← Сияса и кади

Сияса и кади · id 9762

الإدارة في عصر الرسول صلى الله عليه وآله وسلم

أحمد عجاج كرمى

Полный текст (275 стр.). Показаны 141–180 · переход к 146.

стр. 141

درهم، وألف درهم، إلا الفقراء فقد عفى عنهم النبي ﷺ مقابل تعليم أبناء الأنصار القراءة والكتابة «١» ، وهكذا فقد أصبحت الغنائم- بعد بدر (٢ هـ) - تقسم أخماسا، خمسها لرسول الله، يضعه حيث يشاء، والأربعة أخماس الاخرى توزع على المجاهدين «٢» . ترد أول إشارة عن ملامح التنظيم الإداري الذي يقوم على حفظ المال العام في بدر (٢ هـ) ، فقد استعمل النبي ﷺ عبد الله بن كعب بن النجار (ت ٣٠ هـ) على أنفال بدر قبل قسمتها «٣» ، في حين استعمل على الأسرى غلاما له يدعى «شقران» «٤» ، ثم استعمل على قسمة الغنائم محيمة بن جزء بن عبد يغوث (ت ٢٥ هـ) ، وقد سمي من يقوم بهذه المهمة فيما بعد باسم «صاحب الغنائم» «٥» ، وكان هؤلاء الثلاثة من أوائل من عين في الجهاز الإداري المالي في عهد الرسول ﷺ . وبعد غزوة بدر (٢ هـ) نقض يهود بني قينقاع العهد مع المسلمين. فكان لابد من طردهم، فحاصرهم النبي ﷺ حتى نزلوا على حكمه، فرحلوا من المدينة إلى الشام «٦» ، وغنم المسلمون أموالا وسلاحا والات صياغة، ولم يكونوا أصحاب أرض، بل اشتهروا بالصناعة ولا سيما صناعة الحلي والمجوهرات «٧» فقسم النبي ﷺ هذه الغنيمة- بعد أخذ خمسها- على المجاهدين المشتركين في الغزوة «٨» .

стр. 142

وتذكر المصادر أن أول أرض تملّكها المسلمون كانت أرض مخيريق اليهودي (ت ٣ هـ) الذي أوصى بها للرسول ﷺ فأخذها الرسول ﷺ بعد مقتله في أحد (٣ هـ) ، وجعلها صدقة على المسلمين «١» . وعند ما افتتح المسلمون أرض بني النضير (٤ هـ) «٢» دون «إيجاف خيل أو ركاب» «٣» اعتبرت فيئا، وقد أشارت الايات إلى ذلك فقال تعالى: وَما أَفاءَ اللَّهُ عَلى رَسُولِهِ مِنْهُمْ فَما أَوْجَفْتُمْ عَلَيْهِ مِنْ خَيْلٍ وَلا رِكابٍ ... [الحشر: ٦] ، فصارت هذه الأموال فيئا خالصا لرسول الله ﷺ يضعه حيث يشاء. فأعطى- بعد المشاورة- بعضها للمهاجرين ليغنيهم ويلحقهم بالأنصار، ولم يأخذ الأنصار من هذا الفيء إلا رجلين من الأنصار أعطاهما لسد خلتهما «٤» . وخصص باقي الأراضي- وهي سبعة حوائط- لنفقات الرسول ﷺ ولحاجة أهله، وما بقي جعله النبي ﷺ في الكراع والسلاح عدة في سبيل الله «٥» . وفي شوال (٥ هـ) كانت وقعة الأحزاب، إذ نقض يهود بني قريظة العهد مع رسول الله ﷺ وحالفوا المشركين «٦» ، فلما هزمت الأحزاب حاصرهم النبي ﷺ حتى نزلوا على حكم سعد بن معاذ (ت ٥ هـ) ، فحكم بقتل مقاتلتهم وسبي

стр. 143

نسائهم وذراريهم وأخذ أموالهم «١» فحكم النبي ﷺ بذلك، وقسم أموالهم غنيمة بين المسلمين، فكان للفارس ثلاثة أسهم؛ للفرس سهمان، ولفارسه سهم، وللراجل سهم واحد، ومضت هذه السنة في تقسيم الغنائم منذ ذلك اليوم في مغازي الرسول ﷺ «٢» . وفي (٦ هـ) غنم المسلمون غنائم من بني المصطلق، فقسمها النبي ﷺ على المجاهدين الذين شاركوا فيها «٣» . وفي السنة السابعة، غزا رسول الله ﷺ خيبر وغنم من أموالها «٤» ، وقد أشارت الاية الكريمة إلى ذلك فقال تعالى: وَعَدَكُمُ اللَّهُ مَغانِمَ كَثِيرَةً تَأْخُذُونَها فَعَجَّلَ لَكُمْ هذِهِ [الفتح: ٢٠] ، فخمس رسول الله ﷺ خيبر ثم قسم سائرها بين المجاهدين «٥» . أما الأرض فقد سأله أهل خيبر أن يبقيها بأيديهم، ويعاملهم على نصف الثمر ثم قال لهم: «نقركم ما أقركم الله على أنّا إذا شئنا إخراجكم أخرجناكم» «٦» ، وبقيت في أيديهم طيلة حياة النبي ﷺ وطيلة خلافة أبي بكر الصديق ثم جاء عمر فنزعها من أيديهم وأخرجهم من جزيرة العرب «٧» . ويظهر في هذه الغزوة (٧ هـ) وظيفة إدارية مالية أخرى، فقد استعمل النبي ﷺ عبد الله ابن رواحة (ت ٨ هـ) على خرص الثمر بينه وبين يهود خيبر، واستيفاء نصفه كل سنة «٨» ،

стр. 144

فخرص عبد الله بن رواحة خيبر أربعين ألف وسق «١» . ويبدو أن عبد الله كان خبيرا بخرص الثمر، وربما كان وجوده في يثرب- وهي أرض ثمر وزراعة- قد أكسبه هذه الخبرة، فاختاره النبي ﷺ للقيام بهذه المهمة، وفي هذا دلالة على تقديم أصحاب الخبرة على غيرهم في مثل هذه الوظائف، ومن هنا فقد ذكرت الروايات أن عبد الله (ت ٥٨ هـ) كان حاذقا حازما في خرصه، نزيها عادلا في حكمه، فحاول اليهود أن يرشوه فأهدوا إليه مالا فرده عليهم وقال: «لم يبعثني النبي ﷺ لأكل أموالكم، وإنما بعثني لأقسم بينكم وبينه، ثم قال: إن شئتم عملت وعالجت وكلت لكم النصف، وإن شئتم عملتم وعالجتم وكلتم النصف، فقالوا: بهذا قامت السماوات والأرض» «٢» وفي فترة لاحقة- بعد استشهاد عبد الله في مؤتة (٨ هـ) - بعث النبي ﷺ سهل بن خيثمة، والصلت بن معد يكرب، وفروة بن عمرو، فخرصوا ثمر في سنين متعاقبة «٣» . واستعمل النبي ﷺ فروة بن عمرو على غنائم خيبر حتى قسمها على مستحقيها «٤» ، ويبدو أن هذه المعاملة ليهود خيبر قد استهوت بقية المناطق في شمال الجزيرة، فعندما علم أهل «فدك» بذلك، طلبوا مصالحة النبي ﷺ على ما صالح عليه أهل خيبر، فبعث النبي ﷺ إليهم (محيصة بن مسعود) ، فصالحهم تاركا الأرض بأيديهم معاملة على نصف ما تخرج من ثمر «٥» ، وصارت فدك فيئا خالصا للرسول ﷺ يضعه حيث يشاء؛ لأنه لم يوجف عليه بخيل ولا ركاب «٦» . وفي السنة السابعة للهجرة أتى النبي ﷺ وادي القرى، فدعا أهلها إلى الإسلام فرفضوا ذلك، فقاتلهم النبي ﷺ حتى فتحها عنوة، وغنم الرسول ﷺ الأموال والمتاع والأثاث، فخمس الرسول ﷺ ذلك، وتركت الأرض بيد أهلها وعاملهم على أساس ما عامل به أهل خيبر وأهل فدك «٧» .

стр. 145

أما أهل تيماء فهناك رواية عند الواقدي (٢٠٧ هـ) والبلاذري (ت ٢٧٩ هـ) تشير إلى أن النبي ﷺ صالحهم على الجزية، ولكن يبدو أن هذه الرواية غير دقيقة؛ إذ إن الجزية فرضت في السنة التاسعة للهجرة، في حين صالح النبي أهل تيماء في السنة (٧ هـ) ، فلعل كلمة (جزية) دخلت إلى النص في فترة متأخرة أو أن الصلح على تيماء جاء متأخرا في السنة التاسعة للهجرة «١» . وهكذا يلاحظ أن النبي ﷺ قد اتخذ بعض التدابير العملية بالنسبة إلى الأرض التي دخلت في نطاق الإسلام في الجزيرة العربية، وكانت عادة تدابير تناسب وضع الأمة الجديدة ومهمتها في الحصول على الأراضي وتوفر الأيدي العاملة، لقد أصبحت هذه الأراضي التي دخلها الإسلام في حياة الرسول ﷺ عشرية «أي فرض عليها العشر» إن كانت تروى بصورة طبيعية. ويؤخذ عليها نصف العشر إن كانت تسقى بطريق الي (الابار والقنوات والأنهار) «٢» وفي رمضان (٨ هـ) تم فتح مكة، ولم يغنم النبي ﷺ مالا، إذ منّ على أهلها وقال لهم: «اذهبوا فأنتم الطلقاء» » ، وفي نفس الوقت وقعت غزوة حنين، وغنم المسلمون مغانم كثيرة، من الأغنام والسبي والأموال فيذكر اليعقوبي (ت ٢٩٢ هـ) : أن المسلمين قد غنموا اثني عشر ألف ناقة «٤» ، وقال الواقدي (ت ٢٠٧ هـ) : «كان السبي ستة الاف، وكانت الإبل أربعة وعشرين ألف بعير، وكانت الغنم لا يدرى عددها، قد قالوا أربعين ألفا ... » ، وكان الرسول ﷺ قد غنم فضة كثيرة أربعة الاف أوقية» «٥» أي ما يقارب مائة وستين ألف درهم «٦» . خرج النبي ﷺ بالسبي والغنائم إلى الجعرانة. وجعل عليه مسعود بن عمرو القاري، وبعد أن جاء وفد هوزان إلى النبي ﷺ رد إليهم السبي من النساء والذرية «٧» ، أما الغنائم المنقولة من الأموال والإبل والغنم، فقد خمست هذه الغنائم، ووزعت بقية

