← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 9763

الأدب النبوي

محمد عبد العزيز الخولي

Полный текст (300 стр.). Показаны 141–180 · переход к 146.

стр. 141

وقد أفاد الحديث أن إثم الهجر يزول بتبادل التحية، وأن خير المتهاجرين من يبدأ بالسلام، فله ثواب السبق، وكبح «١» جماح «٢» النفس، فإن لم يرد عليه الآخر باء بالإثم. وقال الإمام أحمد: لا يزول الهجر بمجرد التحية بل لا بد من رجوع الحال إلى ما كانت عليه قبل الخصام. وفي هذا الباب قصة لعائشة «مع ابن أختها عبد الله بن الزبير استشكلها العلماء فنذكرها لما فيها من الأدب الجم، ونعقبها بالجواب عنها. روى البخاري عن عائشة: أن عبد الله بن الزبير قال في بيع أو عطاء أعطته عائشة: والله لتنتهين عائشة، أو لأحجرن عليها، فقالت: أهو قال هذا؟ قالوا نعم، قالت: هو لله عليّ نذر ألا أكلم ابن الزبير أبدا. فاستشفع ابن الزبير إليها حين طالت الهجرة فقالت: لا. والله لا أشفع فيه أبدا. ولا أحنث في نذري. فلما طال ذاك على ابن الزبير كلم المسور بن مخرمة، وعبد الرحمن بن الأسود بن عبد يغوث، وهما من بني زهرة، وقال لهما: أنشدكما بالله لما أدخلتماني على عائشة فإنها لا يحل لها أن تنذر قطيعتي- هي خالته ومربيته- فأقبل به المسور وعبد الرحمن وهما مشتملين بأرديتها، حتى استأذنا على عائشة. فقالا: السلام عليك ورحمة الله وبركاته. أندخل؟ قالت عائشة: ادخلوا، قالوا: كلنا؟ قالت: نعم ادخلوا كلكم، ولا تعلم أن معهما ابن الزبير فلما دخلوا دخل ابن الزبير الحجاب، فاعتنق عائشة، وطفق يناشدها ويبكي وطفق المسور وعبد الرحمن يناشدانها، إلا ما كلمته، وقبلت منه. ويقولان إن النبي ﷺ نهى عما قد علمت من الهجر. وإنه لا يحل لمسلم أن يهجر أخاه فوق ثلاث ليال، فلما أكثروا على عائشة من التذكرة والتذكير بفضل صلة الرحم العفو وكظم الغيظ- والتحريج: التضييق- طفقت تذكرهما. وتبكي. وتقول: إني نذرت، والنذر شديد، فلم يزالا بها حتى كلمات ابن الزبير وأعتقت في نذرها ذلك أربعين رقبة، كانت تذكر نذرها بعد ذلك. فتبكي حتى تبل دموعها خمارها» «٣» .

стр. 142

والاستشكال للقصة من جهتين: الأولى: أن نذرها من قبيل نذر المعصية وهو لا ينعقد. والثانية: أنه ما كان ينبغي لأم المؤمنين أن تهجر الهجر المحرم والجواب عن ذلك أن عائشة رأت أن ابن الزبير ارتكب بما قال أمرا عظيما وهو قوله: لأحجرن «١» عليها. فإن فيه انتقاصا لقدرها، ونسبة لها إلى ارتكاب ما لا يجوز من التبذير الموجب لمنعها من التصرف فيما رزقها الله تعالى، مع ما انضاف إلى ذلك من كونها أم المؤمنين، وخالته أخت أمه، ولم يكن أحد عندها في منزلته. فكأنها رأت أن في ذلك الذي وقع منه نوع عقوق، والشخص يستعظم ممن يلوذ به ما لا يستعظمه من الغريب، فرأت أن مجازاته على ذلك بترك مكالمته، كما نهي ﷺ عن كلام كعب بن مالك وصاحبيه، عقوبة لهم لتخلفهم عن غزوة تبوك بغير عذر، ولم يمنع من كلام من تخلف عنها من المنافقين مؤاخذة للثلاثة لعظيم منزلتهم وازدراء «٢» بالمنافقين لحقارتهم. فعلى هذا يحمل ما صدر من عائشة، وأنها رأت الهجر من النوع المأذون فيه، فنذرته، وكفّرت عنه لما لم تف به بمكالمتها ابن الزبير. وانظر هذا الأدب العالي من الصحابة مع أم المؤمنين وكيف كان حرصهم على مرضاتها، وانظر حرصها على الوفاء بنذرها، وكيف بكت لما فاتها وكيف سخت نفسها بأربعين رقبة حررتها كفارة عن نذرها، ثم ما برحت تبكي بعد ذلك بكاء شديدا على نذرها؛ أن لم تف به! هكذا يكون الحرص على شرائع الدّين واحترام أمهات المؤمنين. ٥٩- باب: الصدق والكذب وأثرهما عن عبد الله بن مسعود عن النّبيّ ﷺ قال: «عليكم بالصّدق، فإنّ الصّدق يهدي إلى البرّ، وإنّ البرّ يهدي إلى الجنّة، وما يزال الرّجل يصدق، ويتحرّى الصّدق حتّى يكتب عند الله صدّيقا، وإيّاكم والكذب، فإنّ الكذب

стр. 143

يهدي إلى الفجور، وإنّ الفجور يهدي إلى النّار، وما يزال الرّجل يكذب، ويتحرّى الكذب حتّى يكتب عند الله كذّابا» . [رواه البخاري ومسلم وأبو داود والترمذي «١» ] . اللغة: قال الراغب في كتابه (مفردات القرآن) : أصل الصدق والكذب في القول، ماضيا كان أو مستقبلا، وعدا كان أو غيره، ولا يكونان بالقصد الأول إلا في الخبر، وقد يكونان في غيره كالإستفهام والطلب، والصدق: مطابقة القول الضمير والمخبر عنه. فإن انخرم «٢» شرط لم يكن صدقا. بل إما أن يكون كذبا، أو مترددا بينهما على اعتبارين، كقول المنافق: محمد رسول الله فإنه يصح أن يقال. صدق لكون المخبر عنه كذلك. ويصح أن يقال: كذب لمخالفة قوله لضميره. والصديق: من كثر منه الصدق. وقد يستعمل الصدق والكذب في كل ما يحق في الاعتقاد ويحصل نحو: صدق ظني. وفي الفعل نحو صدق في القتال. ومنه: قَدْ صَدَّقْتَ الرُّؤْيا «٣» ، هذا ما قال الراغب. وقال الجمهور: الصدق: ما طابق الواقع. والكذب: ما خالفه وقال آخرون: الصدق ما طابق الاعتقاد والكذب ما خالفه. والهداية: الدلالة الموصلة إلى المطلوب. والبر: التوسع في فعل الخير، وهو اسم جامع للخيرات كلها. ويطلق على العمل الخالص الدائم. والجنة في الأصل: المرة من جنه يجنه إذا ستره، وتطلق على الحديقة ذات النخل والشجر لأنها تجن ما تحتها، وتستره بظلها، وتحري الشيء: تعمده وقصده. والفجور: شق ستر الدّيانة ويطلق على الميل إلى الفساد. وعلى الإنبعاث في المعاصي وهو اسم جامع للشر. وأصل الفجر الشق الواسع. الشرح: الصدق فضيلة الفضائل. وأنس الخلائق يقوم عليه نظام الاجتماع

стр. 144

وترتيب الأمور، وسيرها السير الحميد، وإنه ليعلي صاحبه عند الناس جميعا فيجعله موضع ثقتهم، مرغوب الحديث عندهم، محبوبا إليهم، محترم الكلمة عند حكامهم، مقبول الشهادة عند قضاتهم، لهذا أمرنا به الرسول ﷺ كما أمرنا القرآن في قوله: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ «١» ، وأشاد بمكانته في حديثه عن إبراهيم وإسحاق ويعقوب إذ يقول: وَوَهَبْنا لَهُمْ مِنْ رَحْمَتِنا وَجَعَلْنا لَهُمْ لِسانَ صِدْقٍ عَلِيًّا «٢» ، ومدح به إسماعيل في قوله: وَاذْكُرْ فِي الْكِتابِ إِسْماعِيلَ إِنَّهُ كانَ صادِقَ الْوَعْدِ وَكانَ رَسُولًا نَبِيًّا «٣» ، وإدريس في قوله: وَاذْكُرْ فِي الْكِتابِ إِدْرِيسَ إِنَّهُ كانَ صِدِّيقاً نَبِيًّا. وَرَفَعْناهُ مَكاناً عَلِيًّا «٤» . والصدق يكون في القول وفي العقيدة، وفي العمل. فالصدق في القول أن يكون مطابقا لضميره، أو وفق الحقيقة، أو وفقهما معا، وهذا يدعوك إلى التثبت في الحديث، والتحري قبله. وألا تقول بغير علم فإذا حدّثت عن الماضي فقل الحق. وإذا حدّثت بما نويته فاجعل حديثك طبق نيتك. وإذا وعدت فاجعل نية الوفاء قرينة العزم. ولا تستفهم عن أمر وأنت به عليم لتغرر بالسامعين لحاجة في نفسك ولا تطلب من خادمك طلبا وقد أشرت إليه بعدم الإجابة؛ أو نبهته إلى ذلك من قبل. والصدق في العقيدة أن تكون طبق الأصل في الوجود. ففي الوجود إله واحد فعّال؛ يحكم ما يريد؛ ويبدىء ويعيد؛ فلا تعتقد له في ذلك ندا «٥» وشريكا وفي الوجود محمد رسول الله ﷺ ، فاعتقد رسالته، وفي الوجود ظلم أمة أو عدالتها فاعتقد ما شهد به الوجود؛ وهكذا. والصدق في العقيدة يستدعي أولا بحثها؛ وطلب الدليل عليها من الحسيات أو العقليات، ونفي الشبهات عنها. والصدق في الفعل أن يكون مظهره في الخارج طبق صورته في النفس، فيكون خالصا لله؛ تبغي به المصلحة؛ لا يشوبه نفاق ولا رياء، ولا تريد الوصول به إلى غرض دنيء، كالذي يزور عظيما؛ مظهرا تودّده إليه، ومحبته له، وهو يريد من وراء ذلك منفعة شخصية. وكالذي يجاهد مداراة ومجاراة؛ أو طمعا في مركز أو جاه. فكل ما تقدم يشمله عنوان

стр. 145

الصدق، وقد بين الرسول ﷺ أنه يهدي إلى البر، ويرشد إلى التوسع في الخير، ذلك أنه منبت الفضائل، وجذع شجرتها، ومتفرع غصونها. وهل الإيمان بالله. والتصديق برسله ووحيه. إلا شعبة من الصدق؛ فالصادق موفق للخيرات، مقيم للمبرات «١» ، والبر طريق الجنة، بل مفتاحها الذي لا تفتح بغيره: إِنَّ الْأَبْرارَ لَفِي نَعِيمٍ. عَلَى الْأَرائِكِ- الأسرة- يَنْظُرُونَ. تَعْرِفُ فِي وُجُوهِهِمْ نَضْرَةَ النَّعِيمِ- بهجه ورونقه- يُسْقَوْنَ مِنْ رَحِيقٍ- شراب خالص- مَخْتُومٍ. خِتامُهُ مِسْكٌ وَفِي ذلِكَ فَلْيَتَنافَسِ الْمُتَنافِسُونَ «٢» . وقد بين لنا الرسول ﷺ في الحديث مسألة من أهم مسائل الأخلاق وهي طريقة تربية الخلق وتكوينه. وتقويته في النفس وتثبيته. وجعله في صف الطبائع. ذلك أن يتحرى الإنسان القول الجميل. أو الصنع المجيد، ويعمله المرة بعد المرة، والرابعة تلو الثالثة، والسادسة بعد الخامسة، حتى يؤثر في نفسه أثرا، ويتخذ منها مجرى، يزداد تعمقا كلما تابع العمل. فإذا بذلك الأثر الخلق والفضيلة، التي تصدر عنها الأعمال الطيبة بسهولة، فمن رغب أن يكون الصدق شيمته «٣» وخلقه، وديدنه وطبعه، فليتحر الصدق في أقواله وأعماله. وليتابع ذلك، فإذا بالصدق خلقه، وإذا به الصدّيق. ومن رغب أن يكون الشجاع المقدام، والبطل المغوار «٤» ، فليخض غمار «٥» الشدائد كلما دعته، وليناضل الخطوب «٦» كلما داهمته، فإذا بالشجاعة خلقه. ومن أراد نفسه على الكرم فليبذل من ماله كلما أهاب به داعي الإحسان فإذا به الجواد الكريم. ومعنى كتابة الله من تحري الصدق وتعوده صديقا ضبط ذلك في سجله وحسابه في زمرة الصديقين. وإعلان ذلك في الملأ الأعلى. فرحا به. ورفعا لذكره والوحي إلى قلوب العباد بذلك ليحترموه ويجلوه. ويوقّروه ويكبروه.

