← Сияса и кади

Сияса и кади · id 9762

الإدارة في عصر الرسول صلى الله عليه وآله وسلم

أحمد عجاج كرمى

Полный текст (275 стр.). Показаны 176–215 · переход к 181.

стр. 176

الفصل الخامس الإدارة العسكرية أولا: التمويل كان على المقاتل ابتداء أن يعد نفسه للجهاد فيشتري جمله أو حصانه ويشتري سلاحه ويحمل معه إذا خرج للقتال زاده ومتاعه «١» ، يذكر أنس بن مالك (ت ٩١ هـ) في حديثه عن معركة بدر (٢ هـ) أن الرسول ﷺ أمر من كان ظهره حاضرا بالخروج معه «٢» وذكر عمرو بن العاص (ت ٤٣ هـ) قال: «إنه بعث إليّ النبيّ ﷺ فقال: «خذ عليك ثيابك وسلاحك ثم ائتني» فقال: «إني أريد أن أبعثك على جيش فيسلمك الله ويغنمك» «٣» وذكر ابن إسحاق (ت ١٥١ هـ) أن النبي ﷺ كان يأمر أهله أن يجهزوه عندما يخرج للجهاد «٤» . لقد كان قلة إمكانات المسلمين تجعل بعض السرايا تخرج على الأقدام كما يتضح مما ذكره ابن سعد (ت ٢٣٠ هـ) عن سعد بن أبي وقاص (ت ٥٥ هـ) قوله عن سرية الخرار (٢ هـ) : «فخرجنا على أقدامنا» «٥» وهذا ما حصل في غزوة ذي العشيرة (٢ هـ) إذ كان البعير يتعاقبه الرجلان والثلاثة «٦» . وكان المقاتل يستعير- أحيانا- سلاحه من أحد الموسرين على أن يكون له النصف من الغنيمة «٧» وكان النبي ﷺ يأمر لمن لا يجد بجهاز من لا يخرج إلى الجهاد بسبب مرض أو غيره، فقد ذكر أنس بن مالك (ت ٩١ هـ) : أن فتى من الأنصار قال:

стр. 177

الله، إني أريد الجهاد وليس لي مال أتجهز به، قال: «اذهب إلى فلان الأنصاري فإنه قد تجهز ومرض، فقل: إن رسول الله يقرئك السلام ويقول لك: ادفع إليّ ما تجهزت به» ، فقال له ذلك فقال: يا فلانة ادفعي إليه ما جهزتني به ولا تحبسي عنه شيئا فإنك والله إن حبست عنه شيئا لا يبارك الله لك فيه «١» . قال عفان: إن فتى من أسلم. وكان النبي ﷺ يحض الموسرين على تجهيز غيرهم من الفقراء فقال: «من جهز غازيا في سبيل الله فقد غزا، ومن خلّف غازيا في أهله بخير فقد غزا» «٢» فاستجاب المسلمون لذلك، ففي تبوك (٩ هـ) تصدق عثمان بألف دينار، وقدم ثلاثمائة بعير بأحلاسها وأقتابها «٣» فقال النبي ﷺ : «ما ضر عثمان ما فعل بعد ذلك» «٤» وذكر ابن إسحاق (ت ١٥١ هـ) أن يامين بن عمير بن كعب النضري (صحابي) زود اثنين من البكائين بناضح له في تبوك «٥» . وكذلك حمل العباس (ت ٣٢ هـ) منهم رجلين وحمل عثمان ثلاثة، وتبرع عبد الرحمن بن عوف (ت ٣٢ هـ) بأربعة الاف دينار وهي نصف ماله «٦» ، وتبرع أبو بكر بماله البالغ أربعة الاف درهم وجاء عمر بنصف ماله «٧» ، وتبرع طلحة في غزوات مختلفة حتى سماه الرسول ﷺ طلحة الجود أو طلحة الخير «٨» ، وذكر الأصبهاني (ت ٤٣٠ هـ) في حديثه عن تبوك أن ابن عوف حمل على خمسمائة فرس «٩» ، كما قدم سعد بن عبادة (ت ١٢ هـ) مالا وكذلك محمد بن مسلمة، وتصدق عاصم بن عدي بمائة وسق من التمر١» ، في حين أعان نوفل بن

стр. 178

الحارث (ت ١٥ هـ) بثلاثة الاف رمح «١» . وأوقف بعض المسلمين أموالهم في سبيل الله، فيذكر الشيباني (ت ١٨٩ هـ) أن المسلمين صاروا يوقفون الخيل وغيرها من الدواب في سبيل الله «٢» . ويتضح مما ذكر الشيباني والماوردي أن دور المسلمين قد تحول- عند الحاجة- إلى تبني مسؤولية تحمل أعباء النفقة على الجيش وتجهيزه «٣» ، فيذكر المقريزي (ت ٨٤٥ هـ) أن النساء في غزوة تبوك تبرعن بحليهن حتى كنّ ينزعنها ويقدمنها تطوعا في سبيل الله، فقد قالت أم سنان الأسلمية: لقد رأيت ثوبا مبسوطا بين يدي رسول الله ﷺ في بيت عائشة فيه مسك ومعاضد وخلاخل وأقرطة وخواتيم وقد ملئ بما بعثت به النساء ليعن في جهازهم «٤» . وشكلت الغنائم جزا رئيسيّا في تجهيز المقاتلة وإمدادهم بالسلاح وغيره، فقد ذكر الواقدي (ت ٢٠٧ هـ) أن المسلمين في بدر ما رجع أحدهم يريد أن يركب إلّا وجد ظهرا حتى حصل بعضهم على البعير والبعيرين وألبس من كان عاريا وأصابوا طعاما من أزوادهم وأصابوا فداء الأسرى الذي أغنى كل عائل «٥» ، وذكر ابن إسحاق (ت ١٥١ هـ) قول عبد الرحمن بن عوف (ت ٣٢ هـ) : «حتى إذا كان يوم بدر مررت بأمية بن خلف واقف مع ابنه علي اخذ بيده ومعي أدراع قد استلبتها» «٦» وأخذ النبي ﷺ سلاحا كثيرا من بني قينقاع (٣ هـ) «٧» وفي بني النضير وجد من الحلقة خمسين درعا وخمسين بيضة وثلاثمائة وأربعين سيفا «٨» وفي بني قريظة غنم المسلمون ألفا وخمسمائة سيف وثلاثمائة درع وألفي رمح وخمسمائة ترس وجحفة «٩» . وصالح أهل خيبر (٧ هـ) على أن له الحلقة وسائر السلاح «١٠» وذكر ابن سعد (ت ٢٣٠ هـ)

стр. 179

أن النبي ﷺ لما أسر نوفل بن الحارث في بدر قال له: «افد نفسك برماحك التي بجدة» .. ففدى نفسه بها وكانت ألف رمح «١» . ولقد سمح للمقاتل باستخدام الأسلحة من الغنيمة قبل أن تقسم على أن يرد ذلك بعد انتهاء المعركة «٢» ، يقول المقريزي (ت ٨٤٥ هـ) : «وكان من احتاج إلى السلاح ليقاتل به يأخذه من صاحب المغنم ثم يرده إليه» «٣» ، ويروي الواقدي (ت ٢٠٧ هـ) أن النبي ﷺ وجد في حصن النطاة (في خيبر سنة ٧ هـ) منجنيقا فاستعمله في القتال وكذلك وجدت الة للحرب في حصن صعب فاستعملت في المعركة «٤» . وحاول النبي ﷺ أن يوفر السلاح عن طريق استعارة الأسلحة ففي غزوة هوازن (٨ هـ) ذكر له أن عند صفوان بن أمية أدرعا وسلاحا فأرسل إليه يقول: «يا أبا أمية أعرنا سلاحك هذا نلق فيه عدونا غدا» فقال: أغصبا يا محمد؟ قال: «بل عارية وهي مضمونة حتى نؤديها إليك» فأعطاه مائة درع بما يكفيها من السلاح «٥» ، كما اقترض النبي ﷺ في حنين أربعين ألف درهم من عبد الله بن أبي ربيعة وردها له بعد عودته من المعركة «٦» واقترض كذلك خمسين ألفا أخرى من صفوان بن أمية ثم ردها إليه «٧» . وكان الشراء وسيلة أخرى لتوفير ما يحتاجه المسلمون من سلاح فقد أرسل النبي ﷺ قسما من خمس ما غنمه من قريظة مع سعد بن زيد الأنصاري إلى نجد فباعهم واشترى بثمنهم خيلا وسلاحا «٨» ، وذكر بريدة بن الحصيب (ت ٦٣ هـ) أن الرسول ﷺ اشترى في تبوك (٩ هـ) ستة أبعرة فأرسل إلى أبي موسى فقال: «خذها فانطلق

стр. 180

بها إلى أصحابك» «١» وذكر الواقدي (ت ٢٠٧ هـ) أن الرسول ﷺ أمر المسلمين أن ينفقوا من أموالهم لشراء السلاح والعتاد لتجهيز الفقراء، فأعظم الناس النفقة فقام النبي ﷺ بتجهيزهم «٢» . وكان من وسائل النبي ﷺ في الحصول على الأسلحة أن النبي ﷺ شرط على البعض في عقود الصلح التي عقدها على تزويد المسلمين بالأسلحة، فقد ذكر الزهري (ت ١٢٤ هـ) أن الرسول ﷺ صالح بني النضير على أن لهم ما أقلت الإبل من الأمتعة إلا الحلقة «٣» ، وصالح النبي ﷺ أهل خيبر (٧ هـ) «٤» وأكيدر بن عبد الملك صاحب دومة الجندل «٥» وأهل مقنا «٦» وأهل نجران «٧» على ترك السلاح أو دفعه كجزء من الجزية. لقد احتاج المقاتلة أيضا إلى الثياب فقام النبي ﷺ بالحصول عليه كذلك عن طريق معاهدات الصلح فكانت معاهدة نجران تنص على: «ألفي حلة: ألف حلة في صفر وألف حلة في رجب» «٨» . وكذلك أهل مقنا «صالحهم على ربع ما اغتزلت نساؤهم» «٩» . ووجد النبي ﷺ في خيبر خمسمائة قطيفة (نوع من الثياب) «١٠» . وجاء كتاب النبي ﷺ إلى معاذ بن جبل (ت ١٩ هـ) في اليمن أنه طلب أخذ الجزية أو عدل ذلك من المعافر وهي نوع من الثياب «١١» ، وكذلك ذكر أبو يوسف (ت ١٧٩ هـ) أن النبي ﷺ فرض على كل من بلغ الحلم من مجوس اليمن دينارا أو قيمته من المعافر «١٢» . أما الوسيلة الاخرى لتجهيز المقاتلة باللباس فهو ما يحصلون عليه من عدوهم، فذكر

