ولو بالتوزيع بينهم، فقد يفضل البعض أولها، وقد يختار بعضهم اخرها، وقد يختار البعض ما بين ذلك، والعادة جارية بذلك كله ... هذا إن لم يقم الواحد منهم بحفظها مع أن التحضيض على ذلك شديد، وبذا جمع السيوطي بين الروايات المختلفة فقال: «وعلى هذا يجتمع رواية من روى أول سورة الكهف مع من روى من اخرها ويكون ذكر العشر على جهة الاستدراج في حفظها كلها» «١» ، وهذا أرجح وأملح من جعل بعض الروايات شاذة بالميزان الحديثي لأول وهلة؛ إذ الترجيح فرع التعارض، ولا تعارض مع الجمع.
وفي حال عدم الحفظ لهذه السورة- وهذا نادر مع هذا الحض الشديد والتهييج البالغ لحفظها- فقد حث النبي ﷺ على قراءتها ولو نظرا فيما رواه عن أبي سعيد الخدري ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «من قرأ سورة الكهف يوم الجمعة أضاء له النور ما بينه وبين البيت العتيق» «٢» وفي لفظ: «أضاء له النور ما بين الجمعتين» «٣» .
وحفنا الله بتنوع الأجر فيها زيادة في التحضيض على حفظها والتدرج على حفظها، فعن معاذ ابن أنس ﵁ عن رسول الله ﷺ أنه قال: «من قرأ أول سورة الكهف واخرها كانت له نورا من قدمه إلى رأسه ومن قرأها كلها كانت له نورا ما بين الأرض إلى السماء» «٤» ، على أنه- مع ذلك- أمر بإتقانها
стр. 142
إتقانا بينا من حيث الأداء فيما رواه أبو سعيد الخدري أن نبي الله ﷺ قال: «من قرأ سورة الكهف كما أنزلت كانت له نورا من مقامه إلى مكة ومن قرأ بعشر ايات من اخرها فخرج الدجال لم يسلط عليه» «١» .
وهو هنا حثّ على حفظ الأصل اللفظي وقراءته كما حث على إتقان أداء اللفظ بأسلوب تعليمي متدرج كاد يشبه الإلزام التكليفي والفعلي ويظهر أنه فاق ذلك، ولكن بأسلوب فريد كم هو بحاجة وإلى تأمل وإعجاب.
وليس المراد من الحديث مجرد القراءة والحث بفضل مزيّف ... حاشا رسول الله ﷺ من ذلك، وقد أنكر ذلك العلماء فقد قال الغزالي: «وأما قوله ﵇ قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ (الإخلاص) تعدل ثلث القران فما أراك أن تفهم وجه ذلك فتارة تقول هذا ذكره للترغيب في التلاوة وليس المعنى به التقدير وحاشا منصب النبوة عن ذلك» «٢» ، بل هذا الذي ذكر ها هنا من إرادة الحفظ إنما دلت عليه دلالة التنبيه، وهي فوق دلالة الإشارة «٣» .
стр. 143
المبحث الثالث: وسائل النشر التعليمية لألفاظ القران الكريم في عموم المجتمع المسلم كما قام بها النبي ﷺ :
تقدم في الفصل الأول أن النبي ﷺ قام بوظيفته على أوسع نطاق جغرافي وتاريخي، وظهر هناك ما قام به النبي ﷺ لذلك، ويذكر هنا الوسائل التعميمية للقران الكريم، كما جعلت هذه الوسائل نشر القران مسألة ضرورية ذاتية لكون المسلمين مسلمين إجمالا، ولكون المجتمع المسلم مجتمعا مسلما، فلا يكتفي المسلم بمجرد مصحف معلّق في بيته- مع حسن ذلك-، ولأن هذه الوسائل تنقسم إلى وسائل عامة، ووسائل خاصة أكثر ظهورا في النشر، فإن البحث ينقسم إلى:
المطلب الأول: وسائل النشر العامة .
المطلب الثاني: (الصلاة) وسيلة لنشر القران وتعليمه.
المطلب الثالث: منح قراء القران الصدارة في الألقاب العلمية وقيادة الناس.
المطلب الرابع: تعليمهم تسمية السور وألقابها.
المطلب الأول: وسائل النشر العامة:
وهي تمثل عمل جهاز تعميمي للثقافة القرانية خارج نطاق الحيز المكاني للجامعة القرانية: وتنقسم إلى وسائل تطبيقية فيه شيء من شبه الإلزام، وإلى وسائل إغرائية دعائية ولكن بالحق، والصدق، وليس بمجرد الإغراء والدعاية:
أولا: وسائل تطبيقية شبه إلزامية وهي وسائل النشر العامة:
١- التعليم العام للقران الكريم: فقد أقرأ ﷺ مبلغ جهده، وخصص مقرئين للافاق ...
стр. 144
٢- ربط الحياة اليومية للمسلمين بايات القران الكريم: فالمسلم يستيقظ فيقرأ عشر ايات من اخر سورة ال عمران، ثم يقرأ اية الكرسي والمعوذات في مواضعها من يومه، ويختم ليلته بقراءة لسور الإسراء والزمر أو الملك أو أواخر البقرة على الأقل، ولا بد أن يقرأ عشر ايات في اليوم حتى لا يكون من الغافلين.
٣- أمر النبي ﷺ لهم بكتابة القران والتشديد في ذلك حتى منع من كتابة غيره معه في أول الأمر: كما قال لهم ﷺ : «لا تكتبوا عني، ومن كتب غير القران فليمحه، وحدثوا عني ولا حرج، ومن كذب علي متعمدا فليتبوأ مقعده من النار» «١» .
