اللغة:
يتخولنا: يتعهدنا بتنويع المواعظ ولا يثقل علينا بمتابعتها، السامة:
الملل والشجر.
الشرح:
خير الواعظين وعظا وأجداهم نفعا وأكثرهم تأثرا من يتفقد أحوال الناس وأنسب أوقاتهم فيلقي إليهم بمواعظة وينشر بينهم ماثره.
كما أن أحسن العلماء أثرا من اختار للناس مسائل العلم؛ وانتقى ما يفيدهم في دنياهم وآخرتهم؛ وكان في كل ذلك حسن العبارة فصيح القول يخلط الجد بالمزاح الطريف والحكمة بالفاكهة الشيقة «١» ، وينتهز تشوقهم إلى ما يبين لهم وخلوهم من شواغل الدنيا، واستجمام «٢» قواهم ورغبتهم في التفقه والتعلم، فهناك يكون لوعظه وعلمه أبين الأثر وأنجح الفائدة.
وهذا قدوة المؤمنين ﷺ كان يتفقد الأوقات المناسبة للصحابة فيعظهم ويعلمهم؛ ويجعل من حوادثهم وأحوالهم عظات بالغات، ودروسا جمة المنافع وما كان يداوم عليهم بذلك مخافة أن يلحقهم الملل والضجر فيسأموا وينصرفوا عن سماعه وقبول قوله؛ ولكنه كان كالطبيب يعطي من الدواء بالمقدار الملائم للمرض ويتمشى معه في طريق العلاج مترقيا في مقادير الدواء حتى لا يمل المريض ويكره الدواء فيصعب علاجه ويستفحل «٣» داؤه ويعز شفاؤه، وفي الحق أن للنفوس أوقاتا تكون فيها راغبة في العلم تواقة «٤» إلى سماع الموعظة وذلك عند صفائها واستراحتها من العناء والمشقة؛ وحين ذاك ينبغي أن تتبلغ «٥» منهما بما يناسب مقدارا ومادة وأن لها أوقاتا تكون فيها مكدودة ضجرة، قد أثقلتها متاعب الحياة وشغلتها صوارف «٦» الأيام فلا تقبل علما ولا تقبل على عالم، بل تنفر وتفر هاربة لا تلوي على نصح
стр. 247
ناصح، ولا تصيخ «١» إلى وعظ مرشد، ومن الخطل «٢» في الرأي أن يبتغي الناصح لها في تلك الأوقات رشدا أو يرقب إصلاحا، فعلينا أن نقتدي بالرسول ﷺ في ذلك، ولا يكون الواعظ أو المرشد كخاطب ليل لا يدري ما يلقي على الناس، ولا من يلقي عليه موعظته، ولجهل كثير بطرق الوعظ والإرشاد اختيار مسائل العلم وتثقيف الناس وبخاصة العامة. منهم قلّت الفائدة منهم على كثرتهم؛ وانصرف الناس على الاستماع إليهم والركون إلى قولهم؛ وفضّلوا الجلوس في مجالس اللهو عن دروس العلماء والواعظين، اللهم إلا قليلا أحسنوا الوعظ فأحسن القوم الاستماع والعمل، وأجادوا في القوم وتخيروا أساليبه فكان لهم التأثير الحسن والسلطان على القلوب فألانوا قاسيها؛ وأسلسوا «٣» عصيها، وملكوا زمامها فكانوا من الصالحين المصلحين الذين عملوا بقوله ﷺ «يسروا ولا تعسروا وبشروا ولا تنفروا» «٤» .
١٠٢- باب: ما يكره من التمادح
عن أبي موسى ﵁ قال: سمع النّبيّ ﷺ رجلا يثني على رجل ويطريه في المدحة- (وفي رواية) : في المدح. وفي أخرى في مدحه- فقال:
«أهلكتم أو قطعتم ظهر الرّجل» . [رواه البخاري ومسلم «٥» ] .
اللغة:
يطريه: يبالغ في مدحه، المدحة: بكسر الميم: كيفية المدح وهيئته أهلكتم أو قطعتم: كذا بأو، شك من الراوي.
الشرح:
المدح على الشيء قد يكون من إشارات الاستحسان ودواعي التشجيع والإجادة واستحثاث «٦» الهمم إلى جلائل الأعمال والإشادة بذكر المجد العامل،
стр. 248
وحفز العزائم على الدأب والسعي لتحصيل المحامد وابتناء المكارم، كما أن السكوت عنه غمط من شأن أولى الهمم وتثبيط لهم، وفتّ في عضدهم، وإماتة لما عساه يكون عندهم من غرائز يدفعها التنشيط، ويعبرها الغمص والزراية كل هذا خير ما دام القصد ما ذكر.
أما إذا كان المدح للتملق «١» وإسناد الأعمال إلى غير أربابها فإنه مجلبة الطغيان وباعث النفاق والذلة، ومحيي المهانة والحقارة وموجب المقت والسحت والكذب؛ لأن المادح يضطر إلى الإفراط وقوله غير الحق وإلى إظهار ما لا يضمر للممدوح واعتقاده أنه كما يقول مادحه وقد يكون فاسقا أو ظالما وهذا غير جائز.
ففي حديث أنس «إذا مدح الفاسق غضب الرب» ، وقال الحسن ﵁.
من دعا لظلم بطول البقار فقد أحب أن يعصي الله في الأرض.
فإذا ما سلم المدح من تلك الآفات كما تقدم لم يكن به بأس ولقد كان سيدنا علي ﵁ إذا أثني عليه يقول: اللهم اغفر لي ما لا يعلمون، ولا تؤاخذني بما يقولون، واجعلني خيرا مما يظنون.
١٠٣- باب: جزاء النميمة وعدم الاستتار من البول
عن ابن عبّاس ﵄ قال: مرّ النّبي ﷺ بحائط من حيطان المدينة أو مكة فسمع صوت إنسانين يعذّبان في قبورهما فقال النّبيّ ﷺ :
«يعذبان وما يعذبان في كبير» ، ثمّ قال: «بلى كان أحدهما لا يستتر» - وفي رواية: «لا يستبرءى» . وفي أخرى «لا يستنزه من بوله وكان الآخر يمشي بالنّميمة» . [رواه البخاري «٢» وغيره] .
اللغة:
الحائط: البستان، في كبير: في أمر يشق عليهما اجتنابه والابتعاد عنه،
стр. 249
بلى: أي إنه لكبير خطره تَحْسَبُونَهُ هَيِّناً وَهُوَ عِنْدَ اللَّهِ عَظِيمٌ «١» يستتر: يجعل بينه وبين بوله، سترة: أي لا يتحفظ منه ويستبرىء: يتطهر ويستنزه: يبعد عن أن يصيبه البول أي لا يتوفى منه النميمة: هي نقل الكلام بين الناس لإيقاع الأذى وإلحاق الضرر بهم.
الشرح:
ينبئنا الرسول ﷺ أنّ من الذنوب ما يعده الإنسان صغيرا لا يبالي أن يقترفه ولا يأبى ارتكابه ويظنه هين الشأن. وهو سيء المغبة «٢» مؤلم العاقبة وأن من ذلك عدم الاستتار وقت قضاء الحاجة فتبدو للناس عورته كالحيوان البهيم. مع أن الله كرمه على سائر الخلق وَلَقَدْ كَرَّمْنا بَنِي آدَمَ «٣» ، ويفقد حياءه وتضيع كرامته ويصبح حقيرا شأنه شأن الدواب. أو ألا يحترز من البول فتصيبه النجاسة وتتناثر على جسمه وملابسه فتلوثها وتجعله مستقذرا في أعين الناس وتفسد صلاته وعبادته- ومن ذلك أيضا. السعي بالنميمة ونقل الكلام بين الأصدقاء والخلان بقصد الإضرار بهم وإفساد صداقتهم ومودّتهم، وكشف ما يكره كشفه من أمورهم سواء أكان ذلك بالقول أم بالكتابة، وسواء كان المنقول من الأعمال أم من الأقوال ولذا كان خطبها «٤» جسيما «٥» وعاقبتها سيئة.
ولقد قال الرسول ﷺ : «لا يدخل الجنة نمام» .
وقال: «أحبكم إلى الله أحاسنكم أخلاقا المواطئون أكنابا الذين يألفون ويؤلفون وإن أبغضكم على الله المشاؤن بالنميمة المفرقون بين الإخوان، الملتمسون للبراء العثرات» .
وقال الحسن: من نمّ إليك نمّ عليك.
ومعنى هذا أن النمام ينبغي أن يبغض ولا يوثق بقوله ولا بصداقته. وكيف لا وهو لا ينفك عن الغدر والخيانة والإفساد بين الناس وهذا من آفات اللسان التي يجب
стр. 250
على المسلم أن يحذر منها ويأخذ نفسه ولسانه على الحق ومحبة الناس والعمل لخيرهم والبعد عما يضرهم ويسيء إليهم.
١٠٤- باب: تعاهد القرآن
عن أبي موسى الأشعري ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ :
«تعاهدوا القرآن. فوالّذي نفسي بيده لهو أشّد تفصّيا من الإبل في عقلها» .
[رواه البخاري ومسلم «١» ] .
اللغة:
تعاهدوا القرآن: حافظوا عليه وتقلدوه حينا بعد حين بملازمة تلاوته تفصيا: تخلصا وتفلتا، يقال تفصيت من الشيء تفصيا إذا تخلصت وخرجت منه.
العقل: بضمتين جمع عقال بكسر العين وهو الحبل يشد في ركبه البعير.
الشرح:
القرآن هو قانون شريعتنا الإسلامية؛ وقاموس لغتنا العربية وقدوتنا وإمامنا في حياتنا؛ به نهتدي وإليه نحتكم وبأوامره ونواهيه نقتدي، وعند حدوده نقف، سعادتنا في سلوك سننه واتباع مناهجه. وشقوتنا في تنكب تعاليمه والبعد عن شرعته، ومن الواجب أن نتعهده ونتفقده بالحفظ ومداومة التلاوة والمدارسة حتى لا ينسى.
ولقد شبهه الرسول ﷺ بالبعير الذي يخشى منه الشراد فما دام تعاهده بالعقال أمن نفوره؛ أما إذا أهمل شرد وند وصار من الصعب إمساكه ورياضته.
وكذلك القرآن فمتى كان المسلم شديد العناية به لا يترك تعاهده بالتلاوة بل يجعله سميره في خلوته وجليسه في وحدته ومؤنسه في وحشته، لا يستبدله بلغو القول فيما لا يفيد، دام حفظه وطال مقامه، أما إذا أهمل شأنه وشغلته الصوارف عنه نسيه، وكلما طال العهد بتركه ازداد نسيانا؛ ووجد مشاقّا جسيمة في استعادة حفظه وثقل عليه استدراكه.