стр. 181

ابن سعد (ت ٢٣٠ هـ) : «أن الرسول ﷺ جمع أمتعة بني قريظة وما وجد في حصونهم من الحلقة والأثاث والثياب» «١» ، وحصل المسلمون على المتاع كذلك في غزوة المريسيع (٦ هـ) » ، وغزوة خيبر (٧ هـ) «٣» . وكان تجهيز الجيش بالطعام يتم بطرق متعددة. فقد كان التمر أغلب زاد الجند يضاف إليه السويق واللحوم مقددة أو طازجة، فكان المحارب يصطحب معه زاده في رحله، ذكر الواقدي (ت ٢٠٧ هـ) : أن واثلة بن الأسقع الليثي (ت ٨٣ هـ) عندما أراد الخروج مع رسول الله إلى تبوك فقال لأخته: جهزي أخاك جهاز غاز فإن الرسول ﷺ على جناح سفر، فأعطته مدّا من دقيق، فعجن الدقيق في الدلو، وأعطته تمرا فأخذه «٤» وذكر أيضا أن الرجل في تبوك كان يحمل معه الدقيق والسويق والتمر «٥» . وكان تبرع الموسرين بالطعام وسيلة أخرى لتوفير الطعام، فكان سعد بن عبادة خلال حصار بني النضير يأتي المسلمين بالتمر من عنده، كما أمد المسلمين بلحوم الإبل في غزوة حمراء الأسد (٣ هـ) فكانوا ينحرون اثنين في يوم وثلاثة في يوم اخر «٦» ، وذكر ابن سعد (ت ٢٣٠ هـ) أن قيس بن سعد بن عبادة (ت ٦٠ هـ) ابتاع في غزوة الخبط (٨ هـ) جزورا ونحرها للمقاتلة «٧» ، وذكر البلاذري (ت ٣٧٩ هـ) أن عثمان بن عفان كفى ثلث الجيش مؤونتهم في الغزوة ذاتها «٨» وكانت الغنيمة تشكل مصدرا أساسيّا في الحصول على الطعام، وكان العلف بمنزلة الطعام، إذ إن المقاتل مسؤول عن إطعام نفسه وركوبته؛ ولذا فقد سمح للمقاتلين باستخدام الطعام والعلف من الغنيمة «٩» فذكر أبو مالك الأشعري قال: بعثنا رسول الله في سرية، وأمر علينا سعد بن أبي وقاص

стр. 182

فسرنا حتى نزلنا منزلا. فقام رجل وأسرج دابته فقلت: أين تريد؟. قال: أريد العلف «١» . وفي سرية عبد الله بن جحش (١ هـ) إلى نخلة قالوا له: إنّا قد أقوينا (أنهكنا الجوع) فأعطنا من الغنيمة «٢» . وذكر الشيباني (ت ١٨٩ هـ) أن المسلمين في خيبر أصابوا طعاما فأكلوا منه قبل أن تقسم، حيث نفل رسول الله ﷺ الناس والخبز والطبيخ والشواء وما أكلوا في بطونهم «٣» ، وفي هذا ذكر ابن عمر (ت ٧٣ هـ) قول رسول الله ﷺ : «أدوا الخيط والمخيط، وكلوا، واعلفوا، ولا تحملوا» وذكر البخاري (ت ٢٥٦ هـ) قول ابن عمر (ت ٧٣ هـ) : كنا نصيب في معاركنا العسل والعنب فنأكله ولا نرفعه «٤» . ويلاحظ أيضا أن بعض اتفاقيات الصلح قد تضمنت شرطا بضيافة رسل المسلمين أو من مر بهم من رسل المسلمين كما في صلح نجران «٥» ، وتبالة وجرش «٦» ، وأيلة «٧» . وكان النبي ﷺ يزود المقاتلة بشيء من المؤن، فقد ذكر سعد بن أبي وقاص (ت ٥٥ هـ) في حديثه عن غزوة الغابة (سنة ٦ هـ) قال: «قسم رسول الله ﷺ في كل مائة من أصحابه جزورا ينحرونها» «٨» ، وكذلك في غزوة الخبط (سنة ٢ هـ) زودهم بجراب تمر وكان يقول: «وكان يقبض لنا أبو عبيدة قبضة من تمر ثم يقسمها تمرة تمرة فنمضغها ونشرب عليها الماء إلى الليل» «٩» . وهكذا فإن النبي ﷺ حاول بشتى الطرق تجهيز المقاتلة بما يحتاجونه من سلاح وعتاد، وبلغ حرص النبي على ذلك أنه خطط لإعداد السلاح داخليّا لئلّا يتحكم به أحد في الساعات الحرجة، فيذكر أن النبي ﷺ أرسل عروة بن مسعود (ت ١٠ هـ) وغيلان بن سلمة إلى جرش ليتعلما صناعة الدبابات والمنجنيقات والعرادات، وهي

стр. 183

أضخم الالات الحربية «١» انذاك. ومما يشير إلى المستوى الذي بلغه الجيش في عدته أن النبي ﷺ خرج في (٧ هـ) لأداء العمرة، وساق معه الهدي، وحمل معه السلاح البيض والرماح وقاد مائة فرس «٢» ، وفي فتح مكة (سنة ٨ هـ) سار النبي ﷺ في كتيبته الخضراء لا يرى منهم إلا الحدق من الحديد «٣» ، وفي حصار الطائف استعمل النبي ﷺ الحسك كالة من الات الحصار لإعاقة تحرك العدو ومنعه من الدنو من معسكر المسلمين «٤» .

стр. 184

الفصل الخامس الإدارة العسكرية ثانيا: الخدمات المساعدة لقد كان من مهام «الإدارة النبوية» توفير الخدمات المساعدة للمقاتلة حتى يستطيع هؤلاء أن يقوموا بمهماتهم على أكمل وجه، وقد استخدم النبي هذه الخدمات بتنظيم وفعالية عالية. فاستخدم النبي ﷺ : «الأدلاء» لتوفير المعلومات اللازمة عن طبيعة الأرض التي سيقاتل عليها، ففي غزوة غطفان استخدم جبار الثعلبي «١» ، وفي أحد استخدم أبو خيثمة الحارثي (ت ٣٠ هـ) «٢» ويقال: أوس بن قبطي أو محيصة بن مسعود الأنصاري «٣» ، وكان الدليل إلى حمراء الأسد ثابت بن قيس (ت ٤٥ هـ) من الخزرج «٤» ، في حين اتخذ النبي ﷺ دليلا من بني عذرة في غزوة دومة الجندل رجلا يقال له مذكور «٥» ، وكان دليلهم في غزوة خيبر حسيل بن نويرة الأشجعي «٦» ، كما كان الدليل في تبوك (سنة ٩ هـ) علقمة الخزاعي «٧» . ويلاحظ أن قادة الرسول ﷺ وأمراءه استخدموا «الأدلاء» وقد اتخذ أبو سلمة بن عبد الأسدي «الأدلاء» في سريته إلى طليحة الأسدي «٨» كما أوصى النبي ﷺ أسامة

стр. 185

ابن زيد عندما وجهه في غزوة للشام فقال له: «.. وخذ معك الأدلاء» «١» . لقد كان هؤلاء الأدلاء يقومون بدور كبير في توفير المعلومات، وتحديد مسير الجيش، ومعرفة أماكن الكلاء، فذكر ابن إسحاق (ت ١٥١ هـ) أن الرسول ﷺ عندما علم بخبر اجتماع قريش له في أثناء مسيره إلى الحديبية (سنة ٦ هـ) سأل أصحابه: «من رجل يخرج بنا عن طريقهم التي هم فيها» «٢» . ولقد أفاد النبي ﷺ من بعض المتعاونين من الأعداء، فاتخذهم أدلاء له مقابل فوائد يأخذونها، فقد استخدم حسيل بن نويرة الأشجعي دليلا له إلى خيبر مقابل إعطائه عشرين صاعا من التمر «٣» ، واستخدم أبا سلمة بن عبد الأسدي دليلا من بني أسد وأعطاه نصيبا من المغنم» ، كما تكرر هذا في مسيرة العلاء بن الحضرمي (ت ١٤ هـ) إلى الخط على الساحل حيث جاء نصراني ودله على مخاضة يعبر منها إلى مقصده، واشترط أن يعطى مقابل ذلك أهل بيت هناك «٥» . وكان وظيفة «الحاشر» وظيفة أخرى مساعدة، وهو شخص يرافق المقاتلة إلى جهات القتال، وتكون مهمته حشر الجند. يقول الشيباني (ت ١٨٩ هـ) : واستعملوا حاشرا لئلّا يتخلفوا عن اللحق بأول الجيش» «٦» . وهذه الوظيفة ذات أهمية كبيرة ولا سيما عندما يكون عدد الجند كبيرا. قام النبي ﷺ بدور «الحاشر» في بعض الغزوات، فكان في أثناء سيره مع المقاتلة يتقدم مرة ويتأخرة مرة «لينظر في أمورهم، فيساعد الجند المتأخر، ويردف الراجل، ويعفي الضعيف» «٧» ولذا قال الهرثمي (ت ٢٣٤ هـ) : «ليكن خلف ساقتك رجل جلد في قوة من أصحابه، يحشر الجند إليك، ويلحقهم بك، ولا يرضى لأحد منهم

