الشيطان» . [أخرجه مسلم «١» ] .
الشرح:
في الحديث حث على أمور ثلاث:
١- تقوية الإيمان.
٢- الحرص على النافع.
٣- الاستعانة بالله.
والنهي عن أمرين:
١- العجز.
٢- وقولك إذا أصابك مكروه، أو فاتك محبوب، لو أني فعلت كذا كان خلاف ما حصل.
فإن هذا القول فتح بابا للشيطان ولكن تقول قدّر الله وما شاء فعل فتلك خمسة أمور نبينها فيما يأتي:
١- الإيمان محور السعادة في الدنيا والآخرة
متى أتبع بالعمل الصالح مَنْ عَمِلَ صالِحاً مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَياةً طَيِّبَةً وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ ما كانُوا يَعْمَلُونَ «٢» ، والناس متفاوتون في الإيمان فمنهم قوي تدفعه عزيمته إلى الأعمال الصالحة فتراه مقداما في الجهاد أمّارا بالمعروف: نهاء عن المنكر لا يبالي بالأذى يناله في سبيل الدعوة إلى الخير، صبورا على القيام بحقوق الله من صلاة وصوم وزكاة وحج وحسن معاملة للناس لا تفتر همته في ذلك ولا يدع للخور «٣» إلى نفسه سبيلا.
ومنهم ضعيف الإيمان تراه يعكس سابقه، وقد ذكر الرسول ﷺ أن الأول خير من الثاني لأنه دائب في طلب السعادة لنفسه كاملة، أراد الآخرة وسعى لها سعيها وهو مؤمن فسعيه مشكور، والثاني آمن وقصر في السعي فهو لنفسه عند تقصيره وكما أن الأول خير فهو أحب إلى الله من الثاني. لأنه أتي من الأعمال بما يقربه إليه ويستدعي
стр. 212
عطفه عليه ولا كذلك الثاني.
وقد قال الرسول ﷺ : «وفي كل خير» لأن الإستعداد بالإيمان عند كل منهما، ولكن الأول: نماه بالعمل الطيب فازداد رسوخا وثباتا، وأتي أكله عند كل منهما، ولكن الأول: نماه بالعمل الطيب فازداد رسوخا وثباتا، وأتي أكله كل حين بإذن ربه، وأما الثاني فإنه أهمله، وإن لم يتداركه بالعناية وصالح العمل خشي عليه الذبول فالموت فعقد الخير.
فالغرض من هذه الجملة الحث على العناية بشجرة الإيمان بسقيها والقيام عليها وإبعاد الحشرات منها حتى يثمر للعبد عزة في دنياه وسعادة في أخراه.
٢- أمرنا الرسول ﷺ بالحرص على النافع
في الدنيا والآخرة، فالمؤمن لا يدع فرصة يستطيع فيها كسب مال أو جاه أو علم نافع من علوم الحياة كرياضة أو هندسة أو طب أو تربية أو كسب خلق طيب أو تنميته أو أداء عمل يقرب إلى الله وينفع في الآخرة كقراءة قرآن ومدارسة ودين وصلاة أو صيام. لا يدع فرصة يستطيع فيها شيئا من ذلك إلا انتهزها.
٣- ولا ينسى ربه عند مباشرة الأسباب فإن العوائق جمة
«١» والحاجة إلى مدده في كل لحظة دائمة فإن لم يستعن به ربما وقف عن غايته.
إذا كان عون الله للمرء مسعفا ... تأى له من كل أمر مراده
وإن لم يكن عون من الله للفتى ... فأول ما يجني عليه اجتهاده
فليستعن بالله الذي بيده كل شيء ومنه التيسير وبه التوفيق إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ «٢» .
٤- ولا ييأس من الوصول إلى غرضه
وقد ملأت الثقة بالله نفسه بل ليطرح عنه الكسل جانبا والتقاعد والخمول ظهريا وليقل كما كان يقول الرسول ﷺ : «اللهم إني أعوذ بك من العجز والكسل» «٣» وفي هاتين الجملتين (٢ و ٣) إرشاد إلى ما به يقوى الإيمان فإن قوة العزيمة والجد في مباشرة العمل بعد بحثه وتبين الصالح منه مع الثقة
стр. 213
بالله والإستنجاد به مما يزيد الإيمان قوة في النفس كما أن الجملة الآتية إرشاد لترك التمنيات الباطلة وترك الكلام الذي لا يجدي بل يقول حسنا ويفعل طيبا.
٥- نشرح لك الأمر الخامس بما قاله ابن القيم
في زاد المعاد قال: قوله لو كنت فعلت كذا وكذا لم يفتني ما فاتني أو لم أقع فيما وقعت فيه، كلام لا يجدي عليه فائدة البتة فإنه غير مستقبل لما استدبر من أمره وغير مستقيل عثرته بلو وفي ضمن (لو) ادّعاء أن الأمر لو كان كما قدره في نفسه لكان غير ما قضاه الله وقدره ومشيئته.
فإذا قال: لو أني فعلت كذا لكان خلاف ما وقع فهو محال إذ خلاف المقدّر المقضي محال فقد تضمن كلامه كذبا ومحالا وإن سلم من التكذيب بالقدر لم يسلم من معارضته بقوله: لو أني فعلت كذا لدفعت ما قدّر عليّ. فإن قيل ليس في هذا رد للقدر ولا جحد له إذ تلك الأسباب التي تمناها أيضا من القدر فهو يقول لو وفقت لهذا القدر لا ندفع به عني ذلك القدر فإن القدر يدفع بعضه ببعض كما يدفع قدر المرض بالدواء وقدر الذنوب بالتوبة وقدر العدو بالجهاد فكلاهما من القدر، قيل:
هذا حق ولكن هذا ينفع قبل وقوع القدر المكروه، وأما إذا وقع فلا سبيل إلى دفعه وإن كان له سبيل إلى دفعه بقدر آخر فهو أولى به من قوله لو كنت فعلته بل وظيفته في هذه الحالة أن يستقبل فعله الذي يدفع به أو يخفف ولا يتمنى ما لا مطمع في وقوعه فإنه عجز محض والله يلوم على العجز ويحب الكيس ويأمر به والكيس: هو مباشرة الأسباب التي ربط الله بها مسبباتها النافعة للعبد في معاشه ومعاده فهذه تفتح عمل الخير؛ وأما العجز فيفتح عمل الشيطان لأنه إذا عجز عما ينفعه وصار إلى الأماني الباطلة بقوله: لو كان كذا وكذا فتح عليه عمل الشيطان لأن بابه العجز والكسل.
وربما يشكل على هذا الحديث أن النبي ﷺ قال: «لو استقبلت من أمري ما استدبرت ما أهديت ولولا أن معي الهدى لأحللت» ، رواه البخاري ومسلم «١» .
والجواب أن كراهة استعمال «لو» في التلهف والتحسر على أمور الدنيا إما طلبا وإما هربا لما في ذلك من عدم التوكل وأما إذا استعملت في تمني القربات كما في
стр. 214
هذا الحديث فلا كراهة. فما مضى نسلّم الأمر فيه لله ونقول قدّر الله وما شاء فعل والمستقبل نعد له عدته معتبرين بالماضي متجنبين الأسباب التي أدت إلى وقوع المكروه أو دفع المحبوب ولباب الحديث تقوية الإيمان والجد في الأعمال والاعتماد على الله وترك الأماني الباطلة والكلمات غير المجدية والأخذ فيما يفيد.
٨٩- باب: دعاء الرسول ﷺ
عن أنس بن مالك ﵁ قال: كان رسول الله ﷺ يقول: «اللهمّ إنّي أعوذ بك من العجز والكسل والجبن والبخل وأعوذ بك من عذاب القبر وفتنة المحيا والممات» . [رواه مسلم «١» ] .
الشرح:
تعوذ النبي ﷺ بالله من أمور سبعة:
أولها وثانيها: العجز والكسل
والفرق بينهما: أن العجز عدم القدرة والكسل: عدم انبعاث النفس للخير وقلة الرغبة فيه مع إمكانه وكلاهما داء يقعد الإنسان عن القيام بالواجبات ويفتح عليه أبواب الشرور وكما أن العمل والجد فيه مناط «٢» السعادة في العاجلة «٣» والقابلة «٤» ، فكذلك العجز والتكاسل طريق الشقاوة وقد أمر القرآن بالعمل في مثل قوله تعالى: وَقُلِ اعْمَلُوا فَسَيَرَى اللَّهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ وَالْمُؤْمِنُونَ «٥» ، والقيام بالعمل يستدعي القدرة عليه والإنتفاع وإذا كان العمل واجبا كان الترك محرما والترك إما للعجز وإما للكسل ففي الآية ذم لهما فلذلك تعوذ منهما النبي ﷺ وإبعاد العجز عن المرء إما بإدامة القدرة إن كانت موفرة أو بتيسير أسبابها إن كانت مفقودة.
وثالثها ورابعها: الجبن والبخل
والأول يتعلق بالنفس والثاني بالمال فمن فقد
стр. 215
الشجاعة على مقاومة الشهوات النفسية والخواطر الشيطانية أو مكافحة العدو أو مدافعة الخصم المجادل بالباطل فهو الجبان ومن لم يواس بماله الفقراء والمساكين ويقدمه للغزاة والمجاهدين وينفقه في وجوه المصلحة فلذلك البخيل الذي يقول الله فيه: وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ وَلا يُنْفِقُونَها فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَبَشِّرْهُمْ بِعَذابٍ أَلِيمٍ «١» .
وأمر الله في آيات كثيرة بالجهاد بالنفوس والأموال. هو نهي عن الجبن والبخل وليس برجل في الحياة من لا يقدم نفسه وماله في سبيل إعزاز دينه وإسعاد أمته وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ «٢» .
وخامسها: الهرم
والمراد به الرّدّ إلى أرذل العمر كما صرح به في رواية أخرى وسبب الإستعاذة منه ما فيه من الخرف واختلال العقل والحواس والضبط والفهم وتشويه بعض المنظر والعجز عن كثير من الطاعات والتساهل في بعضها ويكفي للتعوذ منه أن الله سماه أرذل العمر وأن المرء فيه لا يعلم من بعد علم شيئا.
وسادسها: عذاب القبر
وقد استدل لثبوته بمثل قوله تعالى: النَّارُ يُعْرَضُونَ عَلَيْها غُدُوًّا وَعَشِيًّا وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ أَدْخِلُوا آلَ فِرْعَوْنَ أَشَدَّ الْعَذابِ «٣» ، وقوله:
سَنُعَذِّبُهُمْ مَرَّتَيْنِ ثُمَّ يُرَدُّونَ إِلى عَذابٍ عَظِيمٍ «٤» ، وقوله: وَلَوْ تَرى إِذِ الظَّالِمُونَ فِي غَمَراتِ الْمَوْتِ وَالْمَلائِكَةُ باسِطُوا أَيْدِيهِمْ أَخْرِجُوا أَنْفُسَكُمُ الْيَوْمَ تُجْزَوْنَ عَذابَ الْهُونِ «٥» ، ولكن ليس في هذه الآيات ما هو نص في عذاب القبر وإنما العمدة في إثباته ما ورد في السنة من مثل هذا الحديث وحديث عائشة عند البخاري: «أن يهودية دخلت عليها فذكرت عذاب القبر فقالت لها أعاذك الله من عذاب القبر فسألت عائشة رسول الله ﷺ عن عذاب القبر فقال: «نعم عذاب القبر» قالت عائشة فما رأيت رسول الله ﷺ بعد صلّى صلاة إلا تعوذ من عذاب القبر «٦» ، وفي البخاري أيضا: أن النبي ﷺ
стр. 216
مرّ على قبرين فقال: «إنهما ليعذبان وما يعذبان في كبير» : ثم قال بلى أما أحدهما فكان يسعى بالنميمة، وأما الآخر فكان لا يستتر من البول» «١» .