стр. 251
وهذا الحديث يوافق قوله تعالى: إِنَّا سَنُلْقِي عَلَيْكَ قَوْلًا ثَقِيلًا «١» . ويحض على مداومة تلاوة القرآن ويفيد إباحة القسم عند الخبر المقطوع بصحته مبالغة في تثبيته في صدر سامعيه.
١٠٥- باب: التعوذ من الإثم والدّين
عن عائشة ﵂: أن رسول الله ﷺ كان يدعو في الصّلاة ويقول: «اللهمّ إنّي أعوذ بك من المأثم والمغرم» ، فقال قائل: ما أكثر ما تستعيذ يا رسول الله من المغرم؛ فقال: «إنّ الرّجل إذا غرم حدّث فكذب ووعد فأخلف» . [رواه البخاري «٢» ] .
اللغة:
أعوذ: ألجأ وأستجير. المأثم: الإثم والذنب. المغرم: بفتح الميم والراء الغرم وهو: الدين، وفعله غرم كشرب.
الشرح:
المعاصي محارم الله التي نهى عباده المؤمنين عن اقترافها «٣» وحذرهم من انتهاكها وأن يحوموا حولها. والدّين- وقاك الله ذله- مثقل الأعناق، وطريق المنة والأذى وسبيل الفقر ومورث المهانة في أكثر أحواله؛ فلا غرو «٤» أن استعاذ الرسول ﷺ منهما وأكثر من استعاذته في صلواته حتى أدرك ذلك الصحابة فسأل أحدهم عن الباعث على كثرة تعوذه. من الدّين. فقال: إن الرجل إذا أدان اضطر إلى أن يخفي معسرته وبؤسه حتى لا يشمت فيه عدوه ولا يلحف «٥» في مطالبته غريمه، فيظل يملأ ما ضغيه بزخرف من القول، يموه به على سامعيه، ويجافي بينهم وبين الإطلاع على حقيقة أمره، ودخيلة نفسه، ويظل يقول إن لي عقارا بجهة كذا، وتجارة لن تبور في أصناف كذا وكذا، تدر عليّ من الأرباح كل عام القناطير المقنطرة من
стр. 252
الذهب والفضة، ولي ديون على فلان وفلان ولكم سخوت على الفقراء، وجدت على المساكين، وأبرأت مدينين من ديون كانوا عن أدائها عاجزين، وهكذا لا يبرح يقول إن لي ولي وهو في كل ذلك كاذب مائن ومنافق مخادع حتى ينكشف للناس أمره ويبدو لهم عواره «١» فيطالبوه ويلازموه فيعدهم ويمنيهم ويضرب لهم الآجال ويتملقهم رجاء أن يمهلوه حتى إذا جاءت مواعيده، وحلت النجوم، استمهلهم وطلب منهم أن ينسئوه «٢» مرة أخرى وهو في كل ذلك يماطل ويراوغ «٣» . لأن الدّين بهظه «٤» وضاقت عليه موارده وخانه حظه وعثر به جده، وألفى يديه صغرا بما كان يؤمله. فالتمس الخلاص لنفسه من الناس وإذا بالسبل كسم الخياط «٥» أو هي أضيق، وبالأبواب قد أرتجت دون تنفيس كربته أو تفريج غمته فسقط في يده وأسلم نفسه للمقادير تناوشه فتصرعه فلا يجد منها مفرا ولا ملتحدا «٦» .
ذلك شأن الذي يستدين فيما يكرهه الله أو فيما لا يكون له حاجة للاستدانة فكم من بيوت عامرة خربت، وثروات طائلة ذهبت وبادت، ونفوس كانت كريمة عزيزة ذلت وهانت، وحرمات استطالت على الدهر خضعت وأنوف عزت على الإحن والحوادث أرغمت بالدّين ومهانته.
كل ذلك لدّين لم تمس إليه الحاجة ولم تدع إليه ضرورة ملحة. بل لمظهر كاذب ونفاق مزر، وابتغاء الزلفى لحاكم أو ولي والجري وراء عرض زائل أو إشباع شهوة مرذولة «٧» ، وإطفاء غلة ممقوتة. وهذا هو الذي يستعيذ منه الرسول صلوات الله عليه.
أما الاستدانة لحاجة ماسة مع القدرة على الأداء فلا يستعاذ منه، ولا يستغني عنه إلا القليل من الناس لأن بعضهم محتاج إلى بعض ولا غنى لأحدهم عن الآخر- وما أحوجنا إلى الاقتداء بالرسول ﷺ في استعاذته والبعد عما يوجب الذلة ويزري
стр. 253
بالكرامة ويريق ماء الحياة ويضيع المروءة وما أحوجنا إلى ابتغاء العزة، والمحافظة على الشمم «١» والإباء، ولا يكون ذلك إلا بتمسكنا باداب ديننا والعمل بها وخاصة في هذه الأيام التي قلّ المعين والمناصر وكثر العدو وأحكم فينا حبائله وأعمل في هدم كيان وحدتنا وديننا وكل عزيز علينا جهده ومكايده ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم.
١٠٦- باب: الحلف بغير الله
عن عبد الله بن عمر ﵄: أن النّبيّ ﷺ سمع عمر بن الخطّاب وهو يحلف بأبيه فقال: «إنّ الله ينهاكم أن تحلفوا بابائكم من كان حالفا فليحلف بالله أو ليصمت» . [رواه البخاري] «٢» .
الشرح:
قد يلقي إنسان لآخر قولا أو يذكر له خبرا فلا يصدقه السامع، إما لمخالفته لما يعلمه من موضوع الحديث، أو لغرابته عنده، أو لغيره، ذلك من البواعث التي تحول دون وقوع ذلك الخبر موقع القبول، أو يصدقه، ولكن يحتاج من القائل إلى ما يؤكده ويزيده ثبوتا وتحققا، فيضطر المتكلم إلى أن يؤكد قوله ويوثق خبره بأنواع المؤكدات، ومنها اليمين.
فالحلف على الشيء يفيد توكيد المحلوف عليه باقترانه بما يعظم عند السامع والمتكلم. وفي هذا الحديث يعلمنا الرسول ﷺ بمن نحلف ونؤكد أقوالنا إذا أردنا الحلف، ومن نعظّم، ويبين لنا أن نحلف بالله ولا نحلف بابائنا، لأن التعظيم الحقيقي لا يكون إلا له وهو الجدير بالإجلال والإكبار.
ولما كان النهي يقتضي الحرمة. فقد أفاد الحديث حرمة الحلف بالآباء وبكل ما سوى الله من نبي أو ولي وتخصيص الحلف بالله خاصة، ولكن اتّفق العلماء على أن اليمين تنعقد بالله وذاته وصفاته العلية.
والمشهور من مذهب المالكية أن النهي عن الحلف بالآباء للكراهة لا للتحريم،
стр. 254
وعند الحنابلة للتحريم لقوله ﵊: «من حلف بغير الله فقد كفر أو أشرك» .
ويرى بعض الأئمة أنه لا إثم في الحلف بغير الله ما لم يسو بينه وبين الله في التعظيم، أو كان الحلف متضمنا كفرا أو فسقا.
وأما ما ورد في القرآن من القسم بغير الله كالشمس والقمر والنجوم والطور، ففيه جوابان: أحدهما أنه على حذف مضاف والتقدير ورب الشمس إلخ. والثاني أن ذلك مختص بالله فإذا أراد تعظيم شيء من مخلوقاته أقسم به وليس لغيره ذلك.
١٠٧- باب: النية في الحلف
عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ «اليمين على نية المستحلف» . [رواه مسلم وابن ماجة «١» ] .
الشرح:
يتخاصم اثنان أمام القاضي في حق لأحدهما على الآخر وليس لصاحب الحق منهما بينة فيطلب يمين خصمه فيحلف بأمر القاضي ناويا خلاف ما يحلف عليه.
ويكلف رجل آخر عملا من الأعمال فيزعم أنه قام به ويقسم على ذلك ناويا في يمينه عملا آخر، أو معرضا بشيء سوى ما حلف عليه، فهل تعتبر في ذلك نية الحالف أو نية المحلف؟
يدلنا الحديث على أن المعتبر ما نواه المحلف لا الحالف، والحنث وعدمه على ما نواه المستحلف، فمن حلف ناويا خلاف ما طلب منه الحلف عليه حنث في يمينه وعليه كفارة اليمين.
وقد فصّل العلماء في ذلك: وخلاصة التفصيل أن المحلف إن كان ظالما أو
стр. 255
كاذبا في دعواه فالعبرة بنية الحالف وإلا فبنية المحلف، وكذا إذا كان المحلف هو القاضي أو نائبه فعلى نية المحلف، أما إذا كان بغير طلب أو بطلب غير القاضي أو في موضع لا تعلق لأحد بحق قبل الحالف فعلى نية الحالف.
والحاصل أن اليمين على نية الحالف في كل الأحوال إلا إذا استحلفه القاضي أو نائبه في دعوى توجهت عليه فتكون على نية المستحلف.
وهذا مراد الحديث سواء كان اليمين بالله تعالى أم بالطلاق أم بالعتاق إلا إذا حلفه القاضي بالطلاق أو العتاق فتنفعه التوراة ويكون الاعتبار بنية الحالف لأن القاضي ليس له التحليف بهما وإنما يستحلف بالله تعالى.
١٠٨- باب: كراهة الحلف في البيع
عن أبي هريرة ﵁ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول:
«الحلف منفقة للسّلعة ممحقة للبركة» (وفي رواية للرّبح) . [رواه البخاري ومسلم «١» ] .
اللغة:
الحلف: القسم والمراد اليمين الكاذبة كما صرح بذلك في رواية الإمام أحمد. منفقة: مصدر ميمي من النفاق بفتح النون وهو: الرواج «٢» ضد الكساد.
السلعة بكسر السين: واحدة السلع بكسر ففتح وهي: المتاع وما أعد للتجارة.
ممحقة: بوزن منفقة من المحق وهو: النقص والإبطال، والهاء فيهما للمبالغة، البركة: الزيادة والنماء.
الشرح:
تساوم تاجرا في شراء شيء وتختلفان في الثمن فيقسم لك الأيمان المغلظة أنه لا يربح فيها شيئا إذا باعها لك بما ذكر من الثمن أو أن غيرك قد عرض
стр. 256
عليه فيها أكثر مما تعرض أنت وأن في بيعها لك بما رغبت غبنا «١» عليه وخسارا كبيرا. أو تختلف معه في نوع السلعة أو جنسها فيلقاك باليمين أنها من الصنف الفلاني أو من نوع كذا، ولا يزال ينمق «٢» لك الكلام ويغريك بالأيمان، حتى تغتر وتصدقه، فتشتريها كما قال بما طلب من الثمن، حتى إذا فحصت عنها لم تجدها كما كنت ترغب أو وجدتها لا تساوي ما دفعت فيها، بينما يكون البائع قد ظفر منك بالثمن الذي أراده.
