محرومون؟ ذلك بلا ريب فقير؛ وإن عده الناس غنيا. وذلك المعدم وإن حسبه الناس ثريا. وذلك الذميم البغيض، والبائس الفقير الذي جعل الله المال في يده ألما له وعذابا، ونكالا وعقابا أَيَحْسَبُونَ أَنَّما نُمِدُّهُمْ بِهِ مِنْ مالٍ وَبَنِينَ. نُسارِعُ لَهُمْ فِي الْخَيْراتِ بَلْ لا يَشْعُرُونَ «١» ، وَيْلٌ لِكُلِّ هُمَزَةٍ لُمَزَةٍ. الَّذِي جَمَعَ مالًا وَعَدَّدَهُ.
يَحْسَبُ أَنَّ مالَهُ أَخْلَدَهُ. كَلَّا لَيُنْبَذَنَّ فِي الْحُطَمَةِ «٢» ، أَلْهاكُمُ التَّكاثُرُ. حَتَّى زُرْتُمُ الْمَقابِرَ. كَلَّا سَوْفَ تَعْلَمُونَ «٣» .
واعلم أن السبيل إلى غنى النفس الرضا بما قدر الله وأعطى والثقة بأن ما عنده خير وأبقى، وأن المال في يد الشره البخيل فقر ومذلة. وفي يد القانع الكريم غنى ومعزة وَما أَمْوالُكُمْ وَلا أَوْلادُكُمْ بِالَّتِي تُقَرِّبُكُمْ عِنْدَنا زُلْفى إِلَّا مَنْ آمَنَ وَعَمِلَ صالِحاً فَأُولئِكَ لَهُمْ جَزاءُ الضِّعْفِ بِما عَمِلُوا وَهُمْ فِي الْغُرُفاتِ آمِنُونَ «٤» .
٧١- باب: الاعتدال ومداومة الأعمال
عن عائشة ﵂ أنها كانت تقول: قال رسول الله ﷺ :
«سدّدوا، وقاربوا، وأبشروا، فإنّه لم يدخل الجنّة أحدا عمله» ، قالوا: ولا أنت يا رسول الله؟ قال: «ولا أنا، إلّا أن يتغمّدني الله منه برحمة، واعلموا أنّ أحبّ العمل إلى الله أدومه وإن قلّ» . [رواه البخاري ومسلم والنسائي «٥» ] .
وفي الحديث أمر بثلاثة أشياء: التسديد، والمقاربة، والإبشار، وإخبار بأمرين
стр. 177
أولهما أن دخول الجنة ليس بالعمل. بل بفضل الله ورحمته.
الثاني: أن أحب الأعمال إلى الله أدومها وإن قل.
١- التسديد في الأمور طلب السداد فيها:
وهو القصد والعدل. أي ما بين الإفراط والتفريط، وفسّر السداد بالصواب وهو مقارب للقصد، لأن التقصير في المطلوب أو المغالاة فيه تخرجه عن الصواب، والقصد في الأمور ما كان عليه محمد ﷺ ، في تطهرهم، وصلاتهم، وصيامهم، وصدقاتهم، وأخلاقهم ... إلخ.
٢- والمقاربة عدم الإفراط في العبادة:
لأن إجهاد النفس فيها يفضي إلى الملال فيؤدي إلى تركها، فيكون الإفراط فيها من التفريط والتقصير، فالمطلوب منا في الأعمال المقاربة لا المبالغة.
وفي حديث جابر: «إن هذا الدين متين فأوغلوا «١» فيه برفق، ولا تبغضوا إلى أنفسكم عبادة الله، فإن المنبت لا أرضا قطع، ولا ظهرا أبقى» .
٣- والإبشار كالتبشير:
الإخبار بما يسر ويظهر أثره على بشرة الإنسان (ظاهر جلده) فالرسول ﷺ يأمرنا بإدخال السرور على نفوسنا من فرط رحمة الله بنا نحن المؤمنين، العالمين، فلا نيأس من روح الله ما دمنا عند حدوده التي رسمها، لا نعصي له أمرا، ولا نخالف نهيا.
٤- تغمّده بالرحمة:
عمّه بها وألبسه إياها حتى كانت له كالغمد للسيف، يبين الرسول ﷺ أن العمل لا يدخل عامله الجنة، ولو كان الرسول نفسه، إلا إذا شملته رحمة الله، وهذا ينافي آيات القرآن الكثيرة التي تدل على أن دخول الجنة وإرثها إنما هو بالعمل الصالح- مع الإيمان كقوله وَتِلْكَ الْجَنَّةُ الَّتِي أُورِثْتُمُوها بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ «٢» ، وقوله: ادْخُلُوا الْجَنَّةَ بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ «٣» ، وقد أجاب العلماء عن هذا التعارض بأجوبة كثيرة منها أن التوفيق للعمل من رحمة الله، ولولا رحمته ما كان إيمان ولا عمل صالح، فالسبب الأصلي لدخول الجنة الرحمة. والعمل المترتب عليه الدخول أثرها. ومنها أن أعمال الطاعات كانت في زمن يسير، والثواب لا ينفد،
стр. 178
فالإنعام الذي لا ينفد في جزاء ما ينفد بالفضل لا بالأعمال، وأقول: إن العمل في نفسه لا يتسبب عنه الدخول لولا أن الله جعله كذلك في حكمه وشرعه، وجعله سببا إنما هو بفضله ورحمته، ولو شاء لم يجعله سببا ولكن جعله كذلك في كتبه، وعلى السنة رسله، فلا سبيل إلى الجنة إلا من طريقه، فلا ندعه وتطمع في رحمة الله، فإن رحمته كتبها للذين يتقون، ويؤتون الزكاة والذين هم باياته يؤمنون، الذين يتبعون الرسول النبي الأمي، فإن راقتك «١» هذه الأجوبة فخذها وإن وفقت لخير منها فهاته.
وإن لم تر سبيلا لدفع التعارض بين الآيات والحديث فالقرآن أولى بالتقدمة.
٥- الأعمال الطيبة كثيرة:
كالصلاة، والصدقات، والصيام، وقراءة القرآن والانتصار للمظلومين، ونشر العلم بين الطالبين، والجد في خير الناس، والأعمال الطيبة من شأنها تغذية الإيمان وتقويته. وإعلاء النفس وإكبارها والقصد في العمل سبيل إدامته والمواظبة عليه.
فبين الرسول ﷺ أن أحب الأعمال إلى الله وأولاها بالقبول والثواب ما داوم عليه صاحبه وإن قل. لأن المداومة فيها تغذية الإيمان في كل وقت. فلا تذبل شجرته وفيها ترقية دائمة للنفوس. فهي دائما صاعدة في درج الكمال. ولا كذلك الإجهاد الذي يقعد بالإنسان عن العمل، فتذوي «٢» شجرة الإيمان، وتضعف نفسه عن مكافحة الشدائد، ويشطب اسمه من ديوان العاملين المجاهدين، ويقيد في سجل الكسالى العاطلين، وقد أخبرت عائشة ﵂ بأن عمل الرسول ﷺ كان ديمة أي دائما لأن الديمة في الأصل المطر المستمر مع سكون، بلا رعد ولا برق، والمراد بالدوام الدوام العرفي وهو الإتيان بما يطلق عليه اسم المداومة عرفا، لا شمول الأزمنة إذ هذا غير مقدور.
٧٢- باب: حق الله على العباد وحقهم عليه
عن معاذ بن جبل ﵁ قال: بينما أنا رديف النّبيّ ﷺ ليس بيني
стр. 179
وبينه إلّا آخرة الرّحل. فقال: «معاذ» : قلت: لبّيك رسول الله وسعديك، ثمّ سار ساعة، ثمّ قال: «يا معاذ» ، قلت: لبّيك رسول الله وسعديك، ثم سار ساعة، ثمّ قال: «يا معاذ بن جبل» ، قلت: لبّيك رسول الله وسعديك، قال:
«هل تدري ما حقّ الله على عباده؟» ، قلت: الله ورسوله أعلم. قال: «حقّ الله على عباده أن يعبدوه ولا يشركوا به شيئا» ، ثم سار ساعة، ثمّ قال: «يا معاذ بن جبل» ، قلت: لبّيك رسول الله وسعديك، قال: «هل تدري ما حقّ العباد على الله إذا فعلوه؟» قلت: الله ورسوله أعلم. قال: «حقّ العباد على الله ألّا يعذبهم» . [رواه البخاري ومسلم «١» وأحمد وغيرهم] .
اللغة:
الرديف والردف: الذي يركب خلفك، ويقال الردف أيضا للكفل والعجز، وأردفه: أركبه خلفه، وكل شيء يتبع شيئا فهو ردفه، والترادف: التتابع، والرحل: ما يوضع على ظهر البعير كالسرج للفرس، وآخرته العود الذي يجعل خلف الراكب يستند إليه، ولبيك: مأخوذ من اللب وهو الإجابة والتثنية فيه للتكرير والتكثير أي إجابة لك بعد إجابة ولم يستعمل إلا على لفظ التثنية، وقيل: إنه من التلبية وهي إجابة المنادي من لب بالمكان وألب إذا أقام به، وألب على كذا إذا لم يفارقه، وهو منصوب على المصدر بعامل لا يظهر كأنك قلت: ألب إلبابا بعد إلباب، وقيل: معناه اتجاهي وقصدي إليك، من قولهم: داري تلب دارك أي تواجهها، وقيل: معناه إخلاصي لك من قولهم: حسب لباب، إذا كان خالصا محضا. ومنه لب الطعام ولبابه، وسعديك: معناه ساعدت طاعتك مساعدة بعد مساعدة، وإسعادا بعد إسعاد، والتثنية فيه والإعراب مثلهما في لبيك، والحق: الشيء الثابت المتحقق، فما للإنسان على غيره إن كان لا تردد فيه يسمى حقا؛ والله حق، والصدق حق، والعبادة: الطاعة مع خضوع أو هي غاية الخضوع.
الشرح:
كان معاذ بن جبل الشاب العابد، الأمة القانت، الشهم المجاهد الذي
стр. 180
حضر الغزوات كلها- راكبا في سفر خلف الرسول ﷺ دابته لا يفصله منه إلا آخرة الرحل التي كان يسند إليها ظهره. وكان إردافه له تواضعا منه ﷺ وإكراما للشباب المجاهد، فقال: يا معاذ. قال إجابة لك يا رسول الله بعد إجابة، وطاعة لك بعد طاعة. فتركه الرسول ﷺ دون أن يحدثه، وبعد أن سار ساعة قال: يا معاذ. قال:
إتجاها إليك يا رسول الله بعد اتجاه، وإسعادا بعد إسعاد، فتركه الرسول ﷺ أيضا بدون محادثة. وبعد أن سار فترة قال: يا معاذ بن جبل. قال: إخلاصا لك يا رسول الله بعد إخلاص. ومساعدة غب «١» مساعدة، فتلك نداآت ثلاث نبهت معاذا إلى العناية بما يلقى؛ وصرف الذهن إليه، وإرهاف «٢» الأذن له؛ وإيقاظ الحافظة «٣» لضبطه ووعيه وعرفته أنه نبأ عظيم؛ وحديث خطير، ثم قال له: هل تدري يا معاذ ما حق الله على عباده وما الذي يجب عليهم أن يحققوه شكرا له؟ ولم يستفهم الرسول ﷺ منه استجوابا له، ولكن زيادة في تنبيهه إلى ما يلقى عليه، وتشويقا إليه.