стр. 146

وكما أن الصدق أسّ الفضائل فإن الكذب أسّ الرذائل، به يتصدع «١» بنيان المجتمع، ويختل سير الأمور، ويسقط خدنه «٢» من العيون، لا يصدقونه في قول ولا يثقون به في عمل. ولا يحبون له مجلسا. أحاديثه منبوذة، وشهادته مردودة لذلك نهى عنه الرسول ﷺ . وفي القرآن كثير من الآيات. المقبّحة للكذب، المنفّرة منه: المتوعدة عليه بالعذاب الشديد وَلا تَقُولُوا لِما تَصِفُ أَلْسِنَتُكُمُ الْكَذِبَ هذا حَلالٌ وَهذا حَرامٌ لِتَفْتَرُوا عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ إِنَّ الَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ لا يُفْلِحُونَ. مَتاعٌ قَلِيلٌ وَلَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ «٣» . إِنَّما يَفْتَرِي الْكَذِبَ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِآياتِ اللَّهِ وَأُولئِكَ هُمُ الْكاذِبُونَ «٤» ، والكذب إنما يجري مجرى الصدق. فيكون في القول، والعقيدة، والعمل فقول ما لا يطابق الضمير أو الواقع أو هما معا، أو لا يوافق النية كذب. وإعتقاد ما لا يساير الوجود كذب، والرياء في الأعمال وإلباسها لباسا غير لباسها النفسي كذب. وقد بين الرسول ﷺ أن الكذب يهدي إلى الفجور، ويبعث إلى الشر. ويهتك ستر الديانة، فإذا بصاحبه مرتطم «٥» في المعاصي: متهالك عليها «٦» ، وهل الشرك واتخاذ الند الذي هو أكبر جريمة إلا كذب، وهل النفاق الذي هو شر من الكفر الصريح إلا كذب، وكذلك الغش في المعاملة، ونية الإخلاف في المواعيد والمراآة في الأعمال كلها من ضروب الكذب، وبين ﷺ أن الفجور يهدي إلى النار، ويرمي بصاحبه إلى الدرك الأسفل وَإِنَّ الْفُجَّارَ لَفِي جَحِيمٍ. يَصْلَوْنَها يَوْمَ الدِّينِ «٧» ، وكما أن الأعمال الحميدة. بتحريها وتعودها تتكون الأخلاق العالية، التي هي مصدر الخيرات، كذلك الأعمال السيئة إذا تحراها الإنسان وتعودها. وضري بها كونت في نفسه الأخلاق السيئة. التي هي مصدر الشرور والآثام. فمن سمح لنفسه بكذبة مرة. وأتبعها بأخرى. وعززها بثالثة. فرابعة. وهكذا أصبح الكذب خلقا له، وصار الكذاب المهين. فلتجنبها نفسك وإلا تصبح خلقك أو طبعك، دع المحارم، وإن

стр. 147

وقعت في شيء منها فبادر إلى التوبة، وحذار العودة والتكرار، فتكون من الهالكين، وكتابة الله- متعود الكذب كذابا تدوين ذلك في صحيفته السوداء، وحسبانه من حزب الكاذبين المنافقين، والتشهير به في الملأ الأعلى، وإلهام النفوس أن تمجه وتحتقره، وتزدريه «١» وتمقته «٢» ، فإذا به بين الناس الطريد المهين، الكريه البغيض. فالتزم أخي نهج الصدق لتكون الصديق ذا المكانة العالية بين الناس، والدرجة الرفيعة عند الله، ولا تغش الكذب حتى لا تكون الفاجر الأثيم، والكذاب المهين واجعل صحيفتك بيضاء نقية، ومكانتك في المقربين عليّة. ٦٠- باب: ضبط النفس عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «ليس الشّديد بالصّرعة، إنّما الشّديد الّذي يملك نفسه عند الغضب» . [رواه البخاري ومسلم وأبو داود «٣» ] . اللغة: الصرعة: المبالغ في الصراع الذي لا يغلب، فهو صيغة مبالغة من الصرع؛ وهو الطرح على الأرض. الشرح: بين الرسول ﷺ في الحديث أن الشديد ليس الذي يصرع الناس ولا يصرعونه، ويطرحهم على الأرض ولا يطرحونه، وإنما الشديد حقا الذي يملك نفسه عند ثوران الغضب، فيقهرها بحلمه، ويصرعها بثباته، ولا يمكنها من أن تسترسل مع تيار الغضب، فتشتم وتسب، وتضرب وتقتل، وتخرج عن سنن الاعتدال في أقوالها وأفعالها، تلبية لداعي الانتقام ممن أثار حفيظتها، وإنما كان الشديد بحق من ملك نفسه عند الغضب لأن النفس الأمارة بالسوء شر خصوم الإنسان، وأعدى أعدائه لأنها

стр. 148

تدفع به إلى المعاطب «١» . فإذا ملك زمامها ولم تملكه: قهر أقوى خصومه. فكان أشد بأسا من الصرعة. واعلم أن الغضب غريزة في الإنسان كامنة يثيرها اعتداء على حق. أو انتهاك لحرمة. وهو إذا ثار احمر منه الوجه والعينان، وانتفخت الأوداج «٢» لثوران الدم، والمرء إذا جاراه، فاندفع في الانتقام أراده. فالواجب مجاهدة النفس في هذه الحال. ومنعها مما أرادت فإن ظفر بها فذلك الجندي الباسل الذي صرع أشد أعدائه بأسا. وضبط النفس هو الفضيلة التي علا بها العظماء. ومكن بها لمجدهم القادة والزعماء. وهي أس الإحسان في الفكرة، ووزن الأقوال بميزان الحكمة. وصدور الأعمال وفق المصلحة، وهي تجعل صاحبها الثبت الرزين «٣» . القرم «٤» الرصين «٥» ذا النفس المطمئنة. والأخلاق الهادئة. وإنها لتحمي الإنسان من الطيش والنزق والهلع «٦» والفرق. وتدعو إلى احترامه وإجلاله. وتوقيره وإكباره فاملك زمام نفسك عند الغضب تكن أشجع الناس. ٦١- باب: الحياء وأثره عن عمران بن حصين قال: قال النّبيّ ﷺ : «الحياء لا يأتي إلّا بخير» . [رواه البخاري ومسلم «٧» وأحمد] . اللغة: اختلفت العبارة في الإعراب عن معنى الحياء: فقيل: هو خلق يبعث على فعل الحسن. وترك القبيح. وقيل: هو انقباض النفس خشية ارتكاب ما يكره،

стр. 149

وقيل: خوف الذم بنسبة الشر إليه، وقال الزمخشري: هو تغير وانكسار يعتري الإنسان من تخوف ما يعاب به ويذم، واشتقاقه من الحياة يقال حي الرجل كما يقال: نسي وحشي وشظي الفرس إذا اعتلّت هذه الأعضاء- النساء وهو عرق، والحشى وهو ما دون الحجاب مما في البطن؛ والشظى وهو عظم مستدق لازق بالركبة أو بالذراع أو عصب صغار فيه- جعل الحي لما يعتريه من الانكسار والتغير متنكس القوة، منتقص الحياة كما يقال: هلك فلان حياء من كذا، ومات حياء، ورأيت الهلال في وجهه من شدة الحياء، وذاب حياء وجمد في مكانه خجلا. وقال الراغب: الحياء انقباض النفس عن القبيح وهو من خصائص الإنسان ليرتدع عن ارتكاب كل ما يشتهي. فلا يكون كالبهيمة، وهو مركب من جبن وعفة فلذلك لا يكون المستحيي فاسقا. وقلما يكون الشجاع مستحيا. وقد يكون لمطلق الانقباض كما في بعض الصبيان. اه. الشرح: إذا كان الحياء تغيرا نفسيا، وخلقا باطنيا. يحول بين المرء والقبائح أو يمنعه من عمل ما يعاب به ويذم. أو ينقد عليه ويعنف- كان لا شك خلقا محمودا. لا ينتج إلا خيرا. فالذي يمر بخياله فعل الفاحشة. فيمنعه حياؤه من اجتراحها «١» أو يسبه شخص فيمنعه الحياء من مقابلة السيئة بمثلها، أو يسأله سائل، فيحول حياؤه دون حرمانه، أو تقابله فتاة جميلة فيغض الحياء بصره. أو يستبرئه مدين معسر من دينه، فيأبى عليه حياؤه إلا الإبراء. أو يضمه مجلس، فيمسك الحياء بلسانه عن الكلام فيما لا يعنيه، أو الخوض فيما لا يجيده والذي يكون للحياء في نفسه هذه الآثار الحسنة. والأعمال الطيبة ذو خلق محمود. وفي حديث عبد الله بن عمر عند البخاري: «أن النبي ﷺ مر على رجل من الأنصار وهو يعظ أخاه في الحياء فقال رسول الله ﷺ : «دعه، فإن الحياء من الإيمان» «٢» ، وأعلى درجات الحياء ما كان ناشئا عن الشعور برقابة الله. وعظم حقه عليه. فإن هذا يقيم المرء على صراط الحق. لا يلتوي عنه يمنة أو يسرة. وفي حديث عبد الله بن مسعود عند الترمذي أن النبي ﷺ قال: «استحيوا من الله

стр. 150

حق الحياء» ، قلنا: إنا نستحي من الله يا رسول الله، والحمد لله، قال: «ليس ذلك. ولكن الاستحياء من الله حق الحياء أن تحفظ الرأس وما وعى- كالسمع والبصر واللسان- والبطن وما حوى، وتذكر الموت والبلى، ومن أراد الآخرة ترك زينة الحياة الدنيا- لم يفتتن بها حتى تشغله عن الواجبات- وآثر الآخرة على الأولى، فمن فعل ذلك فقد استحيا من الله حق الحياء» ، وعن بعض السلف. رأيت المعاصي مذلة فتركتها مروءة. فصارت ديانة، وقد يتولد الحياء من الله تعالى من التقلب في نعمه. فيستحي العاقل أو يستعين بها على معصية. وليس من أثر الحياء قعودك عن مواجهة من يرتكب إثما، ونهيه عن ذنبه، ولا عدم مطالبتك بحق أنت في حاجة إليه. ولا تركك السؤال لأستاذك عن مسألة خفيت عليك، أو ترى فيها غير ما يرى، خجلا منه أو من إخوانك أو خشية أن تكون مخطئا في رأيك، ولا تركك القول في مجلس رفع الباطل فيه أو الخطأ رأسه. وأنت بالحق والصواب عليم كل ذلك وأشباهه ليس من أثر الحياء المحمود؛ إنما ذلك أثر العجز والمهانة، والجبن والحقارة، وإطلاق الحياء عليه للشبه بينه وبين الحياء الحقيقي. ولقد كان الرسول ﷺ أشد حياء من الكبر في خدرها «١» ، وما ترك النهي عن المنكر، ولا أقر باطلا، ولا سكت على خطأ، وفي الصحيح عن عائشة قالت: رحم الله نساء الأنصار، لم يمنعهن الحياء أن يسألن عن أمر دينهن، وأن يتفقهن في الدين. وروى البخاري عن أم سلمة أنها قالت: جاءت أم سليم إلى رسول الله ﷺ فقالت: يا رسول الله إن الله لا يستحي من الحق؛ فهل على المرأة غسل إذا احتلمت؟ فقال: «نعم إذا رأت الماء» «٢» . وروي أيضا عن أنس قال: «جاءت امرأة إلي النبي ﷺ تعرض عليه نفسها؛ فقالت: هل لك حاجة فيّ؟ (تريد الزواج به) فقالت ابنته: ما أقل حياءها فقال: «هي خير منك. عرضت على رسول الله ﷺ نفسها» «٣» .