وهكذا يصنع مع غيرك فتنفق بضاعته وتزداد ثروته، وكلما وجد الربح قد نما بين يديه ولمع بريق الذهب والفضة أمام عينيه استمرأ «٣» هذا السبيل الذي يرى أنه يدر عليه الربح الوفير، من غير كبير مجهود ولا خسارة مادية، ويظن أنه بذلك قد أمن البوار وسلم من الخسران، حتى إذا ظن أن الدنيا قد واتته «٤» ، وأن السعادة أقبلت عليه وسالمته الأيام: نزلت به مصيبة في جسمه أو ماله أو ولده ذهبت بوافر ثرائه.
واجتاحته جائحة أودت «٥» بما جمع واقتنى. من مرض ممض، أو فقد ولد، أو سرقة، أو حريق، أو نحو ذلك من البلايا التي يصيب بها الله من لا يرعون لدينه حقا، ولا يخشون لبطشه بأسا ولا عقابا، ومن يتخذون اسمه هزؤا ولعبا، ويشترون بعهد الله وأيمانهم ثمنا قليلا، فيصبح صفر اليدين يندب حظه، ويلقي على الدهر تبعة ما أصابه، وما درى أنه هو الذي خاط لنفسه ثوب الفقر وما نزل به وهو الذي حفر لنفسه تلك الهوة «٦» السحيقة التي تردّى فيها لا إلى نجاة أو قرار بما خفر من ذمته وكذب في قوله، ونقض من يمين الله واجب الوفاء بها، لازم رعايتها وهكذا يصدق عليه قول الله تعالى: سَنَسْتَدْرِجُهُمْ مِنْ حَيْثُ لا يَعْلَمُونَ. وَأُمْلِي لَهُمْ إِنَّ كَيْدِي مَتِينٌ «٧» .
فواجب المؤمن في تجارته أن يكون صادقا، أمينا لا خائنا ولا غاشا، وأن يقنع بالربح القليل من حلال طيب عن ربح كثير من حرام خبيث، لأن الأول كثير البركة
стр. 257
مأمون الفائدة، بعيدة عنه الغوائل بمنجاة عما يذهبه من النوائب. أما الثاني: فسبيل أن تأخذه النازلات «١» الفادحات «٢» فتقل بركته وتمحق زيادته، ولمال قليل في صحة وطمأنينة وراحة بال، خير من غنى كثير في مرض واضطراب فكر ووساوس وهموم.
١٠٩- باب: شراء المصراة
عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «من اشترى غنما مصرّاة فاحتلبها فإن رضيها أمسكها وإن سخطها ففي حلبتها صاع من تمر» .
[رواه البخاري وأبو داود «٣» ] .
اللغة:
المصراة: الدابة التي ربط ضرعها ليجتمع اللبن، من قولك صريت الماء في الحوض وصريته بالتخفيف والتشديد إذا جمعته. سخطها: كره شراءها ولم يرد بقاءها عنده. الصاع: قد حان وثلث.
الشرح:
كان بعض الناس- ولا يزالون- إذا أراد بيع شاة أو بقرة ربط أثداءها يومين أو أكثر حتى يجتمع اللبن فيها ثم يخرج بها إلى السوق ليبيعها فيظن من لا يعرف حقيقة أمرها أنها غزيرة اللن حافلة الضرع وأن ذلك عادتها فيغتر بذلك ويشتريها بثمن غال. حتى إذا ما عاد إلى بيته واحتواها منزله وحلب ذلك القدر الذي كان قد اجتمع في ضرعها، وجدها قد صارت عجفاء «٤» لا تدر أخلافها «٥» ولا تعطيه من اللبن إلا اليسير، فيعرف أنه قد خدع بظنه أن ورمها شحم، وأن تصريتها «٦» اكتناز باللبن، فيسقط في يده ويصبح في حيرة من أمره، وغم وبؤس مما صار إليه.
стр. 258
فبين الرسول ﷺ في هذا الحديث أن من حدث له ذلك واشترى دابة مصراة فهو بالخيار بعد أن احتلبها إن شاء أمسكها ورضي بها على ما فيها من عيب وغرر، وإن شاء ردها على بائعها ورد معها قدحين وثلثا من التمر، لقاء ما احتلبه من لبنها واسترداد الثمن الذي دفعه، لأن البائع غرر به وخدعه واستغل طيب نفسه ونقاء سريرته من اتهام غيره بالغش وعدم احتياطه.
ومن هذا الحديث تستبين أمور:
١- أن الخيار لا يثبت إلا بعد الحلب
، والجمهور على أن المشتري إذا علم أنها مصراة ثبت له الخيار على الفور ولو لم يحلب، ولكن لما كانت التصرية لا تعرف غالبا إلا بعد الحلب جعل الحلب قيدا في ثبوت الخيار.
٢- أن المصراة يحل بيعها مع ثبوت الخيار
ولا مدة له بل يثبت عقب الحلب ثلاثة أيام بعد الحلب كما يدل على ذلك بعض الروايات التي روي بها الحديث.
٣- أن هذا الحكم لا يختص بالغنم
بل يشمل الإبل والبقر من كل مأكول اللحم. أما غير مأكوله كالجارية والأتان «١» فلا يرد للبن عوض، وإن ثبت له خيار ردها لفوات أمر مقصود منها.
وهل يثبت الخيار بمجرد الحلبة الأولى أو أن له الثانية والثالثة؟
اتفق العلماء على أن له الحلبة الثانية ولا يسقط خيار بسكوته بعد الأولى.
واختلفوا في الثالثة، فقال الجمهور: إن له الثالثة لأن الحلبة الأولى لا يتحقق معها معرفة التصرية. وكذا الثانية لجواز أن يكون نقصها عن الأولى لاختلاف المرعى أو لأمر غير التصرية فإذا حلب الثالثة تحققت تصريتها فكان له ردها.
٤- يفيد الحديث أن الصاع يرد مع الشاة .
ويلزم من ذلك عدم رد اللبن ولو كان باقيا أي لا يلزم البائع بقبوله لأن نص الحديث أثبت له حقا هو صاع التمر وهل يتعين التمر أو يجوز غيره مما يقتات به أهل البلد أو قيمته؟ مذاهب.
ويدل الحديث أيضا على وجوب الصاع قل اللبن أو كثر حسما للنزاع في قلته
стр. 259
وكثرته، إذ قد يحصل البيع في صحراء، أو بادية حيث لا يوجد من يعتمد قوله في المقدار والقيامة.
هذا وقد خالف الحنفية بالحديث ولم يعملوا به، فلم يثبتوا الرد بعيب التصرية، ولم يوجبوا رد الصاع من التمر. وحجتهم على ذلك: أن حكم هذا الحديث مخالف للأصول المعلومة، وما كان كذلك لا يلزم العمل به، أما المقدمة الأولى فإن المعلوم من الأصول أن المثليات تضمن بمثلها والقيميات بقيمتها من النقدين. وههنا إن كان اللبن مثليا فضمانه بمثله لبنا وإن كان قيميا فضمانه بقيمته من النقدين، وهو في الحديث مضمون بالتمر فهو خارج عن الأصلين جميعا.
وأيضا أن القواعد الكلية تقتضي أن يكون الضمان بقدر التالف من المضمون وهنا قدر الضمان بالصاع مطلقا قل اللبن أو كثر.
وأيضا أن الحديث يقضي برد الصاع ولو كان اللبن ناقيا، وفي ذلك ضمان الأعيان «١» مع بقائها والأعيان لا تضمن بالبدل إلا إذا هلكت كالمغصوب وسائر المضمونات.
وأما المقدمة الثانية فإن هذا الحديث خير آحاد فيفيد الظن، والأصول المعلومة مقطوع بها من الشرع. والمظنون لا يعارض المقطوع.
وقد نوقشت هذه الحجج ورد عليها بما لا يتسع المقام لبسطه.
١١٠- باب: ثبوت خيار المجلس في البيع والشراء
عن حكيم بن حزام: أنّ النّبيّ ﷺ قال: «البيّعان بالخيار ما لم يتفرّقا، فإن صدقا وبيّنا بورك لهما في بيعهما وإن كتما وكذبا محقت بركة بيعهما» .
[رواه البخاري ومسلم وأبو داود والنسائي وأحمد «٢» ] .
стр. 260
اللغة:
البيعان: البائع والمشترى، ويسمي المشتري، بيعا من باب التغليب لأن البيع هو البائع. الخيار: اسم من الاختيار أو التخيير وهو: طلب خير الأمرين من إمضاء البيع أو فسخه. والمراد به خيار المجلس في الفسخ لأن الإمضاء لا يحتاج إلى شيء زائد على الإيجاب والقبول ويكفي فيه السكوت. يتفرقا: يفترقا بأبدانهما، وقيل: يفترقا بالأقوال أي ما لم يتم البيع بالإيجاب والقبول. وزعم بعضهم أنه يقال افترقا بالكلام وتفرقا بالأبدان ورد ذلك بقوله تعالى: وَما تَفَرَّقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ «١» فإنه ظاهر في التفرق بالكلام لأنه المخالفة في الاعتقاد.
ويرجح حمل التفرق في الحديث على تفرق الأبدان ما رواه البيهقي بلفظ «حتى يتفرقا من مكانهما» وبأن ابن عمر ﵄ كان إذا باع أو اشترى شيئا ولم يشأ الرجوع، قام من مجلسه ومشي هنيهة «٢» ، صدقا وبيّنا، أي صدق البائع المشتري في نوع المبيع وسلامته من العيوب وبين له ما فيه. وصدق المشتري البائع في نوع الثمن وجنسه وبين له ما فيه من عيب أو نحوه كتما وكذبا. أي أخفى كل منهما عن الآخر ما في البدل الذي يكون من جهته وغش كل الآخر فيما عليه البدل.
محقت بركة بيعهما: أي قلت وضاعت الزيادة والفائدة التي كان يرجوها كل منها البائع في الثمن والمشتري في المبيع بما يبتليهم الله به من الجوانح «٣» والمصاب التي تذهب بما في أيديهما.
الشرح:
قد يشتري الإنسان شيئا من آخر لحاجة له فيه ثم يندم على الشراء لطروء ما يدعو للندم من رغبة عما اشتراه أو استكثار الثمن أو بدو أمر لم يكن باديا من قبل، يقتضي رد المبيع، وقد يبيع شيئا من ماله لحاجة عرضت ثم يتبين له أفضلية بقائه، إما لتبين خسارة في البيع، أو اهتدائه إلى مخلص سوى البيع من الحاجة التي دعت إليه، فيود كل منهما أن لو أقاله «٤» صاحبه وفسخ ما بينهما من عقد أو وجد
стр. 261
سبيلا يحله من هذا التعاقد.