وإلى إثبات عذاب القبر ذهب جميع أهل السنة وأكثر المعتزلة «٢» ونفاه بعض الخوارج وبعض المعتزلة كضرار بن عمر وبشر المريسي ومن وافقهما، وحجة النافين له أن عمدة ما ورد فيه أحاديث آحاد وهي إنما تفيد الظن دون القطع الواجب في باب العقائد، وليس في القرآن ما هو نص فيها.
وسابعها: فتنة المحيا والممات
وأصل الفتنة الامتحان والاختبار ومنه: فتنت الذهب إذا اختبرته بالنار لتنظر جودته والمحيا زمن الحياة والممات وقت الموت والمراد بفتنة المحيا ما يعرض للإنسان في حياته من الافتتان بالدنيا والشهوات أو الابتلاء مع زوال الصبر والمراد بفتنة الممات ما دل عليه مثل قوله تعالى: وَلَوْ تَرى إِذْ يَتَوَفَّى الَّذِينَ كَفَرُوا الْمَلائِكَةُ يَضْرِبُونَ وُجُوهَهُمْ وَأَدْبارَهُمْ «٣» ، وقوله: وَلَوْ تَرى إِذِ الظَّالِمُونَ فِي غَمَراتِ الْمَوْتِ وَالْمَلائِكَةُ باسِطُوا أَيْدِيهِمْ «٤» ، أي بالإيذاء، أو المراد بها السؤال في القبر مع الحيرة.
فتلك الأمور السبعة التي تعوذ منها ﷺ ، فنعوذ بالله من شرها وسوء أثرها.
٩٠- باب: النظر لمن هو أسفل
عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «انظروا إلى من هو أسفل منكم ولا تنظروا إلى من هو فوقكم فهو أجدر ألا تزدروا نعمة الله عليكم» . [رواه مسلم، ولفظ البخاري] «٥» : «إذا نظر أحدكم إلى من فضّل عليه في
стр. 217
المال والخلق فلينظر إلى من هو أسفل منه ممّن فضّل عليه» .
اللغة:
الإزدراء: الاحتقار والانتقاص يقال زريت عليه زراية وأزريت به إذا انتقصته وعبته. وازدراء واستزراره: احتقاره واستخف به.
الشرح:
رضا المرء بما ناله من متاع هذه الحياة أساس السعادة فيها والرضا يدعو إلى شكر الله على ما وهب قليلا كان أو كثيرا وفقد هذا الرضا مؤلم للنفس موقع لها في الهم والحزن مذك «١» فيها نار الحسد.
فالنفس التي لا ترضى شقية في هذه الحياة ولن تكون يوما سعيدة مهما حصلت من أعراض هذه الحياة فإنها كلما بلت درجة تعودتها فملتها وتطلعت إلى غيرها فلم ترض بحالها فتألمت وقد أرشدنا رسول الله ﷺ في هذا الحديث إلى الطريق الذي يورثنا القناعة ويملأ نفوسنا بالرضا ويعرفنا نعم الله علينا لنقوم بشكرها الواجب فيزيدنا من نعمه، ذلك الطريق أن ننظر إلى من هو دوننا في أعراض الحياة الدنيا دون من هو فوقنا فيها لأن ذلك يدعو إلى الاعتراف بنعمة الله علينا وإكبارها والشكر عليها، لا احتقارها والإستهانة بها، وما من حال للمرء إلا وفي الناس من هو دونه فيها كما فيهم من هو أعلى منه فيها فالعاقل ينظر إلى المبتلى بالأسقام وينتقل إلى ما فضل به عليه من العافية التي هي أساس التمتع بطيبات الحياة، وينظر إلى من في خلقه نقص من عمي أو صمم «٢» أو بكم «٣» أو تشويه في الشكل ويزن ذلك بسلامته من هذه العاهات وأشباهها، وينظر إلى من ابتلي بالدنيا وجمعها مع إهماله القيام بحق الله فيها ويعلم أنه قد رجحه بالإقلال وبقلة التبعة في الأموال وبسلامة دينه، وينظر إلى من بلي بالفقر المدقع «٤» والدّين المثقل وينتقل إلى سلامته منهما وهكذا يوازن بين حاله وأحوال من دونه فيرى تفضيل الله له على كثير من خلقه ويستعظم نعم الله عليه فيلهج «٥» بشكره ويجدّ في عبادته ويرضى بمعيشته فيسعد في أولاه وآخرته.
стр. 218
أما إذا اقتصر نظره على من علاه فهنالك الحسد والغم وهناك ازدراء النعم وهنالك التقصير في شكر الله والولوع بغاية الغايات من وسائل هذه الحياة وستنفد حياته دونها.
أما النظر إلى من فوقه في العالم والخلق والأعمال الطيبة ووسائل الشرف والعزة فهو نظر محمود يدعو إلى الترقي في مدارج الكمال وذلك خليق بكل إنسان يبغي مجدا في دنياه ونعيما في أخراه. وفي هذا المعنى قول الشاعر:
من رام «١» عيشا رغيدا «٢» يستفيد به ... في دينه ثم في دنياه إقبالا
فلينظرن إلى من فوقه أدبا ... ولينظرن إلى من تحت مالا
٩١- باب: التعوذ من الهم والدّين
عن أبي سعيد الجدريّ ﵁ قال: «دخل رسول الله ﷺ ذات يوم المسجد فإذا هو برجل من الأنصار يقال له أبو أمامة جالسا فيه» ، فقال «يا أبا أمامة مالي أراك جالسا في غير وقت صلاة» ، قال: هموم لزمتني وديون يا رسول الله. فقال: «ألا أعلّمك كلاما إذا قلته أذهب الله همّك وقضى دينك» . فقال: بلى يا رسول الله. قال: «قل إذا أصبحت وإذا أمسيت: اللهمّ إنّي أعوذ بك من الهمّ والحزن. وأعوذ بك من العجز والكسل. وأعوذ بك من البخل والجبن. وأعوذ بك من غلبة الدّين وقهر الرّجال» . قال: فقلت ذلك فأذهب الله همّي وقضى عنّي ديني. [رواه أبو داود «٣» ] .
الشرح:
الأنصار: هم أهل المدينة الذين هاجر إليهم الرسول الله ﷺ وأصحابه فاووهم ونصروهم، رأى الرسول ﵇ أحد صحابته في المسجد في غير وقت
стр. 219
صلاة، وشأن المسلم الجد والعمل لا الضعف والكسل، والمساجد ليست بيوتا للسكنى ولكن للذكر والعبادة في أوقاتها.
فسأله عما أقعده في المسجد، فأجابه بأن ديونا لزمته، وهموما أحاطت به جعلته يترك الناس ويأتي المسجد في غير وقت صلاة، فعرض عليه الرسول ﷺ أن يعلمه كلمات إذا قالها في الصباح وفي المساء زالت همومه وأحزانه، وقضيت ديونه التي شغله التفكير فيها فنغص «١» عيشه وأقض «٢»
مضجعه وأذهب عن نفسه انشراحها وسرورها فقال: يا رسول الله أحب أن تعلمني هذه الكلمات فعلمه الرسول أن يتعوذ بالله من ثمانية أمور:
أولها وثانيها- الهم والحزن:
أما الهم والقلق فإنه يكون في الأمور المهمة المقبلة التي يرجو الإنسان حصولها أو يخاف شر وقوعها كطالب في مدرسة شغل الهم قلبه وملك منافذه بسبب إقباله على امتحان ينال به الإجازة، فتراه في شغل دائم وتفكير مستمر في صعوبة الامتحان وأحوال الناجحين والراسبين. وما يؤول إليه أمره لو قدر له الرسول، أو بماذا يشتغل لو كان من الفائزين، وهكذا يضيع وقته في غير فائدة بدلا من أن يجدّ في دروسه ويحصل علومه ويستعد لما هو مقدم عليه ويدع النتائج لله وحده وهو معتقد أن الله لا يضيع أجر من أحسن عملا.
وكصاحب خصومة مطروح أمرها أمام القضاء تراه مهموما من نتيجتها يخاف أن يحكم عليه فيها لخصمه فيطلق للتفكير العنان، ولا يكتم اضطرابه وقلقه عن الناس ويقصر فيما يجب عليه ويتقاعد عن العمل الذي يقيه شر القضاء، وكان أولى به أن يفكر في توكيل من يحسن الدفاع عنه بالحق والمحافظة عليه وإعداد البراهين والبينات التي تغلب حقه على باطل خصمه، كما يعد العدة حتى إذا حكم عليه ما يخفف وقعه ويذيب ألمه، لا أن يترك لخصمه كل فرصة يتمكن بها منه ويحوك له الحبائل «٣»
والمكائد «٤»
للإيقاع به لأن ذلك ليس من شأن المسلم، وقل مثل ذلك في سائر الناس الذين لهم آمال شغلوا بالكلام فيها والتحدث عنها عن العمل لنيلها والجد في سبيلها
стр. 220
أو يخشون قوارع «١»
تحل بهم أو نوائب تصيبهم فتطير قلوبهم هلعا ونفوسهم جزعا، وخليق بهم أن يعدوا لكل أمر عدته، ولكل شدة وقايتها وأن يكون تفكيرهم في الوسائل المنجية من البلاء أو المبعدة عنه أو المخففة من وقعه.
فمن أجل أن الهم مضيعة للوقت في غير جدوى، وأنه داع إلى التقصير في الواجب وأنه تقاعد عن التدبير النافع لنيل الخير المرجو، أو تجنب الشر المحذور، من أجل ذلك تعوذ الرسول ﷺ منه كما تعوذ من الحزن الذي يكون على أمر محبوب فات نيله. أو ضر نزل لا يقلع، فهذا أيضا مذموم. وقد نهانا الله عنه بقوله: وَلا تَهِنُوا وَلا تَحْزَنُوا «٢»
، وبقوله حكاية عن رسوله ﷺ لا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنا «٣» .
ولو كان الحزن يرد فائتا، أو يدفع واقعا لكنا فيه معذورين، ولكنه مضيعة للوقت وسخط على القضاء، وتعلق بما لا سبيل له وتكاسل عن اتخاذ الأسباب لدفع المصيبة أو تخفيف ألمها، فمن أجل ذلك أيضا تعوذ الرسول ﷺ منه.
وعلى المؤمن أن يدرع بالصبر ويأخذ لنفسه من حوادثه وحوادث غيره عظات لما يستقبل من أيامه حتى لا يقع فيما وقع فيه من قبل «لا يلدغ المؤمن من جحر واحد مرتين» ، والله سبحانه يختبر بالمصائب عباده، ليميز الخبيث من الطيب ويستبين من كان قوي العزيمة كثير الجلد والتصبر من الخائر «٤»
الهلوع قال تعالى: وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ بِشَيْءٍ مِنَ الْخَوْفِ وَالْجُوعِ وَنَقْصٍ مِنَ الْأَمْوالِ وَالْأَنْفُسِ وَالثَّمَراتِ وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ «٥» .