وقد ردّ معاذ علم ذلك إلى الله الذي أحاط بكل شيء علما. وإلى الرسول ﷺ الذي يبلغ عن الله وحيه وهذا من معاذ كمال أدب: وقف عند حده. ولم يقف ما ليس له به علم. وقد بين له الرسول ﷺ أن حق الله على عباده أن يعبدوه ولا يشركوا به شيئا:
كلمة جامعة لم تترك من الدّين صغيرة ولا كبيرة. فعبادته الخضوع له والتذلل. وذلك بطاعته فيما أمر ونهي فنؤمن برسوله ونصدق بكتابه، ونقيم الصلاة ونؤتي الزكاة، ونهذب نفوسنا ونصح أجسامنا بالصيام، ونحج البيت الحرام ما استطعنا إلى ذلك سبيلا، ونحسن عشرة الناس، ونصدق في معاملتهم، ونخالقهم «٤» بخلق حسن، ونقف عند ما شرع الله، لا نتعدّى حدوده. ولا نتجاوز رسومه. ونجانب كل ما نهى عنه من الخبائث مما هو اعتداء على النفس. أو المال أو العرض أو إضرار بالخلق.
وأساس ذلك علم بكتاب الله، وبما احتواه، وهذا بتلاوته وتدبره ودراسته وتفهمه. أما توحيده وعدم الإشراك به فأن نعتقد أنه وحده صاحب الخلق والأمر. وأن من دونه لا يملك ضرا ولا نفعا إلا ما شاء الله. سواء أكان ملكا مقربا؛ أو نبيا مرسلا، أو وليا عابدا؛ ومن توحيده أن تكون الأعمال خالصة لوجهه؛ لا يشوبها خداع ولا رياء ولا
стр. 181
تدليس ونفاق، وألا ندعوا معه غيره. أو نقدم إليه القرابين أو نسوق النذور. أو نتخذه وسيلة إليه. فإن كل ذلك شرك ينافي مقام التوحيد ثم سأل رسول الله ﷺ معاذا عن حق العباد على الله، وما وعدهم به؛ وكتبه لهم على نفسه؛ إذا هم عبدوه حق عبادته وأخلصوا له الدّين. وأسلموا الوجوه، وعمّروا القلوب بتوحيده، وطهروها من دنس الإشراك. فقال له مثل مقالته الأولى: الله ورسوله أعلم. فقال له الرسول ﷺ : حق العباد على الله ألا يعذبهم. وكيف يعذب من توفر «١» على طاعته، وكان عبده السميع، تقرع أذنه آي الوحي فإذا به قد مثلها في عمله، وأظهرها في خلقه، ويسمع هدى الرسول ﷺ فإذا به قد اتخذه إماما وقدوة: وهاديا وأسوة؛ كيف يعذب ذا النفس العالية.
الطاهرة النقية، التي لا يرى فيها إلا بياض التوحيد ونوره، ليس بها نكتة «٢» من دنس أو شرك، بل كيف لا يسبغ نعمته، ويدخل جنته عباده المقربين، وجنده المخلصين، وهو البّر الرحيم؛ وأكرم الأكرمين وَأَمَّا مَنْ خافَ مَقامَ رَبِّهِ وَنَهَى النَّفْسَ عَنِ الْهَوى. فَإِنَّ الْجَنَّةَ هِيَ الْمَأْوى «٣» .
٧٣- باب: نذر الطاعة ونذر المعصية
عن عائشة عن النّبيّ ﷺ قال: «من نذر أن يطيع الله فليطعه، ومن نذر أن يعصيه فلا يعصه» . [رواه البخاري وأبو داود والترمذي والنسائي وابن ماجه «٤» ] .
النذر:
أن توجب على نفسك ما ليس بواجب لحدوث أمر، كأن تنذر صدقة أو اعتكافا، أو تهجدا إذا رزقت ولدا، أو بلغت أملا. وفي هذا الحديث أمر الرسول ﷺ عن نذر طاعة الله أن يطيعه ونهى من نذر معصيته أن يعصيه. فنذر الطاعة يجب الوفاء
стр. 182
به. قال تعالى: وَلْيُوفُوا نُذُورَهُمْ «١» ، ونذر المعصية يحرم الوفاء به، إذ لا نذر في معصية الخالق.
فمن نذر إرشاد الجاهلين. وإنقاذ المظلومين أو مساعدة البائسين. أو زيارة الأقربين، أو الجهاد في سبيل الله ونشر دينه ومطاردة أعدائه وجب عليه الوفاء بما نذر، ومن نذر النكاية بعدوه، بإراقة دمه أو اغتصاب ماله أو نذر الانضمام لحزب مبطل، أو انتخاب شخص مجرم، أو شرب خمر، أو لعب ميسر، أو إقامة ليلة ساهرة، تنتهك فيها الحرمات. ويعصي الإله حرم عليه الوفاء. والطاعة تشمل الواجبات كالصلاة المكتوبة، والزكاة المفروضة، وصيام رمضان، والحج الواجب، والنفقة على الزوجة والولد، وتشمل المندوبات كصلاة النافلة، والصدقة الجارية، والصيام المستحب وحج التطوع، فالواجبات إذا كانت عينية لا ينعقد نذرها لأنها واجبة بدون إيجاب العبد. بل تدخل تحت عنوان النذر لأنه إيجاب ما ليس بواجب وهذه واجبة. أما الواجب على الكفاية كالجهاد ورد السلام. والمندوب فينعقد نذره.
ويجب الوفاء به. وأما نذر المباح كلبس الثوب وركوب الدابة والتروض فقد استدل لصحته بحديث عائشة: «لا نذر في معصية. وكفارته كفارة يمين» ، رواه أصحاب السنن «٢» . وجمهرة المحدثين على تضعيفه فلما نفي نذر المعصية أفاد صحة ما عداه.
وبحديث بريدة عند أحمد والترمذي: أن امرأة قالت: يا رسول الله إني نذرت أن أضرب على رأسك بالدف، فقال لها: «أوف بنذرك» ، وكان ذلك وقت خروجه في غزوة، فنذرت الضرب بالدف إن رده الله تعالى سالما.
وقال مالك والشافعي: لا ينعقد نذر المباح واستدلا بحديث ابن عباس قال:
بينا النبي ﷺ يخطب إذ هو برجل قائم؛ فسأل عنه؛ فقالوا: أبو إسرائيل نذر أن يقوم في الشمس؛ ولا يقعد؛ ولا يستظل ولا يتكلم؛ وأن يصوم؛ فقال النبي ﷺ : «مروه
стр. 183
فليتكلم وليستظل وليقعد، وليتم صومه» ، رواه البخاري وأبو داود وابن ماجه «١» ؛ فأمره بفعل الطاعة؛ وأسقط عنه المباح؛ وأصرح من هذا ما رواه أحمد وأبو داود عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده أن النبي ﷺ قال: «لا نذر إلا فيما ابتغي به وجه الله» «٢» ، في سند هذا الحديث عند أحمد عبد الله بن نافع المدني وهو ضعيف، وأجابا عن حديث عائشة بضعفه؛ وعن حديث بريدة بأنه لا مانع من أن يكون من قسم المباح ما يصير مندوبا إذا قصد به القربة كالنوم في القائلة «٣» للتّقوي به على قيام الليل؛ والسحور للتّقوي على صيام النهار، فيجوز أن يكون إظهار الفرح بعود النبي ﷺ سالما معنى مقصودا يثاب عليه؛ فيكون مندوبا.
وقد اختلف الفقهاء في نذر المعصية هل تجب فيه كفارة أو لا تجب؟ فقال بوجوبها الثوري وإسحاق وأبو حنيفة وأصحابه وأحمد وبعض الشافعية؛ وهو مروي عن ابن مسعود وابن عباس وجابر وعمران بن حصين؛ وسمرة بن جندب؛ وقال بعدم الوجوب مالك والشافعي والجمهور؛ وهو رواية عن أحمد؛ واستدل الأولون بحديث عائشة السابق «لا نذر في معصية، وكفارته كفارة يمين» ، وبحديث ابن عباس أن النبي ﷺ قال: «من نذر نذرا في معصية فكفارته كفارة يمين» ، رواه أبو داود «٤» ؛ وبحديث عقبة بن عامر قال: قال رسول الله ﷺ «كفارة النذر كفارة يمين» ، رواه مسلم «٥» وأحمد؛ فعمومه يشمل نذر المعصية؛ وبأن النذر يمين؛ ومن حلف على فعل معصية لزمته الكفارة فكذلك إذا نذرها، والدليل على أنه يمين حديث ابن عباس قال: جاءت امرأة إلى النبي ﷺ فقالت: يا رسول الله إن أختي نذرت أن تحج ماشية،
стр. 184
فقال: «إن الله لا يصنع بشقاء أختك شيئا؛ لتخرج راكبة؛ ولتكفر عن يمينها» ، رواه أحمد وأبو داود «١» .
واستدل الجمهور بأنه نذر غير منعقد، فلا يوجب شيئا كاليمين غير المنعقدة، بل لا يسمى نذرا لأن النذر التزام الطاعة، وهذا التزام معصية؛ وبالأحاديث التي أبطلت نذر المعصية ولم تذكر فيه كفارة؛ كحديثنا؛ وحديث مسلم «لا نذر في معصية الله، ولا فيما لا يملك العبد» «٢» . وأجابوا عن أدلة الأولين بضعف حديث عائشة، وبأن الأصح في حديث ابن عباس أنه موقوف عليه؛ وأما حديث عقبة ففيه زيادة تمنع العموم. إذا رواه الترمذي بلفظ «كفارة النذر إذا لم يسم كفارة يمين» ، ورواه ابن ماجه بلفظ «من نذر نذرا لم يسمه» «٣» إلخ. فكفارة اليمين في النذر المبهم.
كأن يقول: لله عليّ نذر. ولا يزيد. ولا يعلم خلاف في ذلك إلا عن الشافعي فإنه قال: لا ينعقد النذر المبهم ولا كفارة فيه؛ والحديث حجة عليه. وبماذا يجيب الجمهور عن كون النذر يمينا؟ أيقولون: نذر المعصية يمين غير منعقدة؟
وبهذا عرفت حكم نذر الطاعة. ونذر الواجب. ونذر المعصية. ونذر المباح والنذر المبهم. وبقي نوعان: هما نذر اللجاج والغضب. ونذر المستحيل فالأول ما أخرج مخرج اليمين بأن يراد به الحث على فعل شيء. أو المنع منه من غير أن يقصد به النذر والقربة. كالذي يقول في حال الغضب لخصمه إن لم أرفع عليك قضية فداري صدقة. أو يقول: إن عاشرت فلانا فعلي مائة جنيه للجمعية الخيرية الإسلامية. يريد الأول حث نفسه على رفع القضية وبالثاني الامتناع عن معاشرته.
وهذا حكمه حكم اليمين. فإن رفع القضية أو ترك العشرة فلا شيء عليه وإن لم يرفع أو عاشر لزمته كفارة يمين. وهو مخير بين الأمرين. وهذا رأي الجمهور.
وقال أبو حنيفة ومالك: يلزمه الوفاء بنذره، أما نذر المستحيل كصوم الأمس
стр. 185
فلا ينعقد، لأنه لا يتصور الوفاء به، ولا يوجب شيئا. كما لو حلف على فعله، فإنه لا تلزمه كفارة. فالنذر من باب أولى.