لذا يبين الرسول ﷺ أن كلا من البائع والمشتري بالخيار بعد الإيجاب والقبول بين إمضاء البيع أو فسخه ما داما في مجلس البيع فلكل منهما أن يفسخه بدون رضا الآخر، ويسمى هذا (خيار المجلس) .
أما إذا ترك أحدهما صاحبه فلا خيار لهما ولا لأحدهما لأن ما كان بينهما من عقد قد تأكد بالمفارقة فلا سبيل إلى العدول عنه إلا برضا الطرفين بالإقالة.
فالتفرق المذكور في الحديث هو التفرق بالأبدان لأنه المفهوم عند الإطلاق إذا قيل تفرق الناس ولأن البيّعين (بتشديد الياء) هما البائع والمشتري على ما تقدم، ولا يسمى أحدهما بيّعا حقيقة إلا بعد حصول العقد منهما، ومتى حصل العقد لا يكون منهما تفرق بالأقوال لا بالأبدان. ولأن كل واحد يعلم بداهة علما عاما أن المشتري بالخيار ما لم يوجد منه قبول المبيع، وأن البائع خياره ثابت في ملكه قبل أن يعقد البيع.
فلو كان المراد من التفرق الإختلاف في الأقوال وهي الإيجاب والقبول- إذ ليس بينهما أقوال سواهما- لخلا الحديث عن الفائدة ولم يكن له معنى- وبهذا تمسك من أثبت لكل من المتبايعين خيار المجلس، وهم جماعة من الصحابة والتابعين منهم: علي، وابن عمر، وابن عباس، وأبو هريرة، وشريح، والشعبي، وعطاء- وذهب مالك وأبو حنيفة إلى عدم القول بخيار المجلس وإلى أن الصفقة متى تمت بالإيجاب والقبول فلا خيار إلا بالشرط.
ولم يعملوا بهذا الحديث لمعارضته ما هو أقوى منه من نحو قوله تعالى:
وَأَشْهِدُوا إِذا تَبايَعْتُمْ «١» لأن الآية تدل على طلب الإشهاد عند البيع فإن وقع قبل التفرق لم يكن له فائدة مع ثبوت خيار المجلس.
وإن وقع بعد التفرق، لم يصادف محله لأنه وقع بعد تمام البيع.
وقوله: أَوْفُوا بِالْعُقُودِ «٢» والراجع عن موجب العقد قبل التفرق لم يكن
стр. 262
موفيا به. وقوله ﵇: «المسلمون عند شروطهم» ، الخيار بعد العقد بدون شرط مفسد للشرط وهو العقد الذي بينهما- وفي بعض هذه الأقوال مقال يرجع إليه من شاء في المطولات.
والمشهور أن حدّ التفرق بالأبدان موكول إلى العرف فما عدّه العرف تفرقا حكم به وإلا فلا.
وفي الحديث دلالة على شؤم التدليس والكذب ويمن الصدق والإرشاد.
١١١- باب: النهي عن بيع الثمر قبل بدو صلاحها
عن أنس بن مالك ﵁ أنّ رسول الله ﷺ نهى عن بيع الثّمار حتّى تزهي، فقيل وما تزهي؟ قال: «حتّى تحمرّ» ، فقال رسول الله ﷺ :
«أرأيت إذا منع الله الثّمرة بم يأخذ أحدكم مال أخيه» . [رواه البخاري ومسلم] «١» .
اللغة:
تزهي في القاموس: زها النخل طال كأزهى، والبسر تلون كأزهى وزهى.
الشرح:
كان الناس في عهد الرسول ﷺ يبيعون ثمار نخلهم أو بساتينهم قبل أن يظهر نضجها وأمانها من العاهات «٢» بل قبل أن يبدو الثمر من أكمامه فتجتاحه الجوائح وتذهب به العاهات والأمراض بأن يعفن الطلع أو يفسد الثمر حتى إذا جاء الجداد «٣» لم يجد المشتري ثمرا مما رغب فيه وقت لشراء فيختصم مع البائع ويكثر بينهما اللجاج والشحناء، البائع يقول بعتك وما ضمنت لك السلامة من الآفات، والمشتري يقول ما اشتريت إلا لكي أنتفع بما دفعت ثمنه. وبم تستحل الثمن الذي أخذته إذا كنت لم أقبض شيئا مما اشتريته وفي ذلك من العداوة والبغضاء ما فيه.
стр. 263
فنهى الرسول ﷺ البائعين والمشترين عن بيع الثمار قبل أن تعقد ببدو صلاحها، وتظهر حمرتها وصفرتها، وتصير بمأمن من الآفات التي تهلكها لكيلا يحصل بينهم الاختلاف إلا المخاصمة إذ قد عرف كل منهم ما هو مقدم عليه وأمن على البدل الذي يأخذه من الآخر.
ولظاهر النهي قال بعض العلماء: ببطلان البيع قبل أن تزهي الثمار سواء قبل وجودها أم بعده وقبل ازدهائها. وقيل: إن البيع جائز ...
هذا ونهاية الحديث تدل على العلة في النهي، وأنه مخاطب به البائع لئلا يأكل مال أخيه بالباطل، والمشتري لئلا يضيع ماله، ويساعد البائع على الباطل. وفيه أيضا قطع أسباب النزاع بين المسلمين.
وهل يكفي بدو الصلاح في جنس الثمار؟ حتى لو بدا الصلاح في بستان من البلد جاز بيع ثمرة جميع البساتين، وإن لم يبد الصلاح فيها، أو لا بد من بدو الصلاح في كل بستان على حدة. أو لا بد من صلاح كل جنس على حدة أو في كل شجرة على حدة.
قال مالك: يكفي بدو الصلاح في جنس الثمار لجواز البيع في الجميع وإن لم يبد صلاحها ولو كانت من أنواع مختلفة.
وقال الإمام أحمد: لا بد من بدو صلاح كل بستان على حدة.
وقال الشافعي: يشترط لصحة بيع كل جنس بدو الصلاح في ذلك الجنس بصلاح بعضه ولا يشترط صلاح الجميع لأن الإزهاء متلاحق واشتراط الكل يؤدّي إلى إفساد أكثره، وقد منّ الله تعالى على عباده بكون الثمار لا تطيب دفعة واحدة ليطول زمن التفكه والتلذذ بها فيشكروا الله على ما آتاهم.
١١٢- باب: فضل التجاوز عن المعسر
عن أبي هريرة ﵁ قال: «كان تاجر يداين النّاس، فإذا رأى
стр. 264
معسرا قال لفتّيانه تجاوزوا عنه لعلّ الله أن يتجاوز عنّا فتجاوز الله عنه» . [رواه البخاري «١» ] .
الشرح:
التجاوز عن المعسرين وتفريج كرب المكروبين من أعظم الأعمال مثوبة، وأكثرها عند الله أجرا، وعند الناس حمدا وشكرا.
ولقد قال الرسول ﷺ : «من سره أن ينجيه الله من كرب يوم القيامة فلينفس عن معسر أو يضع عنه» «٢» .
وقال ﷺ : «من فرج عن مؤمن كربة من كرب الدنيا فرج الله عنه كربة من كرب يوم القيامة» «٣» ، وقد يأتي على المرء شدّة ومسغبة «٤» يضيق بها واسع رحابه، وتمسك بتلابيبه وتصبح الدنيا أمامه كسم الخياط، يودّ الخلاص منها بأي ثمن وإن غلا، ويودّ أن لو ابتلعته الأرض، لديون تراكمت، وأزمات به حلت لم تبق على رطب ولا يابس، ولا صامت من ماله ولا ناطق.
فإذا ما أنقذه دائنه مما هو فيه وحط عنه بعض دينه أو تجاوز له عما شغلت به ذمته. كان كمن ردّت إليه الحياة وقد كادت تزهق «٥» ، أو انتشل من براثن «٦» الهلاك وقد أوشك أن يغرق، وناهيك إذا كان المتجاوز تاجرا شأنه البيع والشراء للربح والكسب، فهو جدّ حريص على زيادة ماله. وإنما ثروته، وتقليب تجارته في الأسواق يبتغي المال الوفير، والربح الكثير، فإذا ما وضع عن غريمه بعض ما عليه دل ذلك على إخلاصه وسلامة نفسه من الشح ورغبته في الخير وابتغاء الأجر؛ فلا غرو أن يتجاوز الله عن سيئاته ويحط من أوزاره ويعفو برحمته عن هفواته «٧» وهو الغفور الرحيم.
стр. 265
١١٣- باب: الاستقراض وحسن القضاء
عن أبي هريرة ﵁ أنّ رجلا أتى النّبيّ ﷺ يتقاضاه فأغلظ، فهمّ به أصحابه، فقال رسول الله ﷺ : «دعوه فإنّ لصاحب الحقّ مقالا» ، ثمّ قال «أعطوه سنا مثل سنّة» قالوا يا رسول الله لا نجد إلّا أمثل من سنّه، فقال:
«أعطوه، فإنّ خيركم أحسنكم قضاءّ» . [رواه البخاري ومسلم «١» بألفاظ مختلفة] .
اللغة:
يتقاضاه: يطلب منه قضاء الدين. أغلظ: شدد في المطالبة. فهم به أصحابه: أراد أصحاب الرسول ﷺ أن يؤذوه مقالا: صولة في الطلب وقوة الحجة.
سنا مثل سنّة: جملا سنه مثل الذي له. أمثل: أفضل وأحسن.
الشرح:
اقترض الرسول ﷺ من أعرابي بعيرا، فلما حل أجل الأداء جاء الأعرابي ليستوفي ماله، ولكنه لم يجمل في الطلب ولم يحسن، بل شدد في المطالبة على عادة الأعراب من الجفوة؛ فأساء ذلك بعض الصحابة الذين حضروا المطالبة وأرادوا أن يؤذو الأعرابي لسوء أدبه مع الرسول ﷺ ولكنهم لم يفعلوا أدبا مع النبي ﷺ .
فقال لهم الرسول ﷺ : دعوه ولا تأخذوا عليه القول حتى يبين حقه ويطلب ماله، فإن صاحب الحق ذو صولة «٢» وقوة وبيان، فإذا حيل بينه وبين المطالبة به ضاع حقه، وعدّ كاذبا أو محتالا، ولا شك أن هذا من حسن أخلاق المصطفى ﵊، فكأنه يبدي عذر الأعرابي في تشديده في الطلب، ويكف عنه عاديه الصحابة، ويكبح من غيظهم، الذي أثاره جفاء ذلك الأعرابي وغلظته، ويسري عنه ما يعتريه من الخوف والفزع لإرادتهم الإيقاع به.