وقال عز شأنه: أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لا يُفْتَنُونَ. وَلَقَدْ فَتَنَّا الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ صَدَقُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْكاذِبِينَ «٦» .
الثالث والرابع: مما تعوذ منه الرسول ﷺ العجز والكسل
والأول: عدم القدرة على الشيء، والثاني: التقاعد عنه مع استطاعته، وإذا علمت أن بالعمل مكانة الإنسان في هذه الحياة وعلوه ورفعته، وأن به السعادة في الآخرة والفوز بالنعيم المقيم، وأن
стр. 221
العجز والكسل شر ما يبتلى بهما المؤمن أدركت أنهما داء وبيل «١»
من أصيب بهما خَسِرَ الدُّنْيا وَالْآخِرَةَ ذلِكَ هُوَ الْخُسْرانُ الْمُبِينُ «٢»
. هذا ومجانبة العجز تكون بمجانبة أسبابه فلا يعمل الإنسان عملا شاقا أو يأتي أمرا خطيرا من شأنه أن يذهب ببعض أعضائه العاملة، أو يسلبه القدرة ويجعله من العجزة الذين لا يستطيعون حيلة ولا يهتدون سبيلا فالذي يجهد نفسه ويحمّلها فوق طاقتها ولا يعطيها قسطها من الراحة وحظها من الطعام والشراب الحلال الطيب، والذي لا يداوي علل جسمه ويترك الدواء لمرارته أو يبخل عن نفسه بأجر طبيب أو بثمن دواء هو ساع نحو العجز جان على نفسه شر جناية ومن يتعوذ بالله من العجز وهو سائر نحوه في أحد هذه الطرق فإنه يطلب ما لا يجد ويقول ما لا يفعل كَبُرَ مَقْتاً عِنْدَ اللَّهِ أَنْ تَقُولُوا ما لا تَفْعَلُونَ «٣»
وأما الكسل فمجانبته تكون بتقوية الإرادة ومعاشرة المجدين العاملين ومباشرة الأسباب واستشارة لذة العمل وحلاوة بلوغ الآمال وتمثل الخيبة والفشل، ومعرفة أن المجد في العمل والمغامرة، والتعس في الكسل وملازمة الراحة.
والخامس والسادس: الجبن والبخل .
والأول: شح بالنفس، والثاني: شح بالمال.
فالذي يبخل بنفسه عن بذلها في سبيل الدين، في سبيل إقامة معالم الحق، في سبيل حفظ البلاد ورد عادية المعتدين عليها والمنتهكين حرمتها والسالبين حقوقها، والقاسرين «٤»
أهلها، على الذل والاستعباد، والمستبدين بهم شر الاستبداد؛ الذي يبخل بنفسه عن بذلها في هذه السبل، المذللة طريق الكرامة والعزة، الموطدة «٥»
للشرف والرفعة، الذي يبخل عن ذلك يميت نفسه، ويشتري نحسه «٦»
، لأنه إن حيي جسمه فقد ماتت روحه، ماتت نفسه العالية، وذهبت حياته الطيبة، وكم من حي بين الناس هو في عداد الأموات وكم من ميت في عداد الأحياء وَلا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْواتاً بَلْ أَحْياءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ. فَرِحِينَ بِما آتاهُمُ اللَّهُ مِنْ
стр. 222
فَضْلِهِ «١»
، إذ الحياة الحقة أن تعيش مرفوع الرأس موفور الكرامة في قولك وتصرفك وقلمك ورأيك واعتقادك، أن تعيش في أمة لا سلطان لأحد عليها. ولا من يتحكم في رقابها وحقوقها وأموالها رأيها المحترم وقولها النافذ، ومصلحتها المقدسة، ولن يعيش في أمة هذا وصفها إلا من بذل نفسه في الذود «٢»
عنها وكرّس حياته في جلب الخير لها، ودفع الضرر عنها. هذا هو الكريم حقا، هذا هو الشجاع صدقا، هذا هو الجواد بلا ريب. والجود بالنفس أقصى غاية الجود.
تأخرت استبقي الحياة فلم أجد ... لنفسي حياة مثل أن أتقدما
أما الذي يبخل بماله عن نفسه فلا ينفقه في سبيل ترفيهها وإسعادها وتهذيبها وسد حاجتها وتقديم الطيبات لها، أو يبخل به عن الفقراء والمساكين، والعجزة والمقعدين، والمنكوبين والملهوفين، أو يبخل به عن الجهاد، ومناجزة الأعداء، ومصالح الأمة العامة، الذي يبخل بماله عن ذلك ويحبسه في خزائنه إنما يسعى في هلاك نفسه والقضاء على أمته.
وما يبغي من يكنز أمواله عن حقوقها؟ أفيطمع أن يأخذه معه إلى جدثه «٣»
؟ أو ينفق منه في عالم الغربة والوحدة؟ أينفعه إذ ما وقف أسرع الحاسبين. واشتد الكرب وهال «٤»
الخطب؟ كلا لن ينفع الإنسان بعد وفاته ما له إذا لم يكن من عمله منقذ وناصر، بل يكون شرا عليه ونكالا لا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَبْخَلُونَ بِما آتاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ هُوَ خَيْراً لَهُمْ بَلْ هُوَ شَرٌّ لَهُمْ سَيُطَوَّقُونَ ما بَخِلُوا بِهِ يَوْمَ الْقِيامَةِ «٥»
، وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ وَلا يُنْفِقُونَها فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَبَشِّرْهُمْ بِعَذابٍ أَلِيمٍ. يَوْمَ يُحْمى عَلَيْها فِي نارِ جَهَنَّمَ فَتُكْوى بِها جِباهُهُمْ وَجُنُوبُهُمْ وَظُهُورُهُمْ هذا ما كَنَزْتُمْ لِأَنْفُسِكُمْ فَذُوقُوا ما كُنْتُمْ تَكْنِزُونَ «٦»
والمؤمن الصادق من بذل في سبيل الدين نفسه وفي إعلاء شأن أمته ماله.
стр. 223
السابع والثامن: غلبة الدّين وقهر الرجال: والدّين- أعاذك الله- إذا غلب الإنسان ذهب بعزه، وأودى بنعيمه وأنسه وأتى على طارفه «١»
وتليده «٢»
وقديمه وجديده.
إذا غلب الإنسان ملك عليه فكره وعقله، وصوابه ورشده فلا يذوق طعم الهناءة ولا يحسن التفكير ولا يهتدي إلى الصواب. وإنما يغلب الدين إنسانا استدان بلا بصيرة ولم يدبر أمره وينظم شأنه. ويجدّ في طلب وتلمس الطرق المشروعة إليه ليقوم بالسداد، وإنما يغلب من استدان ولم يعزم على الوفاء بل كانت نيته التقصير. إنما يغلب من استدان لغير حاجة ماسة بل لارواء شهوة أو ابتغاء الشهرة والملق «٣»
والرياء وحب الظهور الكاذب والمدح بالباطل.
أما من استدان لضرورة ملجئة عازما على الوفاء فهذا الله ضامنه، وموفقه للسداد ورازقه من حيث لا يحتسب حتى يخلصه مما أهمه وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجاً. وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لا يَحْتَسِبُ وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ «٤» .
وغلبة الرجال إما بالإذلال والاستعباد لغيرهم: أو انتصارهم عليه في مواطن النزاع والخصومة، أو في ميادين الحرب والطعان فنعوذ بالله من أن يستبد بنا فرد فيستخدمنا لماربه، ويا بني على رؤوسنا عظمة كاذبة ومجدا موهوما، ويطمس معالم مجدنا وسؤددنا «٥»
، كما نعوذ به من أن يغلبنا خصمنا فينصر باطله على حقنا وتكون له الكلمة علينا، ويقتل رجالنا ويسلبنا أموالنا ويسبي نساءنا وذرارينا «٦»
ويدوس عزتنا وكرامتنا، نعوذ بالله من كل ذلك ونسأله القوة والعدة حتى يرهبن الأعداء وأن يهبنا أسباب السعادة والعزة حتى لا يستبد بنا فرد أو أمة.
تلك هي الأمور الثمانية التي علمها الرسول ﷺ لأبي أمامة فلنتخذ منها غذاء في الصباح وعشاء في المساء حتى نجمع إلى تغذية الجسم تغذية الروح فلنضمن لنفوسنا
стр. 224
اللذة الكاملة والسعادة الشاملة.
وإياك أن تعوذ بالله من هذه الثمانية وأنت لسبيلها سالك وفي التلوث بها مقيم بل الواجب عليك أن تجتنبها أو تأخذ في التقصي عنها وإياك أن تلوكها «١»
بلسانك ولا تمرها بقلبك فإن الدعوة الطيبة ما صدرت عن القلوب قبل أن تلفظ بها الأفواه.
٩٢- باب: أفضل الصدقات
عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رجل للنّبيّ ﷺ : يا رسول الله، أيّ الصّدقة أفضل؟ قال: «أن تصّدّق وأنت صحيح، حريص» . وفي رواية «شحيح، تأمل الغنى، وتخشى الفقر، ولا تمهل حتى إذا بلغت الحلقوم» ، قلت لفلان كذا، ولفلان كذا، وقد كان لفلان. [رواه البخاري «٢»
] .
اللغة:
الحرص: الجشع. والشح: منتهى البخل، تأمل الغني: تطمع فيه بلغت الحلقوم: قاربت الروح الموت، إذ لو بلغت حقيقة الموت لم يصح شيء من تصرفه ولا إقراراته. ولم يتقدّم للروح ذكر اكتفاء بدلالة السياق، الحلقوم: مجرى النفس لفلان: المراد منه في الأولى والثانية الموصي له أي أوصيت لفلان بكذا ولفلان بكذا. وفي الأخيرة للوارث أي وقد صار المال للوارث. أو أنها في الأوليين للموصى له وفي الثالثة للمقرّ له أي وكان علي لفلان كذا دينا.
الشرح:
كان أصحاب الرسول ﷺ يتحرون أفضل أنواع الطاعات وأعظمها عند الله أجرا؛ ولا يأبون أن يسألوا الرسول عنها ليتقربوا بها إلى الله، وينالوا الدرجات العلا.
فسأله أحدهم عن أكثر الصدقات أجرا، فقال له ﵊: أن تتصدّق وأنت صحيح الجسم معافى في بدنك لم ينقطع أملك من الحياة، ولم تقف بك القدم على حافة القبر، إذ المرض يقصر يد المالك عن ملكه، وسخاوته بالمال إذ ذاك لا تمحو عنه سمة البخل ولا تدل على طيب نفسه بالعطاء لأنه يكون قد مل
стр. 225
الحياة، وسئم العيش، ورأى ماله قد صار لغيره بخلاف ما إذا كان صحيحا يكون للمال مكان في قلبه وحب من نفسه، لما يأمل من البقاء ويخشى من الفقر فالشح به غالب والسماح به حينئذ أصدق في الإخلاص وأعظم في المثوبة.
