← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 9763

الأدب النبوي

محمد عبد العزيز الخولي

Полный текст (300 стр.). Показаны 106–145 · переход к 111.

стр. 106

وللشيطان حظا؛ وللفساد جوا؛ وهذا ما جذب قلبك إلى الأشرار؛ وإذا رأيتك تميل إلى الأخيار؛ وتحب مجالسهم وتنجذب نفسك إليهم؛ مع علمك بسوء سيرتك واعوجاج طريقتك؛ فأدرك أن فيك بقية من الخير؛ ولا يزال فيك أمل. فربّ هذه البقية؛ وقوّ هذا الأمل؛ حتى يرحل عنك الشر؛ وتدخل بجملتك في حزب الخير. وكذلك إذا كنت طاهرا برا نقيا؛ ورأيت في نفسك بعض الميل للمجرمين، أو الركون إلى الظالمين فاعرف أن الشيطان قد نفث فيك نفثة، وثغر في قلبك ثغرة، فتحضن منه، وقل: قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَقِ- الصبح- مِنْ شَرِّ ما خَلَقَ. وَمِنْ شَرِّ غاسِقٍ إِذا وَقَبَ- ليل إذا دخل- وَمِنْ شَرِّ النَّفَّاثاتِ فِي الْعُقَدِ. وَمِنْ شَرِّ حاسِدٍ إِذا حَسَدَ «١» . فالحديث يبين لنا طبيعة من طبائع النفوس؛ لننتفع بها، فنجنبها الشر، ونغمرها بالخير. ٤١- باب: برّ الوالدين عن أبي هريرة ﵁ قال: جاء رجل إلى رسول الله ﷺ فقال: يا رسول الله من أحقّ بحسن صحابتي؟ قال: «أمّك» ، قال: ثمّ من؟ قال: «أمّك» ، قال: ثم من؟ قال: «أمّك» ، قال: ثمّ من؟ قال: «أبوك» . [رواه البخاري ومسلم] «٢» . اللغة: الصحبة والصحابة مصدران: بمعنى المصاحبة، وهي الملازمة، والأصل فيها أن تكون بالبدن، وقد تكون بالعناية والاهتمام كما هنا. الشرح: هذا الحديث يدل على أن لكل من الأبوين حقا في المصاحبة الحسنة؛ والعناية التامة بشؤونه وَصاحِبْهُما فِي الدُّنْيا مَعْرُوفاً «٣» ، ولكن حق الأم فوق حق الأب بدرجات، إذ لم يذكر حقه إلا بعد أن أكد حق الأم تمام التأكيد، بذكرها ثلاث

стр. 107

مرات، وإنما علت منزلتها منزلته مع أنهما شريكان في تربية الولد هذا بماله ورعايته؛ وهذه بخدمته في طعامه وشرابه، ولباسه وفراشه و ... إلخ. لأن الأم عانت في سبيله ما لم يعانه الأب، فحملته تسعة أشهر وهنا على وهن، وضعفا إلى ضعف؛ ووضعته كرها؛ يكاد يخطفها الموت من هول ما تقاسي، ولكم كان بدء الحياة لوليد نهايتها الأم رؤم «١» ، وكذلك أرضعته سنتين، ساهرة على راحته، عاملة لمصلحته وإن برحت بها في سبيل ذلك الآلام وبذلك نطق الوحي: وَوَصَّيْنَا الْإِنْسانَ بِوالِدَيْهِ إِحْساناً حَمَلَتْهُ أُمُّهُ كُرْهاً وَوَضَعَتْهُ كُرْهاً وَحَمْلُهُ وَفِصالُهُ ثَلاثُونَ شَهْراً «٢» ، فتراه وصّى الإنسان بالإحسان إلي والديه؛ ولم يذكر من الأسباب إلا ما تعانيه الأم إشارة إلى عظم حقها. ومن حسن المصاحبة للأبوين الإنفاق عليهما طعاما وشرابا، ومسكنا ولباسا؛ وما إلى ذلك من حاجات المعيشة، إن كانا محتاجين. بل إن كانا في عيشة دنيا أو وسطى؛ وكنت في عيشة ناعمة راضية فارفعهما إلى درجتك أو زد. فإن ذلك من الإحسان في الصحبة. واذكر ما صنع يوسف مع أبويه وقد أوتي الملك إذ رفعهما على العرش بعد أن جاء بهما من البدو. ومن حسن الصحبة بل جماع أمورها ما ذكره الله بقوله: وَقَضى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ وَبِالْوالِدَيْنِ إِحْساناً إِمَّا يَبْلُغَنَّ عِنْدَكَ الْكِبَرَ أَحَدُهُما أَوْ كِلاهُما فَلا تَقُلْ لَهُما أُفٍّ وَلا تَنْهَرْهُما وَقُلْ لَهُما قَوْلًا كَرِيماً. وَاخْفِضْ لَهُما جَناحَ الذُّلِّ مِنَ الرَّحْمَةِ وَقُلْ رَبِّ ارْحَمْهُما كَما رَبَّيانِي صَغِيراً «٣» فامنع عنهما لسان البذاءة «٤» ، ولو بالهنات «٥» الصغيرة. وجنبهما أنواع الأذى. وألن لهما قولك؛ واخفض لهما جناحك؛ وذلل لطاعتهما نفسك؛ وأذك في روحك العطف عليهما؛ والرحمة بهما. ورطّب لسانك بالدعاء لهما من خالص قلبك وقرارة نفسك وقل: ربّ ارحمهما كما ربياني صغيرا، ولا تنس زيادة العناية بالأم، عملا بإشارة الوحي؛ ومسايرة لمنطق الحديث.

стр. 108

وقد استنبط جمهور الفقهاء من الحديث تقديم الأم على الأب في النفقة إذا كان مال الولد لا يتسع إلا لواحد منهما. وقيل: إنهما سواء. وهو مروي عن مالك والشافعي. ٤٢- باب: سب الرجل والديه عن عبد الله بن عمرو ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ : «إنّ من أكبر الكبائر أن يلعن الرّجل والديه» ، قيل: يا رسول الله وكيف يلعن الرّجل والديه؟ قال: «يسبّ الرّجل أبا الرّجل فيسبّ أباه، ويسبّ أمّه» . [رواه البخاري ومسلم «١» ] . اللغة: اللعن من الله: الطرد والإبعاد على سبيل السخط. ومن الناس: السب والدعاء. والسب الشتم الوجيع. الشرح: من الذنوب ما ضرره عظيم. وسوء أثره في المجتمع كبير كالقتل والزنى وشرب الخمر والسرقة وشهادة الزور وقطيعة الرحم وأكل مال اليتيم. وهذا النوع يسمى بالكبائر لكبر المفسدة فيه، وللوعيد الشديد عليه ولهذا النوع درجات بحسب الضرر الذي فيه، فكلما كانت دائرته أوسع كان في الكبر أدخل. فكتمان الشهادة كبيرة؛ ولكن أكبر منه الكذب على رسول الله ﷺ وما كان من الذنوب ضرره يسيرا يسمى بالصغائر. كعبوسة الوجه، وهز الرأس احتقارا، والحديث يبين أن سب الرجل أبويه من أكبر الكبائر. وأعظم الذنوب. لأنه الإساءة في موضع الإحسان، والإثم الكبير مكان البر العظيم، والشتم الذميم عوض القول الكريم، وهل هو إلا كفر بنعمة التربية منهما، وغمط «٢» لحقوقهما، ودناءة نفس، وخسة «٣» طبع، وهل يرجى من شخص يسيء إلى أبويه اللذين ربياه صغيرا أن يحسن إلى أحد من

стр. 109

الناس؟ كلا. فهو مصدر شر ومبعث فساد. فلا جرم أن كان ذنبه عظيما. ووزره خطيرا ولذلك عجب الصحابة واستغربوا وقالوا: كيف يسب الرجل والديه؟ استبعاد أن يكون في بني الإنسان من يقدم على هذا الجرم العظيم. فبين لهم الرسول ﷺ أنه سب غير مباشر، بأن يسب شخص أبا شخص آخر، فيسب هذا أبويه، انتصارا لنفسه، وانتقاما مضاعفا لعرضه، فذلك سب من الأول لأبويه. لأنه تسبب فيه. وإذا كان التسبب لذلك من أكبر الكبائر فما بالك بمن يسبهما كفاحا «١» . بله من يؤذيهما ويضربهما؟ إن ذلك للوزر الأكبر، لا يفوقه إلا الشرك والأصل في هذا الحديث قوله تعالى: وَلا تَسُبُّوا الَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ. فَيَسُبُّوا اللَّهَ عَدْواً- ظلما- بِغَيْرِ عِلْمٍ «٢» ، فنهى المسلمين عن سب الآلهة التي يعبدها المشركون مخافة أن يسبوا الله انتصارا لآلهتهم. ٤٣- باب: ثمرات صلة الرحم عن أبي هريرة ﵁ أنّه قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «من سرّه أن يبسط له في رزقه، وأن ينسأ له في أثره فليصل رحمه» . [رواه البخاري ومسلم، ورواه الترمذي «٣» بلفظ] : إنّ صلة الرّحم محبّة في الأهل، مثراة في المال منسأة في الأثر. اللغة: البسط: النشر والتوسعة، والرزق: يقال للعطاء الجاري كالمرتب. وللنصيب، ولما يتغذى به. والإنساء: التأخير، وأثر الشيء: ما نشأ عنه ودلّ عليه، فأثر المشي في الأرض صورة القدم فيها، والمراد به هنا: الأجل أي بقية الحياة. قال زهير:

стр. 110

والمرء ما عاش ممدود له أمل ... لا ينتهي الطرف حتى ينتهي الأثر وسميت بقية العمر أثرا لأنها تتبعه في الذهاب كما يتبع الأثر صاحبه، ولأن المرء ما عاش لحركاته آثار. فإذا مات فلا حركات، ولا آثار، أو المراد بالأثر الذكر الحسن، والرحم القرابة لأنها داعية التراحم بين الأقرباء وصلة الأقارب تكون بزيارتهم ومعونتهم بالنفس وبالمال، صدقة إن كانوا فقراء، وهدية إن كانوا أغنياء. وبعمل كل ما يستطيع من جر مغنم، أو دفع مغرم. فيعتبرهم كنفسه في جلب الخير، واتقاء الشر. الشرح: رتب الرسول ﷺ على صلة الرحم أمرين بسط الرزق والإنساء في الأثر. أما ترتب السعة في الرزق على صلة الرحم فلأنه بالصلة يستجلب محبتهم ومودتهم فيعاونونه على كسب الثروة فتزداد. وينفي بالصلة عداوتهم التي إذ شغل بها استنفدت كثيرا من وقته. يتعطل فيه عن ابتغاء الرزق. ولأنه بالصلة يقرض الله قرضا حسنا فيضاعفه له أضعافا كثيرة وبالصلة يدخل في زمرة المتقين وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجاً. وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لا يَحْتَسِبُ «١» ، وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مِنْ أَمْرِهِ يُسْراً «٢» وفي القرآن آيات كثيرة ترتب السعادة الدنيوية على الأعمال الصالحة مثل وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرى آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَفَتَحْنا عَلَيْهِمْ بَرَكاتٍ مِنَ السَّماءِ وَالْأَرْضِ وَلكِنْ كَذَّبُوا فَأَخَذْناهُمْ بِما كانُوا يَكْسِبُونَ «٣» ، وأما ترتب الإنسان في الأثر على الصلة، فإن فسرنا الأثر بالذكرى الطيبة للإنسان بعد وفاته فالإنساء فيها معناه التأخير والإطالة؛ فألسنة الناس ثناء عليه ودعاء له. لقيامه بواجب القرابة؛ وربما استمرت هذه الذكرى أمدا طويلا. فنفسه الرحيمة كأنها خالدة في عالم الأحياء. وإن فسرنا الأثر ببقية العمر فظاهره أن الأجل يمتد بصلة الرحم؛ وذلك يعارض قوله تعالى: وَلَنْ يُؤَخِّرَ اللَّهُ نَفْساً إِذا جاءَ أَجَلُها «٤» ، فالجواب أن الأجل محدد بالنسبة إلى كل سبب من أسبابه. فإذا فرضنا أن الشخص حدد له ستون عاما إن وصل رحمه وأربعون إن قطعها؛ فإذا وصلها زاد الله في عمره الذي حدد له إذا لم يصل.