стр. 151

٦٢- باب: مفاسد من حرموا الحياء عن أبي مسعود قال: قال رسول الله ﷺ : «إنّ ممّا أدرك النّاس من كلام النّبوّة الأولى: إذا لم تستح فاصنع ما شئت» . [رواه البخاري ومسلم وأبو داود وابن ماجه «١» ] . اللغة: النبوة: سفارة بين الله وبين ذوي العقول من عباده لإزاحة علتهم في أمر معادهم ومعاشهم. وحيي، واستحي واستحيا بمعنى واحد، والأخير أعلى وأكثر وقد قدمنا في الحديث السابق شرح الحياء. الشرح: من يوم أن خلق الله الإنسان وجدّ النزاع «٢» بين بنيه بعث الله النبيين مبشرين ومنذرين، وأنزل معهم الكتاب بالحق، فكان فيه الحكم البالغة، والنصائح القيّمة، وكان منها ما سار في الناس مسير الأمثال، فبقي على ممر الحقوب «٣» والأجيال، ومن ذلك «إذا لم تستح فاصنع ما شئت» ، أي إذا لم يكن لدى المرء حياء يحول بينه وبين الشرور، ويجنبه غشيان الزور، فليفعل ما بدا له من خير أو شر، حق أو باطل، طيب أو خبيث، معروف أو منكر يجرّ إليه الذم والملام، والعيب والعار، أم لا يجر، فإن الله تعالى محص عليه ما يصنع، مقيد ما يعمل، وسيجزيه الجزاء العادل على ما كسبت يداه، فالأمر في العبارة للتوبيخ والتهديد، وفيه إشعار بأن الحياء هو الذي يحول بين المرء ومواقعة السوء «٤» . وأن من حرمه هوى في بؤرة الفساد لا محالة، حتى كأنه مأمور بارتكاب كل ضلالة، ومقارفة كل سيئة، وقيل: إن الأمر هنا للإباحة، وأن معنى العبارة: إذا كنت في فعلك آمنا من أن تستحي منه لجريانك فيه على سنن الصواب فاصنع ما بدا لك. لا حرج فيه عليك، والمعنى الأول هو المتبادر إلى الفهم.

стр. 152

نرى في هذا العالم شرارا لئاما، وفسقة فجارا، يعتدون على الحرمات، فيسفكون الدماء، ويسلبون الأموال، ويهتكون الأعراض لا يقدسون حقا، ولا يحترمون رأيا، تقرع آذانهم قوارع الناصحين، وعظات المخلصين، وكأن لم تكن قارعة، وكأن لم يسمعوا عظة. في سبيل المحافظة على جاههم، وبقاء سلطانهم يجترحون «١» كل فاحشة، ويقترفون كل مظلمة، وتخنق الحريات وتصدع الجماعات، ثم يعجب صوافي النفوس، وطهرة القلوب: كيف لا ترعوي هذه عن غيها؟ أليس لها قلب؟ أليس فيها عاطفة؟ أليس فيها من الإنسانية بقية؟ ولو سمعوا هذه الكلمة الخالدة. وفقهوا هذه الحكمة البالغة لعرفوا السبب، وبطل العجب. ذلك أنهم فقدوا خلق الحياء، فصنعوا ما شاؤا. واقترفوا ما أرادوا وإن كان في ذلك هلاك العباد وخراب البلاد وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَما لَهُ مِنْ هادٍ «٢» . ٦٣- باب: حذر المؤمن عن أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ قال: «لا يلدغ المؤمن من جحر واحد مرّتين» . [رواه الشيخان وأبو داود وابن ماجه «٣» ] . اللغة: اللدغ: ما يكون من ذوات السموم. واللدغ: ما يكون من النار. الشرح: سبب الحديث أن النبي ﷺ أسر أبا عزة الشاعر يوم بدر، فذكر له فقره وعياله، فمنّ عليه النبي ﷺ وأطلقه بغير فداء، وعاهده ألا يحرض عليه ولا يهجوه، فلحق بقومه، ثم رجع إلى التحريض والهجاء ثم أسر يوم أحد، فسأله المن. فقال: لا. تمسح عارضيك بمكة تقول: «سخرت بمحمد مرتين» ؟ وأمر به فقتل وقال: «لا يلدغ المؤمن من جحر مرتين» .

стр. 153

والحديث ورد بصيغة الخبر (برفع يلدغ) وبصيغة النهي (بكسر يلدغ) ، فعلى الأول هو إخبار في معنى الأمر أي ليكن المؤمن حازما حذرا. كيسا فطنا لا يؤتى من ناحية الغافلة. فيلدغ مرة بعد أخرى في أمر الدّين أو الدنيا. أو هو إخبار عن شأن المؤمن الكامل الذي أوقفته تجاربه على غوامض الأمور. وأنه دائما يعتبر في المستقبل بحوادث الماضي؛ وأما المؤمن المغافل «١» فقد يلدغ مرارا؛ وعلى أنه نهي فمعناه ما قال شارح المشكاة: إنه ﷺ لما رأى من نفسه الزكية الكريمة الميل إلى الحلم والعفو عن أبي عزة جرّد منها مؤمنا كاملا؛ حازما ذا شهامة، ونهاه عن الانخداع، وكأنه قال له: ليس من شيمة المؤمن الحازم الذي يغضب لله، ويذب عن دينه أن ينخدع من مثل هذا الغادر المتمرد مرة بعد أخرى. فانته عن حديث الحلم؛ وامض لشأنك في الانتقام منه والانتصار من عدو الله: فإن مقام الغضب لله يأبى الحلم والعفو؛ ومن أوصافه ﷺ أنه كان لا ينتقم لنفسه إلا أن تنتهك حرمة الله؛ فينتقم لها؛ وقد ظهر من هذا أن الحلم مطلقا غير محمود كما أن الحرد «٢» كذلك. فمقام التحلم مندوب إليه ولكن مع المؤمنين، وأما الأعداء فلهم الغلظة، ألا ترى قوله تعالى في وصف الصحابة: أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَماءُ بَيْنَهُمْ «٣» . ولعلك عرفت بهذا أن الإيمان لا يتفق والغافلة، بل يقتضي الحذر والحيطة «٤» . وأن أولئك الذين يضحك عليهم، ولا يتعظون بالماضي، ولا يستفيدون من التجارب لم يكمل الإيمان بعد في نفوسهم. وإن كانوا قائمين برسوم العبادة. فالمؤمن كيس حذر، من خلقه الاعتبار بكل بلاء. ولعلّ مستمد هذا الحديث من القرآن قوله تعالى حكاية عن يعقوب هَلْ آمَنُكُمْ عَلَيْهِ إِلَّا كَما أَمِنْتُكُمْ عَلى أَخِيهِ مِنْ قَبْلُ «٥» ، وقوله تعالى في وصف المنافقين أَوَلا يَرَوْنَ أَنَّهُمْ يُفْتَنُونَ فِي كُلِّ عامٍ مَرَّةً أَوْ مَرَّتَيْنِ ثُمَّ لا يَتُوبُونَ وَلا هُمْ يَذَّكَّرُونَ «٦» .

стр. 154

٦٤- باب: التشهير بالغادر عن عبد الله بن عمر عن النبيّ ﷺ قال: «إنّ الغادر يرفع له لواء يوم القيامة، يقال: هذه غدرة فلان ابن فلان» . [رواه الشيخان «١» ] . اللغة: الغدر: الإخلال بالشيء وتركه. ويقال: لترك العهد وعدم الوفاء به. واللواء: العلم والراية. ولا يمسكها إلا صاحب الجيش. الشرح: قال تعالى يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَوْفُوا بِالْعُقُودِ «٢» ، وقال: وَأَوْفُوا بِالْعَهْدِ إِنَّ الْعَهْدَ كانَ مَسْؤُلًا «٣» ، وقال: وَأَوْفُوا بِعَهْدِ اللَّهِ إِذا عاهَدْتُمْ وَلا تَنْقُضُوا الْأَيْمانَ بَعْدَ تَوْكِيدِها وَقَدْ جَعَلْتُمُ اللَّهَ عَلَيْكُمْ كَفِيلًا إِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ ما تَفْعَلُونَ «٤» . المؤمن صادق القول، وفي العهد، ليس الغدر من شيمته لأنه يخل بنظام الحياة، ويفسد على المرء تدبيره لمصلحته؛ وهو ضرب «٥» من الكذب. والكذب رأس النفاق. وإضرار بمن عاهده. ولا ضرر ولا ضرار. وقد بيّن الرسول ﷺ في هذا الحديث أن الغادر يشهر به على رؤوس الأشهاد يوم القيامة حيث العالم كله مجتمع، فينصب له لواء، ويرفع له علم في الموقف بحيث تراه العيون. ويقال: هذه غدرة فلان بن فلان؛ تشنيعا «٦» عليه وتقبيحا وتوبيخا له وتعذيبا؛ وتصور أنك في حفلة جامعة. وأنك بين يدي مليك؛ ثم نادى مناد هذا فلان المجرم؛ هذا الذي غدر؛ هذا الذي كذب؛ ألا تكاد تصعق «٧» من هذه النسبة، فإن كانت كاذبة فما بالك بها وإن كانت صادقة؟ فإذا كان هذا هو الأثر في مجتمعاتنا

стр. 155

الخاصة فما بالك بالمحشر العام الذي لا تدع مخلوقا من يوم أن كان آدم ﵇ إلى أن ورث الله الأرض ومن عليها إلا ضمه ذلك الموقف الذي يتجلى فيه رب العالمين ويحاسب كل إنسان على الصغير والكبير؛ لا شك أن العذاب مبرح «١» ، والهول مفزع؛ إذ تقول: يا حسرتا على ما فرطت في جنب الله؛ وهذا اللواء المرفوع قد يكون لواء حقيقيا؛ فيه رمز لصاحبه، وإشارة إلى غدرته، وقد يكون الغرض إشهار الغدرة من غير ملاحظة أن يكون هناك لواء مرفوع. والغرض من الحديث التنفير من الغدر، وبيان أنه جريمة كبيرة، وأن صاحبه عند الله مهين وعذابه أليم. ٦٥- باب: السلام ومن يبدأ به عن أبي هريرة ﵁ قال: قال النّبيّ ﷺ : «يسلّم الرّاكب على الماشي، والماشي على القاعد، والقليل على الكثير» . [رواه البخاري ومسلم «٢» ] . السلام: تحية مباركة سنّها الله للمسلمين. قال تعالى: فَإِذا دَخَلْتُمْ بُيُوتاً فَسَلِّمُوا عَلى أَنْفُسِكُمْ تَحِيَّةً مِنْ عِنْدِ اللَّهِ مُبارَكَةً طَيِّبَةً «٣» . وهذا الحديث بين لنا الأحق ببدء السلام. فأولا: الراكب يسلم على الماشي ، لأن الغرض من السلام استجلاب المودة، ودفع النفرة، وتالف القلوب، والراكب أحسن حالا من الماشي، فالبدء من جهته دليل على تواضعه لأخيه المسلم في حال رفعته، فكان ذلك أجلب لمحبته ومودته، وحكمة أخرى أن السلام تحية الوارد على غيره. والراكب أسرع في السير من الماشي في الأكثر، فكان الوارد عليه فندب له الإبتداء بالسلام. وإذا تلاقى راكبان أو ماشيان فأيهما أحسن حالا بدأ أخاه. فإن تساويا بدأ أيهما شاء. وللبادىء فضل على غيره.