стр. 146

الأخماس على المقاتلين باستثناء الأنصار. وأعطى النبي ﷺ بعض المؤلفة قلوبهم من الخمس «١» . ويلاحظ أن مصلحة الأمة المسلمة كانت العامل الأول المتبع في توزيع غنائم حنين، فقد أراد النبي ﷺ أن يستميل قلوب رجالات قريش الذين أسلموا حديثا، كما أراد أن يستميل قلوب زعماء القبائل، من أمثال الأقرع بن حابس (ت ٣١ هـ) وأبي سفيان بن حرب (ت ٣٢ هـ) وغيرهم «٢» . أما الذين يأخذون من أموال «الغنيمة والفيء» من غير المحاربين، فكانوا عدة أصناف، منهم النساء والصبيان والعبيد، فذكر ابن إسحاق (ت ١٥١ هـ) أنه شهد مع رسول الله ﷺ خيبر (٧ هـ) نساء من نساء المسلمين فرضخ لهن «٣» ، وقال عمير مولى أبي اللخم: «شهدت خيبر وأنا عبد مملوك، لما فتحها النبي ﷺ أعطاني سيفا، فقال: تقلد هذا، وأعطاني من فرث المتاع ولم يضرب لي بسهم» «٤» . وكان للشهداء نصيب من غنيمة الغزوة التي شاركوا فيها يعطى لذريتهم، فقد ضرب الرسول ﷺ لمن استشهد في بدر (٢ هـ) من الغنيمة؛ منهم سعد بن خيثمة ومن ذلك يقول ابنه عبد الله: «أخذنا سهم أبي الذي ضرب له رسول الله ﷺ حين قسم الغنائم، وحمله إلينا عويمر بن ساعدة» «٥» ، وضرب الرسول ﷺ لرجلين قتل أحدهما ومات الاخر لكل منهما بسهم في غنائم بني قريظة (٥ هـ) «٦» ، وأسهم لرجل من المسلمين قتل بخيبر «٧» ، يقول الأوزاعي (ت ١٥٧ هـ) : «إن رسول الله ﷺ أسهم لرجل من المسلمين قتل بخيبر فاجتمعت أئمة الهدى على الإسهام لمن مات أو قتل» «٨» .

стр. 147

أما «النساء والصبيان» الذين يحضرون الغزوات فيساهمون في جلب الماء وإسعاف الجرحى، فكان يرضخ لهم من الغنيمة «١» ، قالت امرأة من غفار: «شهدت مع رسول الله خيبر فرضخ لنا رسول الله ﷺ من الفيء، فأخذت هذه القلادة في عنقي فأعطانيها» «٢» . وتعدّ «الجزية» موردا مهمّا من موارد بيت المال، وهي تتعلق بالأعباء المالية لغير المسلمين في المجتمع الإسلامي بوصفهم جميعا أبناء وطن واحد ينعمون به ويتحملون تبعاته. اختلف في أول جزية أخذها الرسول ﷺ فذكر الزهري (ت ١٢٤ هـ) أن «أول من أعطى الجزية أهل نجران» «٣» وفي رواية للشعبي (ت ١٠٣ هـ) أن أول ما فرض الرسول ﷺ الخراج على أهل هجر «٤» . وقد أخذت الجزية في السنة التاسعة بعد أن نزلت الاية الكريمة: قاتِلُوا الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلا بِالْيَوْمِ الْآخِرِ وَلا يُحَرِّمُونَ ما حَرَّمَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَلا يَدِينُونَ دِينَ الْحَقِّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وَهُمْ صاغِرُونَ [التوبة: ٢٩] «٥» وتشير المصادر إلى أن النبي ﷺ تجهز للقاء الروم في تبوك (٩ هـ) ولكنه لم يجد أحدا، فصالح أهلها على دفع الجزية «٦» ، وقدم عليه- وهو في تبوك- يحنة بن روبة صاحب أيلة، فصالحه على دفع ثلاثمائة دينار كل سنة، وأن يضيفوا من مر بهم من المسلمين ثلاثا، وكان عددهم يومئذ ثلاثمائة رجل «٧» . وصالح النبي ﷺ «أهل أذرح» على مائة دينار في كل رجب، وصالح أهل

стр. 148

«جرباء» على الجزية «١» . وصالح أهل مقنا على ربع ثمارهم وكتب لهم النبي ﷺ كتابا بذلك «٢» . ثم جاء خالد بن الوليد بأكيدر الكندي ملك دومة الجندل أسيرا فحقن النبي ﷺ دمه، وصالحه على دفع الجزية «٣» . وتذكر المصادر أن بعض وفود العرب جاءت إلى النبي ﷺ معلنة إسلامها، فأقرهم النبي ﷺ على ما أسلموا عليه من أموالهم وأرضهم، ووجّه إليهم عماله يعلمونهم الإسلام، وكان النبي ﷺ يرسل إلى ولاته كتبا يفصل لهم فيها أحكام الجزية، ذكرت المصادر أن النبي ﷺ أرسل إلى معاذ بن جبل واليه على اليمن كتابا جاء فيه « ... ومن كان على يهوديته أو نصرانيته فإنه لا يفتتن عنها، وعليه الجزية، وعلى كل حالم دينار واف أو قيمته من المعافر أو عوضه ثيابا» «٤» . وصالح النبي ﷺ أهل تبالة وجرش، وجعل على كل حالم من أهلها دينارا، واشترط عليهم ضيافة المسلمين، وأقرهم على ما أسلموا عليه «٥» وفي السنة العاشرة جاء وفد نجران، فصالحهم النبي ﷺ على الجزية، وكانت تشمل ثيابا وسلاحا وضيافة «٦» ، ودخل اليهود مع النصارى في الصلح، ولم يفرق بين العجم والعرب «٧» ، يقول البخاري (ت ٢٥٦ هـ) : إن النبي ﷺ صالح نصارى نجران على الجزية وفيهم عرب

стр. 149

وعجم، وصالح أهل اليمن وفيهم عرب وعجم «١» ، ويذكر يحيى بن ادم (ت ٢٠٣ هـ) كتب النبي ﷺ إلى عمرو بن حزم (ت ٥١ هـ) ومعاذ بن جبل (ت ١٩ هـ) وفيها التأكيد على فريضة الجزية على جميع أهل الكتاب ممن يقيمون في هذه البلاد «٢» . وذكرت المصادر أن النبي ﷺ أرسل العلاء بن الحضرمي (ت ١٤ هـ) إلى البحرين ليدعو أهلها إلى الإسلام أو الجزية «٣» ، فصالح أهلها من مجوس هجر والبحرين واليمن، وعاملهم معاملة أهل الكتاب «٤» ، قال أبو يوسف (ت ١٨٢ هـ) : «إن رسول الله ﷺ قد قبل من مجوس أهل البحرين الجزية وأقرّهم على مجوسيتهم» «٥» ، «كما فرض الجزية دينارا أو قيمته من المغافر على كل من بلغ الحلم من مجوس اليمن رجلا كان أو امرأة» » . ويلاحظ أن القران لم يشرع تشريعا مفصلا في الجزية، وأن ما اتخذ من إجراات عملية كانت عبارة عن مجموعة تدابير تتصف بالمرونة وبمراعاة مقتضى الحال، فقد راعى طريقة خضوع البلاد بالقوة أو الصلح، ولاحظ حالتهم المعيشية «٧» وقدرتهم المالية، والمحصول أو الصناعة التي اشتهروا بها. ذكر ابن سلام (ت ٢٢٤ هـ) أن أموال الجزية كانت ترد على العاصمة، فيقوم النبي ﷺ بتوزيعها على مستحقيها «٨» وذكرت الروايات أن أبا عبيده بن الجراح أتى بمال من البحرين، فوضعه في المسجد حتى وزعه النبي ﷺ «٩» . وتعدّ «الزكاة» من أهم موارد بيت مال المسلمين، فرضت في السنة الثانية من الهجرة لتكون أحد أركان الإسلام الخمسة، وقد قرنت في القران الكريم بالصلاة «١٠» .

стр. 150

ويكفي الاطلاع على مصادر الحديث لمعرفة مدى اهتمام الإسلام بهذا الركن الاجتماعي البارز، فحذر النبي ﷺ من منعها، وحث على أدائها؛ تطهيرا للنفس من الشح والبخل، وإعانة للمحتاجين والفقراء «١» . إن البحث في التراتيب الإدارية التي اتبعها النبي ﷺ في جمع الزكاة وحفظها وإنفاقها، يظهر أنه قد أنشأ جهازا إداريّا كبيرا لجمع الزكاة وصرفها، وكان ينفق على هؤلاء من واردات الزكاة ذاتها «٢» ، وتشير الاية الكريمة إلى ذلك: إِنَّمَا الصَّدَقاتُ لِلْفُقَراءِ وَالْمَساكِينِ وَالْعامِلِينَ [التوبة: ٦٠] . لقد قام النبي ﷺ بتدريب عماله على الصدقات حتى أصبحوا مثالا للنزاهة والشرف والأخلاق في العمل «٣» ، وكان النبي ﷺ يزودهم بتوجيهاته وتعليماته، فيذكر ابن سلام (ت ٢٢٤ هـ) ما جاء في كتابه إلى معاذ بن جبل (ت ١٩ هـ) وهو في اليمن حيث جاء فيه: « ... إن الله فرض عليكم من أموالكم صدقة ... فإن أطاعوك فإياك وكرائم أموالهم، وإياك ودعوة المظلوم، فإنه ليس بينها وبين الله حجاب ولا ستر» «٤» ، وكتب النبي ﷺ مجموعة من الكتب إلى قبائل العرب بيّن فيها فرائض الصدقة وشروطها «٥» . ويلاحظ أن تحصيل وتوزيع الزكاة تطلّب من الدولة دقة اختيار العاملين بحيث تتوافر فيهم خشية الله ويقظة الضمير وحسن السيرة؛ ولذلك قال النبي ﷺ معظّما شأن هذه الوظيفة: «العامل على الصدقة بالحق كالغازي في سبيل الله» «٦» . ذكرت لنا المصادر عددا كبيرا من «عمال الصدقات» الذين بعثهم النبي ﷺ إلى الجهات المختلفة من الدولة، فبعث المهاجر بن أبي أمية (ت ١٢ هـ) إلى صنعاء «٧» ، وزياد ابن لبيد الأنصاري (ت ٤١ هـ) إلى حضرموت «٨» ، وعدي بن حاتم (ت ٦٧ هـ) إلى