стр. 111

فالأجل لا يتأخر بالنسبة إلى سببه الخاص، ويتأخر بالنسبة إلى سبب آخر. وأحسن من هذا أن تفسر مد الأجل بالبركة في العمر؛ فيهبه الله قوة في الجسم؛ ورجاحة في العقل؛ ومضاء في العزيمة. فتكون حياته حافلة «١» بالأعمال الطيبة. فهي حياة طويلة وإن كانت في الحساب قصيرة وذلك لأن المقياس الحقيقي للحياة المباركة ليس الشهور والأعوام ولكنه جلائل الأعمال؛ وكثرة الآثار. فرب شخص عمّر طويلا؛ وكأن لم يكن. ورب آخر عاش قليلا؛ وكأنه لبث فينا قرونا؛ لكثرة ما عمل؛ وعظم ما خلّف. وإنما رتبت البركة في العمر علي صلة الرحم لأن المرء إذا وصل أقرباءه أجلّوه واحترموه؛ فامتلأت نفسه سرورا، وشعر بمكانة عالية من أجل صنيعه الذي صنع، والسرور منشّط كما أن الحزن مثبّط، والشعور بالعظمة عن أعمال مجيدة داع للإكثار منها وبذل الجهد في سبيلها. والحديث يقرنا على حب البسطة في العيش ما آمنّا وعملنا الصالحات لَيْسَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ جُناحٌ فِيما طَعِمُوا إِذا مَا اتَّقَوْا وَآمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ «٢» ، ويقرنا أيضا على الرغبة في زيادة الحياة إن كانت في سبيل الطيبات، كما يحثنا على بر الأقرباء وَآتِ ذَا الْقُرْبى حَقَّهُ «٣» . ٤٤- باب: فضل كفالة اليتيم عن سهل بن سعد عن النّبي ﷺ قال: «أنا وكافل اليتيم في الجنّة» ، هكذا، وقال بإصبعيه السّبابة والوسطى. [رواه البخاري ومسلم ومالك وأبو داود والترمذي والنسائي «٤» ] .

стр. 112

اللغة: اليتيم من الإنسان: من مات أبوه قبل بلوغه، ومن الحيوان: من فقد أمه؛ وكافله: مربيه الذي يقوم بشؤونه؛ ويدير مصالحه، وقال: بإصبعيه أشار بهما، والسبابة: الأصبع التي تلي الابهام. الشرح: اليتيم من فقد أباه الذي كان يرعاه بنفسه وماله، ويحبه من أعماق قلبه؛ ويؤثر مصلحته على مصلحته. وإن مما يذرف الدمع ساخنا ساعة الموت صبية صغارا؛ وذرية ضعافا، يخلفهم المحتضر وراءه؛ يخشى عليهم إحن الحياة؛ وصروف الدهر؛ ويتمنى لهم وليا مرشدا؛ يرعاهم كرعايته؛ ويسوسهم كسياسته؛ يعزيهم بره وعطفه عن نفسه الراحلة، ويجدون فيه من العناية بمصالحهم ما يخرجهم رجالا في الحياة؛ يملأون العيون؛ ويشرحون الصدور. فالذي يكفل اليتيم ويتعهده؛ وينمي ثروته ويهذب نفسه؛ ويطمئن والده في جدثه «١» ؛ ويعوضه عنه كافلا رحيما، وراعيا حكيما؛ فلا جرم أن كان مكانه عند الله عظيما؛ وكان حريّا أن يكون لرسول الله ﷺ في الجنة صاحبا وقرينا؛ يتمتع بما فيها من النعيم؛ كما متع برعايته اليتيم؛ وفي هذا ترغيب عظيم في كفالة الأيتام، والعناية بأمورهم. أما كان الكافل، أو قريبا، أو أجنبيا أو صديقا. وفي حديث عوف بن مالك أن النبي ﷺ قال: «أنا وسفعاء الخدين» - التي شحب لونها من قيامها على خدمة ولدها- «كهاتين يوم القيامة» : امرأة ذات منصب وجمال حبست نفسها على يتاماها حتى ماتوا أو بانوا. رواه أبو داود «٢» . ٤٥- باب: السعي على الأرملة والمسكين عن أبي هريرة ﵁ قال: قال النبي ﷺ : «السّاعي على الأرملة والمسكين كالمجاهد في سبيل الله» . [رواه البخاري «٣» ومالك وغيرهما] .

стр. 113

اللغة: الساعي: الذي يذهب ويجيء في قضاء المصالح. والأرملة: التي مات زوجها. والمسكين: المحتاج الذي أسكنته الحاجة. وسبيل الله: دينه وشرعه. الشرح: المجاهد في سبيل الله الذي يخدم دينه بنفسه وماله، أو جاهه وسلطانه أو علمه وفنه، ليس له جزاء إلا الجنة إلى الذكرى الطيبة في الحياة الدنيا والمكانة العالية في النفوس. وكذلك الجزاء للساعي على الأرملة والمسكين، فيكد ويتعب؛ ويجاهد وينصب، ليكفي تلك الأرملة حاجاتها. بعد أن فقدت بعلها، الذي كان يرعاها وينفق عليها، فهو بذلك يخفف عنها من ألم المصيبة؛ ويسليها على الفجيعة «١» ؛ ويكف يدها عن المد؛ ويصون وجهها عن العرض. وكذلك يصنع للمسلم الذي فقد المال؛ وعجز عن الكسب أو قدر ولكن لم يجد العمل، فهو يجمع المال بعرق جبينه. لا ليمتّع نفسه أو ولده؛ أو لينفقه في البذخ واللذة، ولكن ليسد به جوعة المسكين، ويغنيه عن الإستجداء فيحفظ على وجهه ماء الحياء، وعلى نفسه خلق العفاف، فكان خليقا بمرتبة المجاهدين، ومنزلة المقربين. فاخدم بمالك ووقتك وقوتك وسعيك ذوي الحاجات، وأرباب العاهات تنل المنزلة العالية والجنة الخالدة. ٤٦- باب: إيذاء الجار عن أبي شريح قال: قال النبي ﷺ : «والله لا يؤمن، والله لا يؤمن، والله لا يؤمن» ، قيل: ومن يا رسول الله؟ قال: «الّذي لا يأمن جاره بوائقه» . [رواه البخاري ومسلم وأحمد «٢» وغيرهما] . اللغة: البوائق: واحدتها بائقة وهي الداهية والشيء المهلك والأمر الشديد يوافي المرء بغتة. الشرح: من سعادة المرء أن يكون في بيئة يشعر فيها بالعطف عليه. والمحبة

стр. 114

له، ومن شقائه أن يكون بين جماعة يضمرون له الشر، ويدبرون له المكايد فالشخص الذي بجانبه جيران سوء، يعملون للإضرار به في نفسه؛ أو ماله، أو عرضه، ويحوكون «١» له العظائم والدواهي، منغص في عيشه؛ لا يهنأ له بال، ولا ينعم بمال، تراه مقطب الوجه، محزون النفس مكلوم «٢» الفؤاد، كل ذلك من سوء الجوار، ولقد بين الرسول ﷺ أن من هذا خلقه، وتلك دخيلته مع جاره- غير مؤمن، وأكد ذلك بالحلف والتكرار ثلاث مرات، وهل المؤمن إلا من أمنه الناس على دمائهم؛ وأموالهم؛ وأعراضهم. وهل الإيمان إلا من الأمن. فإذا كان الجار لجاره حربا؛ وعليه ضدا؛ فكيف يكون من المؤمنين الذي أخلصوا دينهم لله، لقد كان الواجب عليه أن يتفقد أمور جاره؛ ويساعده بكل ما استطاع؛ ويعمل على جلب الخير له؛ ودفع الشر عنه؛ حتى يكونا في عيشة راضية؛ وحياة طيبة؛ أفما كفاه أن يترك كل ذلك حتى يقف منه موقف العداء؛ يدبر له الموبقات المدمرات، والمفظعات المهلكات وليقف موقف الحياد إن لم يكن لصنع المعروف أهلا لا يحسن إليه فلا يسيء؛ والحديث يؤكد حق الجار؛ وأنه من بين الحقوق بالمكان العظيم؛ حتى أن من ينتهك حرماته يسلب عنه الإيمان الذي هو معقد السعادة في الدنيا والآخرة وَمَنْ يَكْفُرْ بِالْإِيمانِ فَقَدْ حَبِطَ عَمَلُهُ وَهُوَ فِي الْآخِرَةِ مِنَ الْخاسِرِينَ «٣» . ٤٧- باب: إكرام الضيف والإحسان إلى الجار عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليكرم ضيفه، ومن كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليحسن إلى جاره؛ ومن كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليقل خيرا أو ليصمت» . [أخرجه الشيخان وابن ماجه «٤» ] .

стр. 115

ذكر الرسول ﷺ في الحديث أمورا ثلاثة، يقتضيها الإيمان بالله واليوم الآخر؛ إكرام الضيف؛ والإحسان إلى الجار؛ والنطق بالخير أو الصمت؛ وإنما خص بالذكر الإيمان بالله واليوم الآخر دون غيرهما مما يجب الإيمان به كالرسل والكتب الإلهية لأن الله تعالى مبدأ كل شيء وبيده الخير والشر، واليوم الآخر نهاية الحياة الدنيا، وهو ينتظم البعث والنشر؛ والحشر والحساب؛ والجنة والنار؛ فهو يوم جامع لكثير مما يجب الإيمان به؛ وإنما كان الإيمان بهما مقتضيا لهذه الأشياء الثلاثة لأن من صدّق بالله؛ وعلم أنه خبير بما يعمله، ومحاسبه عليه. وأن بيده الثواب والعقاب يجدّ في عمل الطيبات؛ ويدع السيئات. ومن آمن بيوم يحيا فيه الناس جميعا، وتعرض عليهم فيه أعمالهم من خير أو شر؛ ويلقون جزاءهم من جنة أو نار- من آمن بكل ذلك طمع في الثواب بالمسارعة إلي الخيرات ونفر من العقاب باتقائه الشرور. ١- إكرام الضيف: الضيف يطلق على الواحد والجمع ومنه قوله تعالى: وَنَبِّئْهُمْ عَنْ ضَيْفِ إِبْراهِيمَ. إِذْ دَخَلُوا عَلَيْهِ «١» ، وإكرام الضيف يكون بحسن استقباله، فيقابله بوجه باش، ويظهر له السرور بحضوره، ويقدم له خير ما عنده من الطعام والشراب ووسائل الراحة؛ وإن كان ذا سعة والضيف فقير مد إليه يد المعونة، ويودعه كما استقبله إلى غير ذلك، وقد قال العلماء: إن الضيافة الشرعية ثلاثة أيام؛ وما زاد عليها فهو صدقة؛ فنحن مأمورون بإكرامه هذه الثلاثة، وما زاد عليها فهو فضل من المضيف. ٢- الإحسان إلى الجار: الجار يطلق على الداخل في الجوار، وعلى المجاور في الدار؛ والمراد به الثاني؛ واسم الجار عام يشمل المسلم والكافر؛ والعابد والفاسق والصديق والعدو. والقريب والأجنبي؛ والأقرب دارا والأبعد. وله مراتب بعضها أعلى من بعض؛ فالمسلم القريب العابد الصديق أولى ممن لم تتوفر فيه هذه الصفات. والإحسان إلى الجار يكون بعمل ما يستطيع معه من

стр. 116

ضروب الخير فإن استقرضك أقرضته. وإن استعانك أعنته. وإن احتاج أعطيته. وإن مرض عدته وإن أصابه خير هنّأته. وإن انتابته نائبة «١» عزّيته. وكن أمينا على أسراره. متوددا إليه بالهدايا حريصا على مصالحه كما تحرص على مصالحك. وإذا كان الإحسان للجار مطلوبا فدفع الأذى عنه أمر محتم. وفي حديث البخاري عن عائشة أن رسول الله ﷺ قال: «ما زال جبريل يوصيني بالجار حتى ظننت أنه سيورثه» «٢» ، وفي القرآن آيات كثيرة تحث على الإحسان إلى الجار من ذلك قوله تعالى: وَبِالْوالِدَيْنِ إِحْساناً وَبِذِي الْقُرْبى وَالْيَتامى وَالْمَساكِينِ وَالْجارِ ذِي الْقُرْبى وَالْجارِ الْجُنُبِ وَالصَّاحِبِ بِالْجَنْبِ وَابْنِ السَّبِيلِ «٣» . ٣- قول الخير أو الصمت: سعادة المرء وشقائه في طرف لسانه فإن حبس لسانه في دائرة الخير- كأمر بصدقة أو معروف أو إصلاح بين الناس أو قراءة علم، أو منطق أدب: نال خيره، وكفى شره. وإن خرج به عن دائرة الخير جلب عليه النوائب وأرداه «٤» في هوة «٥» سحيقة، وقد أمرنا الرسول ﷺ بأحد أمرين إما قول الخير وإما الصمت؛ فمن لم يتيسر له الإحسان في القول والنفع به فليمسك عليه لسانه فإن ذلك أسلم له؛ وقد قال العلماء: إن هذه العبارة من جوامع كلمة ﷺ لأن القول كله إما خير؛ وإما شر، وإما آيل «٦» إلى أحدهما، فدخل في الخير كل مطلوب من الأقوال فرضها وندبها؛ فأذن فيه على اختلاف أنواعه؛ ودخل فيه ما يؤول إليه؛ وما عدا ذلك مما هو شر أو يؤول إلى الشر فأمر عند إرادة الخوض فيه بالصمت.

