثة كثير عددهم، ويشير إلى ذلك المسعودي (ت ٣٤٦ هـ) بقوله: «إنه لم يثبت أسماء هؤلاء من جملة أسماء من كتب لرسول الله ﷺ ؛ لأنه لم يكتب إلا من ثبت على كتابته واتصلت أيامه، وطالت مدته، وصحت الرواية عن ذلك من أمره دون كاتب الكتاب والكتابين والثلاثة، إذ لا يستحق أن يسمى كاتبا ويضاف إلى جملة كتابه» «٢» . كان كتاب النبي ﷺ يكتبون بالخط المقور (النسخي) ، أما الخط المبسوط ويسمى (اليابس) فقد استعمل في النقش على الأحجار وأبواب المساجد. «٣» وذهب البعض إلى أن «ديوان الإنشاات» قد وضع في زمن النبي ﷺ وفي ذلك يقول القلقشندى (ت ٨٢١ هـ) : «إنه- أي ديوان الإنشاات- أول ديوان وضع في الإسلام، وكان قد تم وضعه في عهد الرسول ﷺ » «٤» . ولكن إطلاق كلمة «ديوان» على الكتّاب في زمن الرسول ﷺ ليس دقيقا؛ إذ إن «ديوان الإنشاء» نشأ فيما بعد. وإن الكتابة لم تكن وظيفة ثابتة لهؤلاء الكتّاب تجرى عليهم منها الرواتب، وذكرت المصادر الأولية أن عصر عمر بن الخطاب (ت ٢٣ هـ) كان أول من أنشأ الدواوين في الإسلام، ولم يسمّى أي منها ديوان الإنشاء «٥» . وكما كان «الكتّاب» يشاركون في إدارة الدولة، كان «المعلمون» يقومون بمثل هذا الدور، فقد قام النبي ﷺ بإعداد المعلمين إعداد يؤهلهم للقيام بهذه الوظيفة بجدارة واقتدار «٦» . كان من أوائل هؤلاء المعلمين «مصعب بن عمير» (ت ٣ هـ) ، حين أرسله النبي ﷺ إلى يثرب سفيرا ومعلما. فدعي مصعب «بالمقرئ» «٧» وهو لقب جديد أطلق على المعلم ولم يكن معروفا من قبل.

стр. 117

وترد أول إشارة إلى التعليم الموجه من قبل الدولة لأبناء المسلمين في بدر (٢ هـ) ، إذ طلب النبي ﷺ من بعض أسرى بدر أن يعلم كل واحد عشرة من أبناء الأنصار الكتابة مقابل فكاك أسرهم «١» ، فتعلم نتيجة لذلك عدد كبير من غلمان المدينة، فكان زيد بن ثابت (ت ٥٦ هـ) ممن تعلم الكتابة حينئذ، وعلل الماوردي (ت ٤٥٠ هـ) ذلك بقوله: «وكانت العرب تعظم قدر الخط حتى قال عكرمة: بلغ فداء أهل بدر أربعة الاف حتى إن الرجل ليفادي على أن يعلم الخط، لما هو مستقر في نفوسهم من عظم خطره وجلال قدره وظهور نفعه وأثره» «٢» . ويذكر الشعبي (ت ١٠٣ هـ) أن سبب تخصيص التعليم لأبناء الأنصار دون المهاجرين أن أهل مكة كانوا يكتبون بينما لم يتوافر هذا لأهل المدينة «٣» . وقد عرفت كلمة «معلم» بالمعنى المفهوم في أيامنا، يشير إلى ذلك المقريزي (ت ٨٤٥ هـ) بقوله: «إن غلاما جاء يبكي إلى أبيه، فقال: ما شأنك؟، قال: ضربني معلمي، قال: الخبيث يطلب بذحل (ثأر) بدر، والله لا تأتيه أبدا» «٤» . وانتشرت الكتابة في المدينة بعد هذه الحادثة، ولم نجد في المصادر الأولية ما يدل على عدد أولئك الذين لم يستطيعوا أن يفدوا أنفسهم. وإلا لكنّا قد عرفنا بشكل إحصائي دقيق عدد أولئك الغلمان الذين شملهم التعليم من أسرى بدر. وتشير المصادر إلى وجود عدد من المعلمين في المدينة، يعلمون الناس بأمر النبي ﷺ فكان عبادة بن الصامت (ت ٣٤ هـ) من المعلمين، وكانت مهمته تتمثل في تعليم «أهل الصفة» القران الكريم «٥» وهناك إشارات أن النبي ﷺ كلف عبد الله بن سعيد بن العاص (ت ١٢ هـ) أن يعلم الناس الكتابة في المدينة وكان كاتبا محسنا «٦» ويذكر ابن حجر (ت ٨٠٢ هـ) أن النبي ﷺ دفع وردان بن يزيد بن وردان إلى أبان بن سعيد بن العاص

стр. 118

(ت ١٥ هـ) ، ليمولاه ويعلمه القران» «١» ، وكذلك «دفع أبا ثعلبة إلى أبي عبيدة بن الجراح (ت ١٨ هـ) ، ثم قال له: دفعتك إلى رجل يحسن تعليمك وأدبك» «٢» . لقد تجاوز اهتمام الدولة بالتعليم الرجال إلى النساء، فكان النبي ﷺ يقوم بنفسه بتعليم النساء، وبلغ من حرصهن على العلم أنهن قلن للنبي ﷺ : «غلبنا عليك الرجال فاجعل لنا يوما من نفسك، فوعدهن يوما لقيهن فيه فوعظهن وأمرهن» «٣» ويذكر البلاذري (ت ٢٧٩ هـ) أسماء عدد من النساء كن يحسن القراءة والكتابة، فكانت الشفاء بنت عبد الله بن عبد شمس القرشية تحسن القراءة «٤» ، وأمرها النبي ﷺ أن تعلم حفصة (زوجه) ، فعلمتها رقية تسمى (رقية النملة) «٥» ، وذكر أيضا أسماء أم كلثوم بنت عقبة، وعائشة بنت سعد، وكريمة بنت المقداد وغيرهن «٦» . ولقد أرادت الدولة أن يكون «العلم والتعليم» سمة من سمات المجتمع المسلم، فطلب النبي ﷺ أن يقوم بهذه المهمة كل من يستطيع أن يعلم الاخرين، وندب المجتمع كله للتعلم، ثم حذر من أن يتقاعس أحد عن التعلّم فقال: «ما بال أقوام لا يتعلمون من جيرانهم ولا يتفقهون» «٧» . واهتمت الدولة أيضا بتعليم الناس في غير حاضرة الدولة «المدينة» فكان النبي ﷺ يرسل ببعثات تعليمية إلى القبائل يعلمونهم الإسلام ويفقهونهم فيه، فذكرت لنا كتب السير بعثة عاصم بن ثابت وأصحابه القراء الذين استشهدوا في حادثة الرجيع (٣ هـ) «٨» وكانوا في مهمة تعليمية، وكذلك الحال بالنسبة إلى القراء السبعين الذين استشهدوا في حادثة بئر معونة (٤ هـ) «٩» ومع أن نهاية هؤلاء المعلمين كانت مؤسفة، إلا أن ضرورة