стр. 151

قبيلة طيّئ «١» ، وعمرو بن العاص (ت ٤٣ هـ) إلى عمان حيث تقطن قبيلة أزد «٢» ، وخالد بن سعيد (ت ١٤ هـ) إلى مراد ومذحج «٣» ، وعلي بن أبي طالب (ت ٣٩ هـ) إلى نجران على الصدقات والجزية «٤» ومعاذ بن جبل (ت ١٩ هـ) إلى اليمن على الصدقات والجزية «٥» وعمرو بن حزم (ت ٥١ هـ) إلى نجران على الصدقات والأخماس «٦» وفي رواية للبلاذري (ت ٢٧٩ هـ) أن النبي ﷺ بعث أبا سفيان بن حرب (ت ٣٢ هـ) إلى نجران «٧» ، فربما كان ذلك في سنة تالية لبعث عمرو بن حزم، وبعث مالك بن نويرة (ت ١٢ هـ) على صدقات بني حنظلة «٨» ، وفرّق صدقات بني سعد على رجلين منهم، فبعث الزبرقان بن بدر (ت ٤٥ هـ) على ناحية منها، وقيس بن عاصم على ناحية أخرى «٩» ، وبعث ابن اللتبية- رجلا من بني أسد- إلى بني سليم «١٠» ، وأبا موسى الأشعري (ت ٤٣ هـ) على صدقات عدن والساحل «١١» ، والعلاء بن الحضرمي (ت ١٤ هـ) إلى البحرين على الصدقات والجزية «١٢» وقد بعث العلاء إلى النبي ﷺ ثمانين ألفا ما أتاه أكثر من قبل ولا بعد «١٣» ، وأبان بن سعيد (ت ١٥ هـ) على البحرين بعد العلاء «١٤» وعبد الرحمن بن عوف (ت ٣٢ هـ) على صدقات كلب «١٥» ، وعتبة

стр. 152

ابن حصن على صدقات فزارة «١» ، والوليد بن عقبة (ت ٦١ هـ) على صدقات بني المصطلق «٢» ، والحارث بن عوف على بني مرة «٣» ، ومسعود بن رحيلة على أشجع وبني عبد الله بن غطفان وبني عبس «٤» والأعجم بن سفيان البلوي على عذرة وسلامان وبلى من جهينة» ، وقيس بن عاصم المنقريّ على قضاعة وبطون أسد وغطفان بن صعصعة «٦» ، وعباس بن مرداس (ت ١٨ هـ) على بني سليم «٧» وعجز هوازن جشم ونصر وثقيف وسعد بن بكر «٨» ، وحذيفة بن اليمان (ت ٣٦ هـ) على صدقات أزد دباء فيما بين عمان والبحرين «٩» . ويلاحظ من خلال جريدة الأسماء التي أوردتها المصادر مقدار حجم هذا الجهاز (العاملين عليها) الذي كان يقوم بجمع الأموال المستحقة على أموال المسلمين، ويلاحظ أيضا أن ولاية الصدقات قد تجمع لشخص واحد، مثل عمرو بن حزم (ت ٥١ هـ) على البحرين «١٠» ، أو تجميع ولاية الصدقات والجزية لشخص واحد مثل علي بن أبي طالب (ت ٣٩ هـ) ومعاذ بن جبل (ت ١٩ هـ) «١١» ، أو أن الوالي نفسه يقوم بجمع الصدقات وإرسالها إلى النبي ﷺ مثل أبي موسى الأشعري (ت ٤٣ هـ) ، والعلاء بن الحضرمي (ت ١٤ هـ) وغيرهم «١٢» . لقد كان عامل الصدقات يؤدي مهمته مرة في السنة لفترة معينة إلا أن يكون مستقرّا في المنطقة التي أرسل إليها لكونه واليا عليها أو زعيما من زعماء القبائل فكان يجمع بين وظيفتين في ان واحد «١٣» . وينتظر من عامل الصدقة أن يقوم بجمع المبالغ المستحقة على أموال الأغنياء وتوزيعها على المستحقين (الأصناف الثمانية المذكورة في اية الصدقات) في منطقة عمله أولا،

стр. 153

وهذا واضح من كتاب النبي ﷺ إلى ملوك حمير، إذ جاء فيه «إن الصدقة لا تحل لمحمد ولا لاله، إنما هي زكاة تزكون بها أموالكم، هي لفقراء المسلمين والمؤمنين» «١» ، وفي كتابه إلى معاذ قال له: «فإن أجابوا فأخبرهم أن الله قد فرض عليهم صدقة تؤخذ من أغنيائهم فترد على فقرائهم» «٢» . أمّا ما زاد عن الحاجة في منطقة والي الصدقة فكان يبعث به إلى الرسول ﷺ في المدينة ليتم توزيعه على من يأتي من ذوي الحاجة، وكان النبي ﷺ في بعض الأحيان يبعث إلى عمّاله ليمدوه بالمال اللازم لمواجهة مشكلة طارئة أو حاجة ملحة «٣» ، فقد كتب إلى العلاء بن الحضرمي (ت ١٤ هـ) «أما بعد: فإني قد بعثت إلى المنذر بن ساوي من يقبض منه ما اجتمع عنده من الجزية، فعجله بها، وابعث معها ما اجتمع عندك من الصدقة» «٤» ، وكان الرسول ﷺ قد كتب إلى المنذر بن ساوى (ت ١١ هـ) : « ... أما بعد: فإني بعثت إليك قدامة وأبا هريرة فادفع لهما ما اجتمع عندك من جزية» «٥» . وكانت طريقة تحصيل الزكاة تتم بدفع مبلغ الزكاة إلى عامل الصدقة عندما يمر عليهم، وكانت طريقة الإقرار المباشر هي الوسيلة الأولى المتبعة في تقدير الزكاة من قبل عامل الصدقة، من توجيهات النبي ﷺ في هذا الشأن «إن حقّا على الناس إذا قدم عليهم المصدق أن يرحبوا به ويخبروه بأموالهم كلها، ولا يخفوا عنه شيئا فإن عدل فسبيل ذلك، وإن كان غير ذلك واعتدى لم يضر إلا نفسه» «٦» . وفي هذا توجيه إلى طبيعة العلاقة التي ينبغي أن تكون بين المزكين والعاملين على الصدقة القائمة على الود والحب، لا التوتر والكراهية. واتبع جباة الرسول ﷺ في تحصيلهم للزكاة طريقة «التقدير الجزافي» وهو ما عرف باسم «الخرص أو التخمين» «٧» وهذا يتم في حالة تقدير محصول الثمار، لأنها الطريقة الوحيدة الممكنة، ولقد أحاط الإسلام عملية الخرص بضوابط تحفظ حق الزكاة ولا تجحف بالمزكين، يشعر بذلك قول النبي ﷺ : «خففوا الخرص فإن في المال

стр. 154

الوصية والعرية والواطئة والنائبة» «١» . وكان النبي ﷺ ينفق من مال الصدقة على الأعراب لسدّ حاجاتهم، وحمل الدماء عنهم، وهذا ضمن الأصناف الثمانية التي ذكرتهم الاية ... وَالْغارِمِينَ ... [التوبة: ٦٠] «٢» وذكر أبو عبيد (ت ٢٢٤ هـ) قول قبيصة بن المخارق: «أنه جاء إلى رسول الله ﷺ يسأله أن يعينه في حمالة (الدية) ، فقال رسول الله ﷺ : أقم حتى تأتينا الصدقة، فإما أن نعينك، وإما أن نحملها عنك» «٣» ، ويعقب أبو عبيد على ذلك بقوله: «قبيصة من أهل نجد وليس من أهل الحاضرة، ولا ممن هاجر إلى المدينة، فرأى له رسول الله ﷺ عن حمل الدماء، لإصلاح الفتق حقّا من مال الصدقة» «٤» . لم يلجأ النبي ﷺ إلى فرض ضرائب إضافية- بأي شكل من الأشكال- بل كان يدعو إلى التبرع كلما احتاجت الدولة إلى ذلك، وتذكر المصادر أن النبي ﷺ حذر من إرهاق الرعية بالضرائب، فقال: «لا يدخل الجنّة صاحب مكس» «٥» ، وقال: «إن صاحب المكس في النار» «٦» ، وقال: «إذا لقيتم عاشرا فاقتلوه» «٧» أما «الخراج» - أي ضريبة الأرض- فقد وردت في معاجم اللغة بمعنى الإتاوة والجزية والمال المفروض على الأرض «٨» ، والخرج والخراج واحد، وهو شيء يخرجه القوم في السنة من مالهم بقدر معلوم، والخراج غلة العبد والأمة «٩» ، وقال الزجاج (ت ٣١١ هـ) : «الخراج: الفيء، والخراج: الضريبة والجزية، وقيل للضريبة التي فرضت على رقاب أهل الذمة: «خراج» «١٠» وجاء الخراج بمعنى الكراء والأجر والثواب» «١١» . وأما المدلول الاصطلاحي لكلمة «خراج» فلا يخرج من المدلول اللغوي، إذ

стр. 155

جاءت على ألسنة الفقهاء، بمعنى الفيء، من ذلك قول أبي يوسف (ت ١٨٢ هـ) : «فأمّا الفيء يا أمير المؤمنين فهو الخراج عندنا، أي خراج الأرض» «١» ووردت في مكان اخر بمعنى جزية الرأس «٢» . ويعد ما فعله النبي ﷺ بأهل خيبر هو الخراج بمفهومه العام؛ إذ إن المصطلح لم يكن شائعا بمعناه المعروف فيما بعد. والخراج بمعناه الاصطلاحي لم يعرف إلا في زمن عمر بن الخطاب «٣» ، إلا أن الضريبة التي أطلق عليها عمر اسم «الخراج» أخذها الرسول ﷺ من أهل الذمة قبل نزول اية الجزية، وقبل فرض عمر بن الخطاب لها في سواد العراق، وأن هذا الاضطراب في فهم هذه المسألة مرجعه إلى كثرة الاراء الفقهية التي ظهرت حول أنواع الضرائب، وأنواع الأراضي ما بين خراجية وعشرية إلى غير ذلك «٤» .