стр. 117

٤٨- باب: وحدة المسلمين وتراحمهم عن النّعمان بن بشير ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ : «ترى المؤمنين في تراحمهم وتوادّهم وتعاطفهم كمثل الجسد إذا اشتكى عضو تداعى له سائر جسده بالسّهر والحمّى» . [أخرجه البخاري وكذلك مسلم «١» بعبارات مختلفة] . اللغة: التراحم والتواد والتعاطف: كلها من باب التفاعل الذي يستدعي اشتراك الجماعة في أصل الفعل، وهي وإن تقاربت في المعنى بينها فرق لطيف، فالتراحم: رحمة بعضهم بعضا بأخوة الإيمان لا بسبب آخر، والتواد: التواصل الجالب للمحبة كالتزاور والتهادي والتعاطف: إعانة بعضهم بعضا كما يعطف الثوب على الثوب تقوية له، وتداعوا: دعا بعضهم بعضا، ومنه تداعت الحيطان أي تساقطت أو كادت، وسائر: بمعنى باقي، والحمّى: تلك الحرارة المرتفعة التي تضر بالأعمال الطبيعية. الشرح: يمثل رسول الله ﷺ المؤمنين في هذه الخلال «٢» الثلاث بالجسد الواحد، فكما أن الجسد إذا مرض منه عضو تألم له الباقي، فلم يذق نوما وسارت إليه حرارة الحمّى، فالمته، فكذلك المؤمنون حقيقة إذا ناب واحدا منهم نائبة شعر بألمها الباقون، فسعوا بما فيهم من العواطف لدفع الألم عنه، وجلب الخير إليه. فالمسلمون في مجموعهم كشخص واحد وكل فرد منهم بالنسبة للمجموع كالعضو بالنسبة للشخص، فالخير يصيب الواحد منهم كأنما أصاب كلهم؛ والشر ينوبه «٣» كأنما ناب جميعهم؛ فليعتبر بهذا الحديث بعض الأمم الإسلامية التي لا تألم لما يصيب جارتها، بل ربما ساعدت عدوّها على القضاء عليها وليعتبر به أولئك الأفراد الذين جدوا في اصطياد مصالحهم الشخصية وإن أضرت باخرين؛ وإذا ما طلب منهم مواساة إخوانهم ولوا على أدبارهم نفورا، أولئك لم يتوطن الإيمان بعد نفوسهم.

стр. 118

٤٩- باب: الرحمة وعقاب مجانبها عن أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ قال: «من لا يرحم لا يرحم» . [أخرجه البخاري في باب- رحمة الولد وتقبيله ومعانقته- وأخرجه مسلم وأبو داود والترمذي «١» بألفاظ متقاربة] . للحديث سبب، ذلك أن النبي ﷺ قبّل الحسن بن علي، وعنده الأقرع بن حابس التميمي جالسا، فقال الأقرع: إن لي عشرة من الولد، ما قبلت منهم أحدا، فنظر إليه رسول الله ﷺ ثم قال: «من لا يرحم لا يرحم» . الرحمة بالناس. بل بالحيوان. عاطفة شريفة وخليقة محمودة، ولقد مدح الله بها رسوله في قوله: بِالْمُؤْمِنِينَ رَؤُفٌ رَحِيمٌ «٢» ، وضدها القسوة التي عاقب الله بها اليهود. لما نقضوا العهود؛ إذ يقول: فَبِما نَقْضِهِمْ مِيثاقَهُمْ لَعَنَّاهُمْ وَجَعَلْنا قُلُوبَهُمْ قاسِيَةً «٣» . فالرحمة فضيلة. والقسوة رذيلة. والرحمة تكون بالأبناء، وأثرها تقبيل ومعانقة كما صنع الرسول ﷺ بالحسن. وتأديب وتربية وإجابة رغائب- ما دامت في سبيل المصلحة- وإبعاد من الشر. وتكون بالآباء والأمهات وأثرها قول كريم، وصنع جميل، وطاعة في غير معصية وخدمة صادقة وَقُلْ رَبِّ ارْحَمْهُما كَما رَبَّيانِي صَغِيراً «٤» ، وتكون بالأقرباء، وأثرها بر وصلة، وزيارة ومودة، وسعي في مصلحة، ودفع لمضرة، وتكون بين

стр. 119

الزوج وزوجة، وأثرها عشرة بالمعروف، وإخلاص متبادل، وألا ترهقه «١» بالطلبات، ولا يكلفها بالمرهقات، بل يعاونها على شؤون المنزل وتربية الأولاد بالخدم ما دام في المال سعة أو بنفسه إن كان في وقته فضل. وتكون بأهل دينك، ترشدهم إلي الخير، وتعلمهم ما تعلمت. وتأخذ بهم عن اللمم «٢» إلي السبيل الأهم وتعمل لعزهم، ودفع المذلة عنهم، وتكون بالناس جميعا، فتحب لهم ما تحب لنفسك، وتكره لهم ما تكره لها، وتكون بالحيوان فتقدم له أكله وشربه، وتداوي جرحه، ولا تكلفه عسيرا، ولا تحمله ثقيلا. فإن كانت الرحمة خليقتك رحمك الناس كما رحمتهم، وكانوا لك كما كنت لهم، ورحمك الرحمن الرحيم: فأسبغ عليك نعمة ظاهرة وباطنة، وإن تركتها إلى القساوة قست عليك الخليقة، فإن نابتك نائبة، أو حلت بك ضائقة «٣» أغضوا عنك وفرّوا منك، فتجرعت وحدك صابها «٤» ، وصليت نارها، وكذلك يصنع الله بك يرفع عنك رحمته، فإذا أنت في الدنيا في معيشة ضنك، لا تنعم بعزة أو هناءة، وفي الآخرة لا ينظر الله إليك ولا يكلمك، ولك العذاب الهون جزاء بما اكتسبت، فارحم ترحم، وكن للناس يكونوا لك وتخلق بخلق الله يرفع شأنك، ويعل نفسك والله لا يضيع أجر المحسنين. ٥٠- باب: الصدقة بالمال وطيب الكلام عن عديّ بن حاتم قال: ذكر النّبيّ ﷺ النّار فتعوّذ منها، وأشاح بوجهه، ثمّ ذكر النار، فتعوذ منها، وأشاح بوجهه قال شعبة: أمّا مرّتين فلا أشكّ- ثمّ قال: «اتّقوا النار ولو بشقّ تمرة فإن لم يكن فبكلمة طيّبة» . [رواه البخاري ومسلم «٥» ] .

стр. 120

اللغة: تعوذ: قال: أعوذ بالله، أي ألجأ إليه، وأتحصن به، يقال: عذت به أعوذ عوذا وعياذا ومعاذا أي ألجأ إليه. والمعاذ: المصدر والزمان والمكان. وأشاح: يقال: بمعنى حذر وبمعنى جد في الأمر: ويقال: أشاح وجهه وبوجهه وأشاح عنه وجهه إذا أعرض متكرها. والإتقاء: اتخاذ الوقاية مما يضر. وبعبارة أخصر: الحذر. والشق: النصف أو الجانب. الشرح: ذكر النبي ﷺ النار وسعيرها وشررها. وتمثلها أمامه كأنه يراها رأي العين لَوْ تَعْلَمُونَ عِلْمَ الْيَقِينِ. لَتَرَوُنَّ الْجَحِيمَ «١» ، فقال أعوذ بالله منها. وأتحصن به من شرها وهولها «٢» ، وأعرض بوجهه عنها متكرها لها كأن لفحها يكاد يصل إليه، فيحول عنها وجهه، ثم ذكرها مرة أخرى فصنع مثل ما صنع في الذكرى الأولى- وقد جزم شعبة أحد رواة الحديث ورجاله بهاتين المرتين، إما أن الرسول ﷺ زاد عليهما فهذا ما لم يتيقنه شعبة- ثم قال الرسول ﷺ : «اتقوا النار ولو بشق تمرة» . إلخ. النار عذابها أليم وسعيرها عظيم وهولها شديد. والرسول ﷺ بأمته رؤوف رحيم، حريص على سعادتها، ووقايتها مما يضرها، فكيف لا يرشدها إلى ما تتقي به النار، وتنأى به عن هول الجحيم؟ لقد بين أن الصدقات وقاية من النار فمن بذل المال في سبيل الله للفقراء والمساكين والغارمين والمجاهدين، والمصالح العامة كان ما بذل سورا منيعا، وحاجزا حصينا، يقيه لهيب الجحيم، وقليل المال- ممن لا يستطيع غيره إذا أعطاه بطيب نفس وإخلاص قلب- كثير عند الله فهو يربي التمرة الصغيرة بل شقها. حتى تكون كالجبال الشامخة، أثرها كبير وثوابها عظيم، فلا تحقر المعروف وإن قلّ، ولا تستقل الصدقة وإن كانت بشق من تمرة، أو مليّم من قرش، أو قطعة من رغيف، فربما سدت حاجة من جائع، بل ربما أنقذت نفسا أشرفت على الهلاك، وقد ذمّ الله من عاب جماعة بقلّة ما بذلوا وهو منتهي جهدهم وغاية وسعهم، فقال: الَّذِينَ يَلْمِزُونَ يغتابون ويعيبون الْمُطَّوِّعِينَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ فِي الصَّدَقاتِ وَالَّذِينَ لا يَجِدُونَ إِلَّا جُهْدَهُمْ فَيَسْخَرُونَ مِنْهُمْ سَخِرَ اللَّهُ مِنْهُمْ وَلَهُمْ عَذابٌ