стр. 119

تبليغ الدعوة، وتعليم الناس كانت مبررا للتضحية بمثل هذا العدد من المعلمين والقراء. وشمل التعليم جميع فئات الأمة، فيذكر ابن حجر (ت ٨٥٢ هـ) : «أن النبي ﷺ في أثناء حصاره للطائف نزل إليه إبراهيم بن جابر- وكان من العبيد- فأعتقه وبعثه إلى أسيد ابن خضير (ت ٢٠ هـ) - وكان من المعلمين- وأمره أن يمولاه ويعلمه» «١» ، وكذلك نزل الأزرق بن الحارث فأعتقه وسلمه لخالد بن سعيد بن العاص ليمولاه ويعلمه «٢» . وفي الأمصار كان الولاة يقومون بتعليم الناس، ففي كتابه إلى عمرو بن حزم (ت ٥١ هـ) واليه على نجران قال: «أمره أن يفقههم في الدين ويعلمهم القران» «٣» وعين النبي ﷺ عتاب بن أسيد (ت ١٣ هـ) واليا على مكة، ومعاذ بن جبل (ت ١٩ هـ) مقرئا ومعلما «٤» ، وبعث النبي ﷺ أبا هريرة مع العلاء بن الحضرمي (ت ١٤ هـ) إلى البحرين يعلم الناس الإسلام، ويفقههم في أحكامه «٥» . كان التعليم يتم في عدة أماكن، فالمسجد ابتداء كان يقوم بدور كبير في هذا الباب، فهو يعدّ من أكثر الأماكن التي يمكن للمسلمين أن يجتمعوا فيها للتعلّم، وهناك مناسبات أوجدها الإسلام لذلك، منها: خطبة الجمعة والعيدين وغيرها من المناسبات. وكان «الكتّاب» معروفا في الحجاز، ويشير البخاري (ت ٢٥٦ هـ) إلى ذلك بقوله: «إن أم سلمة بعثت إلى معلم الكتاب أن ابعث إليّ غلمانا» «٦» وتشعر ترجمة البخاري لعبد الله بن عمر في الأدب المفرد بذلك حيث قال: «إن ابن عمر كان يسلم على الصبيان في الكتّاب» «٧» وتذكر بعض المصادر أن عبد الله بن أم مكتوم عندما قدم المدينة نزل في «دار القراء» ، وهي دار مخرمة بن نوفل «٨» ، وهذا يوضح أن هذه الدار

стр. 120

كانت تستخدم في تعليم القراءة والكتابة وقراءة القران خاصة. وكانت «الصفة» مدرسة لتحفيظ القران وتدريس أحكامه، فكان لهؤلاء دوي بالقران تشعر بذلك الاية الكريمة التي نزلت في أهل الصفة فقال تعالى: وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَداةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ ... [الكهف: ٢٨] . وكانت كنائس النصارى ومدارس اليهود تقوم بدور ما في تعليم القراءة والكتابة، فقد تعلم زيد بن ثابت في مدارس بني ماسكه «١» ، والمدارس بيت القراءة عند اليهود «٢» . ولم تسعفنا المصادر بذكر أنظمة التعليم في هذه الفترة إلا بالنزر القليل فهناك إشارات إلى طريقة التأديب، يقول النبي ﷺ : «علموا أبناءكم الصلاة لسبع، واضربوهم عليها وهم أبناء عشر سنين» «٣» ، وهذا يشير إلى استخدام العقاب البدني في تعليم الصبيان، أما «مواعيد التعليم» فكانت منذ عهد الرسول ﷺ تعقد بعد صلاة الفجر إلى أن تشرق الشمس، ومن بعد صلاة العصر حتى غروب الشمس «٤» . وترد أول إشارة إلى أجور المعلمين بعد بدر (٢ هـ) ، إذا طلب النبي ﷺ من بعض الأسرى أن يعلّم كل منهم عشرة غلمان من أبناء الأنصار الكتابة في المدينة مقابل فكاك أسرهم «٥» ، ويروي أبو دواد (ت ٢٧٥ هـ) في سننه قول عبادة بن الصامت (ت ٣٤ هـ) : «علّمت ناسا من أهل الصفة الكتابة والقران، فأهدى إليّ رجل منهم قوسا ... فسألت النبي ﷺ عن ذلك، فقال: «إن كنت تحب أن تطوق طوقا من نار فاقبلها» «٦» ويفيد النص أن النبي ﷺ أراد أن يكون التعليم مجانيّا، ويتضح هذا من رواية البيهقي (ت ٤٥٨ هـ) لقول ابن عباس (ت ٦٧ هـ) : «كانت المصاحف لا تباع

стр. 121

وكان الرجل يأتي بورقة عند النبي ﷺ فيقوم الرجل فيحتسب فيكتب ثم يقوم اخر فيكتب حتى يفرغ من المصحف» «١» وهذا يوضح أن عملية التعليم «قراءة وكتابة» كانت تؤدى في عهد الرسول ﷺ دون أجر، ويذكر البخاري (ت ٢٥٦ هـ) حديثا لرسول الله ﷺ يناقض في ظاهره هذا الاستنتاج حيث جاء فيه: «أحق ما أخذتم عليه أجرا كتاب الله» «٢» ويمكننا أن نجمع بين الروايتين بالقول: إن الأجرة على التعليم- لمن كانت هذه المهن وظيفة يتفرغ لها صاحبها- جائزة، ولكن عملية التعليم في هذه الفترة كانت تتم دون أجر؛ لأن الدولة كانت تشجع بشكل كبير مبدأ التعاون والتضحية في سبيل نشر الدين الجديد، فضلا عن أن الصحابة قد أخذوا من الغنائم والفيء ما يسد حاجتهم.

стр. 122

الفصل الثالث التنظيم الإداري للدولة رابعا: إدارة العلاقات العامة (الدبلوماسية الإسلامية) كانت كلمة (سفارة) «١» معروفة في مكة قبل الإسلام، وكانت هذه الوظيفة لبني عدي، وتولاها منهم عمر بن الخطاب (ت ٢٣ هـ) «٢» أما كلمة «دبلوماسية» فلم تعرف في صدر الإسلام، ويبدو أنها دخلت في معاجم اللغة في فترة متأخرة. استخدمت كلمات معينة في عصر الرسالة وهي «السفارة، الرسول، البريد» وكانت العلاقات التي أقامها الرسول ﷺ قاصرة ابتداء على المحادثات الشخصية، وإرسال الكتب، وإيفاد البعثات إلى القبائل وإلى الملوك للتعريف بالإسلام والدعوة إليه، ومن هنا فإن وظيفة البريد (السفارة) كانت من الوظائف الإدارية الهامة التي لاقت اهتماما كبيرا من جانب الدولة، وكان ما وصلنا من كتب ومواثيق ومعاهدات قام بإبرامها النبي ﷺ تتجاوز المئتين وخمسين كتابا «٣» ، وشملت معاهدات مع اليهود والنصارى، وعقود صلح بين النبي ﷺ والقبائل، وكتب إقطاع وأمان ورسائل دعوة إلى رؤساء القبائل والملوك والأمراء، مما يجعلنا نؤكد على أن سفارات الرسول ﷺ وكتبه كانت عملا بديعا من أعمال الدبلوماسية والعلاقات الدولية «٤» . وقد ذكرت المصادر أسماء هؤلاء الرسل الذين بعثهم النبي ﷺ إلى الملوك، وأرسل معهم كتبا يدعوهم فيها إلى الإسلام، فبعث دحية بن خليفة الكلبي إلى قيصر ملك