وكذا إذا تصدق وهو حريص على جمع المال قد توافرت لديه أسباب إدخاره كان ذلك دالا على الرغبة في الخير وابتغاء ما عند الله.
ولا يتأخر بالتصدق حتى يكون الموت منه قاب قوسين لأنه يكون مغلولا «١»
عن التصرف في كل ماله إذ أن المريض لا يجوز له أن يتبرع إلا بثلث ماله فقط، وما زاد على ذلك يكون من حق الورثة إن شاؤا أجازوا تصرفه وإن شاؤا لم يجيزوه.
ويدل الحديث على أن تنجيز وفاء الدّين والصدقة في حال الصحة أفضل منه في حال المرض لأنه في الأولى يصعب عليه إخراج المال غالبا لما يخوفه الشيطان من الفقر، ويزين له من إمكان طول العمر والحاجة إلى المال، كما قال تعالى:
الشَّيْطانُ يَعِدُكُمُ الْفَقْرَ «٢»
، وقال: وَأَنْفِقُوا مِنْ ما رَزَقْناكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ «٣»
الآية. وفي الحديث: «مثل الذي يعتق ويتصدّق عند موته مثل الذي يهدي إذا شبع» .
٩٣- باب: ما تجوز الصدقة به في مرض الموت
عن سعد بن أبي وقاص ﵁ قال: جاءني رسول الله ﷺ يعوذني من وجع اشتدّ بي، فقلت يا رسول الله: قد بلغ بي من الوجع ما ترى، وأنا ذو مال، ولا يرثني إلّا ابنة أفأتصدّق بثلثي مالي؟ قال: «لا» ، قلت فالشّطر يا رسول الله؟ قال: «لا» ، قلت فالثّلث؟ قال: «الثّلث والثّلث كثير،
стр. 226
إنّك إن تذر ورثتك أغنياء خير من أن تذرهم عالة يتكففون النّاس، وإنّك لن تنفق نفقة تبتغي بها وجه الله إلا أجرت عليها حتى مّا تجعله في فيّ امرأتك» .
[رواه البخاري «١» ] .
اللغة:
الوجع: اسم لكل مرض وجمعه أوجاع ووجاع، اشتد: قوى بلغ بي:
أثر فيّ ووصل غايته، ذو مال: أي كثير فالتنوين للتكثير كما صرح بذلك في رواية أخرى، (إلا ابنة) اسمها عائشة ولم يكن لسعد ﵁ في ذلك الوقت من الولد إلا هذه البنت، ثم عوفي بعد ورزق أولادا كثيرين منهم أربعة ذكور واثنتا عشرة انثى، ومعنى لا يرثني أي من الذرية وإلا فقد كان له عصبة، الشطر: النصف، الثلث بالنصب على الإغراء أو بفعل محذوف وبالرفع على الابتداء والخبر محذوف أي كافيك. والثلث كثير، ويحتمل أن يكون مسوقا لبيان الجواز بالثلث وأن الأولى أن ينقص عنه ولا يزيد عليه وهذا هو المتبادر. أو يكون لبيان أن التصدق بالثلث هو الأكمل الكثير أجره، أو يكون معناه كثير غير قليل في نفسه. تذر: تترك، عالة: فقراء جمع عائل من عال يعيل إذا افتقر، يتكففون الناس: يسألون الناس بأكفهم، يقال تكفف واستكف إذا بسط كفه للسؤال أو سأل ما يكف عنه الجوع أو سأل كفافا من طعاما.
الشرح:
يشير هذا الحديث إلى نوع مما كان المسلمون في عهد الرسول ﷺ يبتغون من تخير أفضل القربات إلى الله. فسعد رضى الله تعالى عنه لما أحس بثقل المرض وخشي أن يكون قد دنا أجله ثم رأى أن ماله كثير لا يأمن إذا تركه لابنته التي ليس له وارث سواها أن يطغيها أو لا تحسن تدبيره وربما جرّ إلى ما لا يؤجر هو ولا هي عليه فسأل الرسول ﷺ أن يأذن له بالتصدق بالثلثين حيث يرى أن ثلثه الباقي يكفي ابنته سواء أبقيت من غير زوج أم تزوجت وإن في ذلك القدر صلاحها وخيرها ويكون قد قدم لنفسه ما يجعل له عند الله منزلة رفيعة، فلم يجز له النبي ﷺ التصدق بذلك، فاستأذنه في النصف فلم يأذن له به أيضا. فاستأذن في الثلث فأذن له.
ثم أبان له ﵊ والحكمة السامية من ذلك تلك أن المسلم لا
стр. 227
يقتصر ثوابه على ما يقدمه قبل وفاته من صدقته بل أنه يثاب أيضا على أن يجعل أولاده في غنى عن سؤال الناس بما يقيهم عوز «١» الدهر ويدفع عنهم غائلة «٢» الأيام وبؤس الفقر وذله، بل ليس ذلك فقط هو الذي يؤجر عليه المؤمن، فإن أقل الحظوظ الدنيوية إذا قصد به وجه الله كان طاعة يثاب عليها كما يشير إلى ذلك قوله: «حتى ما تجعله في فيّ امرأتك» .
فانظر كيف أن البر الرحيم ذا الفضل العظيم يرضى من المسلم ببعض ماله ويجزيه عليه متى كان خالصا له وحده لا رياء فيه ولا نفاق، ويفيض عليه من رحمته على أدنى الخيرات يأتيها.
وقد عبر الرسول بقوله: «ورثتك» ليكون الجواب كليا مطابقا لكل حال يموت عليها سعد، سواء أورثه ابنته وحدها أم مع غيرها أم ورثه غيرها، ولم يخص ابنته دون سواها ليشمل جميع الورثة وأنه مطالب بأن يغنيهم بما يقيهم ذل السؤال.
وهناك لطيفة في نهاية الحديث. تلك هي قوله: «وإنك لن تنفق» ... إلخ، فإن سؤال سعد ﵁ يشعر بأنه رغب تكثير الأجر فلما منعه الرسول ﷺ من الزيادة عن الثلث قال له على سبيل التسلية والترضية إن جميع ما تفعله في مالك من صدقة ناجزة ومن نفقة ولو كانت واجبة تؤجر عليها ابتغيت بذلك وجه الله تعالى.
هذا ويؤخذ من الحديث سوى ما تقدم:
١- أن الوصية لا تجوز بأزيد من الثلث إن كان هناك وارث. وقد اختلف فيمن ليس له وارث، فذهب جمهور الأئمة إلى منعه من الزيادة عليه، وقال الحنفية يجوز الزيادة إذ ذاك مستدلين بأن الوصية في الآية مطلقة مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصِي بِها أَوْ دَيْنٍ «٣» ، فقيدتها السنة بمن له وارث فبقي من لا وارث له على اطلاقه.
وبهذا الحديث أيضا لأن من لا وارث له لا يترك من يخشى عليه الفقر.
٢- أن السنة تقيد القرآن كما تقدم.
стр. 228
٣- أن خطاب الشرع للواحد يعم من كان على صفته من المكلفين لإجماع العلماء على أن هذا الحكم عام وليس مختصا بسعد.
٤- إباحة جمع المال من طرقه المشروعة والحث على صلة الأقارب.
٩٤- باب: القصد في العبادة
عن أنس بن مالك ﵁ قال: جاء ثلاثة رهط إلى بيوت أزواج النّبيّ ﷺ يسألون عن عبادة النّبيّ ﷺ فلمّا أخبروا كأنهم تقالوّها، فقالوا وأين نحن من النّبيّ ﷺ ، قد غفر الله له ما تقدّم من ذنبه وما تأخّر، فقال أحدهم:
أمّا أنا فأنا أصلّي اللّيل أبدا، وقال آخر: أنا أصوم الدّهر ولا أفطر، وقال آخر: أنا أعتّزل النّساء فلا أتزوّج أبدا فبلغ النّبيّ ﷺ ذلك فحمد الله وأثنى عليه. وقال: «ما بال أقوام قالوا كذا وكذا، أما والله إني لأخشاكم لله وأتقاكم له لكنّي أصوم وأفطر، وأصلّي وأرقد، وأتزوّج النّساء، فمن رغب عن سنّتي فليس منّي» . [رواه البخاري «١» وغيره] .
اللغة:
الرهط: الجماعة من ثلاثة إلى عشرة، وهو اسم جمع لا واحد له من لفظه، والنفر: من ثلاثة إلى تسعة.
والثلاثة الذين في الحديث هم: علي بن أبي طالب، وعبد الله بن عمرو، وعثمان بن مظعون ﵃ تقالوها: رأى كل منهم أنها قليلة- أخشاكم لله وأتقاكم: أكثرهم خشية لله وتقوى منه، ما بال أقوام: ما شأنهم وما حالهم، الرغبة عن الشيء: كراهيته والإعراض عنه. والرغبة فيه: حبه والميل إليه، السنة: الطريقة.
الشرح:
كان الصحابة رضوان الله تعالى عليهم يتحرون «٢» عبادة النبي ﵊ ومقاديرها رجاء أن يكون لهم حظ مقاربته في الدرجة والمنزلة عند الله
стр. 229
تعالى فجاء ثلاثة منهم إلى أزواجه يسألون عن كيفية عبادته في السر ومقاديرها، فلما علموا أنها لا تزيد على عبادتهم وجدوها قليلة بالنسبة إليهم. لا تفي بما يبغون الحصول عليه من الزلفى ورأوا من وعد الله غفران ذنوب الرسول ﷺ ما تقدم منها وما تأخر ما يغنيه عن كثرة العبادة، وأنهم دونه في ذلك بمراحل كبيرة، وفي حاجة إلى مداومة الطاعة والإكثار منها.
فأخذ كل على نفسه أن يلازم نوعا من العبادة لا ينقطع عنه، فرأى أحدهم أن يجافي جنبه عن المضاجع ليلا ويصرف جميع لياليه أبدا في العبادة فلا يعطي نفسه حظها من النوم والراحة، لأن السهر في ذكر الله يصفي الفكر، ويرفق الذهن، والنوم يدعو إلى الكسل والتراخي ويبلد النفس. ورأى آخر أن يصوم الدهر ولا يفطر، لأن الصيام يكبح «١» جماح «٢» شهواته ويكسر شره نفسه وينفي ما خبث من طباعه ويغسل ما دنس من أخلاقه، ويجعله يستشعر الرحمة والرأفة بالضعفاء والفقراء والمساكين.
ورأى آخر أن يعتزل النساء فلا يتزوج، لأن ذلك يبعده عن الاشتغال بالدنيا وملاذها وينسيه عبادة الله حيث يشغله أمر معاشه والسعي على أولاده وتربيتهم والنظر في أمورهم من التفرغ للطاعة.
فلما بلغ ذلك الرسول ﷺ خطب المسلمين منبها إلى خطأ ما عزم عليه هذا النفر؛ وإلى أن التقرب إلى الله لا يكون بتحميل النفس فوق طاقتها وإجهادها بالشاق من الطاعات بل إن خير الأعمال إلى الله أدومها وإن قل، وأنهم يوشكون أن يوقعوا أنفسهم في عجز وضعف لا يقوون معهما على أدنى أنواع العبادات فضلا عن أعلاها فيكونون كالمنبت لا أرضا قطع ولا ظهرا أبقى. وخير لهم أن يترفقوا بأنفسهم ليستديموا الطاعة ويتمتعوا بما أحله الله لهم من الطيبات، إذ لا رهبانية «٣» في الإسلام.