стр. 186

في التخلف عنك» «١» . وكان يتقدم الجيوش في تحركها «العيون» تكون مهمتهم جمع المعلومات عن الطريق وعن تحركات العدو، وقد اتخذ النبي ﷺ العيون في جميع تحركاته، فقد ذكر في قصة الهجرة أن عائشة (ت ٥٨ هـ) قالت: «وكان عبد الله بن أبي بكر (ت ١٦ هـ) يأتيهما بأخبار قريش وهو غلام شاب فطن» «٢» ، وفي سرية عبيدة بن الحارث (سنة ٢ هـ) خرج المقداد بن عمرو (ت ٣٣ هـ) وعتبة بن غزوان (ت ١٧ هـ) يتواصلان الكفار «٣» ، وكانت سرية عبد الله بن جحش (سنة ١ هـ) إلى نخلة ذات هدف استطلاعي، فقد جاء في الكتاب الذي أعطاه له رسول الله ﷺ «إذا نظرت في كتابي هذا فامض حتى تنزل نخلة بين مكة والطائف، فترصد قريشا، وتعلم لنا أخبارهم» «٤» ، وبعث الرسول ﷺ طلحة بن عبيد وسعيد بن زيد قبل خروجه إلى بدر بعشر ليالي يتحسسان خبر العير وهي عائدة من الشام «٥» . وذكر أنس بن مالك (ت ٩١ هـ) أن الرسول ﷺ بعث بسبس بن عمرو ومدي بن الزغباء إلى بدر طليعة للتعرف إلى أخبار القافلة «٦» ، وفي أحد (سنة ٣ هـ) أرسل الرسول ﷺ أنسا ومؤنسا ابني فضالة يلتمسان له أخبار قريش فعلمنا أنهما قاربا المدينة «٧» . وبعث بعد ذلك الحباب بن المنذر فأتاه بخبر قريش «٨» ، في حين كان العباس (ت ٣٢ هـ) يكتب بأخبار المشركين إلى الرسول الله ﷺ من مكة «٩» ، وفي أحد أرسل العباس رجلا من بني غفار إلى الرسول ﷺ يخبره باستعداد قريش للخروج إليه وجاء في الكتاب: «اصنع ما كنت صانعا إذا وردوا عليك، وتقدم

стр. 187

في استعداد التأهب» «١» وتفيد هذه الواقعة أن نجاح المسلمين في رصد تحركات قريش كان عاملا أساسيّا في منع قريش من الدخول إلى المدينة ومفاجأة المسلمين قبل استعدادهم. وكان النبي ﷺ يوصي أمراءه باتخاذ العيون؛ إذ إنه لما بعث أسامة بن زيد في بعث الشام قال له: «فخذ معك الأدلاء وقدم الصوت والطلائع» «٢» . ويبدو أن التجار قاموا بدور ما كطليعة من الطلائع استفاد منهم الرسول ﷺ ، فلقد قدمت قافلة (سنة ٩ هـ) ذكرت للنبي ﷺ أن الروم قد جمعوا جموعا كثيرة في الشام، وأن هرقل قد رزق أصحابه لسنة، وأنه استنفر العرب المتنصرة، فأمر الرسول ﷺ بغزو الروم «٣» ، وكذلك قام الأعراب الموالين للرسول ﷺ بهذا الدور فيذكر ابن سعد (ت ٢٣٠ هـ) أن أبا تميم الأسلمي أرسل غلامه مسعود بن هنيدة من العرج «٤» على قدميه إلى رسول الله ﷺ يخبره بقدوم قريش وما معهم من العدد والعدة والخيل والسلاح ليوم أحد (٣ هـ) «٥» . ويفترض أن تكون «العيون» عارفة بلغة القوم الذين يرسلون إليهم، فلقد أمر النبي ﷺ زيد بن ثابت أن يتعلم لغة يهود؛ لأنه لا يأمنهم على كتابه «٦» ، وقد وضع الرسول ﷺ منهاجا دقيقا لعيونه، فعلمهم ألّا يحدث أحدهم حدثا يبينه للناس، أو أن يقتل أحدا إلّا إذا أجيز له ذلك، ففي الخندق (سنة ٥ هـ) أرسل النبي ﷺ حذيفة بن اليمان إلى معسكر المشركين وأمره ألّا يحدث حدثا حتى يعود «٧» ، وأرسل النبي ﷺ عبد الله ابن أبي حدرد الأسلمي ليقيم متنكرا في هوازن حتى يعلم علمهم ويأتيه بخبرهم «٨» وزيادة في الحذر والحيطة يجب ألا يعرف العين العيون الاخرين «٩» ؛ وذلك لأن

стр. 188

الحصول على المعلومات الدقيقة عن حالة الجيش وعدده وتسليحه يفيد في وضع الخطة، وهذا يتطلب معلومات أقرب ما تكون إلى الواقع، ولقد ذكر الهروي (ت ٦١١ هـ) مهمات العيون فقال: «إذا خرج بجيشه فليقدم أمامه الجواسيس الثقات يكشفوا له الأخبار ويختاروا له المنازل، ليعلم إذا سار أين ينزل، لئلّا يبقى حائرا ولئلّا ينزل اتفاقا، فربما نزل بأرض قليلة الماء والعلف فيحيط به العدو فيهلكه ... » «١» . وكان على قيادة المقاتلة أن تحذر من عيون الأعداء فيروي الحاكم (ت ٤٠٥ هـ) «أن النبي ﷺ أمر بقتل فرات بن حيان- وكان عينا لأبي سفيان- فمر بمجلس الأنصار فقال: إني مسلم، فذهبوا به إلى رسول الله ﷺ فقالوا: إنه يزعم أنه مسلم فقال: «إن منكم رجالا نكلهم إلى إيمانهم منهم فرات بن حيان» «٢» . أما «الخدمات الطبية» فهي من الخدمات المساعدة الضرورية في المعارك وقد قامت المرأة بدور كبير في هذا المجال، وذلك بسقاية الجرحى وإعانتهم وتمريضهم. يذكر الواقدي (ت ٢٠٧ هـ) أن فاطمة (ت ١١ هـ) ضمدت جراح الرسول ﷺ في أحد «٣» وعندما سار إلى خيبر (٧ هـ) أذن لأم سنان الأسلمية بالخروج معه لتكون من جملة واجباتها مداواة الجرحى «٤» ، وقد ضربت لها خيمة لهذا الغرض، وفي الغزوة ذاتها جاءت أمية بنت قيس الغفارية في نسوة من بني غفار، فقالت: يا رسول الله، قد أردنا أن نخرج معك إلى وجهك هذا نداوي الجرحى ونعين المسلمين ما استطعنا، فقال لها: «على بركة الله» «٥» . وفي غزوة الخندق (٥ هـ) كان لرفيدة الأسلمية خيمة في مسجد رسول الله تداوي الجرحى فلما جرح سعد قال الرسول ﷺ : «اجعلوه في خيمة رفيدة» «٦» وفي غزوة

стр. 189

حنين (٨ هـ) خرجت النساء لتقوم بعملية التمريض «١» ، وذكرت الربيع بنت معوذ أن من الأعمال التي قامت بها النساء عند خروجهن مع رسول الله مداواة الجرحى «٢» ، وذكر الشيباني (ت ١٨٩ هـ) أن أم عطية كانت تغزو مع الرسول ﷺ لتقوم على المرضى وتداوي الجرحى «٣» ، وذكر أنس بن مالك (ت ٩١ هـ) أن الرسول ﷺ كان يغزو بأم سلمة ونسوة من الأنصار معه إذا غزا يسقين الماء ويداوين الجرحى «٤» . وكانت المرأة تشارك- أحيانا- بالقتال إلى جانب الرجال فيذكر ابن إسحاق (ت ١٥١ هـ) قول أم سعد بنت سعد بن الربيع أنه لما انهزم المسلمون في أحد قالت أم عمارة: «فقمت أباشر القتال وأذب عنه (أي عن رسول الله ﷺ بالسيف وأرمي عنه بالقوس حتى خلصت إلي الجراح» » ودافعت أم سليم بنت ملحان عن رسول الله في أحد كذلك «٦» . وقتلت صفية بنت عبد المطلب يهوديّا في الخندق (٥ هـ) «٧» . وقام بتمهيد الطرق وإصلاح الجسور أو بنائها وحفر الخنادق أو ردمها أناس مختصون وكان المقاتلة يقومون بمثل هذه الأعمال بأنفسهم، ففي غزوة الخندق (٥ هـ) قسم الرسول ﷺ أعمال الحفر بين المسلمين «٨» وبعث الرسول ﷺ غالب بن عبد الله الليثي (ت ٤٨ هـ) عام الفتح ليسهل له الطريق «٩» . لقد كانت هذه الخدمات ضرورية لقيام المقاتلة بمهماتهم على أكمل وجه، وحرصت الإدارة النبوية على توفير هذه الخدمات، وأن تكون على درجة عالية من التنظيم والدقة والإتقان.

стр. 190

الفصل الخامس الإدارة العسكرية ثالثا: القيادة كان النبي ﷺ يتولى قيادة المقاتلة بنفسه أو يولي واحدا من أصحابه وترد إشارات أنه كان يطلق على من يتولى هذه المهمة لقب «أمير» فقد لقب عبد الله بن جحش (ت ٣ هـ) في سرية نخلة (٢ هـ) بأمير المؤمنين «١» ، وحصل زيد بن حارثة (٨ هـ) لقب أمير في سيرته إلى القردة «٢» ، وقال ابن خالدون (ت ٨٠٨ هـ) : وكانوا يسمون قواد البعوث باسم الأمير.... وقد كانوا في الجاهلية يدعون النبي ﷺ أمير مكة وأمير الحجاز. وكان الصحابة يدعون سعد بن أبي وقاص أمير المؤمنين لإمارته على جيش القادسية «٣» . ويلاحظ أن النبي ﷺ قد تجاوز عن بعض الصفات التي كانت مطلوبة في القائد عند القبيلة العربية قبل الإسلام، فلم تعد القيادة وقفا على شيوخ القبائل، بل صارت مفتوحة للجميع حسب القدرة والكفاءة، وكذلك تجاوز النبي ﷺ عن السن، فقد استعمل أسامة بن زيد وهو ابن ثماني عشرة سنة على سرية كان فيها أبو بكر وعمر «٤» . وكان هناك من طعن في إمارة أسامة؛ وذلك لصغر سنه وكونه من الموالي، فقال النبي ﷺ : «إن تطعنوا في إمارته فقد طعنتم في إمارة أبيه من قبل، وإنه لخليق للإمارة وكان أبوه خليقا لها» «٥» ، وقال: «إني لأؤمر الرجل على القوم فيهم من هو خير منه؛ لأنه أيقظ عينا وأبصر بالحرب» «٦» . وأبقى النبي ﷺ على المؤهلات القيادية الاخرى كالشجاعة، ويتضح ذلك من