стр. 156

الفصل الرابع الإدارة المالية ثالثا: تنظيم شؤون الزراعة لقد قدم رسول الله ﷺ إلى المدينة، وكان أهلها أصحاب مزارع، فحاولوا أن يشركوا المهاجرين في الزراعة، فيذكر البخاري (ت ٢٥٦ هـ) قول الأنصار للنبي ﷺ : يا رسول الله ﷺ ، اقسم بيننا وبين إخواننا النخيل، قال: «لا» ، فقال ﵇: «تكفونا المؤونة ونشرككم في التمر» ، قالوا: سمعنا وأطعنا «١» ، ويفيد هذا أن النبي ﷺ أراد للمهاجرين أن يتفرغوا للدعوة والجهاد؛ لأن أعمال الزراعة تحتاج إلى وقت كبير بحيث لا يتناسب مع وضع المهاجرين. وذكرت المصادر أن النبي ﷺ أقطع بعض أصحابه أرضا كي تستعمل في الزراعة، فقد أقطع الزبير بن العوام (ت ٣٦ هـ) أرضا بالمدينة» ، وأقطع عليّا عيونا بينبع، وعمل علي فيها بنفسه «٣» ، وربما كان ذلك في فترة متأخرة من حياة الرسول ﷺ ؛ إذ استقر وضع المهاجرين وفتحت مكة وسائر أنحاء الجزيرة. وتشير المصادر إلى أن هذه القطائع كانت من الموات الأرض، وكان النبي ﷺ يهدف من خلالها إلى «التأليف على الإسلام» وكان ممن أقطع لهذه الغاية زعماء القبائل، من أمثال فرات بن حيان «٤» ، والعباس بن مرداس السّلمي (ت ١٨ هـ) وغيرهما «٥» ، وكان هناك نوع من الإقطاع لغرض «إحياء الأرض الموات» فأقطع أبيض ابن حمال المازني الملح الذي بمأرب «٦» وسليط الأنصاري أقطعه أرضا ليحييها، ولكنه عاد واستأذن الرسول ﷺ بالتخلي عنها فأقطعها الزبير «٧» ، وأقطع الزبير (ت ٣٦ هـ) ،

стр. 157

وأبا بكر (ت ١٣ هـ) ، وعمر (ت ٢٣ هـ) ، وسهيل بن حنيف، وعبد الرحمن بن عوف (ت ٣٢ هـ) عامرا ومواتا من أموال بني النضير، وتشير بعض الروايات أنه أقطعه غامرا، وهي الأرض الخراب التي لا يبلغها الماء «١» . وكانت هناك بعض الإقطاعات لغرض «السكن» ، فقد أقطع النبي ﷺ لبني زهرة من ناحية مؤخرة المسجد، وجعل للزبير بن العوام بقيعا واسعا، وجعل لطلحة بن عبيد الله موضع داره، وكذلك فعل بالنسبة إلى أبي بكر وعثمان وغيرهم من الصحابة «٢» . لقد تراوحت صيغ هذه القطائع بين «إني أقطعتك» «٣» و «هذا ما أعطى» «٤» «وأن لهم» «٥» و «ما وهب» «٦» و «هب لي» «٧» و «أن له» «٨» ، ولم تشر المصادر إلى مساحة هذه القطائع، وإن كان بعضها قد أشار إلى أنها قدر رمية السهم «٩» أو غدوة الغنم «١٠» . لقد استطاعت الإدارة النبوية أن تحقق هذه الأهداف مجتمعة، ولكن في كل الحالات لم يقطع النبي ﷺ أحدا حقّا لمسلم أو لجماعة، بل كانت من الأراضي التي لم يكن لها مالك «١١» ، فيروي ابن سعد (ت ٢٣٠ هـ) أن حريث بن حسان الشيباني سأل رسول الله ﷺ أن يكتب له كتابا بالدهناء، خاصة دون تميم، وكانت الدهناء مرعى لبني بكر بن وائل وتميم، فوافق الرسول ﷺ وهمّ بالكتابة إليه، إلا أن امرأة تدعى قيلة بنت مخرمة كانت في وفد تميم قالت لرسول الله: إنه لم يسألك السوية في الأرض إذ سألك، فقال: «أمسك يا غلام» «١٢» واسترجع النبي ﷺ ملح مأرب الذي

стр. 158

أقطعه أبيض بن حمّال؛ لاشتراك الناس في الملح «١» . لقد اهتم النبي ﷺ بتنظيم أمور الزراعة اهتماما كبيرا فأمر باستغلال الأراضي الزراعية، فقال: «من أحيا أرضا ميتة فله أجر، وما أكلت العانية منها فله منها صدقة» «٢» ، وكره النبي ﷺ أن يمسك أحد أرضا دون استغلالها، فقال: «من كانت له أرض فليحرثها، فإن كره أن يحرثها فليمنحها أخاه، فإن كره أن يمنحها أخاه فليدعها» «٣» . لقد وضعت الإدارة النبوية حوافز كبيرة لاستغلال الأراضي وإصلاحها، ووضعت قواعد شرعية سارت عليها الأمة، فقال: «من أحيا أرضا مواتا فهي له» «٤» وروى البخاري (ت ٢٥٦ هـ) عن عائشة (ت ٥٦ هـ) قالت: قال النبي ﷺ : «من أعمر أرضا ليست لأحد فهي له» «٥» . ويلاحظ من خلال تفحص كتب الحديث المعتمدة اهتمام النبي ﷺ بالزراعة حتى إن البخاري (ت ٢٥٦ هـ) أفرد بابا في صحيحه سماه: «باب فضل الزرع والغرس إذا أكل منه» وقد أورد قوله: «ما من مسلم يغرس غرسا أو يزرع زرعا فيأكل منه طير أو إنسان أو بهيمة إلا كان له به صدقة» «٦» ، وروى الإمام أحمد (ت ٢٤١ هـ) قوله ﵇: «لو قامت الساعة وبيد أحدكم فسيلة، فإن استطاع ألايقوم حتى يغرسها فليفعل» «٧» . كانت هناك مجموعات من الناس تعمل في الزراعة، ففي المدينة كان الأوس والخزرج يعملون بالزراعة بأنفسهم وبالاستعانة بغيرهم، ويبدو أن قبائل المدينة لم تكن تأنف الزراعة، كما كانت تأنفها القبائل العربية الاخرى «٨» ، أما اليهود فكانوا أصحاب مزارع ونخيل، وكان لديهم من الخبرة ما يجعلهم يتفوقون على غيرهم في الزراعة «٩» ، حتى إن النبي ﷺ ترك في أيديهم خيبر ووادي القرى وفدك يزرعونها على الشطر فيما

стр. 159

يخرج منها «١» . وكان هناك من الموالي من يعمل بالزراعة، ولهذا فإن النبي ﷺ لما حاصر الطائف (سنة ٩ هـ) ، وأعلن عتق من ينزل إليه من الموالي، نزل إليه ثلاثة وعشرون عبدا من موالي الطائف «٢» ، وكانت هناك مجموعات من الأحباش تعمل في حقول المدينة، وقد خرج هؤلاء ولعبوا بحرابهم فرحا بقدوم رسول الله ﷺ إلى المدينة «٣» . لقد نظمت الزراعة في عهد الرسول ﷺ تنظيما كبيرا، فقد زرع النخيل في بساتين سميت بالحوائط «٤» ، وأوردت المصادر عددا من أسماء هذه الحوائط، منها حوائط مخيريق (ت ٣ هـ) السبعة «٥» ، وحائط أبي الدحداح الذي تصدق به على المسلمين» ، وكانت هذه الحوائط تحوي نظاما دقيقا للري، إذ تحفر في وسطها الابار الخاصة، وتوضع عليها السواقي، فتقوم السواقي بإخراج الماء فتصبه في القنوات التي تتخلل النخيل أو الأشجار فتسقيها، وكانت هذه البساتين محاطة بأسوار تمنع دخول الناس أو البهائم، ولهذا أطلق عليها اسم «الحوائط» «٧» . قام الأنصار بإدارة هذه البساتين بالتعاون مع بعض الأرقاء والأجراء والأجزاء، فكانوا يقومون بحراثتها وزراعتها واستغلالها، وكان البعض الاخر يؤجر هذه البساتين بطريق المزارعة؛ وذلك لعدم قدرتهم على زراعتها «٨» . ويلاحظ أن أصحاب هذه البساتين كانوا يأخذون أجرتها إما جزا من ثمرها كما أخذ النبي ﷺ من أهل خيبر «٩» ، وإما ذهبا وفضة، فقد روى الدارمي (ت ٢٥٥ هـ) قول سعد بن أبي وقاص: «كنا نكري الأرض على عهد رسول الله ﷺ بما على

стр. 160

السواقي من الزرع، وبما سقي من الماء منها، فنهانا رسول ﷺ عن ذلك، ورخص لنا في أن نكريها بالذهب والورق» «١» . لقد تدخلت الدولة في تنظيم شؤون الزراعة، وذلك بتنظيم المعاملات، وحل المشكلات المترتبة على العلاقات الزراعية بين أصحاب الأرض أنفسهم، أو بينهم وبين المستأجرين، فقد ورد في كتاب رسول الله ﷺ لثقيف ما نصه: «وما سقت ثقيف من أعناب قريش فإن شطرها- أي شطر ثمرها- لمن سقاها» «٢» وذكر البخاري (ت ٢٥٦ هـ) قول جابر بن عبد الله (ت ٧٤ هـ) : «كانت لرجال فضول أراضين على عهد رسول الله ﷺ وكانوا يؤجرونها على الثلث والربع والنصف، فقال الرسول ﷺ : «من كانت له فضل أرض فليزرعها أو يمنحها أخاه، فإن أبى فليمسك أرضه» «٣» ، كما تعرض النبي ﷺ للمشكلات المتعلقة بأمور الرّي وسقي المزروعات، وتوزيع المياه على المزارعين، كما هو واضح من قصة الزبير بن العوام (ت ٣٦ هـ) ، والأنصاري عندما تنازعا في الشرب «٤» ، وقضى بمثل ذلك في مياه سيل مهزور ومزينب وبطحان- وهي من السيول التي كانت تسقي المدينة- فقضى لأهل النخل حصتهم من الماء أن يبلغ الماء إلى العقبين، وقضى لأهل الزرع أن يبلغ الماء إلى الشراكين، ثم يرسلون الماء إلى من هو أسفل منهم «٥» .