стр. 121

أَلِيمٌ «١» ، وعن عائشة ﵂ أنها دخلت على امرأة، معها ابنتان لها تسأل، فلم تجد عندي شيئا غير تمرة، فأعطيتها إياها فقسمتها بين ابنتيها. ولم تأكل منها، ثم قامت فخرجت، فدخل النبي ﷺ علينا فأخبرته فقال النبي ﷺ : «من ابتلى من هذه البنات بشيء كن له سترا من النار» ، رواه البخاري «٢» ، فصدقة المال نافعة، ومن النار واقية، جلّت «٣» أو قلّت، ما دام ذلك الجهد، فإن لم يجد المرء ما يمد به يده للسائل والمحروم؟ فليحرك لسانه وليتكلم بالكلم الطيب: قَوْلٌ مَعْرُوفٌ وَمَغْفِرَةٌ خَيْرٌ مِنْ صَدَقَةٍ يَتْبَعُها أَذىً وَاللَّهُ غَنِيٌّ حَلِيمٌ «٤» ، فإذ ردّ السائل بالقول الجميل، أو وعده العطاء عند اليسار كان له ذلك صدقة وَإِمَّا تُعْرِضَنَّ عَنْهُمُ ابْتِغاءَ رَحْمَةٍ مِنْ رَبِّكَ تَرْجُوها فَقُلْ لَهُمْ قَوْلًا مَيْسُوراً «٥» وحض أهل اليسار على إطعام المسكين، والأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر، والإصلاح بين الناس كل ذلك صدقات فإن أعوزك المال فلن يعوزك اللسان لا خَيْرَ فِي كَثِيرٍ مِنْ نَجْواهُمْ إِلَّا مَنْ أَمَرَ بِصَدَقَةٍ أَوْ مَعْرُوفٍ أَوْ إِصْلاحٍ بَيْنَ النَّاسِ وَمَنْ يَفْعَلْ ذلِكَ ابْتِغاءَ مَرْضاتِ اللَّهِ فَسَوْفَ نُؤْتِيهِ أَجْراً عَظِيماً «٦» . ٥١- باب: حسن الخلق عن عبد الله بن عمرو أنّ رسول الله ﷺ كان يقول: «إن خياركم أحسنكم أخلاقا» ، وفي رواية: «إنّ من خيركم أحسنكم خلقا» . [رواه البخاري «٧» ] . الخلق: يطلق على كل صفة راسخة في النفس تصدر عنها الأفعال بسهولة من غير تكلف كالكرم يصدر عنه الإعطاء بلا عناء، والحلم يستدعي مصابرة السفيه والعفو

стр. 122

عن المسيء، والحكمة تقتضي وزن كل عمل بميزان المصلحة. وعرف بعضهم الخلق: بأنه العادة في الإرادة. فتعود العزم على منازلة العدو كلما أوقد حربا يسمى خلق الشجاعة. والخلق يقال للمكارم وللمساوي. كالبخل والسفه والجبن وغيرها من الرذائل. وفي هذا الحديث بين الرسول ﷺ أن خيار المسلمين من حسنت أخلاقهم وكرمت صفاتهم، أما من ساءت منهم الأخلاق وقبحت الصفات فأولئك الأشرار، وإن كانوا يصلون، ويصومون ويحجون، فإن صلاتهم ليست بصلاة الخاشعين، وصيامهم مجاراة، وحجّهم رياء، ولو كان ذلك منهم بإخلاص لأثمر بلا مراء كرم الأخلاق فإن الصلاة الحقة تنهى عن الفحشاء والمنكر. والصيام الخالص داعية الصبر والكرم. والحج المبرور ينمي خلق الصبر وحسن العشرة، والمعونة فبرهان الصدق في العبارات والإخلاص فيها كرم الأخلاق. وآية التقصير فيها سوءها ولأن حسن الخلق من العلو بمكان مدح الله به خير خلقه فقال: وَإِنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ «١» ، وكان خلقه ﷺ القرآن كما قالت زوجه عائشة ﵂. فكان أدبه آدابه. وخلقه أخلاقه. من صبر وحلم، وكرم وعفو، وإخلاص وشجاعة، وعدل وحكمة ... إلخ. وأن مما يثمره حسن الخلق في هذه الحياة تيسر الأمور لصاحبه، وموافاة الرغائب، وحب الخلق له، وثناءهم عليه، ومعونتهم له. والإبتعاد عن أذاه وقلة مشاكله في الحياة. واطمئنان نفسه، وطيب عيشه، ورضاء ربه، أما الثمرة في الحياة الآخرة فجنة نعيم، وقرب من رب العالمين. روى الترمذي من حديث جابر أن النبي ﷺ قال: «إن من أحبكم إليّ؛ وأقربكم مني مجلسا يوم القيامة أحسنكم أخلاقا» «٢» ، وقد وردت أحاديث كثيرة في الحث على مكارم الأخلاق. منها حديث النواس بن سمعان: «البر حسن الخلق» - رواه مسلم «٣» . وحديث أبي الدرداء: ما شيء أثقل في الميزان من حسن الخلق- رواه

стр. 123

الترمذي وابن حبان وصححاه، ورواه أبو داود «١» ، وحديث أبي هريرة: «إنكم لن تسعوا الناس بأموالكم ولكن يسعهم منكم بسط الوجه، وحسن الخلق» - رواه البزار بسند حسن، وحديث أبي هريرة: «إنما بعثت لأتمم صالح الأخلاق» - رواه أحمد، وكذلك البزار بلفظ: مكارم، بدل صالح. ومن محاسن الأخلاق: الصدق، والشهامة؛ والنجدة وعزة النفس والتواضع؛ والتثبت، وعلو الهمة، والعفو، والبشر، والرحمة والحكمة، والشجاعة، والوقار «٢» ، والصيانة، والدماثة «٣» ، والدعة، والصبر، والورع، والحياء، والسخاء، والنزاهة «٤» ، وحفظ السر، والقناعة والعفة، والإيثار. ومن مساويها: السفه، والرياء، والغيبة، والنميمة، والتبذل «٥» ، والغدر، والخرق «٦» ، والحمق، والكذب، والجهل، والمكر، والخبث، والطيش، والحقد، والقحة «٧» ، والحسد، والشراسة، والعجب، والجبن، وضعف الهمة، والكبر، والعبوس «٨» ، والغضب، والذعر «٩» ، والكسل، والهزء، والزهو، والحرص، والشماتة، والمجون «١٠» ؛ وإفشاء السر، والشره والفجور. فاحرص أخي على مكارم الأخلاق واتخذها حليتك؛ وتجنب سفسافها «١١» . لتكون من الخيار الذين يألفون ويؤلفون.

стр. 124

٥٢- باب: مداراة الأشرار عن عائشة أنّ النّبيّ ﷺ قال: «إنّ شرّ النّاس عند الله منزلة يوم القيامة من تركه أو ودعه النّاس اتّقاء شرّه» . [رواه البخاري ومسلم وأبو داود والترمذي «١» ] . اللغة: ودعه: تركه، وقد ذكر بعض النحاة أن العرب أماتوا مصدر يدع وماضيه، وقد جاء الماضي في هذا الحديث عن الرسول ﷺ ولكن شكلا لا جزما وجاء المصدر في قوله ﷺ : «لينتهين أقوام عن ودعهم الجماعات» ، والصحيح أن ذلك جائز ولكنه استعمال نادر. الشرح: الناس في الآخرة منازل. كما كانت أعمالهم في الدّنيا منازل وَلِكُلٍّ دَرَجاتٌ مِمَّا عَمِلُوا «٢» ، فأحسن الناس عملا أعلاهم درجة وأرفعهم منزلة. وأسوؤهم عملا أدناهم درجة، وأحطّهم «٣» منزلة. وبين هذين درجات متفاوتة ومنازل مختلفة بحسب اختلاف الأعمال وتفاوتها. وفي هذا الحديث بين الرسول ﷺ أن شر الناس منزلة يوم القيامة من تركه الناس ووادعوه وفارقوه وسالموه لا لأنه لا خير فيه ولا منفعة ترجى من ورائه. بل اتقاء شره وحذر ضره وبغيه، فهم لا يأمنون إذا كاشفوه بحاله، أو نصحوه ليرعوي عن ظلمه أو جالسوه وخالطوه أو قابلوا سيئه بالسيئة. لا يأمنون أن يرميهم بالمقذعات «٤» ويدبر لهم المكيدات التي تضرهم في نفوسهم أو أعراضهم وأموالهم أو مناصبهم ومراكزهم، فهو أفاك «٥» أثيم، مجرم شرير؛ لا يتحامى «٦» منكرا، ولا يجافي مأثما،

стр. 125

أو هو دنّ من القاذورات؛ إن اقتربت منه أو نبشته هبت عليك رائحته الخبيثة، ولوثتك نجاسته الغليظة؛ فالسلامة منه في مجانبته؛ أو متاركته ومسالمته؛ هذا أسوأ الناس منزلة يوم القيامة لأنه وباء على المجتمع؛ وهل منزلته السوأى إلا جهنم؛ يصلى سعيرها ويعاني لهيبها؛ يستظل بيحمومها «١» ، ويشرب من حميمها «٢» ؛ ويطعم من زقومها «٣» ويتسربل «٤» من قطرانها؛ ومثل هذا ليس من الإسلام في شيء؛ فإن المسلم من سلم الناس من لسانه ويده؛ وليس من الإيمان في قليل ولا كثير؛ فإن المؤمن من أمنه الناس على دمائهم وأموالهم؛ فإن كان يحمل لقب الإسلام أو الإيمان فهو لقب مكذوب؛ ونعت مسروق. [سبب الحديث] هذا والحديث له سبب: روى البخاري عن عائشة أن رجلا استأذن النبي ﷺ فلما رآه قال: «بئس أخو العشيرة ، وبئس ابن العشيرة» ، فلما جلس تطلق النبي ﷺ في وجهه. وانبسط إليه. فلما انطلق الرجل قالت له عائشة: يا رسول الله حين رأيت الرجل قلت له: كذا وكذا. ثم تطلقت في وجهه، وانبسطت إليه. فقال رسول الله ﷺ : «يا عائشة متى عهدتني فاحشا؟ إن شر الناس عند الله منزلة يوم القيامة من تركه الناس اتقاء شره» . أهـ. العشيرة: الجماعة أو القبيلة. أو هي الأدنى إلى الرجل من أهله، وهم ولد أبيه وجده. وتطلق: أبدى له طلاقة وجهه. يقال: وجه طلق وطليق أي مسترسل منبسط، ليس بعبوس. وللفحش يقال لكل ما خرج عن الحدّ حتى استقبح من قول أو فعل أو صفة. لكن استعماله في القول أكثر. وقد قيل: إن هذا الرجل المستأذن هو مخرمة بن نوفل. وقيل: عيينة بن حصن الفزاري. وكان يسمى بالأحمق المطاع لأنه كان رئيس قومه: وكان الرسول ﷺ يتألفه ليسلم قومه. وقد أسلم في عهد الرسول ﷺ وارتدّ في خلافة أبي بكر وحارب. ثم رجع إلى الإسلام. وحضر بعض الفتوح في عهد عمر. وهو الذي استأذن له ابن أخيه الحر بن قيس في الدخول على عمر. فلما دخل قال: يا ابن الخطاب والله ما تعطينا

стр. 126

الجزل «١» . وما تحكم بيننا بالعدل. فغضب عمر حتى همّ بأن يقع به- يبالغ في ضربه- فقال الحر: يا أمير المؤمنين إن الله قال لنبيه ﷺ : خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجاهِلِينَ «٢» ، وإن هذا من الجاهلين. وإن هذا من الجاهلين. فو الله ما جاوزها عمر حين تلاها عليه وكان وقّافا عند كتاب الله- روى ذلك البخاري في كتاب الاعتصام «٣» . وسواء كان المستأذن على رسول الله ﷺ مخرمة أو عيينة فالقصة مشكلة من جهة المعنى إذ كيف يذم الرسول ﷺ شخصا رآه مقبلا، ويقول فيه: بئس أخو العشيرة؛ وبئس ابن العشيرة ثم يهش في وجهه؛ وينبسط له حينما جلس معه؛ وهل هذا إلا التظاهر بغير ما يضمر؟ فكيف يصدر هذا من الرسول الكريم؛ الذي شهد له رب العالمين بأنه على خلق عظيم؟ لقد أجيب عن هذا الذم بأنه من باب النصيحة للأمة والتحذير لها من أن تغتر بذوي المظاهر الجميلة؛ أرباب الطوايا الخبيثة فتقع في شراكهم «٤» ، ويصيبها شر من جهتهم. بل استدل بهذا الذم على جواز غيبة من أعلن الفسق أو الفحش. أو جار في الحكم. أو دعا إلى بدعة جهارا أو نحو ذلك. وهذا الاستدلال لا يتم إلا إذا كان من عابه الرسول ﷺ بهذه المثابة. وأجيب عن التطلق في وجهه والتبسط إليه بعد ذلك الذم بأنه من باب المداراة؛ إتقاء لشره. وليس من قبيل المداهنة في الدين التي هي من مساوىء الأخلاق. قال القرطبي: والفرق بين المداراة والمداهنة أن المداراة بذل الدنيا لصلاح الدنيا أو الدّين أو هما معا. وهي مباحة. وربما استحبت. والمداهنة ترك الدّين لصلاح الدنيا. والنبي ﷺ إنما بذل له من دنياه حسن عشرته؛ والرفق في مكالمته. ومع ذلك فلم يمدحه بقوله. ولم يناقض قوله فيه فعله. فإن قوله فيه قول حق؛ وفعله معه حسن عشرة. فيزول بهذا الإشكال. ذلك ما أجابوا به ولا زال في النفس من هذا الذم والتطلق شيء. ولا زلنا نرى مقام الرسول ﷺ وكرم خلقه فوق ذلك الموقف. وأن الذي نجده في نفوسنا كالذي وجدته عائشة، وإذا كان الغرض من ذلك التبسط