стр. 191

وصف علي بن أبي طالب شجاعة الرسول ﷺ في بدر بقوله: «كنا إذا حمي الوطيس واحمرت الحدق اتقينا برسول الله ﷺ ، فما يكون أحد أقرب إلى العدو منه» «١» . ويفترض في الأمير أن يكون من أهل الصبر والتحمل، فيذكر سعد بن أبي وقاص (ت ٥٥ هـ) أن النبي ﷺ قال يوم نخلة (٢ هـ) : «لأبعثن عليكم رجلا أصبركم على الجوع والعطش» فبعث علينا عبد الله بن جحش، فكان أول أمير في الإسلام «٢» . ويشترط في الأمير كذلك الكفاءة والخبرة بشؤون الحرب، وقد طبق الرسول ﷺ هذا المبدأ فأمّر عمرو بن العاص على سرية فيها أبو بكر وعمر «٣» ، يقول ابن تيمية (ت ٧٢٨ هـ) : «وأمّر النبي ﷺ مرة عمرو بن العاص في غزوة ذات السلاسل استعطافا لأقاربه الذين بعثه إليهم على من هم أفضل منه، وأمّر أسامة بن زيد لأجل ثأر أبيه؛ ولذلك كان يستعمل الرجل لمصلحة مع أنه قد يكون مع الأمير من هو أفضل منه في العلم والإيمان، وهكذا أبو بكر خليفة رسول الله ﷺ ما زال يستعمل خالدا في حرب أهل الردة وفي فتوح العراق والشام، وبدت منه هفوات كان له فيها تأويل، وقد ذكر له عنه أنه كان له فيها هوى فلم يعزله من أجلها بل عاتبه عليها لرجحان المصلحة على المفسدة في بقائه، وأن غيره لم يكن يقوم مقامه؛ لأن المتولي الكبير إذا كان خلقه يميل إلى اللين فينبغي أن يكون خلق نائبه يميل إلى الشدة، وإذا كان خلقه يميل إلى الشدة فينبغي أن يكون خلق نائبه يميل إلى اللين ليعتدل الأمر، ولهذا كان أبو بكر الصديق ﵁ يؤثر استنابة خالد وكان عمر بن الخطاب يؤثر عزل خالد واستنابة أبي عبيدة بن الجراح ﵃؛ لأن خالدا كان شديدا كعمر بن الخطاب، وأبا عبيدة كان لينا كأبي بكر، وكان الأصلح لكل منهما أن يولي من ولاه ليكون أمره معتدلا ويكون بذلك من خلفاء رسول الله ﷺ الذي هو معتدل حتى قال النبي ﷺ : «أنا نبي الرحمة، أنا نبي الملحمة» وأمته وسط قال الله تعالى فيهم: أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَماءُ بَيْنَهُمْ تَراهُمْ رُكَّعاً سُجَّداً يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنَ اللَّهِ وَرِضْواناً [الفتح: ٢٩] » «٤» . ولقد أضاف الإسلام إلى مؤهلات الإمارة التقوى والسبق إلى الإسلام فترد الإشارة إلى أن النبي ﷺ كان إذا أمّر أميرا على سرية أوصاه في خاصته بتقوى الله وبمن معه من المسلمين خيرا «٥» .

стр. 192

عرف العرب قبل الإسلام شيئا من تسلسل الرتب القيادية، فمن الرئيس الذي يتمثل بشيخ القبيلة أو رديفه «١» إلى المنكب بدليل قول عامر بن الطفيل (ت ١٠ هـ) : ولكني أحمي حماها وأتقى ... أذاها وأرمي من رماها بمنكب «٢» وكان المنكب مسؤولا عن خمسة عرف حيث عرفت عنهم وقد يعرف بدليل قول طريف بن تميم «٣» : أو كلما وردت عكاظ قبيلة ... بعثوا إليّ عريفهم يتوسّهم «٤» ويقول علقمة بن عبدة: بل كل قوم وإن غزوا وإن كثروا ... عريفهم بأثافي السر مرجوم «٥» وعند ظهور الإسلام كان الرسول ﷺ الرئيس الأعلى للجماعة الإسلامية- يخرج إلى القتال بنفسه «٦» أو يؤمر أحد أصحابه ويزودهم بتوجيهاته، ومن ذلك ما كتبه لعبد الله بن جحش في سرية نخلة «٧» ، وذكر ابن إسحاق (ت ١٥١ هـ) أن النبي ﷺ أمّر أسامة بن زيد حين بعثه إلى الشام أن يوطئ الخيل تخوم البلقاء والداروم من أرض فلسطين..» «٨» . وكانت الواحدة الصغرى في القيادة «العرافة» ، وقد وردت أول إشارة لها في غزوة حنين (٩ هـ) . فيروي الواقدي (ت ٣٠٧ هـ) أن الرسول ﷺ جعل الناس في حنين عرافات على كل عشرة عريفا «٩» . وأشار النبي ﷺ إلى أهمية العرفاء فقال: «إن العرافة حق، ولابد للناس من العرفاء..» «١٠» ، وكان العريف مسؤولا عن شؤون عرافته

стр. 193

تجاه الأمير؛ ولذا قال شارح سنن أبي داود (ت ٢٧٥ هـ) : «إن العرافة تدبير أمور القوم والقيام بسياستهم، ولابد للناس من العرفاء ليتعرف على أحوالهم في ترتيب البعوث والأخبار والعطايا والسهام وغير ذلك» «١» ، وتتضح أهمية العريف التنظيمية هذه في غزوة حنين عندما اختلف الناس في سبي هوازن فقال لهم النبي ﷺ : «ارجعوا حتى يرفع إلينا عرفاؤكم أمركم» «٢» وذكر ابن حجر (ت ٨٥٢ هـ) أن جندب بن النعمان الأزدي قدم على النبي ﷺ فأسلم وحسن إسلامه وجعله النبي ﷺ عريف قومه «٣» ، وكان رافع بن خديج الأنصاري عريف قومه بالمدينة «٤» . وكانت رتبة «النقيب» «٥» من الرتب التي ظهرت في هذه الفترة، وكان القران قد أشار إليها في معرض حديثه عن بني إسرائيل، وفي بيعة العقبة الثانية طلب النبي ﷺ ممن اجتمع لديه أن يخرجوا اثني عشر نقيبا كي يتحملوا مسؤولية البيعة والدعوة في المدينة «٦» . وظهرت رتبة قيادية أخرى هي رتبة «أمير التعبئة» ففي غزوة الفتح (٨ هـ) جعل الرسول ﷺ من جيشه عدة أقسام ثم وضع على كل قسم منهم أميرا كان يتلقى تعليماته من رسول الله ﷺ ، فوضع الزبير على فرقة وأمره أن يدخل مكة من كداء، ووضع سعد بن عبادة على فرقة وأمره أن يدخل من كدي، ووضع خالد على فرقة وأمره أن يدخل من أسفل مكة، وكذلك أبو عبيدة دخل من أعلى مكة «٧» ، ويلاحظ أن النبي ﷺ ولى هؤلاء على جيشه وزودهم بالتعليمات الأولية، إلا أنه ترك لهم حرية الحركة في إدارة المعركة ومواجهة المواقف واتخاذ القرارات الملائمة لواقع الحال دون

стр. 194

الرجوع إلى القائد الأعلى للمقاتلة. وكان على الأمير أن يقوم بالعناية بجنده والرفق بهم في المسير وعدم تكليفهم فوق طاقتهم، فكان الرسول ﷺ في أثناء سير المقاتلة يتقدم مرة ويتأخر مرة أخرى لينظر في أمورهم فيساعد المتأخر ويردف الراجل ويعفي الضعيف «١» . وكان عليه أيضا أن يشرف على عدة القتال والات الحرب «٢» وحال الجند، كما عليه أن يستشيرهم في المواقف الحرجة كما فعل النبي ﷺ في بدر «٣» ، وأحد «٤» ، والخندق «٥» ، وغيرها في المعارك. ويقوم الأمير بإثارة حماس جنده وتشجيعهم على القتال، وترد في ذلك إشارة في القران حيث قال الله تعالى: يا أَيُّهَا النَّبِيُّ حَرِّضِ الْمُؤْمِنِينَ عَلَى الْقِتالِ.. [الأنفال: ٦٥] وقد قام النبي ﷺ بتحريض أصحابه على القتال في بدر «٦» وقام أمراؤه بنفس الدور، فقد حرض عبد الله بن رواحة (ت ٨ هـ) جنده في مؤتة فقال: «والله يا قوم إن الذي تكرهون لهو الذي خرجتم تطلبون.. الشهادة» «٧» وقال راجزا: أقسمت يا نفس لتنزلنّه ... تنزلن أو لتكرهنّه إن أجلب الناس وشدوا الرنّه ... ما لي أراك تكرهين الجنّة «٨» كان الأمير يتخذ مقرّا لقيادته في ساحة المعركة فقد أشار سعد بن معاذ (ت ٥ هـ) على رسول الله ﷺ في بدر أن يا بني له عريشا، فكان ذلك «٩» وكان النبي ﷺ يأوي إلى هذا العريش في حالة الراحة أو قبل بداية المعركة، أما في أثناء القتال فكان النبي ﷺ يباشر القتال بنفسه كما هو واضح من سيرته في أحد «١٠» وحنين «١١» ، واتخذ الرسول ﷺ قبة من أدم في الخندق يأوي إليها عند انتهاء نوبة حراسته «١٢» وكذلك فعل

стр. 195

في غزوة المريسيع «١» . لقد كان للأمير مجموعة من الحقوق منها حق الطاعة «٢» على جنده حيث ترد الايات بذلك: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ [النساء: ٥٩] . ويتضح ذلك من قول الرسول ﷺ : «من أطاعني فقد أطاع الله، ومن عصاني فقد عصى الله، ومن أطاع أميري فقد أطاعني، ومن عصى أميري فقد عصاني» «٣» وحدد الرسول ﷺ هذه الطاعة بقوله: «على المرء المسلم السمع والطاعة فيما أحب وكره إلا أن يؤمر بمعصية، فإن أمر بمعصية فلا سمع ولا طاعة» «٤» وترد في هذا الباب قصة الأمير الذي بعثه النبي ﷺ على سرية وأمرهم أن يطيعوه فغضب منهم فأمرهم أن يجمعوا حطبا ويوقدوا نارا فيلقوا أنفسهم فيها فرفضوا الأمر «٥» . ويلاحظ أن جمع الحطب وإشعال النار من المباحات فأطاعوه في ذلك، أما إهلاك النفس بإلقائها في النار فمن المحرمات فلم يطيعوه وهذا يوضح حدود الطاعة وأصولها. وكان عقد اللواء والراية من علامات تعين الأمير «٦» ، ويعقد ابن العربي (ت ٥٤٣ هـ) مقارنة بين اللواء والراية فيقول: «اللواء غير الراية، فاللواء ما يعقد في طرف الرمح ويلوى عليه، والراية ما يعقد فيه ويترك حتى تصفعه الرياح» «٧» وهناك من يرى أن اللواء أصغر حجما من الراية «٨» ، ولكن يبدو من خلال الروايات أن اللواء أكبر حجما وهو يكون للجيش كله، أما الرايات فهي للقبائل المختلفة داخل الجيش يحملها قائد تلك القبيلة أو المجموعة «٩» . يذكر ابن سعد (ت ٢٣٠ هـ) أن النبي ﷺ دفع في بدر لواءه لعلي