٤- ربط الحرز اليومي، أو سد التقصير بالقران الكريم: فقد جاء عن عبد الرحمن بن يزيد قال: لقيت أبا مسعود عند البيت فقلت: حديث بلغني عنك في الايتين في سورة البقرة؟ فقال: نعم! قال رسول الله ﷺ : «الايتان من اخر سورة البقرة من قرأهما في ليلة كفتاه» «٢» والمعنى: «أغنتاه عن قيام اللّيل وقيل أراد أنهما أقلّ ما يجزئ من القراءة في قيام الليل، وقيل تكفيان الشّرّ وتقيان من المكروه» «٣» ، وكالمعوذات، والتحرز من الشيطان باية الكرسي ...
٥- الأمر بتعلمه وجعله أول مادة دراسية في إطار منهج بناء الأمة: كما قال ابن مسعود ﵁: «هذا القران مأدبة الله فمن استطاع أن يتعلم منه شيئا فليفعل فإن أصغر البيوت من الخير الذي ليس فيه من كتاب الله شيء، وإن البيت الذي ليس فيه من كتاب الله شيء كخراب البيت الذي لا عامر له، وإن
стр. 145
الشيطان يخرج من البيت يسمع فيه سورة البقرة» «١» وظاهر أن الحديث له حكم الرفع فقوله: «فمن استطاع أن يتعلم منه شيئا فليفعل» ظاهر فيه الإلزام للتعلم، وتقدمت في الفصل الأول الأدلة الامرة بالتعلم ... ومع هذه الأدلة التي تعم الراعي والرعية فإن نفي الاستطاعة غير موجود في مؤسسات المجتمعات الإسلامية ويأمل المرء أن يجد مناهج كليات الطب والهندسة، والحاسوب ... ونحوها من الكليات الفنية غير خلية من هذه المادة العامة الأساسية، مع أنه يوجد المتفوقون والنابهون في الغالب، وقد تقرر عليهم محفوظات كثيرة، ولا يقرر عليهم حفظ شيء من القران مفسرا تفسيرا ميسرا «٢» ، بالإضافة إلى الربط الإسلامي التربوي للمناهج المأخوذة في مثل هذه الكليات بالقران الكريم والمعتقدات الإسلامية، ولو بإشارات خفيفة قياما بالتذكير، ودرا للغافلة.
٦- وكان ﷺ يعلمهم سماع القران إذا لم يريدوا تلاوته مباشرة لعارض كسل، أو لإرادة تدبر، أو غيره: كما سمع ﷺ من ابن مسعود ﵁، ولذا بوب البخاري باب «من أحب أن يسمع القران من غيره» «٣» .
٧- صبغ الأجواء ومختلف الأمكنة بالقران: فيحثهم على قراءة القران في البيت، فعن أنس ﵁ أن النبي ﷺ قال: «إن البيت يقرأ فيه القران يكثر خيره والبيت الذي لا يقرأ فيه القران يقل خيره» «٤» ، ومن هذا الباب قوله : الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِياماً وَقُعُوداً وَعَلى جُنُوبِهِمْ ... (ال عمران: ١٩١)
стр. 146
والقران أعظم الذكر، ومن هذا الباب حديث عبد الله بن المغافل في قراءة النبي ﷺ القران على دابته ... ليصير الجو مصبوغا بصبغة الله ﷻ : وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ صِبْغَةً (البقرة: ١٣٨) ، ويبلغ التفاعل مع القران وصبغ الأجواء به حدا أن يصبغ الرسول ﷺ بصبغة القران: فقد قال رسول الله ﷺ : «شيبتني هود وأخواتها سورة الواقعة وسورة القيامة والمرسلات وإذا الشمس كورت وإذا السماء انشقت وإذا السماء انفطرت قال وأحسبه ذكر سورة هود» «١» .
٨- ترديد القران في مواضع حياتهم اليومية: كقراءة قُلْ يا أَيُّهَا الْكافِرُونَ (الكافرون: ١) عند النوم، ومثلها اية الكرسي وأواخر سورة البقرة: فعن جبلة ﵁ قال: سألت رسول الله ﷺ قلت علمني شيئا ينفعني، قال: «إذا أخذت مضجعك فاقرأ قل يا أيها الكافرون حتى تختمها فإنها براءة من الشرك» «٢» ، وتكثر الايات التي تردد عقب الصلوات وقبل النوم وبعد الاستيقاظ منه ...
٩- الأمر بقراءة أقل قدر مستطاع من القران الكريم خارج الفاتحة: ففي صحيح ابن حبان عن عبد الله بن عمرو ﵄ أن رجلا أتى النبي ﷺ فقال: «يا رسول الله! أقرئني القران. قال: «اقرأ ثلاثا من ذوات الر» قال الرجل: كبر سني، وثقل لساني، وغلظ قلبي. قال رسول الله ﷺ : «اقرأ ثلاثا من ذوات حم» فقال الرجل مثل ذلك ولكن أقرئني يا رسول الله سورة جامعة فأقرأه رسول الله إِذا زُلْزِلَتِ الْأَرْضُ (الزلزلة: ١) حتى بلغ من يعمل مثقال ذرة خيرا يره ومن يعمل مثقال ذرة شرا يره قال الرجل: والذي بعثك بالحق ما أبالي ألاأزيد عليها حتى ألقى الله، ولكن أخبرني بما علي من العمل أعمل ما أطقت العمل.
