← Сира

Сира · id 9764

إذهاب الحزن وشفاء الصدر السقيم

عبد السلام مقبل المجيدي

Полный текст (569 стр.). Показаны 106–145 · переход к 111.

стр. 106

ربك؟ قال: «نعم» قال: فقرأ علي فقال أبي قُلْ بِفَضْلِ اللَّهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذلِكَ فَلْيَفْرَحُوا هُوَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ (يونس: ٥٨) «١» قرأها بالتاء (فلتفرحوا) .. «٢» .، وهذه الأمثلة تدل على عدم خروج قراءة أبي عن المتناقل من القراات ... ومن احتج ببعض ما ذكر عنه من قراات مخالفة يقال له عمدتنا: هو التلقي الذي جعله أبي عمدته أيضا، ومنهج إثبات قرانية أو قرائية قراءة غير منهج إثبات حديث، على أن أبيا لم يثبت عنه حديثيا إلا ما وافق القراات المتناقلة، أو ما كان تفسيرا ظاهرا وقد ينسبه إلى القران تجوزا على أنه المراد من الاية، أو لأنه سمع فيه شيئا عن رسول الله ﷺ . منهجية إثبات القراات غير منهجية إثبات الأحاديث: وبما أن التلقي هو السبيل لإثبات القراءة فإن ما ثبت حديثيا على غير ما ثبت قرائيا- حال وجوده- لا يعول عليه في النسبة إلى القراء فقد تثبت اية قرائيا على غير ما وردت حديثيا كالذي روي عن نافع بن أبي نعيم- رحمه الله تعالى-: فَرِهانٌ مَقْبُوضَةٌ (البقرة: ٢٨٣) ، قرأها (فرهن) ، ثم قال نافع: أقرأني خارجة بن زيد بن ثابت وقال: أقرأني زيد بن ثابت، وقال: أقرأني رسول الله ﷺ فَرِهانٌ مَقْبُوضَةٌ بغير ألف «٣» ، فإن الثابت عن نافع قرائيا فرهان «٤» وهو اختياره فلا يقرأ بالاخرى لعدم التلقي، وأما توجيه الرواية فلها محامل: إما الصحة سندا

стр. 107

ومتنا ولكن نافعا قرأ بالأمرين وبقي المتناقل عنه أحدهما، وإما بأن نافعا أراد إثبات صحة هذه القراءة ولكن لم يقرئ بها، وإما بالغلط في متن الرواية الحديثية. كما أن التلقي هو المرجعية لتصويب كل قراءة: تسلسل المنهجية: قال ابن مسعود ﵁: «فاقرأوا كما علمتم» «١» ، وقد كان الصحابة ﵃ يعلمون الناس القران بذلك، كما قال أنس ﵁: بعثني الأشعري إلى عمر ﵁ فقال لي: كيف تركت الأشعري؟ قلت: تركته يعلم الناس القران، فقال: أما إنه كيس ولا تسمعها إياه «٢» ... فكيف كان تعليمه القران للناس؟ كان تلقيا وتلقينا، فقد قال بعض تلاميذه واصفا هيئة تعليمه ﵁: كان أبو موسى ﵁ إذا صلّى الصبح استقبل الصفوف رجلا رجلا يقرئهم.. «٣» .. الحرص على التلقي من النبي ﷺ ، أو ممن تلقاه عنه: وكان الصحابة ﵃ يأمرون غيرهم بأخذ القران عمن تلقاه مباشرة من النبي ﷺ طلبا للإسناد العالي، وتثبتا في الحفظ فعن معدي كرب قال: أتينا عبد الله فسألناه أن يقرأ علينا طسم المائتين فقال: ما هي معي ولكن عليكم من أخذها من رسول الله ﷺ خبّاب بن الأرتّ قال: فأتينا خبّاب ابن الأرتّ فقرأها علينا «٤» ... وهل كان هذا في حياته ﷺ أو بعد مماته؟ احتمالان، وهل مراد ابن مسعود ﵁ أنه لا يحفظ السورة أو أنه لم يتلقها مباشرة من النبي ﷺ ؟ ... المسألة محتملة، والثاني أرجح لأن سورة الشعراء مكية، وعن عقبة بن عامر قال:

стр. 108

كنت أقود برسول الله ﷺ ناقته في السفر فقال لي: «يا عقبة ألا أعلمك خير سورتين قرئتا فعلمني قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَقِ (الفلق: ١) وقُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ (الناس: ١) قال: فلم يرني سررت بهما جدا، فلما نزل لصلاة الصبح صلّى بهما صلاة الصبح للناس، فلما فرغ رسول الله ﷺ من الصلاة التفت إلي فقال: «يا عقبة كيف رأيت» «١» ، وهذا من أقوى أنواع التلقي، وطلب العلو في الإسناد. ولضرورة التلقي فقد انتشرت الحلق القرانية التي يحييها أئمة الإقراء: ويتلقن فيها الناس ألفاظ القران الكريم: فصار لأبي حلقة، ولزيد بن ثابت أخرى، ولابن مسعود ثالثة ... كما قال زيد بن أرقم ﵁: جاء رجل إلى رسول الله ﷺ فقال: أقرأني عبد الله بن مسعود سورة وأقرأنيها زيد وأقرأنيها أبي ... تكرار عرض القران: ولأن عرض القران على الشيخ يمثل أسلوبا من أساليب التلقي؛ فقد تعلم الصحابة ﵃ من تكرار عرض النبي ﷺ القران على جبريل ﵇ في رمضان «٢» ، تكرار عرض أصحابهم القران عليهم، وتسلسلت بذلك منهجية تكرار العرض، ومن أمثلته في أئمة الإقراء: ما رواه عاصم بن بهدلة وعطاء بن السائب ومحمد بن أبي أيوب وعبد الله بن عيسى أنهم قرؤوا على أبي عبد الرحمن السلمي وذكروا أنه أخبرهم أنه قرأ على عثمان عامة القران، وكان يسأله عن القران فيقول: إنك تشغلني عن أمر الناس فعليك بزيد بن ثابت فإنه يجلس للناس ويتفرغ لهم، ولست أخالفه في شيء من القران، وكنت ألقى عليا

стр. 109

فأسأله: فيخبرني، ويقول: عليك بزيد فأقبلت على زيد فقرأت عليه القران ثلاث عشرة مرة «١» . وفي تكرار العرض تأكيد بليغ على: دقة المحافظة على النص القراني، ومقدار إتقان القراءة من القراء. تعليمه ﷺ طرق تحمل القران الكريم: وفيما سبق ذكره يتضح لنا أن النبي ﷺ علمهم طرق تحمل القران الكريم عنه ﷺ «٢» ، وأنهما طريقان لا غير: السماع من لفظ الشيخ أو السماع عليه بقراءة غيره، والعرض (القراءة) عليه، وعد أهل العلم من حكم قراءة النبي ﷺ على أبي أن يسنّ «عرض القران على حفاظه البارعين فيه المجيدين لأدائه، وليسن التواضع في أخذ الانسان القران وغيره من العلوم الشرعية من أهلها وإن كانوا دونه في النسب والدين والفضيلة والمرتبة والشهرة وغير ذلك» «٣» . ... وما بقي من الطرق المعروفة عند المحدثين من مناولة وإجازة (بالمعنى الحديثي) ... ونحوها «٤» . «فلا مكان لها في تحمل القران الكريم» «٥» ، كما قال الناظم:

стр. 110

ولا يجوز أخذها من الكتب ... كما به قد صرحوا، بل يجب عليك أن تعرفها ممن يريك ... كيفية النطق بها فاه لفيك «١» إلا أن الإجازة قد توجد بشرط أن تكون تابعة لهاتين الطريقتين بمعنى أنه تم سماع الطالب أو عرضه على شيخ اخر ثم أجيز بعد أن اختبره المجيز، ... أما المناولة ونحوها فلا مكان لها لأمرين أساسين يختلف في علوم القراءة عن علوم الحديث هما: ١- أن علوم القراءة لا تختلف إلا اختلافا محدودا في هيئة أداء اللفظ الداخلية غالبا أما الأحاديث فقد يوجد في هذا الكتاب ما لا يوجد عند ذاك من متن الحديث أو سنده ... ٢- ولأن المقصود هنا كيفية الأداء وليس كل من سمع من لفظ الشيخ يقدر على الأداء كهيئته بخلاف الحديث فإن المقصود فيه المعنى أو اللفظ لا بالهيئات المعتبرة في أداء القران، وأما الصحابة فكانت فصاحتهم وطباعهم السليمة تقتضي قدرتهم على الأداء كما سمعوه من النبي ﷺ لأنه نزل بلغتهم، دون حاجة كبيرة إلى العرض والمران على قواعد التجويد التي تمثل ظواهر لغوية، ويحكى أن الشيخ شمس الدين بن الجزري لما قدم القاهرة وازدحمت عليه الخلق لم يتسع وقته لقراءة الجميع فكان يقرأ عليهم الاية ثم يعيدونها عليه دفعة واحدة فلم يكتف بقراءته. ولكن المستعمل عند القراء سلفا وخلفا هو العرض بالقراءة على الشيخ وأما السماع من لفظ الشيخ فيحتمل أن يقال به هنا لأن الصحابة ﵃ إنما أخذوا القران من النبي ﷺ لكن لم يأخذ به أحد من القراء، وقد يمنع منه؛ إذ ظن أنه لن يؤدي الغرض.