стр. 161

الفصل الرابع الإدارة المالية رابعا: تنظيم شؤون التجارة حمل المسلمون المهاجرون إلى المدينة معهم نزعة قريش التجارية، فيذكر البخاري (ت ٢٥٦ هـ) أن عبد الرحمن بن عوف (ت ٣٤ هـ) ما كاد يصل إلى المدينة حتى سأل عن السوق، وبدأ يبيع ويشتري حتى جمع مالا فتزوج «١» ، وكان عمر بن الخطاب (ت ٢٣ هـ) ممن يتاجر بالسوق حتى قال: «ألهاني الصفق بالأسواق» «٢» . لقد شعر النبي ﷺ في وقت مبكر بضرورة إنشاء سوق تجارية للمسلمين، يستطيع من خلالها أن يخلص الاقتصاد المدني من سيطرة اليهود وجشعهم «٣» ، وكانت هذه السوق مكشوفة، وتباع فيها منتوجات المدينة والبوادي المجاورة وما يأتي إليها من الخارج، وذلك في إطار إجراات شرعية تنظيمية كان على التجار الالتزام بها «٤» ، فقد منعت الدولة بيع السلع المحرمة (مثل الخمرة، والخنزير) «٥» ومنعت جميع أنواع الربا «٦» . ونهى النبي ﷺ عن بيع التصرية «٧» فقال ﵇: «من اشترى شاة مصراة أو لقحة مصراة فهو بالخيار ثلاثة أيام ... » «٨» ، ونهى عن الاحتكار فقال: «لا يحتكر إلا خاطئ» «٩» وعن بيع الثمار قبل أن

стр. 162

يبدو صلاحها (ثمار) «١» ، كما نهى عن أن يبيع حاضر لباد «٢» ، ونهى عن النجش «٣» وتلقي الركبان قبل وصولهم إلى السوق «٤» ، وعن بيع الملامسة «٥» ، والمنابذة «٦» ، والمزابنة «٧» ، ونهى عن السمسرة «٨» ، والخداع «٩» ، والغش «١٠» ، والحلف «١١» ، إلى غير ذلك من التشريعات التي نظمت عمليات البيع والشراء في سوق المدينة. قامت الدولة بمنع التمايز بين التجار أو الخصومة، فقد أمر النبي ﷺ بإحراق خيمة أقامها أنصاري في السوق «١٢» ، وذلك حتى لا يظهر مميزا عن بقية التجار، وكانت توجيهات النبي ﷺ تقضي بضرورة التسامح بين المتابعين فقال: «رحم الله عبدا سمحا إذا باع، سمحا إذا اشترى، سمحا إذا قضى، سمحا إذا اقتضى» «١٣» ، وتشير الاية الكريمة إلى هذا الخلق فقال تعالى: وَإِنْ كانَ ذُو عُسْرَةٍ فَنَظِرَةٌ إِلى مَيْسَرَةٍ [البقرة: ٢٨٠] . وذكر البخاري (ت ٢٥٦ هـ) قول النبي ﷺ : «البيعان بالخيار ما لم يتفرقا، فإن صدقا وبينا بورك لهما في بيعهما، وإن كذبا وكتما محقت بركة بيعهما» «١٤» . كان النبي ﷺ يراقب شؤون السوق بنفسه، وطلب منه بعض الصحابة أن يحدد تسعيرة المواد المعروضة في السوق، فذكر الدارمي (ت ٢٥٥ هـ) رد النبي ﷺ على هؤلاء بقوله: «إن الله هو الخالق القابض الباسط الرازق المسعر، وإني أرجو أن ألقى ربي

стр. 163

وليس أحد منكم يطلبني بمظلمة ظلمتها إياه بدم ولا مال» » . وترد إشارة إلى أن النبي ﷺ في فترة لاحقة ولى عمر بن الخطاب أمر السوق في المدينة، في حين ولى سعيد بن العاص أمر السوق في مكة «٢» . ولقد قامت الدولة بتنظيم شؤون التجارة، فكان لابد من كتابة الديون كنوع من التوثيق من أجل حفظ حقوق الاخرين، وتشير الاية الكريمة إلى ذلك فقال تعالى: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذا تَدايَنْتُمْ بِدَيْنٍ إِلى أَجَلٍ مُسَمًّى فَاكْتُبُوهُ ... [البقرة: ٢٨٢] وكان النبي ﷺ يكتب ما يبيعه وما يشتريه فيذكر البخاري (ت ٢٥٦ هـ) نص هذا الكتاب، حيث جاء فيه «هذا ما اشترى العداء بن خالد بن هوذة من محمد رسول الله ﷺ ، اشترى عبدا أو أمة (شك الراوي) لا داء ولا غائلة ولا خبثة، بيع المسلم للمسلم» «٣» . وكانت المرونة والحرية والانفتاح سمة من سمات الدولة في فترة الرسالة، حيث سمح للمسلمين بالتعامل التجاري بحرية حتى مع الكفار، روى البخاري (ت ٢٥٦ هـ) أن النبي ﷺ اشترى شاة من مشرك «٤» ، وتبايع مع اليهود واقترض منهم فقد اشترى النبي ﷺ طعاما من يهودي إلى أجل ورهنه درعا من حديد «٥» . أما «النقود المتداولة» في فترة الرسالة، فكانت تتمثل في «الدينار» «٦» وهو عملة مضروبة في بيزنطة من الذهب الخالص «٧» ، وكان الناس يتعاملون به وزنا إذا كثر، وعدّا إذا قل، وقد أقر الرسول ﷺ التعامل مع هذه الدنانير على ما كانت عليه في الجاهلية، وكان «الدرهم» «٨» من النقود التي تعامل بها الناس، وهو مضروب في

стр. 164

بلاد فارس، وكانت هذه الدراهم تختلف من حيث الوزن والحجم اختلافا كبيرا مما أدى إلى أن يتعامل الناس بها وزنا لا عدّا «١» . ويلاحظ أن الدرهم كان مستعملا بشكل كبير، ولذا فقد كان صداق الرسول ﷺ لنسائه- في الغالب- خمسمائة درهم «٢» . لقد امتهن بعض الصحابة مهنة «الصيرفة» اتضح ذلك من قول بعض الصحابة: «كنا تاجرين على عهد رسول الله ﷺ فسألناه عن الصرف، فقال: «إن كان يدا بيد فلا بأس، وإن كان نسّاء فلا يصلح» «٣» ، ويذكر أن النبي ﷺ اعتمد سعر السوق اليومي في الصيرفة، روى أبو داود (ت ٢٧٥ هـ) قول ابن عمر (ت ٦٨ هـ) : «قلت: يا رسول الله إنى أبيع الإبل بالنقيع، فأبيع بالدنانير واخذ الدراهم، وأبيع الدراهم واخذ الدنانير، اخذ هذه من هذه، وأعطي هذه من هذه، فقال رسول الله ﷺ : «لا بأس أن تأخذ بسعر يومها ما لم تفترقا وبينكما شيء» «٤» ، وهذا يوضح مدى انتشار هذه المهنة في زمن الرسول ﷺ . أما «الأوزان والمكاييل» المستعملة في هذه الفترة، فهي ذاتها التي عرفت قبل الإسلام ولكنها أصبحت مراقبة ومحددة وفقا للمعيار الذي يفرضه صاحب السوق، فعرفت في مكة «الأوزان» لأن طبيعة التعامل يقوم على التجارة في حين عرفت المكاييل في المدينة؛ لأنها ذات طابع زراعي «٥» ، وقد جاء في الحديث: «الوزن وزن أهل مكة، والمكيال مكيال أهل المدينة» «٦» ، واندرجات وحدات الكيل ما بين المد، والصاع، والوسق «٧» والجريب، والقفير، الذي يستخدم أيضا- شأنه شأن الجرايب- كمقياس أرضي «٨» ، وكذلك واحدات الوزن متفاوتة بين الدرهم والثقال

стр. 165

والقيراط والأوقية والرطل والقنطار «١» ، والتي اعتبرت الواحدات الأساسية للوزن في العهد الأول «٢» . وتشير الروايات إلى أنه كان يقوم بالأسواق من يزن للناس، وكانت هذه وظيفة خاصة، يقوم بها بعضهم مقابل الأجر، فقد روى الدارمي (ت ٢٥٥ هـ) أن النبي ﷺ مر بالسوق، وكان لأهل السوق وزان يزن فقال النبي ﷺ : «زن وأرجح» «٣» ، ووجدت هذه الوظيفة في سوق مكة، روى النّسائي (ت ٣٠٣ هـ) عن سماك بن سويد أن قيسا قال: جلبت أنا ومخرقة العبدي بزّا من هجر فأتانا رسول الله ﷺ ونحن بمنى ووزان يزن بالأجر، فاشترى منا سراويل، فقال للوزان: «زن وأرجح» «٤» ، ومما يشعر بوجود هذه الوظيفة في زمن الرسول ﷺ أن البخاري (ت ٢٥٦ هـ) وضع بابا سماه «الكيل على البائع والمعطي» «٥» وقد علق عليه ابن حجر (ت ٨٥٤ هـ) بقوله: «أي مؤنة الكيل على المعطي، بائعا كان أو موفي دين أو غير ذلك، ويلتحق بالكيل في ذلك الوزن فيما يوزن» «٦» . لقد كانت هذه التنظيمات تتناسب مع أهداف الإسلام العامة، في تحقيق معنى العدالة، وبناء مجتمع فاضل يقوم أساسه على الرحمة والحب والإخاء والتعاون.