стр. 196

ابن أبي طالب ودفع رايته إلى الخباب بن المنذر، وراية أخرى إلى سعد بن عبادة «١» ، وترد الإشارات إلى عقد الرايات إلى جانب اللواء في أحد «٢» ، وخيبر «٣» ، وفتح مكة، حيث أفرد لكل قبيلة رايتها «٤» . ويتخذ اللواء والراية من قطعة من نسيج «٥» ، يذكر خليفة بن خياط (ت ٢٤٠ هـ) «أن راية رسول الله ﷺ يوم أحد كانت مرطا مرحلا أسود من مراحل كان لعائشة» «٦» ، وطلب الرسول ﷺ من بريدة بن الحصيب ألا يدخل المدينة إلّا ومعه لواء، فجعل بريدة من عمامته لواء «٧» . وكان لواء النبي ﷺ في الغالب- من نسيج أبيض اللون ولكنه استخدم ألوانا أخرى لرآياته فكان لون رايته «العقاب» أسود «٨» . وفي حنين اتخذت ألوان أخرى لرآياته التي كان يعقدها «٩» . وذكر ابن عباس (ت ٦٨ هـ) أن لواء الرسول ﷺ كتب عليه لا إله إلا الله محمدا رسول الله «١٠» . وتتخذ الراية الشكل المربع- في الغالب- فيذكر البراء بن عازب أن راية رسول الله ﷺ كانت مربعة «١١» وكانت أبعادها ذراعا في ذراع «١٢» وكانت تعقد على رمح بدليل قول العباس بن مرداس السّلمي في حنين: نصرنا رسول الله من غضب له ... بألف كميّ ما يعد حواسره حملنا له على عامل الرمح راية ... يذود بها في حومة الموت ناصره «١٣»

стр. 197

ونظرا لأهمية الراية فكانت تدفع إلى خيرة الناس عقيدة وتجربة، ففي إحدى الوقائع أخذ النبي ﷺ الراية فهزها ثم قال: «من يأخذها بحقها؟» فقال رجل: أنا، فقال: «امض» ثم جاء رجل فقال: «امض..» «١» وفي هذا دلالة على دقة اختيار النبي ﷺ لحامل الراية، وتشير المصادر إلى أن النبي ﷺ قال يوم خيبر: «لأدفعن الراية غدا إلى رجل يحب الله ورسوله ويحبه الله ورسوله» فدفعها إلى علي بن أبى طالب فانطلق بها «٢» . وفي مرحلة متأخرة كان النبي ﷺ إذا بعث قائدا يعقد له اللواء ويسلمه له بعد تسمية الله، ثم ينصح له فيركزه أمام المسجد أو أمام بيته ليجتمع عنده الخارجون للغزو بمتاعهم استعدادا للرحيل. ذكر ابن سعد (ت ٢٣٠ هـ) أنه لما بعث أسامة إلى البلقاء استدعاه النبي ﷺ وعقد له اللواء رمزا للقيادة، فركزه بالجوف خارج المدينة وعسكر الناس حوله. فلما توفي الرسول ﷺ عاد أسامة باللواء وركزه أمام بيت النبي ﷺ ، وظل هكذا حتى بويع لأبي بكر بالخلافة فأمر أن يركز اللواء أمام بيت أسامة ليمضي به «٣» . وكان النبي ﷺ يستعرض أصحابه قبل الخروج إلى المعركة، أو في أثناء السير إلى الجهة التي يقصدها فقد استعرض النبي جنده في بدر وأحد «٤» فيرد صغار السن والضعاف. وقد رد النبي ﷺ يوم أحد زيد بن ثابت وعبد الله بن عمرو بن العاص وغيرهم «٥» ، ويذكر ابن حجر (ت ٨٥٢ هـ) في ترجمته لسمرة بن جندب قال: «إن النبي ﷺ كان يعرض غلمان الأنصار في كل عام قمرية، وعرض عليه سمرة بن جندب فرده، قال سمرة: فقلت: يا رسول الله لقد أجزت غلاما ورددتني، ولو صارعني لصرعته، قال: فدونك فصارعه، قال: فصارعته فصرعته، فأجازني في البعث» «٦» .

стр. 198

وكان المسلمون جميعا عماد جيش الرسول ﷺ يدعوهم للقتال فيجتمعون، وبعد انتهاء المعركة أو العودة من الغزو كان هؤلاء يتفرقون في شؤونهم الخاصة. أما تعبئة المقاتلة فكانت تتم بصورة دقيقة، فقد وردت ابتداء كلمة «عبء» في حديث عبد الرحمن بن عوف (ت ٣٢ هـ) عن غزوة بدر لقوله: «عبأنا النبي ﷺ ببدر ليلا» «١» والمقصود بكلمة «عبأ» هنا مع فعله النبي ﷺ من ترتيب المقاتلة وصفّهم للقتال في موضعهم وتهيئتهم «٢» ، وتعبر كذلك عن كل ما يقوم به المقاتلة من تحركات استعدادا للقتال «٣» ، وقد عبأ النبي ﷺ المسلمين في أحد (٣ هـ) وأشار القران إلى ذلك فقال تعالى: وَإِذْ غَدَوْتَ مِنْ أَهْلِكَ تُبَوِّئُ الْمُؤْمِنِينَ مَقاعِدَ لِلْقِتالِ [ال عمران: ١٢١] وذكر الواقدي (ت ٢٠٧ هـ) أن الرسول ﷺ غدا إلى أحد فجعل يصف أصحابه للقتال كأنما يقوم بهم القدح «٤» . وعرفت التعبئة الخماسية في عهد النبي ﷺ حيث كان يتم تقسيم القوات في أثناء سيرها إلى المعركة إلى خمسة أقسام: مقدمة وقلب وجناحين (ميمنة وميسرة) وساقة وعلى هذه الهيئة سارت قوات المسلمين إلى بدر «٥» ، وأحد «٦» ، وبني المصطلق «٧» ، وخيبر «٨» إذ خرج أهلها يقولون: «محمد والخميس» «٩» وكذلك اتبع هذا التنظيم في أثناء سير المقاتلة إلى مكة «١٠» ، وحنين «١١» ، وتبوك «١٢» ؛ وذلك لأنه يقلل إلى حد أدنى من الخسائر في حالة مباغتة العدو أو مهاجمته.

стр. 199

لقد كان يراعي في تقسيم القوات وضع أهل التجارب والبأس والنجدة والقوة في القلب أمام الصفوف، وأهل التجارب وأصحاب الرمي وطلاب الكر في الميمنة أما الصفوف وأهل التجارب والحيل ردا للقلب، أما الضعفاء والجبناء فيوضعون عادة خلف الجيش عند المتاع «١» . ويقدم أمام المقاتلة في أثناء سيرهم «الطلائع» وهم أصحاب الخيول السبق الماهرون، فكانوا يقومون بالتعرف إلى الطريق وتحديد أماكن القوات المعادية في حال وجودها «٢» . ويذكر الواقدي (ت ٢٠٧ هـ) أن النبي ﷺ قدم الزبير بن العوام (ت ٣٦ هـ) أمامه في أثناء سيره إلى مكة وأرسل معه مائتين من المسلمين «٣» . أما طريقة سير أجزاء المقاتلة فتخضع لرأي الأمير حسب معطيات الخطة وطبيعة الأرض ومكان وزمان المعركة، فقد ذكر الواقدي (ت ٢٠٧ هـ) في حديثه عن غزوة الفتح (٨ هـ) قال: «ومرت القبائل على قادتها والكتائب على راياتها» «٤» . وفي أثناء توقف المقاتلة للراحة أو المبيت يختار الأمير موطئا تتوافر فيه نواحي الأمن والمياه والمرعى، ويمكن الاستفادة من العوارض الطبيعية كالتلال والجبال لأنها تشكل موانع تمنع هجمات العدو المباغتة «٥» ، ففي أحد (٣ هـ) جعل النبي ﷺ أحدا خلف ظهر المسلمين «٦» . ثم على الأمير أن يبث الحرس حول المعسكر لدواعي الأمن والحراسة «٧» . وقد وردت أحاديث تبين أهمية الحرس فقال ﵇: «عينان لا تمسهما النار، عين بكت من خشية الله، وعين باتت تحرس في سبيل الله» «٨» ، وذكر ابن سعد (ت ٢٣٠ هـ) أن النبي ﷺ جعل محمد بن مسلمة على الحرس في أحد فكان يطوف حولهم في خمسين رجلا «٩» ، وكان على حرس الرسول ﷺ يوم الحديبية أوس بن خولة وعبادة بن بشر

стр. 200

ومحمد بن مسلمة «١» وكانت الحراسة في خيبر نوبا بين المسلمين حتى فتح الله حصن النطاة «٢» وفي حنين (٨ هـ) قام أنس بن أبي مرثد بحراسة المسلمين حتى الصباح «٣» ، وفي تبوك (٩ هـ) كان على الحرس عباد بن بشر وكان يطوف في أصحابه حول العسكر «٤» . وكان النبي ﷺ لا يترك الحرس في أثناء تواجده في المدينة؛ ولا سيما في الأوقات الحرجة، فعندما أغار ابن حصن على سرح المدينة تتبعه النبي ﷺ وخلف في المدينة سعد بن عبادة في ثلاثمائة من قومه يحرسون المدينة «٥» . أما تعبئة المسلمين في أثناء صلاتهم فكانت تتم بالصورة التي أشارت إليها الاية الكريمة: وَإِذا كُنْتَ فِيهِمْ فَأَقَمْتَ لَهُمُ الصَّلاةَ فَلْتَقُمْ طائِفَةٌ مِنْهُمْ مَعَكَ وَلْيَأْخُذُوا أَسْلِحَتَهُمْ فَإِذا سَجَدُوا فَلْيَكُونُوا مِنْ وَرائِكُمْ وَلْتَأْتِ طائِفَةٌ أُخْرى لَمْ يُصَلُّوا فَلْيُصَلُّوا مَعَكَ وَلْيَأْخُذُوا حِذْرَهُمْ وَأَسْلِحَتَهُمْ ... [النساء: ١٠٢] وذكر مجاهد (ت ١٠٤ هـ) أن هذه الاية نزلت على الرسول في أثناء حصاره للمشركين بعسفان حيث اجتمع المشركون على أن يميلوا على المسلمين ميلة واحدة في أثناء صلاتهم «٦» ، وأوضحت الاية مبدأ التعبئة في أثناء الصلاة بأن يقسم المقاتلة إلى قسمين، يصلي أحدهما خلف الإمام، على حين يتولى الاخر عملية الحراسة، ثم يذهب القسم الأول إلى مصافهم ليأتي القسم الاخر فيؤدي الصلاة خلف الإمام «٧» ، ويذكر البلاذري (ت ٢٧٩ هـ) عن أحد الصحابة قوله: «صلينا مع رسول الله ﷺ صلاة الخوف طائفة منا خلفه وطائفة مواجهة للعدو فصلى بإحدى الطائفتين ركعة وسجدتين ثم انصرفوا وجاءت طائفة أخرى فصلى بهم ركعة وسجدتين ثم قام كل واحد إلى طائفته..» «٨» . ولقد طبق المسلمون هذه التعبئة في صلاتهم في كثير من الوقائع فصلاها النبي ﷺ