стр. 111

ومما يتنبه له: أنه تجوز القراءة على الشيخ ولو كان غيره يقرأ عليه في تلك الحالة إذا كان بحيث لا يخفى عليه حالهم وقد كان الشيخ علم الدين السخاوي يقرأ عليه اثنان وثلاثة في أماكن مختلفة ويرد على كل منهم، وكذا لو كان الشيخ مشتغلا بشغل اخر كنسخ ومطالعة، وأما القراءة من الحفظ فالظاهر أنها ليست بشرط بل يكفي ولو من المصحف. المطلب الثالث: العرضة الأخيرة: حقيقتها وإثبات وجودها: العرضة من العرض، وهي مأخوذة من معارضة النبي ﷺ القران على جبريل ﵇ ومعارضة النبي ﷺ القران على أصحابه، والمعارضة هنا مفاعلة؛ لأنها ثبتت في حديث المعارضة «١» ... وقد أشار النبي ﷺ إلى اخر معارضة له مع جبريل ﵇ بقوله: «أن جبريل ﵇ كان يعارضني بالقران كل سنة مرة، وإنه قد عارضني به العام مرتين ... » «٢» . وعن أبي هريرة ﵁ قال: كان يعرض على النبي ﷺ القران كل عام مرة فعرض عليه مرتين في العام الذي قبض فيه، وكان يعتكف كل عام عشرا فاعتكف عشرين في العام الذي قبض فيه «٣» . الهدف العام من معارضته ﷺ له ﵇ بالقران كل سنة: لتتم مقابلة ما حفظه ﷺ على ما أوحاه إليه جبريل ﵇ عن الله ليبقى ما بقي، ويذهب ما نسخ توكيدا واستثباتا وحفظا، ومراجعة للمحفوظ، ولتكون سنة رمضانية في الاتصال بالقران الكريم من جميع الأمة.

стр. 112

وبعد أن علمنا أن جبريل ﵇ كان يعارض النبي ﷺ القران في ليل رمضان، وكان النبي ﷺ يعارض أصحابه ﵃ وأئمة الإقراء منهم خاصة ما كان يعارضه جبريل ﵇ في وقت اخر ... فهو ﷺ مأمور بتبليغ الرسالة، وكيف يبلغها ولم يعلمهم ويتثبت من حفظهم؟ ومما يدل على إثبات هذه العرضة على أصحابه ﵃ ما جاء عن سمرة ﵁ قال: عرض القران على رسول الله ﷺ عرضات فيقولون: إن قراءتنا هذه هي العرضة الأخيرة «١» ، ويدل له ما سيأتي من إثبات شهود ابن مسعود للعرضة الأخيرة، فهم كانوا يعارضون القران على النبي ﷺ ، وبذا تم التيقن من ثبوت كامل القران كتابة وحفظا عند أئمة الإقراء. وأما معنى قول الزهري: أخبرني أنس بن مالك ﵁ أن الله تابع الوحي على رسوله ﷺ قبل وفاته حتى توفاه أكثر ما كان الوحي، ثم توفي رسول الله ﷺ بعد. هذا لفظ البخاري؛ ولمسلم: إن الله تابع الوحي على رسول الله ﷺ قبل وفاته حتى توفي، وأكثر ما كان الوحي يوم توفي رسول الله ﷺ «٢» ، فقال فيه أبو شامة: «يعني عام وفاته أو حين وفاته، يريد أيام مرضه كلها، كما يقال: يوم الجمل ويوم صفين، وكانت أياما» «٣» ، والظاهر عند الباحث أن المراد من كلام أنس ﵁ أن النبي ﷺ ما توفي حتى اكتمل الوحي، ولذا نزل كثير منه في الفترة التي سبقت وفاته، وقد تمتد لتكون أكثر من سنة، وعرض ذلك في رمضان إلا ايات قلائل محصورة هي التي قيل إنها اخر ما نزل من القران، فليس ما ذكره خارجا عن العرضة.

стр. 113

ولكن لم يكن يشهد العرضة كل الناس، للاكتفاء بوجوب تبليغ بعضهم البعض: فقد قالت عائشة- رضي الله تعالى عنها-: كان فيما أنزل من القران عشر رضعات معلومات يحرمن ثم نسخن بخمس معلومات فتوفي رسول الله ﷺ وهن فيما يقرأ من القران «١» فقولها (وهن فيما يقرأ) «أي يقرؤها بعض الناس لكونهم لم يبلغهم النسخ الواقع في العرضة الأخيرة لقرب عهداهم فلما بلغهم رجعوا وأجمعوا على أنه لا يتلى» «٢» وهذا ما قرره بعض العلماء، وللفظ عائشة تقرير اخر عند الباحث- ربما كان أكثر وجاهة- هو أن يكون معنى قولها هذا على سبيل التأكيد البالغ على التحريم بالرضاع بهذا العدد دون نسخه، ولكن ذلك من قول الرسول ﷺ وليس من قول الله ﷻ ، وأرادت التأكيد على الالتزام فعزته إلى القران- وهذا من خواص لغة الصحابة- كما قال ابن مسعود ﵁: «لعن الله الواشمات، والمستوشمات، والنامصات، والمتنمصات، والمتفلجات للحسن المغيرات خلق الله» قال: فبلغ ذلك امرأة من بني أسد يقال لها أم يعقوب وكانت تقرأ القران فأتته فقالت: ما حديث بلغني عنك أنك لعنت الواشمات والمستوشمات والمتنمصات والمتفلجات للحسن المغيرات خلق الله فقال عبد الله: وما لي لا ألعن من لعن رسول الله ﷺ وهو في كتاب الله؟ فقالت المرأة: لقد قرأت ما بين لوحي المصحف فما وجدته. فقال: لئن كنت قرأتيه لقد وجدتيه قال الله : وَما آتاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَما نَهاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا (الحشر: ٧) .. «٣» . ومن هذا الباب أيضا إطلاق لفظ اية أو نسبته إلى الله لزيادة التأكيد على ثبوته

стр. 114

بسنة النبي ﷺ «١» حتى يظن بعضهم أنها من القران نحو ما جاء عن عبد الله بن عباس ﵄ قال: قال: عمر بن الخطاب وهو جالس على منبر رسول الله ﷺ : إن الله قد بعث محمدا ﷺ بالحق وأنزل عليه الكتاب، فكان مما أنزل عليه اية الرجم قرأناها، ووعيناها وعقلناها، فرجم رسول الله ﷺ ورجمنا بعده، فأخشى إن طال بالناس زمان أن يقول قائل: ما نجد الرجم في كتاب الله فيضلوا بترك فريضة أنزلها الله، وإن الرجم في كتاب الله حق على من زنى إذا أحصن من الرجال والنساء إذا قامت البينة أو كان الحبل أو الاعتراف «٢» وينظر التعبير الوارد في اخر الحديث (فريضة أنزلها الله) ، وقوله (الرجم في كتاب الله حق) ... كقول ابن مسعود المتقدم. وتناقل التابعون نبأ وجود هذه العرضة: فعن ابن سيرين قال: كان جبريل ﵇ يعارض النبي ﷺ في كل شهر رمضان فلما كان العام الذي قبض فيه عارضه مرتين. قال ابن سيرين: فيرجى أن تكون قراءتنا هذه على العرضة الأخيرة «٣» ، واستنبط بعضهم من كتابة عثمان للمصاحف أنها إنما تمت وفق العرضة الأخيرة فعن ابن سيرين قال: جمع عثمان اثني عشر رجلا من قريش والأنصار منهم أبى بن كعب، وأرسل إلى الربعة «٤»

стр. 115

التي في بيت عمر، قال فحدثني كثير بن أفلح- وكان ممن يكتب- قال فكانوا: إذا اختلفوا في الشيء أخروه قال ابن سيرين: «أظنه ليكتبوه على العرضة الأخيرة» «١» . الجمع بين كتابة زيد للمصاحف في عهد عثمان وشهود ابن مسعود للعرضة: والنصوص التي بين أيدينا تدل على شهود ابن مسعود للعرضة الأخيرة، وأنه تعلم من النبي ﷺ القران بعد أن عرضه على جبريل ﵇، ويدل لذلك ما رواه أبو ظبيان قال: قال لنا ابن عباس: أي القراءتين تقرؤون؟ قلنا قراءة عبد الله قال: إن رسول الله ﷺ كان يعرض عليه القران في كل عام مرة وإنه عرض عليه العام الذي قبض فيه مرتين فشهد عبد الله ما نسخ «٢» ، وفي لفظ عنه: قال ابن عباس: أي القراءتين تعدون القراءة الأولى؟ قالوا: قراءة عبد الله. قال: قراءتكم القراءة الأولى وقراءة عبد الله القراءة الاخرة! إن رسول الله ﷺ كان يعرض عليه القران كل رمضان عرضة، فلما كان العام الذي قبض فيه عرض عليه عرضتان فشهده عبد الله، وشهد ما نسخ منه وما بدل «فقراءة عبد الله الاخرة» «٣» ، وورد عن زر بن حبيش الأسدي «٤» ، وورد عن مجاهد «٥» ، وقد بين في بعض ألفاظ هذا الحديث ماذا يعنون بالقراءة الاخرة، وأنها قراءة زيد فعن ابن عباس قال: أي