стр. 156

ثانيا: الماشي يسلّم على القاعد لأن السلام تحية الوارد عرفا «١» ووضعا. والوارد هنا هو الماشي. ثم إن القاعد قد يتوقع الشر من القادم عليه. فإذا بدأه بالسلام أزال الخوف عنه. وحكمة ثالثة: أن القاعد قد يشق عليه مراعاة المارين مع كثرتهم: فسقطت البداءة عنه دفعا للمشقة. وثالثا: القليل يسلم على الكثير . ولعل الحكمة في ذلك أنه إذا بدأ الكثير بالسلام على القليل خيف على هذا أن يداخله شيء من الكبر لسلام الكثير عليه. ومن جهة أخرى العدد القليل أسرع مشيا من الجمع الكثير في الغالب. فكان كالوارد عليه والسلام تحية الوارد. ومن جهة ثالثة بدء القليل أيسر كلفة فكان أولى. هذا وقد ذكر بعض العلماء أن من مشي في الشوارع المطروقة كالسوق لا يسلم إلا على بعض من يلقاه. لأنه لو سلم على كلهم تشاغل على قضاء مهمته. التي خرج لأجلها وخرج عن العرف المألوف. والمؤمن حكيم يلبس لكل حال لبوسها. ٦٦- باب: في استعمال الذهب والفضة والحرير، وإبرار القسم إلخ عن البراء بن عازب ﵁ قال: أمرنا رسول الله ﷺ : «بسبع، ونهانا عن سبع، أمرنا باتّباع الجنائز، وعيادة المريض، وإجابة الدّاعي، ونصر المظلوم، وإبرار القسم أو المقسم، وردّ السّلام» . في رواية «وإفشاء السّلام بدل ردّه وتشميت العاطس؛ ونهانا عن آنية الفضّة، وخاتم الذّهب، والحرير، والدّيباج، والقسّي والإستبرق، والميثرة الحمراء» . [رواه البخاري في جملة أبواب من صحيحه. ورواه مسلم في كتاب اللباس والزينة. ورواه أبو داود والنسائي وابن ماجه «٢» وغيرهم.]

стр. 157

اللغة: الجنائز: جمع جنازة بفتح الجيم وكسرها وهي النعش فيه الميت وقيل. بالكسر النعش، وبالفتح الميت، والعيادة: الزيارة، وبر القسم وإبراره تصديقه، والإفشاء: النشر والإكثار، والعطاس: اندفاع الهواء من الأنف بعزم مع صوت يسمع، والتشميت: كالتسميت الدعاء بالخير والبركة يقال: شمت فلانا وشمت عليه تشميتا، فهو مشمت، واشتقاقه من الشوامت وهي القوائم، كأنه دعا للعاطس بالثبات على طاعة الله، وقيل: معناه أبعدك الله من الشماتة، وجنبك ما يشمت به عليك؛ وقيل: أصله التسميت. فمعنى سمته دعا له بالهدى، وقصد السمت أي الطريق. والآنية: جمع إناء وهو الوعاء، والديباج: الثوب المتخذ من الإبريسم؛ وبعبارة أخرى: الثوب الذي سداه ولحمته حرير؛ والقسّي: ثياب من كتان مخلوط بحرير يؤتى بها من مصر نسبت إلى قرية على شاطىء البحر يقال لها: القس قريبة من تنيس. وبعض المحدثين يكسر قافها؛ وقيل: أصل القسي القزي منسوب إلى القز. وهو ضرب من الإبريسم. فأبدلت الزاي سينا، وقيل: إنه منسوب إلى القس وهو الصقيع لبياضه، والإستبرق: غليظ الديباج. والميثرة: وطاء كانت النساء تضعه على السروج لأزواجهن ويكون من الحرير والصوف ونحوهما، وقيل: غطاء للسرج من الحرير خاصة. قال أبو عبيد: المياثر من مراكب العجم تعمل من الديباج والحرير وقيل: إنها سروج من الديباج وقيل: هي شيء كالفراش الصغير تتخذ من الحرير وتحشى بالقطن أو الصوف يجعلها راكب البعير تحته على الرحل والميثرة مأخوذة من الوثارة. وهي: اللين والنعمة. الشرح: أمر النبي ﷺ بسبعة أشياء. ونهى عن سبعة، ترجع إلى ثلاثة؛ وهي استعمال آنية الفضة، ولبس خاتم الذهب، واستعمال الحرير بسائر أنواعه، فجملة ما أمر به ونهى عنه في هذا الحديث عشرة؛ نفصلها لك فيما يأتي:

стр. 158

١- اتباع الجنائز: من الإكرام للمسلم. والوفاء له، والأداء لحقه، إذا ما فارق هذه الحياة أن نتبع جنازته، ونواري سوأته «١» . فنسير مع الجنازة، أمامها أو خلفها، يمينها أو شمالها، على مقربة منها ونصلي عليها ونواري جثته في قبرها ومستقرها، فنحسن بذلك إلى الميت إذا صنعنا معه ما نستطيع من معروف، من صحبة وصلاة. وحمل ومواراة، ودعاء واستغفار، ونحسن إلى أقربائه، إذ واسيناهم في مصابهم، وشاركناهم في تشييع فقيدهم. ونحسن إلى أنفسنا بثواب المسير وأجر الصلاة. وتذكرنا عن الحياة وعالم البقاء. والذكر عند ذوي القلوب الحية باعثة إلى الخيرات. منفرة عن السيئات وفي حديث أبي هريرة عند البخاري «من اتبع جنازة مسلم إيمانا واحتسابا وكان معها حتى يصلي عليها ويفرغ من دفنها فإنه يرجع بقيراطين كل قيراط مثل أحد (أي يرجع بثواب عظيم) ، ومن صلّى عليها ثم رجع قبل أن تدفن فإنه يرجع بقيراط» «٢» نصف أجر الأول. وقد قال العلماء. اتباع الجنائز سنّة لمن عرفنا ومن لم نعرف، الأقارب والأجانب في ذلك سواء. وقد نهى الرسول ﷺ النساء عن اتباعها، ففي حديث أم عطية عند الشيخين «نهينا عن اتباع الجنائز ولم يعزم علينا» «٣» . ٢- عيادة المريض: وقد بسطنا القول في ذلك في الحديث (٣٠) . ٣- إجابة الداعي: في حديث عبد الله بن عمر عند الشيخين أن رسول الله ﷺ قال: «إذا دعي أحدكم إلى وليمة فليأتها» «٤» ، وفي رواية لمسلم: «إذا دعا أحدكم أخاه فليجب عرسا كان أو نحوه» «٥» . الولائم تقام للنعم الحادثة من زواج أو رزق ولد، أو ختانة، أو نجاحه، أو شفاء، أو ادراك غاية، وتقام إكراما للإخوان والأصدقاء، وبرا بهم، وقضية الإيمان أن

стр. 159

تحب لأخيك ما تحب لنفسك والحب معنى نفسي، وشعور داخلي، تظهره الأعمال فإن أجبت أخاك إلى دعوته، وشاركته في مسرته، برهنت بعملك على حبك له، وأنّ ما حلّ به من النعم كأنما حل بك. وفي ذلك تأكيد العلاقات، وتوثيق الصلات. وإن رفضت الإجابة بلا عذر أحزنت نفسه وأوغرت صدره. وعرضت الصلة للقطع أو الضعف. بل ربما سبب ذلك عداء وخصاما. فلتقوية الصلات ومنع الحزازات أمرنا الرسول ﷺ بإجابة الدعوة. فاجابتها واجبة. وبذلك قال الظاهرية. قال ابن حزم. إنه قول جمهور الصحابة والتابعين. ومن الفقهاء من فرق بين وليمة العرس وغيرها، فأوجبوا وليمة العرس دون غيرها بل صرح جمهور الشافعية والحنابلة بأنها فرض عين، ونص عليه مالك، وقيل: إنها فرض كفاية. ويعجبني ما قاله الشافعي: إتيان دعوة الوليمة حق والوليمة التي تعرف وليمة العرس. وكل دعوة دعا إليها رجل وليمة. فلا أرخّص لأحد في تركها ولو تركها لم يتبين أنه عاص. كما تبين لي في وليمة العرس. والشيعة «١» لا يرون الوجوب في الولائم كلها. وقد سوغ الفقهاء ترك الإجابة لأعذار. منها أن يكون في الطعام شبهة. كأن يكون طعام حاكم ظالم لا يتورع عن أموال الناس، أو قيم على أيتام لا يعرف بالعفة. أو تاجر غشاش أو نحو ذلك. ومنها أن يخص بها الأغنياء كما يصنع أكثر الناس اليوم. أو أن يكون فيها من يتأذى بحضوره معه. أو يكون دعاه خوفا من شره أو طمعا في جاهه، أو ليعينه على باطل، أو يكون فيها منكر كشرب خمر، ورقص فتيات. وخلوة بالأجنبيات، أو تكون ذريعة إلى فساد، أو ما شاكل ذلك، وفي حديث جابر عند النسائي «من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فلا يقعد على مائدة يدار عليها الخمر» . ٤- نصر المظلوم: هو من فروض الكفاية، ومن جملة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وهو واجب على من قدر عليه. ولم يخش ضررا؛ وقد بسطت الكلام فيه في الحديث (٢٤) . ٥- إبرار القسم: وهو من البر بالمؤمن. والإكرام له فإذا حلف لك شخص لتعطينه من مالك، أو لتساعدنه في قضاء حاجة من حاجته، أو لتعلّمنه مسألة، أو

стр. 160

لتفتنيه في معضلة «١» ، أو لتعولن يتيما «٢» ، فأبرّه في يمينه، وحقق رجاءه. وقد قال العلماء إنّ إبرار القسم سنة إذا لم يكن في ذلك مفسدة، أو خوف ضرر، فإن كل شيء من ذلك فلا إبرار، فمن حلف لتساعدنه على النكاية بفلان، أو اغتصاب ماله، أو استلاب حقه، أو لتشربن معه الخمر؛ وتأتين المنكر حرم عليك إبراره؛ لأنه لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق. ٦- إفشاء السلام ورده: السلام داعية المحبة، وآية الإخاء والألفة؛ وقد أمر به القرآن في عدة مواطن؛ وبين أنه تحية من عند الله مباركة طيبة فَإِذا دَخَلْتُمْ بُيُوتاً فَسَلِّمُوا عَلى أَنْفُسِكُمْ تَحِيَّةً مِنْ عِنْدِ اللَّهِ مُبارَكَةً طَيِّبَةً «٣» ، وكان تحية إبراهيم وضيفه المكرمين لما دخلوا عليه قالُوا سَلاماً قالَ سَلامٌ «٤» ، وهو شعار أهل الجنة تَحِيَّتُهُمْ فِيها سَلامٌ «٥» ، والأمر بإفشائه ورده يدل على وجوبه ولكن حكى كثير من العلماء أن الابتداء به سنة؛ والرد واجب وَإِذا حُيِّيتُمْ بِتَحِيَّةٍ فَحَيُّوا بِأَحْسَنَ مِنْها أَوْ رُدُّوها «٦» ، فإن كان المسلم جماعة فهو سنة كفاية في حقهم إذا سلّم بعضهم حصلت سنة السلام في حق جميعهم فإن كان المسلّم عليه واحد تعين عليه الرد، وإن كانوا جماعة كان الرد فرض كفاية في حقهم فإذا ردّ واحد منهم سقط الحرج عن الباقين. وفي حديث علي عند أحمد والبيهقي «يجزىء عن الجماعة إذا مروا أن يسلم أحدهم، ويجزىء عن الجماعة أن يرد أحدهم» ، وعن أبي يوسف أن الرد من الجميع واجب، وكما يسلم عند اللقاء يسلم عند الفراق، فليست الأولى بأحق من الآخرة، ولا نبدأ اليهود والنصارى بالسلام لأنه شعار المسلمين، فإن بدؤنا به أجبناهم، وفي حديث أبي هريرة عند مسلم «لا تبدؤا اليهود والنصارى بالسلام» «٧» ، وفي حديث