стр. 127

التألف له كان من تمامه ألا يذكره بسوء قد يصل خيره إليه. وإذا كان الغرض المداراة كفى فيها مقابلته له بحال عادية ليس فيها تصنع؛ ثم كيف يظهر على وجه الرسول ﷺ خلاف ما في نفسه؛ ووجهه مرآة قلبه؛ ثم هل كان عيينة بدرجة من القوة والشر بحيث يخشاه الرسول ﷺ ويداريه؟ أما جواب الرسول ﷺ فإنه الحق لا مرية فيه. فإنه لم يكن فاحشا في حال من أحواله. وصدق فيما قال. أما أن يظهر للإنسان خلاف ما في نفسه ويبدي له البشاشة وفي قلبه الكراهة، فذلك ما نجل عنه مقام الرسالة. وبعد: فالرجاء إليك أن تكون حبا للمسلمين لا ضدا. وسلما لهم لا حربا، وأن تدع شر الأعمال لتجانب شر المنازل عند الدّيان، واعلم أن قوة الله فوق كل قوة. وأن بطشه شديد، فلا تغتر بقوتك، ولا ترعب الناس بسطوتك «١» ، فيأخذك القهار أخذ عزيز مقتدر، يوم يؤخذ بالنواصي والأقدام. ٥٣- باب: النميمة وعقابها عن حذيفة قال: سمعت النّبيّ ﷺ يقول: «لا يدخل الجنّة قتّات» ، وفي رواية: «نمّام» . [رواه الشيخان وأبو داود والترمذي والنسائي «٢» ] . اللغة: القتات: النمام، يقال: وقت الحديث يقته قتا إذا زوّره وهيأه وسواه، وقيل النمام: الذي يحضر القصة فينقلها، والقتات: الذي يتسمع من حيث لا يعلم به ثم ينقل ما سمعه. والنمام: الذي ينقل حديث الناس بعضهم في بعض على وجه الوشاية «٣» والسعاية والإفساد، والنميمة: الوشاية، وأصلها الهمس والحركة الخفيفة. ويقال: نم ينم وينم نما ونميما. النميمة: الإسم، والرجل نم، ونموم ونمام، ومنم. وهي نمة.

стр. 128

الشرح: قال الله تعالى: وَلا تُطِعْ كُلَّ حَلَّافٍ مَهِينٍ. هَمَّازٍ مَشَّاءٍ بِنَمِيمٍ «١» ، فنهى تعالى عن طاعة الهماز الطعان، العياب المغتاب، الذي يمشي بين الناس بالوشاية والإفساد، لأنه باعث الفتن، وزارع الإحن، ومقطع الصلات، ومفرق الجماعات، يجعل الصديقين عدوين، والأخوين أجنبيين، والزوجين متنافرين، والولد حربا لأبيه، والأب ضد لبنيه، فهو غراب بين، ونذير شر، وحمال حطب، ومشعل لهب. فكانت طاعته حراما. ونهيه لزاما. فإياك أن تأخذ قوله مسلما. وترتب عليه عداء وتخاصما؛ فإنه فاسق. وقد أمرنا الله تعالى بالتثبت في خبره والتحري عن صدقه: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جاءَكُمْ فاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا أَنْ تُصِيبُوا قَوْماً بِجَهالَةٍ فَتُصْبِحُوا عَلى ما فَعَلْتُمْ نادِمِينَ «٢» ، بل إن كنت مؤمنا كريما فلا تشغل نفسك بحديث الأنمّاء، ولا تضيع من وقتك في تسمع أخبار السفهاء. وظن الخير بإخوانك وأقربائك واتهم النمام الجهول؛ بل قبح له عمله وبغض إليه نمّه وقل له لا تفسد بيني وبين إخواني، ولا تبغض إلى أعواني، وخير لك أن تذكر ما يزيد الصلة متانة. وعرا الإخاء وثاقة، وإن من ينقل عن غيرك إليك أحاديث السوء، ينقل عنك إلى غيرك. فلا تجعله موضعا لثقتك، واجعل وشايته دبر أذنك. واعلم أن نقل الأنباء قد تكون فيه مصلحة شرعية، ومنفعة عمومية. كمن ينقل إلى شخص مكيدة «٣» يدبرها له الخصوم من قتل أو سرقة؛ وكمن يعرّف الأئمة والملوك سيرة الحكام الظالمين، والموظفين الخائنين، فهذا لا حرج فيه بل ذلك واجب، حقنا للدماء «٤» ، والأموال، ونصحا للرعية والولاة. والدّين النصيحة. وقد بين الرسول ﷺ أن الجنة لا يدخلها قتات، لأنها دار المتقين، وهذا من المجرمين، ما لم يكن له من الحسنات ما يمحو أثر السيئات، أو الغرض من العبارة التحذير من القت، والتنبيه إلى خطر النم؛ أو المراد: لا يدخلها أول الأمر. حتى يطهّر بالنار من خبث الوزر؛ ثم يدخلها طاهرا طيبا.

стр. 129

٥٤- باب: ذو الوجهين عن أبي هريرة قال النّبي ﷺ : «تجد من شرار النّاس يوم القيامة عند الله ذا الوجهين، الّذي يأتي هؤلاء بوجه، وهؤلاء بوجه» . [رواه البخاري ومسلم وأبو داود «١» ] . من الناس من يظهر لك إذا قابلك أنه صديقك الحكيم، والحريص على مصلحتك الساعي في منفعتك، وأنه عدو لعدوك، وأنه حرب عليه مثلك ناصب له حياة الشر، فتغتر بقوله، وتنخدع بوشيه، فتفضي إليه بسر نفسك وتبوح له بخبيئة أمرك، وتحدثه عن عدوك؛ وبما تنقم منه؛ وتعيب عليه، وما تدبره له أو تتقي به شره وضره وكيده ومكره. فإذا ما فارقك ذهب إلى عدوك وباح له بكل سرك؛ ودخيلة نفسك؛ وطعن له في عرضك ونال من شرفك، وأظهر له أنه عدو لك وحرب عليك، وأنه له الصديق الوفي فتطمئن نفسه إليه وينطق فيك بالذم وفي عرضك بالنهش ثم يحدث هذا بما فكر فيه وقدر، وبيت له ودبر، فيذهب به إلى الأول، ويقصه عليه قصا، حتى يوغر صدره «٢» إيغارا، ويشعل في قلبه نارا، فيزداد العداء؛ وتربو الشحناء؛ وهكذا دواليك بين الإثنين أو الحزبين؛ حتى تتأجج نيران العداوة وترمي بشرر كالقصر؛ فمثل هذا منافق كذاب، مختال «٣» خداع، غشاش نمام، فكان لا ريب عند الله من الأشرار، حريا بصلي النار؛ وهذا هو ذو الوجهين المتلون بلونين، اللابس لباسين؛ وليس منه من يسعى بالإصلاح بين خصمين أو حزبين متعاديين، فيحكي لكل فريق أحسن ما قال الآخر فيه، ويسكت عما ذكر من مساويه، ويعتذر لكل عما كان من الآخر من دواعي الخصام وأسباب العداء، حتى ينزع الكراهة من نفسهما نزعا، ويزرع المحبة في قلوبهما زرعا؛ فإذا بالخصمين صديقان، وبالعدوين

стр. 130

اخوان، إنما هذا ناصح أمين ومخلص كريم فله من الناس الشكر الجزيل، ومن الله الثواب العظيم وَمَنْ يَفْعَلْ ذلِكَ ابْتِغاءَ مَرْضاتِ اللَّهِ فَسَوْفَ نُؤْتِيهِ أَجْراً عَظِيماً «١» . ٥٥- باب: الظن والتجسس والتحاسد عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «إيّاكم والظّنّ، فإنّ الظّنّ أكذب الحديث، ولا تجسّسوا، ولا تحسّسوا، ولا تحاسدوا، ولا تباغضوا، ولا تدابروا، وكونوا عباد الله إخوانا، كما أمركم الله تعالى، المسلم أخو المسلم، لا يظلمه، ولا يخذله ولا يحقره، بحسب امرىء من الشّرّ أن يحقر أخاه المسلم: كلّ المسلم على المسلم حرام، ماله، ودمه، وعرضه، إنّ الله لا ينظر إلي أجسادكم، ولا إلى صوركم، ولكن ينظر إلى قلوبكم وأعمالكم، التّقوى ههنا، التّقوى ههنا، التّقوى ههنا-» ويشير إلى صدره» . [رواه البخاري ومسلم في كتاب الأدب من صحيحيهما من طرق مختلفة، وألفاظه فيهما مفرقة «٢» ] . اللغة: أصل التجسس تعرض الشيء من طريق الجس أي الاختبار باليد، والتحسس تعرفه من طريق الحواس، ثم استعملا في البحث عن عيوب الناس وقيل: إن الأول البحث عن العورات؛ والثاني الاستماع لحديث القوم. وقيل: الأول البحث في بواطن الأمور؛ وأكثر ما يقال في الشر. والثاني ما يدرك بحاسة العين والأذن كما في قوله تعالى: يا بَنِيَّ اذْهَبُوا فَتَحَسَّسُوا مِنْ يُوسُفَ وَأَخِيهِ «٣» ، وقيل التجسس تتبع العورات لأجل غيره، والتحسس تتبعها لنفسه؛ والحسد: تمني زوال النعمة عن

стр. 131

مستحقها، اقترن ذلك بسعي أم لا. والتدابر: فسّر بالتهاجر؛ وبالتعادي؛ وبالإعراض وهي معان متقاربة، وأصله إعطاء كل دبره للآخر إعراضا. والحقر: الاحتقار أي الاستصغار والاستقلال. وبحسب امرىء: أي كفايته أو كافيه، والباء زائدة. والعرض: موضع المدح أو الذم من الإنسان سواء كان في نفسه، أو في سلفه، أو من يلزمه أمره. وقيل: هو جانبه الذي يصونه من نفسه وحسبه، ويحامي عنه أن ينتقص ويسلب. والتقوى: الوقاية والصيانة مما يضر وذلك بفعل الأوامر، وترك النواهي. الشرح: في الحديث نهي عن ستة أشياء، وأمر بالأخوة، وبيان لما تقتضيه. ولما حرم من المسلم على المسلم، ولما ينظر إليه الرب من المرء وهاك البيان: ١- إياكم والظن: الظن هنا التهمة التي لا سبب لها، كمن يتهم رجلا بالفاحشة من غير أن يظهر عليه أثرها. فهذا ظن سوء لا مبرر له. وهو الذي نهى الله عنه بقوله: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اجْتَنِبُوا كَثِيراً مِنَ الظَّنِّ إِنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إِثْمٌ «١» ، ولا يدخل في الظن المحرم الظن بمن أورد نفسه موارد الريب جهرة، ولا الظن في الأمور المعاشية، ولا حسن الظن بالله تعالى، ويدخل فيه الظن في الإلهيات والنبوّات فإنه محرم، والواجب فيها اليقين. وقد استدل بالحديث على منع العمل في الأعمال بالاجتهاد والرأى لأنه عمل بالظن ولكن أجيب عن هذا بأن الظن المحرم ظن مجرد عن الدليل، ليس مبنيا على أصل، ولا تحقيق نظر. وقد وصف الرسول ﷺ الظن بأنه أكذب الحديث. واستشكل ذلك من جهتين: الأولى: أن الظن ليس من قبيل الحديث حتى يكون أكذبه، بل هو عمل نفسي. والثانية: أن تعمد الكذب الذي لا يستند إلي ظن أصلا أشد من الأمر الذي يستند إلى الظن، فكيف يكون الظن أكذب الحديث؟ والجواب عن الأولى أن الظن حديث نفسي. فيوصف بالكذب إذا لم يطابق الواقع أو أن المراد بالظن ما ينشأ عنه من الكلام. والجواب عن الثانية: أن وصفه بذلك للإشارة إلى أن المراد به ظن لا يعتمد