стр. 147
قال: الصلوات الخمس، وصيام رمضان، وحج البيت، وأد زكاة مالك، ومر بالمعروف وانه عن المنكر «١» . ومراد الرجل أن يحفظ فلينظر كيف أمره النبي ﷺ بحفظ هذه السور الطوال؟ ولذا فإن معنى قوله: «وغلظ قلبي» أي غلب عليه قلة الحفظ وكثرة النسيان و «ثقل لساني» أي ثقل بحيث لم يطاوعني في تعلم القران ولا تعلم السور الطوال» «٢» .
١٠- قيام كتبة الوحي بتبليغ النازل من القران الكريم: فعن زيد بن ثابت ﵁ قال: كنت أكتب الوحي لرسول الله ﷺ وكان إذا نزل عليه الوحي أخذته برحاء شديدة، وعرق عرقا شديدا مثل الجمان ثم سرى عنه فكنت أدخل عليه بقطعة الكتف أو كسرة فأكتب وهو يملي علي، فما أفرغ حتى تكاد رجلي تنكسر من ثقل القران، حتى أقول لا أمشي على رجلي أبدا فإذا فرغت قال: «اقرأ» فأقرأه فإن كان فيه سقط أقامه ثم أخرج به إلى الناس «٣» .
١١- ومثله إقامة النواب عنه ﷺ في الإقراء: فعن عبادة بن الصّامت ﵁ قال: «كان رسول الله ﷺ يشغل فإذا قدم رجل مهاجر على رسول الله ﷺ دفعه إلى رجل منّا يعلّمه القران ... » «٤» .
١٢- جعله خير ما يتقرب به المتقربون: فعن أبي أمامة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «ما وما تقرّب العباد إلى الله تعالى بمثل ما خرج منه يعني القران» «٥» .
стр. 148
١٣- التفضيل لبعض السور من باب التحضيض التنويعي على قراءتهن: مما يجعل النفس تتشوف إلى حفظها أو تلاوتها ... ولنأخذ سورة البقرة نموذجا لأنها أطول السبع الطول: فعن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: «لا تجعلوا بيوتكم مقابر فإن الشيطان ينفر من البيت الذي يقرأ فيه سورة البقرة» «١» .
١٤- الترهيب من عدم القراءة: وفيه تعميم للقراءة فهي قراءة عامة تتوجه لكل الأمة: كما في حديث ابن مسعود ﵁ الذي تقدم قبل قليل في رقم (٥) من هذه الفقرة.
ثانيا: وسائل إغرائية دعائية ولكن بالحق، والصدق، وليس بمجرد الإغراء والدعاية الباطلة:
فتلحظ من طريقة القران وأسلوب النبي ﷺ في نشر القران وتعميم تعليمه منهجا تشويقيا إغرائيا يؤدي إلى تعظيم القران وتبجيله، وتعلمه- من بعد- ليصبغ جو المسلمين بالثقافة القرانية، وتمثل ذلك في عدة مظاهر:
كثرة الأسماء المعنوية، والصفات المختلفة للقران: فإن ذلك يجذب المرء إليه، ويجعله شديد التعظيم له، على أن مقاصد القران الكريم مختصرة في أسمائه، وهو إعجاز من نوع اخر ...
فمن أسمائه المذكورة في ثناياه: التنزيل، والذكر، والزبور، والسبع المثاني، والصحف، والفرقان، والكتاب، والنور، والبشرى، والبصيرة، والبلاغ، والحق، والحكيم، والذكرى، والرحمة، والشفاء، والعربي، والعزيز، والعظيم، والعلي، والكريم، والمبارك، والمبين، والمجيد ...
стр. 149
نسبة التعليم فيه إلى الله في قوله: الرَّحْمنُ (١) عَلَّمَ الْقُرْآنَ (٢) (الرحمن: ١- ٢) ، وهذا شبيه بنسبة فضل الصوم إليه في قوله ﷻ «الصوم لي وأنا أجزي به» ، ولكن هذا ورد في الحديث والأول في القران، وفي ذلك إغراء شديد بتعلم ألفاظ القران الكريم.
الأمر بتلاوته وتفصيل ادابها في القران الكريم ذاته، وهو أمر لافت ... أن يختزل ذكر بعض الأحكام الفقهية اليومية كالوضوء والصلاة، فتذكر إجمالا في القران الكريم، ويذكر الأمر بالتلاوة وتفصل ادابها وفضائلها.