стр. 201

في غزوة ذات الرقاع «١» وفي الحديبية «٢» . أما التعبئة في أثناء القتال فتكون بأن يصطف المقاتلة بعضهم إلى جانب بعض وهو ما يسمى (بنظام الصفوف) «٣» وكان العرب قبل الإسلام يتبعون «نظام الكرّ والفر» ولكن الإسلام أبطل هذا النظام؛ لأنه لا يتناسب وعقيدة المسلم «٤» ، يقول ابن خالدون (ت ٨٠٨ هـ) : «إذا نظرنا إلى القتال بأسلوب الكر والفر نجد أنه مدعاة للهزيمة والفشل» «٥» ؛ ولذا فقد جعل الإسلام الفرار من الزحف من الموبقات السّبع «٦» ؛ لأنه يؤدي إلى إحداث فوضى في نظام الصف للجيش كله، وقد يتسبب في الهزيمة؛ ولذلك قال الله تعالى: وَمَنْ يُوَلِّهِمْ يَوْمَئِذٍ دُبُرَهُ إِلَّا مُتَحَرِّفاً لِقِتالٍ ... [الأنفال: ١٦] . كان الرسول ﷺ يسوّي الصفوف حتى يدعها كالقدح أو الرقيم «٧» ، ففي بدر (٢ هـ) طعن النبي ﷺ في بطن سواد حيث كان خارجا عن الصف قال له: «استو يا سواد» «٨» ، وفي أحد (٣ هـ) جعل النبي ﷺ يمشي على رجليه يسوي الصفوف ويبوئ المؤمنين مقاعد للقتال، حتى إنه ليرى منكب الرجل خارجا فيؤخّره حتى أقامها كالقدح فلم يزل منكب عن منكب «٩» في حين كان النبي ﷺ يعين وازعا أحيانا يقوم بهذا العمل كما حصل في غزوة الفتح «١٠» . استعمل النبي ﷺ نظام الصف في معركة بدر «١١» وأحد «١٢» وفي غزوة

стр. 202

المريسيع «١» وكان النبي ﷺ يجعل في الصف الأول حاملي الرماح لصد هجمات الفرسان ثم يليهم حاملو السهام والسيوف في الصف الثاني والثالث ويقف الفرسان على ميمنة الجيش وميسرته، فإذا التقى الجمعان يحدث عدد من المبارزات الشخصية ثم تزحف صفوف المسلمين قدما واحدة حتى تصطدم بالعدو «٢» . وذكرت المصادر أن النبي ﷺ قام بما يسمى «بتعبئة الأمة» وذلك من خلال عد المسلمين وإحصائهم، يذكر البخاري (ت ٢٥٦ هـ) أن النبي ﷺ قال: «اكتبوا لي من تلفّظ بالإسلام من الناس» فكتبنا له ألفا وخمسمائة رجل، فقلنا: نخاف ونحن ألف وخمسمائة ... «٣» ، وربما أراد النبي ﷺ من معرفة أعداد المسلمين قوة المسلمين لوضع خطة ملائمة لهذا العدد وتقدير قوتهم وتكاليف تجهيزهم بالأسلحة والطعام إلى غير ذلك، وقد ورد أن النبي ﷺ كان يكتب عدد المقاتلة في بعض الغزوات فيروي البخاري (ت ٢٥٦ هـ) أن النبي ﷺ قال: «لا يخلون رجل بامرأة ولا تسافرن امرأة إلا ومعها محرم» فقال رجل: يا رسول الله ﷺ إني اكتتبت في غزوة كذا وكذا وخرجت امرأتي حاجة..» «٤» ولم تسعفنا المصادر عن طبيعة هذا الإحصاء، أو عن استمرارية الاكتتاب في الغزو، أو تسجيل جميع الجند، والروايات السابقة تدل على أنه حصل في غزوات معينة «٥» .

стр. 203

الفصل الخامس الإدارة العسكرية رابعا: التخطيط وأساليب القتال لم يكن وضع الخطة من مسؤولية الأمير واحده، بل كان ذلك بعد المشاورة مع المقاتلة أو بعضهم، فقد استشار الرسول ﷺ أصحابه في بدر «١» وأحد «٢» كما استشار أصحابه في الخروج من المدينة أو البقاء فيها عند مهاجمة الأحزاب لهم في الخندق (٥ هـ) «٣» . وقد اهتم القادة باختيار الموقع الملائم لميدان المعركة فقد أشار حباب بن المنذر على الرسول ﷺ عند نزوله على حصن النطاة بخيبر قائلا: «إن جميع مقاتلة خيبر فيه وهم يدرون أحوالنا ولا ندري أحوالهم وسهامهم تصل إلينا وسهامنا لا تصل إليهم ولا نأمن بياتهم» «٤» وقد قدر أهل ثقيف أهمية مرتفعات حنين فاحتلوها قبل وصول النبي ﷺ واحتلوا وادي حنين نفسه «٥» . كان من خطط النبي ﷺ في غزواته محاولته قطع اتصالات الأعداء وإمداداتهم، فقد ذكر ابن إسحاق (ت ١٥١ هـ) أن النبي ﷺ في غزوة خيبر (٧ هـ) نزل بجيشه بواد يقال له: الرجيع وذلك ما بين غطفان وأهل خيبر ليحول بينهم وبين أن يمدوا خيبر إذا كانوا مظاهرين لخيبر على رسول الله ﷺ «٦» . واهتم الرسول ﷺ بطبيعة الأرض التي يقاتل عليها حيث نزل على أدنى ماء في بدر وبنى عليه حوضا وغوّر ما سواه من القلب «٧» . كما تجنب النزول في الأرض الموحلة كما فعلت قريش «٨» ، قال ابن إسحاق (ت ١٥١ هـ) فأصاب رسول الله منها ما لبد

стр. 204

لهم من الأرض ولم يمنعهم من المسير وأصاب قريشا ما لم يقدروا على أن يرتحلوا معه «١» وقد أشار الحباب في التحول من قرب حصن النطاة في خيبر؛ وذلك لكونه بين نخيلات في مكان غائر وأرض وخيمة «٢» . وينتظر الإفادة من طبيعة الأرض، فقد ذكر أن الرسول ﷺ جعل ظهره وعسكره إلى جبل أحد حين خرج للقاء المشركين هناك «٣» وقد استفاد النبي ﷺ في مسيره إلى أحد من الليل إذ أمر جيشه بالمسير بعد منتصف الليل، وسلك طريقا بين الضفتين حيث يختفي الأفراد، ويخفى الصوت والجلبة في نفس الوقت فقال ﵇: «من يخرج بنا على القوم عن كثيب- أي عن طريق قريب- لا يمر بنا عليهم» فمر به أبو خيثمة حتى دخل في بستان أحد المنافقين «٤» ، واستفاد النبي ﷺ من جبل سلع في الخندق (سنة ٥ هـ) فجعله خلف ظهور المسلمين «٥» . وقد تقام بعض العوائق في وجه تقدم العدو كالخنادق كما فعل الرسول ﷺ في غزوة الخندق «٦» ، وكذلك اهتم المقاتلون بالظواهر الجوية السائدة في ميدان المعركة ففي بدر (٢ هـ) جعل الرسول ﷺ الشمس خلفه فكانت في عيون أعدائه فتضعف قوة أبصارهم وتغشي عيونهم عن رؤية خصومهم «٧» ؛ ولهذا قال الهروي (ت ٦١١ هـ) : «فليجتهد في أن تكون الشمس في عين العدو» «٨» . وكان من خطط الرسول ﷺ الحرص على التكتم والسرية في وضع خططه الحربية وتنفيذها؛ لأن ذلك من أهم متطلبات النجاح، فكان إذا أراد أن يغزو غزوة ورى (أظهر) بغيرها «٩» ، وذكر الواقدي (ت ٢٠٧ هـ) أن الرسول ﷺ كتب كتابا إلى

стр. 205

عبد الله بن جحش وأمره ألا يفتحه إلا بعد يومين من مسيره، وهو بذلك يكون أول من ابتكر أسلوب «الرسائل المكتومة» «١» للمحافظة على الكتمان وحرمان العدو من الحصول على المعلومات التي تفيده عن تحركات المسلمين، وفي غزوة بني سليم خرج الرسول ﷺ ولم يظهر وجها «٢» ، وكذلك فعل في غزوة بني لحيان حيث أظهر أنه يريد الشام ليأخذ القوم على حين غرة، وكذلك فعل في غزوة الفتح فقد أسر الرسول ﷺ لكل قائد من قواده، وأمره أن يلقاه في موضع سماه له وأن يكتم ما قاله له «٣» . ولقد حرص الرسول ﷺ في قيادته لجنده أن يرفع الروح المعنوية لديهم وبقاءها كذلك، فقد عمد الرسول ﷺ إلى مطاردة أعدائه بعد غزوة أحد حتى بلغ حمراء الأسد «٤» ، وفي مؤتة (٨ هـ) خطب عبد الله بن رواحة وأثار فيها الروح المعنوية «٥» ، وقال النبي ﷺ عندما رجعوا: «بل كرار إن شاء الله» «٦» وحرص النبي ﷺ كذلك على إخفاء بعض الأمور والأخبار التي تضعف الروح المعنوية، ففي أحد (٣ هـ) أمر عليّا أن يستطلع سير قريش وأن يخفي ذلك «٧» وفي الخندق (٥ هـ) بلغ رسول الله ﷺ نقض بني قريظة للعهد فبعث نفرا من المسلمين ليتبينوا الأمر وقال لهم: «انطلقوا فإن كان ما قيل حقّا فألحنوا لي لحنا أعرفه» «٨» ، وكذلك حرص على عدم نشر الشائعات بين المسلمين، يتضح هذا من قوله تعالى: وَإِذا جاءَهُمْ أَمْرٌ مِنَ الْأَمْنِ أَوِ الْخَوْفِ أَذاعُوا بِهِ وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلى أُولِي الْأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ [النساء: ٨٣] . وكانت «الخدعة» إحدى وسائل النبي ﷺ في حربه مع أعدائه فقال: «الحرب خدعة» «٩» ، وذكر ابن إسحاق (ت ١٥١ هـ) أن الرسول ﷺ أذن للنفر الذين بعثهم لقتل ابن الأشرف (٣ هـ) أن يقولوا ما يشاؤون من كلام يخدعون به «١٠» ، وفي الخندق تحرك النبي ﷺ من هذا المفهوم «الحرب خدعة» وراوغ عيينة بن حصن ليعطيه