стр. 166

الفصل الرابع الإدارة المالية خامسا: تنظيم شؤون الصناعة اشتهرت يثرب قبل الإسلام بزراعتها وصناعتها، وبعد الهجرة قامت حركة عمرانية واسعة، ولعل من أولى أمور الصناعة التي اهتم بها المسلمون «صناعة البناء» إذ احتاج المهاجرون إلى مساكن يسكنونها في المدينة، فخط لهم النبي ﷺ الخطط، وحدد لهم الأماكن التي يبنون عليها «١» . قام النبي ﷺ ببناء حجرات زوجاته، وذلك من اللبن وسقفت بجريد النخل وعلى الجريد شيء من الطين «٢» ، تشير المصادر إلى مجموعة من الأبنية أسست بعد الهجرة منها المسجد النبوي الشريف بالإضافة إلى أن النبي ﷺ كان يخط المساجد في منازل القبائل المختلفة ويوجه لهم القبلة، ويختار الأرض الصالحة للمسجد، ويحددها لهم، فقد خط رسول الله ﷺ لجهينة مسجدهم في المدينة «٣» ، ويذكر السهيلي (ت ٥٨١ هـ) أن مساجد القبائل كانت تسعة عدا مسجد رسول الله، وكلها تسمع أذان بلال وتصلي بأذانه «٤» . لقد كان للنبي ﷺ مجموعة من التوجيهات التنظيمية في البناء استفاد منها الصحابة، كما أخذ عنها الفقهاء بعض الأحكام الفقهية مثل تقديم من يجيد العمل على من لا يجيده بصرف النظر عن تقوى كل منهم، فقد وفد رجل من بني حنيفة إلى النبي ﷺ وكان الرجل ممن يحسنون خلط الطين. وكان النبي ﷺ يعمل مع الصحابة في المسجد، فقال: «دعوا الحنفي فإنه أضبطكم للطين» «٥» ، فأخذ المسحاة وأخذ يعالج الطين ويخلطه والرسول ينظر إليه ويقول: «إن هذا الحنفي لصاحب طين» «٦» .

стр. 167

وأشارت الروايات إلى نوع اخر من البناء وهو بناء الخنادق، ولم يكن العرب يعرفون الخندق كخط دفاعي عن القرى والمدن إلا في زمن النبي ﷺ . فقد أشار سلمان الفارسي (ت ٣٥ هـ) بحفر الخندق «١» فاقتنع النبي ﷺ بفكرة سلمان، وقام بنفسه بتحديد مواقع الحفر ومسير الخندق «٢» جاعلا جبل سلع خلف ظهور المسلمين «٣» . وحفر الرسول ﷺ ومن معه من الحرة الشرقية إلى الحرة الغربية، وتظهر إدارة النبي في تنظيم العمل بأن قسمه بين المسلمين لإنجاز الحفر في أقصر مدة ممكنة، فجعل لكل عشرة رجال منهم أربعين ذراعا «٤» ، أي لكل رجل منهم أربعة أذرع، وقد تعاون المسلمون فكان كل من فرغ من عمله اتجه إلى مساعدة بقية إخوانه؛ لأن الأرض مختلفة من حيث سهولة الحفر وصعوبته، وكان النبي ﷺ يتجه لكسر الحجارة التي تستعصي عليهم في أثناء الحفر» . وقد استعمل النبي ﷺ في الحفر مجموعة من الالات من المساحي والمكاتل، استعار بعضها من بني قريظة، بغرض إنجاز عملية الحفر في الوقت المحدد التي كانت ستة أيام فقط «٦» . أما صناعة «النجارة» فقد اشتهرت في زمن النبي ﷺ وكان النجارون يخدمون الأغراض العسكرية؛ وذلك باشتراكهم في صنع بعض الأسلحة، فصناعة الدبابة والمنجنيق تعتمد في الدرجة الأولى على النجارين، كما أن صناعة الرماح تدخل ضمنا في النجارة «٧» ، ويلاحظ من خلال الروايات أن معظم من كانوا يجيدون النجارة هم في الغالب من الموالى؛ نظرا لنفور العرب واحتقارهم للصناعات وأنفتهم منها. لقد اعتبرت صناعة الأسلحة من أهم الصناعات في زمن الرسول ﷺ ، وكانت الإدارة النبوية قد اهتمت اهتماما خاصّا بهذه الصناعة، إذ إن الجهاد ونشر الإسلام يحتاج إلى القوة والسلاح؛ لذا نجد اهتماما خاصّا من النبي ﷺ بالسلاح وإعداده. كانت توجيهات النبي ﷺ للمسلمين لصناعة الأسلحة تقوم على حثهم على إتقان هذه الصناعة، فقال النبي ﷺ : «إن الله يدخل الثلاثة بالسهم الواحد الجنة،

стр. 168

صانعه يحتسب في صنعه الخير، والممد به، والرامي به» «١» . وقال: «ارموا واركبوا ولأن ترموا أحب إلي من أن تركبوا» . وقال: «من ترك الرمي بعدما علّمه فقد كفر الذي علّمه» «٢» . وقد وجه النبي ﷺ المسلمين وحفزهم على صناعة الرماح فقال: «بهذا القوس وبرماح القنا يمكّن الله لكم في البلاد وينصركم على عدوكم» «٣» وقال: «ما سبقها- أي الرماح- سلاح إلى خير قط» «٤» ، وقد حث الرسول ﷺ على المحافظة عليه وإجادته حتى في غير أوقات الحرب فقال: «ستفتح لكم الأرض وتكفوا المؤونة، فلا يعجز أحدكم أن يلهو بأسهمه» «٥» . واشتهرت صناعة السيوف والخناجر، وكان الصحابة يشحذون سيوفهم بالحجارة «٦» ، في حين استعمل النبي ﷺ الدبابة في الهجوم وأرسل اثنين من الصحابة إلى جرش لكي يتعلموا صناعة الدبابات «٧» ، وبالفعل استطاع هؤلاء صناعة أول دبابة فاستعملها النبي ﷺ في حصار الطائف «٨» . ومن الصناعات المشهورة في زمن الرسول ﷺ صناعة «الحدادة» ، فيذكر البخاري (ت ٢٥٦ هـ) أن خباب بن الأرت (ت ٣٧ هـ) عمل حدادا في مكة «٩» ، ومما يدل على كثرة الحدادين في هذه الفترة أن النبي ﷺ لما فتح خيبر أحضر معه منها ثلاثين حدادا، وكان هؤلاء يقومون بصناعة ما يحتاج إليه الناس في حياتهم اليومية «١٠» . وكان هناك من يعمل «بالصياغة» واشتهر بذلك يهود بني قينقاع، يتضح هذا من

стр. 169

خلال ما ذكرته المصادر من أن النبي ﷺ وجد في حصونهم- بعد إخراجهم من المدينة- كثيرا من الات الصياغة «١» ، وقام هؤلاء بصناعة الحلي، واستخدام الذهب والفضة في علاج بعض الأعضاء البشرية التي تصاب في المعارك، ذكر ابن سعد (ت ٢٣٠ هـ) أن عثمان بن عفان كان يربط أسنانه بالذهب «٢» ، وروى ابن حجر (ت ٨٥٢ هـ) أن الضحاك بن عرفجة «قد أصيب أنفه في إحدى المعارك، فصنع له أنف فضة، فأنتن، فأمره الرسول ﷺ أن يتخذ أنفا من ذهب» «٣» ، وقام هؤلاء أيضا بصناعة الخواتم، وتحلية السيوف وتزيينها بالذهب أو الفضة تكريما للسلاح واعتزازا به «٤» . حاولت الدولة في فترة الرسالة استغلال بعض مناجم المعادن الموجودة في الجزيرة العربية، فقد أقطع النبي ﷺ بلالا بن الحارث المزني معادن قبيلته، وهي من أعمال الفرع بالمدينة وكتب له بذلك كتابا «٥» ، وهناك إشارة توضح أن النبي ﷺ أقطع معدن «الأحسن» قرب المدينة، و «بحران» بعض القبائل من أجل استغلالها وإفادة الدولة منها «٦» . واشتهرت أيضا في المدينة صناعة «الخواصة» وهي نسج بعض الأدوات والأثاث من خوص النخيل، وقد تعلم سلمان هذه المهنة واتخذها حرفة يأكل منها «٧» ، وظهرت مهنة «الخياطة» بشكل كبير، ذلك بأنّ المجتمع الإسلامي بدأ يتجه إلى الاستقرار الحضري، وهذه مرتبطة بشكل كبير بأهل الحضر، يتضح هذا من قول ابن خالدون (ت ٨٠٨ هـ) : «وهذه الصناعة مختصة بالعمران الحضري؛ لأن أهل البدو يستغنون عنها، وإنما يشتملون الأثواب اشتمالا، وإنما تفصيل الثياب وتقديرها، وإلحامها بالخياطة للباس من مذاهب الحضارة وفنونها «٨» » ومما يشير إلى وجود هذه المهنة في زمن الرسول ﷺ أن البخاري (ت ٢٥٦ هـ) وضع بابا في صحيحه سماه «باب ذكر الخياط» «٩»

стр. 170

وذكر حديثا جاء فيه: أن خياطا دعا الرسول ﷺ لطعام صنعه، فقال أنس بن مالك (ت ٩١ هـ) : فذهبت مع رسول الله إلى ذلك الطعام «١» . ويبدو أن استجابة النبي ﷺ كانت ضرورية لإزالة الاحتقار لمثل هذه المهنة في نفوس العرب المسلمين. لقد كانت تقوم هذه الصناعات وتتطور- لا سيما الأسلحة- بتوجيه من الإدارة النبوية وإشرافها المباشر، وكان الهدف الذي أراده النبي ﷺ من خلال توجيهاته وتشجيعه للصناعة، أن تصل الأمة إلى درجة من الاكتفاء الذاتي لا سيما في الصناعات الاستراتيجية للدولة كالأسلحة وغيرها. ويمكن القول: إن التنظيمات في المجالات الاقتصادية تطورت بحيث أصبحت بعض المخالفات والجرائم والعلاقات الاجتماعية تعالج بطريقة اقتصادية، فرتبت المهور على الزواج «٢» . وجعل لأهل القتيل دية في حالة القتل الخطأ «٣» ، وجعل للمتضرر في جسمه وأعضائه حق التعويض عن الضرر الذي أصابه «٤» إلى غير ذلك من التوجيهات التي تنظم علاقات الناس وحياتهم.