إخبار الله ونبيه ﷺ عن الأجور العظيمة التي يهبها الله لمن يتقن القران أو بعضا منه مما يجعل المرء يقدس القران أعظم التقديس فمن ذلك فعن بريدة ﵁ قال: كنت جالسا عند النبي ﷺ فسمعته يقول: «تعلموا البقرة فإن أخذها بركة، وتركها حسرة، ولا يستطيعها البطلة، قال: ثم سكت ساعة ثم قال: تعلموا البقرة وال عمران فإنهما الزهراوان يظلان صاحبهما يوم القيامة كأنهما غمامتان أو غيابتان أو فرقان من طير صواف وإن القران يلقى صاحبه يوم القيامة حين ينشق عنه قبره كالرجل الشاحب فيقول هل تعرفني فيقول ما أعرفك فيقول أنا صاحبك القران الذي أظمأتك في الهواجر وأسهرت ليلك وإن كل تاجر من وراء تجارته وإنك اليوم من وراء كل تجارة فيعطى الملك بيمينه والخلد بشماله ويوضع على رأسه تاج الوقار ويكسى والداه حلتين لا تقوم لهما الدنيا فيقولان عم كسينا هذا فيقال بأخذ ولد كما القران ثم يقال اقرأ واصعد في درج الجنة وغرفها فهو في صعود ما دام يقرأ حدرا كان أو ترتيلا» «١» ، وكان التابعون من تلاميذ الصحابة ﵃ يذكرون هذا الحديث بأسلوبهم، فعن وهب الذّماريّ قال:
стр. 150
من اتاه الله القران فقام به اناء اللّيل واناء النّهار وعمل بما فيه ومات على الطّاعة بعثه الله يوم القيامة مع السّفرة والأحكام- قال سعيد السّفرة الملائكة والأحكام الأنبياء- قال: ومن كان حريصا وهو يتفلّت منه وهو لا يدعه أوتي أجره مرّتين، ومن كان عليه حريصا وهو يتفلّت منه ومات على الطّاعة فهو من أشرافهم، وفضّلوا على النّاس كما فضّلت النّسور على سائر الطّير، وكما فضّلت مرجة خضراء على ما حولها من البقاع فإذا كان يوم القيامة قيل: أين الّذين كانوا يتلون كتابي لم يلههم اتّباع الأنعام فيعطى الخلد والنّعيم فإن كان أبواه ماتا على الطّاعة جعل على رؤسهما تاج الملك فيقولان: ربّنا ما بلغت هذا أعمالنا؟ فيقول بلى إنّ ابنكما كان يتلو كتابي، ومن ذلك ما جاء عن كعب قال: عليكم بالقران فإنّه فهم العقل ونور الحكمة وينابيع العلم وأحدث الكتب بالرّحمن عهدا وقال في التّوراة: يا محمّد إنّي منزّل عليك توراة حديثة تفتح فيها أعينا عميا واذانا صمّا وقلوبا غلفا «١» .
التشويق بالتشبيه بالمحسوسات: فعن عبد الله بن مسعود ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «مثل الذي يقرأ القران ولا يعمل به كمثل ريحانة ريحها طيب ولا طعم لها، ومثل الذي يعمل بالقران كمثل التمرة طعمها طيب ولا ريح لها، ومثل الذي يعمل بالقران ويقرؤه كمثل الأترجة طعمها طيب وريحها طيب ومثل الذي لا يقرأ القران ولا يعمل كمثل الحنظلة طعمها خبيث وريحها خبيث» «٢» .
стр. 151
المطلب الثاني: (الصلاة) وسيلة لنشر القران وتعليمه:
ربط العبادات الإسلامية بالقران الكريم:
ربطت العبادات الإسلامية بالقران الكريم سماعا وإسماعا، وقراءة وإقراء ...
سواء كانت هذه العبادات:
يومية (كالصلاة) ، أو قراءة ايات أو سور عند النوم، أو عند الاستيقاظ منه فقد ثبت عنه ﷺ كان يقرأ في كل ليلة سورة بني إسرائيل والزمر «١» ، وفعله للاقتداء كما سبق.
أم كانت أسبوعية كيوم الجمعة كما ورد عن أبي سعيد الخدري ﵁ أن النبي ﷺ قال: «إن من قرأ سورة الكهف يوم الجمعة أضاء له من النور ما بين الجمعتين» «٢» ، ومن ذلك قراءته التعليمية على المنبر في خطبة الجمعة حيث يجتمع أكبر قدر من المسلمين، حيث قد ثبتت هذه الناحية التعليمية لألفاظ القران في خطبة الجمعة بصفة عامة كما في حديث جابر بن سمرة ﵁ قال: كانت له ﷺ خطبتان يجلس بينهما: يقرأ القران ويذكر الناس «٣» ، ومن أمثلة أثر هذا النوع من تعليم القران ما جاء عن أمّ هشام بنت حارثة بن النعمان قالت: لقد مكثنا سنة أو سنتين كان تنّورنا وتنّور النّبيّ ﷺ واحدا سنتين أو سنة وبعض سنة وما أخذت ق والقران المجيد إلّا على لسان رسول الله ﷺ كان يقرأ بها كلّ يوم جمعة على المنبر إذا خطب النّاس وفي لفظ: كان يعلم الناس يقرأها كل جمعة على المنبر «٤» .
стр. 152
- أم كانت العبادات سنوية كما في رمضان وهو شهر القران حيث ينفر الناس خفافا وثقالا لتدارس القران وأقل المسلمين في الغالب الأعم من يختم مرة على الأقل.
أم كانت عمرية (الحج) .
وهذا الربط بالقران الكريم إما فهما وإما قراءة في معظم تفاصيل وجزيئات تلك العبادة ... وبذا لا يستطيع مسلم داخل في هذا المسمى (الإسلام) إلا أن يتعلم الواجب العيني من القران الكريم، وهذه نقطة جديرة بالنظر ...