стр. 116

القراءتين ترون كان اخر القراءة؟ قالوا: قراءة زيد. قال: لا! إن رسول الله ﷺ كان يعرض القران كل سنة على جبريل ﵇ فلما كانت السنة التي قبض فيها عرضه عليه عرضتين فكانت قراءة ابن مسعود اخرهن «١» وقال: إنه لاخر حرف عرض به النبي ﷺ على جبريل ﵇ «٢» . ومما تقدم من الروايات يظهر لنا أن ابن مسعود شهد العرضة الأخيرة بإثبات ابن عباس، وإثباته هو ﵁، فقد ورد صريحا عنه ﵁ فقد قال ﵁ متحدثا عن أخر عام عرض فيه النبي ﷺ القران على جبريل ﵇، وكان عرضه عرضتين-: فقرأت القران من في رسول الله ﷺ ذلك العام، والله لو أني أعلم أن أحدا أعلم بكتاب الله مني تبلغينه الإبل لركبت إليه والله ما أعلمه «٣» . وتدل الروايات السابقة على أن عبد الله بن مسعود شهد العرضة الأخيرة، وهذا يدل على سماعه ما هو أكثر من اثنتين وسبعين سورة من النبي ﷺ ، وذلك لأن النازل من سور القران الكريم حتى العرضة الأخيرة كان أكثر من ذلك قطعا، وإنما أثبت لنفسه هذه السور من فم النبي ﷺ لأن الظاهر من ذلك أنه تلقنها بمفرده مباشرة من النبي ﷺ ، ولذا جاء في رواية عنه: «فلقد أخذت من فيه ﷺ سبعين سورة ما نازعني فيها بشر» «٤» وأما العرضة فهي عامة، والظاهر من العرضة على الناس إنها سماع منهم للنبي ﷺ لا عرض، وقد ذكر أنه أتم الباقي على علي بن أبي طالب، فعنه ﵁ قال: قرأت على رسول الله ﷺ سبعين

стр. 117

سورة وختمت القران على خير الناس علي بن أبي طالب «١» ... وفي كل الأحوال فزعم عدم ختمه قبل وفاة النبي ﷺ لا يرقى إلى مستوى الرأي المطروح مع هذه القرائن الدالة على إتمامه المصحف، وسماعه كل ما نزل على النبي ﷺ إلى اخر رمضان قبل وفاة النبي ﷺ على الأقل، وهذا الزعم لو صح لكان كافيا للرد على ابن مسعود في تقديم زيد عليه، وماذا يقول من ينفي ختم ابن مسعود في حياة النبي ﷺ بحديث: «خذوا القران من أربعة من بن أم عبد فبدأ به ومعاذ بن جبل وأبي بن كعب وسالم مولى أبي حذيفة» «٢» ؟ فقرنه ﷺ بكبار أئمة الإقراء، بل بسيد سادات القراء وهو أبي بن كعب، وقدمه عليهم. وقد قرر مكي بن أبي طالب ذلك بما يشبه هذا- ضمن احتمالات وضعها-: «وأما ابن مسعود فإنه قال: قرأت من لسان رسول الله ﷺ سبعين سورة، وقد كنت أعلم أنه يعرض عليه القران في كل رمضان حتى كان عام قبض، فعرض عليه القران مرتين، قال: فكان إذا فرغ النبي ﷺ أقرأ عليه فيخبرني أني محسن، فأما ما بقي عليه فيجوز أن يكون سمعه من النبي ﷺ فيقوم سماعه منه مقام قراءته عليه من القران ... » «٣» ، وأما الاحتمالات الاخرى التي ذكرها مكي فيردها ما سبق. وما ورد مما ينافي حفظ ابن مسعود لبعض السور فضعيف، ويظهر منه أن تصوره كاف في إبطاله.. «٤» ..

стр. 118

إثبات حفظ ابن مسعود للقران الكريم في حياة النبي ﷺ : فثبت- بما سبق- إكمال ابن مسعود ﵁ القران على عهد النبي ﷺ ، والقائل بأن ابن مسعود لم يكمل القران أراد تبرير تقديم أبي بكر وعمر وعثمان لزيد، ولكن لا ينبغي أن يؤتى بمبرر خاطئ ينفي حقيقة حفظ ابن مسعود ﵁ وجلالته في علم القران وعلم القراءة: فأما ملازمة زيد للنبي ف فهي للكتابة أما الملازمة بغير ذلك فما أكثر ما لازمه ابن مسعود ﵁ حتى كان يلقب ب «صاحب النعلين والطهور والوساد، والسواد وهو السرار» «١» ، وحتى كان أشبه الناس هديا برسول الله ﷺ فعن عبد الرحمن بن يزيد قال: سألنا حذيفة عن رجل قريب السمت والهدي من النبي ﷺ فقال: ما أعرف أحدا أقرب سمتا وهديا ودلا بالنبي ﷺ من ابن أم عبد «٢» ، ومن شدة ملازمته ﵁ ظنّ الناس أنه من ال رسول الله ﷺ فعن أبي موسى الأشعري ﵁ قال: قدمت أنا وأخي من اليمن فمكثنا حينا ما نرى إلا أن عبد الله بن مسعود رجل من أهل بيت النبي ﷺ لما نرى من دخوله ودخول أمه على النبي ﷺ «٣» ، بل روى علي ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «لو كنت مستخلفا أحدا عن غير مشورة لاستخلفت ابن أم عبد» «٤» . ومن الثناء البديع على ابن مسعود ﵁ مما يمثل مؤهلا كبيرا له لنسخ المصاحف: أن النبي ﷺ قال: «رضيت لأمتي ما رضي لها ابن أم عبد، وكرهت

стр. 119

لأمتي ما كره لها ابن أم عبد» «١» فقد رضي لها النبي ﷺ ما يرضاه ابن أم عبد في عامة أمورها، وأما في خصوص الإقراء فتقدم حديث: «خذوا القران من أربعة من بن أم عبد فبدأ به ... » . ومضت منزلة ابن مسعود رفعة وقوة في حياة الأمة فروى حذيفة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «اقتدوا بالذين من بعدي أبي بكر وعمر ﵄ واهتدوا بهدي عمار بن ياسر وتمسكوا بعهد ابن أم عبد» «٢» ، وشهادة حذيفة كافية في هذا الباب؛ إذ يقول: «لقد علم المحظوظون من أصحاب محمد ﷺ أن ابن أم عبد من أقربهم إلى الله وسيلة» «٣» . ومنزلة ابن أم عبد في القراءة هي منزلته حتى فاق في نظر بعض العلماء منزلة أبي كما قال بعض أهل العلم: «فإن قيل فهل لأحد من الصحابة من الرتبة في القران مثل ما لأبي منها؟ قلنا: لعبد الله بن مسعود زيادة على ما وجدناه لأبي ... » «٤» ، وشهد الصحابة له بذلك فقد اجتمع بعض أصحاب رسول الله ﷺ في دار أبي موسى ﵁ وهم ينظرون في مصحف فقام عبد الله، فقال أبو مسعود: ما أعلم رسول الله ﷺ ترك بعده أحدا أعلم بما أنزل الله من هذا القائم، فقال أبو موسى: أما لأن قلت ذاك لقد كان يشهد إذا غبنا ويؤذن له إذا حجبنا «٥» ... فماذا بعد هذه المؤهلات العظيمة من أدلة تدل على تمام حفظ ابن

стр. 120

مسعود وقوة أهليته في علم القران؟ ولذا كان يملي المصاحف في عهد عمر من حفظه بإقرار عمر ﵁ ورضاه. وأما رواية من روى عن ابن مسعود أنه سئل عن طسم فقال: «لا أحفظها سل خبابا عنها» «١» فدليل على ما قرره البحث؛ إذ ليس هكذا لفظها بل لفظها ما جاء عن معديكرب قال أتينا عبد الله فسألناه أن يقرأ علينا طسم المائتين فقال: ما هي معي ولكن عليكم بمن أخذها من رسول الله ﷺ خبّاب بن الأرتّ قال: «فأتينا خبّاب بن الأرتّ فقرأها علينا» «٢» ، فترك إقراءها لا لعدم حفظه، بل لعدم تلقيها مباشرة من الرسول ﷺ ، وأشار عليهم بالإسناد العالي. وأما قول النبي ﷺ في عبد الله بن مسعود: «من أحب أن يقرأ القران غضا كما أنزل فليقرأه على رواية ابن أم عبد» «٣» «فمؤهل ظاهر له في علم القران ... ولا شك أن التحقيق العلمي يثير علامة استغراب حول ما تأوله بعضهم في معناه، وأن عبد الله بن مسعود كان يرتل القران فحض النبي ﷺ على ترتيل مثل ترتيله لا غير» «٤» ، فهذه المنقبة مالها استحالت مثلبة؟ وفي هذا التأويل نظر أيضا- إن اكتفي به-، بل مراده جودة الأداء، وإتقان الحفظ ... ، وهذا الذي فهمه عمر ﵁ من الحديث أن المراد الحفظ مع إتقان الأداء فعن قيس بن مروان قال: أتى رجل عمر فقال: يا أمير المؤمنين! قد تركت بالعراق رجلا يملي المصاحف عن ظهر قلب. فغضب عمر ﵁ حتى احمر وجهه فقال له: عمر اعلم ما تقول! مرارا فقال:

стр. 121

ما أتيتك إلا بحقّ فقال عمر ﵁: من هو؟ قال: ابن أم عبد. فسكن حتى ذهب عنه الغضب ثم قال: ما أصبح على ظهر الأرض أحد أحق بذلك منه، وسأحدثكم عن ذلك: إن رسول الله ﷺ سمر في بيت أبي بكر ﵁ ذات ليلة لبعض حاجته حتى أعتم، ثم رجع بيني وبين أبي بكر حتى انتهيت إلى المسجد إذا رجل من المهاجرين يصلي فقام فتسمع لقراءته ما أدري أنا وصاحبي من هو قال: فلما قام ساعة قلت: يا رسول الله! رجل من المهاجرين يصلي لو رجعت وقد أعتمت قال: فغمزني وجعل النبي ﷺ يستمع لقراءته قال: فركع وسجد ثم قعد يدعو فجعل النبي ﷺ يقول: «سل تعطه! سل تعطه!» ولا أدري أنا وصاحبي من هو، حتى سمعنا رسول الله ﷺ يقول: «من سره أن يقرأ القران غضا كما أنزل فليقرأه كما يقرأ ابن أم عبد» قال: فذلك حين علمت أنا وصاحبي من هو، قال: فغدوت إلى عبد الله لأبشره فقال: قد سبقك أبو بكر، وأيم الله ما سابقت أبا بكر إلى خير إلا سبقني «١» ، ولكن مع أنهما بشراه إلا أنهما لم يولياه أمر المصحف في عهد أبي بكر لعلة ظاهرة تأتي الإشارة إليها. فقد اجتمع لابن أم عبد الجليل حديثان يأمران بالأخذ عنه حفظا وإتقانا للترتيل والأحكام ... العرضة الأخيرة هي قراءة العامة: يظهر أن الذي جمعه زيد في عهد عثمان هي قراءة العامة كما ورد هذا المصطلح في غير ما موضع من البخاري «٢» كقوله: «قراءة العامة يُطِيقُونَهُ (البقرة: ١٨٤) » «٣» .

стр. 122

وقراءة العامة لابد أن تكون العرضة الأخيرة قد اشتملت عليها لأنها العامة! ... وهذا الذي قاله عبيدة السلماني: «القراءة التي عرضت على رسول الله ﷺ في العام الذي قبض فيه هي القراءة التي يقرأها الناس اليوم» «١» . وبعد سرد ما تقدم: يمكن أن يقرّر أن العرضة الأخيرة ليست حكرا على زيد ولا على ابن مسعود لأنها العامة أيضا، وإن لم يحضرها كل الصحابة فإنه لا ريب في حضور جمع كبير من أئمة الإقراء لها، لأنها العامة أيضا ... اجتماع ابن مسعود وزيد في العرضة الأخيرة: قرر ابن عباس أن الذي شهد العرضة الأخيرة هو ابن مسعود ﵁ وهو ما صرح به ابن مسعود من قوله مع أن ابن عباس إنما تتلمذ على زيد وأبي في القراءة «٢» ، وكان ابن عباس يجل زيدا ويعظمه، فليس يتجنى عندما يشهد لابن مسعود، والذي يثبت أن زيدا هو الذي شهد العرضة الأخيرة هم التابعون كأبي ظبيان ومجاهد وزرّ وجماعات ... ويردهم ابن عباس لكن بلفظ يثبت شهود العرضة الأخيرة لابن مسعود دون أن ينفي شهود زيد بن ثابت لها ... وقد يقال ها هنا: إن ابن عباس أراد نفي ما زعموه بشأن تغيب ابن مسعود عن العرضة الأخيرة لا إثبات تغيب زيد، وقد يسوغ عند هذا أن نقول بأن زيدا حضر هذه العرضة أيضا وهو ما ذهب إليه أكثر أهل العلم «٣» ، ويعضده أن زيدا هو كاتب

стр. 123

رسول الله ﷺ الملازم، وتقديم زيد أقوى لذلك، وهو الذي أجمع عليه الصحابة في عهد أبي بكر ﵁ وهم الأكابر، على أن بعض الوحي قد نزل بعد رمضان، والكاتب المتلقن الملازم يقدم على الكاتب المتلقن غير الملازم. السبب الحقيقي لتقديم زيد في جمع المصحف المصاحف ونسخه: وبعد هذا البحث عن العرضة الأخيرة، وتقرير حضور ابن مسعود ﵁ لها يمكن للباحث القول بأن البعض قد جانبه الصواب حينما جعل معيار تقديم زيد هو حضور العرضة الأخيرة «١» ، والذي نريد تقريره هنا لتتضح الصورة الكلية أن زيد بن ثابت ﵁ ما تولى كتابة المصاحف في عهد عثمان إلا رئيسا للجنة قامت بهذا العمل، شارك فيها أبي- وكذلك في عهد أبي بكر-، وأما ابن مسعود فلم يكن في المدينة حيث كان العمل لنعلم أيعزل عنها كما قال هو أم لا، والأمر كان أعجل من أن يؤخر حتى يرسل إلى ابن مسعود ليأتي من الكوفة حيث المسافة ذهبا وإيابا تقرب من شهرين، مع وجود الأكفاء، ثم وجد الكاتب الإمام الذهبي يقرر هذا التقرير ذاته حيث قال: «إنما شق على ابن مسعود لكون عثمان ما قدمه على كتابة المصحف، وقدم في ذلك من يصلح أن يكون ولده وإنما عدل عنه عثمان لغيبته عنه بالكوفة ولان زيدا كان يكتب الوحي لرسول الله ﷺ فهو إمام في الرسم، وابن مسعود إمام في الأداء» «٢» . وأما أيام أبي بكر ﵁ فإن المؤهل الذي قدم زيدا على ابن مسعود مع إجلال أبي بكر وعمر له- وهما راويا حديث «من أحب أن يقرأ القران غضا ... » -

стр. 124

أن ابن مسعود لم يكن في المدينة فيما يظهر، بل كان على النفل في اليرموك، وهذا يدل على أنه كان في حرب خارج المدينة ... هذا بالإضافة إلى أن زيدا كان الكاتب الملازم وهو سبب قوي ذكره الشيخان في محاورتهما لزيد وإقناعه بأن يتولى ذلك. وثمة أسباب أخر ليس هذا ميدانها ولا مكان بسطها. مشكل قراءة منسوبة لابن مسعود وأبي الدرداء: عن علقمة قال: قدمنا الشام فأتانا أبو الدرداء فقال: أفيكم أحد يقرأ علي قراءة عبد الله؟ فقلت: نعم! أنا قال: فكيف سمعت عبد الله يقرأ هذه الاية وَاللَّيْلِ إِذا يَغْشى قال: سمعته يقرأ وَاللَّيْلِ إِذا يَغْشى والذَّكَرَ وَالْأُنْثى قال: وأنا والله هكذا سمعت رسول الله ﷺ يقرؤها، ولكن هؤلاء يريدون أن أقرأ وَما خَلَقَ فلا أتابعهم «١» فهذه القراءة المنسوبة للشيخين شاذة، وفي الحديث علة ظاهرة توجب إما التأويل وإما الاطّراح، وهي: أولا: مخالفة رجال سند هذا الحديث لكل الأمة الإسلامية في هذه الرواية، وليست المخالفة لأربعة أو لخمسة من الثقات حتى تصير رواية الأقل شاذة لمخالفتها رواية الأكثر على ما هو مقرر في مصطلح الحديث.. وهذه علامة تعجب من بعض الذين يشذذون رواية في صحيح مسلم، ومع ذلك لا يشذذون ما ورد في هذا الحديث؟. ولذا قال الشافعي: «من متناقض القول الجمع بين قبول رواية القراءة الشاذة في القران وبين رد الزيادة التي ينفرد بعض الرواة الثقات مع العلم بأن سبيل إثبات القران أن ينقل استفاضة وتواترا» «٢» .