٧٤- باب: الأخذ بالأيسر وترك الانتقام للنفس
عن عائشة ﵂ قالت: «ما خيّر رسول الله ﷺ بين أمرين قطّ إلّا أخذ أيسرهما ما لم يكن إثما، فإن كان إثما كان أبعد النّاس منه، وما انتقم رسول الله ﷺ لنفسه في شيء قطّ إلّا أن تنتهك حرمة الله فينتقم بها لله» . [رواه البخاري ومسلم «١» ] .
اللغة:
الانتقام: المبالغة في العقوبة. مأخوذ من نقم ينقم- كضرب وعلم- إذا بلغت به الكراهة حد السخط. والنقمة العقوبة. والحرمة ما وجب القيام به من حقوق الله وحرّم التفريط فيه، وتقال لما لا يحل فعله. وانتهاكها: تناولها بما لا يحل.
الشرح:
للرسول ﷺ الأدب الكريم، والخلق العظيم، وفي هذا الحديث تقص علينا عائشة الصديقة زوج الرسول ﷺ وأكرم نسائه عليه. ومن أعلمهن بادابه خلقين من أخلاقه العالية، هما اختيار الأسهل الأيسر. ما لم يكن محرما، وعدم الانتقام لنفسه ما لم تغش «٢» محارم الله. فينتقم لله.
فمثل خيّره ربه بين الإفطار والصيام في السفر أو المرض. فاختار الأيسر، وخيره بين مقابلة السيئة بمثلها والعفو فاختار العفو، وخيّره فيمن تحاكموا إليه غير مخلصين في الحكم بينهم أو الإعراض عنهم، فاختار ما رآه أسهل، وخيّره بين أن يقوم نصف الليل أو ثلثه، أو يزيد على النصف فكان يختار ما يراه أيسر على نفسه، وخيّره بين أن يفتح له كنوز الأرض أو يجعل رزقه الكفاف فاختار الكفاف ليتفرغ
стр. 186
لعبادة ربه، والدعوة إلى دينه، وكذلك إذا خيّره أهل بيته بين أمرين اختار أيسرهما، فإذا خيّروه بين طعامين اختار أدناهما كلفة. وإذا استشار أصحابه في أي الطرق يسلك في سفرة أو غزوة، وفي أي الأماكن ينزل، أو في أي البقاع تكون المعركة، فأشاروا بأمرين اختار الأيسر منهما، وهكذا دأبه، ما لم يكن أحد الأمرين معصية، فإنه يكون أبعد الناس منه، وكيف لا تنفر نفسه الطيبة الطاهرة بما يخدش طاعته لربه، وحرصه على شرعه ولن يخيره بين طيب وخبيث. كماء وخمر إلا جاهل بالدّين، أو منافق. أو كافر لا يعلم أحكام الشريعة، ذلك الخلق الأول.
أما الخلق الثاني فكان ﷺ لا يناله أمر يمضه من جفاة الأعراب أو من ضعفة الإيمان، أو من أعدائه فينتقم لنفسه. فالأعرابي الذي جفا عليه في صوته، والآخر الذي جذبه من ردائه حتى أثر في كتفه، وذلك الذي اتهمه بالظلم في القسمة، وذلك الذي أخذ منه سيفه على غرة وأراد الفتك به، فسقط من يده، وتناوله الرسول ﷺ .
كل أولئك وأمثالهم صفح عنهم الرسول ﷺ وهذا ما لم يكن الإيذاء له انتهاك لحرمة من حرمات الله، واعتداء على شرعه فإنه ينتقم لله، انتصارا لدينه، وقياما بواجب النهي عن المنكر.
ولذلك أقام حد القذف ثمانين جلدة على من رمى زوجه البتول بالإفك، وآذاه في أهل بيته وأهدر دماء جماعة من المشركين لما فتح مكة ممن كانوا يؤذونه لأنهم كثيرا ما انتهكوا حرمات الله وَلا تَأْخُذْكُمْ بِهِما رَأْفَةٌ فِي دِينِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ «١» .
والحديث يحثنا على أخذ اليسر، والرغبة عن العسر، ويدعونا إلى الأخذ بالرخص إن كانت على النفس أسهل. والعفو عن المسيئين إلا أن ينتهكوا حرمات هذا الدّين، ويندبنا إلى الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وألا تأخذنا في ذلك هوادة «٢» .
стр. 187
٧٥- باب: تقاتل المسلمين وعقابه
عن أبي بكرة نفيع بن الحارث الثقفي، قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «إذا التقى المسلمان بسيفيهما فالقاتل والمقتول في النّار» ، فقلت: يا رسول الله هذا القاتل، فما بال المقتول؟ قال: «إنّه كان حريصا على قتل صاحبه» . [رواه الشيخان وأبو داود والنسائي «١» ] .
اللغة:
البال: الحال الذي يهتم بها، يقال: ما باليت بكذا بالة أي ما اهتممت به ويطلق على الخاطر، وعلى القلب، والحرص فرط الشره، وفرط الإرادة.
الشرح:
القتل العدوان إثم كبير، وجرم عظيم. توعد الله عليه بالعذاب الشديد في قوله وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِناً مُتَعَمِّداً فَجَزاؤُهُ جَهَنَّمُ خالِداً فِيها وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَلَعَنَهُ وَأَعَدَّ لَهُ عَذاباً عَظِيماً «٢» ، وما كانت يد المؤمن الذي ملأ الإيمان قلبه لتمتد إلى أخيه بسفك دمه، وإزهاق حياته وَما كانَ لِمُؤْمِنٍ أَنْ يَقْتُلَ مُؤْمِناً إِلَّا خَطَأً «٣» ، وقد بين الرسول ﷺ في هذا الحديث أنه إذا تلاقى مسلمان بسيفيهما، أو بندقيتيهما، أو مسدسيهما، أو مديتيهما «٤» ، أو نبوتيهما «٥» ؛ أو غيرها من آلات القتل، فذكر السيف على سبيل التمثيل وأعمل كل منهما ما في يده للقضاء على صاحبه، والإيذاء بحياته فالقاتل والمقتول في النار. فسأل أبو بكرة رسول الله ﷺ قائلا: هذا القاتل الذي أودى بحياة صاحبه يستحق النار كما نطق بذلك القرآن، ولكن ما شأن القتيل الذي أريق دمه حتى يكون مع قاتله في النار؟ فقال ﷺ : «إنه كان حريصا على قتل
стр. 188
صاحبه» ، وشارعا فيه، ومتلبسا بأسبابه المباشرة، ولولا أن ضربة صاحبه عجلت بحياته، وجدلته مضرجا «١» بدمائه لكان هو السافك، وقرينه القتيل. فكل منهما باء بإثمه، واستوجب العقاب بجرمه.
فإن رفعت سيفك بحق على من رفعه عليك عدوانا وظلما. أو حسدا وبغيا، فلا حرج عليك ولا ملامة، ولن تمسّك النار، بل ربما كنت مأجورا إذا قضيت به على المجرمين السفّاكين.
فإذا قام نزاع بين طائفتين من المسلمين حتى اشتعلت نار الحرب بينهما وعملنا ما نستطيع للقضاء على الخصومة. وإحلال السلم محل الحرب. فأبتا أو أبت إحداهما وجب علينا الإنضمام للمحقة «٢» وقتال الباغية. وإشهار سيوفنا على سيوفها حتى نفلها. ونذهب بشوكتها وتفيء إلى أمر الله وَإِنْ طائِفَتانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُما فَإِنْ بَغَتْ إِحْداهُما عَلَى الْأُخْرى فَقاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّى تَفِيءَ إِلى أَمْرِ اللَّهِ فَإِنْ فاءَتْ فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُما بِالْعَدْلِ وَأَقْسِطُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ. إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ فَأَصْلِحُوا بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ «٣» ، وإذا أرادك باغ على نفسك، أو مالك أو عرضك فدافعته بسيفك فلست للنار بأهل. إذا كنت لا تستطيع دفعه إلا بالسيف، ولكن استعمله بنية الدفاع لا بنية القتل. فإن قضت عليه ضربة الدفاع فعلى شر قضيت، وإن أصابتك ضربة ففي سبيل الله قتلت، وفي سجل الشهداء كتبت.
وفي صحيح مسلم عن أبي هريرة أنه جاء رجل إلى النبي ﷺ فقال: يا رسول الله أرأيت إن جاء رجل يريد أخذ مالي؟ قال: «فلا تعطه» ، قال: فإن قاتلني قال:
«فاقتله» ، قال: فإن قتلني، قال: «فأنت شهيد» ، قال: أرأيت إن قتلته؟ قال: «فهو في النار» «٤» ، وفي حديث عبد الله بن عمرو عند أبي داود والترمذي وصححه «من قتل دون دينه فهو شهيد، ومن قتل دون دمه فهو شهيد، ومن قتل دون ماله فهو شهيد،
стр. 189
ومن قتل دون أهله فهو شهيد» «١» .
وظاهر الحديث أن درجة القاتل والقتيل في العذاب بالنار سواء، لأن كلا منهما بذل منتهى جهده لقتل صاحبه، غاية الأمر أن ضربة أحدهما نفذت قبل الآخرى.
وقيل: بل درجتهما مختلفة، فالقاتل يعذب على القتال والقتل؛ والقتيل يعذب على القتال فقط؛ فعذاب القاتل أطول أو أشد.
وقد اختلف العلماء سلفا وخلفا في القاتل إذا تاب أتنفع توبته، فتدرأ عنه العذاب أم لا تنفع؟ قال جماعة بالثاني منهم ابن عباس وزيد بن ثابت؛ مستدلين بقوله تعالى في سورة النساء وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِناً مُتَعَمِّداً فَجَزاؤُهُ جَهَنَّمُ ... «٢» إلخ، وقال كثيرون بالنفع لقوله تعالى في صفة عباد الرحمن وَلا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ وَلا يَزْنُونَ وَمَنْ يَفْعَلْ ذلِكَ يَلْقَ أَثاماً. يُضاعَفْ لَهُ الْعَذابُ يَوْمَ الْقِيامَةِ وَيَخْلُدْ فِيهِ مُهاناً. إِلَّا مَنْ تابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ عَمَلًا صالِحاً فَأُوْلئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئاتِهِمْ حَسَناتٍ وَكانَ اللَّهُ غَفُوراً رَحِيماً «٣» ، وقالوا: إن هذا الاستثناء مراعى في آية النساء، وكذلك اختلفوا في القصاص. فمن قائل: إنه لا يدفع الإثم مستدلا بقوله تعالى: وَلَكُمْ فِي الْقِصاصِ حَياةٌ «٤» ، فإنه يفيد أن القصاص لمصلحة الناس فحسب، وذلك بردع «٥» بعضهم عن بعض؛ أما القتيل المظلوم فلا يزال حقه باقيا يأخذه يوم القيامة، ومن قائل: إنه يدفع الإثم لأن جزاء السيئة سيئة مثلها، ولقوله ﷺ في حديث عبادة بن الصامت بعد ذكر القتل وجرائم أخرى «ومن أصاب من ذلك شيئا فعوقب في الدنيا فهو كفارة له» . رواه البخاري.
وقد استدل بالحديث على أن قصد الجريمة، والعزم عليها والتصميم يعاقب به المرء وإن لم تقع منه الجريمة. إذ علل عقاب القتيل في الحديث بأنه كان حريصا على قتل صاحبه، والحرص فرط الإرادة كما بينت لك في اللغة. وفي رواية: إنه أراد قتل
стр. 190
صاحبه، وقد اعترض على هذا الاستنباط بما جاء في حديث ابن عباس عند البخاري «ومن هم بسيئة فلم يعملها كتبها الله عنده حسنة كاملة؛ فإن هو همّ بها، فعملها كتبها الله له سيئة واحدة» «١» .