стр. 171

الفصل الرابع الإدارة المالية سادسا: تنظيم حفظ الأموال العامة كانت الأموال التي ترد إلى بيت المال في عصر الرسول ﷺ إما نقدية (ذهب، فضة، دينار، درهم) ، وإما عينية (مزروعات، ثمار، حيوانات) . ولكل صنف من هذه الأصناف مكان خاص تحفظ به. فأما «الأصول النقدية» فكانت تحفظ في بيت النبي ﷺ أو بيوت أصحابه، وتولى بعض الصحابة وظيفة حفظ هذه الأموال وكتابتها، فيذكر المسعودي (ت ٣٤٥ هـ) أن الزبير بن العوام (ت ٣٦ هـ) ، وجهيم بن الصلت كانا يكتبان أموال الصدقات «١» ، وقد حض الإسلام بشكل كبير على التوثيق، والكتابة في الأموال الخاصة «كالدين» «٢» وهذا ينطبق بشكل أكثر أهمية على أموال الدولة العامة، ويتضح هذا من إشارة الجهشياري (ت ٣٣١ هـ) إلى أن حنظلة بن الربيع كاتب رسول الله ﷺ كان يقوم بحفظ وتسجيل ما يرد إلى بيت المال من واردات، ثم يرفع تقريره عن محتويات بيت المال في مدة أقصاها ثلاثة أيام، فيقوم النبي ﷺ بتوزيعها «فلا يبيت وعنده شيء عنه» «٣» ويذكر البخاري (ت ٢٥٦ هـ) في هذا الصدد أن النبي ﷺ صلى العصر ثم أسرع فدخل بيته، فلما سئل عن سبب ذلك قال: «كنت خلفت في البيت تبرا من الصدقة، فكرهت أن أبيته فقسمته» «٤» ، ويذكر مسلم (ت ٢٦١ هـ) أن قوما من مضر أتو النبي ﷺ فتمعر وجهه لما رأى بهم من الفاقة، فدخل بيته فلم يجد شيئا، ثم خطب الناس فطلب منهم التبرع لسد حاجتهم «٥» . وتشير المصادر إلى أن توزيع الأموال لم يكن له موعد ثابت، فروى البخاري (ت ٢٥٦ هـ) : «أن رسول الله ﷺ أتي بمال من البحرين- ثماني مائة ألف

стр. 172

درهم- فقال: انثروه في المسجد فما قام من محله حتى أمضاه «١» ولكن في كل الأحوال كانت هذه الأموال توزع في مدة أقصاها ثلاثة أيام من تاريخ وصولها إلى المدينة» » . وكان التوزيع يتم بواسطة سجل تكتب فيه أسماء من يأخذون العطاء في المدينة، فقد ذكر الجاحظ (ت ٢٥٥ هـ) : «أن حكيم بن حزام محا نفسه من الديوان بعد وفاة رسول الله ﷺ » «٣» ، ويتضح ذلك من خلال ما ذكره ابن مالك الأشجعي: «أنه كان يدعى إلى العطاء من قبل عمار بن ياسر أيام رسول الله ﷺ » «٤» . أما «الأموال العينية» فكانت تجمع في مكان خاص تحت إشراف الرسول ﷺ ، فقد ذكر ابن سعد (ت ٢٣٠ هـ) : «أن النبي ﷺ كان يستعمل دار رملة بنت الحارث كبيت للمال يجمع فيه الأسرى والغنائم» «٥» ، وذكر أحمد (ت ٢٤١ هـ) في مسنده قول دكين بن سعيد المازني: «أتينا النبي ﷺ وكنا أربعين راكبا وأربعمائة نسأله الطعام فقال لعمر: «اذهب فأعطهم» فقال عمر: يا رسول الله، ما بقي إلّا اصع من تمر ما أرى أن يقضي، قال: اذهب فأعطهم، قال سمعا وطاعة، فارتقى بنا إلى علية فأخذ المفتاح من حجزته، ففتح» «٦» ، ويفيد النص أن فائض المواد الغذائية كانت تحفظ في علية للرسول. وذكره البخاري (ت ٢٥٦ هـ) : «أن هذه العلية كانت غرفة فوق مسجد وبيوت الرسول ﷺ وكان يخلو فيها أحيانا» وتشعر الرواية أن عمر كان يقوم بحفظ هذا الجزء من محتويات بيت المال. ويذكر ابن حجر (ت ٨٥٢ هـ) «أن بلال بن رباح كان خازن رسول الله ﷺ «٧» ، وكان يجيز الوفود بأمر رسول الله ﷺ ويزودهم بجوائز نقدية وعينية «٨» ، وذكر ابن سعد (ت ٢٣٠ هـ) قول عطاء بن السائب أنه: «لما بويع أبو بكر بالخلافة أصبح غاديا إلى السوق، ومعه أثواب يتجر بها،

стр. 173

فلقيه عمر بن الخطاب، فقال: كيف تصنع هذا وقد وليت أمر المسلمين؟، قال: فمن أين أطعم عيالي؟، قال: انطلق يفرض لك أبو عبيدة عامر بن الجراح..» «١» ويمكن القول من خلال مجموعة من النصوص السابقة: إنه لم يكن هناك وظيفة ثابتة تسمى «أمين بيت المال» لشخص معين، وإن كان تولاها بشكل كبير بتكليف من النبي ﷺ كل من بلال بن رباح وعمر بن الخطاب وأبو عبيدة بن الجراح. وذكر أبو داود (ت ٢٧٥ هـ) أنه كان للنبي (وكيل على أموال خيبر يحافظ عليها، ويعطي فيها بأمر الدولة، فقد ذكر قول جابر بن عبد الله (ت ٧٤ هـ) الذي جاء فيه: «أردت الخروج إلى خيبر فأتيت رسول الله ﷺ فقال: «إذا أتيت وكيلي فخذ منه خمسة عشر وسقا، فإن ابتغى منك اية، فضع يدك على ترقوته» «٢» . وهذا يفيد بوجود علاقة سرية بين رسول ﷺ وبين وكيله «٣» ، مما يدل على الدقة المتبعة في إدارة المال والمحافظة عليه، وتوثيق المصروفات التي يقوم بها الوكيل بأمر الرسول ﷺ وكانت «الأنعام» تشكل جزا من الإيرادات العينية تؤخذ صدقة أو فيئا أو خمسا، فكانت تجمع في مكان خاص، ويقوم الرسول ﷺ بإحصائها ووسم ما للصدقة منها؛ لتميزه عن غيره، يتضح هذا مما رواه البخاري (ت ٢٥٦ هـ) عن أنس بن مالك (ت ٩١ هـ) قال: «غدوت إلى رسول الله ﷺ .... فوافيته في يده الميسم يسم إبل الصدقة» «٤» . وكانت هذا الأنعام تمكث فترة معينة قبل قسمتها، وهذا يتطلب أن يهيئ لها مساحات واسعة لمعيشتها ورعيها، فظهر نتيجة لذلك ما يسمى «بالحمى» ، فحمى النبي ﷺ أرض النقيع «٥» ، فكانت ترعى فيه الإبل والخيل المعدة للغزو في سبيل الله «٦» . لقد راعت الدولة في «الحمى» ألايؤدي إلى التضييق على إبل المسلمين

стр. 174

ومواشيهم، يقول الشافعي (ت ٢٠٤ هـ) : «إنه بلد- أي النقيع- ليس بالوسيع حين حماه رسول الله ﷺ ووضعه تحت الأحماء لا يضر بأهل المواشي حوله إذ كانوا يجدون فيما سواه سعة لأنفسهم، مواشيهم» «١» وتشير المصادر إلى أن الدولة كانت تستخدم هذه الإبل قبل تقسيمها في المصالح العامة، فذكر البخاري (ت ٢٥٦ هـ) «أن ناسا من عرينة اجتووا المدينة أي لم يناسبهم جوها، فمرضوا فرخص لهم الرسول ﷺ أن يخرجوا إلى مكان إبل الصدقة ليشربوا من ألبانها ويغيروا هواءها ففعلوا» «٢» وروى أبو داود (ت ٢٧٥ هـ) أن النبي ﷺ استخدم إبل الصدقة في الجهاد «٣» . أما تنظيم حفظ المال في الأمصار فصورة غير واضحة وربما كانت بيوت الولاة والعمال أو المساجد هي الأماكن المعدّة لحفظ المال كما كان الأمر في عاصمة الدولة ذلك بأنّ كثيرا من هذه الأموال تحتاج إلى وقت طويل حتى يتم جمعها وتوزيعها، وكذلك لا تستحق الصدقة عليها في وقت واحد لاختلاف أنواعها ومواسمها.

стр. 175

الإدارة في عصر الرّسول ﷺ الفصل الخامس الإدارة العسكرية أولا: التمويل. ثانيا: الخدمات المساعدة. ثالثا: القيادة. رابعا: التخطيط وأساليب القتال.