стр. 132

على شيء. فهو لا يطابق الواقع؛ فكان لذلك كذبا؛ وكان أكذب الحديث لأن الاعتداد به أكثر من الكذب المحض «١» لخفائه في الأكثر ووضح الكذب المحض، أو أن وصفه بالأكذبية مبالغة في ذمه لأن الكذب معروف وصاحب الظن معتمد بزعمه على شيء. فكأنه في نظره غير قبيح فقبحه بوصفه فذلك تنفيرا منه. ٢- ٣- ولا تجسسوا، ولا تحسسوا: تقدم الفرق بينهما؛ وقد نهى القرآن عن التجسس والمراد المنع عن تتبع عورات الناس؛ والبحث عن مثالبهم بأي طريق. فنكتفي منهم بالظاهر؛ ونكل إلى الله أمر الباطن. نعم لو تعين التجسس طريقا لدرء مفسدة كبيرة. أو جلب مصلحة عظيمة لم يكن محرما. كما إذا علمنا أن أشخاصا عزموا على ارتكاب جريمة قتل أو سرقة مثلا؛ فتجسسنا عليهم لنحول دون وقوع الجريمة أو لنقبض عليهم أو تجسسنا لمعرفة جناة ارتكبوا جريمة وفرّوا فإنه لا حرج في ذلك. ٤- ولا تحاسدوا: أي لا يحسد بعضكم بعضا ويتمنى زوال ما لديه من النعم إليه أو إلى غيره، مالية كانت أو غيرها. فإن هذا ينافي خلق المؤمنين الذين يحبون لغيرهم ما يحبون لأنفسهم، وقد نهى الله تعالى عن ذلك التمني بقوله: وَلا تَتَمَنَّوْا ما فَضَّلَ اللَّهُ بِهِ بَعْضَكُمْ عَلى بَعْضٍ «٢» ، وأمرنا بالتعوذ من شر الحاسد في قوله: قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَقِ. مِنْ شَرِّ ما خَلَقَ ... وَمِنْ شَرِّ حاسِدٍ إِذا حَسَدَ «٣» ، والحسد مذموم وإن لم يقرن بسعي في سلب النعمة عن الغير. نعم لو خطر للإنسان فجاهده، ولم يمكن له من نفسه يرجى له الصفح عنه إِنَّ الَّذِينَ اتَّقَوْا إِذا مَسَّهُمْ طائِفٌ مِنَ الشَّيْطانِ تَذَكَّرُوا فَإِذا هُمْ مُبْصِرُونَ «٤» . ٥- ولا تباغضوا: المراد بذلك تجنب أسباب البغض لأن البغض لا يكسب ابتداء، فكل ما يسبب الكراهة والعداوة محظور على الإنسان فعله. نعم البغض في الله محمود لأنه كراهة للشر أن يقع، ومحبة للعبد أن يقلع ويتطهر. وهذا إحساس شريف لا يفارق المؤمن.

стр. 133

٦- ولا تدابروا: بيّنا التدابر في اللغة، والمراد بالنهي ترك التقاطع والتهاجر. قال مالك في الموطأ: لا أحسب التدابر إلا الإعراض عن السلام يدبر عنه بوجهه، وهذا نوع منه. ٧- الأمر بالأخوة: أمرنا الرسول ﷺ بالأخوة في قوله: وكونوا عباد الله إخوانا كما أمركم الله، أي كونوا كإخوان النسب في الشفقة، والرحمة، والمواساة، والنصيحة كما أمر الله في قوله: إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ «١» ، فإنه وإن كان خبرا فإنه في معنى الأمر، والغرض من هذا أن يكون الشعور بين أفراد المسلمين كالشعور بين أفراد الأسرة الواحدة، يسعى كل فرد في مصلحة الآخر، ودفع الضرر عنه، فإن رابطة الإيمان فوق رابطة النسب؛ حتى أنه لا طاعة لمخلوق وإن كان أبا في معصية الخالق وَإِنْ جاهَداكَ عَلى أَنْ تُشْرِكَ بِي ما لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلا تُطِعْهُما وَصاحِبْهُما فِي الدُّنْيا مَعْرُوفاً «٢» . ٨- ما تقتضيه الأخوة: المسلم أخو المسلم، لا يظلمه ولا يخذله، ولا يحقره. بحسب امرىء من الشر أن يحقر أخاه المسلم. المراد بأخوة المسلم للمسلم توثق العلاقة بينهما توثقا يستدعي المحبة والمودة والرفق والشفقة، والملاطفة والمؤانسة. والتعاون في الخير، مع صفاء القلوب، وبذل النصيحة وهذه الأخوة تستدعي نفي الصفات التي بعدها. فلا ينتقص المسلم حقوق أخيه. ولا يخذله إذا دعاه لنصرته في حق. ولا يستصغره ويحتقره. فإن ذلك قاطع للأخوة، باعث للعداوة. ويكفي المسلم شرا ذلك الاحتقار الذي يقطع العلاقات، ويثير العداوات. ٩- حرمة المسلم: كل المسلم على المسلم حرام: دمه، وماله، وعرضه. كلمة جامعة في محافظة المسلم على حقوق أخيه، وعدم تعديه عليها بغير حق فلا يحل لمسلم أن يسفك لأخيه دما وَما كانَ لِمُؤْمِنٍ أَنْ يَقْتُلَ مُؤْمِناً إِلَّا خَطَأً «٣» ، ولا يستلب له مالا، سرقة أو انتهابا، أو غشا في المعاملة، ولا يطعن في أوصافه وأخلاقه، أو آبائه وأجداده، أو من يمتون إليه بسبب فهو يصون موضع الكرامة منه،

стр. 134

ويرعى جانب العزة فيه. ١٠- موضع نظر الرب في الحديث: إن الله لا ينظر إلى الصور والأجساد ولكن ينظر إلى القلوب والأعمال لأنها موضع التقوى. حقيقة ليست قيمة المرء في زيّه الحسن ولا في صورته الجميلة، ولا في جسمه الضخم. ولكن قيمته في أعمال طيبة. صادرة عن قلوب مخلصة، فمن صفا قلبه. وامتلأ بخشية الله وعظمته. ومحبة الخير للناس، وصدرت منه أعمال صالحة، تصلح بها نفسه، وأسرته وأمته، ويرفع بها دينه، فذلك الرجل يستحق نظر الله ورعايته، ورحمته ومثوبته؛ وإن كان رث «١» الثياب، نحيف القوام، تقتحمه الأبصار، فلنعلن بتطهير الباطن ولنسارع في الخيرات، وحذار أن تشغلنا العناية بالظاهر عن العناية بالباطن؛ فإن ذلك أخذ القشور وترك اللباب. ٥٦- باب: المجاهرة بالمعاصي والمجون عن أبي هريرة قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «كلّ أمّتي معافى إلّا المجاهرين، وإنّ من المجانة أن يعمل الرّجل باللّيل عملا ثمّ يصبح وقد ستره الله، فيقول: يا فلان عملت البارحة كذا وكذا، وقد بات يستره ربّه ويصبح يكشف ستر الله عنه» . [رواه البخاري ومسلم «٢» ] . اللغة: المعافاة: سلامتك من أذى الناس وسلامتهم منك. ويقال: عافى الله العبد وأعفاه سلّمه من البلايا والعلل، والمعافاة مفاعلة من العفو بأن تعفو ويعفى عنك، والعفو: التجاوز عن الذنب وترك العقاب عليه، وأصله: المحو والطمس «٣» . والمعافى: اسم المفعول من عافاه عفاء ومعافاة وعافية. والمجاهرة: الإعلان والإظهار. فهي بمعنى الجهر. يقال: جهر وأجهر وجاهر فالجهار والإجهار

стр. 135

والمجاهرة بمعنى واحد. والمجانة: الإستهتار وعدم المبالاة بما يقول أو يقال له. وبما يفعل. يقال: مجن يمجن مجونا ومجانة ومجنا. وفي رواية، المجاهرة بدل المجانة. وفي ثانية: الإجهار. وفي ثالثة: الجهار وفي رابعة: الإهجار. يقال: أهجر في منطقه يهجر إهجار إذا أفحش أو أكثر الكلام فيما لا ينبغي. والإسم الهجر، والبارحة: أقرب ليلة مضت من وقت القول. وهي من برح بمعنى زال. والستر: الستارة أي ما يستر به. الشرح: المعاصي حمى الله، محرم علينا غشيانها «١» ، بل أن نرتع «٢» حولها. لتسلم أجسام لنا وعقول، وأعراض ونفوس. والغشيان محظور ليلا ونهارا، سرا وجهارا وإن كان الأثر مختلفا، والعقاب متفاوتا. ذلك أن المستترين في عصيانهم؛ المختفين في فسقهم، عندهم بقية من الحياء، إن لم يكن من الله فإنه من الناس. فلا زال لديهم ضمير يؤنبهم، وواعظ نفسي ينصحهم، وإن كان مغلوبا على أمره، ومقهورا للشيطان، ولذلك استحوا من الإعلان، واختفوا عن الأنظار، وإن كان الله بما يعملون محيطا. هذا إلى أنهم بأسرارهم، لم يلفتوا غيرهم إلى جرمهم، ولم يحرضوا النفوس الغافلة بعملهم على الاقتداء بهم في فسقهم. وإلى ذلك أن العفو عنهم من مأمول إذا تابوا وأنابوا، وأصلحوا ما أفسدوا وَإِنِّي لَغَفَّارٌ لِمَنْ تابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ صالِحاً ثُمَّ اهْتَدى «٣» ، لأن الضرر لم ينتشر، والأثر لم يكثر، والذنب عنهم لم يعرف. أما المعلنون لفسقهم، المجاهرون بعصيانهم، المستهترون بدينهم؛ الذين يشربون الخمر على قارعة الطريق، ويرتادون الفاحشة جهارا ويتعاملون بالربا علنا، ويلعبون الميسر في النوادي. ويتجاهرون بترك الصلاة ومنع الزكاة. ويغشون «٤» المطاعم والمقاهي في رمضان على مرأى من الناس ومنظر؛ ويأخذون الرشا أمام العيون- أما أولئك فليسوا بمعافين، وليسوا من الأذى بسالمين، ولا من الشر آمنين، ولا من العفو نائلين. وكيف؛ وإعلانهم يدل على تمكن الشر من نفوسهم، وامتزاجه بلحومهم ودمائهم، وأنهم فقدوا خلق الحياء، ومات عندهم الوازع «٥» . فأولئك