ولقد كان من آدابه ﷺ إذا رأى شيئا يكرهه وخطب في شأنه ألا يعين فاعله ولا يواجهه بما يكره ولا يسميه باسمه على رؤوس الملأ. بل يقول: ما بال رجال أو ما بال أقوام لأن المقصود وهو الزجر عما اعتزموا عليه يحصل لهم ولغيرهم ممن سمع
стр. 230
الخطبة أو بلغه أمرها بدون الالتجاء إلى توبيخهم، وهذا من مكارم أخلاقه ﵊ وحسن آدابه وجميل عشرته، ولقد قال تعالى: وَإِنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ «١» ، وقال ﵊ «أدبني ربي فأحسن تأديبي» .
وفي الحديث إشارة إلى أن الحنيفية «٢» السمحة لا تدعو إلى الرهبانية وحرمان النفس مما أحله الله، ولكن ترغب في الإفطار ليقوى المؤمن على الصيام، وفي النوم ليتقوى على القيام. وفي التزوج ليكسر شهوة نفسه ويعفها ويكثر النسل.
ومن رغب عن ذلك، فإن كان لنوع من التأويل والفهم لا يعدّ ذلك خروجا عن الملة ولا كفرا، ويكون معنى (فليس مني) أي ليس من طريقتي وإن كان إعراضا وتنطعا «٣» يفضي إلى اعتقاد صواب ما عمل ورجحانه كأن معنى (فليس مني) فليس على ملتي لأن اعتقاد ذلك كفر، وإن كان تورعا لشبهة في ذلك لم يكن ممنوعا ولا مكروها.
ويؤخذ من هذا الحديث سوى ما تقدم:
١- التنبيه على فضل النكاح والترغيب فيه.
٢- وعدم الغلو في الإنقطاع عن الملاذ وما أحله الشرع.
٣- فيه رد على منع استعمال المباحات والحلال من الأطعمة الطيبة والملابس اللينة وآثر عليها غليظ الطعام وخشن الثياب من الصوف وغيره قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبادِهِ وَالطَّيِّباتِ مِنَ الرِّزْقِ «٤» ، لا تُحَرِّمُوا طَيِّباتِ ما أَحَلَّ اللَّهُ لَكُمْ وَلا تَعْتَدُوا «٥» .
والحق: العدل، والقصد في جميع الأمور، فإن ملازمة الطيبات تقضي إلى الترفه والبطر «٦» ، ولا يؤمن معها من الوقوع في الشبهات، كما أن منع النفس من
стр. 231
تناولها يؤدي إلى التنطع المنهي عنه، وملازمة الاقتصاد على الفرائض مثلا وترك النفل يفضي إلى إيثار البطالة وعدم النشاط إلى العبادة، وربما يؤدي إلى التكاسل عن الفرائض.
وقد أخذ النبي ﷺ بالأمرين وشارك في الوجهين، فلبس مرة الصوف والشملة الخشنة، ومرة البردة والرداء الحضرمي، وتارة كان يأكل القثاء بالرطب وطيب الطعام إذا وجده، ومرة كان يأكل الدجاج.
٤- يؤخذ من الحديث أيضا مشروعية التوصل إلى العلم لكل أحد حتى النساء إذا تعذر أخذه من أصل محله.
٥- وعلى تقديم الحمد والثناء على الله عند إلقاء مسائل العلم، وإزالة الشبهة عن المجتهدين.
٦- الحث على متابعة السنة والتحذير من مخالفتها، وهذا من أهم الأمور التي تركت ونشأ عن تركها مفاسد عظيمة في الدّين والدنيا.
٩٥- باب: جزاء العجب والخيلاء
عن عبد الله بن عمرو ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ : «من جرّ ثوبه مخيلة لم ينظر الله إليه يوم القيامة» . [رواه البخاري «١» ] .
اللغة:
جرّ ثوبه: أسبله وأطال، المخيلة، والخيلاء: العجب، والكبر عند فضيلة يتراآها الإنسان في نفسه، لم ينظر الله إليه: لم يرحمه ولم يحسن إليه لأن النظر وهو تقليب الحدقة محال على الله تعالى لما يلزمه من المماثلة للحوادث.
الشرح:
أحل الله لنا الطيبات من الرزق من مأكل ومشرب وملبس لنتمتع بها في غير معصية ولا طغيان.
ومن شر المعاصي الكبر والإعجاب لأن الكبر يسلب الفضائل، ويكسب الرذائل، ويباعد بين المؤمن وبين التواضع وهو رأس أخلاق المتقين، ويورث الحقد
стр. 232
والغضب والإزدراء بالناس واغتيابهم ويجافي بين المرء وبين الصدق وكظم الغيظ وقبول النصح، والوقوف على ما يكون فيه من عيب. واستفادة العلم والانقياد للحق، ومنشأ ذلك استحقاره واستصغاره ولذلك قال رسول الله ﷺ : «الكبر بطر الحق وغمص الخلق» أي رد الحق والمماراة فيه وازدراء الناس.
[أسباب الكبر]
وللكبر أسباب كثيرة:
منها العلم:
وما أسرع الكبر إلى العلماء، فلا يلبث أحدهم أن يستشعر في نفسه كمال العلم فيستعظم نفسه ويستحقر الناس ويستجهلهم، وذلك بأن ما هو عليه ليس بعلم حقيقي لأن العلم الحقيقي ما يعرف العبد ربه ونفسه وخطر أمره وهذا يورث الخشية والتواضع قال تعالى: إِنَّما يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبادِهِ الْعُلَماءُ «١» أو بأنه سيء النحيزة «٢» خبيث الدخلة «٣» فلا يزيده العلم إلا خبثا وسوآ.
ومنها الحسب والنسب:
فيتكبر من يعرف له علو نسب على من دونه وربما يأنف «٤» من مخالطة الناس ومجالستهم، ويجري على لسانه التفاخر بنسبه، ولقد روي أن أبا ذر ﵁ قال: قاولت رجلا عند النبي ﷺ فقلت له: يا ابن السوداء فغضب ﷺ وقال: «يا أبا ذر ليس لإبن البيضاء على ابن السوداء فضل» .
ومنها المال والقوة والاتباع والعشيرة:
ففي هذا الحديث يبين لنا الرسول ﷺ سببا من أسباب الخيلاء، والعجب وهو جر الثوب وإطالته تيها من الرجل أو المرأة ولو كان اللبس مع التشمير لأنه يضر بالنفس في الدنيا حيث يكسب المقت من الناس وإضاعة المال، وفي الآخرة حيث يكسب الإثم.
أما من قصد إظهار نعمة الله عليه شاكرا عليها غير محتقر لمن ليس مثله فلا يضره ما لبس من المباحات قال ﵊: «كلوا واشربوا والبسوا وتصدقوا في غير إسراف ولا مخيلة» «٥» ، وقال ابن عباس: «كل ما شئت والبس ما
стр. 233
شئت ما أخطأتك اثنتان: سرف ومخيلة» «١» .
ولا شك أن ما هو في حكم جر الثوب إطالة الأكمام وتوسيعها عن المعتاد وقدر بعضهم المذموم بما نزل عن الكعبين إلا إذا كان المداراة عيب أو عاهة فلا بأس بها وقيل بكراهتها لما روي أن رسول الله ﷺ أبصر رجلا قد أسبل إزاره فقال: «ارفع إزارك» ، فقال: إني أحنف «معوج الرجل إلى الداخل» تصطك ركبتاي فقال: «ارفع إزارك فكل خلق الله حسن» ، ولأنها تدعو إلى الخيلاء وتعلق النجاسات بالثواب.
فعليك أيها المؤمن بالتواضع تزدد رفعة وبالعمل باداب الدّين تزدد من الله قربا ومحبة، وتذكر مبدأك وهو نطفة مذرة، ومنتهاك وهو جيفة قذرة «٢» ، فإنك إن عرفت ذلك لم تأخذك العزة في غير الحق، ولم تتعاظم على إخوانك المؤمنين، وإذا ذكرت لله عليك فضلا ونعمة فاذكر أن لذلك نهاية ومتحولا.
فإياك والبطر والخيلاء فإنها ممحقة للبركة، مذهبة للنعمة، تأكل الحسنات كما تأكل النار الخطب.
٩٦- باب: بيع الرجل على بيع أخيه
عن ابن عمر ﵄ قال: «نهى النبي ﷺ أن يبيع الرّجل على بيع أخيه وأن يخطب الرّجل على خطبة أخيه حتى يترك الخاطب قبله أو يأذن له الخاطب» . [رواه البخاري «٣» ] .
اللغة:
الخطبة: بكسر الخاء: طلب الزواج بالمرأة.
الشرح:
اشتمل هذا الحديث على النهي عن أمرين: بيع الرجل على بيع أخيه، وخطبة الرجل على خطبة أخيه حتى يترك الخاطب قبله أو يأذن له.
стр. 234
أما الأول: فصورته أن يبيع شخص لآخر شيئا ويكون للمشتري الخيار فيأتي ثالث ويقول للمشتري في مدة الخيار افسخ لأبيعك مثله بأنقص من الثمن.
وإنما نهي عن هذا النوع من البيع لأنه يجلب العداوة والبغضاء بين البائع الأول والثاني وربما جرّ ذلك إلى أضرار لا تنتهي عند حد كما هو مشاهد معلوم. فلعرض قليل من متاع الدنيا لا يليق بالمسلم أن يسبب من الشرور والإحن لأخيه ولنفسه ما يغضب الله ورسوله ويزرع الحقد في القلوب.
وبناء على القاعدة القائلة: (إن النهي عن الشيء يقتضي فساده) يكون بيع الرجل على بيع أخيه فاسدا وبذلك قال المالكية والحنابلة.
أما جمهور الفقهاء فيقولون بصحة هذا البيع مع الإثم لأن النهي هنا ليس لذات المنهي عنه بل لأمر خارج.
وأما الثاني: فهو أن يطلب الرجل من امرأة أو من وليها التزوج بها فتقبل هي أو الولي بزواجه فيجيء آخر ويخطبها لنفسه مع علمه بخطبة الأول وهو حرام بالإجماع إذا قبلت المخطوبة أو وليها الزواج من الخاطب الأول أما لو ردّ أحدهما فلا تحرم خطبة الثاني.
وهل الحرمة تفسد زواج الخاطب الثاني؟ قالت الظاهرية «١» يفسخ نكاحه سواء قبل الدخول أم بعده.
وقال الجمهور لا يفسخ لأن النهي عن الخطبة، وهي ليست شرطا في صحة النكاح فلا يفسخ لوقوعها غير صحيحة.
وهذا الحكم عام يشمل عدم جواز الخطبة على خطبة الأول ولو فاسقا أو كافرا وهو رأي عامة العلماء. وقيل: لا تحرم الخطبة على خطبة الفاسق والكافر لأن الحديث مقيد بعد خطبة الرجل عن خطبة أخيه. ولا أخوه بين المسلم والكافر وبحديث: «المؤمن أخو المؤمن» «٢» فيخرج بذلك الفاسق ورد ذلك بأن التعبير بالأخ
стр. 235
هنا خرج مخرج الغالب فلا مفهوم له.