стр. 176

الفصل الخامس الإدارة العسكرية أولا: التمويل كان على المقاتل ابتداء أن يعد نفسه للجهاد فيشتري جمله أو حصانه ويشتري سلاحه ويحمل معه إذا خرج للقتال زاده ومتاعه «١» ، يذكر أنس بن مالك (ت ٩١ هـ) في حديثه عن معركة بدر (٢ هـ) أن الرسول ﷺ أمر من كان ظهره حاضرا بالخروج معه «٢» وذكر عمرو بن العاص (ت ٤٣ هـ) قال: «إنه بعث إليّ النبيّ ﷺ فقال: «خذ عليك ثيابك وسلاحك ثم ائتني» فقال: «إني أريد أن أبعثك على جيش فيسلمك الله ويغنمك» «٣» وذكر ابن إسحاق (ت ١٥١ هـ) أن النبي ﷺ كان يأمر أهله أن يجهزوه عندما يخرج للجهاد «٤» . لقد كان قلة إمكانات المسلمين تجعل بعض السرايا تخرج على الأقدام كما يتضح مما ذكره ابن سعد (ت ٢٣٠ هـ) عن سعد بن أبي وقاص (ت ٥٥ هـ) قوله عن سرية الخرار (٢ هـ) : «فخرجنا على أقدامنا» «٥» وهذا ما حصل في غزوة ذي العشيرة (٢ هـ) إذ كان البعير يتعاقبه الرجلان والثلاثة «٦» . وكان المقاتل يستعير- أحيانا- سلاحه من أحد الموسرين على أن يكون له النصف من الغنيمة «٧» وكان النبي ﷺ يأمر لمن لا يجد بجهاز من لا يخرج إلى الجهاد بسبب مرض أو غيره، فقد ذكر أنس بن مالك (ت ٩١ هـ) : أن فتى من الأنصار قال:

стр. 177

الله، إني أريد الجهاد وليس لي مال أتجهز به، قال: «اذهب إلى فلان الأنصاري فإنه قد تجهز ومرض، فقل: إن رسول الله يقرئك السلام ويقول لك: ادفع إليّ ما تجهزت به» ، فقال له ذلك فقال: يا فلانة ادفعي إليه ما جهزتني به ولا تحبسي عنه شيئا فإنك والله إن حبست عنه شيئا لا يبارك الله لك فيه «١» . قال عفان: إن فتى من أسلم. وكان النبي ﷺ يحض الموسرين على تجهيز غيرهم من الفقراء فقال: «من جهز غازيا في سبيل الله فقد غزا، ومن خلّف غازيا في أهله بخير فقد غزا» «٢» فاستجاب المسلمون لذلك، ففي تبوك (٩ هـ) تصدق عثمان بألف دينار، وقدم ثلاثمائة بعير بأحلاسها وأقتابها «٣» فقال النبي ﷺ : «ما ضر عثمان ما فعل بعد ذلك» «٤» وذكر ابن إسحاق (ت ١٥١ هـ) أن يامين بن عمير بن كعب النضري (صحابي) زود اثنين من البكائين بناضح له في تبوك «٥» . وكذلك حمل العباس (ت ٣٢ هـ) منهم رجلين وحمل عثمان ثلاثة، وتبرع عبد الرحمن بن عوف (ت ٣٢ هـ) بأربعة الاف دينار وهي نصف ماله «٦» ، وتبرع أبو بكر بماله البالغ أربعة الاف درهم وجاء عمر بنصف ماله «٧» ، وتبرع طلحة في غزوات مختلفة حتى سماه الرسول ﷺ طلحة الجود أو طلحة الخير «٨» ، وذكر الأصبهاني (ت ٤٣٠ هـ) في حديثه عن تبوك أن ابن عوف حمل على خمسمائة فرس «٩» ، كما قدم سعد بن عبادة (ت ١٢ هـ) مالا وكذلك محمد بن مسلمة، وتصدق عاصم بن عدي بمائة وسق من التمر١» ، في حين أعان نوفل بن

стр. 178

الحارث (ت ١٥ هـ) بثلاثة الاف رمح «١» . وأوقف بعض المسلمين أموالهم في سبيل الله، فيذكر الشيباني (ت ١٨٩ هـ) أن المسلمين صاروا يوقفون الخيل وغيرها من الدواب في سبيل الله «٢» . ويتضح مما ذكر الشيباني والماوردي أن دور المسلمين قد تحول- عند الحاجة- إلى تبني مسؤولية تحمل أعباء النفقة على الجيش وتجهيزه «٣» ، فيذكر المقريزي (ت ٨٤٥ هـ) أن النساء في غزوة تبوك تبرعن بحليهن حتى كنّ ينزعنها ويقدمنها تطوعا في سبيل الله، فقد قالت أم سنان الأسلمية: لقد رأيت ثوبا مبسوطا بين يدي رسول الله ﷺ في بيت عائشة فيه مسك ومعاضد وخلاخل وأقرطة وخواتيم وقد ملئ بما بعثت به النساء ليعن في جهازهم «٤» . وشكلت الغنائم جزا رئيسيّا في تجهيز المقاتلة وإمدادهم بالسلاح وغيره، فقد ذكر الواقدي (ت ٢٠٧ هـ) أن المسلمين في بدر ما رجع أحدهم يريد أن يركب إلّا وجد ظهرا حتى حصل بعضهم على البعير والبعيرين وألبس من كان عاريا وأصابوا طعاما من أزوادهم وأصابوا فداء الأسرى الذي أغنى كل عائل «٥» ، وذكر ابن إسحاق (ت ١٥١ هـ) قول عبد الرحمن بن عوف (ت ٣٢ هـ) : «حتى إذا كان يوم بدر مررت بأمية بن خلف واقف مع ابنه علي اخذ بيده ومعي أدراع قد استلبتها» «٦» وأخذ النبي ﷺ سلاحا كثيرا من بني قينقاع (٣ هـ) «٧» وفي بني النضير وجد من الحلقة خمسين درعا وخمسين بيضة وثلاثمائة وأربعين سيفا «٨» وفي بني قريظة غنم المسلمون ألفا وخمسمائة سيف وثلاثمائة درع وألفي رمح وخمسمائة ترس وجحفة «٩» . وصالح أهل خيبر (٧ هـ) على أن له الحلقة وسائر السلاح «١٠» وذكر ابن سعد (ت ٢٣٠ هـ)

стр. 179

أن النبي ﷺ لما أسر نوفل بن الحارث في بدر قال له: «افد نفسك برماحك التي بجدة» .. ففدى نفسه بها وكانت ألف رمح «١» . ولقد سمح للمقاتل باستخدام الأسلحة من الغنيمة قبل أن تقسم على أن يرد ذلك بعد انتهاء المعركة «٢» ، يقول المقريزي (ت ٨٤٥ هـ) : «وكان من احتاج إلى السلاح ليقاتل به يأخذه من صاحب المغنم ثم يرده إليه» «٣» ، ويروي الواقدي (ت ٢٠٧ هـ) أن النبي ﷺ وجد في حصن النطاة (في خيبر سنة ٧ هـ) منجنيقا فاستعمله في القتال وكذلك وجدت الة للحرب في حصن صعب فاستعملت في المعركة «٤» . وحاول النبي ﷺ أن يوفر السلاح عن طريق استعارة الأسلحة ففي غزوة هوازن (٨ هـ) ذكر له أن عند صفوان بن أمية أدرعا وسلاحا فأرسل إليه يقول: «يا أبا أمية أعرنا سلاحك هذا نلق فيه عدونا غدا» فقال: أغصبا يا محمد؟ قال: «بل عارية وهي مضمونة حتى نؤديها إليك» فأعطاه مائة درع بما يكفيها من السلاح «٥» ، كما اقترض النبي ﷺ في حنين أربعين ألف درهم من عبد الله بن أبي ربيعة وردها له بعد عودته من المعركة «٦» واقترض كذلك خمسين ألفا أخرى من صفوان بن أمية ثم ردها إليه «٧» . وكان الشراء وسيلة أخرى لتوفير ما يحتاجه المسلمون من سلاح فقد أرسل النبي ﷺ قسما من خمس ما غنمه من قريظة مع سعد بن زيد الأنصاري إلى نجد فباعهم واشترى بثمنهم خيلا وسلاحا «٨» ، وذكر بريدة بن الحصيب (ت ٦٣ هـ) أن الرسول ﷺ اشترى في تبوك (٩ هـ) ستة أبعرة فأرسل إلى أبي موسى فقال: «خذها فانطلق

стр. 180

بها إلى أصحابك» «١» وذكر الواقدي (ت ٢٠٧ هـ) أن الرسول ﷺ أمر المسلمين أن ينفقوا من أموالهم لشراء السلاح والعتاد لتجهيز الفقراء، فأعظم الناس النفقة فقام النبي ﷺ بتجهيزهم «٢» . وكان من وسائل النبي ﷺ في الحصول على الأسلحة أن النبي ﷺ شرط على البعض في عقود الصلح التي عقدها على تزويد المسلمين بالأسلحة، فقد ذكر الزهري (ت ١٢٤ هـ) أن الرسول ﷺ صالح بني النضير على أن لهم ما أقلت الإبل من الأمتعة إلا الحلقة «٣» ، وصالح النبي ﷺ أهل خيبر (٧ هـ) «٤» وأكيدر بن عبد الملك صاحب دومة الجندل «٥» وأهل مقنا «٦» وأهل نجران «٧» على ترك السلاح أو دفعه كجزء من الجزية. لقد احتاج المقاتلة أيضا إلى الثياب فقام النبي ﷺ بالحصول عليه كذلك عن طريق معاهدات الصلح فكانت معاهدة نجران تنص على: «ألفي حلة: ألف حلة في صفر وألف حلة في رجب» «٨» . وكذلك أهل مقنا «صالحهم على ربع ما اغتزلت نساؤهم» «٩» . ووجد النبي ﷺ في خيبر خمسمائة قطيفة (نوع من الثياب) «١٠» . وجاء كتاب النبي ﷺ إلى معاذ بن جبل (ت ١٩ هـ) في اليمن أنه طلب أخذ الجزية أو عدل ذلك من المعافر وهي نوع من الثياب «١١» ، وكذلك ذكر أبو يوسف (ت ١٧٩ هـ) أن النبي ﷺ فرض على كل من بلغ الحلم من مجوس اليمن دينارا أو قيمته من المعافر «١٢» . أما الوسيلة الاخرى لتجهيز المقاتلة باللباس فهو ما يحصلون عليه من عدوهم، فذكر
следующие страницы →