стр. 161

أنس في الصحيحين «إذا سلم عليكم أهل الكتاب فقولوا: وعليكم» «١» . وذهب طائفة إلى جواز بدئنا لهم بالسلام، وهو مروي عن ابن عباس وأبي أمامة وغيرهما، وهو رأي لبعض الشافعية محتجين بعموم الأحاديث الآمرة به وبإفشائه، وقال بعض الشافعية يكون ابتداؤهم بالسلام، ولا يحرم، وقد قال العلماء: إن كلمة السلام في التحية اسم من أسماء الله تعالى، فمعنى السلام عليكم: أنتم في حفظ الله ورعايته، كما يقال: الله معك، والله يصحبك، وقيل هي بمعنى السلامة، أي سلامة الله ملازمة لك، وقدمنا لك في الحديث السابق بعض مباحث السلام. ٧- تشميت العاطس: تشميته الدعاء له كما قدمنا، وصيغته الثابتة عن رسول الله ﷺ «أن العاطس إذا ما قال: الحمد لله قال له المشمت: يرحمك الله، فيجيبه العاطس: يهداكم الله ويصلح بالكم» «٢» ، فإن لم يحمد الله فلا يشمت، روى البخاري عن أنس أن رجلين عطسا عند النبي ﷺ فشمت أحدهما، ولم يشمت الآخر، فقال الرجل: يا رسول الله شمت هذا، ولم تشمتني، قال: «إن هذا حمد الله، ولم تحمد الله» «٣» ، وإنما يحمد العاطس شكرا لله على نعمة العطاس، الذي أذهب عنه الضرر فإنه يخرج الأبخرة المحتقنة في الدماغ، التي لو بقيت فيه أحدثت أدواء عسرة، وسلامة أعضائه والتئامها «٤» بعد هذه الرجة الشديدة نعمة أخرى تستدعي الحمد. ولما كان الحمد طاعة لله كان من موجبات الرحمة، فدعا له بها المشمت. والعاطس كافأه بطلب الهداية له وإصلاح الحال. وقد قال العلماء: إن العاطس إذا لم يكن مسلما دعي له بالهداية دون الرحمة لما رواه أبو داود والترمذي عن أبي موسى قال: كان اليهود يتعاطسون عند رسول الله ﷺ يرجون أن يقول لهم: يرحمكم الله. فيقول: «يهداكم الله ويصلح بالكم» «٥» ،

стр. 162

وقالوا: إذا زاد العطاس على ثلاث فلا تشميت، وإن ذلك لزكام فمتابعة التشميت فيه مشغلة للجليس. ورووا عن رسول الله ﷺ في ذلك روايات «١» لم تبلغ درجة الصحة. ولا مانع من أن يدعو للمزكوم بالشفاء والعافية. فإن ذلك من التراحم بين المسلمين، وإنه لحسن جميل. هذا والأمر بالتشميت يدل على وجوبه. ويؤيد ذلك حديث: «حق على كل مسلم سمعه أن يشمته» «٢» . وحديث «خمس تجب للمسلم على المسلم: - وذكر منها التشميت» «٣» وحديث: «حق على المسلم ست» ، وذكر فيها، «وإذا عطس فحمد الله فشمته» «٤» . الأول في البخاري، والثالث في مسلم. والثاني فيهما. وقد قال بالوجوب بعض المالكية وجمهور أهل الظاهر، وقوى ذلك ابن القيم فقال: جاء بلفظ الوجوب الصريح، وبلفظ الحق الدال عليه، وبلفظ على الظاهرة فيه، وبصيغة الأمر التي هي حقيقة فيه، وبقول الصحابي أمرنا رسول الله ﷺ ، قال: ولا ريب أن الفقهاء أثبتوا وجوب أشياء كثيرة بدون مجموع هذه الأشياء، وذهب آخرون إلي أنه فرض كفاية إذا قام به البعض سقط عن الباقين، ورجحه أبو الوليد بن رشيد وأبو بكر بن العربي وقال به الحنفية وجمهور الحنابلة، وذهب جماعة من المالكية إلى أنه مستحب ويجزيء الواحد عن الجماعة، وهو قول الشافعية، والراجح من حيث الدليل القول الثاني، والأحاديث الصحيحة الدالة على الوجوب لا تنافي كونه على الكفاية، فإن الأمر بتشميت العاطس وإن ورد في عموم المكلفين ففرض الكفاية يخاطب به الجميع على الأصح، ويسقط بفعل البعض. اه. ٨- آنية الفضة: جاءت أحاديث صحيحة في النهي عن الشرب والأكل في آنية الذهب والفضة، والتوعد على ذلك بالعذاب، منها حديث حذيفة قال: سمعت رسول

стр. 163

الله ﷺ يقول: «لا تلبسوا الحرير ولا الديباج، ولا تشربوا في آنية الذهب والفضة، ولا تأكلوا في صحافهما» . (واحدتها صحفة وهي إناء يشبع الخمسة) ، «فإنها لهم في الدنيا. ولكم في الآخرة» ، رواه الشيخان «١» وغيرهما؛ ومنها حديث أم سلمة عند الشيخين أيضا أن النبي ﷺ قال: «إن الذي يشرب في آنية الفضة إنما يجرجر- يصب- في بطنه نار جهنم» «٢» . وفي رواية لمسلم «إن الذي يأكل أو يشرب في إناء الذهب أو الفضة ... » «٣» إلخ. من أجل ذلك ذهب الفقهاء إلى تحريم الأكل والشرب في أواني الذهب والفضة. لا فرق في ذلك بين الرجال والنساء. إنما لهن التحلي بهما تزيّنا وتجمّلا، وليس الشرب والأكل من واديه، وذهب داود إلى تحريم الشرب فقط. ولعله لم يبلغه حديث تحريم الأكل أو لم يثبت ذلك عنده، وقال جماعة بالكراهة دون التحريم، وقالوا: إن الأحاديث لمجرد التزهيد. ورد ذلك بالوعيد عليه في حديث أم سلمة المذكور، وشذت طائفة، فقالت بالإباحة مطلقا. والنص حجة عليهم، وألحق جماعة من الفقهاء أنواع الاستعمال الآخرى كالتطيب والتكحل بالأكل والشرب ولم يسلم بذلك المحققون، وفي حديث رواه أحمد وأبو داود: «عليكم بالفضة فالعبوا بها لعبا» «٤» ، وجمهور الفقهاء على منع اتخاذ الأواني منهما بدون استعمال؛ ورخصت فيه طائفة، والفقهاء على جواز اتخاذ الأواني من الجواهر النفيسة وإن كانت أعلى قيمة من الذهب والفضة. ومنع ذلك بعضهم، ولا تنس في هذا الباب قاعدة أن الأصل في الأشياء الحل لقوله تعالى: خَلَقَ لَكُمْ ما فِي الْأَرْضِ جَمِيعاً «٥» ، فلا تحريم إلا بدليل، والذي نراه في حكمة التحريم أن ذلك مظنة الإسراف والخيلاء،

стр. 164

والإسراف محرّم بنص القرآن يا بَنِي آدَمَ خُذُوا زِينَتَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ وَكُلُوا وَاشْرَبُوا وَلا تُسْرِفُوا إِنَّهُ لا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ «١» ، ولهذا نرى أن اتخاذ الجواهر النفيسة، بل تحلي النساء بالذهب والفضة إذا جاوز حد القصد حرام بهذه الآية، كما يحرّم الإسراف في الأكل والشرب. فإن لم يكن إسراف فلا حرمة قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبادِهِ وَالطَّيِّباتِ مِنَ الرِّزْقِ قُلْ هِيَ لِلَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَياةِ الدُّنْيا خالِصَةً يَوْمَ الْقِيامَةِ كَذلِكَ نُفَصِّلُ الْآياتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ «٢» . وخير لنا من اتخاذ الذهب والفضة أواني أن نستثمرها في الأعمال الصناعية أو الزراعية، أو نتجر بهما! فننمي ثروتنا، ونعز أمتنا ونغنيها عن أموال الأجانب التي استعبدونا بها، وجعلونا أجراء أو عمالا لهم في ضياغنا وأملاكنا. ٩- التختم بالذهب: النهي عن خاتم الذهب يدل على حرمته، وقد ورد التصريح بالحرمة في حديث أبي موسى أن النبي ﷺ قال: «أحل الذهب والحرير للإناث من أمتي. وحرم على ذكورها» «٣» ، رواه أحمد والنسائي والترمذي وصححه ولكن الحديث معلول، إذ في سنده سعيد بن أبي هند، عن أبي موسى؛ وسعيد لم يلق أبا موسى ولم يسمع منه؛ وبالحرمة على الرجال قال الجمهور. وقال جماعة: بكراهة ذلك كراهة تنزيه. وقد لبسه جماعة من الصحابة، منهم سعد بن أبي وقاص. وطلحة بن عبد الله. وصهيب. وحذيفة وجابر بن سمرة. والبراء راوي حديثنا. وآخرون ولعلهم حسبوا أن النهي للتنزيه. وفي حديث عبد الله بن عمر: أن النبي ﷺ اتخذ خاتما من ذهب أو فضة. وجعل فصه مما يلي كفه ونقش فيه «محمد رسول الله» فاتخذ الناس مثله فلما رآهم قد اتخذوها رمى به وقال: لا ألبسه أبدا؛ ثم اتخذ خاتما من فضة؛ فاتخذ الناس خواتيم الفضة، قال ابن عمر: فلبس الخاتم بعد النبي ﷺ أبو بكر، ثم عمر، ثم عثمان، حتى وقع من عثمان في بئر أريس «٤» - بئر في حديقة قرب مسجد قباء بالمدينة- ومن هذا عرفت جواز التختم بالفضة.

стр. 165

١٠- استعمال الحرير: حديثنا يدل على تحريم الحرير الخالص بأنواعه. بل على تحريم ما جمع في نسيجه بين الحرير وغيره إذا فسرنا القسي بما كان مصنوعا من كتان وحرير. وقد ورد في النهي عن لبس الحرير والجلوس عليه جملة أحاديث صحيحة. منها حديث عمر عند الشيخين أن النبي ﷺ قال: «لا تلبسوا الحرير؛ فإنه من لبسه في الدنيا لم يلبسه في الآخرة» «١» ، ومنها حديث عبد الله بن عمر عند الشيخين وأبي داود والنسائي وابن ماجة أن عمر رأى حلة من استبرق تباع. فأتى بها النبي ﷺ فقال: يا رسول الله ابتع هذه. فتجمل بها للعيدين والوفود. فقال رسول الله ﷺ : «إنما هذه لباس من لا خلاق له» ؛ ثم لبث عمر ما شاء الله أن يلبث؛ فأرسل ﷺ إليه بجبة ديباج. فأتى عمر النبي ﷺ فقال: يا رسول الله قلت: إنما هذه لباس من لا خلاق له. ثم أرسلت إلي بهذه. فقال النبي ﷺ : «إني لم أرسلها إليك لتلبسها. ولكن لتبيعها وتصيب بها حاجتك» «٢» ، ومنها حديث حذيفة عند البخاري قال: نهانا النبي ﷺ أن نشرب في آنية الذهب والفضة. وأن نأكل فيها. وعن لبس الحرير والديباج وأن نجلس عليه «٣» . ووردت أحاديث أخرى تدل على جواز ذلك منها حديث عقبة قال: أهدي إلى رسول الله ﷺ فروج حرير- قباء مفتوح من الخلف- فلبسه ثم صلّى فيه. ثم انصرف فنزعه نزعا عنيفا شديدا كالكاره له ثم قال: «لا ينبغي هذا للمتقين» «٤» ، ومنها حديث المسور بن مخرمة أنه قدّمت للنبي ﷺ أقبية، فذهب هو وأبوه للنبي ﷺ لشيء منها،