стр. 125

ثانيا: مخالفة رجال السند في هذا الحديث لأهل المصرين اللذين انتشرت فيهما قراءة ابن مسعود وأبي الدرداء: الكوفة والشام، وقراءة علقمة لها يدل على أنها سادت في الكوفة ولو لفترة قريبة لكننا لم نسمع همسا في الكوفة فضلا عن الشام، وتعجب من ذلك ابن حجر فقال: «والعجب من نقل الحفاظ من الكوفيين هذه القراءة عن علقمة وعن ابن مسعود وإليهما تنتهي القراءة بالكوفة، ثم لم يقرأ بها أحد منهم، وكذا أهل الشام حملوا القراءة عن أبي الدرداء، ولم يقرأ أحد منهم بهذا فهذا مما يقوي أن التلاوة بها نسخت» «١» ، ولعل في القول بالنسخ نظرا؛ إذ ثم موازين دقيقة وضعها علماء الحديث كان ينبغي بحث هذا الحديث في ضوئها أيضا مثل القلب، والاضطراب، والشذوذ. ومما يؤكد الرد السابق: أن ابن عامر القارئ الرابع من السبعة قرأ على أبي الدرداء اتفاقا مباشرة، وهو قارئ أهل الشام وقراءته إلى القرن الخامس الهجري كانت هي الغالبة على أهل الشام ... فما باله لم ينقل هذه القراءة؟ ولذا نؤكد على أن منهج إثبات القراءة هو التلقي، وليس البحث في السطور التي يعتريها الوهم، أو الشذوذ، ولا يؤمن فيها من الدس ... أما تقرير من قال بأن العرضة الأخيرة كانت وفق قراءة زيد لأنه حضرها فقد بينا أن النصوص الموجودة تبين حضور ابن مسعود بصورة أصرح من حضور زيد (مع التأكيد على حضور زيد كما سبق) ، والفارق بين قراءة زيد وابن مسعود غير ظاهر، وقد نظّر بعض المحققين على من زعم أن قراءة زيد هي السائدة؛ إذ كان هدف نسخ المصاحف في عهد عثمان تعميم المصاحف، وإعطاء الشرعية للقراات، وابن مسعود لم بغضب لأنه سيجبر على قراءة زيد بل لتولية زيد دونه

стр. 126

مع كبر سن ابن مسعود وأهليته «وأيضا فمن المحال أن يكون عثمان أقرأ الخلفاء، وأقدمهم صحبة وكان يحفظ القران كله ظاهرا ويقوم به في ركعة ... ويترك قراءته التي أخذها من فم النبي ﷺ ويرجع إلى قراءة زيد وهو صبي من صبيانه» «١» . ولذا فإن الذي يمكن استنتاجه مما سبق أن الفرق بين عرضات القران المتتابعة يسير- حتى مع القول بوجود النسخ- ولعل الفرق الظاهر الجلي بينها هو ما يزيد من القران مما نزل منه في السنة الجديدة. المطلب الرابع: التعليم القراني العام: يدرس هذا المطلب وجود الصبغة الإلزامية للتعليم القراني، وتعميمه على كافة فئات المجتمع، وجعله مادة أساسية للمسلمين دون استثناء، وتشجيعه برفده بما يجعل تعلم جزء من القران اختياريا له مبررات النمو، ولذا ينقسم الكلام فيه إلى: كيفية الإقراء ، الكلام عن التعليم الإلزامي، والتعليم غير الإلزامي، واستتبع هذا الكلام عن أخذ الأجرة على تعليم القران الكريم، والقول الراجح فيها، وأثر ذلك على نشر التعليم القراني. كيفية الإقراء: الإقراء الجماعي العام، والإقراء الفردي الخاص: التلقين للصحابة قد يأخذ الصبغة الخاصة بإقراء النبي ﷺ لحلقة أو لصحابي معين للايات، وقد يأخذ الصبغة العامة بالقراءة على الجمع الكثير في المسجد وهم يتلقون الايات، مع بقاء الصبغة الخاصة: كما في الصحيحين وغيرهما من حديث عائشة- رضي الله تعالى عنها- قالت: لما نزلت الايات من

стр. 127

اخر سورة البقرة في الربا خرج رسول الله ﷺ إلى المسجد فقرأهن على الناس ثم حرم التجارة في الخمر «١» . وكانت المجامع العامة المعتادة فرصة لقراءة ايات جديدة نزلت، أو التذكير بايات أخرى فعن أبي بن كعب ﵁ أن رسول الله ﷺ قرأ يوم الجمعة تبارك وهو قائم فذكرنا أيام الله، وأبو الدرداء أو أبو ذر يغمزني فقال: متى أنزلت هذه السورة إني لم أسمعها إلا الان؟ فأشار إليه: أن اسكت فلما انصرفوا قال: سألتك متى أنزلت هذه السورة فلم تخبرني؟ فقال أبي: «ليس لك من صلاتك اليوم إلا ما لغوت» فذهب إلى رسول الله ﷺ فذكر له وأخبره بالذي قال أبي فقال رسول الله ﷺ : «صدق أبي» «٢» . وكان الصحابة ﵃ يفعلون ذلك أيضا فيما بينهم، فيقرأ قارئ منهم وهم يستمعون، فعن أبي سعيد الخدريّ ﵁ أنّهم كانوا جلوسا يقرؤن القران ويدعون.. «٣» .. وقد يقوم بالقراءة العامة أصحابه (تلاميذه) ﵃ فيقرؤون على الناس في المجامع العامة السورة بأكملها: فعن جابر ﵁ أن النبي ﷺ حين رجع من عمرة الجعرانة بعث أبا بكر على الحج فأقبلنا معه حتى إذا كان بالعرج ثوب بالصبح ثم استوى ليكبر فسمع الرغوة خلف ظهره فوقف على التكبير، فقال:

стр. 128

هذه رغوة ناقة رسول الله ﷺ لقد بدا لرسول الله ﷺ في الحج فلعله أن يكون رسول الله ﷺ فنصلي معه فإذا علي عليها فقال له: أبو بكر أمير أم رسول؟ فقال: لا! بل رسول أرسلني رسول الله ﷺ ببراءة أقرؤها على الناس في مواقف الحج، فقدمنا مكة فلما كان قبل التروية بيوم قام أبو بكر فخطب الناس فحدثهم عن مناسكهم حتى إذا فرغ، قام علي فقرأ على الناس براءة حتى ختمها، ثم خرجنا معه حتى إذا كان يوم عرفة قام أبو بكر فخطب الناس فحدثهم عن مناسكهم، حتى إذا فرغ قام علي فقرأ على الناس براءة حتى ختمها، ثم كان يوم النحر فأفضنا فلما رجع أبو بكر خطب الناس فحدثهم عن إفاضتهم وعن نحرهم وعن مناسكهم فلما فرغ قام علي فقرأ على الناس براءة حتى ختمها، فلما كان يوم النفر الأول قام أبو بكر فخطب الناس فحدثهم كيف ينفرون وكيف يرمون فعلمهم مناسكهم فلما فرغ قام علي فقرأ براءة علي على الناس حتى ختمها «١» . الإقراء الفردي: ونظام الحلقات، والقراءة العامة لم يمنع من الإقراء الفردي، فقد كان الصحابة ﵃ يستقرئون النبي ﷺ ، فيقوم بإقرائهم: فعن ابن عباس في قوله ﷻ : عَبَسَ وَتَوَلَّى (عبس: ١) قال: بينا رسول الله ﷺ يناجي عتبة بن ربيعة وأبا جهل بن هشام والعباس بن عبد المطلب وكان يتصدى لهم كثيرا ويحرص عليهم أن يؤمنوا، فأقبل إليه رجل أعمى يقال له: عبد الله بن أم مكتوم يمشي وهو يناجيهم فجعل عبد الله يستقرىء النبي ﷺ اية من القران وقال: يا رسول الله! علمني مما علمك الله فأعرض عنه رسول الله ﷺ وعبس في وجهه

стр. 129

وتولى وكره كلامه، وأقبل على الاخرين.. «١» .، وكما طلب ذلك منه عقبة بن عامر ﵁ قال: تبعت النبي ﷺ يوما وهو راكب فوضعت يدي على يده فقلت: يا رسول الله! أقرئني من سورة هود ومن سورة يوسف.. «٢» .. والأصل أن يقوم النبي ﷺ بالإقراء: إلا أن يشغله شاغل فيحيل المستقرئ على أحد عرفاء الإقراء أو أئمته الذين قام بتأهيلهم ﷺ ، فعن عبادة بن الصامت ﵁ قال كان رسول الله ﷺ يشغل فإذا قدم الرجل مهاجرا على رسول الله ﷺ دفعه إلى رجل منا يعلمه القران.. «٣» .، وعن أبي سعيد ﵁ وكان قرأ القران على أبي هريرة قال: ما قرأت القران إلا على أبي هريرة هو أقرأني «٤» . وقد استبان لنا من هيئة جلسة الصحابة بين يديه ﷺ في القراءة الفردية: الهيئة التي ذكرها ابن مسعود ﵁ في قوله: علمني رسول الله ﷺ التشهد كفي بين كفيه كما يعلمني السورة من القران التحيات لله.. «٥» .، فالتشبيه يحتمل شمولاه لهيئة الجلوس مع التدقيق في الحفظ وإتقان الأداء.