стр. 123

الروم «١» ، وعبد الله بن حذافة السهمي إلى كسرى ملك فارس «٢» ، وعمرو بن أمية الضمري (ت ٦٠ هـ) إلى النجاشي ملك الحبشة «٣» ، وحاطب بن أبى بلتعة (ت ٣٠ هـ) إلى المقوقس ملك مصر «٤» ، وعمرو بن العاص (٤٣ هـ) إلى جيفر وعيّاد ملكي عمان «٥» ، وسليط بن عمرو (ت ١٤ هـ) إلى ثمامة بن أثال، وهوذة بن علي ملكي اليمامة «٦» ، والعلاء بن الحضرمي (ت ١٤ هـ) إلى المنذر بن ساوى (ت ١١ هـ) ملك البحرين «٧» ، وشجاع بن وهب الأسدي (ت ١٢ هـ) إلى الحارث بن عبد كلال الحميري ملك تخوم الشام «٨» ، ويذكر ابن سعد (ت ٢٣٠ هـ) أن عياش بن أبي ربيعة المخزمي هو الذي أرسل إلى الحارث «٩» . وأرسل النبي ﷺ مجموعة من الرسل إلى زعماء القبائل، فبعث ظبيان بن مرشد الدوسي إلى بني بكر بن وائل «١٠» ، وجرير بن عبد الله البجلي (ت ٥٤ هـ) إلى ذي الكلاع بن ناكور «١١» ، وعمرو بن أمية الضمري (ت ٦٠ هـ) إلى مسيلمة الكذاب (ت ١٢ هـ) «١٢» . وغيرهم «١٣» . كتب النبي ﷺ هذه الرسائل في أواخر السنة السادسة وأوائل السنة السابعة بعد

стр. 124

صلح الحديبية «١» . وكان المكسب الأكبر الذي حققه النبي ﷺ من مكاتباته تلك أنها جاءت حملة إعلامية على النطاق الدولي لإظهار أن الإسلام للناس كافة «٢» . وقد نهج النبي ﷺ في اختيار رسله أمرا لا يخرج عن المألوف والعرف الجاري لدى الدبلوماسية الحديثة، من تبادل السفراء، ومراعاة الأناقة، وجمال الخلقة، والكفاات الممتازة بصفتهم ممثلين لأمتهم؛ ولذلك فإن النبي ﷺ بعث دحية بن خليفة الكلبي إلى قيصر، ويشير إلى ذلك ابن قتيبة (ت ٢٧٦ هـ) بقوله: «إن جبريل كان يجيء على صورة دحية الكلبي؛ لأن دحية كان من أجمل أهل زمانه، وأحسنهم صورة» «٣» ، وهذا يصدق على بقية رسله فكان معاذ بن جبل (ت ١٩ هـ) ، وأبو موسى الأشعري (ت ٣٢ هـ) وعبد الله بن حذافة، وعمرو بن العاص (ت ٤٣ هـ) وغيرهم من «أعقل الصحابة وأجملهم صورة، وأحسنهم حديثا، وأطلقهم لسانا وقوة حجة» «٤» وكان هؤلاء الرسل من أولئك المشهورين في المجتمع الإسلامي الذين نبهوا في العلم أو الكتابة أو الإدارة «٥» ، وقد بلغ من حرص النبي ﷺ على قواعد الدبلوماسية هذه أن قال: «إن أبردتم إليّ بريدا، فاجعلوه حسن الوجه حسن الاسم» «٦» . وعبر العرب عن هذه القواعد في أشعارهم وأقوالهم، فقال أحدهم: إذا كنت في حاجة مرسلا ... فأرسل حكيما ولا توصه «٧» وقال اخر: إذا أرسلت في أمر رسولا ... فأفهمه وأرسله أديبا فإن ضيّعت ذاك فلا تلمه ... على أن لم يكن علم الغيوبا «٨»

стр. 125

وقد ضمنت الأعراف الدبلوماسية للسفراء بعض الحقوق، فهو يملك حقّا يسمى «الأمان» وهو اليوم يسمى الحصانة، وبذلك يكون امنا هو وزوجه وأولاده، وأتباعه الدبلوماسيون «١» ، وتشير المصادر إلى ذلك في قصة الرسل الذين بعثهم مسيلمة إلى رسول الله ﷺ ، فقالوا: نشهد أن مسيلمة رسول الله، فقال الرسول ﷺ : «لولا أن الرسل لا تقتل لضربت أعناقكما» «٢» وهذا الحق ضروري لتهيئة أفضل الظروف والضمانات لأعضاء البعثات الدبلوماسية والتيسير عليهم في ممارسة وظائفهم، تقديرا لدورهم الجليل في إنشاء العلاقات السياسية الدولية، ويتضح هذا من قول السرخسي (ت ٤٩٠ هـ) : «إذا وجد الحربي في دار الإسلام، فقال: أنا رسول، فإن أخرج كتابا عرف أنه كتاب ملكهم كان امنا حتى يبلغ رسالته ويرجع؛ لأن الرسل لم تزل امنة في الجاهلية والإسلام؛ وهذا لأن أمر القتال أو الصلح لا يتم إلا بالرسل؛ فلابد من أمان الرسل ليتوصل إلى المقصود» «٣» . وكان من حقوقهم أيضا ألايحبسوا أو يمنعوا من الرجوع إلى قومهم، تذكر المصادر أن قريشا بعثت أبا رافع رسولا إلى رسول الله ﷺ فوقع في نفسه الإسلام فأراد أن يبقى في المدينة ولا يعود إلى مكة، فقال له النبي ﷺ : «إني لا أخيس بالعهد، ولا أحبس البرد، ارجع إليهم، فإن كان الذي في قلبك الذي فيه الان فارجع» «٤» ، وهذا ما جعل ابن القيم (ت ٧٥١ هـ) يقول: «قوله: لا أحبس البرد، إشعار بأن هذا حكم يختص بالرسل مطلقا» «٥» . ومما يدخل في إطار الحصانات الدبلوماسية ضمان حرية العبادة للذين يأتون إلى الدولة من المبعوثين، فكان النبي ﷺ يأمر أصحابه ألا يتعرضوا إليهم وهم يؤدون واجباتهم الدينية «٦» ، وكان هذا باعثا على تقدير من الجهات المرسلة، ويتضح هذا الحق من خلال قصة وفد نصارى نجران، إذ كانوا يؤدون عباداتهم في مسجد

стр. 126

رسول الله ﷺ «١» . وقد كان من عادة النبي ﷺ أن يتزين عند استقباله للوفود فيذكر البخاري (ت ٢٥٦ هـ) أن رجلا أهدى للنبي حلة، فقال له: «لتتجمل بها يا رسول الله للوفود» «٢» . وكان النبي ﷺ يكرم الوفود ويبسط رداءه لبعضهم، ويشركهم في الجلوس إمعانا في إزالة الدهشة، وإدخال المسرة، ذكر ابن ماجه (ت ٢٧٥ هـ) ، أنه لما وفد على النبي ﷺ زيد الخيل بسط له رداءه، وأجلسه عليه وقال: «إذا أتاكم كريم قوم فأكرموه» «٣» وفي هذا إشارة إلى أن التكريم كان على حسب درجات القوم ومنزلتهم، ويذكر ابن سعد (ت ٢٣٠ هـ) أن النبي ﷺ خصص مكانا ينزل فيه ضيوف رسول الله ﷺ ، وكانت دار رملة بنت الحارث النجارية مكانا معدّا لاستقبال الوفود، وأطلق عليها بعضهم اسم «دار الضيفان» «٤» . وكانت «الجوائز» حقّا اخر يتمتاع به السفراء عند استقبالهم ووداعهم، ويتضح هذا من قول ابن خالدون (ت ٨٠٨ هـ) : «كان النبي ﷺ يحسن وفادة الوفود ويحسن جوائزهم، وهذا كان شأنه مع الوفود ينزلهم إذا قدموا ويجهزهم إذا رحلوا» «٥» ويشير ابن سعد (ت ٢٣٠ هـ) إلى هذا التكريم بقوله: «إن وفد بني حنيفة أنزلوا في دار رملة بنت الحارث وأجريت عليهم ضيافة، فكانوا يؤتون بغداء وعشاء مرة خبزا ولحما ومرة خبزا ولبنا، ومرة خبزا وسمنا» «٦» ، وعند ما جاء وفد ثقيف إلى رسول الله ﷺ كان خالد بن سعيد (ت ١٤ هـ) يمشي بينهم وبين رسول الله ﷺ وكانوا لا يأكلون طعاما يأتيهم حتى يأكل منه خالد «٧» . ويذكر ابن إسحاق (ت ١٥١ هـ) : «أن بلالا كان يأتيهم بفطرهم وسحورهم في الأيام التي صاموها مع رسول الله ﷺ » «٨» . وكما كان النبي ﷺ يستقبل الوفود ويستضيفهم كان يزودهم بما يحتاجونه عند