ومثل ذلك ما جاء في حديث أبي هريرة عند البخاري أيضا «إذا أراد عبدي أن يعمل سيئة فلا تكتبوها عليه حتى يعملها فإن عملها فاكتبوها له بمثلها. وإن تركها من أجلي فاكتبوها له حسنة» «٢» ، فلم يجعل في الهم بالسيئة عقابا إذا لم يقترن بعملها.
وجعل في تركها خشية الله ثوابا. إذ جاهد باعث الشر حتى غلبه. وَأَمَّا مَنْ خافَ مَقامَ رَبِّهِ وَنَهَى النَّفْسَ عَنِ الْهَوى. فَإِنَّ الْجَنَّةَ هِيَ الْمَأْوى «٣» ، وقد دفع هذا التعارض بعض العلماء بالتفرقة بين الهم والعزم. فالأول: مرور الفكرة بالنفس من غير استقرار فيها.
والثاني: التصميم على المعصية وتوطين النفس عليها. فالعقاب على الثاني دون الأول. وهو دفع مدفوع. وتفريق مردود. ولم يقم عليه دليل ثم إنه صرح بالإرادة في حديثنا وفي حديث أبي هريرة المعارض. فالصواب من القول إنه لا تعارض أصلا. فإن حديثنا لم يرتب العقاب فيه على مجرد الحرص أو الإرادة بل هو مرتب على أمرين. الأخذ في تنفيذ الجريمة برفع السيف والتقاتل به. وسبق الإصرار عليها. وبعبارة أخرى: الشروع في الجريمة والقصد الجنائي كما يقول رجال القانون.
أما مجرد الشروع في الجريمة والقصد الجنائي كما يقول رجال القانون. أما مجرد العزم بدون تنفيذ فلا يدل حديثنا على المؤاخذة به وظاهر حديث ابن عباس وحديث أبي هريرة أنه لا عقوبة فيه. بل التعبير بصيغة الافتعال في جانب الشر دون جانب الخير في قوله تعالى: لَها ما كَسَبَتْ وَعَلَيْها مَا اكْتَسَبَتْ «٤» ، يشعر بأن الشر لا بد فيه من المعالجة والمخالطة ليحسب على المرء فلا يكفي فيه مجرد النية. أما الخير فالنية فيه لها ثواب بقدرها: ويؤيد هذا حديث أبي هريرة عند الشيخين «إن الله تجاوز
стр. 191
لأمتي ما حدثت به أنفسها. ما لم تعمل به أو تتكلم» «١» .
وقد احتج بالحديث من لم ير القتال في الفتن. كسعد بن أبي وقاص.
وعبد الله بن عمر، ومحمد بن مسلمة، وأبي بكرة، وغيرهم، ممن لم يتدخلوا في الشجار الذي كان بين عليّ وشيعته، وعائشة وأنصارها.
وقدمنا لك واجب المسلمين في الفتن، الذي أمر به القرآن في جلاء لا غموض فيه. وهو الإصلاح بين الطائفتين المتقاتلتين فإن أبتا الصلح. أو أبته إحداهما فواجب قتال التي تبغي حتى تفيء إلى أمر الله.
وبعد: فالحديث ينعى «٢» على المسلمين ما بينهم من شجار. وما يقوم بين أممهم من حروب. لا باعث عليها إلا الاستئثار بالملك. والتعصب للجنس. دون الانتصار للحق. ولقد شربت هذه الحروب من دماء المسلمين عبّا حتى أضعفت شوكتهم وزلزلت سلطانهم، وطأطأت رؤوسهم لخصومهم، وأخضعت رقابهم لسيوفهم. فانتقصوا بلادهم من أطرافها، بل جاسوا خلالها «٣» وأصبحت لهم الكلمة في أكثرها. فهل من مدّكر؟ لقد جاءهم من الأنباء ما فيه مزدجر.
٧٦- باب: نعمة القرآن والمال
عن أبي هريرة أنّ رسول الله ﷺ قال: «لا حسد إلّا في اثنتين: رجل علّمه الله القرآن، فهو يتلوه آناء الليل، وآناء النّهار فسمعه جار له، فقال:
ليتني أوتيت مثل ما أوتي فلان، فعملت مثل ما يعمل، ورجل آتاه الله مالا، فهو يهلكه في الحقّ، فقال رجل ليتني أوتيت مثل ما أتي فلان فعملت مثل ما
стр. 192
يعمل» ، [رواه البخاري والنسائي «١» ] ، وفي رواية للشيخين «٢» : «لا حسد إلّا في اثنتين: رجل آتاه الله مالا فسلّطه على هلكته في الحقّ، ورجل آتاه الله الحكمة، فهو يفضي بها ويعلّمها» .
اللغة:
الحسد: أن يرى المرء نعمة على أخيه فيتمنى زوالها عنه إليه أو إلى غيره. وقد يضيف إلى التمني السعي في زوالها. والغبطة: أن يتمنى مثلها ولا يتمنى زوالها عن أخيه، والتلاوة: القراءة؛ ولا تكاد تستعمل إلا في قراءة كلام الله تعالى.
والأصل لمعنى «ت ل و» اتبع؛ ولذلك قيل لولد الشاة والناقة «تلو» إذا فطم وصار يتبع أمه، وكل ما يتبع غيره في شيء يقال هو تلوه، وسميت قراءة القرآن تلاوة لأنه مثاني كلما قرىء منه شيء يتبع بقراءة غيره أو بإعادته؛ أو لأن شأنه أن يقرأ ليتبع بالاهتداء والعمل به، بل فسرت تلاوة القرآن باتباعه والعمل به، والآناء: الساعات، الواحد أنى مثلت الهمزة والتسليط التمكين من القهر والإخضاع. والهلكة: الإهلاك.
والحكمة: إصابة الحق بالعلم والعمل. وبعبارة أخرى: وضع الأشياء مواضعها.
ولذلك قيل لمن يحسن دقائق الصناعات ويتقنها حكيم، والمراد بالحكمة هنا القرآن بدليل الرواية الآخرى. والقرآن مبيّن للحق، مؤت للحكمة.
الشرح:
الحسد رذيلة ممقوتة. لأنه كراهية الخير للناس، وتمني زوال النعم عنهم، ولا يتخلق به إلا ذوو النفوس الخبيثة، والقلوب الأثيمة. التي مات فيها داعي الخير، وحي مكانه باعث الشر. فإن انضم إلى ذلك السعي في زوال النعم بوشاية أو عمل تضاعف المقت. وتزايد الفحش.
وقد نهى الله عنه بقوله: وَلا تَتَمَنَّوْا ما فَضَّلَ اللَّهُ بِهِ بَعْضَكُمْ عَلى بَعْضٍ «٣» ، وأمر بالتعوذ منه في سورة الفلق وَمِنْ شَرِّ حاسِدٍ إِذا حَسَدَ «٤» .
стр. 193
وإذا كان الحسد كله شرا كان قول الرسول ﷺ لا حسد إلا في اثنتين من قبيل الاستثناء المنقطع. فلا حسد محمود أو جائز مطلقا، لا في مال أو علم، ولا في منصب أو جاه ولا في غير ذلك من أنواع النعم. سواء رجوت النعمة الزائلة لك أو رجوتها لغيرك. ولكن هناك خصلتان محمودتان ليستا من وادي الحسد.
أو نقول: إن الحسد هنا يراد به الغبطة مجازا. فمعنى العبارة لا غبطة إلا في هاتين الخلتين. فحصر الغبطة فيهما مع أنها تكون في غيرهما بيانا لعلو درجتهما وعظيم منزلتهما. وأنهما وحدهما الجديرتان بالغبطة دون غيرهما من صنوف النعم.
فالخلة «١» [حفظ القرآن وفهمه]
الأولى الجديرة بالتمني، الحقيقة بالجدّ في إدراكها، والسعي في نوالها خلة رجل من الله عليه بالقرآن، فوهبه حفظه، وعلم ما تضمنه. من حلال وحرام وحكم وأحكام، وقصص وأخبار، وآداب وأخلاق. فذاق حلاوته وعرف مكانته، فحرص عليه الحرص كله، وعض عليه بالنواجذ واتخذه سميره وجليسه وخليله وأنيسه، فهو يتلوه آناء الليل. وآناء النهار. فلسانه به رطب، وقلبه حي، وعقله في نمو وعلو، ونفسه مهتدية بهديه، ومقتفية لأثره، يفصل به في المشكلات ويحكم في المنازعات، ويقضي على الشبهات، يفتي به المستفتين، ويفض شجار المتنازعين يدعو الناس إليه. ويحثهم على أن يقرئهم آيه، ويعلمهم أحكامه، يعظهم بعظاته: ويهداهم بكلماته. يبشرهم بما فيه من النعيم ويحذرهم عذاب الجحيم، فهو به عليم، ولأمره سميع، ولآيه قارىء، وبأحكامه فاصل، ولما فيه ناشر. فأورثه ذلك الحكمة التي يزن بها الأمور بميزان الحق. ويقول فيها القول الفصل: يُؤْتِي الْحِكْمَةَ مَنْ يَشاءُ وَمَنْ يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْراً كَثِيراً وَما يَذَّكَّرُ إِلَّا أُولُوا الْأَلْبابِ «٢» .
نعم من أوتي القرآن أوتي خيرا كثيرا. أوتي صحة في جسم وطهارة في نفس، وكمالا في عقل، وسعة في مال، وعزة في تواضع. وشدة في رحمة، ورسوخا في علم، وصدقا في قول، وما يذكر بما يسمع إلا ذوو العقول الراجحة، والألباب الناضجة، فأولئك إذا سعد جدهم بجار علّمه الله القرآن، ووفقه لتلاوته ليله ونهاره يتمنون أن يؤتوا مثل ما أوتي من الذكر الحكيم، وأن يوفقوا لتلاوته كما وفق،
стр. 194
ويعملوا به كما عمل، فهذا منهم رجاء مشروع، وتمن محمود، جدير بالمسابقة إليه، والتنافس فيه.
والخلة الثانية: [الاعتدال في إنفاق المال]
الخليقة بالرغبة، الحرية «١» بالغبطة خلة رجل وهبه الله مالا، فلم يكن فيه قتورا بخيلا، ولا مبذرا سفيها، يبدده بين الكأس والطاس، وينثره تحت اقدام المائلات المميلات الفاتنات الراقصات، ويرمي بيده على مناضد الميسر، ويهلكه في ولائم الرياء والشهرة، ولكن في سبيل الله ينفقه. وفي إقامة الحق يهلكه، وفي سبيل العزة لقومه، والاستقلال لبلده ينثره، يهذّب به نفسه ويرقى، ويعلم أولاده ويثقف، يصل به أقرباءه، ويواسي أصحابه، يفتح به المدارس، وينشىء المصحات والملاجىء، ويقيم المصانع، ويؤلف به الشركات النافعة، وينهض بالمشروعات المثمرة، ويعطف به على الأرامل والأيتام، والمساكين والفقراء يساعد به الغارمين، ويقضي به على الظالمين وينصر المظلومين، يفك به العانين «٢» ، ويحرر المستعبدين.
فيده في إنفاقه مطلقة، ولا لآفة مهلكة؛ ولكن في سبيل الله؛ لا في سبيل الشيطان، وفي سبيل الحق والشرف. لا في سبيل الترف والسرف.