стр. 136

يزيدهم الله ضلالا إلى ضلالهم، وفسقا إلى فسقهم؛ عقابا لهم على مجاهرتهم فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ فَزادَهُمُ اللَّهُ مَرَضاً «١» . فَلَمَّا زاغُوا أَزاغَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ وَاللَّهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفاسِقِينَ «٢» ، فالتوبة منهم غير مأمولة، والنصيحة لهم غير مقبولة، فكيف يرجى لهم من الله عفو، ويؤمل عنهم صفح. وسنته ونظامه أن عفوه للتائبين، وصفحه عن النّبيّين «٣» ، وأن التأثر بالنصائح لمن لم يمت فيهم الاستعداد بالاستهتار في العصيان. أما من فقدوا الاستعداد فقرع الآيات يزيدهم غيا إلى غيهم وَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ فَزادَتْهُمْ رِجْساً إِلَى رِجْسِهِمْ وَماتُوا وَهُمْ كافِرُونَ «٤» ، فكيف يكون هؤلاء من المعافين، وإلى ذلك أن مجاهرتهم بالمعصية دعوة عملية للإقتداء بهم في إجرامهم، وسلوك سبيلهم، فيجيبهم ضعفاء الإيمان، واهنوا «٥» الإرادة، فيحملون من وزرهم، ويكتب لهم من فسقهم «ومن دعا إلى ضلالة كان عليه وزرها، ووزر من عمل بها إلى يوم القيامة» «٦» ، فإن أمكنهم التخلص من آثامهم بالتوبة النصوح- إن كان لها في نفوسهم موضع- فكيف يتخلصون من أوزار من أضلوهم بغير علم؟ وقد بين الرسول ﷺ أن من المجاهرة والإعلان، أو من الفحش والإهجار، أو من المجون والاستهتار، وعدم المبالاة بالدّين، وبرقابة الخبير العليم؛ وبشعور المسلمين- أن يقترف المرء جرما بالليل، ويغشى فاحشة تحت سترة البهيم. حيث النفوس عنه غافلة، والأبصار إليه ناظرة؛ وإن كانت عين الله راعية، وأقلام الكتبة الكرام مقيدة. ثم يصبح؛ ولم يقف على جرمه إلا علام الغيوب، وستار الذنوب فيهتك الستر، ويبوح بالسر، ويعلن عن نفسه بالإجرام، وعن سيرته بالسوء. ويلطخ عرضه بدنس الآثام، ورجس الشيطان فيقول للناس إذا ما أصبح وجمعته المجالس

стр. 137

بالندماء «١» ، وأرباب اللهو والخلاعة: لقد فعلت الليلة الماضية كذا وكذا. فانتهكت عرضا، وشربت خمرا، ولعبت ميسرا. وكانت ليلة ساهرة وصيدة طيبة ... إلخ. فينزع ستر الله عنه، ويكشف للناس عن نفسه المجرمة، وفعلته المنكرة، ويذيع السوء عن شريكه أو شركته فيتأثر بروايته وقصته الذين في قلوبهم مرض، ويبغون ليلة كليلته، وسهرة كسهرته. هذا هو الأحمق السفيه؛ وهذا هو الماجن «٢» الأفين «٣» ؛ وهذا عدو نفسه؛ وهذا من شياطين الإنس؛ الذين يوحي بعضهم إلى بعض زخرف القول غرورا؛ ويقص باطلا وزورا. فهذا لا ريب من المجاهرين؛ فليس من المعافين أُولئِكَ الَّذِينَ أُبْسِلُوا- حرموا الثواب- بِما كَسَبُوا لَهُمْ شَرابٌ مِنْ حَمِيمٍ، وَعَذابٌ أَلِيمٌ بِما كانُوا يَكْفُرُونَ «٤» . فالتزم أخي سواء السبيل، وإياك والعصيان. وحذار حذار الإجهار والمجانة والإهتار. فإن زللت فاستر على نفسك؛ عسى الله أن يعفو عنك. إن تبت وأنبت، وعلى صراط الحق استقمت. وفي حديث ابن عمر: اجتنبوا هذه القاذورات التي نهى الله عنها؛ فمن ألم بشيء منها فليستتر بستر الله- أخرجه الحاكم «٥» ورواه مالك في الموطأ من مرسل زيد بن أسلم. والله يقينا وإياك الزلل ويهديناا إلى أحسن العمل. ٥٧- باب: التواضع والكبر عن حارثة بن وهب الخزاعي عن النّبيّ ﷺ قال: «ألا أخبركم بأهل الجنّة: كلّ ضعيف متضعّف» ، وفي رواية: «متضاعف» ، وفي أخرى: «مستضعف، لو أقسم على الله لأبرّه ألا أخبركم بأهل النّار: كلّ عتل جوّاظ

стр. 138

مستكبر» . [رواه الشيخان والترمذي والنسائي وابن ماجة «١» ] . اللغة: الضعف: خلاف القوة. ويكون في النفس. وفي البدن. وفي الحال والمتضعف والمستضعف: من يستضعفه الناس. ويتجبرون عليه في الدنيا لفقره ورثاثة حاله. أو لضعف جسمه وانحطاط قوته. والمتضعف والمتضاعف، المتواضع كأنه الذي يتكلف الضعف. والإقسام: الحلف. وبر الله: قسمه وأبره صدقه فيه والعتل: الغليظ الجافي خلقه. وكل شديد قوي تسميه العرب عتلا. مأخوذ من العتل وهو الأخذ بمجامع الشيء وجره بقهره. ومنه العتال لمن يحمل الأشياء الثقيلة. وفسر العتل: بالشديد الخصومة. وبالجافي عن الموعظة. وباللفظ الشديد. وبالفاحش الآثم. وبغير ذلك، وكل معانيه تدور على الغلظ والقوة. والجواظ: فسر بالجموع: المنوع: وباللفظ الغليظ وبالفاجر. وبالسمين: المختال في مشيته وبالقصير البطن. والمستكبر: الذي يرى نفسه أكبر من غيره بما ليس فيه. فهو مدّع متكلّف. الشرح: الرجال لا تقاس بالضخامة والمنة «٢» ، ولا بالشكل والقوة ولا بالزي والصورة، ولكن تقاس بالقلوب التي تحملها، والأعمال التي تصدرها، والأخلاق التي تلبسها. فمن حمل قلبا سليما وأصدر عملا نبيلا، وتخلق خلقا جميلا فذلك الرجل، يحمد الله صنيعه، ويجزل من الصواب نصيبه، وإن كان ضعيف البنية، واهن القوة، رث الحال، قليل المال، مشوه الصورة، أشعث أغبر، أسود أفحم، ذا طمرين «٣» باليين، وثوبين خلقين، تقتحمه العيون وتزدريه النفوس، ويستضعفه الأحمق الجهول، ويتجرأ عليه ذو البأس والسلطة، والجاه والقوة، ذلك هو الضعيف، المتضعف، والمسكين المستضعف ذلك هو الذّل المتواضع. والخنوع «٤» المتطامن. بل ذلك قوي النفس متين الخلق. صافي السريرة خالص العقيدة. لو أقسم على الله أن يهبه مالا أو علما. أو زوجا. أو ولدا. أو قوة. أو جاها لأبره في قسمه،

стр. 139

وصدقه في حلفه، وأجابه إلى رغبته، لعلو مكانته عند الله وقرب منزلته إليه وكرامته عليه وَنُرِيدُ أَنْ نَمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الْأَرْضِ وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً وَنَجْعَلَهُمُ الْوارِثِينَ «١» ، أُولئِكَ هُمُ الْوارِثُونَ. الَّذِينَ يَرِثُونَ الْفِرْدَوْسَ هُمْ فِيها خالِدُونَ «٢» ، أما من حمل قلبا لئيما، وأصدر ذميما، وتخلق رذيلا، فكان جافي الطبع، غليظ القلب، نفورا من الموعظة، لدودا «٣» في المخاصمة، فظا «٤» عنيدا، فاحشا أثيما، نهما شرها جواظا وقحا، جموعا منوعا، أكولا شروبا، مختالا سمينا، قصيرا بطينا، متكبرا على الخلق، معرضا عن الحق، إذا سمع آيات الله تتلى ولى مستكبر، كأن لم يسمعها، يستنكف أن يكون لله عبدا، وبوحدته مقرا، ولرسوله متبعا، ويتعالى بما لا يعليه، ويستكبر بما ليس فيه- من كان كذلك فهو إلى الله بغيض إِنَّهُ لا يُحِبُّ الْمُسْتَكْبِرِينَ «٥» مأواه الجحيم، ومسكنه السعير، وإن كان ضخما بدينا، وجبارا عنيدا إِنَّ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنا وَاسْتَكْبَرُوا عَنْها لا تُفَتَّحُ لَهُمْ أَبْوابُ السَّماءِ وَلا يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ حَتَّى يَلِجَ الْجَمَلُ فِي سَمِّ الْخِياطِ- ثقب الإبرة- وَكَذلِكَ نَجْزِي الْمُجْرِمِينَ. لَهُمْ مِنْ جَهَنَّمَ مِهادٌ. وَمِنْ فَوْقِهِمْ غَواشٍ وَكَذلِكَ نَجْزِي الظَّالِمِينَ «٦» . فلا تغتر أخي بقوتك. وتسخّرها في التجبر على الضعفاء الذين يحملون نفوسا عظيمة. وقلوبا رحيمة. فإنهم عباد الله المقربون. وجنده المخلصون لا يرد عليهم دعاء، ولا يخيب لهم رجاء إِنَّ اللَّهَ مَعَ الَّذِينَ اتَّقَوْا وَالَّذِينَ هُمْ مُحْسِنُونَ «٧» . ٥٨- باب: حرمة الخصام والهجر عن أبي أيوب الأنصاري أن رسول الله ﷺ قال: «لا يحلّ لرجل أن يجهر أخاه فوق ثلاث ليال، يلتقيان. فيعرض هذا، ويعرض هذا؛ وخيرهما

стр. 140

الذي يبدأ بالسّلام» ، [رواه البخاري ومسلم «١» ] . اللغة: الهجر: ضد الوصل، فالمراد به الترك قولا أو فعلا. وفسرها هنا بترك الشخص مكالمة الآخر إذا تلاقيا. الشرح: المؤمن لأخيه المؤمن ودود متودد، آلف متألف، محب متحبب لا يعرف الهجر والعداء، والنفور والخصام، لأن ذلك يضعف المنة، ويوجب الفرقة، ويمزق الوحدة، من أجل هذا حرّم الرسول ﷺ على الإنسان أن يهجر أخاه فوق ثلاث ليال، معها أيامها، يلقى أحدهما الآخر، فينأى عنه بجانبه، ويلوي الآخر عنقه. لا ينبسان «٢» بكلام، ولا يتبادلان السلام، وقد دل الحديث بمفهومه على حل الهجر ثلاثا، رفقا بالناس، ورحمة بهم، ذلك أن الهجر أثر غضب ونفور، وللغضب ثورة وسلطان وحدّة، يصعب التغلب عليها أول الأمر، فرخص للشخص في ثلاث، حتى تهدأ نار الغضب أو تخمد، ويضعف أثره أو يذهب. أما ما زاد عليها فحرام ما لم يكن في الهجر مصلحة راجحة، فإذا خاف على دينه الفساد أو خشي الضرر على نفسه أو دنياه من المكالمة جاز له الهجر، ورب هجر جميل خير من مخالطة مؤذية، ولذلك أمرنا الله به في تأديب الزوجات في قوله: وَاللَّاتِي تَخافُونَ نُشُوزَهُنَّ فَعِظُوهُنَّ. وَاهْجُرُوهُنَّ فِي الْمَضاجِعِ وَاضْرِبُوهُنَّ فَإِنْ أَطَعْنَكُمْ فَلا تَبْغُوا عَلَيْهِنَّ سَبِيلًا «٣» ، وأمر رسوله ﷺ بالصبر والهجر الجميل في قوله: وَاصْبِرْ عَلى ما يَقُولُونَ. وَاهْجُرْهُمْ هَجْراً جَمِيلًا «٤» ، وهجر ﷺ كعب بن مالك وصاحبيه خمسين يوما لما تخلفوا عن غزوة تبوك بغير عذر، وأمر أصحابه بهجرانهم، حتى ضاقت عليهم الأرض بما رحبت وضاقت عليهم أنفسهم، وظنوا ألاملجأ من الله إلا إليه، وهجر ﷺ نساءه شهرا، وتهاجر جماعة من الصحابة، ومدار البحث أنه إذا كان في الهجر مصلحة تفوق ضرره جاز، وإن زاد على ثلاث.