ثم أمر بأن يشتري له بعيرا يقضي به حقه فقالوا لم نجد إلا أفضل من الذي
стр. 266
يستحقه فقال ﷺ : اشتروه وأعطوه إياه يكن لكم فضل حسن القضاء.
يدل هذا الحديث على أمور:
جواز المطالبة بالدين إذا حل أجله.
وحسن خلق النبي ﷺ وعظم حلمه وتواضعه وإنصافه.
وقبح مجافاة صاحب الحق وإن أساء في الطلب.
وجواز استقراض الإبل ويلحق بها جميع أنواع الحيوان وعلى هذا أكثر العلماء، أما الحنفية فلم يجوزوه، لأن فيه بيع الحيوان بالحيوان نسيئة، وهو منهي عنه في جملة أحاديث صحيحة رجالها ثقات فهي ناسخة لما في هذا الحديث، ولأن الحيوان مما تختلف أفراده اختلافا كبيرا، ويقع بينها تفاوت كبير، يؤدي إلى الخصومة والمنازعة.
ويدل على جواز الوفاء بما هو أفضل من المثل المقترض، إذا لم يكن ذلك مشروطا في العقد، وإلا فهو حرام لأنه ربا، ويستوي في الزيادة القليل والكثير والصفة والمقدار.
١١٤- باب: النهي عن القضاء حين الغضب
عن أبي بكرة ﵁ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «لا يقضينّ حكم» ، وفي رواية «لا يحكم أحد بين اثنين وهو غضبان» . [رواه الجماعة «١» ] .
اللغة:
الحكم: الحاكم. ويطلق على القيم بما يسند إليه وعلى ما يرتضيه
стр. 267
الخصمان للفصل بينهما.
الشرح:
العدل دعامة العمران وباعث الطمأنينة إلى النفوس، به يحق الحق ويزهق الباطل، يأمن في ظلاله الخائف، ويرتدع من جبروته وسطوته الظالم، ويقوي الضعيف المحق، ويضعف القوي المبطل، وتستنير بضوئه مسالك الحياة الوادعة «١» السعيدة، ويضمحل على صخرته صخب البطش والجور.
وأحرى بمن نصب للفصل بين الناس في الخصومات، واستجلاء الحق في ثنايا الدعاوى والأباطيل، أن يكون جد حريص على وضع الأمر في نصابه وتفرس الصواب، من بين عريض الأقوال والمزاعم، ولا يتحقق ذلك، إلا بأن يكون حاضر الذهن، واعيا لكل ما يقال بين يديه، يزنه بميزان الصيرفي «٢» الناقد «٣» ، والعبقري «٤» الحاذق، مالكا زمام أمره، خالي الذهن من الصوارف، التي تحول بينه وبين ما جعل له، رزينا لا تستفزه الأهواء، ولا يأسر لبه الملق «٥» والإطراء، حليما لا تحل حبوته المكدرات، ولا تهيج طائره «٦» المفزعات، فارغ النفس من الهموم والشواغل. هنالك يتحقق منه العدل، ويرتضي الحكم، وتخضع الهامات العاصية، وتذل النفوس الطاغية ويمتد ظل الأمن على الناس، وتسكن ثورة الأهواء، ويقضي على نزوات العبث والفساد.
أما إذا كان القاضي، أو الحكم على غير ذلك اختل نظره وربما تجاوز الحق إلى الباطل في حكمه، كأن يكون حال غضب استولى على نفسه، وصعب عليه صرفه ومقاومته. وكان سائر ما يتعلق به القلب تعلقا يشغله عن استيفاء النظر ودقة البحث، لاستيضاح الصواب.
ولذا نهى الرسول ﷺ في هذا الحديث أن يقضي القاضي بين الناس وهو غضبان، وقاس العلماء على الغضب كل ما من شأنه أن يؤثر على العقل ويغير الفكر
стр. 268
من جوع أو مرض أو هم أو نحو ذلك.
١١٥- باب: التعريف باللقطة وحكمها
عن زيد بن خالد ﵁ قال: جاء رجل إلى رسول الله ﷺ فسأله عن اللقطة فقال: «اعرف عفاصها ووكاءها ثمّ عرّفها سنة فإن جاء صاحبها وإلّا شأنك بها» ، قال: فضالّة الغنم، قال: «هي لك أو لأخيك أو للذّئب» ، قال: فضالّة الإبل؟ قال: «مالك ولها؟ معها سقاؤها وحذاؤها ترد الماء وتأكل الشّجر حتّى يلقاها ربّها» . [رواه البخاري «١» وغيره بألفاظ مختلفة] .
اللغة:
اللقطة: (بضم اللام وفتح القاف على المشهور) : كل مال معصوم معرض للضياع لا يعرف مالكه، وأكثر ما تطلق: على ما سوى الحيوان، أما الحيوان فيقال له ضالة. العفاص: الوعاء الذي يكون فيه الشيء من جلد أو نسيج أو خشب أو غيره، أو مأخوذ من العفص وهو: الثني، لأن الوعاء يثني على ما فيه، وأصل العفاص: الجلد الذي يكون على رأس القارورة، يقال عفصتها عفصا: إذا شددت العفاص عليها وأعفصتها إذا جعلت لها عفاصا. الوكاء: (بكسر الواو) وهو ما يشد على رأس الصرة والكيس من خيط ونحوه، وفعله أوكى كأعطى. والمراد من معرفة العفاص والوكاء تمييزهما عن غيرهما حتى لا تختلط اللقطة بمال الملتقط، وحتى يستطيع إذا جاءه صاحبها أن يستوصفه العلامات التي تميزها عن غيرها، ليتبين صدقه من كذبه. عرفها سنة: انشر خبرها بين الناس بقدر استطاعتك، حتى يعلم صاحبها أمرها. شأنك بها: تصرف فيها، لأخيك: المراد به صاحبها أو ملتقط آخر. الذئب:
المراد به كل حيوان مفترس. ما لك ولها: دعها وشأنها. سقاؤها: السقاء وعاء الماء والمراد به هنا كرشها لأنها تخزن فيه الماء فتقوي على السير عدّة أيام دون أن تشرب.
стр. 269
حذاؤها: المراد به أخفافها أي أنها تقوي على السير وقطع البلاد ورعي الشجر والامتناع على السباع المفترسة. ربها: صاحبها.
الشرح:
اشتمل هذا الحديث على حكم ثلاثة أشياء سئل فيها رسول الله ﷺ .
١- اللقطة:
وقد تقدم تعريفها وأنها أكثر ما تطلق على غير الحيوان. وقد بين الرسول ﷺ حكمها بأنه يجب على ملتقطها أن يتبين علاماتها التي تميزها عما عداها من وعاء ورباط، وكذا كل ما اختصت به من نوع وجنس ومقدار (كيل أو وزن أو ذرع) ويحتفظ عليها احتفاظه على ماله، ولا يعتدها غنيمة ساقها الله إليه، فيعمل فيها يد الإتلاف والإنفاق، كأنما هي مال مملوك له سواء في ذلك الحقير والجليل، ثم يعرّفها وينشر نبأها بما يستطيع في مجتمع الناس وعقب الصلوات في المساجد، وحيث يظن أن ربها هناك، وما يعتقد أنه يذيع أمرها حتى يصل إلى صاحبها. ومدة التعريف سنة، وتلك في ذات القيامة غير التافهة.
وقال جمهور العلماء إن التعريف سنة واجب، إذا أراد تملكها ولم يرد حفظها على صاحبها أما إذا أراد حفظها لمالكها فالأصح أنه يلزمه التعريف أيضا لئلا تضيع على صاحبها فإنه لا يدري أين هي حتى يطلبها.
أما القليل التافه الذي يعلم أن صاحبه لا يطلبه عادة فإنه لا يعرف أصلا ويملك بأخذه وإن كان يتبعه صاحبه يعرف أياما، إلى أن يغلب على الظن أن صاحبه لا يطلبه بعد ذلك.
وإن كانت اللقطة مما يتسارع إليه الفساد كالطعام فللملتقط أن ينتفع به ويضمنه لصاحبه، وله أن يتصدق به ولا ضمان عليه هذا حكم تعريفها.
أما أخذها والتقاطها فهو مستحب، وقيل يجب، وقيل إن كانت في موضع يأمن عليها إذا تركها استحب الأخذ؛ وإلا وجب، وإذا علم من نفسه الطمع فيها حرم عليه أخذها.
وهذا كله في غير لقطة الحرم، أما لقطته فيحرم أخذها إلا لتعريفها لقوله ﵊ «لا يلتقط لقطتها- مكة- إلا من عرفها» «١» .
стр. 270
ولما فقدت الأمانة، وغلب الطمع على الناس سنت الحكومات في قوانينها أن من وجد شيئا وجب عليه تسليمه إلى رجال الحكومة وإلا عد سارقا يعاقب بما يستحق، وهذا لا بأس به.
واللقطة في مدة التعريف: وديعة عند الملتقط لا يضمنها إذا هلكت إلا بالتعدي، وعليه ردها لصاحبها متى بيّن من العلامات والأمارات ما كان خاصا بها يميزها عما عداها ولا يشترط أن يقيم البينة. وإذا انقضت المدة ولم يطلبها صاحبها كان للملتقط الانتفاع بها وعليه ضمانها إن عاد يطلبها.
٢- ضالة الغنم:
وقد ذكر النبي ﵊ أنه يجوز أخذها بقوله:
«هي لك أو لأخيك» إلخ فكأنه قال هي ضعيفة معرضة للهلاك، مترددة بين أن تأخذها أنت أو أخوك وهو صاحبها أو ملتقط آخر، أو أن تفترسها الوحوش وفي ذلك حث على أخذها.
وهل يجب تعريفها أولا؟
الجمهور على الوجوب. فإن لم يطلبها صاحبها كان للملتقط أن يأخذها وغرم لصاحبها. وقال المالكية: إنه يملكها بمجرد الأخذ ولا ضمان عليه، ولو جاءها لأنه سوى في الحديث بين الذئب والملتقط، والذئب لا غرامة عليه، فكذلك الملتقط.
واجمعوا على أنه لو جاء صاحبها قبل أن يأكلها الملتقط ردت إليه.
٣- ضالة الإبل:
وقد ذكر رسول الله ﷺ أنها مستغنية عن الملتقط وحفظه بما ركب في طباعها من الجلادة «١» على العطش والقدرة على تناول المأكول من الشجر بغير تعب لطول عنقها فلا تحتاج إلى ملتقط وبخاصة أن بقاءها حيث ضلت يسهل على صاحبها العثور عليها بدل أن يتفقدها في إبل الناس.
стр. 271
١١٦- باب: النهي عن عقوق الأمهات وكثرة السؤال وإضاعة المال
عن المغيرة بن شعبة قال: قال رسول الله ﷺ : «إنّ الله حرّم عليكم عقوق الأمّهات، ووأد البنات، ومنع وهات، وكره لكم قيل وقال، وكثرة السّؤال، وإضاعة المال» . [رواه البخاري «١» ] .