стр. 166

فخرج النبي ﷺ قباء من ديباج مزرور، فقال: «يا مخرمة خبأنا لك هذا» ، وجعل يريه محاسنه، وقال: «أرضي مخرمة» ، رواهما الشيخان «١» ، ومنها ما رواه أنس أنه ﷺ لبس مستقة- فرو طويل الكمين- من سندس- رفيع- أهداها له ملك الروم، ثم بعث بها إلى جعفر، فلبسها. ثم جاءه. فقال: «إني لم أعطكها لتلبسها» ، قال: فما أصنع؟ قال: «أرسل بها إلى أخيك النجاشي» - رواه أبو داود «٢» ، ولبس الحرير أكثر من عشرين صحابيا. منهم أنس والبراء بن عازب راوي حديثنا. من أجل هذا التعارض في الأدلة كان تحريم لبس الحرير موضع نظر. فحكى القاضي عياض عن جماعة إباحته، منهم ابن علية؛ ولكن جمهور الفقهاء على التحريم للأحاديث التي سقناها أولا. وقالوا إن حديث عقبة فيه «أنه لا ينبغي هذا للمتقين» ، فإذا كان لبسه لا يلائم المتقين فهو بالتحريم أجدر، وقالوا في حديث المسور وحديث أنس: إنهما من قبيل الأفعال، فلا تقاوم الأقوال الدالة على التحريم. على أنه لا نزاع أن النبي ﷺ كان يلبس الحرير، ثم كان التحريم آخر الأمر كما يشعر بذلك حديث جابر قال: لبس النبي ﷺ قباء له من ديباج أهدي إليه، ثم أوشك أن نزعه، وأرسل به إلى عمر بن الخطاب، فقيل: قد أوشكت ما نزعته يا رسول الله، قال: «نهاني عنه جبريل ﵇» ، فجاءه عمر يبكي، فقال يا رسول الله كرهت أمرا، وأعطيتنيه، فما لي؟ قال: «ما أعطيتك لتلبسه، إنما أعطيتك تبيعه؛ فباعه بألفي درهم» ، رواه أحمد، وروى مسلم نحوه «٣» ، وقالوا أيضا: حديث أنس في سنده علي بن زيد بن جدعان لا يحتج بحديثه؛ وقال الخطابي. يشبه أن تكون المستقة مكففة بالسندس، وقالوا إن ما لبسه الصحابة كان خزا؛ وهو ما نسج من صوف وإبريسم. هذا وقال محمد بن علي الشوكاني في كتابه «نيل الأوطار» يمكن أن يقال إن لبسه ﷺ لقباء الديباج وتقسيمه للأقبية بين أصحابه وليس فيه ما يدل على أنه متقدم

стр. 167

على أحاديث النهي، كما أنه ليس فيها ما يدل على أنها متأخرة عنه، فيكون قرينة صارفة للنهي إلى الكراهة؛ ويكون ذلك جمعا بين الأدلة؛ ومن مقويات هذا ما تقدم أنه لبسه عشرون صحابيا؛ ويبعد كل البعد أن يقدموا على ما هو محرم في الشريعة؛ ويبعد أيضا أن يسكت عنهم سائر الصحابة وهم يعلمون تحريمه، فقد كان ينكر بعضهم على بعض ما هو أخف من هذا. ولا نعلم مخالفا في جواز لبس الحرير للنساء إلا ابن الزبير، فإنه حرّمه عليهن محتجا بعموم الأحاديث، ولكن تخطئه الأحاديث الكثيرة الدالة على حله للنساء كحديث عليّ قال: أهديت للنبي ﷺ حلة سيراء- التي فيها خطوط كالميسور وهي برود من الحرير أو الغالب فيها الحرير؛ وفسرت بغير ذلك- فبعث بها إليّ فلبستها فعرفت الغضب في وجهه. فقال: «إني لم أبعث بها إليك لتلبسها، إنما بعثت بها إليك لتشققها خمرا بين النساء» ، رواه الشيخان «١» . وقد أبيح لبس الحرير للعذر كالجرب ونحوه، روي الشيخان وغيرهما عن أنس: أن النبي ﷺ رخص لعبد الرحمن بن عوف والزبير في لبس الحرير لحكة كانت بهما «٢» . وجاء ما يدل على إباحة التطريز به والتسجيف والقليل منه في الثوب كحديث عمر: أن النبي ﷺ نهى عن لبس الحرير إلا موضع أصبعين أو ثلاثة أو أربعة «٣» - رواه مسلم وأصحاب السنن. ونقول لك بعد هذا البيان الجامع انظر في الأدلة نظرة دقة وإنصاف، واستفت قلبك يفتك. ولا عليك أن تستمع لوحي نفسك.

стр. 168

٦٧- باب: إطعام الطعام وإقراء السلام عن عبد الله بن عمرو ﵄ أنّ رجلا سأل النّبيّ ﷺ : أيّ الإسلام خيرا؟ قال: «تطعم الطّعام، وتقرأ السّلام على من عرفت، ومن لم تعرف» . [رواه الشيخان وأبو داود والنسائي وابن ماجه «١» ] . اللغة: الإسلام: الانقياد والخضوع أو الدخول في السلام، ويطلق: على مجموع ما شرعه الله من الأحكام، وقرأ السلام، وأقرأه، قاله، يقال: أقرىء فلانا السلام واقرأ عليه السلم كأنه حين يبلغه سلامه يحمله على أن يقرأ السلام ويردّه، والمعنى الأصلي لمادة «قرأ» الجمع. الشرح: سأل سائل رسول الله ﷺ عن خير خصال الإسلام. وأكثرها نفعا، فأجابه «بأن خيرها إطعام الطعام. وإقراء السلام» ، وقد أجاب الرسول ﷺ في مواطن أخرى بغير هذا الجواب كالذي سأله: أي الإسلام أفضل؟ قال: «من سلم المسلمون من لسانه ويده» «٢» . وسبب الإختلاف في الجواب اختلاف حال السائلين أو السامعين، فمن يخشى منه الإيذاء باليد أو اللسان أرشده إلى الكف؛ ومن يرجى منه النفع العام بالقول أو الفعل أرشده إلى ذلك. وإطعام الطعام يشمل بذله للمحتاج وتقديمه للضيف. وإقامة الولائم، بل يشمل بإشارته معونة المسلم بماله، أيا كان نوع المعونة، وأيا كان المال طعاما أو شرابا. أو مسكنا أو لباسا أو نقدا. وإقراء السلام على من عرفنا ومن لم نعرف يزيد المحبة بين المتعارفين ويجلب الصلة والمودة بين المتناكرين. فلا نخص

стр. 169

به من نعرف ولا بعض من نعرف تكبّرا وتصنّعا. بل إقامة لشعائر الإسلام نبذله لكل مسلم ليتالف الجميع وتزداد الصلة بينهم متانة. على أنك لو منعته من لم تعرف ربما كان ممن تعرف، فاعراضك عنه يوحشه منك. وقد تمسّك بالحديث من أجاز ابتداء الكافر بالسلام. ولا حجة فيه؛ لأن السلام شعار الإسلام. فيحمل قوله: من عرفت على المسلم، وأما من لم تعرف فلا دلالة فيه. بل إن عرف أنه مسلم فذاك، وإن لم يعرف. فسلّم احتياطا فلا حرج حتى يعرف أنه كافر وخص هاتين الخصلتين بالذّكر لمسيس الحاجة إليهما أول الأمر إذا كان المسلمون في حال بؤس وفقر. فإن المهاجرين تركوا ديارهم وأموالهم فرارا بدينهم. والأنصار قاسموهم أموالهم. وكانوا في حاجة إلى التعارف والتالف وإلى ذلك أن في ذكرهما إيماء إلى الأعمال الخيرية كلها مالية كانت أو بدنية. من أجل هذا خصنا بالذكر وفي الحديث (٣٩) بسط القول في إطعام الجائع. وفي الحديثين (٦٥ و ٦٦) مباحث السلام. ٦٨- باب: أدب المناجاة عن عبد الله بن عمر أنّ رسول الله ﷺ قال: إذا كانوا ثلاثة- في رواية لمسلم: «إذا كان ثلاثة- فلا يتناجى اثنان دون الثّالث» ، وفي رواية أخرى: «إذا كنتم ثلاثة فلا يتناجى رجلان دون الآخر حتى تختلطوا بالنّاس، أجل أنّ ذلك يحزنه» ، وفي رواية: «يتناج» . [رواه البخاري ومسلم «١» ] . الشرح: المناجاة: المسارّة. وأصله أن تخلو به في نجوة من الأرض أي مكان مرتفع. أصله من النجاء لأنك تعاونه على ما فيه خلاصه. وأجل: بمعنى من أجل. يقال: فعلت كذا من أجل كذا. وأجل كذا أي بسببه ويجوز في همزته الفتح والكسر. وأصل الأجل: الجناية التي يخشى عاقبتها في الآجل. ثم استعمل في التعليل. الشرح قال الله تعالى: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذا تَناجَيْتُمْ فَلا تَتَناجَوْا بِالْإِثْمِ

стр. 170

وَالْعُدْوانِ وَمَعْصِيَةِ الرَّسُولِ وَتَناجَوْا بِالْبِرِّ وَالتَّقْوى وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ. إِنَّمَا النَّجْوى مِنَ الشَّيْطانِ لِيَحْزُنَ الَّذِينَ آمَنُوا وَلَيْسَ بِضارِّهِمْ شَيْئاً إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ «١» ، نهانا الله جلّ شأنه عن التناجي بما فيه ضرر أو إضرار. فلا نتناجى باثام يعود ضررها أولا إلى نفوسنا. وتبعدنا من رحمة ربنا. كإسراف في طعام أو شراب أو لباس. ولا بجرائم يتطاير شررها إلى الناس أولا. ويعود منه إلينا ثانيا. كزنى وقتل. وسرقة ونهب. ولا بعصيان الرسول فيما أمر. أو الخروج على ما شرع. وأباح لنا التناجي بالأعمال الخيرية، من نشر علم، وتقويم خلق، وبذل مال وإصلاح خصم، وبالأمور التي تقينا الأضرار. وتحفظنا من الغوائل «٢» . كإعداد القوة للعدو، واتخاذ الحصون من دونه، وادّخار المال للنوائب والحميه الواقية من الأمراض وبيّن أن النجوى بالأوزار من وسوسة الشيطان ليحزن بها الذين آمنوا. إذ يسرهم البر والتقوى، ويحزنهم اقتراف الآثام، والتحدث بها، والائتمار عليها، وقد تكون كيدا لهم، وتامرا عليهم، فالنجوى بالسوء محرمة مطلقا. بين اثنين انفرادا بها عن ثالث، أو عن ثالث ورابع، أو بين جماعة انفردوا بها عن واحد أو أكثر، استأذنوا أم لم يستأذنوا. أمّا النجوى بالخير فحلال للمتناجين. غير أن هناك أدبا يتعلق بها. تجب رعايته بالنسبة للحاضرين. ذلك ما بيّنه الرسول ﷺ في هذا الحديث. فإن كان المجلس مؤلفا من ثلاثة فلا يتسارّ اثنان بحديث دون الثالث لأن هذا يوحشه ويحزنه. وقد يظن أنهما ينهشان «٣» في عرضه. أو يحطان من قدره، أو يكيدان له، فيقوم من المجلس موغر الصدر «٤» ، تساوره الظنون، وتخالجه «٥» الريب، فللإبقاء على المودة، والمحافظة على الألفة منعا المناجاة من دونه إلا أن يستأذناه فيأذن. فلا حرج إذا لأن المنع لحقه، فيستباح بإذنه، وكذلك الحكم لو تناجى ثلاثة من دون رابع أو أربعة من دون خامس، أو خمسة من دون سادس، أو ... إلخ، لتحقق علة النهي في كل

стр. 171

ذلك. بل العلة هنا أشد تحققا. فإن انفراد جمع بالمناجاة من دون واحد أشد إيغار لصدره. وبدل أن يكون النفور من شخصين يكون من أكثر. فالأثر أفحش. فكان بالمنع أجدر وكأن الحكمة في تخصيص الثلاثة بالذكر أنها أول عدد يتصور فيه المعنى. فما كان مثله في تحقيق العلة ألحق به، وإن كان المجلس مؤلفا من أربعة فأكثر. وكان الباقي بعد من يتناجي اثنين فأزيد جازت النجوى. إذ يمكن الباقين التانس والتناجي. ويدل على ذلك قول الرسول ﷺ : «حتى تختلطوا بالناس» ، وعمل ابن عمر راوي الحديث. فإنه كان إذا أراد أن يسار رجلا وكانوا ثلاثة دعا رابعا. وقال للاثنين. استريحا شيئا فإني سمعت رسول الله ﷺ يقول: «إذا ... » إلخ. ويؤيده أيضا ما رواه البخاري عن عبد الله قال: قسم النبي ﷺ يوما قسمة. فقال رجل من الأنصار. إن هذه القسمة ما أريد بها وجه الله. قلت: أما والله لآتين النبي ﷺ فأتيته وهو في ملأ، فساررته، فغضب حتى احمر وجهه، ثم قال: «رحمة الله على موسى أوذي بأكثر من هذا فصبر» «١» . نعم لو كان الباقون تحزنهم المناجاة تركت لوقت آخر. ما لم تكن في أمر مهم لا خطر فيه، ولو تسارا الحديث اثنان. فقدم عليهما ثالث. أو كان بحضرتهما ثالث لا يسمع جهرهما لا يقرب منهما ليتسمع حديثهما إلا بإذنهما. روى البخاري في (الأدب المفرد) عن سعيد المقبري قال: مررت على ابن عمر ومعه رجل يتحدث. فقمت إليهما. فلطم صدري. وقال: إذا وجدت اثنين يتحدثان فلا تقم معهما حتى تستأذنهما. وذكر أن رسول الله ﷺ نهى عن ذلك، والنهي في رواية «يتناج» يدل على التحريم. ما لم يكن رضا من المنفرد، وآية الرضا إذنه بالتناجي، والنفي في الرواية الآخرى بمعنى النهي. ٦٩- باب: الاحتراس من النار وتغطية الآنية عن جابر بن عبد الله قال: قال رسول الله ﷺ : «اطفئوا المصابيح باللّيل إذا رقدتم، وأغلقوا الأبواب وأوكئوا الأسقية، وخمّروا الطّعام والشراب» ، وفي رواية زيادة: «واكفتوا صبيانكم عند المساء فإنّ للجنّ انتشارا وخطفة» .