فمن تمنى مثل هذا المال، ورجا الله أن يوفقه لمثل هذه الأعمال: كان ذا الخلة المحمودة. والغبطة المشكورة.
تانك هما الخلتان الخليقتان بالتمني، وإنهما لأس الفضائل. وجماع المكارم ثروة في العلم وثروة في المال. وقفهما على الخير؛ وجدّ بهما في النفع، فأي فضل بعد هذا في ذلك فليتنافس المتنافسون. ولمثل هذا فليعمل العاملون.
٧٧- باب: النصح للرعية وعقاب المقصرين فيه
عن معقل بن يسار قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «ما من عبد استرعاه الله رعية، فلم يحطها بنصحه إلّا لم يجد رائحة الجنّة» ، وفي لفظ آخر عنه: «ما من وال يلي رعيّة من المسلمين، فيموت وهو غاش لهم إلّا
стр. 195
حرّم الله عليه الجنة» . [روى ذلك البخاري ومسلم «١» ] .
اللغة:
الرعية: ما يرعاه المرء ويحفظه. ويسوسه ويدبره، واسترعاه الرعية طلب منه رعايتها وحفظها؛ والنصح: تحري الأقوال والأفعال؛ التي فيها صلاح المنصوح؛ وهذا أثر الإخلاص له. فالنصح: من ناصح العمل أي خالصه، وحاطه يحوطه كلأه وصانه، والإسم الحياطة. وأحاط به مثله وغشه، أظهر له غير ما أضمره وزين له غير المصلحة.
الشرح:
الرعية أمانة في يد الراعي، يجب عليه القيام بحفظها، وحسن التعهد لها، والعمل لمصلحتها، فمن ولاه الله شؤون الخلق من ملك وأمير، ورئيس ووزير ومدير ومأمور ... إلخ. يجب عليه أن يحوطهم بنصحه. ويخلص لهم في حكمه، فيكون لهم كما يكون لنفسه، يحب العدل معه والصدق فليكن معهم عادلا. وفي معاملتهم صادقا، يحب لنفسه السلامة والعافية، والعلم والثروة، فليعمل على سلامتهم من الأمراض، ووقايتهم من الأضرار وليقم بينهم دور العلم، ويسهّل السبل «٢» إليه، ولينمّ ثروتهم، بالجد في ترقية الصناعة، وإقامة التجارة، وتحسين الزراعة، يجب الأمن على نفسه، وماله وعرضه، فليكن لنفوسهم واقيا. ولمالهم راعيا ولعرضهم صائنا، فيضرب على أيدي المفسدين بيد من حديد. لا يحركها إلا التربية والتأديب، يحب لنفسه مجدا وعلوا.
فليعمل لمجدهم وعزتهم. وشرفهم وكرامتهم. وبعبارة وجيزة: ليفرض نفسه واحد منهم وليعاملهم بما يحب أن يعامل به، وقد بين الرسول ﷺ أن من لم يحط رعيته بنصحه، ولم يحفظها بقوله وفعله بل كان فيها الحاكم الخامل، أو الوالي الظالم، أو الراعي الغاش. الذي يعطي من طرف اللسان حلاوة، وقلبه مفعم بالعداوة، يتظاهر بالجد في المصلحة. وهو يضمر المفسدة، يبدو للناس الشاب العابد، والورع القانت وبين جنبيه لئيم ماكر، وعدو غادر- من كان كذلك إذا استمر على غشه ولم يرعو عن غيه؛ حتى بغتته المنية حرّم الله عليه الجنة. فلا يدخلها.
стр. 196
بل لا يراح «١» رائحتها العبقة الذائعة المنتشرة؛ إنما مأواه النار: وما للظالمين من أنصار. وإن هذا لوعيد شديد، وعذاب أليم. وإنه للحق. والإنصاف والعدل فإن من غش الآلاف أو الملايين، وسامهم الهوان «٢» والذل عشرات السنين. وحرمهم لذة الحياة ليستحق النكال أضعافا مضاعفة وما ربك بظلام للعبيد (انظر الحديث ٢١) .
٧٨- باب: اللدد في الخصومة
عن عائشة ﵂ قالت: قال رسول الله ﷺ : «إنّ أبغض الرّجال إلى الله الألدّ الخصم» . [أخرجه البخاري ومسلم «٣» ] .
اللغة:
الألد: الأكثر لددا. واللدد: الخصومة الشديدة. مأخوذ من لديدي الوادي أي جانبيه، والخصم: الشديد المنازعة الذي يحج مخاصمه ويغلبه.
الشرح:
بين الرسول ﷺ أن أبعد الناس من رحمة الله ومحبته ومودته ومعونته.
بل أحقهم بغضبه ولعنته، وعذابه وعقوبته، الذي يشتد في خصومته. ويجادل حتى يجدل خصمه.
والحديث بإطلاقه يشمل من يجادل لاستيفاء حق. ولكن ذلك لا يدخل فيه فإن لصاحب الحق مقالا. كما قال رسول الله ﷺ وإنما المراد به من يخاصم في باطل. أو يجادل بغير علم. كالمحامين الذين لم يدرسو القضية أو درسوها وعرفوا باطلها، ودافعوا فيها، وكالجدليين الذين يحامون عن الآراء الباطلة، والعقائد الزائغة، حتى يضل بهم العامة، أو ذوو العقول الصغيرة، سواء كان ذلك بالتأليف. أو بالحديث في المجالس. ويدخل في الذم من يخاصم في الحق، ويتجاوز في الخصومة قدر الحاجة: فيسب ويكذب لإيذاء خصمه. أو يخاصمه عنادا ليقهره ويذله. وفي الدفاع بالباطل جاء قوله تعالى: وَلا تُجادِلْ عَنِ الَّذِينَ يَخْتانُونَ أَنْفُسَهُمْ إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ مَنْ
стр. 197
كانَ خَوَّاناً أَثِيماً
«١» . (انظر الحديث ٥؛ والحديث ٢٨) .
٧٩- باب: قارىء القرآن
عن أبي موسى الأشعري عن النبي ﷺ قال: «مثل الّذي يقرأ القرآن كالأترجّة، طعمها طيّب، وريحها طيّب، والّذي لا يقرأ القرآن كالتمرة طعمها طيّب؛ ولا ريح لها، ومثل الفاجر» ، وفي رواية: «المنافق الّذي يقرأ القرآن كمثل الرّيحانة ريحها طيّب، وطعمها مرّ، ومثل الفاجر» - وفي رواية «المنافق الّذي لا يقرأ القرآن كمثل الحنظلة، طعمها مرّ، ولا ريح لها» - وفي رواية «المؤمن الّذي يقرأ القرآن ويعمل به ... والمؤمن الّذي لا يقرأ» ... [رواه الشيخان وأبو داود والترمذي والنسائي «٢» ] .
اللغة:
الأترج: نوع من الفاكهة. متوسط الحجم. واحدته أترجة. وقد تخفف جيمه وتزاد ساكنة قبلها. وقد تحذف همزته مع الوجهين. والأترج: مركب من أربعة أشياء قشر ولحم وحمض وبزر. لكل منها مزايا خاصة بسطت في كتب المفردات الطبية. وهو حسن المنظر. لين الملمس. لذيذ الأكل. يطيب نكهة «٣» الفم، تصلح رائحته فساد الهواء، ويذكر أن بعض الأكاسرة غضب على قوم من الأطباء فأمر بحبسهم، وخيّرهم أدما لا يزيد لهم عليه، فاختاروا الأترج فقيل لهم: لم اخترتموه على غيره؟ فقالوا: لأنه في العاجل ريحان. ومنظره مفرح، وقشره طيب الرائحة، ولحمه فاكهة وحمضه أدم، وحبه ترياق، وفيه دهن، والريحان: كل نبت طيب
стр. 198
الرائحة، واحدته ريحانة، والمعروف منه عند العرب الأس ويقال. إن رائحته تقتل الجراثيم الجوية. والحنظل: نبات يمتد على الأرض كالبطيخ وثمره يشبه ثمر البطيخ.
ولكنه أصغر منه بكثير، ويضرب المثل بمرارته.
الشرح:
الإيمان طريق السعادة، والفجور أو النفاق وسيلة الشقاوة؛ والقرآن دوحة «١» هذا الدّين، منه تفرعت فنونه، وأخذت علومه، من فقه وتوحيد، وتصوف وحكمة، وأصول وأخلاق، ووعظ وقصص، وبمقدار اتصال القلب به، وتفكير العقل فيه تكون درجة الإنسان في الهدى والعلم ولقد مثّل الرسول ﷺ في هذا الحديث لأربعة أصناف من الناس لهم صلة بالقرآن. وباعتباره كتابا ينتمون إليه. ويؤمنون به ولو إيمانا ظاهرا.
فأولهم شخص أو فريق ملأ الإيمان قلبه
، وفاض على جوارحه، فهو بالله موقن وبرسوله مؤمن، وبكتابه مصدق، وبدينه عامل. جعل لنفسه حظا من القرآن، يتلوه آناء الليل في تهجده، أو مضجعه، أو جالسا على فراشه أو مكتبه، ويتلوه في ساعات النهار قائما وقاعدا، راكعا وساجدا، كلما سنحت له فرصة لقراءته انتهزها حتى لا يغافل قلبه عن ذكر الله، فتخطفه الشياطين وتضله عن سواء السبيل.
وليست قراءته من طرف لسانه وشفته، وشدقه وحنجرته، بل قلبه الذي يقرأه ولبه الذي يردد. ولذلك أثمرات الخشية والهداية، وأنتجت العمل والاستقامة، فهذا مثله الرسول ﷺ بالأترجة ذات الطعم اللذيذ، والرائحة الطيبة: فإن بلوته واختبرته وعاشرته وعاملته، لم تجد إلا امرآ وفيا، برا تقيا، يقدس الحق تقديسا، ويشنأ «٢» الباطل مشنا، وإن شممته فرائحة طيبة، ذكية عبقة، تحي القلوب، وتنعش النفوس، وتذكي العقول، وكيف لا تكون كذلك وهي نفحة القرآن ومسكه الذي انبعث من لسانه الرطب المعطر، وقلبه الحي المطهر.
وثانيهم: شخص أو فريق، بالقرآن مؤمن
، وبأحكامه عامل، وبإرشاده مهتد، وبأخلاقه متخلق، ولكن لم يؤت القرآن تلاوة وحفظا، وإن أوتيه تطبيقا وعملا، فهذا
стр. 199
كالتمرة حلو الطعم لذيذه، وطيب الخلق جميله، صادق النية حسن الطوية، أما الرائحة فمفقودة، إذا لم يطيب بمسك القرآن، وإن غسل قلبه بمائه السلسبيل «١» ، ومثله في عمله الجليل.
وثالثهم- فاجر أو منافق:
ليس له من الإيمان إلا اسمه ولا من الدّين إلا رسمه يقرأ القرآن، وقد يجيد حفظه، ويتقن طرقه ويعرف قراءته وتوقيع ألفاظه ونغماته ولكن لا تجاوز التلاوة حنجرته، ولا تعدو ترقوته «٢» فإن بلوته تكشف لك عن قلب أسود، وفؤاد مظلم، وخلاق مر، وعمل ضر، وهذا مثله الرسول ﷺ بالريحانه، وإن شممت فرائحة ذكية. وإن ذقت فمرارة لذعة، كذلك هذا يقرأ القرآن، فتستريح له النفوس كما تستريح للروائح العطرة، ولكن قلبه ونفسه منطويان على السوء، تذوق مرارته؛ وتحسن قذارته؛ إن عاشرته أو عاملته.