стр. 127

السفر، فيذكر البيهقي (ت ٤٥٨ هـ) قول النعمان بن المقرن، قدمنا على رسول الله ﷺ أربعمائة رجل، فلما أردنا أن ننصرف قال: «يا عمر زود القوم» «١» . وهناك إشارات في المصادر تذكر أن بعض هذه الجوائز كانت تكون- أحيانا- نقدية. فيذكر ابن سعد (ت ٢٣٠ هـ) : «أن النبي ﷺ أجاز فروة بن عمرو الجذامي عامل قيصر على عمان باثنتي عشرة أوقية ونش، قال: وذلك خمسمائة درهم» «٢» وأجاز النبي ﷺ وفود عبد القيس، وبهرام، وغسان، وقضاعة، وغيرهم بمبالغ نقدية مساوية لذلك «٣» . لقد كانت الضيافة وحسن الاستقبال عامة للوفود والسفراء حتى في السفر، ويتضح هذا من رواية الإمام أحمد (ت ٢٤١ هـ) أن رسول هرقل قدم على النبي ﷺ وهو في تبوك (سنة ٩ هـ) . فقال له رسول الله ﷺ معتذرا له من عدم وجود جائزة يجيزه بها فقال: «إن لك حقّا، وإنك لرسول، فلو وجدت عندنا جائزة لجوزناك بها، ولكن جئتنا ونحن مرملون (مسافرون) فقال عثمان: أنا أكسوه حلّة صفورية، وقال رجل من الأنصار: عليّ ضيافته» «٤» . ويتضح من هذا أن كسوة الرسول ﷺ وضيافته هما من حقوق الرسول كجزء من الاستقبال والتكريم. ويفترض أن يعامل رسل المسلمين هذه المعاملة. ولذلك فإن النبي ﷺ كان يشترط على بعض الوفود تكريم رسله وضيافتهم. فيذكر ابن سعد (ت ٢٣٠ هـ) في معرض حديثه عن وفد نجران أن النبي ﷺ «اشترط عليهم مؤنة رسله وضمان الحماية لهم» «٥» . لقد كانت هذه جزا من قواعد الدبلوماسية في فترة الرسالة، طبقها النبي ﷺ في حياته، ووصى بها صحابته عند موته، فقد ذكر البخاري (ت ٢٥٦ هـ) في صحيحه بابا سماه «باب جوائز الوفود» أخرج فيه حديثا عن النبي ﷺ أن النبي ﷺ أوصى عند موته منها: « ... وأجيزوا الوفود بنحو ما كنت أجيزهم» «٦» . أما بالنسبة إلى الرسائل نفسها فقد كانت تضمن الموضوع الذي أرسلت من أجله فهناك رسائل موضوعها « ... إني أدعوك إلى الله واحده ... » «٧» . ويشرح أهداف

стр. 128

الإسلام وأحكامه. وهناك رسائل موضوعها دعوة أهل الذمة إلى الإسلام « ... ومن بقي على دينه فعليه الجزية» «١» ، « ... ولهم ذمة الله ورسوله» «٢» ، وبعضها كان يشرح أحكاما شرعية كما في كتاب النبي ﷺ إلى عمرو بن حزم، واليه على البحرين «٣» . وكان النبي ﷺ يفتتح رسائله بلفظ: «من محمد رسول الله ... » «٤» ، فهو يبدأ باسمه ولقبه ثم اسم المرسل إليه ولقبه «٥» . يقول القلقشندي (ت ٨٢١ هـ) : «وكان العجم يبدؤون بملوكهم إذا كتبوا، والرسول كتب فبدأ بنفسه، وكان أصحاب رسول الله وأمراء جيوشه يكتبون إليه فيبدؤون بأنفسهم كما كان يكتب إليهم» «٦» ، ويتضح من خلال هذه الرسائل أن النبي ﷺ كان يخاطب الملوك بالمفرد وليس بصيغة الجمع فيقول: « ... إني أحمد الله إليك ... » «٧» أو « ... إني أدعوك بدعاية الإسلام ... » «٨» ، وخاطب هؤلاء بألقابهم التي اصطلح عليها، ومن ذلك أنه قال لقيصر: «عظيم الروم» «٩» ، ولكسرى: «عظيم فارس» «١٠» وللمقوقس: «صاحب مصر» «١١» وللنجاشي: «ملك الحبشة» «١٢» . وكانت تفتح الرسائل بعد الحمد بقوله: «أما بعد فإني ... » «١٣» ، ويذكر البخاري

стр. 129

(ت ٢٥٦ هـ) قول هشام بن عروة (ت ١٤٦ هـ) : «رأيت رسائل النبي ﷺ كلما انقضت فقرة فقال: أما بعد ... » «١» ، وربما افتتحها « ... هذا الكتاب ... » «٢» ، « ... أسلم أنت ... » «٣» ، وكان غالبا ما يختم الرسائل بالسلام «٤» ، ثم يذكر في نهاية الرسالة «وكتب فلان» «٥» . وإذا كان هناك شهود ذكرهم أيضا «٦» في حين كانت تخلو الرسائل من التاريخ إلا في بعضها، كما ورد في معاهدته مع أهل مقنا حيث جاء فيها « ... وكتب علي بن أبي طالب في سنة تسع» «٧» . لم تذكر المصادر أن النبي ﷺ والصحابة كانوا يحتفظون عندهم بنسخة من هذه الرسائل، إلا أننا عرفنا أن صلح الحديبية كان قد كتب منه نسختين أخذ أحدهما رسول الله ﷺ وأخذ الاخرى سهيل بن عمرو «٨» . ويذكر عبد الله بن عمرو بن العاص (ت ٦٥ هـ) أن أول كتاب كتبه بيديه كتاب النبي ﷺ أهل مكة «٩» ، وربما يكون عبد الله قد نقله من نسخة النبي ﷺ التي كانت محفوظة لدى بعض المسلمين، مما يدل على وجود نوع من المحافظة على الأوراق الرسمية (الأرشيف) . وهناك بعض النسخ من كتب النبي ﷺ المرسلة إلى الجهات وكانت موجودة لدى بعض الصحابة، فكان لدى ابن عباس (ت ٦٨ هـ) العديد من نسخ مكاتيب الرسول ﷺ «١٠» ، واحتفظ أبو بكر بن حزم وعروة بن الزبير (ت ٩٣ هـ) ببعضها أيضا «١١» . ويمكن القول: إنهم كانوا ينسخون هذه الكتب قبل أن ترسل إلى الجهات؛ لأنه لا