стр. 130

تعميم التعليم القراني: أولا: التعليم القراني الإلزامي: كان من أسس رسالة النبي ﷺ إلزام المسلمين بالارتباط بالقران الكريم تلاوة وتعلما لأصل اللفظ ولأدائه يوميا، وتمثلت مظاهر هذا الإلزام في عدة أساليب تربوية: ١- ربط صحة أعظم عبادة يومية بإتقان شيء من القران الكريم: فاتحة كتاب أو ما يقوم مقامها، ولا بد من إخراج حروفها من مخارجها، وإعطائها حقها ومستحقها. ٢- وسم من لم يقرأ عشر ايات في اليوم بالغافلة في قوله ﷺ : «من قرأ عشر ايات في ليلة لم يكتب من الغافلين» «١» . ٣- الأمر بتلاوة الكتاب عموما، وهو أمر يقتضي الوجوب، ويصدق على أقل ما يسمى قرانا كما في قوله ﷻ : وَاتْلُ ما أُوحِيَ إِلَيْكَ مِنْ كِتابِ رَبِّكَ (الكهف: ٢٧) . ٤- الإشارة إلى ذم من لم يتعلم سورا بعينها: فعن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «تعلموا البقرة فإن أخذها بركة وتركها حسرة ولا يستطيعها البطلة» «٢» . ٥- وجوب تعليمه على من علمه بدون أخذ أجرة في مقابله ما دام لم يتفرغ لذلك كليا أو جزئيا ... لأن منع تعليمه كتمان للعلم، والله يقول: إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ ما أَنْزَلْنا مِنَ الْبَيِّناتِ وَالْهُدى مِنْ بَعْدِ ما بَيَّنَّاهُ لِلنَّاسِ فِي الْكِتابِ أُولئِكَ

стр. 131

يَلْعَنُهُمُ اللَّهُ وَيَلْعَنُهُمُ اللَّاعِنُونَ (البقرة: ١٥٩) ، وقد تقدم وجوب التبليغ ولو لاية واحدة. وكتطبيق لهذا نرى النبي ﷺ يرسل المقرئين إلى البلاد التي دخلها الإسلام: كإرساله مصعب بن عمير وعبد الله بن أم مكتوم إلى المدينة، وكذلك أرسل إلى البلاد التي ترغب بالدخول في الإسلام كإرساله السبعين مقرئا إلى قبائل نجد التي زعم أصحابها أنهم دخلوا في الإسلام: فعن أنس ﵁ أن رسول الله ﷺ أتاه رعل وذكوان وبنو لحيان فزعموا أنهم قد أسلموا، واستمدوا على قومهم، فأمدهم رسول الله ﷺ بسبعين رجلا من الأنصار كنا ندعوهم القراء كانوا يحتطبون بالنهار ويصلون بالليل، فلما بلغوا بئر معونة، غدروا بهم فقتلوهم، فبلغ ذلك النبي ﷺ فقنت شهرا في صلاة الصبح يدعو عليهم «١» . وهذا كله مقتض من الناحية المنهجية إنشاء المؤسسات الخاصة بتعليم القران الكريم، وإيجاد الاليات المناسبة لذلك، ويكون هذا من أهم واجبات الدولة، ولذا فلابد من أن يكون تعلم القران الكريم جزا من الحياة التعليمية للطالب المسلم في مرحلة التعليم العام، أو التعليم المتخصص الجامعي أيا كان تخصصه، ولا ينبغي أن تكون للرياضة وزارة خاصة ويقل القران عن أن تكون له الرعاية ذاتها، وإن كانت المقارنة هنا غير قائمة ... والمراد الاعتناء بالجوانب القرانية اللفظية الخاصة، وإلا فالأصل صدور كل تصرفات الأمة عن هدي القران.

стр. 132

ثانيا: التعليم الذاتي: (التعليم غير الإلزامي) : وتمثل هذا النوع في الحث الشديد لكل أفراد الأمة ليحصّلوا أكبر قدر ممكن من فرض الكفاية في تعلم اللفظ القراني سواء من حيث الكمية، أو من حيث الهيئات والظواهر الصوتية التي تتصل بالجوانب اللفظية للقران الكريم، ومن هذه المظاهر: ١- بيان الأجر العظيم لمن يعلم ولده القران: فقد قال رسول الله ﷺ : «من قرأ القران وعمل بما فيه ألبس والداه تاجا يوم القيامة ضوءه أحسن من ضوء الشمس في بيوت الدنيا فما ظنكم بالذي عمل بهذا» «١» . ٢- بيان تميز حافظ القران، وغناه ولو بايات معدودة: فعن أنس ابن مالك صاحب رسول الله ﷺ حدثه أن رسول الله ﷺ سأل رجلا من صحابته فقال: «أي فلان هل تزوجت؟» قال: لا! وليس عندي ما أتزوج به. قال: «أليس معك قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ» قال: بلى! قال: «ربع القران» قال: «أليس معك قُلْ يا أَيُّهَا الْكافِرُونَ» قال: بلى! قال: «ربع القران» قال: «أليس معك إِذا زُلْزِلَتِ» قال: بلى! قال: «ربع القران» قال: «أليس معك إِذا جاءَ نَصْرُ اللَّهِ» قال: بلى! قال: «ربع القران» قال: «أليس معك اية الكرسي؟» قال: بلى! قال: «ربع القران» ، قال: «تزوج تزوج تزوج» «٢» . ٣- وكان هذا الحث يصل إلى حد الاستفزاز للفعل فعن عبد الله بن عمرو أن أبا أيوب الأنصاري كان في مجلس وهو يقول: ألا نستطيع أن نقوم بثلث القران

стр. 133

كل ليلة؟ قالوا: وهل نستطيع ذلك؟ قال: فإن قل هو الله أحد ثلث القران، قال فجاء النبي ﷺ وهو يسمع أبا أيوب فقال رسول الله ﷺ : «صدق أبو أيوب» «١» . ٤- تسمية سور مخصوصة وربطها بالحوادث الدينية والكونية: فعن أبي سعيد الخدري ﵁ قال: «ومن قرأ سورة الكهف كما أنزلت ثم أدرك الدجال لم يسلط عليه ولم يكن له عليه سبيل ومن قرأ خاتمة سورة الكهف أضاء نوره من حيث قرأها ما بينه وبين مكة» «٢» ، وعن ابن مسعود ﵁: مات رجل فجاءته ملائكة العذاب فقعدوا عند رأسه فقال: لا سبيل لكم عليه قد كان يقرأ لي سورة الملك، فجلسوا عند رجليه، فقال لا سبيل لكم إنه كان يقوم علينا يقرأ سورة الملك، فجلسوا عند بطنه، فقال لا سبيل لكم عليه إنه أوعى في سورة الملك فسميت المانعة «٣» . ٥- ومن أساليب النبي ﷺ في الحث على حفظ السور، وتعظيم القران مما يؤدي إلى الحفظ الذاتي: الترغيب بأقوى الأساليب الصادقة فعن أبي هريرة ﵁ قال: خرج رسول الله ﷺ على أبي بن كعب ... قال: «أتحب أن أعلمك سورة لم ينزل لا في التوراة ولا في الإنجيل ولا في الزبور ولا في الفرقان مثلها؟» قلت: نعم أي رسول الله! قال رسول الله ﷺ : «إني لأرجو ألاأخرج من هذا الباب حتى تعلمها» ، قال: فأخذ رسول الله ﷺ بيدي يحدثني وأنا أتبطأ مخافة أن يبلغ قبل أن يقضي الحديث فلما دنونا من الباب، قلت: أي رسول الله ما

стр. 134

السورة التي وعدتني؟ قال: ما تقرأ في الصلاة؟ قال: فقرأت عليه أم القران قال: والذي نفسي بيده ما أنزل الله في التوراة ولا في الإنجيل ولا في الزبور ولا في الفرقان مثلها إنها السبع المثاني «١» ، وعن عبد الله بن جابر الأنصاري ﵁ قال له النبي ﷺ : «ألا أخبرك يا عبد الله بن جابر بأخير سورة في القران؟» قلت: بلى يا رسول الله! قال: «اقرأ الحمد لله رب العالمين حتى تختمها» «٢» . ونتيجة لذلك فقد انتشر حفظ القران بين كبار الصحابة وصغارهم ﵃ حتى كان البعض يتلقنه من أفواه المسافرين ويكفيه ذلك كعمرو بن سلمة، وساعد هذا أن الصحابة كانوا أمة يضرب بها المثل في الذكاء والألمعية وقوة الحافظة وصفاء الطبع وسيلان الذهن واحدة الخاطر حتى لقد كان الرجل منهم ربما يحفظ ما يسمعه لأول مرة مهما كثر وطال، وحسبك أن تعرف أن رؤوسهم كانت دواوين شعرهم، وأن صدورهم كانت سجل أنسابهم، وأن قلوبهم كانت كتاب وقائعهم، وأيامهم ثم جاء الإسلام فأرهف فيهم هذه القوى والمواهب، وزادهم من تلك المزايا والخصائص بما أفاد طبعهم من صقل ونفوسهم من طهر وعقولهم من سمو خصوصا إذا كانوا يسمعون لأصدق الحديث وهو كتاب الله «٣» . ثالثا: تعليم النبي ﷺ لهم في مسألة أخذ الأجرة على إقراء القران: نهاهم النبي ﷺ أن يقبلوا أجرا على تعليم القران الكريم، وقال: «من يأخذ على تعليم القران قوسا قلده الله قوسا من نار» «٤» ، وقد كثرت الأحاديث في هذا المعنى ... وبناء على هذا منع بعض أهل العلم أخذ الأجرة على تعليم القران

стр. 135

الكريم، وعلة التحريم عندهم هي وجوب هذا التعليم وتعينه على المسلم: فالتعليم للقران واجب إلزامي عام يجب بذله لمن لم يطلبه فكيف بمن طلبه؟ «١» . وذهب الجمهور كعطاء ومالك «٢» والشافعي وأبي ثور إلى جواز الاستئجار على قراءة القران- بل ذهب إلى ذلك الأئمة الثلاثة، ونقل القاضي عياض جواز الاستئجار لتعليم القران عن العلماء كافة إلا الحنفية- «٣» ، وقال الحكم: لم أسمع أحدا كره أجر المعلم «٤» ، وأجابوا عن أدلة المانعين، واستدلوا لمذهبهم بأدلة تعليمية صريحة في مشروعية حل الأجرة، ومن أبرز الأدلة: قوله ﷺ : «إن أحق ما أخذتم عليه أجرا كتاب الله» «٥» ، وهذا نص عام، وبقوله ﷺ : «من أصاب برقية باطل فقد أصبت برقية حق كل وأطعم أصحابك» «٦» . وفصّل بعض أهل العلم بالنظر إلى الواقع الحقيقي للمسلمين، فنظر إلى أن المسلمين يشغلون عن ذلك بمعائشهم، وليس فيهم من يقوم به ويكفي الأمة ثغرته، فقال: «أخذ الأجرة على تعليم القران له حالات: فإذا كان في المسلمين غيره ممن يقوم به حل له أخذ الأجرة عليه لأن فرض ذلك لا يتعين عليه، وإذا كان في حال أو في موضع لا يقوم به غيره لم تحل له الأجرة وعلى هذا يؤول اختلاف الأخبار فيه» «٧» .