اللغة:
عقوق الأمهات: إيذاؤهن وعدم القيام بحقوقهن- وأد البنات: دفنهن أحياء. منع: مصدر منع يمنع. هات: اسم فعل بمعنى أعطني. والمراد بهما منع ما أمر الله بإعطائه وطلب ما لا يستحق- قيل وقال: وفي رواية قيلا وقالا: وهما إما اسمان. يقال كثر القيل والقال، وإما: مصدران لقال يقول والمراد كثرة الكلام المفضي إلى الخطأ والزلل، وكرر للمبالغة في الزجر عنه؛ وإما فعلان محكيان والمراد حكاية أقاويل الناس والبحث عنها ليحدث بها. فيقول: قال فلان كذا وقيل كذا.
الشرح:
اشتمل هذا الحديث على ستة أشياء يجب على المسلم اجتنابها.
أولها: عقوق الأمهات
وعدم القيام بحقوقهن والوفاء لهن بما يجب من حسن الطاعة والإنفاق والمعونة: وطيب القول والبعد عما يغضبهن أو يسبب سخطهن، فطالما شقيت الأم بابنها حملا وفصالا «٢» ورضاعا وتربية وحياطة من كل أذى وضرر.
تسهر لينام، وتتعب ليرتاح، وتشقى ليسعد، ابتسامته وهو صغير أشهى لديها من الدنيا وما فيها، وصحته وسروره أغلى ما تبغي الحصول عليها، تفتديه بكل مرتخص وغال، وتقيه بما تستطيع وتملك من كل غائلة وشر، إن بكى طارت نفسها شعاعا،
стр. 272
وإن مرض تقرحت جفونها التياعا «١» ، فليس من حسن الصنيع أن يقابل ذلك بالجحود والكفران أو يجعله في مطارح النسيان.
وقد خص الأم في هذا الحديث لأن العقوق إليها أسرع لضغفها ولينبه على أن بر الأم مقدم على بر الأب في التلطف والحنو.
وثانيها: دفن البنات وهن أحياء:
وكان أهل الجاهلية يفعلون ذلك مخافة الفقر أو العار، لأن البنت ضعيفة المنة، عاجزة عن مزاحمة الرجال في كسب مادة الحياة فتكون عبئا على أبيها وحملا ثقيلا، فكان بعضهم يقتل البنات لتخف عنه ثقل معيشتهن، وبعض آخر يئدهن مخافة أن يجلبن عليه العار بزلة تجعل أهلها سبة الدهر.
وثالثها: منع وهات:
والمراد بهما البخل بالمال عن الواجبات الشرعية وما تقتضيه المروءة من زكاة وبر وإعانة محتاج وغوث مستغيث، ونحو ذلك والطمع فيما ليس أهلا له، من ابتغاء أجر بدون عمل، أو زيادة على استحقاق لما في ذلك من إضاعة المروءة وإذلال النفس وأكل المال بالباطل.
ورابعها: قيل وقال:
والمراد تتبع أخبار الناس وأحوالهم للتحدث بها وإشاعتها وربما كان في شيء منها ما يغضب المقول فيه، من أمور كان يود إخفاءها، وأسرار لا يحب إذاعتها، فتنشأ العداوة وتنمو الضغينة ويعم الفساد والأذى.
أضف إلى ذلك ما يوصم «٢» به من كانت هذه صفته من المذلة والصغار، وما يلقاه من الناس من الإهانة والاحتقار.
وخامسها: كثرة السؤال:
والمراد بذلك إما سؤال المال والصدقة، وفي ذلك من إراقة ماء الوجه وإذلال النفس ما يربأ أن يدنس به نفسه، وإما السؤال عن المشكلات والمعضلات وأخبار الناس واختراع الأحاجي والألغاز للتعجيز والإرهاق، لما يترتب على ذلك من إضاعة الوقت في غير المفيد. وربما كان في الجواب عن السؤال ما يؤلم السائل ويسيء إليه أو إلى غيره على حدّ قوله تعالى: لا تَسْئَلُوا عَنْ
стр. 273
أَشْياءَ إِنْ تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ «١» .
وسادسها: إضاعة المال:
بالإسراف في إنفاقه أو إنفاقه فيما يغضب الله من المحرمات.
وعلى الجملة إنفاقه في غير وجهه المأذون فيه شرعا مما يجلب مصلحة دينية أو دنيوية، أو يدفع مضرة كذلك. ذلك بأن المال قوام الحياة ومادة الدنيا التي هي مزرعة الآخرة. وإضاعته تورث الندم والفقر والذل.
انظر إلى ما يصنع في الأفراح والماتم وجهاز العروس والمنازل، وما ينفق في الملاذ والملاهي والرياء والملق للحكام، والظهور في المظاهر الكاذبة الخادعة وما يجلب ذلك من الخراب العاجل وقانا الله شر هذه الآثام ووفقنا للعمل بسنّة خير الأنام.
١١٧- باب: قبض العلم بموت العلماء
عن عبد الله بن عمرو بن العاص قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول:
«إنّ الله لا يقبض العلم انتزاعا ينتزعه من العباد ولكن يقبض العلم بقبض العلماء حتّى إذا لم يبق عالم اتخط النّاس رؤوسا» . وفي رواية: «رؤساء جهّالا فسئلوا فأفتوا بغير علم فضلّوا وأضلوا» . [رواه البخاري ومسلم «٢» ] .
الشرح:
العلماء هم مصابيح الهداية. ورسل الرشاد، وأمناء الله في خلقه، يهدون الضال، ويأخذون بيد المسترشد إلى حيث السداد والصواب، آتاهم الله من بسطة الفهم، وسعة العقل ونفاذ البصيرة ما يكون عصمة لهم من الزلل في الرأي، والخطل في الفهم، وعونا على استكناه الحقائق، وكشف غوامض العلوم، فصدورهم أوعية المعارف، وعقولهم خزائن الحكم، يفيض منها على الناس ينبوع لا
стр. 274
ينضب «١» ومعين لا يغيض «٢» وعلى مقدار كثرتهم في الأمة واسترشاد الناس بهم يكون رقيها وعزها.
كما أن في قلتهم وانقضاض الأفراد من حولهم أو ابتعادهم عن الناس يكون انحطاطها وتأخيرها. وانغمارها في جهالة جهلاء، وفشوا الأكاذيب والأضاليل فيها.
وبموت العالم يخبو مصباح يضيء ظلمات الحياة، ويثلم سيف كان للحق ماضيا، وينهدم ركن من أركان عظمة الأمة ومجدها، فإن لم يخلفه غيره بقي ذلك الجانب مهيضا «٣» . وظل ذلك الركن مظلما، واستولت من بعده على العقول الأوهام والخرافات، وثارت من مكامنها هوام الفتنة والزيغ «٤» ، وتصدر المجالس من ليس لها بأهل، وأفتي من ليس بينه وبين العلم نسب ولا صهر فأذاع الأساطير، وملأ الأفئدة والآذان بما ينبو عنه العلم الصحيح. ويجافي الحق والصواب ولا يزال سادرا في ظلماء الزيغ حتى يضل من حوله بضلاله ويعمي البصائر عن سواء السبيل.
فواجب على العلماء أن يذيعوا ما ائتمنهم الله عليه من مسائل العلوم وأبكار الفنون وأن ينشروا بين الناس نور الهدى ولا يستأثرون به دونهم، وعلى العامة أن يحرصوا على تفهم ما يحتاجون إليه في حياتهم حتى لا يصبحوا في بيداء لا هدى فيها ولا رشاد.
١١٨- باب: مضار الاختلاف وكثرة السؤال
عن أي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ قال: «دعوني ما تركتكم، فإنّما أهلك من كان قبلكم سؤالهم واختلافهم على أنبيائهم، فإذا نهيتكم عن شيء فاجتنبوه، وإذا أمرتكم بشيء فأتوا منه ما استطعتم» . [رواه البخاري ومسلم «٥» ] .
стр. 275
الشرح:
لهذا الحديث سبب.
روي أن رسول الله ﷺ خطب الناس فقال: «أيها الناس قد فرض الله عليكم الحج فحجوا» ، فقال رجل أكل عام يا رسول الله؟ فسكت حتى قالها ثلاثا؛ فقال رسول الله ﷺ : «لو قلت نعم لوجبت ولما استطعتم» ثم قال: «ذروني ما تركتكم» إلخ الحديث.
يعلم الرسول ﷺ المسلمين الاقتصار في السؤال على ما لا بد لهم منه، وعدم الإلحاح فيما لا فائدة فيه مخافة أن تقع الإجابة بأمر يستثقل فيؤدي لترك الامتثال فتقع المخالفة والمعصية فيكون العذاب؛ وهذا إذا لم يكن المقام مقام استفهام واسترشاد حيث يحمد السؤال ويذم السكوت، وربما تفضي كثرة السؤال إلى مثل ما وقع فيه بنو إسرائيل، إذ أمروا أن يذبحوا بقرة. فلو ذبحوا أي بقرة كانت لامتثلوا، ولكنهم شددوا فشدد عليهم.
ثم أرشدهم إلى أنه يجب عليهم أن يقفوا عند نواهي الرسول ﷺ ويجتنبوا كل ما حظر عليهم فعله فلا يسوغ لهم الإتيان بشيء منه.
وقد استدل بعض العلماء بعموم النهي في هذا الحديث على أن الإكراه أو الضرورة لا تبيح فعل المنهي عنه كالتداوي بمحرّم أو دفع العطش به.
وأن الشرع لم يكلفهم إلا بما يطيقونه، فلا يكلفهم بما فوق طاقتهم ولا بما يستحيل عليهم فعله، ويدخل في ذلك كثير من الأحكام، كالصلاة لمن عجز عن ركن منها أو شرط فيأتي بما في مقدوره، وكذا الوضوء وستر العورة وحفظ بعض الفاتحة.
وقد استدل بهذا الحديث على أن اعتناء الشرع بالمنهيات فوق اعتنائه بالمأمورات لأنه أطلق الاجتناب في المنهيات ولو مع مشقة الترك، وقيد في المأمورات بقدر الطاقة، وقد يقال إن النهي يقتضي الكف عن الشيء، وهذا مقدور لكل أحد ولا مشقة فيه، فلا يتصور عدم الاستطاعة، بخلاف الأمر فإنه يقتضي الفعل، وقد يعجز عن مباشرته كما هو مشاهد فلذا قيد الأمر بالاستطاعة دون النهي.
стр. 276
واستدل به على ذم كثرة السؤال والتعمق في المسائل إذا كان على وجه التعنت والتكلف، أما إذا كان على وجه التعلم والتعليم لما يحتاج إليه من أمر الدّين أو الدنيا فذلك جائز بل مأمور به لقوله تعالى: فَسْئَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ «١» .