الصلاة:
وإنما أفردناها بالذكر لأثرها البالغ فهي عبادة تؤدى خمس مرات يوميا، منها ست ركعات جهرية- على الأقل-، ولنذكر بشيء من التفصيل ربط الصلاة بالقران الكريم، والأثر التعليمي لذلك على مستوى ألفاظ القران الكريم عظيم؛ إذ أضحت هذه المفروضات اليومية وسيلة لنشر القران الكريم تحفيظا وإقراء، وصارت الصلاة بذلك مدار قراءته وتلقينه للايات «قارن هذه النقطة فقط بما عند أهل الكتابين فضلا عن غيرهم في حفظ كتاب الله ، أو جعله عاما» :
فقد كان ﷺ يقرأ معظم القران موزعا على ركعات الفريضة اليومية:
وذلك إن لم يكن يقرؤه كله، ويدل على هذا ما جاء عن ابن عمر ﵁ أنه قال: ما من سورة من المفصل صغيرة ولا كبيرة إلا وقد سمعت رسول الله ﷺ يقرأها كلها في الصلاة «١» ، وكان ﷺ يعدد الاي في الصلاة فعن عبد الله بن عمرو ﵁ قال: رأيت رسول الله ﷺ يعدد الاي في الصلاة «٢» ، وكان الصحابة ﵃
стр. 153
يختمون القران في الصلاة، ولا يفعلون ذلك إلا عن اقتداء فعن أنس بن مالك ﵁ قال: كان أصحاب النبي ﷺ يقرؤن القران من أوله إلى اخره في الفرائض «١» ، وعن أبي العالية: قال أخبرني من سمع رسول الله ﷺ يقول: «لكل سورة حظها من الركوع والسجود» «٢» ، وعن أبي برزة ﵁ أن رسول الله ﷺ كان يقرأ في صلاة الغداة من الستين إلى المائة «٣» وفي هذا دلالة واضحة على متابعتهم الدقيقة له، حتى كانوا يعدون الايات؛ إذ لم تكن عدد الايات قد دونت بالصورة السهلة الموجودة في عهدنا، ثم استمر العلماء على استحباب ذلك القدر في الصلاة «٤» ، وعن ابن عباس قال: إن أم الفضل بنت الحارث سمعته وهو يقرأ وَالْمُرْسَلاتِ عُرْفاً (المرسلات: ١) فقالت: يا بني! لقد ذكرتني بقراءتك هذه السورة إنها لاخر ما سمعت رسول الله يقرأ بها في المغرب «٥» ، وروى ابن مسعود وابن عباس وأبي هريرة ﵃ أن النبي ﷺ كان يقرأ في الركعة الأولى من الفجر ب «ألم تنزيل السجدة» ، وفي الاخرى ب «هل أتى على الإنسان» «٦» ، بل كان ذلك واضحا حتى قبل الصدع بالدعوة، فعن أسماء بنت أبي بكر قالت: سمعت رسول الله ﷺ وهو يصلي نحو الركن قبل أن يصدع بما يؤمر، والمشركون يسمعون «فبأى الاء ربكما تكذبان» «٧» .
стр. 154
وكان ﷺ يقرأ بالطوال كثيرا، ويكمل السورة غالبا، فعن زيد بن ثابت وأبي أيوب الأنصاري ﵄ أنه ﷺ كان يقرأ في الركعتين من المغرب بسورة الأنفال «١» ، وقد يقرأ بغيرها لعارض كما ورد عن أنس بن مالك ﵁ قال: كان النبي ﷺ يسمع بكاء الصبي وهو في الصلاة مع أمه فيقرأ بالسورة الخفيفة أو السورة القصيرة «٢» .
وتسلسلت هذه المنهجية فقد ورد أن أبا بكر ﵁ قرأ في الفجر سورة البقرة فلما فرغ قال له عمر: كادت الشمس تطلع يا خليفة رسول الله؟ فقال ﵁: لو طلعت لم تجدنا غافلين «٣» ، وعن نافع قال: ربما أمنا ابن عمر ﵀ بالسورتين والثلاث في الفريضة «٤» .
ووصل الاعتناء بنشر القران الكريم أنه ﷺ كان يسمعهم الايات في الصلاة السرية أحيانا، وضبطوا السور التي كان يقرؤها في الصلاة السرية، فعن أبي قتادة ﵁ أن رسول الله ﷺ كان يقرأ في صلاة الظهر في الركعتين الأوليين بفاتحة الكتاب وسورة في كل ركعة، وكان يسمعنا أحيانا الاية وكان يطيل في الأولى ما لا يطيل في الثانية، وكان يقرأ في الركعتين الاخريين بفاتحة الكتاب في كل ركعة.
قيل: وكذلك في صلاة العصر؟ قال: وكذلك في صلاة العصر «٥» ، وعن زيد بن ثابت ﵁ أن النبي ﷺ قرأ في المغرب بالأعراف فرقها في الركعتين «٦» ، وعن
стр. 155
أنس ﵁ أم أهل بيته فصلّى بنا الظهر والعصر فقرأ قراءة همسا فقرأ بالمرسلات والنازعات وعم يستاءلون ونحوها من السور «١» ، وعن أنس ﵁ أن النبي ﷺ كان يقرأ في الظهر والعصر سبح اسم ربك الأعلى وهل أتاك حديث الغاشية «٢» ، وعنه ﵁ أن رسول الله ﷺ صلّى بهم الهاجرة فرفع صوته، فقرأ وَالشَّمْسِ وَضُحاها (الشمس: ١) وَاللَّيْلِ إِذا يَغْشى (الليل: ١) فقال له أبي بن كعب: يا رسول الله أمرت في هذه الصلاة بشيء؟ قال: «لا! ولكني أردت أن أوقت لكم» «٣» .
كان ﷺ يسمعهم قراءته في الغالب في نوافل الليل خاصة فعن أنس ﵁ قال: كان النبي ﷺ يوتر بتسع ركعات، فلما أسن وثقل أوتر بسبع، وصلّى ركعتين وهو جالس يقرأ فيهن بالرحمن والواقعة قال أنس: ونحن نقرأ بالسور القصار إِذا زُلْزِلَتِ الْأَرْضُ زِلْزالَها (الزلزلة: ١) وقُلْ يا أَيُّهَا الْكافِرُونَ (الكافرون: ١) ونحوهما «٤» .