стр. 172

[رواه البخاري ومسلم «١» وغيرهما واللفظ للبخاري] . اللغة: إغلاق الباب: إقفاله، وفي رواية، وغلقوا، وفي ثالثة: وأجيفوا أي أغلقوا، والسقاء: القربة وجمعه أسقية، وأوكأ السقاء: ربطه وشده بالوكاء وهو اسم للخيط الذي يشد به فم القربة والكيس ونحوهما، والتخمير: التغطية، ومنه الخمر لتغطيتها العقل والخمار لستره الرأس، والكفت: الضم. والخطف: الأخذ بسرعة. الشرح: في هذا الحديث أمرنا الرسول ص بخمسة أشياء . وقد قال جماعة، إن الأمر هنا للإرشاد؛ إذا المقصود به تحقيق مصالح دنيوية، ويحتمل أن يكون للندب. ولماذا لا يكون للوجوب إذا خشي من المخالفة ضرر بالنفس أو المال؟ فإن أمن الضرر فلا وجوب، فأول الخمسة إطفاء المصابيح عند الرقاد ليلا . وقد جاء تعليل ذلك في رواية «بأن الفويسقة- الفأرة- ربما جرّت الفتيلة. فأحرقت أهل البيت» «٢» . فالإنسان حينما ينام يفقد الشعور بما يجري والتيقظ لما يحدث، وما النوم إلا وفاة غبها حياة اللَّهُ يَتَوَفَّى الْأَنْفُسَ حِينَ مَوْتِها وَالَّتِي لَمْ تَمُتْ فِي مَنامِها فَيُمْسِكُ الَّتِي قَضى عَلَيْهَا الْمَوْتَ وَيُرْسِلُ الْأُخْرى إِلى أَجَلٍ مُسَمًّى «٣» ، فالإحتياط والحكمة إطفاء السرج التي لا يؤمن وقوعها باحتكاك فأرة. أو صدمة قطة أو عبث حيوان. أو حركة إنسان، أو عصفة ريح، أو يخشى التهاب ذبالتها واشتعال فتيلتها، من هواء يلعب بها، أو ينحبس عنها. أو وسخ في زيتها أو خلل في آلتها. فتتصل النار بما تجد. فإذا الحريق يلتهم الإنسان والحيوان، والبيت والمتاع. على حين غفلة. فيصعب الإطفاء ويعظم الخسار، فإن كان انقلاب السراج مأمونا؛ أو أحيط بما يمنع اتصاله بغيره لو وقع؛ أو كان نادر الخطر أو عديمه كالمصابيح الكهربائية، فلا حرج في تركه إن كانت مصلحة؛ وكذلك الحكم في المواقد لا ننام عنها متقدة نارها، وخاصة إذا كان الفحم وقودها، فربما وقع منها على الفراش؛ وربما استنفدت أو كسجين الحجرة؛ فمات

стр. 173

النيام مختنقين. وكم للمواقد والمصابيح من حوادث خطيرة نشأت من ترك الاسترشاد بهدي الرسول ﷺ . وثانيها- إغلاق الأبواب ليلا: فإنه يمنع الحيوان أن يتسرب إلى الخارج وأهله عنه غافلون. ويمنع السباع أن تدخل المنازل. فتفتك بالطيور الداجنة أو الحيوان أو تعتدي على الإنسان ويحول دون الشياطين من الإنس أو يكون عقبة في سبيلهم. فلا يسرقون وينهبون: ولا يعتدون ويسفكون. وإذا كان النهي عن المنكر واجبا فالحيلولة بينه وبين من رامه لازمة ومن الحيلولة أن تسد عليه الطريق، وتجيف دونه الباب. وثالثها ورابعها- إيكاء الأسقية التي فيها الماء: وتغطية الأوعية التي فيها الأطعمة والأشربة. فإن ذلك وقاية لها من الجراثيم المنتشرة.. وصيانة لها من الأتربة والأشياء القذرة، ومنعا للهوام والحشرات عنها وللطيور أن تلوثها، وللحيوان أن يلغ «١» فيها، فتبقى سليمة مما يفسدها؛ فيطعمها المرء هنيئا ويشربها مريئا. وخامسها: كفت «٢» الصبيان إذا ما جنّ الليل «٣» ، وإيواؤهم إلى المنازل؛ والرجوع بهم إلى المضاجع. فإن ذلك يطمئن أهليهم. ويحول دون ضلالهم في ظلام الليل، ويمنع غشيانهم لمجالس الفجار، التي تنفق بالليل؛ تستّرا بجلبابه الحالك، وارتيادا لأهل الريب والفساد، والليل كثير المخاطر، والصبيان طائشة العقول لا يحسنون الاحتراس، ولا يأخذون الحذر فربما صدمتهم عقبة أو سقطوا في حفرة. أو دهمتهم عربة، أو فجأتهم قاطرة، أو لسعتهم عقرب أو آذاهم شيطان؛ فكانت الحكمة أن يأرزوا «٤» إلى بيوتهم، ويمرحوا في رعاية آبائهم وأمهاتهم، أو يناموا تحت أستارهم؛ وأما الجن أو الشياطين- كما جاء في رواية- الذين ينتشرون بالليل، ويخشى منهم على الصبيان إذا بقوا في الخلاء، فهم عالم يروننا ولا نراهم إِنَّهُ يَراكُمْ هُوَ وَقَبِيلُهُ مِنْ حَيْثُ لا تَرَوْنَهُمْ «٥» . ومردة الجن هم الشياطين كما أن من الإنس شياطين كما صرح بذلك القرآن ولا

стр. 174

مانع من أن تمتد يدهم بالإيذاء إلى الصبيان الذين لا تحوطهم رعاية الآباء والأمهات، كما تمتد أيدي الشياطين منا إلى أبنائنا بالشتم والضرب. واللطم والخطف وَاللَّهُ مِنْ وَرائِهِمْ مُحِيطٌ «١» ، وَما أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا «٢» . ومن غريب الاستنباط أو عجيبه ما قال بعض الفقهاء: إن الحديث يدل على مشروعية وضع اليد على الفم عند التثاؤب لدخوله في عموم الأبواب مجازا؟؟ ٧٠- باب: الغنى غنى النفس عن أبي هريرة عن النّبيّ ﷺ قال: «ليس الغنى عن كثرة العرض، ولكنّ الغنى غنى النفس» . [رواه البخاري ومسلم «٣» وغيرهما] . اللغة: الغني: يقال لعدم الحاجة مطلقا، وليس ذلك إلا لله وحده، فهو الغني عن عباده، وهم الفقراء إليه وَاللَّهُ الْغَنِيُّ وَأَنْتُمُ الْفُقَراءُ «٤» ، ويقال لقلة الحاجات كما يقال لكثرة القنيات، والعرض: ما ينتفع به من متاع الدنيا وحطامها، وأما العرض: فهو ما كان من المال غير نقد، وجمعه عروض. الشرح: الغني في عرف الناس من كثر ماله، وعظمت ثروته، من ضياع واسعة. وجنات ناضرة. وعمارات شاهقة. وقناطير مقنطرة من الذهب والفضة وخيل مسومة «٥» . وأنعام راعية، وعروض نامية، وقد بين الرسول ﷺ أن الغني ليس بسعة الثروة. ووفرة المال. وكثرة المتاع ولكن الغنى غني النفس، فمن استغنى بما في يده عما في أيدي الناس، ولم تشرف نفسه عليه، ولم تتطلع إليه، فهو الغني الجدير بلقب الغنى، وإن كان في المال قلا إذ رضاه بالقسم وعفته، وزهده وقناعته، جعلته في درجة من الغنى دونها بطبقات أهل الثراء الذين حرموا الرضاء والزهادة بل أولئك

стр. 175

ليسوا من الغنى في شيء، وإن غني النفس مطمئن القلب. هادىء البال. لا يلحف «١» في سؤال. ولا يحرص على مال. ولا تذهب نفسه حسرة إذا فاتته صفقة «٢» أو ضاعت عليه فرصة. بل ما جاءه رضي به وقنع. وأنفق منه على نفسه وأهله. وبر الناس بعفوه وفضله. وهو من الناس ملك مبجل «٣» . وأمير موقر. وعظيم معزز. إذ لم ينزل بهم حاجته ولم يملك الحرص عليه منته، والحاجة مذلة، والحرص معرة. فإن كان إلى غنى النفس غنى المال. فتلك الدرجة العلياء. والعزة القعساء «٤» . أما من كثر ماله. وتشعبت أملاكه. وقلبه موزع بين ضيعته وعمارته. وذهبه وفضته وفرسه وبقرته. ليس له همّ إلا جمع المال. يحرص عليه أشد الحرص، ويتميز «٥» غيظا إذا فاته القرش، ويتمنى كل ما في أيدي الناس إلى ما في يده. بل يحسدهم على ما رزقوا من نعمة. يخشى عدوى الفقر إن مدت يده إلى فقير بدرهم. ويحسب الجائحة «٦» أن يتبرع لعمل خيري بيسير من وفره. ولم يبق ما يمتع فيه نفسه بثروته أو يقوم بواجبه لولده وزوجته. وقرابته وعشيرته ذلك هو الفقير حقا، المحروم صدقا. ومن ينفق الساعات في جمع ماله ... مخافة فقر فالذي فعل الفقر وهل يكون غنيا من نفسه لما في أيدي الناس متطلعة. وليست بما في يدها راضية قانعة؟ هل يكون غنيا من هذا الحرص من قوته. وأعل من صحته. ومنعه التكالب «٧» أن يروي نفسه من منهل العلم؛ ويغذّيها بلبان الحكمة؟ هل يكون غنيا من تبغي نفسه طعاما شهيا، أو ثمرا جنيا، أو لباسا رفيعا. فيأبى عليه حبه للمال. وشغفه بكنزه. إجابتها إلى طلبتها وتحقيق رغبتها؟ هل يكون غنيا من أولاده في بؤس؛ وأهله في ضنك يعيشون في أحضان الثروة ولكن من التمتع بها