ومثل هذا لا أثر للقرآن في نفسه، لأن فجوره ونفاقه ختم على قلبه، فلا تؤثر فيه نصيحة ولا تنجح معه موعظة.
ورابعهم- منافق أو فاجر:
لا صلة له بالقرآن، لا علما ولا عملا؛ ولا تلاوة ولا حفظا، وهذا شبهه الرسول ﷺ بالحنظلة، لا ريح لها وطعمها مر بشع، كذلك هذا، يحمل نفسا خلقت من الفجور، ونبتت في النفاق، إن تذوّقها الناس آذت ألسنتهم ودنست نفوسهم؛ ولا يشم منه خير؛ إذ حرم من طيب الطيوب، وعطر العطور:
كتاب الله؛ جلاء العيون. وشرح الصدور. وحياة النفوس؛ وطب القلوب. وشنف «٣» الآذان وسراج الألباب.
تلك هي الأصناف الأربعة. التي تعرض لها الرسول ﷺ بالبيان والتمثيل. فيا ترى في أيها وضعت نفسك؟ ظني أن تكون المؤمن المخلص. والقارىء المتدبر.
والعامل الورع.
стр. 200
٨٠- باب: تسبيح الله وتقديسه
عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : «كلمتان حبيبتان إلى الرّحمن، خفيفتان على اللّسان، ثقيلتان في الميزان: سبحان الله وبحمده، سبحان الله العظيم» . [رواه الشيخان والترمذي والنسائي وابن ماجه «١» ] .
اللغة:
الرحمن: صيغة مبالغة تفيد الإمتلاء من الصفة كريّان وعطشان، وقد عرفت الرحمة بأنها رقة تقتضي الإحسان إلي المرحوم، وتطلق على مجرد الرقة، وعلى مجرد الإحسان، ويقال إنها في جانب الباري بمعنى الإحسان فقط، وخير من هذا ألا نؤول الصفات، بل نثبت لله ما أثبته لنفسه من غير تشبيه ولا تمثيل ونكل العلم بالحقيقة إليه.
وما نعرفه من صفاتنا مقرب إلينا صفاته، وإن كان الفرق بين صفات الله وصفاتنا كالفرق بين ذاته وذواتنا، وسبحان: في الأصل مصدر بمعنى التسبيح كغفران، ومعناه التنزيه عن النقائص، وأصله الجد في عبادة الله تعالى مأخوذ من السبح وهو المر السريع في الماء أو الهواء، ويقول النحاة: سبحان واقع موقع المصدر منصوب بفعل محذوف، تقدير: سبحت الله سبحانا، أي تسبيحا وأكثر ما يستعمل بالإضافة، والحمد لله الثناء عليه بصفاته العليا، وقد قالوا: إن الواو في «سبحان الله وبحمده» للحال، والتقدير. أسبح الله متلبسا بحمده. أو للعطف والتقدير: أسبح الله، وأقوم بحمده، والأول أظهر لاتفاقه مع أسلوب القرآن كما سنذكر.
الشرح:
ذكر الله تعالى يحيى ميت القلوب، ويذكي «٢» فاتر «٣» الهمم، ويحوط
стр. 201
المرء بسياج من العصمة، ويقيه نزعات الشيطان. ويباعد بينه وبين المعاصي إِنَّ الصَّلاةَ تَنْهى عَنِ الْفَحْشاءِ وَالْمُنْكَرِ وَلَذِكْرُ اللَّهِ أَكْبَرُ «١» .
وقد بين الرسول ﷺ في هذا الحديث صيغة من صيغ الذكر لا مشقة في حفظها ولا صعوبة في استيعابها، وهي مع ذلك عظيمة الأثر كبيرة الجدوى «٢» ، تغدق على المؤمن من فيض الله الخير الكثير، والأجر الوفير، تثقل من الطيبات حسناته، وتمحو من أوزاره وسيئاته، ولئن كانت سائر التكاليف شاقة على النفس. فإن الذكر بها هين سهل لا يستعدي قوة ولا استعدادا وإنما يوجب إخلاصا وتفريغا للنفس من شواغل الدنيا وهواجس «٣» القلب.
وليس بكثير على الله الذي وسعت رحمته كل شيء أن يجزل الثواب العظيم على العمل القليل. لما في هذه الصيغة من تنزيه الله عن الشريك والنظير، وتحميده على سوابغ النعم وجزيل الفضل. وتعظيمه بما هو أهله.
وأنت خبير أن هذه الفضائل إنما هي لمن أخلصوا في دعائهم. وكملوا في إيمانهم، وتجنبوا المعاصي والحرام، ونأوا عما يغضب الله من الآثام. ولا تظن أن من أدمن «٤» الذكر. وأصرّ على ما شاء من شهواته وانتهك حمى الله يلتحق بالمقدسين الطاهرين ويبلغ منازلهم بكلمات يجريها على لسانه. لا يتجاوز أثرها فمه.
يرشدك هذا الحديث إلى أن للأعمال والأقوال ثقلا وخفة يثقل منها ما كان خالصا لله ويخفّ ما شابه الرياء والغافلة. ولم يكن في حضور القلب وانتباهه. وإن الأعمال صور ماثلة وأرواحها وجود الإخلاص فيها ولقد قال الله تعالى: فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ «٥» ، وقال ﷺ : «من قال سبحان الله وبحمده في يوم مائة مرة حطت خطاياه وإن كانت مثل زبد البحر» «٦» .
стр. 202
٨١- باب: ثمرة إفشاء السلام
عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : «والّذي نفسي بيده لا تدخلون الجنّة حتّى تؤمنوا ولا تؤمنون حتى تحابّوا: ألا أدلّكم على شيء إن فعلتموه تحاببتم، أفشوا السّلام بينكم» . [هذا الحديث رواه مسلم في كتاب الإيمان وكذلك رواه أبو داود والترمذي «١» ] .
الشرح:
يقسم الرسول ﷺ بمن نفسه بيده وهو: الله سبحانه على ثلاث قضايا.
الأولى: دخول الجنة بالإيمان.
الثانية: الإيمان بالتحاب.
الثالثة: إفشاء السلام سبيل التحاب، وإيثار هذه الصيغة في القسم زيادة تأكيد لصدقه ﷺ فيما أقسم عليه وبيان لعظمة المقسم به وسلطانه على المقسم.
أما القضية الأولى [: دخول الجنة بالإيمان]
فيدل عليها كثير من آي القرآن مثل قوله تعالى: إِنَّهُ مَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ وَمَأْواهُ النَّارُ «٢» ، وقوله: وَمَنْ يَأْتِهِ مُؤْمِناً قَدْ عَمِلَ الصَّالِحاتِ فَأُولئِكَ لَهُمُ الدَّرَجاتُ الْعُلى. جَنَّاتُ عَدْنٍ «٣» ، والإيمان: هو التصديق القلبي الذي يحرك الأعضاء بالأعمال الصالحة فالمؤمن حقا لا يمسه عقاب، أما من دنّس إيمانه بالأعمال السيئة فيدخل الجنة بعد أن يلقى جزاء ما اقترف.
стр. 203
وأما القضية الثانية: [الإيمان بالتحاب .]
فلأن الله تعالى وصف المؤمنين بأنهم إخوة في قوله: إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ «١» ، والمحبة شأن الإخوة. ثم المعروف أن الشخص إذا أمكنت العقيدة من نفسه أحب من على شاكلته «٢» ، فالمؤمن الذي جرت أعماله وأخلاقه على سنن الشريعة يحب من ماثله في ذلك، وها نحن أولاء نرى التالف والتحاب بين من ينتمون لحزب واحد أو يتفقون في المبدأ.
وأما القضية الثالثة: [إفشاء السلام سبيل التحاب]
فلأن إلقاء السلام يشعر بميل ملقيه إلى من سلم عليه فإذا تبادلا ذلك فقد تبادلا الميل، وإذا تكرر السلام نما الميل فكان محبة وإذا عمّمه بين الناس اكتسب محبتهم ولذلك حث الرسول ﷺ على بذله لمن عرفت ومن لم تعرف، والأمر بالسلام في الحديث يدل على وجوبه ولكن نقل ابن عبد البر وغيره أن الإبتداء بالسلام سنة وأن رده فرض وأقله أن يقول: السلام عليكم، وأكمل منه أن يزيد ورحمة الله وبركاته، فإن كان المسلّم عليه واحدا وجب الرد عليه عينا، وإن كانوا جماعة فالرد فرض كفاية في حقهم.
وفي الحديث «يجزىء من الجماعة أن يرد أحدهم» رواه أحمد والبيهقي، وكما يكون السلام عند اللقاء يكون عند الفراق لحديث «إذا قعد أحدكم فليسلم وإذا قام فليسلم وليست الأولى بأحق من الآخرة» .
وقد قالوا: إن السلام اسم من أسماء الله تعالى فمعنى السلام عليكم: أنتم في حفظ الله كما يقال: الله معك والله يصحبك، وقيل السلام بمعنى السلام أي سلامة الله ملازمة ذلك.
واعلم أن السلام شعار المسلمين فلا ينبغي لمسلم يعرف قيمة المحافظة على شعائر دينه ومقومات أمته أن يستبدل به كلمة أخرى. مثل «نهارك سعيد» ، «ليلتك سعيدة» ، «بنجور» ، «بنسوار» ، إلخ ...
стр. 204
٨٢- باب: فضل ستر العورة
عن عقبة بن عامر ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «من رأى عورة فسترها كان كمن أحيا موؤدة» ، [الحديث أخرجه أبو داود والنسائي «١» ] .
اللغة:
العورة: كل ما يستحيا منه إذا ظهر، وكل عيب وخلل في شيء هو عورة، والموءدة: التي تدفن في التراب حية، وإحياؤها: إنقاذها مما يراد بها.
الشرح:
ستر العورات والعيوب من الأمور المرغب فيها لأن كشفها وإفشاءها مما يورث الضغينة «٢» ويقطع الصلات.
والعورات التي تستر هي التي في سترها مصلحة فوق مصلحة كشفها أما إذا كان في الستر مفسدة دينية كشخص رأى آخر يسفك دما وكان الستر عليه مما يجعله يتمادى في الشر، فالواجب التبليغ عنه بل والكشف الذي يترتب عليه حفظ الأموال وحقن الدماء أمر مطلوب.
وقد شبه الرسول ﷺ ساتر العورة بمن أحيا موؤدة أي أنقذها من الوأد الذي كان يحيق بها كما في قوله تعالى: وَمَنْ أَحْياها فَكَأَنَّما أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعاً «٣» ، ووجه الشبه بينهما أن من ستر العورة أحيا صاحبها حياة أدبية فلم يشع عنه السوء ولم يثلم شرفه بين صحبه وقومه. وإحياء الموؤدة إحياء روحي وقد تهون الحياة الحقيقية في سبيل الشرف والكرامة فمن أجل ذلك شبه الرسول ﷺ ساتر العورة بمحيي الموؤدة لأن في كلّ إنقاذ حياة.
والغرض من الحديث الحث على ستر العورة إذا لم تترتب عليه مفسدة راجحة.
стр. 205
٨٣- باب: القصد في الطعام والشراب
عن المقدام بن معد يكرب قال: قال رسول الله ﷺ : «ما ملأ آدمي وعاء شرّا من بطنه بحسب ابن آدم لقيمات يقمن صلبه فإن كان لا محالة فاعلا فثلث لطعامه وثلث لشرابه وثلث لنفسه» ، [أخرجه الترمذي وابن ماجه وابن حبان في صحيحه «١» ] .