стр. 130

يمكن لأحد أن يجمع هذه الرسائل المرسلة إلى الجهات المختلفة إن لم يكن هناك صورة محفوظة منها لدى الصحابة. ولعل من المفيد أن نذكر أن عمر في خلافته كان يحتفظ بجميع المعاهدات والمواثيق التي أخذت من الأشخاص المرموقين «١» ، حتى ما مضى على وفاة النبي ﷺ ربع قرن حتى أصبح في المدينة «بيت القراطيس» الذي كان ملصقا بدار عثمان» ، وهو ما يمكن تسميته بأمانة السّر للدولة الإسلامية. وراعى النبي ﷺ كون الرسائل الرسمية لا تقبل إلا إذا كانت مختومة، فاتخذ النبي ﷺ خاتما، ثم أمر ألّا ينقش على نقشه أحد حتى تتميز المراسلات الرسمية، ولا تخضع لعمليات التلاعب والغش والتزوير، ويتضح هذا من رواية البخاري (ت ٢٥٦ هـ) من قول أنس بن مالك (ت ٩١ هـ) : اصطنع رسول الله ﷺ خاتما فقال: «إنا قد اصطنعنا خاتما، ونقشنا فيه نقشا فلا ينقشن عليه أحد» «٣» . ويظهر أن حفظ الخاتم أصبح وظيفة إدارية يقوم بها أحد الصحابة، ذكر ابن عبد البر (ت ٤٦٣ هـ) في ترجمته لمعيقيب بن أبي فاطمة قال: «كان على خاتم النبي ﷺ يحفظه» «٤» ، وهذا ما يدل على حرص الرسول ﷺ على الإفادة من الوسائل والرسوم المعاصرة ما دامت لا تتعارض وأحكام الشريعة وروحها العامة. ونتخلص من الروايات التي بين أيدينا أن الرسول ﷺ أرسل بعض الرسائل مغلقة وختم على ظهر الرسالة بحيث تصبح مغلقة، فلا يفتحها إلا صاحبها، ذكر ابن سعد (ت ٢٣٠ هـ) أن النبي ﷺ بعث عمرو بن العاص (ت ٤٣ هـ) إلى جيفر وعبد ابني الخلندي. قال عمرو: «فدخلت عليه فدفعت إليه الكتاب مختوما ففض خاتمه وقرأه» «٥» . والظاهر أنهم كانوا يطوون الكتاب ويجعلون عليه شيئا رطبا كالعجين

стр. 131

وغيره، فيختمون به فلا يقرأ إلا بعد فض الخاتم، وذلك لئلّا يطلع على ما في الكتاب أحد اخر «١» . أما «الاتفاقيات والعهود» التي عقدها النبي ﷺ سواء كان ذلك مع الكيانات السياسية الموجودة، أو القبائل العربية، فقد أظهرت ذكاء الدبلوماسية الإسلامية في التعامل مع الأحداث، وكانت هذه الدبلوماسية تعتمد مصلحة الجماعة الإسلامية، وتأخذ بعناصر ومقتضيات الواقع، ففي صلح الحديبية (٦ هـ) - بشروطه المعروفة «٢» - ظهرت ملامح هذه الدبلوماسية في التحرك لربط المناطق المختلفة بالمواثيق والعهود وكتب الأمان من أجل فرض العزلة على مكة، ونشر الإسلام بين القبائل، والانفراد بخيبر، ليمنع تحالفها مع قريش وحتى لا تبقى قوة تدعهم القبائل المعارضة في الشمال. يتضح هذا من قول البلاذري (ت ٢٧٩ هـ) : «والمصلحة المترتبة على إتمام صلح الحديبية ما ظهر من ثمراته الباهرة، وفوائده الظاهرة التي كانت عاقبتها فتح مكة، وإسلام أهلها كلهم، ودخول الناس في دين الله أفواجا» «٣» . ذكرت لنا المصادر مجموعة كبيرة من العقود والمعاهدات، ومنها معاهدات مع وفد همذان والنخع وكلب وثقيف وأذرح والجرباء وغيرها «٤» . كان مضمون هذه المعاهدات متقاربا، فقد ذكر في كتاب النبي ﷺ إلى جرباء وأذرح « ... أنهم امنون بأمان الله، وأمان محمد، وأن عليهم مائة دينار كل رجب، وأن الله عليهم كفيل بالنعم والإحسان إلى من لجأ إليهم من المسلمين» «٥» ، وهكذا كانت بقية المعاهدات إلا في بعض التفصيلات التي تخص كل قوم دون غيرهم. كانت تتسم هذه «المعاهدات والاتفاقيات» بالإيجاز في القول وتحاشي استخدام

стр. 132

اللفظ المزخرف والسجع، وكذلك كانت تخلو من ألقاب التعظيم والتفخيم فتذكر أسماء المتعاقدين مجردة «١» ، فكان يقول: «هذه امنة من الله ومحمد النبي الرسول ليحنه بن روبة وأهل أيلة» «٢» ، وظل النبي ﷺ يحرص على ذكر صفة «رسول الله، والنبي» مستهدفا التذكير بحقيقة وظيفته وتأكيد معانيها في النفوس «٣» ، ففي كتاب النبي ﷺ إلى أهل أذرح والجرباء قال: «هذا كتاب من محمد النبي ... » «٤» وامتازت هذه العقود بذكر أسماء الشهود عملا بما استنه الرسول ﷺ عند عقد معاهدة الحديبية (٦ هـ) «٥» . ولما كان معظم سكان الجزيرة من القبائل التي تستوطن كل منها مكانا خاصّا بها يسمى «دار» ، ولها تنظيم سياسي، فإن النبي ﷺ أراد الاحتكاك بهذه القبائل، وهذا لم يتم دفعة واحدة؛ إذ إن ظروف القبائل وتنوعها واختلافها يؤدي بالضرورة إلى تنوع المعاملة، فهناك بعض القبائل اكتفى منهم بالموادعة دون إلزامهم بتغيير دينهم «٦» ، ويشير إلى ذلك القران في الاية الكريمة: إِلَّا الَّذِينَ عاهَدْتُمْ مِنَ الْمُشْرِكِينَ ثُمَّ لَمْ يَنْقُصُوكُمْ شَيْئاً وَلَمْ يُظاهِرُوا عَلَيْكُمْ أَحَداً فَأَتِمُّوا إِلَيْهِمْ عَهْدَهُمْ إِلى مُدَّتِهِمْ ... [التوبة: ٤] «٧» . لقد قسمت هذه الكتب إلى كتب موجهة إلى الأفراد وهي تتضمن «الإقطاعات وما يتعلق بالأمور المالية» ، وهناك كتب موجهة لأفراد عشائرهم بصراحة وهي تبين اعتراف الرسول ﷺ بهذه الزعامة أو تلك على القبيلة، وسلطاتها الإدارية المستقلة وفقا للتقاليد البدوية «٨» ، وهناك رسائل موجهة للعشائر دون الأفراد، ولا ندري هل كان إغفال الرسول ﷺ لذكر أسماء أفراد بعينهم يرجع إلى عدم وجود رؤساء معتمدين فيها، أم أن هؤلاء لم يؤمنوا بالرسول ﷺ فتجاهلهم، وعلى أية حال، فإننا لا نعلم طريقة إدارة هذا