стр. 206

ثلث ثمار المدينة «١» على أن يعود هو وقومه عن حصار المدينة، وربما كان المقصود الحقيقي للنبي ﷺ من مراوغة عيينة هو إحداث شرخ كبير في صفوف المشركين وتمزيق روابطهم، وهو نموذج من نماذج السياسة الحكيمة التي أدار الرسول ﷺ بها الموقف «٢» ، وكذلك توجيه رسول الله ﷺ لنعيم بن مسعود الذي أسلم حديثا في أنه يخذل عن المسلمين في غزوة الخندق «٣» ، وهذا من قبيل السياسة الحكيمة التي أدار الرسول ﷺ بها الموقف التي يكون فيها الرأي أنفع من الشجاعة والمواجهة وتدخل تحت معنى «الحرب خدعة» ، يقول ابن العربي (ت ٥٤٣ هـ) : «الخداع في الحرب يقع بالتعريض وبالكمين وفي الحديث والإشارة إلى استعمال الرأي في الحرب، بل الاحتياج إليه أكثر من الشجاعة» «٤» . واستعمل النبي ﷺ في حروبه «الشعار والشارة» وهو ما يسمى في الجيوش الحديثة «بكلمة السر» فالشعار يوقظ في النفس العزة والشجاعة «٥» ويستعمل للأهمية «٦» فقد روى رافع بن خديج في حديثة عن غزوة أحد: «فكنا أتينا من قبل أنفنا ومعصية نبينا واختلط المسلمون فصاروا يقتتلون على غير شعار ويضرب بعضهم بعضا ما يشعرون من العجلة والدهشة» «٧» وأضاف البلاذري (ت ٢٧٩ هـ) «وضرب بعض المسلمين بعضا حين اختلطوا ولم يدركوا شعارا وأظهر المسلمون الشعار بعد ذلك فجعلوا يصيحون أمت أمت فكف المسلمون بعضهم عن بعض» «٨» وأشار الواقدي (ت ٢٠٧ هـ) إلى أهمية الشعار ليلا في حديثه عن غزوة الخندق فقال: «خرجت طليعتان للمسلمين ليلا فالتقتا ولا يشعر بعضهما ببعض ولا يظنون إلا أنهم العدو فكانت فيهم جراحة وقتل، ثم نادوا بشعار الإسلام (حم لا ينصرون) فكف بعضهم عن بعض، فكانوا بعد ذلك إذا دنا بعضهم من بعض نادوا بشعارهم» «٩» . لقد كان لكل فرقة شعار خاص إضافة إلى شعار عامة الجيش؛ ولهذا قال الشيباني (ت ١٨٩ هـ) : «وينبغي أن يتخذ كل قوم شعارا إذا خرجوا في مغازيهم، حتى إن

стр. 207

ضل الرجل عن أصحابه نادى بشعارهم، وكذلك ينبغي أن يكون لأهل كل راية شعار معروف، حتى إن ضل الرجل عن أهل رايته نادى بشعارهم فيتمكن من الرجوع إليهم» «١» ؛ ولذلك فقد كان شعار عامة المسلمين في بدر «يا منصور أمت» «٢» ، وكان شعار المهاجرين «يا بني عبد الرحمن» ، وشعار الخزرج «يا بني عبد الله» ، وشعار الأوس «يا بني عبيد الله» «٣» ، واستعمل شعار «يا منصور أمت» في غزوة المريسيع «٤» وخيبر (٧ هـ) «٥» وفتح مكة (٨ هـ) وحنين (٨ هـ) والطائف (٩ هـ) «٦» ، واستعمل شعار «أمت أمت» في أحد (٣ هـ) «٧» وفي سرية زيد بن حارثة «٨» . وكان هناك نداات خاصة يصدرها القادة للجند فعند إغارة عيينة بن حصن على المدينة (٦ هـ) نادى ابن الأكوع «القزع. القزع» «٩» واستعمل نداء «يا خيل الله اركبي» «١٠» إذا ما أريد نداء الفرسان لركوب خيلهم فقد نودي بذلك في غزوة الخندق (٥ هـ) وبني قريظة (٥ هـ) وغزوة ذي قرد (٦ هـ) «١١» . ويذكر أن بعض المقاتلة كانوا يتخذون «سيما» «١٢» يعرفون بها في أثناء القتال وهي عبارة عن علامة يعلّم بها المقاتل أو مجموعة من المقاتلين، ففي بدر (٢ هـ) نزلت الملائكة مسوّمة (معلّمة) يشير إلى ذلك القران الكريم بقوله: يُمْدِدْكُمْ رَبُّكُمْ بِخَمْسَةِ آلافٍ مِنَ الْمَلائِكَةِ مُسَوِّمِينَ [ال عمران: ١٢٥] وكان النبي ﷺ قد طلب من أصحابه أن يسوموا فقال: «تسوموا فإن الملائكة قد تسومت» «١٣» ويذكر الواقدي (ت ٢٠٧ هـ)

стр. 208

أن أبا دجانة عصب رأسه بعصابة حمراء في بدر، وكان إذا عصبها علم الناس أنه سيقاتل «١» ، وأشار ابن إسحاق (ت ١٥١ هـ) أن المسلمين كانت شارتهم في بدر الصوف الأبيض يعلقونه في نواصي الخيل واذانها «٢» وكان على الزبير في بدر عصابة صفراء «٣» ، وفي أحد (٣ هـ) كان حمزة معلّما بريشة نعامة يغرزها في صدره دائما «٤» وكذلك علّم عبد الله بن جبير (ت ٣ هـ) أمير الرماة بثياب بيض «٥» ، وكان بنو سليم يعرفون بأنهم إذا خرجوا للقتال وضعوا رماحهم بين اذان خيلهم «٦» وأن الأوس والخزرج كان يعرضونها على خيلهم «٧» ، ويؤيد هذا المعنى أن وفد بني سليم عندما جاؤوا لعرض إسلامهم على الرسول ﷺ اشترطوا عليه أن يجعل لواءهم أحمر وأن يجعله شعارهم وشارتهم فأجابهم إلى طلبهم «٨» وذكر ابن العربي (ت ٥٤٣ هـ) : «أن الاشتهار بالعلامة في الحرب سنة ماضية، وهي هيئة باهية قصد بها الهيبة على العدو، والإغلاظ على الكفار، والتحريض للمؤمنين، والأعمال بالنيات، وهذا من باب الجليات لا يفتقر إلى برهان» «٩» . ويبدأ القتال عادة بتحريش أحد الطرفين بالاخر، ففي بدر أمر المشركون عمير بن وهب أن يحرش بين الناس، فحمل وناوش المسلمين «١٠» . وذكر الواقدي (ت ٢٠٧ هـ) أن أول من أنشب القتال في أحد أحد المشركين إذ طلع في خمسين من قومه مع عبيد قريش فتراموا بالحجارة هم والمسلمون حتى تراضخوا بها ساعة «١١» . ويتلو التحريش عادة طلب المبارزة، وتتخذ المبارزة صورة فردية حينا، ففي بدر خرج عتبة بن ربيعة وابنه الوليد وأخوه شيبة وطلبوا المبارزة «١٢» .

стр. 209

ولقد كان النبي ﷺ يوجه جنده إلى أساليب القتال فقال لهم يوم بدر: «إذا أكثبوكم فارموهم بالنبل ولا تسلوا السيوف حتى يغشوكم» «١» وكان يقول: «إذا جاؤوكم يزحفون ويصيحون فعليكم الأرض جلوسا ثم قولوا: اللهم أنت ربنا وربهم ونواصينا ونواصيهم بيدك فإذا غشوكم فثوروا في وجوههم» «٢» . وقد يتفق أميرا الجيشين المتنازعين على أن المبارزة تحسم النزاع وتحقن دماء الناس، وإذا لم تحقن المبارزة دماء الفريقين بيدأ التزاحف ويلتقي الجيشان كما حصل في بدر «٣» وأحد «٤» ، وعند اقتراب المهاجمين من صفوف المسلمين تستخدم الرماح وعند الالتحام يفضي المقاتلة إلى السيوف «٥» ، فقد أوصى النبي ﷺ في بدر أصحابه «إذا أكثبوكم فارموهم ولا تسلوا السيوف حتى يغشوكم» «٦» وطبق المسلمون ذلك بدقة، يقول أحد الصحابة: «فرأيت أصحاب رسول الله يوم بدر لا يسلّون السيوف وقد انتضوا القسي وقد تترس بعضهم عن بعض بصفوف متقاربة لا فرج بينها، والاخرون قد سلّوا السيوف حين طلعوا، فعجبت من ذلك فسألت أحد المهاجرين بعد ذلك فقال: أمرنا رسول الله ألّا نسلّ السيوف حتى يغشونا» «٧» . وكانت أحب أوقات اللقاء إلى رسول الله ﷺ أول النهار، فإن لم يقاتل أول النهار أخر ذلك إلى وقت الزوال حتى يحل وقت الصلاة وتهب الرياح ويدعو المسلمون «٨» . وعن أنس بن مالك (ت ٩١ هـ) قال: «كان رسول الله إذا غزا قوما لم يغر عليهم حتى يصبح، فإن سمع أذانا أمسك، وإن لم يسمع أذانا أغار» «٩» ، وعندما غزا النبي ﷺ خيبر لم يغر عليهم حتى أصبح «١٠» ، وكان من جملة وصايا القادة للمقاتلة أن يلزموا الصمت عند احتدام المعارك، فقد ذكر عبد الله بن عمر (ت ٧٣ هـ) قول