أضف إلى هذا أن كثرة السؤال عما لا يعني مضيعة للوقت واشتغال بما هو عبث وداعية إلى الاختلاف والمجادلة بالباطل.
ومثل ذلك كثرة التفريع على مسائل لا أصل لها من الكتاب ولا السنة ولا الإجماع فيصرف فيها زمان كان صرفه في غيرها أولى.
ومن ذلك البحث عن أمور مغيبة ورد الشرع بالإيمان بها مع ترك البحث عن حقيقتها. وعما لم يثبت فيه دليل صحيح كالسؤال عن وقت الساعة وعن الروح، وعن مدة هذه الأمة إلى غير ذلك مما لا يعرف إلا بالنقل ويوقع التعمق فيه في الشك والحيرة؛ وقد روي أن النبي ﷺ قال: «لا يزال الناس يتسائلون حتى يقال هذا الله خلق الخلق فمن خلق الله» «٢» .
وضابط القول في ذلك.
أن المذموم من البحث والسؤال هو الإكثار فيما لا يأتي بفائدة: وتفريع المسائل وتوليدها لا سيما فيما يقل وقوعه أو يندر، وبخاصة إذا كان الحامل على ذلك المباهاة والمبالغة. وكذا إغلاق باب البحث والمناقشة حتى يفوت الإنسان كثير من الأحكام التي يحتاج إليها في حياته.
أما إمعان النظر والبحث في كتاب الله تعالى والمحافظة على ما جاء عن رسول الله ﷺ والصحابة الذين شاهدوا التنزيل وعرفوا السنة وما دلت عليه فإن ذلك محمود نافع مطلوب، وهو الذي كان عليه عمل الفقهاء من التابعين، أما من جاء بعدهم، فقد كثر بينهم الجدال والمراء «٣» وتولدت الشحناء والبغضاء، وهم أهل دين واحد حتى
стр. 277
صدق عليهم قول الرسول ﷺ في آخر الحديث «فإنما أهلك من كان قبلكم كثرة سؤالهم واختلافهم على أنبيائهم» .
١١٩- باب: فضل الصدقة والاستعفاف عن السؤال
عن حكيم بن حزام ﵁ عن النبي ﷺ قال: «اليد العليا خير من اليد السّفلى وابدأ بمن تعول» . [رواه البخاري ومسلم «١» ] .
اللغة:
اليد العليا: اليد المتصدقة المنفقة. اليد السفلى: اليد الآخذة تعول:
يكون في عيالك وتلزمك نفقته.
الشرح:
من أفضل نعم الله على عبده سعة الرزق وبسطة المال، وخير المال ما وقى به المرء نفسه ذل السؤال، وحفظ به ماء وجهه؛ فمن عرف لنفسه حقها، وبغي لها السعادة دأب وسعى في تحصيل ما يوفر كرامته ويغنيه عن سؤال الناس وجعل له يدا عندهم، ولم يجعل لأحد عليه فضلا، وأما من رضي بالهوان وقنع بالدوان، واستطاب الراحة والدعة لا يبالي أن يعرض أديم وجهه للامتهان ولا يؤلمه أن تستباح كرامته، وتراق على ما في أيدي الناس عزته وإباؤه.
فالرسول ﷺ يرغبنا في السعي لجلب الرزق من طرقه المشروعة وليكون لنا فضل التصدق على البؤساء والمعوزين ولا نكون ممن يمدون أيديهم لسؤال الناس ويقنعون بما يلقى إليهم من فتات الموائد، ويحثنا على الإنفاق في سبيل الخير مما أفاء الله علينا: وأن نبدأ بذوي القربى منا ومن تلزمنا نفقتهم حتى يكون ثواب الصدقة مضاعفا وأجرها عظيما.
١٢٠- باب: التحلل من المظالم في الدنيا
عن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: «من كانت عنده
стр. 278
مظلمة لأخيه فليتحلّله منها فإنّه ليس ثمّ دينار ولا درهم من قبل أن يؤخذ لأخيه من حسناته، فإن لم يكن له حسنات أخذ من سيّئات أخيه فطرحت عليه» .
[رواه البخاري «١» ] .
اللغة:
مظلمة: بكسر اللام مصدر ظلم كضرب: وهو الجور والإيذاء يتحلله منها: يستبرئه منها بإيفائه إياها أو إبرائه- ثم: في اليوم الآخر يؤخذ من حسناته: من ثوابها.
الشرح:
ما أجمل العدل وإيتاء كل ذي حق حقه، وما أحسن الوئام يجمع شمل المسلمين، ويقوي رابطتهم ويشد أواصر «٢» وحدتهم، وما أجدرهم أن يصدروا في أعمالهم عن حب يتبادلونه، وإخلاص يفيض عليهم هناءة وسعادة، وما أشقاهم إذا لبسوا ثياب النمور، واضطغنوا «٣» بالإحن والبغضاء واستشعروا الغل والضغن كل يبغي الشر لأخيه ويود لو التهم ما في يده وأودى بطارفه وتالده واستأثر دون الآخر بالخير ومرافق الحياة.
ماذا يرجو الظالم من ظلمه؟ وماذا يرتجي لعاقبته؟ وما الذي أعدّه يوم يقتص منه ويؤخذ للمظلوم بحقه، لئن غره إقبال الأيام وابتسام الدهر له فليحذر تقلباته فإنها شديدة قاسية؟ ولئن اعتز بقوة جسمه، وامتداد سلطانه فسيذوق لطغيانه وتجبره مرارة الصاب والعلقم «٤» .
يوم يفر المرء من أخيه وأمه وأبيه وصاحبته وبنيه، يوم يعض الظالم على يديه يقول يا ليتني اتخذت مع الرسول سبيلا، هنالك تنجاب «٥» عن العيون الغشاوة «٦» ويتفرق عن العاصي الأصحاب والأنصار، ولا يبقى إلا ما أسلف من خير أو شر.
стр. 279
ويؤخذ بيد العاصي فينصب على رؤوس الناس؛ وينادي مناد هذا فلان ابن فلان، فمن كان له حق فليأت، فيأتون.
فيقول الرب: آت هؤلاء حقوقهم، فيقول يا رب فنيت الدنيا فمن أين أوتيهم؟
فيقول للملائكة خذوا من أعماله الصالحة فأعطوا كل إنسان بقدر طلبته، وقد روي أن رسول الله ﷺ قال: «أتدرون من المفلس؟» ، قالوا: «المفلس فينا من لا درهم له ولا متاع» ، فقال: «إن المفلس من يأتي يوم القيامة بصلاة وصيام وزكاة وقد شتم هذا، وقذف هذا، وأكل ما لهذا، وسفك دم هذا، وضرب هذا؛ فيعطي هذا من حسناته وهذا من حسناته، فإن فنيت حسناته قبل أن يقضي ما عليه أخذ من خطاياهم فطرحت عليه ثم طرح في النار» . [رواه الإمام مسلم «١» ] .
١٢١- باب: في بطانة الخير وبطانة الشر
عن أبي سعيد الخدريّ ﵁ عن النبي ﷺ قال: «ما بعث الله من نبّي ولا استخلف من خليفة إلّا كانت له بطانتان! بطانة تأمره بالمعروف وتحضّه عليه؛ وبطانة تأمره بالشّرّ وتحضّه عليه فالمعصوم من عصم الله تعالى» . [رواه البخاري «٢» ] .
اللغة:
البطانة: خاصة الرجل، الذين يبطنون أمره ويخصهم بمزيد التقريب يسمى به الواحد والجمع. يقال: بطن فلان بفلان يبطن به بطونا وبطانة، إذا كان خاصا به داخلا في أمره تحضه عليه: ترّغبه فيه وتحببه إليه.
الشرح:
من ولي أمور الناس ومهامهم فقد تعرض لخطير العظائم، وحمل جسيمات الأمور، وصار مرهوب البطش مأمول النوال «٣» ، ومن شأن ذلك أن يترقب الناس أحواله. ويطرقون أبوابه، كل يبغي عنده الزلفى. ولهم في ذلك مارب شتى وهم في ذلك فريقان: فريق ناصح يبصره بمعايب الأمور ونقائص الأعمال، ويرشده
стр. 280
إلى مزالق الأقدام ومطارح الهلكة فيجنبه إياها، ويهديه السبيل الأقوم ويأخذ بيده إلى حيث السلامة والنجاة، فيكون الناصح الأمين، والصادق الوفي وإن أصابه في ذلك مكروه احتمله. وفريق يزين له كل ما صدر منه، ويموه أمام عينيه حقائق الأشياء فتبدو على صورة مستعارة، ويجعل كل ما يعمله أو يقوله كأنه إلهام أو وحي متلو لا يتطرق إليه الخطأ من ناحية من نواحيه.
كما يهون له ما يكون من خطل في رأيه، أو فساد إدارة حكمه، ويخفي الضرر الذي تبدو أعلامه في سبيله فلا يلبث حتى يرتطم في سوء عمله، وتشتبه عليه مصادره وموارده، ويرتبك «١» في سيئات ما صنع، فلا هو بمستطيع أن يتقدم فيزداد سوآ. ولا أن يتأخر إذا ضلت به السبل. ضم إلى ذلك تخلي الأوفياء المخلصين عنه، وانقضاضهم من حوله، فيعيا عليه الأمر ويعز «٢» الهدى والسداد.
والشواهد على ذلك كثيرة في كل عصر وأمة، وما أخذ المسلمون من جميع نواحيهم إلا بتقريبهم بطانة الشر ورجال السوء وتوليتهم شئونهم غير الأمناء الصادقين، وتشريدهم أولي الرأي والحزم، وإقصائهم»
الصالحين الأكفاء، وتصديقهم ما يوسوس به إليهم شياطين الإنس، من زخرف القول والغرور، حتى ظنوا في السراب، شرابا، وفي الجديب «٤» نضرة وريّا، فهلكوا وأهلكوا من تبعهم وتخطفتهم الأمم من كل جانب، وسامهم كل مفلس. وتكلم عنهم من لا يحسن لهم قولا، ولا يرعي لهم مصلحة ولا كرامة، وقديما كانت بطانة السوء وبالا على الأمراء والخلفاء والأمم، ونكالا «٥» على الصالحين أولي القدرة على كفاء الأمور وتصريف الشؤون.
أجل: إنه ينبغي للحاكم أن يتخذ له من يكشف أحوال الناس في السر.
ولكن يجب ألايعتمد إلا من كان مأمونا ثقة فطنا «٦» عاقلا، وأن يكون هو
стр. 281
حازما ناقدا متدبرا في أحوال أعوانه، لأن المصيبة إنما تدخل على الحاكم المأمون من قبوله قول من لا يوثق به، فمتى كان ذلك عصمة الله بمشيئته من الزلل، وأمنه العثرات.