стр. 136

وصفة الكلام هنا أن علة الاختلاف هي إلزامية تعليم القران، وأن القائلين بالإباحة يجدون الأجرة تعين على التفرغ، وهي أجرة على حق في مقابل من يأكله على باطل، وإن كانت الكمية الملزمة تختلف من فرض العين إلى فرض الكفاية- حتى كان من أجوبة من أباح الأجرة على أدلة من منعها: «أن تكون الاية- أي وَلا تَشْتَرُوا بِآياتِي ثَمَناً قَلِيلًا (البقرة: ٤١) - فيمن تعين عليه التعليم فأبى حتى يأخذه عليه أجرا فأما إذا لم يتعين فيجوز له أخذ الأجرة» «١» ومن ثم فيجب على الإمام أن يعين المقرئين لإقامة الدين من بيت المال، وإلا فعلى المسلمين لأن الصديق ﵁ لما ولي الخلافة وعين لها لم يكن عنده ما يقيم به أهله فأخذ ثيابا وخرج إلى السوق فقيل له في ذلك فقال: ومن أين أنفق على عيالي؟ فردوه وفرضوا له كفايته «٢» . ورجح ابن تيمية أن الأجرة تباح «للمحتاج، ولهذا اتفق العلماء على أنه يرزق الحاكم وأمثاله عند الحاجة وتنازعوا في الرزق عند عدم الحاجة وأصل ذلك في كتاب الله في قوله في ولي اليتيم وَمَنْ كانَ غَنِيًّا فَلْيَسْتَعْفِفْ وَمَنْ كانَ فَقِيراً فَلْيَأْكُلْ بِالْمَعْرُوفِ (النساء: ٦) «٣» . والحاجة- فيما يظهر- ليس للشخص الذي لا بد من تفرغه، بل لسد ثغرة الدين الأعظم من كل الثغور، وهي تعليم أصل أصول الإسلام والمسلمين، وجعله عاما شائعا في حياة المسلمين ... والتفرغ في الغالب مطلوب لذلك لجسامة المهمة التي يقوم بها معلم القران، وضرورة تفرغه في الغالب لتبعاتها ...

стр. 137

ولذلك فجواز الأجرة لمعلم القران كالإجماع، بل ذهب بعض المتأخرين إلى وجوبها، حتى أن فتوى الحنفية «اليوم على جواز الاستئجار لتعليم القران ... استحسنوا ذلك وقالوا: بنى أصحابنا المتقدمون الجواب على ما شاهدوا من قلة الحفاظ، ورغبة الناس فيهم، ولأن الحفاظ والمعلمين كان لهم عطايا في بيت المال، وافتقادات من المتعلمين في مجازات التعليم من غير شرط وهذا الزمان قل ذلك، واشتغل الحفاظ بمعائشهم، فلو لم يفتح لهم باب التعليم بالأجر لذهب القران فأفتوا بالجواز، والأحكام تختلف باختلاف الزمان وكان محمد بن الفضل يفتي بأن الأجرة تجب ويحبس عليها» «١» . وينبغي التنبيه إلى أن هذا الخلاف إنما هو في أخذ الأجرة من المتعلم لا إذا كانت الأجرة من بيت مال المسلمين كما هو واضح من كلام أهل العلم فيما تقدم، والكلام المتقدم لأهل العلم يدل صريحا على أن ذلك من مسؤوليات الدولة المباشرة ... ولذا تنبغي المناداة بقيام وزارات لرعاية شؤون القران الكريم تكون رديفة لوزارات التعليم والتوجيه والمعارف، وتستقل للأهمية البالغة ... وليست الرياضة بأحق في منحها وزارة مستقلة. على أن الباحث يختم هه المسألة بضرورة التذكير بالإخلاص وابتغاء وجه الله والتعفف عن أجر القران ما دام المرء في غنى عنه قدر الإمكان فذلك أدعى أن يبسط للمرء باب القبول في الدنيا والاخرة، وقد قال الحسن البصري: «قرأ القران ثلاثة: رجل أخذه بضاعة ينقله من مصر إلى مصر يطلب به ما عند الناس، وقوم قرؤوا القران وحافظوا حروفه وضيعوا حدوده، واستنزلوا به الولاة، واستطالوا به على أهل بلادهم، فقد كثر هذا الضرب في حملة القران لا كثرهم الله، ورجل

стр. 138

قرأ القران فتداوى بدواء القران فوضعه على داء قلبه فسهر ليله، وعملت عيناه، تسربلوا الحزن، وارتدوا بالخشوع» «١» . المطلب الخامس: التدرج في التعليم: نقف عند تأمل ما ورد في هذا الباب أمام جهاز تربوي عظيم له أساليبه المتعددة في التوجيه والتحضيض، والنشر والإعلام ... ومن مظاهر هذا التدرج: ١- نزول القران الكريم منجما في ذاته على الرغم من أنه قد أنزل إلى بيت العزة من السماء الدنيا جملة: وفي هذا أعظم البيان على إرادة الله ثم رسوله المبلغ ﷺ أن يتدرج الصحابة ﵃ في حفظه ويستوعبوه بأيسر طريق، ولا يعترض على هذا بأن المراد بالتنجيم هنا نزوله على الحوادث، لعدم التنافي بين الأمرين من جهة، على أنه ليس كل ما في القران نزل بسبب أو بحادثة. ٢- كان النبي ﷺ يقرئهم قليلا قليلا: ف «كان ﷺ يعلمهم خمسا خمسا، وعشرا عشرا» «٢» ، ويتلقونها كذلك ... وهذا مقتضى تربوي ومنهجي من مقتضيات نزول القران منجما ... ٣- كان ﷺ يحثهم على حفظ عدد معين من الايات كعشر، ويتدرج في الحث والإلزامية لذلك على نحوين:

стр. 139

الأول: إخراج القارئ أو الحافظ القارئ لهذا القدر من حيز الغافلة كما في قوله ﷺ : عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «من قرأ عشر ايات في ليلة لم يكتب من الغافلين» «١» . الثاني: بيان الربح الحسي العظيم عند حفظ هذا القدر: فعن أبي أمامة ﵁ أن رجلا جاء إلى النبي ﷺ فقال: يا نبي الله! اشتريت مقسم بني فلان في تخت فيه كذا وكذا قال: «أفلا أنبئك بما هو أكثر منه ريحا» قال: وهل يوجد؟ قال: «رجل تعلم عشر ايات» فذهب الرجل فتعلم عشر ايات، فأتى النبي ﷺ فأخبره «٢» ، ومثل هذا الربح ما ورد عن عبد الله بن مسعود ﵁: «من قرأ عشر ايات من سورة البقرة في ليلة لم يدخل ذلك البيت شيطان تلك الليلة حتى يصبح أربعا من أولها وأية الكرسي وايتان بعدها وثلاث خواتيمها أولها لله ما في السماوات» «٣» . ويمثل البيان للفضل نوعا من التدرج ليحفظ المخاطب أكثر بغية الحصول على فضل أكثر أو فضل معين متميز. ٤- التعلم الجزئي والجملي: وكان النبي ﷺ يحثهم على التعلم جمليا للقران كله تشويقا وتهييجا، ثم يعود ﷺ فيحثهم جزئيا ليتدرج بهم، ويقدح في خلدهم إمكانية فعل بعضها على الأقل ... فعن أبي أمامة الباهلي ﵁ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «اقرأوا القران فإنه يأتي يوم القيامة شفيعا لأصحابه، اقرأوا الزهراوين البقرة وسورة ال عمران فإنهما تأتيان يوم القيامة كأنهما غمامتان أو كأنهما غيايتان أو

стр. 140

كأنهما فرقان من طير صواف تحاجان عن أصحابهما، اقرأوا سورة البقرة فإن أخذها بركة وتركها حسرة ولا تستطيعها البطلة» «١» . أنموذج تطبيقي: ولأن التدرج في الإقراء كان فعله ﷺ فقد كانت طريقته التعليمية الإرشادية هي التي تستفز الصحابة ﵃ للحفظ والإتقان على هيئة متدرجة، ولذا فسنأخذ نموذجا تستبين فيه الطريقة العلمية التي كان يسلكها النبي ﷺ لإلزام أصحابه بحفظ القران واستظهاره دون إلزام! مباشر، فقد روى أبو الدرداء عن النبي ﷺ قال: «من قرأ عشر ايات من الكهف عصم من فتنة الدجال» «٢» ، دون تحديد لمكان العشر وهو تحضيض على حفظ أي عشر منها، وروى النواس بن سمعان قال: ذكر رسول الله ﷺ الدجال فقال: «من راه منكم فليقرأ فواتح سورة الكهف» «٣» دون تحديد لكمية هذه الفواتح، وحددت الفواتح بعشر فيما رواه مسلم عن أبي الدرداء مرفوعا: «من حفظ عشر ايات من أول سورة الكهف عصم من الدجال» وفي لفظ عنده: «من قرأ العشر الأواخر من سورة الكهف» ، ورواية «العشر الأخيرة» تدرج اخر وحثّ فبقيت كل أجزاء السورة محفوظة بين الغالب الأعم من المسلمين، وإنما نوّع الكمية التي تحفظ ومكانها من السورة بغية الوصول بالمسلمين إلى حفظها كلها، أو إلى أن يحفظها معظم المسلمين