стр. 133

الصنف من العشائر «١» . وكان الالتزام المفروض من خلال هذه المعاهدات على العشائر «طاعة الله ورسوله» «٢» وأضاف بعضها «الإسلام وطاعة الله ورسوله» «٣» وفي بعضها «الإسلام وإقام الصلاة وإيتاء الزكاة» «٤» وزاد بعضها « ... ومفارقة المشركين» «٥» وفي بعضها «أقبل في حزب الله ... » «٦» . إن طاعة الله ورسوله لابد أن تؤدي إلى الإسلام، كما أن الإسلام يستلزم طاعة الله ورسوله، والقيام بفرائضه، وإن عدم ذكر بعض الكتب شرط «مفارقة المشركين» يظهر أنه سمح لهم بإبقاء علاقاتهم بالمشركين ولا سيما أن المسلمين كانت بينهم وبين المشركين في هذه الفترة عهود ومواثيق أشار إليها القران «٧» . وقد نصت بعض هذه المعاهدات على «أن لهم النصر على من ظلمهم أو حاربهم..» «٨» . ويتضح هذا في معاهداته مع ضمرة وغفار وأشجع وغيرها. وهذا يستدعي أن يقوم بحمايتهم من أي اعتداء أو هجوم. وقد أضاف على بني أسلم شرطا «أن عليهم نصر النبي ﷺ » «٩» فالاتفاقية معهم هجومية ودفاعية. وقد أقر لعدد من القبائل ولا سيما طيئ وثقيف وجرش، أن كلّا منهم له ما أسلم عليه من أرضه «١٠» ، ويفترض أن يكون قد طبق هذه الشروط تجاه القبائل

стр. 134

الاخرى، وإن لم ينصّ على ذلك في معاهداته معهم. وبما أن القبائل كانت تأنف أن يتولى عليها أمير من غيرها، فقد اشترط بعضهم هذا الشرط، ويتضح هذا في معاهداته مع أهل مقنا وبني وائل «١» ، وفي كتابه إلى وائل بن حجر ذكر أنه «يستقي ويترفل على الأقيال» «٢» ويفيد ذلك أن النبي ﷺ أراد أن يربط هذه الواحدات الإدارية الصغيرة في سلسلة ضمن إطار واحد حتى يسهل على المركز إدارتها ومراقبتها. وقد ذكرت بعض هذه المعاهدات شروطا منفردة، منها: «النصح للمسلمين» «٣» ، «وضيافتهم» «٤» أو «السماح لهم باستعمال المياه» «٥» أو «السماح لهم بالمرور من الطرق» » . وكانت هذه المعاهدات تعطي لهؤلاء «ذمة الله ورسوله» «٧» و «أمان الله ورسوله» «٨» وقد استعملت ذمة الله وأمان الله بشكل ثابت، أما ذمة الرسول فكانت تذكر أحيانا، وجاء في بعضها: «إن الله ورسوله جار على ذلك» «٩» ، وفي كتاب: «إن الله ومحمد جار» «١٠» ، وكان المقصود بالأمان والذمة والجوار أنها اتفاقيات صداقة يضمن فيها الرسول ﷺ لهذه القبائل عدم الاعتداء، وكانت كلمة «ذمة» تدل على ضمان حمايتهم من أي اعتداء تقوم به القبائل والقوى الاخرى ضدهم «١١» .

стр. 135

لقد أراد النبي ﷺ بهذه المعاهدات أن يربط هذه القبائل مع الدولة الجديدة، وهي إجراات ضرورية لحماية القوات الإسلامية في صراعها مع الروم الذي ظهرت أول أماراته في معركة مؤتة (٨ هـ) ، وهذا يبين أن صورة العالم الذي ستجري عليه الحوادث المقبلة كانت واضحة في ذهن الرسول ﷺ «١» . ويتبين من خلال هذا العرض لمعاهدات الرسول ﷺ مع القبائل أو رجالها أن أهم ما كان يقدمه لهم هو «الحماية» ، وأهم ما يطلبه هو «الطاعة» ، وترك القبائل تسير حسب نظمها القديمة على ألاتمس سيادة الإسلام، وربما كان انشغال الرسول ﷺ بالقضايا الكثيرة التي واجهته بعد فتح مكة (٨ هـ) جعلته ينصرف عن العمل على تبديل شكل الهيكل الإداري، ذلك الانصراف الذي أدى إلى قلة الشكاوى والمشاكل التي واجهها «٢» ؛ إذ لم يرسل النبي ﷺ لهذه القبائل من رجال إدارته إلا بعض عمال الصدقات الذين أرسلوا من مركز الدولة في المدينة المنورة.

стр. 136

الإدارة في عصر الرّسول ﷺ الفصل الرّابع الإدارة المالية أولا: إدارة المال حتى قيام الدولة. ثانيا: إيرادات الدولة في عهد الرسول ﷺ . ثالثا: تنظيم شؤون الزراعة. رابعا: تنظيم شؤون التجارة. خامسا: تنظيم شؤون الصناعة. سادسا: تنظيم حفظ الأموال العامة.

стр. 137

الفصل الرابع الإدارة المالية أولا: إدارة المال حتى قيام الدولة لقد كانت حاجة الدعوة الإسلامية في مكة للمال بسيطة، ومن ثمّ لم يكن لها نظام مالي محدد بإيرادات معينة، وأوجه إنفاق محددة، وتمثلت هذه الاحتياجات في إعانة الفقراء والمحتاجين، أو شراء أولئك العبيد المستضعفين المؤمنين لإنقاذهم من عنت قريش وزعمائها «١» ، في حين كانت أحداث المحاصرة في الشعب تزيد من التلاحم المادي والمعنوي بين هذا العدد القليل من المؤمنين «٢» ، وكان صاحب الرسالة ﷺ ينفق من مال خديجة (ت ٣ ق. هـ) ﵂ «٣» . وكانت الايات المكية توجه المسلمين إلى إيجاد روح التكافل بينهم، وترد بذلك إشارات في قوله تعالى: وَفِي أَمْوالِهِمْ حَقٌّ لِلسَّائِلِ وَالْمَحْرُومِ [الذاريات: ١٩] ، وقوله: وَالَّذِينَ فِي أَمْوالِهِمْ حَقٌّ مَعْلُومٌ (٢٤) لِلسَّائِلِ وَالْمَحْرُومِ [المعارج: ٢٤، ٢٥] «٤» . ويرد في الايات المكية إشارات قليلة عن بداية وجوب تنظيم استخدام المال، فقال تعالى: وَما آتَيْتُمْ مِنْ رِباً لِيَرْبُوَا فِي أَمْوالِ النَّاسِ فَلا يَرْبُوا عِنْدَ اللَّهِ وَما آتَيْتُمْ مِنْ زَكاةٍ تُرِيدُونَ وَجْهَ اللَّهِ فَأُولئِكَ هُمُ الْمُضْعِفُونَ [الروم: ٣٩] ، وهذا يشير إلى بداية تحريم الربا، ووجوب الصدقة، والتي نزلت أحكامها مفصلة في الايات المدنية فيما بعد. وتعدّ الهجرة إلى المدينة بداية نشوء التنظيمات المختلفة للدولة الجديدة، ومن ضمنها نشأت التنظيمات المالية التي يتطلبها الوضع الجديد. كان المسلمون في بداية الهجرة يمولون دعوتهم من تبرعاتهم الخاصة، فتذكر المصادر

стр. 138

أن أبا بكر اشترى راحلتين قويتين من ماله؛ لاستخدامهما في هجرة الرسول ﷺ «١» وهكذا فعل المسلمون المهاجرون إلى المدينة فقد خرجوا تباعا «يترافدون بالمال والظهر» «٢» ، وأشارت الايات والأحاديث إلى ضرورة بذل المال في سبيل الله «٣» . وقد أدى ذلك إلى زيادة الأعباء المالية الملقاة على عاتق أهل المدينة خاصة «٤» . قام النبي ﷺ بعدد من الأعمال ذات الصبغة المالية حال هجرته، فأقام سوقا للمسلمين أذن لهم أن يبيعوا ويشتروا فيه دون مقابل، فقال: «هذا سوقكم لا يضربن أحد عليكم بخراج» «٥» وكانت «المؤاخاة» «٦» ذات صبغة مالية؛ إذ تقضي أن يشترك المتاخون في الأموال؛ لتخفيف المعاناة عن المهاجرين واضطرارهم إلى ترك المال والأهل في مكة. وإذا ما استعرضنا نص الصحيفة التي كتبها النبي ﷺ بين مواطني الدولة في المدينة فإننا نجد عددا من المواد تتحدث عن التنظيمات المالية؛ إذ قررت مواد هذه الصحيفة مبدأ التعاون في دفع الديات، وفداء الأسرى «٧» ، والاشتراك في النفقات بين المؤمنين واليهود في حالة تعرض المدينة إلى اعتداء خارجي «٨» ، إلى غير ذلك من التنظيمات التي كانت نواة للنظام المالي الجديد للدولة الإسلامية.