ومثل ذلك كان فعل الصحابة، فتسلسلت المنهجية بذلك عن عبد الرحمن بن يزيد قال: صلّى ابن مسعود العشاء الاخرة فاستفتح بسورة الأنفال حتى بلغ نِعْمَ الْمَوْلى وَنِعْمَ النَّصِيرُ (الأنفال: ٤٠) ركع، ثم قرأ في الركعة الثانية بسورتين من المفصل وفي رواية بسورة من المفصل «٥» وعن أبي هريرة ﵁ قال: قدمت
стр. 156
المدينة ورسول الله ﷺ بخيبر ورجل من بني غفار يؤم الناس فقرأ في الركعة الأولي بسورة مريم، وفي الثانية ويل للمطففين أحسبه قال في صلاة الفجر «١» .
ووضع ابن عباس قاعدة عامة لحفظ السور من في النبي ﷺ في الصلاة، فعن كريب قال: سألت ابن عباس عن جهر النبي ﷺ بالقراءة بالليل فقال: كان يقرأ في حجرته قراءة لو شاء حافظ أن يتعلمها لفعل «٢» .
بل كانت القراءة في الصلاة وسيلة بلاغ وإنذار فعن جبير بن مطعم ﵁ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقرأ بالطور في المغرب، وذلك أول ما وقر الإيمان في قلبي «٣» .
وربط الاجتهاد في النوافل بالقران الكريم: فعن عبد الله بن عمرو بن العاص قال: قال رسول الله ﷺ : «من قام بعشر ايات لم يكتب من الغافلين ومن قام بمائة اية كتب من القانتين ومن قام بألف اية كتب من المقنطرين» «٤» ، والمقنطرين أي من المالكين مالا كثيرا والمراد كثرة الأجر «٥» .
стр. 157
المطلب الثالث: منح قراء القران الصدارة في الألقاب العلمية وقيادة الناس:
وتمثل ذلك في التالي:
أولا: جعل حملة القران ممن يتلوه حق تلاوته هم المقدمون في إمامة الناس الدينية والدنيوية:
فأما الدينية فيكاد يكون هذا من المعلوم من الدين بالضرورة، لذا بوب ابن خزيمة: «باب استحقاق الإمامة بالازدياد من حفظ القران وإن كان غيره أسن منه وأشرف» «١» ، ثم ذكر حديث أبي مسعود «يؤم القوم أقرؤهم لكتاب الله» «٢» الحديث، ورواه الحاكم في مستدركه ولكن عوض قوله فأعلمهم بالسنة «فأفقههم فقها فإن كانوا في الفقه سواا فأكبرهم سنا» ، وقول بعضهم: إن الأقرأ زمن النبي ﷺ كان الأعلم صحيح، لكن قد ورد تخصيص القراءة من حيث هي قراءة، ولفظه: «يؤم القوم أكثرهم قرانا، فإن كانوا في القران واحدا فأقدمهم هجرة، فإن كانوا في الهجرة واحدا فأفقهم فقها، فإن كانوا في الفقه واحدا فأكبرهم سنا» «٣» .
وعلى هذا: فلا يقدّم أي معيار اخر إلا مع التماثل في القراءة، فعن أبي قلابة عن مالك بن الحويرث ﵁ قال أتيت النبي ﷺ أنا وصاحب لي، فلما أردنا الإقفال قال لنا: «إذا حضرت الصلاة فأذنا ثم أقيما ثم ليؤمكما أكبركما» ، فقيل لأبي قلابة: فأين القراءة؟ قال: كانا متقاربين «٤» .
стр. 158
وأما ما جاء عن أبي يوسف قال: قال أبو حنيفة: لما أردت طلب العلم جعلت أتخير العلوم، وأسأل عن عواقبها، فقيل: تعلم القران. فقلت: إذا حفظته فما يكون اخره؟ قالوا: تجلس في المسجد فيقرأ عليك الأحداث، ثم لا يلبث أن يخرج فيهم من هو أحفظ منك أو مساويك فتذهب رئاستك ... فحكاية هشة لا يستسيغها اللسان لمكان أبي حنيفة، وقد قال الذهبي تعليقا عليها: «قلت: من طلب العلم للرئاسة قد يفكر في هذا وإلا فقد ثبت قول المصطفى صلوات الله عليه «أفضلكم من تعلم القران وعلمه» ، يا سبحان الله! وهل محل أفضل من المسجد؟
وهل نشر لعلم يقارب تعليم القران؟ كلا والله وهل طلبة خير من الصبيان الذين لم يعملوا الذنوب؟» «١» .
وعلمهم النبي ﷺ ذلك تطبيقيا:
فجعل الحافظ (حامل القران) هو المقدم على أمور الناس الدينية والدنيوية ما دامت العوامل المساعدة الاخرى قد وجدت فيه، وقد جعل النبي ﷺ عثمان بن أبي العاص أمير الطائف «٢» لما كان أكثرهم قرانا على الرغم من أنه أصغرهم سنا فعنه ﵁ قال: قال النبي ﷺ : «أمّ قومك» . «٣» .، وبيان قصة تأميره ﵁ عليهم فيما جاء عنه قال: قدمت في وفد ثقيف حين قدموا على رسول الله ﷺ فلبسنا حللنا بباب النبي ﷺ فقالوا: من يمسك لنا رواحلنا؟ فكل القوم أحب الدخول على النبي ﷺ وكره التخلف عنه، قال عثمان- وكنت أصغرهم- فقلت: إن شئتم أمسكت لكم على أن عليكم عهد الله لتمسكن لي إذا خرجتم.