اللغة:
بحسبه: أي كافية أو يكفيه، الصلب: العمود الفقري.
الشرح:
يدعو الحديث إلى ذم الشبع والإسراف في تناول الطعام والشراب وقد نهى عن ذلك القرآن بقوله: وَكُلُوا وَاشْرَبُوا وَلا تُسْرِفُوا إِنَّهُ لا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ «٢» .
وإنما كان ملء البطن شرا لما فيه من المفاسد الدينية والدنيوية فالشبع يورث البلادة «٣» ويعوق الذهن عن التفكير الصحيح وهو مدعاة الكسل والنوم الكثير ومن نام كثيرا قتل وقته الذي هو رأس ماله في الحياة العملية فيخسر كثيرا من مصالحه الدينية والدنيوية وكم من أكلة كانت عاقبتها الكظة «٤» . وجلبت من الأضرار والأمراض ما لا قبل للإنسان به.
ومن وصايا لقمان لابنه: يا بني إذا امتلأت المعدة نامت الفكرة وخرست الحكمة وقعدت الأعضاء عن العبادة، ولا كذلك الحال في الإقلال من الطعام والشراب فالقلب صاف والقريحة «٥» متقدة والبصيرة نافذة والشهوة مغلوبة. والنفس مقهورة، وقد أرشدنا الرسول ﷺ إلى المقدار المناسب في الطعام وهو ما يقيم الحياة
стр. 206
ويحفظ الصحة ويمكن الإنسان من القيام بواجبه وإن كان لا بد مكثرا جعل للطعام والشراب ثلثي المعدة وترك ثلثها الباقي خاليا حتى يتمكن من التنفس بسهولة.
وذلك أن البطن إذا امتلأت ضغطت على الحجاب الحاجز فضغط على الرئتين فضاقت مجاري التنفس الذي هو ضروري لإصلاح الدم الفاسد وتحويله إلى دم صالح تقوم به حياة الإنسان.
فمحور الحديث مدح الاقتصاد في الطعام والشراب وذم الإسراف فهما وهو ما يطلبه الطب ويقوم به نظام العمل وتتوفر به للإنسان مصالحه الدينية والدنيوية.
٨٤- باب: فضل الدعوة إلى الخير
عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «من دعا إلى هدى كان له من الأجر مثل أجور من اتّبعه لا ينقص ذلك من أجورهم شيئا، ومن دعا إلى ضلالة كان عليه من الإثم مثل آثام من اتّبعه لا ينقص من آثامهم شيئا» . [الحديث أخرجه مسلم ومالك وأبو داود والترمذي «١» ] .
اللغة:
الهدى: الدلالة والرشاد والضلالة ضده، والمراد بالهدي هنا: ما به يكون المرء سالكا الطريق المستقيم من خير يعمله أو شر يتجنبه، والمراد بالضلالة:
ما به يتنكب الإنسان جادة الحق كصالح يدعه وسيء يعمله.
الشرح:
بيّن الرسول ﷺ أن الداعي إلى الهدى له من الأجر والثواب مثل من اتبعه مع استيفاء التابعين أجورهم كاملة وأن الداعي إلى الضلالة كعقيدة فاسدة وجريمة منكرة وخلق مرذول عليه من الإثم مثل آثام من اتّبعه مع استيفائهم آثامهم كاملة والسبب في ذلك أن المرشد إلى الخير كانت كلمته سببا في وجود هذا الخير في
стр. 207
المجتمع الإنساني من هؤلاء التابعين فما فعلوه من الطيبات كأنه هو الذي فعله فله جزاؤه موفورا. وكذلك داعي الضلالة كأنه الذي ارتكب جرائم تابعيه فعليه عقاب ما اجترموا.
والحديث فيه ترغيب عظيم في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر الذي هو وظيفة الرسل والمصلحين كما فيه إنكار شديد وويل عظيم للذين يضلون الناس عن طريق الحق ويزينون لهم اجتراح السيئات أولئك الذين يخرجون على إجماع المسلمين ويلبسون الحق بالباطل ليضلوا عن سبيل الله ويفرقوا الكلمة ويشتتوا الجمع زاعمين أنهم مجددون باحثون والله يعلم أنهم ما الخير قصدوا ولا الفهم والحق طلبوا، فكن للخير داعيا، وعن الشر منفرا وفي كنف «١» الجماعة مستظلا.
٨٥- باب: وصف المؤمن
عن عبد الله بن مسعود ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «ليس المؤمن بطعّان ولا لعّان ولا فاحش ولا بذيء» . [أخرجه الترمذي وحسنه والحاكم وصححه «٢» ] .
اللغة:
الطعان: الذي يقدح «٣» في الأعراض، واللعان: السباب الشتام، واللعن من الله الإبعاد من الرحمة. والفاحش: الذي ينطق بهجر الكلام وقبيحه، وكذلك البذيء الذي يسف في القول ويخرج فيه عن دائرة الأدب وهو من البذاء بمعنى:
الكلام القبيح.
الشرح:
المؤمن طهّر الإيمان قلبه ودفعه إلى الخير وسما به عن الدنيا، عفّ اللسان فلا يقول إلا جميلا وطاهر السريرة «٤» ولا يعمل إلا حسنا.
стр. 208
فإن رأيت في المتسمين بالإسلام من ينطلق لسانه بالشتائم ويخوض في الأعراض وينطق بالهجر فهذا ناقص الإيمان لم تملأ العقيدة قلبه بل لا زال فيه حظ للشيطان فينطق على لسانه بالكلمات البذيئة والعبارات المستهجنة «١» .
والحديث يبين أن الأخلاق لها مكانة عالية في الإيمان وأن من لم يحسن خلقه ويتأدب لسانه ضعيف الإيمان أو ناقصه وإن صام وصلّى وحج وزكى فلا يتم للمرء إيمان إلا إذا قام بكل ما أمر الله من عبادات وأخلاق وحسن معاملة للناس. والله يقول في حق رسوله ﷺ وَإِنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ «٢» .
٨٦- باب: الكيّس والعاجز
عن شدّاد بن أوس ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «الكيّس من دان نفسه وعمل لما بعد الموت والعاجز من أتبع نفسه هواها وتمنّى على الله الأماني» . [رواه الترمذي وأحمد والحاكم وابن ماجه «٣» ] .
اللغة:
الكيّس: العاقل المتبصر في الأمور الناظر في العواقب وقد كأس يكيس كيسا، والكيس: العقل. ودان نفسه: قهرها وأذلها، والهوى: ميل النفس إلى الشهوة. قيل سمّي بذلك لأنه يهوي بصاحبه في الدنيا إلى كل داهية وفي الآخرة إلى الهاوية. والأماني: جمع أمنية وهي: ما يتخيله الإنسان فيقدر وقوعه من لذائذه وشهواته وبعبارة أخرى ما يتمناه الإنسان.
الشرح:
ما متاع الحياة الدنيا في الآخرة إلا قليل وَإِنَّ الدَّارَ الْآخِرَةَ لَهِيَ الْحَيَوانُ لَوْ كانُوا يَعْلَمُونَ «٤» .
стр. 209
فالعاقل حقيقة من قهر نفسه وأخضعها لحكمة عقله وشريعة ربه فهو يحاسبها على كل ما تأتي وما تذر. فإن خيرا ازداد منه وحمد الله وإن كان شرا أناب إليه وعاد على نفسه بالقهر والإذلال حتى تسلك الإمام «١» المبين ولا تحيد عنه يمنة أو يسرة.
وسلوكه بالقيام بالواجب عليه لربه ونفسه وأهله وقومه فذلك ما ينفع لما بعد الموت من بعث وحشر وحساب ونعيم، وعقاب، والحازم من يستعد لهذه الرحلة الطويلة ولذلك اليوم المشهود ولتلك الدار الباقية بنفس يطهرها وخلق طيب يتجمل به وعمل صالح يقدمه يَوْمَ لا يَنْفَعُ مالٌ وَلا بَنُونَ. إِلَّا مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ «٢» ، ذلك الكيس الحاذق «٣» .
أما العاجز المقصّر في الواجب فهو ذلك الذي يأتم بهواه فنفسه أسيرة شهواته كلما أهابت به «٤» لاقتراف فاحشة لبّى نداءها وكلما أخذت به عن سنن الحق سار وراءها غير مبال بما هو صائر إليه وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنِ اتَّبَعَ هَواهُ بِغَيْرِ هُدىً مِنَ اللَّهِ «٥» ، أما عقله ودينه فمقهوران لشهوته، فهي صاحبة الأمر تصرفه كما تريد فبحق ذلك هو الأحمق وإنه ليزيده حمقا تمنيه على الله الأماني الكاذبة فهو يعلل نفسه بعفو الله ومغفرته وسعة رحمته أو باستدراك ما فاته آخر حياته ولم يدر هذا العاجز أن رحمة الله كتبها للذين يتقون ويؤتون الزكاة والذين يؤمنون بايات الله ويتبعون الرسول النبي الأمي. لم يدر هذا العاجز أن الموت غائب لا يدري متى يقدم وأنه قد يباغت «٦» الناس في ريعان الشباب حيث البنية سليمة والقوة موفورة، فالعاقل يجعل هواه خاضعا لعقله ومن وراء إذن ربه وفي الحديث «لا يؤمن أحدكم حتى يكون هواه تبعا لما جئت به» .
والعاقل لا يتمنى من المكافات إلا ما يتناسب مع عمله الذي قدمه إن كان له عمل والجنة ثمنها الإيمان والعمل الصالح وَمَنْ يَأْتِهِ مُؤْمِناً قَدْ عَمِلَ الصَّالِحاتِ
стр. 210
فَأُولئِكَ لَهُمُ الدَّرَجاتُ الْعُلى «١» ، فمن لاحظّ له منها فلا نصيب له فيها ولكن في جهنم إِنَّهُ مَنْ يَأْتِ رَبَّهُ مُجْرِماً فَإِنَّ لَهُ جَهَنَّمَ لا يَمُوتُ فِيها وَلا يَحْيى «٢» وفي الحكم (لا تتكلوا على الأماني فإنها بضائع النواكى) «٣» .
إذا أنت لم تزرع وأبصرت حاصدا ... ندمت على التفريط في زمن البذر
٨٧- باب: الاستشارة
عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «المستشار مؤتمّن» . [رواه الترمذي وأبو داود «٤» عن أبي هريرة] .
الشرح:
ومعنى الحديث أن المستشار أمين لمن استشاره فإن أفشى سره أو لم يمحض له الرأي ولم يخلص له في النصيحة فقد خانه وإذا كان المستشار أمينا فلا تضع سرك إلا عند من يرعاه ولا تستشر إلا من لهم خبرة بالأمور وفكر ناضج وقلب مخلص فأولئك الذين يرجى خيرهم وينتفع برأيهم.
٨٨- باب: المؤمن القوي
عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «المؤمن القويّ خير وأحبّ إلى الله من المؤمن الضّعيف وفي كلّ خير، احرص على ما ينفعك، واستعن بالله، ولا تعجز، وإن أصابك شيء فلا تقل لو أنّي فعلت كذا كان كذا وكذا ولكن قل قدّر الله وما شاء الله فعل فإنّ لو تفتح عمل
стр. 211
الشيطان» . [أخرجه مسلم «١» ] .
الشرح:
في الحديث حث على أمور ثلاث:
١- تقوية الإيمان.