стр. 139

الفصل الرابع الإدارة المالية ثانيا: إيرادات الدولة في عهد الرسول ﷺ لقد بدأت الأموال ترد على المسلمين بعد نشوء دولتهم في المدينة؛ وذلك نتيجة الانتصارات الحاسمة التي حققها المسلمون في عدد من المعارك، وكذلك فرض الإسلام على رعايا الدولة الإسلامية مجموعة من التكاليف المالية شكلت في مجملها إيرادات الدولة الجديدة. فكانت «الغنيمة والفيء» «١» من أوسع أبواب هذه الإيرادات، حيث أذن الله سبحانه للمسلمين بقتال الكفار، واقتضت مهمة نشر الدعوة، وطبيعة العلاقة العدائية بين المسلمين وقريش انذاك أن يقوم المسلمون بالتعرض لقافلات مكة التجارية، ومحاولة الاستيلاء عليها إضعافا لجبهة قريش من جهة، وتعويض المهاجرين عمّا تركوه في مكة من جهة أخرى. وكانت أول غنيمة غنمها المسلمون بعض العير لقريش، تعرضت لها سرية عبد الله ابن جحش (٢ هـ) بالقرب من نخلة- بين مكة والطائف- وكانت تحمل زبيبا وأدما وتجارة أصابها عبد الله (ت ٣ هـ) ، وأسر رجلين من رجالها أخذهما إلى رسول الله ﷺ «٢» ، وتشير الروايات إلى أن النبي ﷺ كره ابتداء هذا الفعل؛ لأنه وقع في الأشهر الحرم، ولكن الايات نزلت تؤيد فعل عبد الله، وترفع الحرج عن المؤمنين «٣» . أما عن كيفية تقسيم هذه الغنيمة، فقد ذكر ابن إسحاق (ت ١٥١ هـ) ، والواقدي (ت ٢٠٧ هـ) أن عبد الله بن جحش لما غنم عير قريش قال لأصحابه: «إن لرسول الله ﷺ

стр. 140

خمس ما غنمتم، وذلك قبل أن يفرض الخمس، فعزل لرسول الله ﷺ خمس العير، وقسم سائرها بين أصحابه» «١» . على حين يروي الواقدي «ت ٢٠٧ هـ» رواية أخرى فيقول: «إن النبي ﷺ وقف غنائم نخلة، ومضى إلى بدر، حتى رجع من بدر فقسمها مع غنائم أهل بدر، وأعطى كل قوم حقهم» «٢» . ويبدو أن رواية الواقدي الثانية أقرب إلى الصحة، لأنّ فرض الخمس لرسول الله ﷺ قد نزل في بدر فقسمت غنيمة عبد الله على أساس ذلك «٣» . أما الغنائم التي غنمها المسلمون في بدر «٢ هـ» «٤» ، فكانت أول غنيمة غنمها المسلمون بعد اصطدام مباشر مع قريش، حيث غنم المسلمون سلاحا وأموالا، وأسروا سبعين رجلا من كفار قريش «٥» ، فلما تنازع المسلمون في قسمتها نزلت الايات تجعل أمر الغنائم إلى رسول الله ﷺ «٦» ، ويروي ابن إسحاق (ت ١٥١ هـ) أن النبي ﷺ قسم هذه الغنائم بين المسلمين بالسوية ثم نزلت اية الخمس «٧» كما يذكر ابن سلام «ت ٢٢٤ هـ» في كتابه الأموال «٨» . في حين يرى ابن كثير أن غنائم بدر قسمت بعد نزول اية الخمس فيقول: «والواقع أنها- أي غنائم بدر- خمست كما هو قول البخاري وابن حجر والطبري وهو الصحيح الراجح» «٩» ، أما الأسرى فقد تم افتداؤهم بمبالغ مالية مناسبة، وذلك حسبما أشار أبو بكر إذ قال: «نأخذ منهم الفدية فيكون ما أخذنا منهم لنا قوة، وعسى أن يهداهم الله فيكونوا لنا عضدا» ١» وقد تراوح فداء الأسير بين أربعة ألاف

стр. 141

درهم، وألف درهم، إلا الفقراء فقد عفى عنهم النبي ﷺ مقابل تعليم أبناء الأنصار القراءة والكتابة «١» ، وهكذا فقد أصبحت الغنائم- بعد بدر (٢ هـ) - تقسم أخماسا، خمسها لرسول الله، يضعه حيث يشاء، والأربعة أخماس الاخرى توزع على المجاهدين «٢» . ترد أول إشارة عن ملامح التنظيم الإداري الذي يقوم على حفظ المال العام في بدر (٢ هـ) ، فقد استعمل النبي ﷺ عبد الله بن كعب بن النجار (ت ٣٠ هـ) على أنفال بدر قبل قسمتها «٣» ، في حين استعمل على الأسرى غلاما له يدعى «شقران» «٤» ، ثم استعمل على قسمة الغنائم محيمة بن جزء بن عبد يغوث (ت ٢٥ هـ) ، وقد سمي من يقوم بهذه المهمة فيما بعد باسم «صاحب الغنائم» «٥» ، وكان هؤلاء الثلاثة من أوائل من عين في الجهاز الإداري المالي في عهد الرسول ﷺ . وبعد غزوة بدر (٢ هـ) نقض يهود بني قينقاع العهد مع المسلمين. فكان لابد من طردهم، فحاصرهم النبي ﷺ حتى نزلوا على حكمه، فرحلوا من المدينة إلى الشام «٦» ، وغنم المسلمون أموالا وسلاحا والات صياغة، ولم يكونوا أصحاب أرض، بل اشتهروا بالصناعة ولا سيما صناعة الحلي والمجوهرات «٧» فقسم النبي ﷺ هذه الغنيمة- بعد أخذ خمسها- على المجاهدين المشتركين في الغزوة «٨» .