стр. 159
قالوا: فذلك لك فدخلوا عليه، ثم خرجوا، فقالوا: انطلق بنا! قلت: أين؟
قالوا: إلى أهلك. فقلت: خرجت من أهلي حتى إذا حللت بباب النبي ﷺ أرجع، ولا أدخل عليه، وقد أعطيتموني ما قد علمتم. قالوا: فاعجل فإنا قد كفيناك المسألة فلم ندع شيئا إلا سألناه. فدخلت: فقلت: يا رسول الله! ادع الله أن يفقهني في الدين ويعلمني. قال: «ماذا قلت» ، فأعدت عليه القول فقال: «لقد سألتني عن شيء ما سألني عنه أحد من أصحابك اذهب فأنت أمير عليهم وعلى من يقدم عليك من قومك» فذكر الحديث «١» ، وفي رواية أخرى مختصرة قال: فيها فدخلت على رسول الله ﷺ فسألته مصحفا كان عنده فأعطانيه «٢» ، وما سأل مصحفا إلا لأنه كان أحفظهم.
فصارت الإمامة الدنيوية استحقاقا واجبا من استحقاقات الحافظ (حامل القران) ، بل يقدم الصغير على الكبار إذا كان قارئا كما ثبت في صحيح البخاري عن عمرو بن سلمة قال: كنا بماء ممر الناس، وكان يمر بنا الركبان، فنسألهم: ما للناس ما هذا الرجل؟ فيقولون: يزعم أن الله أرسله أوحى إليه كذا أوحى إليه، كذا فكنت أحفظ ذلك الكلام فكأنما يقر في صدري، وكانت العرب تلوم بإسلامها، فيقولون: أتركوه وقومه فإنه إن ظهر عليهم فهو نبي صادق، فلما كانت وقعة الفتح بادر كل قوم بإسلامهم، وبدر أبي قومي بإسلامهم، فلما قدم قال: جئتكم والله من عند نبي الله حقا. قال: «صلوا صلاة كذا في حين كذا، فإذا حضرت الصلاة فليؤذن أحدكم وليؤمكم أكثركم قرانا» فنظروا فلم يكن أحد أكثر مني قرانا لما كنت أتلقى من الركبان، فقدموني بين أيديهم وأنا ابن ست أو
стр. 160
سبع سنين، وكانت علي بردة إذا سجدت تقلصت عني، فقالت امرأة من الحي:
ألا تغطون عنا است قارئكم؟ فاشتروا فقطعوا لي قميصا فما فرحت بشىء فرحي بذلك القميص «١» ، وهذا يردّ ما ذهب إليه بعضهم من أن الصحابة لم يكونوا يؤمون إلا لأنهم فقهاء حيث أسلموا على كبر.
تسلسل المنهجية:
لقي نافع بن عبد الحارث عمر بن الخطاب بعسفان، وكان عمر استعمله على مكة فقال عمر: من استخلفت على أهل الوادي؟ قال:
استخلفت عليهم ابن أبزى. قال: ومن بن أبزى؟ قال: رجل من موالينا. قال عمر: فاستخلفت عليهم مولى. قال: إنه قارئ لكتاب الله تعالى، عالم بالفرائض، قاض. قال عمر: أما إن نبيكم ﷺ قال: «إن الله يرفع بهذا الكتاب أقواما ويضع به اخرين» «٢» .
ثانيا: جعل من تعلمه وعلمه في الذروة العليا من الخيرية:
فإذا كانت أمة النبي ﷺ خير أمة أخرجت للناس، فإن خيرها هم من علم القران وعلمه، وقد ورد هذا في تعليمه ﷺ للصحابة ﵃ أهمية ذلك من طريق عدد من الصحابة، فعن عثمان بن عفان ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ :
«خيركم من تعلم القران وعلمه» «٣» ، ونحوه عن أنس ابن مالك ﵁، ومثله عن علي وعبد الله بن مسعود «٤» ، وفي لفظ «خيركم من قرأ القران وأقرأه» «٥» ، ومن هذا الحديث تستبين المعالم التالية:
стр. 161
الخيرية مطلقة هنا فهي على الناس أجمعين خلا الأنبياء؛ ولذا ورد عن عيسى ﵊: «من علم وعمل وعلم يدعى في الملكوت عظيما» ، والفرد الأكمل من هذا الجنس هو النبي ﷺ ثم الأشبه فالأشبه «١» ، ولكنه جعلهم خير الناس باعتبار التعلم والتعليم.
لابد أن يكون هذا الوصف قائما في المرء حق القيام لينال ثوابه ويقدم على غيره، فقوله (من تعلم القران) أي حق تعلمه (وعلمه) أي حق تعليمه «٢» ...
ثالثا: بيان أنهم أحب الخلق إلى النبي ﷺ :
كيف لا يكون ذلك وهم ينشرون ما جاء هو لنشره ﷺ ؟ فقد سمع علي بن أبي طالب ضجة في المسجد، فقال: من هؤلاء؟ فقيل: هؤلاء قوم يقرؤون القران ويقرئونه. فقال: طوبى لهؤلاء! هؤلاء كانوا أحب الناس إلى رسول الله ﷺ «٣» ، وبالجملة فإن «فضايل «٤» أهل القران لا تحصى كما أن فضايل القران لا يحصى وكما فضله على ساير الكلام فضل حملته على ساير الأمم ومنحهم ما نالوا به الفخر في الدنيا والاخرة والذخر في العقبى» «٥» .