وقوله في الحديث: «حتى يأذن له الخاطب» يدل بنصه على جواز الخطبة له بعد الإذن وبمفهومه على جواز ذلك لغيره لأن إذن الخاطب الأول قد دل على عدوله «١» فتجوز خطبتها لكل من يريد نكاحها.
٩٧- باب: ما ينبغي اعتباره في اختيار الزوجة
عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «تنكح المرأة لأربع لمالها ولحسبها وجمالها ولدينها فاظفر بذات الدّين تربت يداك» . [رواه الجماعة إلا الترمذي «٢» ] .
اللغة:
الحسب: الشرف بالآباء والأقارب مأخوذ من الحساب لأن العرب كانوا إذا تفاخروا عدوا مناقبهم وماثر آبائهم وحسبوها، فيحكم لمن زاد عدده على غيره، وقيل المراد به هنا الأفعال الحسنة. تربت يداك: لصقت بالتراب بسبب الفقر. وهذه جملة خبرية بمعنى الدعاء لكن لا يراد بها حقيقته بل يراد بها الحث والتحريض، وقيل إنها مثل على حد قولهم للشاعر: قاتله الله لقد أجاد.
الشرح:
الزواج سنة من سنن الهدى حث عليه الرسول ﷺ ورغب فيه بأنواع الترغيب، والناس في اختيارهم الزوجة وتفضيلهم بعض النساء على بعض مختلفون.
منهم من يرغب في ذات الغنى الوافر والثروة الواسعة لكي تعينه على مطالب الحياة ومشاق الزوجية ومرافق الأولاد، أو توفر عليه بعض مطالبها الخاصة أو يتمتع في مالها وينعم به.
стр. 236
ومنهم من يرغب في ذات الحسب العالي والعدد الكثير يتخذ منهم عصبة ويعتز بهم عن قلة ويقوى عن ضعف.
ومنهم من يرغب في ذات الجمال البارع يمتع بمنظرها نفسه ويستروح بها «١» قلبه.
ومنهم من يرغب في ذات الدّين الحصان، يأمن بدينها أن يثلم شرفه، أو تزل قدمها في مهواة المعاصي والشرور، إن غاب حفظت غيبه، وإن حضر لم تقع عينه منها على ما يكره وكل له وجهة، يدفعه إلى الاختيار ما يرى أنه الجدير بالطلب أو يحقق رغباته ويسد نهماته «٢» ؛ فلا يزال يسعى وراء بغيته ويدأب للحصول على طلبته، لا يرضى بديلا عما رسمه لنفسه ولا يقنع بغير ما يرى أن سعادته في العثور عليها وتحصيلها حتى ينال أمنيته ويقنع ما تيسر له؛ غير أن الرسول ﵊ اختار من بين هؤلاء الجديرة بالبحث والطلب القمينة «٣» بأن تقتني وتدخر وتكون شريكة الرجل في حياته، تلك هي ذات الدين؛ إذا وجدت لا ينبغي العدول عنها، لأنها ضجيعة الرجل وأم أولاده، وأمينته على ماله وسره وشرفه، فدينها يجعل الرجل مطمئنا يفضي إليها بذات نفسه ويطلعها على مكنون أمره، وتكون الحفيظة على ماله ومنزله، المربّية أولاده على التقوى والصلاح فهو بها سعيد وهي به سعيدة.
أما ذات المال التي لم تعتصم بالدّين ولم تتحل بالتقوى فقلما يدوم له صفاؤها ويساس «٤» قيادها وترعي حقوقه، وتكون له البارة المطيعة، وإنما تعتز عليه بمالها وتفخر بثرائها، ترى أن لها من غناها ما يجعلها النافذة الكلمة المطاعة الأمر، ذات الحرية المطلقة فيخرج من يده زمامها؛ ويفلت من حكمته وطاعته قيادها وتكون البلية عظمى إذا كان دونها في الثروة أو كان هو معدما، هنا تكون هي السيدة وهو المسود، هي الآمرة وهو المطيع، هي المالكة لأمره وتسيّره كما تحب وتهوى، فينقلب الأمر وتعظم المصيبة كما هو مشاهد بين ظهرانينا مما تئن منه الحياة الزوجية ويهدم في
стр. 237
كيان الأسر، وينشىء الأبناء على أسوأ المثل وأدنى الصفات ويجعل المنزل مباءة «١» مقت وكره، ومثابة شرور وآلام، ونزاع وخصام.
وأما ذات الحسب فإنها تدل على زوجها بحسبها؛ وتفخر عليه بعديدها وبخاصة إذا كان أقل منها عددا؛ فلا يشعر معها بهناءة ولا سعادة، أو يطأطىء لها رأسه، ويذل نفسه.
وأما ذات الجمال فتكون مبعث ظنة، ومجلبة ريبة، ولقد استشار رجل حكيما في الزواج فقال افعل وإياك والجمال البارع فقال فكيف ذلك؟ فأجابه:
ولن تصادف مرعى ممرعا أبدا ... إلا وجدت به آثار منتجع
ولقد قال الرسول ﵊ في ذلك: «لا تزوجوا النساء لحسنهن فلعل حسنهن أن يرديهن، ولا تزوجوهن لأموالهم فعسى أموالهن أن تطغيهن، ولكن تزوجوهن على الدّين، ولأمة سوداء ذات دين أفضل» .
وليس المراد من ذلك أن يعرض المرء عن ذات المال والحسب والجمال، ويقبل على المعدمة الوضيعة الدميمة، بل المراد ألا يجعل الإنسان نصب عينه في اختيار الزوجة وتفضيلها المال أو الحسب أو الجمال غير آبه بما عساه يكون لها من صفات أخرى، ولا ينقب «٢» عما تتحلى به من خلال قد تفضل ما نظر إليه منها وليبدأ بذات الدّين والتقوى فإذا ضمت إلى ذلك خلة من الخلال المرغوبة كان خيرا وأفضل.
وإلا فلا يضيره «٣» كثيرا أن تفقد مع دينها وصلاحها مالا ينفد وحسبا يزول، وجمالا يذبل وتذوي نضرته بعد حين، أما الدّين فلا يزيد مع الأيام إلا جدّة. ولا يأتي إلا بخير دائم وسعادة مستمرة.
стр. 238
٩٨- باب: الحث على الزواج
عن ابن مسعود رضي الله تعالى عنه قال: قال رسول الله ﷺ : «يا معشر الشّباب من استطاع منكم الباءة فليتزوّج فإنّه أغضّ للبصر وأحصن للفرج، ومن لم يستطع فعليه بالصّوم فإنّه له وجاء» . [رواه الجماعة «١» ] .
اللغة:
المعشر: جماعة يشملهم وصف واحد. الشباب: جمع شباب (ولم يجمع فاعل على فعال غيره) وهو اسم لمن بلغ ولم يجاوز الثلاثين وقيل الأربعين ثم يسمى كهلا إلى الأربعين، ثم شيخا. الباءة والباء: الجماع. وأصله الموضع يتبوؤه الإنسان ويأوى إليه، وقيل: معناه في الحديث مؤنة النكاح.
ويصح حمله على كلا المعنيين ويكون المعنى من قدر على الوطء ومؤن التزويج، كما يشهد لذلك رواية «من استطاع منكم أن يتزوج فليتزوج» . ورواية «من كان ذا طول» - قدرة- «فلينكح» ، أغض للبصر: أشد كفا له عن النظر إلى المحرم، أحصن للفرج: أشدّ منعا له من الوقوع في الفاحشة. وجاء: أصله الغمز ومنه وجأ في عنقه: إذا غمزه دافعا له، ووجأه بالسيف: إذا طعنه به، ووجأ أنثييه: غمزهما حتى رضهما، وتسمية الصوم وجاء من باب الاستعارة لعلاقة المشابهة، لأن الصوم لما كان مؤثرا في ضعف شهوة النكاح شبه بالوجاء.
الشرح:
يخاطب الرسول ﵊ شباب أمته الذين هم غرسها النامي، وعتادها «٢» في مستقبل أيامهم أن يبادر الشباب منهم إلى التزوج متى كان
стр. 239
قادرا على أمور الزواج من النفقة وما يتبعها، وكان به توقان «١» إلى النساء حتى لا تزل به القدم في مهواة المعاصي وحمأة الشرور فإن للشباب فتوة «٢» ونزوة تدفع الشاب إلى إطاعة شهوته وتقهره على إرضائها بدون أن يبالي سوء مغبة أو حسنها، وكم جر ذلك من ويلات وأعقب من أدواء استفحل فيما بعد شرها، وعم ضررها وأصبحت ملافاتها عسيرة وتدارك أخطارها في غير الوسع والطاقة، وكم من شاب أغرته شهوته واستبعدته لذته فاتى نفسه من المعاصي حظها وأروى من الموبقات «٣» غلتها فكان عاقبة ذلك أن افتقر بعد يسر ومال عريض، وضعف بعد قوة وصحة شاملة، وانتابته الأمراض والعلل فصار حليف الهم والسهاد، ينام على مثل شوك القتاد «٤» ، قد أقض مضجعه، وذبلت نضرته وتنكرت له الحياة بعد إقبالها، وكشرت له الأيام بعد ابتسامها، وكلبه الزمان «٥» وقد كان له مواتيا «٦» مطيعا، ونفر منه الأصدقاء، وكان قرة أعينهم وموضع الغبطة والسرور منهم.
ولقد بين الرسول ﷺ حكمة المبادرة إلى الزواج بعد القدرة والاستطاعة بأنها تحصن الفرج عن الوقوع في المحرمات وملابسة ما يغضب الله ويزري بالشرف»
والكرامة، وتدعو إلى العفة وغض البصر عما لا يجعل من محارم الله، أضف إلى ذلك أن المبادرة إلى الزواج تمكن المرء إذا رزق أولادا من تربيتهم والقيام بشؤونهم وإعدادهم لمستقبل حياتهم وجعلهم رجالا صالحين ينفعون أنفسهم وأمتهم، ويجعل منهم عمادا لها وقوة، يرهب بهم جانبها، وتقوى شوكتها وتحفظ هيبتها وكرامتها، ويدفع من يريد إذلالها واستعبادها. وأما إذا أبطأ في الزواج حتى تقدّم به العمر فقد لا يستطيع تربية أولاده لضعف قوته وعجزه عن تحصيل ما به حياتهم وتوفير أسباب السعادة لهم، وربما أدركه الأجل فيتركهم كزغب القطا «٨» مهيضي
стр. 240
الجناح «١» ضعيفي المنة. لا يقدرون على دفع عوادي الأيام وكلب «٢» الزمان.
زد على ذلك أيضا أن الإبطاء في الزواج يزيد في كثرة الفتيات العانسات «٣» ويفوت عليهن زمن نضرتهن، وجني ثمارهن في إبانه وليس لهن القوة على مدافعة الشهوة كالرجال فتطغى عليهن وتجبرهن على سلوك طريق الغواية والفساد وهناك الطامة الكبرى والمصيبة العظمى، من اختلاط الأنساب وانتهاك حرمة الأعراض وتمزيق ثوب الحياء، والاستهتار بما يزيل الكرامة ويذل الشرف والعزة ويقضي على الإباء والمروءة والنخوة «٤» .