٢- الحرص على النافع.
٣- الاستعانة بالله.
والنهي عن أمرين:
١- العجز.
٢- وقولك إذا أصابك مكروه، أو فاتك محبوب، لو أني فعلت كذا كان خلاف ما حصل.
فإن هذا القول فتح بابا للشيطان ولكن تقول قدّر الله وما شاء فعل فتلك خمسة أمور نبينها فيما يأتي:
١- الإيمان محور السعادة في الدنيا والآخرة
متى أتبع بالعمل الصالح مَنْ عَمِلَ صالِحاً مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَياةً طَيِّبَةً وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ ما كانُوا يَعْمَلُونَ «٢» ، والناس متفاوتون في الإيمان فمنهم قوي تدفعه عزيمته إلى الأعمال الصالحة فتراه مقداما في الجهاد أمّارا بالمعروف: نهاء عن المنكر لا يبالي بالأذى يناله في سبيل الدعوة إلى الخير، صبورا على القيام بحقوق الله من صلاة وصوم وزكاة وحج وحسن معاملة للناس لا تفتر همته في ذلك ولا يدع للخور «٣» إلى نفسه سبيلا.
ومنهم ضعيف الإيمان تراه يعكس سابقه، وقد ذكر الرسول ﷺ أن الأول خير من الثاني لأنه دائب في طلب السعادة لنفسه كاملة، أراد الآخرة وسعى لها سعيها وهو مؤمن فسعيه مشكور، والثاني آمن وقصر في السعي فهو لنفسه عند تقصيره وكما أن الأول خير فهو أحب إلى الله من الثاني. لأنه أتي من الأعمال بما يقربه إليه ويستدعي
стр. 212
عطفه عليه ولا كذلك الثاني.
وقد قال الرسول ﷺ : «وفي كل خير» لأن الإستعداد بالإيمان عند كل منهما، ولكن الأول: نماه بالعمل الطيب فازداد رسوخا وثباتا، وأتي أكله عند كل منهما، ولكن الأول: نماه بالعمل الطيب فازداد رسوخا وثباتا، وأتي أكله كل حين بإذن ربه، وأما الثاني فإنه أهمله، وإن لم يتداركه بالعناية وصالح العمل خشي عليه الذبول فالموت فعقد الخير.
فالغرض من هذه الجملة الحث على العناية بشجرة الإيمان بسقيها والقيام عليها وإبعاد الحشرات منها حتى يثمر للعبد عزة في دنياه وسعادة في أخراه.
٢- أمرنا الرسول ﷺ بالحرص على النافع
في الدنيا والآخرة، فالمؤمن لا يدع فرصة يستطيع فيها كسب مال أو جاه أو علم نافع من علوم الحياة كرياضة أو هندسة أو طب أو تربية أو كسب خلق طيب أو تنميته أو أداء عمل يقرب إلى الله وينفع في الآخرة كقراءة قرآن ومدارسة ودين وصلاة أو صيام. لا يدع فرصة يستطيع فيها شيئا من ذلك إلا انتهزها.
٣- ولا ينسى ربه عند مباشرة الأسباب فإن العوائق جمة
«١» والحاجة إلى مدده في كل لحظة دائمة فإن لم يستعن به ربما وقف عن غايته.
إذا كان عون الله للمرء مسعفا ... تأى له من كل أمر مراده
وإن لم يكن عون من الله للفتى ... فأول ما يجني عليه اجتهاده
فليستعن بالله الذي بيده كل شيء ومنه التيسير وبه التوفيق إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ «٢» .
٤- ولا ييأس من الوصول إلى غرضه
وقد ملأت الثقة بالله نفسه بل ليطرح عنه الكسل جانبا والتقاعد والخمول ظهريا وليقل كما كان يقول الرسول ﷺ : «اللهم إني أعوذ بك من العجز والكسل» «٣» وفي هاتين الجملتين (٢ و ٣) إرشاد إلى ما به يقوى الإيمان فإن قوة العزيمة والجد في مباشرة العمل بعد بحثه وتبين الصالح منه مع الثقة
стр. 213
بالله والإستنجاد به مما يزيد الإيمان قوة في النفس كما أن الجملة الآتية إرشاد لترك التمنيات الباطلة وترك الكلام الذي لا يجدي بل يقول حسنا ويفعل طيبا.
٥- نشرح لك الأمر الخامس بما قاله ابن القيم
في زاد المعاد قال: قوله لو كنت فعلت كذا وكذا لم يفتني ما فاتني أو لم أقع فيما وقعت فيه، كلام لا يجدي عليه فائدة البتة فإنه غير مستقبل لما استدبر من أمره وغير مستقيل عثرته بلو وفي ضمن (لو) ادّعاء أن الأمر لو كان كما قدره في نفسه لكان غير ما قضاه الله وقدره ومشيئته.
فإذا قال: لو أني فعلت كذا لكان خلاف ما وقع فهو محال إذ خلاف المقدّر المقضي محال فقد تضمن كلامه كذبا ومحالا وإن سلم من التكذيب بالقدر لم يسلم من معارضته بقوله: لو أني فعلت كذا لدفعت ما قدّر عليّ. فإن قيل ليس في هذا رد للقدر ولا جحد له إذ تلك الأسباب التي تمناها أيضا من القدر فهو يقول لو وفقت لهذا القدر لا ندفع به عني ذلك القدر فإن القدر يدفع بعضه ببعض كما يدفع قدر المرض بالدواء وقدر الذنوب بالتوبة وقدر العدو بالجهاد فكلاهما من القدر، قيل:
هذا حق ولكن هذا ينفع قبل وقوع القدر المكروه، وأما إذا وقع فلا سبيل إلى دفعه وإن كان له سبيل إلى دفعه بقدر آخر فهو أولى به من قوله لو كنت فعلته بل وظيفته في هذه الحالة أن يستقبل فعله الذي يدفع به أو يخفف ولا يتمنى ما لا مطمع في وقوعه فإنه عجز محض والله يلوم على العجز ويحب الكيس ويأمر به والكيس: هو مباشرة الأسباب التي ربط الله بها مسبباتها النافعة للعبد في معاشه ومعاده فهذه تفتح عمل الخير؛ وأما العجز فيفتح عمل الشيطان لأنه إذا عجز عما ينفعه وصار إلى الأماني الباطلة بقوله: لو كان كذا وكذا فتح عليه عمل الشيطان لأن بابه العجز والكسل.
وربما يشكل على هذا الحديث أن النبي ﷺ قال: «لو استقبلت من أمري ما استدبرت ما أهديت ولولا أن معي الهدى لأحللت» ، رواه البخاري ومسلم «١» .
والجواب أن كراهة استعمال «لو» في التلهف والتحسر على أمور الدنيا إما طلبا وإما هربا لما في ذلك من عدم التوكل وأما إذا استعملت في تمني القربات كما في
стр. 214
هذا الحديث فلا كراهة. فما مضى نسلّم الأمر فيه لله ونقول قدّر الله وما شاء فعل والمستقبل نعد له عدته معتبرين بالماضي متجنبين الأسباب التي أدت إلى وقوع المكروه أو دفع المحبوب ولباب الحديث تقوية الإيمان والجد في الأعمال والاعتماد على الله وترك الأماني الباطلة والكلمات غير المجدية والأخذ فيما يفيد.
٨٩- باب: دعاء الرسول ﷺ
عن أنس بن مالك ﵁ قال: كان رسول الله ﷺ يقول: «اللهمّ إنّي أعوذ بك من العجز والكسل والجبن والبخل وأعوذ بك من عذاب القبر وفتنة المحيا والممات» . [رواه مسلم «١» ] .
الشرح:
تعوذ النبي ﷺ بالله من أمور سبعة:
أولها وثانيها: العجز والكسل
والفرق بينهما: أن العجز عدم القدرة والكسل: عدم انبعاث النفس للخير وقلة الرغبة فيه مع إمكانه وكلاهما داء يقعد الإنسان عن القيام بالواجبات ويفتح عليه أبواب الشرور وكما أن العمل والجد فيه مناط «٢» السعادة في العاجلة «٣» والقابلة «٤» ، فكذلك العجز والتكاسل طريق الشقاوة وقد أمر القرآن بالعمل في مثل قوله تعالى: وَقُلِ اعْمَلُوا فَسَيَرَى اللَّهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ وَالْمُؤْمِنُونَ «٥» ، والقيام بالعمل يستدعي القدرة عليه والإنتفاع وإذا كان العمل واجبا كان الترك محرما والترك إما للعجز وإما للكسل ففي الآية ذم لهما فلذلك تعوذ منهما النبي ﷺ وإبعاد العجز عن المرء إما بإدامة القدرة إن كانت موفرة أو بتيسير أسبابها إن كانت مفقودة.
وثالثها ورابعها: الجبن والبخل
والأول يتعلق بالنفس والثاني بالمال فمن فقد
стр. 215
الشجاعة على مقاومة الشهوات النفسية والخواطر الشيطانية أو مكافحة العدو أو مدافعة الخصم المجادل بالباطل فهو الجبان ومن لم يواس بماله الفقراء والمساكين ويقدمه للغزاة والمجاهدين وينفقه في وجوه المصلحة فلذلك البخيل الذي يقول الله فيه: وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ وَلا يُنْفِقُونَها فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَبَشِّرْهُمْ بِعَذابٍ أَلِيمٍ «١» .
وأمر الله في آيات كثيرة بالجهاد بالنفوس والأموال. هو نهي عن الجبن والبخل وليس برجل في الحياة من لا يقدم نفسه وماله في سبيل إعزاز دينه وإسعاد أمته وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ «٢» .
وخامسها: الهرم
والمراد به الرّدّ إلى أرذل العمر كما صرح به في رواية أخرى وسبب الإستعاذة منه ما فيه من الخرف واختلال العقل والحواس والضبط والفهم وتشويه بعض المنظر والعجز عن كثير من الطاعات والتساهل في بعضها ويكفي للتعوذ منه أن الله سماه أرذل العمر وأن المرء فيه لا يعلم من بعد علم شيئا.
وسادسها: عذاب القبر
وقد استدل لثبوته بمثل قوله تعالى: النَّارُ يُعْرَضُونَ عَلَيْها غُدُوًّا وَعَشِيًّا وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ أَدْخِلُوا آلَ فِرْعَوْنَ أَشَدَّ الْعَذابِ «٣» ، وقوله:
سَنُعَذِّبُهُمْ مَرَّتَيْنِ ثُمَّ يُرَدُّونَ إِلى عَذابٍ عَظِيمٍ «٤» ، وقوله: وَلَوْ تَرى إِذِ الظَّالِمُونَ فِي غَمَراتِ الْمَوْتِ وَالْمَلائِكَةُ باسِطُوا أَيْدِيهِمْ أَخْرِجُوا أَنْفُسَكُمُ الْيَوْمَ تُجْزَوْنَ عَذابَ الْهُونِ «٥» ، ولكن ليس في هذه الآيات ما هو نص في عذاب القبر وإنما العمدة في إثباته ما ورد في السنة من مثل هذا الحديث وحديث عائشة عند البخاري: «أن يهودية دخلت عليها فذكرت عذاب القبر فقالت لها أعاذك الله من عذاب القبر فسألت عائشة رسول الله ﷺ عن عذاب القبر فقال: «نعم عذاب القبر» قالت عائشة فما رأيت رسول الله ﷺ بعد صلّى صلاة إلا تعوذ من عذاب القبر «٦» ، وفي البخاري أيضا: أن النبي ﷺ