стр. 142

وتذكر المصادر أن أول أرض تملّكها المسلمون كانت أرض مخيريق اليهودي (ت ٣ هـ) الذي أوصى بها للرسول ﷺ فأخذها الرسول ﷺ بعد مقتله في أحد (٣ هـ) ، وجعلها صدقة على المسلمين «١» . وعند ما افتتح المسلمون أرض بني النضير (٤ هـ) «٢» دون «إيجاف خيل أو ركاب» «٣» اعتبرت فيئا، وقد أشارت الايات إلى ذلك فقال تعالى: وَما أَفاءَ اللَّهُ عَلى رَسُولِهِ مِنْهُمْ فَما أَوْجَفْتُمْ عَلَيْهِ مِنْ خَيْلٍ وَلا رِكابٍ ... [الحشر: ٦] ، فصارت هذه الأموال فيئا خالصا لرسول الله ﷺ يضعه حيث يشاء. فأعطى- بعد المشاورة- بعضها للمهاجرين ليغنيهم ويلحقهم بالأنصار، ولم يأخذ الأنصار من هذا الفيء إلا رجلين من الأنصار أعطاهما لسد خلتهما «٤» . وخصص باقي الأراضي- وهي سبعة حوائط- لنفقات الرسول ﷺ ولحاجة أهله، وما بقي جعله النبي ﷺ في الكراع والسلاح عدة في سبيل الله «٥» . وفي شوال (٥ هـ) كانت وقعة الأحزاب، إذ نقض يهود بني قريظة العهد مع رسول الله ﷺ وحالفوا المشركين «٦» ، فلما هزمت الأحزاب حاصرهم النبي ﷺ حتى نزلوا على حكم سعد بن معاذ (ت ٥ هـ) ، فحكم بقتل مقاتلتهم وسبي

стр. 143

نسائهم وذراريهم وأخذ أموالهم «١» فحكم النبي ﷺ بذلك، وقسم أموالهم غنيمة بين المسلمين، فكان للفارس ثلاثة أسهم؛ للفرس سهمان، ولفارسه سهم، وللراجل سهم واحد، ومضت هذه السنة في تقسيم الغنائم منذ ذلك اليوم في مغازي الرسول ﷺ «٢» . وفي (٦ هـ) غنم المسلمون غنائم من بني المصطلق، فقسمها النبي ﷺ على المجاهدين الذين شاركوا فيها «٣» . وفي السنة السابعة، غزا رسول الله ﷺ خيبر وغنم من أموالها «٤» ، وقد أشارت الاية الكريمة إلى ذلك فقال تعالى: وَعَدَكُمُ اللَّهُ مَغانِمَ كَثِيرَةً تَأْخُذُونَها فَعَجَّلَ لَكُمْ هذِهِ [الفتح: ٢٠] ، فخمس رسول الله ﷺ خيبر ثم قسم سائرها بين المجاهدين «٥» . أما الأرض فقد سأله أهل خيبر أن يبقيها بأيديهم، ويعاملهم على نصف الثمر ثم قال لهم: «نقركم ما أقركم الله على أنّا إذا شئنا إخراجكم أخرجناكم» «٦» ، وبقيت في أيديهم طيلة حياة النبي ﷺ وطيلة خلافة أبي بكر الصديق ثم جاء عمر فنزعها من أيديهم وأخرجهم من جزيرة العرب «٧» . ويظهر في هذه الغزوة (٧ هـ) وظيفة إدارية مالية أخرى، فقد استعمل النبي ﷺ عبد الله ابن رواحة (ت ٨ هـ) على خرص الثمر بينه وبين يهود خيبر، واستيفاء نصفه كل سنة «٨» ،

стр. 144

فخرص عبد الله بن رواحة خيبر أربعين ألف وسق «١» . ويبدو أن عبد الله كان خبيرا بخرص الثمر، وربما كان وجوده في يثرب- وهي أرض ثمر وزراعة- قد أكسبه هذه الخبرة، فاختاره النبي ﷺ للقيام بهذه المهمة، وفي هذا دلالة على تقديم أصحاب الخبرة على غيرهم في مثل هذه الوظائف، ومن هنا فقد ذكرت الروايات أن عبد الله (ت ٥٨ هـ) كان حاذقا حازما في خرصه، نزيها عادلا في حكمه، فحاول اليهود أن يرشوه فأهدوا إليه مالا فرده عليهم وقال: «لم يبعثني النبي ﷺ لأكل أموالكم، وإنما بعثني لأقسم بينكم وبينه، ثم قال: إن شئتم عملت وعالجت وكلت لكم النصف، وإن شئتم عملتم وعالجتم وكلتم النصف، فقالوا: بهذا قامت السماوات والأرض» «٢» وفي فترة لاحقة- بعد استشهاد عبد الله في مؤتة (٨ هـ) - بعث النبي ﷺ سهل بن خيثمة، والصلت بن معد يكرب، وفروة بن عمرو، فخرصوا ثمر في سنين متعاقبة «٣» . واستعمل النبي ﷺ فروة بن عمرو على غنائم خيبر حتى قسمها على مستحقيها «٤» ، ويبدو أن هذه المعاملة ليهود خيبر قد استهوت بقية المناطق في شمال الجزيرة، فعندما علم أهل «فدك» بذلك، طلبوا مصالحة النبي ﷺ على ما صالح عليه أهل خيبر، فبعث النبي ﷺ إليهم (محيصة بن مسعود) ، فصالحهم تاركا الأرض بأيديهم معاملة على نصف ما تخرج من ثمر «٥» ، وصارت فدك فيئا خالصا للرسول ﷺ يضعه حيث يشاء؛ لأنه لم يوجف عليه بخيل ولا ركاب «٦» . وفي السنة السابعة للهجرة أتى النبي ﷺ وادي القرى، فدعا أهلها إلى الإسلام فرفضوا ذلك، فقاتلهم النبي ﷺ حتى فتحها عنوة، وغنم الرسول ﷺ الأموال والمتاع والأثاث، فخمس الرسول ﷺ ذلك، وتركت الأرض بيد أهلها وعاملهم على أساس ما عامل به أهل خيبر وأهل فدك «٧» .

стр. 145

أما أهل تيماء فهناك رواية عند الواقدي (٢٠٧ هـ) والبلاذري (ت ٢٧٩ هـ) تشير إلى أن النبي ﷺ صالحهم على الجزية، ولكن يبدو أن هذه الرواية غير دقيقة؛ إذ إن الجزية فرضت في السنة التاسعة للهجرة، في حين صالح النبي أهل تيماء في السنة (٧ هـ) ، فلعل كلمة (جزية) دخلت إلى النص في فترة متأخرة أو أن الصلح على تيماء جاء متأخرا في السنة التاسعة للهجرة «١» . وهكذا يلاحظ أن النبي ﷺ قد اتخذ بعض التدابير العملية بالنسبة إلى الأرض التي دخلت في نطاق الإسلام في الجزيرة العربية، وكانت عادة تدابير تناسب وضع الأمة الجديدة ومهمتها في الحصول على الأراضي وتوفر الأيدي العاملة، لقد أصبحت هذه الأراضي التي دخلها الإسلام في حياة الرسول ﷺ عشرية «أي فرض عليها العشر» إن كانت تروى بصورة طبيعية. ويؤخذ عليها نصف العشر إن كانت تسقى بطريق الي (الابار والقنوات والأنهار) «٢» وفي رمضان (٨ هـ) تم فتح مكة، ولم يغنم النبي ﷺ مالا، إذ منّ على أهلها وقال لهم: «اذهبوا فأنتم الطلقاء» » ، وفي نفس الوقت وقعت غزوة حنين، وغنم المسلمون مغانم كثيرة، من الأغنام والسبي والأموال فيذكر اليعقوبي (ت ٢٩٢ هـ) : أن المسلمين قد غنموا اثني عشر ألف ناقة «٤» ، وقال الواقدي (ت ٢٠٧ هـ) : «كان السبي ستة الاف، وكانت الإبل أربعة وعشرين ألف بعير، وكانت الغنم لا يدرى عددها، قد قالوا أربعين ألفا ... » ، وكان الرسول ﷺ قد غنم فضة كثيرة أربعة الاف أوقية» «٥» أي ما يقارب مائة وستين ألف درهم «٦» . خرج النبي ﷺ بالسبي والغنائم إلى الجعرانة. وجعل عليه مسعود بن عمرو القاري، وبعد أن جاء وفد هوزان إلى النبي ﷺ رد إليهم السبي من النساء والذرية «٧» ، أما الغنائم المنقولة من الأموال والإبل والغنم، فقد خمست هذه الغنائم، ووزعت بقية
следующие страницы →