стр. 176

محرومون؟ ذلك بلا ريب فقير؛ وإن عده الناس غنيا. وذلك المعدم وإن حسبه الناس ثريا. وذلك الذميم البغيض، والبائس الفقير الذي جعل الله المال في يده ألما له وعذابا، ونكالا وعقابا أَيَحْسَبُونَ أَنَّما نُمِدُّهُمْ بِهِ مِنْ مالٍ وَبَنِينَ. نُسارِعُ لَهُمْ فِي الْخَيْراتِ بَلْ لا يَشْعُرُونَ «١» ، وَيْلٌ لِكُلِّ هُمَزَةٍ لُمَزَةٍ. الَّذِي جَمَعَ مالًا وَعَدَّدَهُ. يَحْسَبُ أَنَّ مالَهُ أَخْلَدَهُ. كَلَّا لَيُنْبَذَنَّ فِي الْحُطَمَةِ «٢» ، أَلْهاكُمُ التَّكاثُرُ. حَتَّى زُرْتُمُ الْمَقابِرَ. كَلَّا سَوْفَ تَعْلَمُونَ «٣» . واعلم أن السبيل إلى غنى النفس الرضا بما قدر الله وأعطى والثقة بأن ما عنده خير وأبقى، وأن المال في يد الشره البخيل فقر ومذلة. وفي يد القانع الكريم غنى ومعزة وَما أَمْوالُكُمْ وَلا أَوْلادُكُمْ بِالَّتِي تُقَرِّبُكُمْ عِنْدَنا زُلْفى إِلَّا مَنْ آمَنَ وَعَمِلَ صالِحاً فَأُولئِكَ لَهُمْ جَزاءُ الضِّعْفِ بِما عَمِلُوا وَهُمْ فِي الْغُرُفاتِ آمِنُونَ «٤» . ٧١- باب: الاعتدال ومداومة الأعمال عن عائشة ﵂ أنها كانت تقول: قال رسول الله ﷺ : «سدّدوا، وقاربوا، وأبشروا، فإنّه لم يدخل الجنّة أحدا عمله» ، قالوا: ولا أنت يا رسول الله؟ قال: «ولا أنا، إلّا أن يتغمّدني الله منه برحمة، واعلموا أنّ أحبّ العمل إلى الله أدومه وإن قلّ» . [رواه البخاري ومسلم والنسائي «٥» ] . وفي الحديث أمر بثلاثة أشياء: التسديد، والمقاربة، والإبشار، وإخبار بأمرين

стр. 177

أولهما أن دخول الجنة ليس بالعمل. بل بفضل الله ورحمته. الثاني: أن أحب الأعمال إلى الله أدومها وإن قل. ١- التسديد في الأمور طلب السداد فيها: وهو القصد والعدل. أي ما بين الإفراط والتفريط، وفسّر السداد بالصواب وهو مقارب للقصد، لأن التقصير في المطلوب أو المغالاة فيه تخرجه عن الصواب، والقصد في الأمور ما كان عليه محمد ﷺ ، في تطهرهم، وصلاتهم، وصيامهم، وصدقاتهم، وأخلاقهم ... إلخ. ٢- والمقاربة عدم الإفراط في العبادة: لأن إجهاد النفس فيها يفضي إلى الملال فيؤدي إلى تركها، فيكون الإفراط فيها من التفريط والتقصير، فالمطلوب منا في الأعمال المقاربة لا المبالغة. وفي حديث جابر: «إن هذا الدين متين فأوغلوا «١» فيه برفق، ولا تبغضوا إلى أنفسكم عبادة الله، فإن المنبت لا أرضا قطع، ولا ظهرا أبقى» . ٣- والإبشار كالتبشير: الإخبار بما يسر ويظهر أثره على بشرة الإنسان (ظاهر جلده) فالرسول ﷺ يأمرنا بإدخال السرور على نفوسنا من فرط رحمة الله بنا نحن المؤمنين، العالمين، فلا نيأس من روح الله ما دمنا عند حدوده التي رسمها، لا نعصي له أمرا، ولا نخالف نهيا. ٤- تغمّده بالرحمة: عمّه بها وألبسه إياها حتى كانت له كالغمد للسيف، يبين الرسول ﷺ أن العمل لا يدخل عامله الجنة، ولو كان الرسول نفسه، إلا إذا شملته رحمة الله، وهذا ينافي آيات القرآن الكثيرة التي تدل على أن دخول الجنة وإرثها إنما هو بالعمل الصالح- مع الإيمان كقوله وَتِلْكَ الْجَنَّةُ الَّتِي أُورِثْتُمُوها بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ «٢» ، وقوله: ادْخُلُوا الْجَنَّةَ بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ «٣» ، وقد أجاب العلماء عن هذا التعارض بأجوبة كثيرة منها أن التوفيق للعمل من رحمة الله، ولولا رحمته ما كان إيمان ولا عمل صالح، فالسبب الأصلي لدخول الجنة الرحمة. والعمل المترتب عليه الدخول أثرها. ومنها أن أعمال الطاعات كانت في زمن يسير، والثواب لا ينفد،

стр. 178

فالإنعام الذي لا ينفد في جزاء ما ينفد بالفضل لا بالأعمال، وأقول: إن العمل في نفسه لا يتسبب عنه الدخول لولا أن الله جعله كذلك في حكمه وشرعه، وجعله سببا إنما هو بفضله ورحمته، ولو شاء لم يجعله سببا ولكن جعله كذلك في كتبه، وعلى السنة رسله، فلا سبيل إلى الجنة إلا من طريقه، فلا ندعه وتطمع في رحمة الله، فإن رحمته كتبها للذين يتقون، ويؤتون الزكاة والذين هم باياته يؤمنون، الذين يتبعون الرسول النبي الأمي، فإن راقتك «١» هذه الأجوبة فخذها وإن وفقت لخير منها فهاته. وإن لم تر سبيلا لدفع التعارض بين الآيات والحديث فالقرآن أولى بالتقدمة. ٥- الأعمال الطيبة كثيرة: كالصلاة، والصدقات، والصيام، وقراءة القرآن والانتصار للمظلومين، ونشر العلم بين الطالبين، والجد في خير الناس، والأعمال الطيبة من شأنها تغذية الإيمان وتقويته. وإعلاء النفس وإكبارها والقصد في العمل سبيل إدامته والمواظبة عليه. فبين الرسول ﷺ أن أحب الأعمال إلى الله وأولاها بالقبول والثواب ما داوم عليه صاحبه وإن قل. لأن المداومة فيها تغذية الإيمان في كل وقت. فلا تذبل شجرته وفيها ترقية دائمة للنفوس. فهي دائما صاعدة في درج الكمال. ولا كذلك الإجهاد الذي يقعد بالإنسان عن العمل، فتذوي «٢» شجرة الإيمان، وتضعف نفسه عن مكافحة الشدائد، ويشطب اسمه من ديوان العاملين المجاهدين، ويقيد في سجل الكسالى العاطلين، وقد أخبرت عائشة ﵂ بأن عمل الرسول ﷺ كان ديمة أي دائما لأن الديمة في الأصل المطر المستمر مع سكون، بلا رعد ولا برق، والمراد بالدوام الدوام العرفي وهو الإتيان بما يطلق عليه اسم المداومة عرفا، لا شمول الأزمنة إذ هذا غير مقدور. ٧٢- باب: حق الله على العباد وحقهم عليه عن معاذ بن جبل ﵁ قال: بينما أنا رديف النّبيّ ﷺ ليس بيني

стр. 179

وبينه إلّا آخرة الرّحل. فقال: «معاذ» : قلت: لبّيك رسول الله وسعديك، ثمّ سار ساعة، ثمّ قال: «يا معاذ» ، قلت: لبّيك رسول الله وسعديك، ثم سار ساعة، ثمّ قال: «يا معاذ بن جبل» ، قلت: لبّيك رسول الله وسعديك، قال: «هل تدري ما حقّ الله على عباده؟» ، قلت: الله ورسوله أعلم. قال: «حقّ الله على عباده أن يعبدوه ولا يشركوا به شيئا» ، ثم سار ساعة، ثمّ قال: «يا معاذ بن جبل» ، قلت: لبّيك رسول الله وسعديك، قال: «هل تدري ما حقّ العباد على الله إذا فعلوه؟» قلت: الله ورسوله أعلم. قال: «حقّ العباد على الله ألّا يعذبهم» . [رواه البخاري ومسلم «١» وأحمد وغيرهم] . اللغة: الرديف والردف: الذي يركب خلفك، ويقال الردف أيضا للكفل والعجز، وأردفه: أركبه خلفه، وكل شيء يتبع شيئا فهو ردفه، والترادف: التتابع، والرحل: ما يوضع على ظهر البعير كالسرج للفرس، وآخرته العود الذي يجعل خلف الراكب يستند إليه، ولبيك: مأخوذ من اللب وهو الإجابة والتثنية فيه للتكرير والتكثير أي إجابة لك بعد إجابة ولم يستعمل إلا على لفظ التثنية، وقيل: إنه من التلبية وهي إجابة المنادي من لب بالمكان وألب إذا أقام به، وألب على كذا إذا لم يفارقه، وهو منصوب على المصدر بعامل لا يظهر كأنك قلت: ألب إلبابا بعد إلباب، وقيل: معناه اتجاهي وقصدي إليك، من قولهم: داري تلب دارك أي تواجهها، وقيل: معناه إخلاصي لك من قولهم: حسب لباب، إذا كان خالصا محضا. ومنه لب الطعام ولبابه، وسعديك: معناه ساعدت طاعتك مساعدة بعد مساعدة، وإسعادا بعد إسعاد، والتثنية فيه والإعراب مثلهما في لبيك، والحق: الشيء الثابت المتحقق، فما للإنسان على غيره إن كان لا تردد فيه يسمى حقا؛ والله حق، والصدق حق، والعبادة: الطاعة مع خضوع أو هي غاية الخضوع. الشرح: كان معاذ بن جبل الشاب العابد، الأمة القانت، الشهم المجاهد الذي

стр. 180

حضر الغزوات كلها- راكبا في سفر خلف الرسول ﷺ دابته لا يفصله منه إلا آخرة الرحل التي كان يسند إليها ظهره. وكان إردافه له تواضعا منه ﷺ وإكراما للشباب المجاهد، فقال: يا معاذ. قال إجابة لك يا رسول الله بعد إجابة، وطاعة لك بعد طاعة. فتركه الرسول ﷺ دون أن يحدثه، وبعد أن سار ساعة قال: يا معاذ. قال: إتجاها إليك يا رسول الله بعد اتجاه، وإسعادا بعد إسعاد، فتركه الرسول ﷺ أيضا بدون محادثة. وبعد أن سار فترة قال: يا معاذ بن جبل. قال: إخلاصا لك يا رسول الله بعد إخلاص. ومساعدة غب «١» مساعدة، فتلك نداآت ثلاث نبهت معاذا إلى العناية بما يلقى؛ وصرف الذهن إليه، وإرهاف «٢» الأذن له؛ وإيقاظ الحافظة «٣» لضبطه ووعيه وعرفته أنه نبأ عظيم؛ وحديث خطير، ثم قال له: هل تدري يا معاذ ما حق الله على عباده وما الذي يجب عليهم أن يحققوه شكرا له؟ ولم يستفهم الرسول ﷺ منه استجوابا له، ولكن زيادة في تنبيهه إلى ما يلقى عليه، وتشويقا إليه. وقد ردّ معاذ علم ذلك إلى الله الذي أحاط بكل شيء علما. وإلى الرسول ﷺ الذي يبلغ عن الله وحيه وهذا من معاذ كمال أدب: وقف عند حده. ولم يقف ما ليس له به علم. وقد بين له الرسول ﷺ أن حق الله على عباده أن يعبدوه ولا يشركوا به شيئا: كلمة جامعة لم تترك من الدّين صغيرة ولا كبيرة. فعبادته الخضوع له والتذلل. وذلك بطاعته فيما أمر ونهي فنؤمن برسوله ونصدق بكتابه، ونقيم الصلاة ونؤتي الزكاة، ونهذب نفوسنا ونصح أجسامنا بالصيام، ونحج البيت الحرام ما استطعنا إلى ذلك سبيلا، ونحسن عشرة الناس، ونصدق في معاملتهم، ونخالقهم «٤» بخلق حسن، ونقف عند ما شرع الله، لا نتعدّى حدوده. ولا نتجاوز رسومه. ونجانب كل ما نهى عنه من الخبائث مما هو اعتداء على النفس. أو المال أو العرض أو إضرار بالخلق. وأساس ذلك علم بكتاب الله، وبما احتواه، وهذا بتلاوته وتدبره ودراسته وتفهمه. أما توحيده وعدم الإشراك به فأن نعتقد أنه وحده صاحب الخلق والأمر. وأن من دونه لا يملك ضرا ولا نفعا إلا ما شاء الله. سواء أكان ملكا مقربا؛ أو نبيا مرسلا، أو وليا عابدا؛ ومن توحيده أن تكون الأعمال خالصة لوجهه؛ لا يشوبها خداع ولا رياء ولا
следующие страницы →