стр. 210

الرسول ﷺ : «لا تتمنوا لقاء العدو، واسألوا الله العافية، فإذا لقيتموهم فاثبتوا واذكروا الله، فإن اجتمعوا وصاحوا فيكم فعليكم بالصمت» «١» ؛ ولهذا فقد قال عمير بن وهب لأصحابه يوم بدر: «أما ترونهم خرسا يتلمّظون تلمظ الحيّات» «٢» وتتضح حكمة ذلك من قول ابن العربي (ت ٥٤٣ هـ) : «ولعل ذلك أن كثرة الصوت اللفظي والصراخ مكروهة؛ لأن التصويت في ذلك الوقت ربما يكون مشعرا بالفزع والفشل، وفيه دليل على الثبات ورباط الجأش» «٣» . أما في حالة الانتصار فكان الرسول ﷺ يبعث مجموعة من الخيالة لاتباع فلول العدو، فذكر الواقدي (ت ٢٠٧ هـ) أن النبي ﷺ بعث في غزوة الفتح نفرا من أصحابه على الطلب فبعث خالد بن الوليد على وجه، وعمرو بن العاص على وجه، وبعث أبا عامر الأشعري إلى عسكر بأوطاس «٤» ، وكذلك فعل الرسول ﷺ في حنين عقد لأبي عامر الأشعري على خيل الطلب، وأمره أن يطلب فلول المشركين حيث انهزمت «٥» . وأخيرا فإن للقتال عند المسلمين ادابا حرصوا عليها، فقد حرّم الإسلام قتل من لا يقدر على القتال من عدوهم، فقد أوصى الرسول ﷺ قوّاده بقوله: «ولا تقتلوا وليدا» «٦» ، ذكر ابن عمر (ت ٧٣ هـ) أن الرسول ﷺ وجد امرأة مقتولة في بعض مغازيه فأنكر فعل ذلك «٧» ، وكان يقول: «ولا تقتلوا وليدا أو امرأة ... » «٨» ، وأوصى النبي ﷺ أصحابه بعدم الغدر « ... ولا تغدروا ... » «٩» ، وعدم المثلة «.. ولا تمثّلوا ... » «١٠» ، وعدم الاعتداء على الأرض أو العاملين فيها إلا إذا كانت الأرض تزود الأعداء بالمؤن، فقال: «لا تقتلوا ذرية ولا عسيفا» «١١» ، وقام

стр. 211

النبي ﷺ بقطع نخل بني النضير، وحرق أولها حتى يضعف شوكة اليهود «١» ، وقد جاءت الإشارة القرانية تؤيد هذا الفعل فقال تعالى: ما قَطَعْتُمْ مِنْ لِينَةٍ أَوْ تَرَكْتُمُوها قائِمَةً عَلى أُصُولِها فَبِإِذْنِ اللَّهِ وَلِيُخْزِيَ الْفاسِقِينَ [الحشر: ٥] وذكر الشيباني (ت ١٨٩ هـ) أن النبي ﷺ أوصى أسامة أن يغير صباحا ويحرّق «٢» ، وفي غزوة الطائف أمر النبي ﷺ بقطع الكروم حتى يضعف من مقاومة أهلها «٣» ، ويذكر أن النبي ﷺ مّر بأوطاس- يريد الطائف- فمرّ بقصر بقصر مالك بن عوف فأمر به فحرق «٤» . لقد كانت اداب الإسلام تقضي ألايجهز على جريح، فقال الرسول ﷺ يوم فتح مكة: «ألا لا تجهزنّ علي جريح ... » «٥» ، وألّا يتبع من هرب من ساحة القتال لقتله « ... ولا يتبعنّ مدبرا ... » «٦» ، وكذلك أمر الإسلام بالإحسان إلي الأسرى وعدم قتلهم « ... ولا يقتلن أسيرا ... » «٧» ، وجاءت الاية الكريمة تشعر بذلك فقال تعالى: وَيُطْعِمُونَ الطَّعامَ عَلى حُبِّهِ مِسْكِيناً وَيَتِيماً وَأَسِيراً [الإنسان: ٨] .

стр. 212

الإدارة في عصر الرّسول ﷺ الفصل السادس إدارة شؤون القضاء أولا: القضاء في المدينة المنورة. ثانيا: القضاء في الأمصار. ثالثا: المظالم. رابعا: الحسبة.

стр. 213

الفصل السادس إدارة شؤون القضاء أولا: القضاء في المدينة المنورة لم يكن في الجاهلية نظام قضائي محدد، بل كانت الأعراف والعادات والتقاليد تشكل المصدر الرئيسي الذي يعتمد عليه العرب في حل ما يطرأ من مشكلات وما يقع من خصومات «١» . وعندما جاء الإسلام أمر الله نبيّه ﷺ أن يحكم بين الناس بما أنزل الله من أحكام في أمور الدين والدنيا، وجاء ذلك في الايات الكريمة: وَأَنِ احْكُمْ بَيْنَهُمْ بِما أَنْزَلَ اللَّهُ ... [المائدة: ٤٩] «٢» ، وقوله: إِنَّا أَنْزَلْنا إِلَيْكَ الْكِتابَ بِالْحَقِّ لِتَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ بِما أَراكَ اللَّهُ ... [النساء: ١٠٥] «٣» ومن هذه الايات استمد النبي ﷺ سلطته القضائية، وبدأت ترتسم معالم النظام القضائي الجديد للدولة الإسلامية. لقد ألزم النظام القضائي الجديد المتخاصمين بقبول حكم النبي ﷺ ، فلم يعد الأمر قبولا من الطرفين بالتحكيم- كما كان الأمر في الجاهلية- يتضح هذا من الاية الكريمة: فَلا وَرَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيما شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجاً مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيماً [النساء: ٦٥] «٤» ، بذلك أصبح هذا النظام محددا وله سلطاته التشريعية والتنفيذية. كان المسلمون ابتداء إذا عرض لهم حادث أو حصل بينهم خلاف رجعوا إلى رسول الله ﷺ لمعرفة حكم الإسلام فيجيبهم إما بنص القران وإما بقوله وأفعاله بناء على اجتهاده، ولقد تأكد الرجوع إلى النبي ﷺ بنص الصحيفة التي كتبها النبي ﷺ بين

стр. 214

مواطني المدينة حيث جاء فيها: «وأنه ما كان بين أهل هذه الصحيفة من حدث أو اشتجار يخاف فساده، فإن مرده إلى الله وإلى محمد رسول الله ﷺ » «١» . لقد كان النبي ﷺ المشرع والقاضي والمنفذ «٢» ، وهو بذلك جمع بين سلطان التشريع، والتنفيذ، والقضاء، وكان تشريعه للأحكام بصفته رسولا بكونه حاكما عامّا، وانتهت هذه المهمة بوفاته، أما أداؤه لوظيفتي القضاء والتنفيذ فكان تكليفه بهما على سبيل العموم، إذا يقوم بهما الخلفاء من بعده كعمل تقتضيه مصلحة الجماعة «٣» . وتشعر روايات المصادر أن النبي ﷺ مارس الوظيفة القضائية بصفته حاكما لا بصفته نبيّا، فقد روى البخاري (ت ٢٥٦ هـ) قول أم سلمة: قال النبي ﷺ : «إنما أنا بشر وإنكم تختصمون إليّ، ولعل بعضكم يكون ألحن بحجته من بعض فأقضي على نحو ما أسمع، فمن قضيت له بحق أخيه شيئا فلا يأخذه فإنما أقطع له قطعة من النار» «٤» ، وفي رواية: «إني أقضي بينكما برأي فيما لم ينزل علي فيه» «٥» فكان هذا القضاء مبنيّا على الظاهر من الحجج والبراهين دون معرفة السرائر؛ وذلك لأن النبي ﷺ لو قضى بين المتخاصمين بصفته نبيّا لعلم صاحب الحق من غيره، ولكنه قضى بصفته حاكما؛ لأن القضاء مرتبط بالحياة ومتغيراتها، ولا يتوافر لهذا رسل وأنبياء دائما. لقد قام النبي ﷺ بمهمة القضاء على أنها وظيفة إدارية تتطلب أن يقوم بها بصفته حاكما للمسلمين أو يكلف من ينوب عنه في ذلك، وكانت وجهة أكثر المتخاصمين أن يعرفوا الحكم فينفّذوه «٦» ، يروي البخاري (ت ٢٥٦ هـ) : أن هند بنت عتبة قالت للنبي ﷺ : إن أبا سفيان رجل شحيح، فأحتاج أن اخذ من ماله، قال: «خذي ما يكفيك وولدك بالمعروف» «٧» ، ويلاحظ أن كثيرا من القضايا التي اعتبرت قضاء في

стр. 215

زمن الرسول ﷺ كانت أقرب ما تكون إلى الإفتاء، وقد جعل هذا المفهوم مجموعة من العلماء يؤلفون كتبا كبيرة في أقضية الرسول ﷺ «١» . أما عن الإجراات القضائية المتبعة، فإن المعلومات المتوافرة في كتب الحديث الصحيحة عن قضاء النبي ﷺ توضح من شؤون القضاء وتنظيمه ما يجعل قواعده راسخة واضحة في بيان أصول المحاكمة، وما ينبغي للقاضي أن يسلكه في مجلس الحكم، وكيفية سير القاضي مع الخصوم.. إلى غير ذلك. فقد بيّن النبي ﷺ «أصول المحاكمة» «٢» وما ينبغي أن يكون عليه القاضي في لفظه ولحظه في أثناء سماع الدعوى، فذكر أبو داود (ت ٢٧٥ هـ) قول عبد الله بن الزبير (ت ٧٣ هـ) : «قضى رسول الله ﷺ أن الخصمين يقعدان بين يدي الحاكم» «٣» . فلابد من التسوية بين الخصمين في الجلوس، فلا يكون أحدهما أقرب إليه من الاخر ولا أرفع مجلسا منه، وأحسن الأوضاع في جلوس الخصمين أن يكون بين يدي القاضي لحديث النبي ﷺ ، ثم إنه يتحقق بذلك الخضوع التام لحكم الشارع، والشعور بالصغار أمامه كما يحقق المساواة بينهما أيضا «٤» . وكذلك أكد النبي ﷺ على ضرورة العدل بين المتخاصمين في اللحظ واللفظ والإشارة، وفي ذلك نقل لنا الدارقطني (ت ٣٨٥ هـ) قول أم سلمة (ت ٦٢ هـ) أن النبي ﷺ قال: «من ابتلي بالقضاء بين المسلمين فليعدل في لحظه ولفظه وإشارته ومقعده «٥» » وفي رواية «من ابتلي بالقضاء بين المسلمين فليعدل بينهم في المجلس والإشارة والنظر» «٦» ونهى النبي ﷺ عن أن يرفع القاضي صوته على أحد الخصوم دون
следующие страницы →