стр. 141

ولو بالتوزيع بينهم، فقد يفضل البعض أولها، وقد يختار بعضهم اخرها، وقد يختار البعض ما بين ذلك، والعادة جارية بذلك كله ... هذا إن لم يقم الواحد منهم بحفظها مع أن التحضيض على ذلك شديد، وبذا جمع السيوطي بين الروايات المختلفة فقال: «وعلى هذا يجتمع رواية من روى أول سورة الكهف مع من روى من اخرها ويكون ذكر العشر على جهة الاستدراج في حفظها كلها» «١» ، وهذا أرجح وأملح من جعل بعض الروايات شاذة بالميزان الحديثي لأول وهلة؛ إذ الترجيح فرع التعارض، ولا تعارض مع الجمع. وفي حال عدم الحفظ لهذه السورة- وهذا نادر مع هذا الحض الشديد والتهييج البالغ لحفظها- فقد حث النبي ﷺ على قراءتها ولو نظرا فيما رواه عن أبي سعيد الخدري ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «من قرأ سورة الكهف يوم الجمعة أضاء له النور ما بينه وبين البيت العتيق» «٢» وفي لفظ: «أضاء له النور ما بين الجمعتين» «٣» . وحفنا الله بتنوع الأجر فيها زيادة في التحضيض على حفظها والتدرج على حفظها، فعن معاذ ابن أنس ﵁ عن رسول الله ﷺ أنه قال: «من قرأ أول سورة الكهف واخرها كانت له نورا من قدمه إلى رأسه ومن قرأها كلها كانت له نورا ما بين الأرض إلى السماء» «٤» ، على أنه- مع ذلك- أمر بإتقانها

стр. 142

إتقانا بينا من حيث الأداء فيما رواه أبو سعيد الخدري أن نبي الله ﷺ قال: «من قرأ سورة الكهف كما أنزلت كانت له نورا من مقامه إلى مكة ومن قرأ بعشر ايات من اخرها فخرج الدجال لم يسلط عليه» «١» . وهو هنا حثّ على حفظ الأصل اللفظي وقراءته كما حث على إتقان أداء اللفظ بأسلوب تعليمي متدرج كاد يشبه الإلزام التكليفي والفعلي ويظهر أنه فاق ذلك، ولكن بأسلوب فريد كم هو بحاجة وإلى تأمل وإعجاب. وليس المراد من الحديث مجرد القراءة والحث بفضل مزيّف ... حاشا رسول الله ﷺ من ذلك، وقد أنكر ذلك العلماء فقد قال الغزالي: «وأما قوله ﵇ قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ (الإخلاص) تعدل ثلث القران فما أراك أن تفهم وجه ذلك فتارة تقول هذا ذكره للترغيب في التلاوة وليس المعنى به التقدير وحاشا منصب النبوة عن ذلك» «٢» ، بل هذا الذي ذكر ها هنا من إرادة الحفظ إنما دلت عليه دلالة التنبيه، وهي فوق دلالة الإشارة «٣» .

стр. 143

المبحث الثالث: وسائل النشر التعليمية لألفاظ القران الكريم في عموم المجتمع المسلم كما قام بها النبي ﷺ : تقدم في الفصل الأول أن النبي ﷺ قام بوظيفته على أوسع نطاق جغرافي وتاريخي، وظهر هناك ما قام به النبي ﷺ لذلك، ويذكر هنا الوسائل التعميمية للقران الكريم، كما جعلت هذه الوسائل نشر القران مسألة ضرورية ذاتية لكون المسلمين مسلمين إجمالا، ولكون المجتمع المسلم مجتمعا مسلما، فلا يكتفي المسلم بمجرد مصحف معلّق في بيته- مع حسن ذلك-، ولأن هذه الوسائل تنقسم إلى وسائل عامة، ووسائل خاصة أكثر ظهورا في النشر، فإن البحث ينقسم إلى: المطلب الأول: وسائل النشر العامة . المطلب الثاني: (الصلاة) وسيلة لنشر القران وتعليمه. المطلب الثالث: منح قراء القران الصدارة في الألقاب العلمية وقيادة الناس. المطلب الرابع: تعليمهم تسمية السور وألقابها. المطلب الأول: وسائل النشر العامة: وهي تمثل عمل جهاز تعميمي للثقافة القرانية خارج نطاق الحيز المكاني للجامعة القرانية: وتنقسم إلى وسائل تطبيقية فيه شيء من شبه الإلزام، وإلى وسائل إغرائية دعائية ولكن بالحق، والصدق، وليس بمجرد الإغراء والدعاية: أولا: وسائل تطبيقية شبه إلزامية وهي وسائل النشر العامة: ١- التعليم العام للقران الكريم: فقد أقرأ ﷺ مبلغ جهده، وخصص مقرئين للافاق ...

стр. 144

٢- ربط الحياة اليومية للمسلمين بايات القران الكريم: فالمسلم يستيقظ فيقرأ عشر ايات من اخر سورة ال عمران، ثم يقرأ اية الكرسي والمعوذات في مواضعها من يومه، ويختم ليلته بقراءة لسور الإسراء والزمر أو الملك أو أواخر البقرة على الأقل، ولا بد أن يقرأ عشر ايات في اليوم حتى لا يكون من الغافلين. ٣- أمر النبي ﷺ لهم بكتابة القران والتشديد في ذلك حتى منع من كتابة غيره معه في أول الأمر: كما قال لهم ﷺ : «لا تكتبوا عني، ومن كتب غير القران فليمحه، وحدثوا عني ولا حرج، ومن كذب علي متعمدا فليتبوأ مقعده من النار» «١» . ٤- ربط الحرز اليومي، أو سد التقصير بالقران الكريم: فقد جاء عن عبد الرحمن بن يزيد قال: لقيت أبا مسعود عند البيت فقلت: حديث بلغني عنك في الايتين في سورة البقرة؟ فقال: نعم! قال رسول الله ﷺ : «الايتان من اخر سورة البقرة من قرأهما في ليلة كفتاه» «٢» والمعنى: «أغنتاه عن قيام اللّيل وقيل أراد أنهما أقلّ ما يجزئ من القراءة في قيام الليل، وقيل تكفيان الشّرّ وتقيان من المكروه» «٣» ، وكالمعوذات، والتحرز من الشيطان باية الكرسي ... ٥- الأمر بتعلمه وجعله أول مادة دراسية في إطار منهج بناء الأمة: كما قال ابن مسعود ﵁: «هذا القران مأدبة الله فمن استطاع أن يتعلم منه شيئا فليفعل فإن أصغر البيوت من الخير الذي ليس فيه من كتاب الله شيء، وإن البيت الذي ليس فيه من كتاب الله شيء كخراب البيت الذي لا عامر له، وإن

стр. 145

الشيطان يخرج من البيت يسمع فيه سورة البقرة» «١» وظاهر أن الحديث له حكم الرفع فقوله: «فمن استطاع أن يتعلم منه شيئا فليفعل» ظاهر فيه الإلزام للتعلم، وتقدمت في الفصل الأول الأدلة الامرة بالتعلم ... ومع هذه الأدلة التي تعم الراعي والرعية فإن نفي الاستطاعة غير موجود في مؤسسات المجتمعات الإسلامية ويأمل المرء أن يجد مناهج كليات الطب والهندسة، والحاسوب ... ونحوها من الكليات الفنية غير خلية من هذه المادة العامة الأساسية، مع أنه يوجد المتفوقون والنابهون في الغالب، وقد تقرر عليهم محفوظات كثيرة، ولا يقرر عليهم حفظ شيء من القران مفسرا تفسيرا ميسرا «٢» ، بالإضافة إلى الربط الإسلامي التربوي للمناهج المأخوذة في مثل هذه الكليات بالقران الكريم والمعتقدات الإسلامية، ولو بإشارات خفيفة قياما بالتذكير، ودرا للغافلة. ٦- وكان ﷺ يعلمهم سماع القران إذا لم يريدوا تلاوته مباشرة لعارض كسل، أو لإرادة تدبر، أو غيره: كما سمع ﷺ من ابن مسعود ﵁، ولذا بوب البخاري باب «من أحب أن يسمع القران من غيره» «٣» . ٧- صبغ الأجواء ومختلف الأمكنة بالقران: فيحثهم على قراءة القران في البيت، فعن أنس ﵁ أن النبي ﷺ قال: «إن البيت يقرأ فيه القران يكثر خيره والبيت الذي لا يقرأ فيه القران يقل خيره» «٤» ، ومن هذا الباب قوله : الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِياماً وَقُعُوداً وَعَلى جُنُوبِهِمْ ... (ال عمران: ١٩١)
следующие страницы →