هذا وقد يقال إن هذا التقسيم لا يمكن انطباقه على النبي ﷺ لأنه وإن جاز عقلا أن يكون فيمن يتودد إلى الرسول ﷺ ويكون من بطانته من هو من أهل الشر فلا يتصور منه أن يصغي إليه ويعمل بقوله لوجوب العصمة للرسول.
والجواب: أن في نهاية الحديث الإشارة إلى سلامة النبي ﷺ من ذلك وهي قوله: «فالمعصوم من عصمه الله تعالى» .
وفي معنى الحديث ما روي عن عائشة رضي الله تعالى عنها عن النبي ﷺ : «من ولي منكم عملا فأراد الله به خيرا جعل له وزيرا صالحا، إن نسي ذكره، وإن ذكر أعانه» .
١٢٢- باب: ثواب الخوف من الله وصدقة السر
عن أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ قال: «سبعة يظلّهم الله يوم القيامة في ظلّه يوم لا ظلّ إلّا ظلّه. إمام عادل، وشاب نشأ في عبادة الله، ورجل ذكر الله في خلوة ففاضت عيناه، ورجل قلبه معلّق في المساجد، ورجلان تحابّا في الله اجتمعا عليه وتفرّقا عليه، ورجل دعته امرأة ذات منصب وجمال إلى نفسها، فقال إنّي أخاف الله، ورجل تصدّق بصدقة فأخفاها، حتى لا تعلم شماله ما صنعت يمينه» . [رواه البخاري ومسلم «١» بترتيب وألفاظ مختلفة] .
الشرح:
يذكر الرسول ﵊ في هذا الحديث ما أعده الله لسبعة من عباده المؤمنين الذين صفت عقيدتهم وزكت نفوسهم وراقبوا الله في سرهم وعلانيتهم وصدروا في جميع أعمالهم عن رهبة منه وخوف وطمع، فهم يوم
стр. 282
القيامة في كنفه «١» وحياطته حيث لا ناصر لهم ولا معين.
أولهم: إمام نصّب ليرعى مصالح المسلمين
وينظر فيما يرقيهم ويرفع شأنهم، فسار بينهم بالقسطاس «٢» المستقيم، وانتصف للمظلوم من الظالم، ولم يخش ضعيف من جوره، ولم يطمع قوي في جاهه وسلطانه، قد أخذ الناس بالحزم على الجادة، ومهد لهم سبل إقامة الدّين، ومعرفة حدوده في غير إفراط ولا تفريط فأمن الناس في غدوهم ورواحهم على أنفسهم وأموالهم.
وفي الحق أن العدل دعامة الملك، ووسيلة التقدم والعمران، وسير الأمم في سبيل الرقي بخطوات واسعة في جميع مرافق حياتها ووسائل نهضتها وسعادتها.
ويدخل في ذلك أيضا كل من ولي شيئا من أمور المسلمين فعدل فيه.
وثانيهم: [شاب ملازم لعبادة الله ]
شاب امتلأ فتوة ونشاطا، واكتمل قوة ونموا، لازم عبادة الله وراقب في سره وجهره مولاه، لم تغلبه الشهوة. ولم تخضعه لطاعتها دوافع الهوى والطيش «٣» .
وثالثهم: رجل خلا إلى نفسه فذكر عظمة ربه
وقوة سلطانه، ورحمته على عباده وجزيل إحسانه، فاغرورقت عيناه بالدموع وفاضتا طمعا في ثوابه وغفرانه، ورهبة من عذابه وأليم عقابه، لم يفعل ذلك رياء وخديعة على ملأ من الناس ومشهد منهم، مما يدل على صدق تأثره وعمق رهبته.
ورابعهم: من حبب إليه المساجد
فيظل متعلقا بها يسرع إليها إذا حان وقت الصلاة ويحافظ على أوقاتها، وليس المراد حب الجدران ولكن حب العبادة والتضرع إلى الله فيها وهذا يستلزم تجافيه عن حب الدنيا واشتغاله بها وهي رأس كل خطيئة.
والمساجد بيوت الله ومجتمع المسلمين ومناط وحدتهم، والتأم كلمتهم، شرعت فيها الجماعات في الجمع والأعياد لما في ذلك من حكم جمة وفوائد لا تحصى.
стр. 283
وخامسهم: رجلان تمكنت بينهما أواصر المحبة الصادقة
. والصداقة المتينة، الخالصة لله من شوائب النفاق وابتغاء النفع، لا يؤثر فيها غني ولا فقر ولا تزيدها الأيام إلا وثوقا وإحكاما. سرهما في طاعة الله، وجهرهما في مرضاته لا يتناجيان في معصية ولا يسران منكرا. ولا تسعى أقدامهما إلى فسق أو فجور، تجمعهما رابطة الدّين وحبه. وتفرقهما الغيرة على الدّين والذياد «١» عن حرمته، لا لعرض زائل أو متاع من الدنيا قليل.
وسادسهم: [رجل دعته إلى منكر امرأة ذات مال وجمال فأعرض عنها من خشية الله تعالى]
رجل دعته إلى منكر امرأة اجتمعت لديها كل دواعي الغي والعصيان من جمال رائع، وحسب ومال يغري ذوي النفوس المريضة والإيمان الضعيف.
ويهيب بأولي السهوات «٢» الجامحة «٣» .
وقلّ من يجتمع فيها ذلك من النساء فسرعان ما تلبي النداء وترعى في خضراء الدمن «٤» ، ولكن هذا الرجل صدها عن غيها وزجرها عما تبغيه منه؛ وذكرّها بقوة الله وشدة بطشه وأنه منه جد خائف لا يقوى على عصيانه ولا يطيق عذاب نيرانه.
وهذا إنما يصدر عن شدة خوف من الله تعالى ومتين تقوى وحياء.
وسابعهم: رجل ينفق في سبيل الله لا يبتغي من الناس جزاء ولا شكورا
فهو من المراآة بعيد، وعن الزلفى «٥» والمخادعة للناس ناء «٦» ، يكاد لإخفائه الصدقة ألا تعلم شماله ما تنفق يمينه، فأين نحن من مثل هذا؟
ترى الواحد إذا حدثته نفسه بعمل بر زفت أمامه البشائر ودقت حوله الطبول، ويأبى إلا أن يقرن اسمه بألقاب التعظيم والتبجيل، وينعت بنعوت الإحسان والبر ما ينوء بها عمله ولا يقوى على حملها ما اعتزمه؛ حتى إذا أتى وقت العمل، وإبراز ما نواه إلى عالم الظهور، خارت تلك العزيمة وتضاءلت هذه الهمة ونسي ما كان منه في
стр. 284
سالف الزمان؛ حتى يصير في خبر كان. ولذا محقت البركة من الأموال وسلطت عليها الأرزاء والأدواء وصارت منبع آلام وشقاء، بدل أن تكون سبيل سعادة وهناءة.
فكل واحد من هؤلاء السبعة في الذروة من التقوى والصلاح والمنزلة العليا من منازل الأبرار والمتقين؛ فلا غرو أن كلأهم الله بحفظه وحاطهم بحياطته؛ ومن كان في كنف الله لم ترهقه النوائب ولم ترق إليه الخطوب والأهوال «١» .
١٢٣- باب: جزاء الانتحار وقتل النفس
عن أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ قال: «من تردّى من جبل فقتل نفسه فهو في نار جهنّم يتردّى فيه خالدا مخلّدا فيها أبدا، ومن تحسّى سمّا فقتل نفسه، فسمّه في يده يتحسّاه في نار جهنم خالدا مخلّدا فيها أبدا، ومن قتل نفسه بحديدة، فحديدته في يده يجأ بها في بطنه في نار جهنم خالدا مخلّدا فيها أبدا» . [رواه البخاري «٢» ] .
اللغة:
تردى: سقط، والمراد أسقط نفسه- خالدا مخلدا: يطول مقامه ويدوم عذابه. تحسى: تجرع وشرب. يجأ: يطعن.
الشرح:
إن الصبر على المكاره من علامات قوة العزيمة، والجزع واليأس من صفات أهل الضعف والخور، فالعاقل من رضي بالعيش حلوه ومره وقابل الشدائد بعزيمة ثابتة وجنان «٣» قوي، علما بأن الأمور بيد الله، وأن العسر يعقبه اليسر، والضيق يأتي بعده الفرج، والفقر يزول بالغنى؛ لا دوام لحال ولا استمرار.
فمن حدّثته نفسه بالانتحار لضيق معيشته، أو مرض طالت مدته؛ أو إخفاق في امتحان، أو ضياع مال، أو فقد حبيب فيسعى للتخلص من الحياة بأن يلقي نفسه من
стр. 285
جبل، أو يتناول سمّا، أو يبقر بطنه بمدية «١» أو خنجر؛ أو يطلق على رأسه الرصاص، أو يرمي بنفسه تحت قطار فلا يظن أنه بذلك قد نجا وتخلص من العذاب بل تعرض لعذاب طويل الأمد، شديد الألم بما قتل به نفسه في الدنيا، فلا هو أبقى على حياته ولا هو بالناجي يوم القيامة من عذاب الله.
فالحازم المفكر، والبصير المتدبر لا يستسلم لليأس؛ ولا يقنط من رحمة الله ولا يلجأ إلى مثل هذه النقائص، بل يثابر ويصبر ويكل إلى الله تصريف الأمور فالمريض يشفي.
ومن رسب في الامتحان هذا العام فقد ينجح في العام القابل، ومن نزلت به كارثة في صحته أو ماله فإن الله قادر على أن يزيلها ويعوضه خيرا منها.
١٢٤- باب: النهي عن سب الدهر
عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «قال الله تعالى:
يسبّ بنو آدم الدّهر وأنا الدّهر بيدي اللّيل والنّهار» . [رواه البخاري] «٢» .
الشرح:
تنزل بالمرء حوادث، وتحل به كوارث. وتجري تصاريف القدر على غير ما يرغب؛ فيشتد همه؛ وتصبح الدنيا في وجهه أضيق من كفة الحابل «٣» فيسخط ويتبرم ويضطرب حتى يخرج عن جادة العقلاء، ويحيد عن سبيل الحازمين الحكماء، كأنما أخذ على الأيام عهدا ألا تجري ريحها له إلا رخاء حيث أصاب، وعقد بينه وبينها ميثاقا، أن تكون على ما يهوى في جميع الأوقات والأزمان.
فإذا لم تكن على ما يشتهي، وسب الزمان وتصاريفه. ولعن الأيام وما أحدثت وما درى أن الأيام مسخرة ممن بيده تقليب الليل والنهار وأنها تسير بقدر معلوم ليس له فيه اختيار.