стр. 141

وقد أفاد الحديث أن إثم الهجر يزول بتبادل التحية، وأن خير المتهاجرين من يبدأ بالسلام، فله ثواب السبق، وكبح «١» جماح «٢» النفس، فإن لم يرد عليه الآخر باء بالإثم. وقال الإمام أحمد: لا يزول الهجر بمجرد التحية بل لا بد من رجوع الحال إلى ما كانت عليه قبل الخصام. وفي هذا الباب قصة لعائشة «مع ابن أختها عبد الله بن الزبير استشكلها العلماء فنذكرها لما فيها من الأدب الجم، ونعقبها بالجواب عنها. روى البخاري عن عائشة: أن عبد الله بن الزبير قال في بيع أو عطاء أعطته عائشة: والله لتنتهين عائشة، أو لأحجرن عليها، فقالت: أهو قال هذا؟ قالوا نعم، قالت: هو لله عليّ نذر ألا أكلم ابن الزبير أبدا. فاستشفع ابن الزبير إليها حين طالت الهجرة فقالت: لا. والله لا أشفع فيه أبدا. ولا أحنث في نذري. فلما طال ذاك على ابن الزبير كلم المسور بن مخرمة، وعبد الرحمن بن الأسود بن عبد يغوث، وهما من بني زهرة، وقال لهما: أنشدكما بالله لما أدخلتماني على عائشة فإنها لا يحل لها أن تنذر قطيعتي- هي خالته ومربيته- فأقبل به المسور وعبد الرحمن وهما مشتملين بأرديتها، حتى استأذنا على عائشة. فقالا: السلام عليك ورحمة الله وبركاته. أندخل؟ قالت عائشة: ادخلوا، قالوا: كلنا؟ قالت: نعم ادخلوا كلكم، ولا تعلم أن معهما ابن الزبير فلما دخلوا دخل ابن الزبير الحجاب، فاعتنق عائشة، وطفق يناشدها ويبكي وطفق المسور وعبد الرحمن يناشدانها، إلا ما كلمته، وقبلت منه. ويقولان إن النبي ﷺ نهى عما قد علمت من الهجر. وإنه لا يحل لمسلم أن يهجر أخاه فوق ثلاث ليال، فلما أكثروا على عائشة من التذكرة والتذكير بفضل صلة الرحم العفو وكظم الغيظ- والتحريج: التضييق- طفقت تذكرهما. وتبكي. وتقول: إني نذرت، والنذر شديد، فلم يزالا بها حتى كلمات ابن الزبير وأعتقت في نذرها ذلك أربعين رقبة، كانت تذكر نذرها بعد ذلك. فتبكي حتى تبل دموعها خمارها» «٣» .

стр. 142

والاستشكال للقصة من جهتين: الأولى: أن نذرها من قبيل نذر المعصية وهو لا ينعقد. والثانية: أنه ما كان ينبغي لأم المؤمنين أن تهجر الهجر المحرم والجواب عن ذلك أن عائشة رأت أن ابن الزبير ارتكب بما قال أمرا عظيما وهو قوله: لأحجرن «١» عليها. فإن فيه انتقاصا لقدرها، ونسبة لها إلى ارتكاب ما لا يجوز من التبذير الموجب لمنعها من التصرف فيما رزقها الله تعالى، مع ما انضاف إلى ذلك من كونها أم المؤمنين، وخالته أخت أمه، ولم يكن أحد عندها في منزلته. فكأنها رأت أن في ذلك الذي وقع منه نوع عقوق، والشخص يستعظم ممن يلوذ به ما لا يستعظمه من الغريب، فرأت أن مجازاته على ذلك بترك مكالمته، كما نهي ﷺ عن كلام كعب بن مالك وصاحبيه، عقوبة لهم لتخلفهم عن غزوة تبوك بغير عذر، ولم يمنع من كلام من تخلف عنها من المنافقين مؤاخذة للثلاثة لعظيم منزلتهم وازدراء «٢» بالمنافقين لحقارتهم. فعلى هذا يحمل ما صدر من عائشة، وأنها رأت الهجر من النوع المأذون فيه، فنذرته، وكفّرت عنه لما لم تف به بمكالمتها ابن الزبير. وانظر هذا الأدب العالي من الصحابة مع أم المؤمنين وكيف كان حرصهم على مرضاتها، وانظر حرصها على الوفاء بنذرها، وكيف بكت لما فاتها وكيف سخت نفسها بأربعين رقبة حررتها كفارة عن نذرها، ثم ما برحت تبكي بعد ذلك بكاء شديدا على نذرها؛ أن لم تف به! هكذا يكون الحرص على شرائع الدّين واحترام أمهات المؤمنين. ٥٩- باب: الصدق والكذب وأثرهما عن عبد الله بن مسعود عن النّبيّ ﷺ قال: «عليكم بالصّدق، فإنّ الصّدق يهدي إلى البرّ، وإنّ البرّ يهدي إلى الجنّة، وما يزال الرّجل يصدق، ويتحرّى الصّدق حتّى يكتب عند الله صدّيقا، وإيّاكم والكذب، فإنّ الكذب

стр. 143

يهدي إلى الفجور، وإنّ الفجور يهدي إلى النّار، وما يزال الرّجل يكذب، ويتحرّى الكذب حتّى يكتب عند الله كذّابا» . [رواه البخاري ومسلم وأبو داود والترمذي «١» ] . اللغة: قال الراغب في كتابه (مفردات القرآن) : أصل الصدق والكذب في القول، ماضيا كان أو مستقبلا، وعدا كان أو غيره، ولا يكونان بالقصد الأول إلا في الخبر، وقد يكونان في غيره كالإستفهام والطلب، والصدق: مطابقة القول الضمير والمخبر عنه. فإن انخرم «٢» شرط لم يكن صدقا. بل إما أن يكون كذبا، أو مترددا بينهما على اعتبارين، كقول المنافق: محمد رسول الله فإنه يصح أن يقال. صدق لكون المخبر عنه كذلك. ويصح أن يقال: كذب لمخالفة قوله لضميره. والصديق: من كثر منه الصدق. وقد يستعمل الصدق والكذب في كل ما يحق في الاعتقاد ويحصل نحو: صدق ظني. وفي الفعل نحو صدق في القتال. ومنه: قَدْ صَدَّقْتَ الرُّؤْيا «٣» ، هذا ما قال الراغب. وقال الجمهور: الصدق: ما طابق الواقع. والكذب: ما خالفه وقال آخرون: الصدق ما طابق الاعتقاد والكذب ما خالفه. والهداية: الدلالة الموصلة إلى المطلوب. والبر: التوسع في فعل الخير، وهو اسم جامع للخيرات كلها. ويطلق على العمل الخالص الدائم. والجنة في الأصل: المرة من جنه يجنه إذا ستره، وتطلق على الحديقة ذات النخل والشجر لأنها تجن ما تحتها، وتستره بظلها، وتحري الشيء: تعمده وقصده. والفجور: شق ستر الدّيانة ويطلق على الميل إلى الفساد. وعلى الإنبعاث في المعاصي وهو اسم جامع للشر. وأصل الفجر الشق الواسع. الشرح: الصدق فضيلة الفضائل. وأنس الخلائق يقوم عليه نظام الاجتماع

стр. 144

وترتيب الأمور، وسيرها السير الحميد، وإنه ليعلي صاحبه عند الناس جميعا فيجعله موضع ثقتهم، مرغوب الحديث عندهم، محبوبا إليهم، محترم الكلمة عند حكامهم، مقبول الشهادة عند قضاتهم، لهذا أمرنا به الرسول ﷺ كما أمرنا القرآن في قوله: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ «١» ، وأشاد بمكانته في حديثه عن إبراهيم وإسحاق ويعقوب إذ يقول: وَوَهَبْنا لَهُمْ مِنْ رَحْمَتِنا وَجَعَلْنا لَهُمْ لِسانَ صِدْقٍ عَلِيًّا «٢» ، ومدح به إسماعيل في قوله: وَاذْكُرْ فِي الْكِتابِ إِسْماعِيلَ إِنَّهُ كانَ صادِقَ الْوَعْدِ وَكانَ رَسُولًا نَبِيًّا «٣» ، وإدريس في قوله: وَاذْكُرْ فِي الْكِتابِ إِدْرِيسَ إِنَّهُ كانَ صِدِّيقاً نَبِيًّا. وَرَفَعْناهُ مَكاناً عَلِيًّا «٤» . والصدق يكون في القول وفي العقيدة، وفي العمل. فالصدق في القول أن يكون مطابقا لضميره، أو وفق الحقيقة، أو وفقهما معا، وهذا يدعوك إلى التثبت في الحديث، والتحري قبله. وألا تقول بغير علم فإذا حدّثت عن الماضي فقل الحق. وإذا حدّثت بما نويته فاجعل حديثك طبق نيتك. وإذا وعدت فاجعل نية الوفاء قرينة العزم. ولا تستفهم عن أمر وأنت به عليم لتغرر بالسامعين لحاجة في نفسك ولا تطلب من خادمك طلبا وقد أشرت إليه بعدم الإجابة؛ أو نبهته إلى ذلك من قبل. والصدق في العقيدة أن تكون طبق الأصل في الوجود. ففي الوجود إله واحد فعّال؛ يحكم ما يريد؛ ويبدىء ويعيد؛ فلا تعتقد له في ذلك ندا «٥» وشريكا وفي الوجود محمد رسول الله ﷺ ، فاعتقد رسالته، وفي الوجود ظلم أمة أو عدالتها فاعتقد ما شهد به الوجود؛ وهكذا. والصدق في العقيدة يستدعي أولا بحثها؛ وطلب الدليل عليها من الحسيات أو العقليات، ونفي الشبهات عنها. والصدق في الفعل أن يكون مظهره في الخارج طبق صورته في النفس، فيكون خالصا لله؛ تبغي به المصلحة؛ لا يشوبه نفاق ولا رياء، ولا تريد الوصول به إلى غرض دنيء، كالذي يزور عظيما؛ مظهرا تودّده إليه، ومحبته له، وهو يريد من وراء ذلك منفعة شخصية. وكالذي يجاهد مداراة ومجاراة؛ أو طمعا في مركز أو جاه. فكل ما تقدم يشمله عنوان

стр. 145

الصدق، وقد بين الرسول ﷺ أنه يهدي إلى البر، ويرشد إلى التوسع في الخير، ذلك أنه منبت الفضائل، وجذع شجرتها، ومتفرع غصونها. وهل الإيمان بالله. والتصديق برسله ووحيه. إلا شعبة من الصدق؛ فالصادق موفق للخيرات، مقيم للمبرات «١» ، والبر طريق الجنة، بل مفتاحها الذي لا تفتح بغيره: إِنَّ الْأَبْرارَ لَفِي نَعِيمٍ. عَلَى الْأَرائِكِ- الأسرة- يَنْظُرُونَ. تَعْرِفُ فِي وُجُوهِهِمْ نَضْرَةَ النَّعِيمِ- بهجه ورونقه- يُسْقَوْنَ مِنْ رَحِيقٍ- شراب خالص- مَخْتُومٍ. خِتامُهُ مِسْكٌ وَفِي ذلِكَ فَلْيَتَنافَسِ الْمُتَنافِسُونَ «٢» . وقد بين لنا الرسول ﷺ في الحديث مسألة من أهم مسائل الأخلاق وهي طريقة تربية الخلق وتكوينه. وتقويته في النفس وتثبيته. وجعله في صف الطبائع. ذلك أن يتحرى الإنسان القول الجميل. أو الصنع المجيد، ويعمله المرة بعد المرة، والرابعة تلو الثالثة، والسادسة بعد الخامسة، حتى يؤثر في نفسه أثرا، ويتخذ منها مجرى، يزداد تعمقا كلما تابع العمل. فإذا بذلك الأثر الخلق والفضيلة، التي تصدر عنها الأعمال الطيبة بسهولة، فمن رغب أن يكون الصدق شيمته «٣» وخلقه، وديدنه وطبعه، فليتحر الصدق في أقواله وأعماله. وليتابع ذلك، فإذا بالصدق خلقه، وإذا به الصدّيق. ومن رغب أن يكون الشجاع المقدام، والبطل المغوار «٤» ، فليخض غمار «٥» الشدائد كلما دعته، وليناضل الخطوب «٦» كلما داهمته، فإذا بالشجاعة خلقه. ومن أراد نفسه على الكرم فليبذل من ماله كلما أهاب به داعي الإحسان فإذا به الجواد الكريم. ومعنى كتابة الله من تحري الصدق وتعوده صديقا ضبط ذلك في سجله وحسابه في زمرة الصديقين. وإعلان ذلك في الملأ الأعلى. فرحا به. ورفعا لذكره والوحي إلى قلوب العباد بذلك ليحترموه ويجلوه. ويوقّروه ويكبروه.
следующие страницы →