وقد وصف الرسول ﷺ العلاج لغير القادر على الزواج وهو الصوم فإنه يكسر الشهوة ويقتل الميل والرغبة في النساء لأنه يضعف البدن وينقص من الدم الذي يبعث الحرارة والقوة فتقل دوافع الشهوة وتضمحل «٥» شدتها.
٩٩- باب: استئذان المرأة في الزواج
عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «لا تنكح الأيّم حتى تستأمر ولا البكر حتّى تستأذن» ، قالوا يا رسول الله وكيف إذنها؟ قال:
«أن تسكت» . [رواه الجماعة «٦» ] .
стр. 241
اللغة
- الأيم: كل مذكر لا أنثى معه، وكل أنثى لا مذكر معها بكرا أو ثيبا، يقال آم الرجل، وآمت المرأة إذا لم يتزوجها، وقيل الأيم: التي لا زوج لها وأصله التي كانت متزوجة ففقدت زوجها برزء «١» طرأ عليها، ثم قيل في البكر مجازا لأنها لا زوج لها. والمراد بها هنا الثيب بدليل مقابلتها بالبكر تستأمر: يطلب وليها أمرها قبل أن يزوجها. البكر: التي لم تزل بكارتها والمراد بها هنا البالغة، تستأذن: يطلب إذنها بالزواج.
الشرح:
يستأثر بعض الأولياء بتزويج من يكون تحت كنفهم من النساء أبكارا كن أم ثيبات صغيرات كن أم كبيرات بمن يشاؤن لا يرجعون إليهن برأي ولا يعتدون منهن بقول.
فيملّكونهن ممن لا يرغبن ويسلّمون قيادهن لمن لا يحببنه ولا يرضين عشرته فيشجر الخلاف والشقاق، وتنمو البغضاء والحقد ويحل الكره محل الحب، والخصام محل الوئام «٢» ، وقد يكون الباعث الأولياء على ذلك رغبة في مال الزوج أو اعتزاز بجاهه، فأرشدنا الرسول ﷺ الناصح الأمين إلى أنه لا يصح أن ينفرد الولي بتخير الزوج لموليته والعقد عليها بدون رضاها، لأنها ستكون في مستقبل الأيام شريكة للزوج في حياته. وأمّا لأولاده ومدبرة لمنزله. فينبغي أن يكون لها رأي في اختياره فإن كانت ثيبا فلا بد من تصريحها بالإذن ولا يكفي السكوت منها وإن كانت بكرا اكتفي بسكوتها عن صريح الرضا، بدليل التعبير بالإستئمار في جانب الأيم وهي الثيب، وبالإستئذان في البكر، والأول يدل على تأكيد المشاورة، ذلك بأن الثيب قد قل حياؤها بممارستها الرجال فلا تستحيي من التصريح بالرضا.
أما البكر فيغلب عليها الحياء فلا تصرح فيكتفي بالسكوت في الدلالة عليه، ولو ردت واحدة منهما الزواج فلا يصح من وليها العقد عليها، والمراد من البكر التي أمر الشارع باستئذانها هي البالغة إذ لا معنى لاستئذان الصغيرة لأنها لا تدري ما الإذن.
هذا وقد ذهب الحنفية إلى أنه يشترط في صحة زواج الولي الكبيرة إذنها، فلو
стр. 242
عقد عليها بدون استئذان لم يصح، سواء أكان الولي أبا أم جدا أو غيرهما بكرا كانت، أو ثيبا إذ لا ولاية عندهم على البالغة لأن علة الولاية هي الصغر.
وقال الشافعي ومالك وأحمد: يجوز للأب أن يزوج البكر ولو كانت بالغا بغير استئذانها. لقوله ﵊: «الثيب أحق بنفسها من وليها، والبكر تستأمر وإذنها سكوتها» «١» ، فقد جعل الثيب أحق بنفسها من وليها ومفهومه أن ولى البكر أحق بها منها. وبما روي أن ابن عمر والقاسم وسالما كانوا يزوّجون الأبكار لا يستأمرونهنّ.
واستدل الحنفية:
١- بما رواه أحمد وأبو داود «٢» : أن جارية بكرا أتت رسول الله ﷺ فذكرت أن أباها زوّجها وهي كارهة فخيرها النبي ﵊.
٢- بأن الوالي ليس له أن يتصرف في مال البكر البالغة إلا بإذنها والمال دون النفس، فكيف يملك أن يتصرف في نفسها ويخرجها إلى من قد يكون أبغض الناس إليها.
٣- أن جميع ما في السنة من الأحاديث الصحاح والحسان المصرّحة باستئذان البكر ومنع العقد عليها إلا بإذنها لا يعقل له فائدة إلا العمل على وقفه لاستحالة أن يكون الغرض من استئذانها مخالفتها. فلو كان للولي إجبار عليها لم يكن للأمر باستئذانها فائدة.
واختلف في المراد من البكر التي يعتبر سكوتها رضا فمذهب الحنفية أنها من
стр. 243
لم يمسها إنسان ويكون مصيبها أول مصيب سواء بقيت عذرتها «١» أم زالت بسبب غير الوقاع كمرض أو وثب أو لم يكن لها عذرة أصلا، ومن زالت بكارتها بوطء حلال فهي ثيب، ومن رميت بزنا فإن تكرر منها ذلك أو أقيم عليها الحدّ فهي ثيب، وإن لم يتكرر ولم تحد فهي في حكم البكر من حيث اعتبار سكوتها رضا عند أبي حنيفة لأن الناس عرفوها بكرا ولم يشتهر أمرها فلا يزال لها حياء الأبكار.
وقال أبو يوسف ومحمد والشافعي إنها ثيب فلا يكتفي بسكوتها عند استئمارها بل لا بد من الإفصاح منها لأنها ثيب لغة وشرعا ولا يعلم بقاء حيائها من ذكر الزواج.
وفي هذا الحديث تقرير لمبدأ جليل ذلك هو اعتبار المرأة إنسانا كامل الإرادة والاختيار لا حق لأحد عليها في إكراهها على ما لا تحب وترضى متى كانت عاقلة فقد جعل لها اختيار الزواج الذي سيكون شريك حياتها تشاطره الحياة الزوجية، وما تتطلبه من تكاليف ومهام، ولم يبح لأحد من ذوي قرابتها، ولو كان أباها أن يكرهها على الزواج ممن لا ترغب. بل جعل تزويجه إياها من أي شخص كان موقوفا على إذنها وإجازتها، فإن أجازته ورضيت عن فعله بعد علمها بما يلزم العلم به انعقدت رابطة الزواج متينة غير منقوضة «٢» ، وإلا فلا سلطان لأحد عليها، ذلك بعد أن كانت المرأة في الجاهلية وضيعة الشأن قليلة الخطر تكاد تكون من سقط المتاع، لا رأي لها ولا إرادة في أمر من أمورها، جلّ أو هان، وكان لوليها أن يزوجها بمن يشاء وبما يشاء أو يعضلها «٣» عن الزواج لا رادّ لقوله ولا معقب لعمله.
فجاء الإسلام وفك عنها قيود العبودية والإذلال وأنالها قسطها «٤» من الحرية والاستقلال حسبما تقتضيه طبيعتها الخلقية ووظيفتها في المجتمع.
١٠٠- باب: إحداد المتوفى عنها زوجها
عن زينب ابنة أبي سلمة عن أمّ حبيبة قالت: سمعت رسول الله ﷺ
стр. 244
يقول: «لا يحلّ لامرأة تؤمن بالله واليوم الآخر أن تحدّ على ميّت فوق ثلاث إلّا على زوج أربعة أشهر وعشرا» . [رواه البخاري «١» من حديث طويل] .
اللغة:
تحد: فعل مضارع إما بفتح التاء مع ضم الحاء أو كسرها، من حدت المرأة حدا وحدادا، وإما بضم التاء وكسر الحاء من أحدت إحدادا إذا امتنعت عن الزينة من طيب ولباس لموت زوج أو قريب.
وأصل الحد في اللغة: المنع ومنه سمي البواب والسبحان حدادا، وسميت العقوبة حدا، والمراد هنا منع المتوفى قريبها أو زوجها نفسها من الزينة والطيب، ومنع الخطاب خطبتها والطمع فيها، ثلاث ليال: أي مع أيامها، وقوله وعشرا: أي ليال مع أيامها كذلك.
الشرح:
الحزن على القريب أو الزوج أو الصاحب غير محظور «٢» وربما كان مشكورا بل قد يكون إظهاره واجبا مراعاة لحق القرابة ووفاء لواجب الصحبة. ولكنه متى خرج عن هذا القدر صار مذموما لأنه يبعث السأم «٣» إلى القلب والغم إلى النفس، ويدعو إلى تعطيل الأعمال وتحريم ما أحل الله وربما جر إلى السخط من قضاء الله.
والحديث يدلنا على القدر الذي يباح للمرأة فيه أن تبدي الحزن على من يموت من زوج أو غيره، وقد بين أن لها الإحداد على غير الزوج من أب أو ابن أو أخ أو غيرهم إلى ثلاثة أيام، أما على الزوج فإلى نهاية العدة وهي أربعة أشهر وعشرة أيام، فتمتنع من التزين والتطيب والظهور بمظهر الفرح أو السرور وكذا تمنع خطبتها والتكلم في شأن زواجها حتى تنتهي عدتها.
وقد أشار بقوله: لا يحل إلى أن مجاوزة الإحداد من ثلاثة أيام على غير الزوج حرام تغضب الله ورسوله. ولذا فإن كثيرا من زوجات الرسول ﷺ ونساء الصحابة كن
стр. 245
يكففن عن الإحداد على من يموت من أقاربهن ويبدين أمارات التزين بعد ثلاثة أيام امتثالا لأمر الرسول ﷺ وقياما عند تعاليمه.
واستدل الحنفية بكلمة (امرأة) على أنه لا يجب الإحداد على الصغيرة لأن (المرأة) لا تطلق إلا على البالغة.
وقال غيرهم بوجوب الإحداد عليها إذا توفي زوجها كما تجب العدة. والتقييد في الحديث بلفظ (امرأة) لأنه خرج مخرج الكثير الغالب ويطالب وليها بمنعها مما تمنع منه البالغة- واستدلوا أيضا بتنكير امرأة على وجوب الإحداد سواء دخل بها أم لا، حرة كانت أو أمة أو كتابية أو أم ولد إذا مات زوجها لا سيدها.
واستدلوا بقوله: «تؤمن بالله» إلخ على أنه لا إحداد على الذمية وبذلك قال بعض المالكية.
وقال الجمهور: إن قيد الإيمان لا مفهوم له وإنما ذكر تأكيدا للمبالغة في الزجر؛ ولأن الإحداد من حق الزوج وهو ملتحق بالعدة في حفظ النسب فتطالب به الكافرة.
واستدل بقوله: «على ميت» على ألاإحداد على امرأة المفقود لأنه لم تتحقق وفاته- وبقوله: «إلا على الزوج» على أنه لا يزاد على الثلاث في غير الزوج أبا كان أو غيره وعلى أنه لا إحداد على المطلقة مطلقا وبه قالت الشافعية والجمهور. أما الحنفية فقالوا بذلك في المطلقة رجعيا والمطلقة قبل الدخول أما المبانة فعليها الإحداد قياسا على المتوفى عنها زوجها. هذا ولم تظهر للتحديد بأربعة أشهر وعشر حكمة جلية فنكل ذلك إلى العليم الحكيم.
١٠١- باب: تخير الأوقات للمواعظ
عن ابن مسعود ﵁ قال: كان النّبيّ ﷺ : «يتخوّلنا بالموعظة في الأيّام كراهة السّامة علينا» . [رواه البخاري «١» ] .
стр. 246
اللغة:
يتخولنا: يتعهدنا بتنويع المواعظ ولا يثقل علينا بمتابعتها، السامة:
الملل والشجر.
الشرح:
خير الواعظين وعظا وأجداهم نفعا وأكثرهم تأثرا من يتفقد أحوال الناس وأنسب أوقاتهم فيلقي إليهم بمواعظة وينشر بينهم ماثره.
كما أن أحسن العلماء أثرا من اختار للناس مسائل العلم؛ وانتقى ما يفيدهم في دنياهم وآخرتهم؛ وكان في كل ذلك حسن العبارة فصيح القول يخلط الجد بالمزاح الطريف والحكمة بالفاكهة الشيقة «١» ، وينتهز تشوقهم إلى ما يبين لهم وخلوهم من شواغل الدنيا، واستجمام «٢» قواهم ورغبتهم في التفقه والتعلم، فهناك يكون لوعظه وعلمه أبين الأثر وأنجح الفائدة.
وهذا قدوة المؤمنين ﷺ كان يتفقد الأوقات المناسبة للصحابة فيعظهم ويعلمهم؛ ويجعل من حوادثهم وأحوالهم عظات بالغات، ودروسا جمة المنافع وما كان يداوم عليهم بذلك مخافة أن يلحقهم الملل والضجر فيسأموا وينصرفوا عن سماعه وقبول قوله؛ ولكنه كان كالطبيب يعطي من الدواء بالمقدار الملائم للمرض ويتمشى معه في طريق العلاج مترقيا في مقادير الدواء حتى لا يمل المريض ويكره الدواء فيصعب علاجه ويستفحل «٣» داؤه ويعز شفاؤه، وفي الحق أن للنفوس أوقاتا تكون فيها راغبة في العلم تواقة «٤» إلى سماع الموعظة وذلك عند صفائها واستراحتها من العناء والمشقة؛ وحين ذاك ينبغي أن تتبلغ «٥» منهما بما يناسب مقدارا ومادة وأن لها أوقاتا تكون فيها مكدودة ضجرة، قد أثقلتها متاعب الحياة وشغلتها صوارف «٦» الأيام فلا تقبل علما ولا تقبل على عالم، بل تنفر وتفر هاربة لا تلوي على نصح
стр. 247
ناصح، ولا تصيخ «١» إلى وعظ مرشد، ومن الخطل «٢» في الرأي أن يبتغي الناصح لها في تلك الأوقات رشدا أو يرقب إصلاحا، فعلينا أن نقتدي بالرسول ﷺ في ذلك، ولا يكون الواعظ أو المرشد كخاطب ليل لا يدري ما يلقي على الناس، ولا من يلقي عليه موعظته، ولجهل كثير بطرق الوعظ والإرشاد اختيار مسائل العلم وتثقيف الناس وبخاصة العامة. منهم قلّت الفائدة منهم على كثرتهم؛ وانصرف الناس على الاستماع إليهم والركون إلى قولهم؛ وفضّلوا الجلوس في مجالس اللهو عن دروس العلماء والواعظين، اللهم إلا قليلا أحسنوا الوعظ فأحسن القوم الاستماع والعمل، وأجادوا في القوم وتخيروا أساليبه فكان لهم التأثير الحسن والسلطان على القلوب فألانوا قاسيها؛ وأسلسوا «٣» عصيها، وملكوا زمامها فكانوا من الصالحين المصلحين الذين عملوا بقوله ﷺ «يسروا ولا تعسروا وبشروا ولا تنفروا» «٤» .
١٠٢- باب: ما يكره من التمادح
عن أبي موسى ﵁ قال: سمع النّبيّ ﷺ رجلا يثني على رجل ويطريه في المدحة- (وفي رواية) : في المدح. وفي أخرى في مدحه- فقال:
«أهلكتم أو قطعتم ظهر الرّجل» . [رواه البخاري ومسلم «٥» ] .
اللغة:
يطريه: يبالغ في مدحه، المدحة: بكسر الميم: كيفية المدح وهيئته أهلكتم أو قطعتم: كذا بأو، شك من الراوي.
الشرح:
المدح على الشيء قد يكون من إشارات الاستحسان ودواعي التشجيع والإجادة واستحثاث «٦» الهمم إلى جلائل الأعمال والإشادة بذكر المجد العامل،
стр. 248
وحفز العزائم على الدأب والسعي لتحصيل المحامد وابتناء المكارم، كما أن السكوت عنه غمط من شأن أولى الهمم وتثبيط لهم، وفتّ في عضدهم، وإماتة لما عساه يكون عندهم من غرائز يدفعها التنشيط، ويعبرها الغمص والزراية كل هذا خير ما دام القصد ما ذكر.
أما إذا كان المدح للتملق «١» وإسناد الأعمال إلى غير أربابها فإنه مجلبة الطغيان وباعث النفاق والذلة، ومحيي المهانة والحقارة وموجب المقت والسحت والكذب؛ لأن المادح يضطر إلى الإفراط وقوله غير الحق وإلى إظهار ما لا يضمر للممدوح واعتقاده أنه كما يقول مادحه وقد يكون فاسقا أو ظالما وهذا غير جائز.
ففي حديث أنس «إذا مدح الفاسق غضب الرب» ، وقال الحسن ﵁.
من دعا لظلم بطول البقار فقد أحب أن يعصي الله في الأرض.
فإذا ما سلم المدح من تلك الآفات كما تقدم لم يكن به بأس ولقد كان سيدنا علي ﵁ إذا أثني عليه يقول: اللهم اغفر لي ما لا يعلمون، ولا تؤاخذني بما يقولون، واجعلني خيرا مما يظنون.
١٠٣- باب: جزاء النميمة وعدم الاستتار من البول
عن ابن عبّاس ﵄ قال: مرّ النّبي ﷺ بحائط من حيطان المدينة أو مكة فسمع صوت إنسانين يعذّبان في قبورهما فقال النّبيّ ﷺ :
«يعذبان وما يعذبان في كبير» ، ثمّ قال: «بلى كان أحدهما لا يستتر» - وفي رواية: «لا يستبرءى» . وفي أخرى «لا يستنزه من بوله وكان الآخر يمشي بالنّميمة» . [رواه البخاري «٢» وغيره] .
اللغة:
الحائط: البستان، في كبير: في أمر يشق عليهما اجتنابه والابتعاد عنه،
стр. 249
بلى: أي إنه لكبير خطره تَحْسَبُونَهُ هَيِّناً وَهُوَ عِنْدَ اللَّهِ عَظِيمٌ «١» يستتر: يجعل بينه وبين بوله، سترة: أي لا يتحفظ منه ويستبرىء: يتطهر ويستنزه: يبعد عن أن يصيبه البول أي لا يتوفى منه النميمة: هي نقل الكلام بين الناس لإيقاع الأذى وإلحاق الضرر بهم.
الشرح:
ينبئنا الرسول ﷺ أنّ من الذنوب ما يعده الإنسان صغيرا لا يبالي أن يقترفه ولا يأبى ارتكابه ويظنه هين الشأن. وهو سيء المغبة «٢» مؤلم العاقبة وأن من ذلك عدم الاستتار وقت قضاء الحاجة فتبدو للناس عورته كالحيوان البهيم. مع أن الله كرمه على سائر الخلق وَلَقَدْ كَرَّمْنا بَنِي آدَمَ «٣» ، ويفقد حياءه وتضيع كرامته ويصبح حقيرا شأنه شأن الدواب. أو ألا يحترز من البول فتصيبه النجاسة وتتناثر على جسمه وملابسه فتلوثها وتجعله مستقذرا في أعين الناس وتفسد صلاته وعبادته- ومن ذلك أيضا. السعي بالنميمة ونقل الكلام بين الأصدقاء والخلان بقصد الإضرار بهم وإفساد صداقتهم ومودّتهم، وكشف ما يكره كشفه من أمورهم سواء أكان ذلك بالقول أم بالكتابة، وسواء كان المنقول من الأعمال أم من الأقوال ولذا كان خطبها «٤» جسيما «٥» وعاقبتها سيئة.
ولقد قال الرسول ﷺ : «لا يدخل الجنة نمام» .
وقال: «أحبكم إلى الله أحاسنكم أخلاقا المواطئون أكنابا الذين يألفون ويؤلفون وإن أبغضكم على الله المشاؤن بالنميمة المفرقون بين الإخوان، الملتمسون للبراء العثرات» .
وقال الحسن: من نمّ إليك نمّ عليك.
ومعنى هذا أن النمام ينبغي أن يبغض ولا يوثق بقوله ولا بصداقته. وكيف لا وهو لا ينفك عن الغدر والخيانة والإفساد بين الناس وهذا من آفات اللسان التي يجب
стр. 250
على المسلم أن يحذر منها ويأخذ نفسه ولسانه على الحق ومحبة الناس والعمل لخيرهم والبعد عما يضرهم ويسيء إليهم.
١٠٤- باب: تعاهد القرآن
عن أبي موسى الأشعري ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ :
«تعاهدوا القرآن. فوالّذي نفسي بيده لهو أشّد تفصّيا من الإبل في عقلها» .
[رواه البخاري ومسلم «١» ] .
اللغة:
تعاهدوا القرآن: حافظوا عليه وتقلدوه حينا بعد حين بملازمة تلاوته تفصيا: تخلصا وتفلتا، يقال تفصيت من الشيء تفصيا إذا تخلصت وخرجت منه.
العقل: بضمتين جمع عقال بكسر العين وهو الحبل يشد في ركبه البعير.
الشرح:
القرآن هو قانون شريعتنا الإسلامية؛ وقاموس لغتنا العربية وقدوتنا وإمامنا في حياتنا؛ به نهتدي وإليه نحتكم وبأوامره ونواهيه نقتدي، وعند حدوده نقف، سعادتنا في سلوك سننه واتباع مناهجه. وشقوتنا في تنكب تعاليمه والبعد عن شرعته، ومن الواجب أن نتعهده ونتفقده بالحفظ ومداومة التلاوة والمدارسة حتى لا ينسى.
ولقد شبهه الرسول ﷺ بالبعير الذي يخشى منه الشراد فما دام تعاهده بالعقال أمن نفوره؛ أما إذا أهمل شرد وند وصار من الصعب إمساكه ورياضته.
وكذلك القرآن فمتى كان المسلم شديد العناية به لا يترك تعاهده بالتلاوة بل يجعله سميره في خلوته وجليسه في وحدته ومؤنسه في وحشته، لا يستبدله بلغو القول فيما لا يفيد، دام حفظه وطال مقامه، أما إذا أهمل شأنه وشغلته الصوارف عنه نسيه، وكلما طال العهد بتركه ازداد نسيانا؛ ووجد مشاقّا جسيمة في استعادة حفظه وثقل عليه استدراكه.