وقد يعترض على هذا بأنه يلزم أن يكون المقرئ أفضل ممن هو أعظم غناء في الإسلام بالمجاهدة والرباط والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، والجواب: حرف المسألة يدور على النفع المتعدي فمن كان حصوله عنده أكثر كان أفضل، ولا بد
стр. 162
مع ذلك من مراعاة الإخلاص في كل منهم «١» ، وهذا يختلف زمانا ومكانا وشأنا، على أن لحفظ كلام الله ﷻ مزية خاصة ظاهرة.
رابعا: النشر العام لفرض الكفاية من تعلم القران هو المقصد من ذكر الجوائز الحقيقية التحفيزية:
فعن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «أيحب أحدكم إذا رجع إلى أهله أن يجد فيه ثلاث خلفات سمان عظام؟» قال: قلنا: نعم! قال: «فثلاث ايات يقرؤهن أحدكم في صلاته خير له من ثلاث خلفات سمان عظام» «٢» ، ونحوه عن عقبة بن عامر ﵁ «٣» ، والمعنى: «فيتعلم ايتين من كتاب الله خير من ناقتين وثلاث لو تصدق بها» لأن فضل تعلم ايتين من كتاب الله أكبر من فضل ناقتين وعدادهن من الإبل لو تصدق بها؛ إذ محال أن يشبه من تعلم ايتين من كتاب الله في الأجر بمن نال بعض حطام الدنيا «٤» .
وذكر الصحابيين أبي هريرة وعقبة ﵄ لهذا الحديث يدل على تكرار النبي ﷺ له، كما أن ذكر الصلاة في الأول وعدم ذكرها في الثاني، وذكر المسجد للتعلم في الثاني دون ذكر الصلاة دال على حثه المطلق والعام لتتم القراءة في المسجد أو في غيره، وفي الصلاة أو في غيرها.
تسلسل المنهجية:
كان الصحابة ﵃ يرغبون تلاميذهم على نفس المنوال، فعن عبد الله بن مسعود ﵁ قال: «لو جعل لأحد خمس قلائص إن صلّى الغداة بالقرية لبات يقول لأهله لقد ان لي أن أنطلق، والله لا يقعد أحدكم فيتعلم
стр. 163
خمس ايات من كتاب الله فلهن خير له من خمس قلائص وخمس قلائص» «١» ، وفي رواية تصف كيفية إقراء ابن مسعود، وتنشيطه لتلاميذه ﵁: كان إذا أصبح أتاه الناس في داره فيقول: على مكانكم، ثم يمر بالذين يقرئهم القران، فيقول: أيا فلان بأي سورة أتيت فيخبره في أي اية فيفتح عليه الاية التي تليها، ثم يقول: تعلمها فإنها خير لك مما بين السماء والأرض، قال: فنظر الرجل اية ليس في القران خير منها، ثم يمر بالاخرى فيقول اية مثل ذلك حتى يقول ذلك لكلهم «٢» ، وعن أبي إسحاق قال: قال عبد الله بن مسعود: لو قيل لأحدكم لو غدوت إلى القرية كان لك أربع قلائص كان يقول لك قد أبى الله لي أن أغدو، وإن أحدكم غدا فتعلم اية من كتاب الله كانت خيرا له من أربع وأربع وأربع حتى عد شيئا كثيرا «٣» .
خامسا: تكريم حفظة القران وإلزامهم بتعليمه في مقابل تيسير الأمور الدنيوية الهامة لهم، وتعميم التعليم على الرجال والنساء:
ففي قصة الواهبة نفسها للنبي ﷺ طلبها بعض أصحابه، فلم يجد مهرا فقال له ﷺ : «ماذا معك من القران» قال: معي سورة كذا وسورة كذا عددها، فقال: «تقرؤهن عن ظهر قلبك؟» قال: نعم! قال: «اذهب فقد ملكتها بما معك من القران» «٤» ، والسور المذكورة «سماها في فوائد تمام أنها سبع من المفصل، وفي رواية: سورة البقرة أو التي تليها بأو، وفي رواية البقرة وسورة من المفصل، وفي رواية قال: «قم فعلمها عشرين اية وهي امرأتك» وجمع بينها بأن كلا من الرواة
стр. 164
حفظ ما لم يحفظ الاخر «١» ، وفي رواية لمسلم: «اذهب فعلمها من القران» «٢» ، وفي حديث ابن مسعود ﵁: «وقد أنكحتكها على أن تقريها وتعلمها وإذا رزقك الله عوضتها» فتزوجها الرجل على ذلك «٣» وسواء كان المهر هذا هو المهر أو لا- على الخلاف- فالمراد اشتراط ذلك دلالة على منزلة القارئ، ونشرا للقران.
وتنبني على هذا مسألة عقد المسابقات القرانية، ورصد الجوائز عليها:
فتشجيع الحفظ ونشر القران الكريم بالمسابقات القرانية ونحوه لا بأس به، ومن النصوص السابقة يظهر نوع إشارة من النبي ﷺ بذلك، وقد حث بعض أهل العلم على أن يعمل على وضع المحفزات لحفظ القران، ومنهم شيخ الإسلام ابن تيمية حيث قال: «وأما هذه الأوقاف على الترب ففيها من المصلحة بقاء حفظ القران وتلاوته هذه الأموال معونة على ذلك وحاضة عليه إذ قد يدرس حفظ القران بسبب عدم الأسباب الحاملة عليه، وفيها مفاسد أخر من حصول القراءة لغير الله، والتأكل بالقران، وقراءته على غير الوجه المشروع، واشتغال النفوس بذلك عن القراءة المشروعة، فمتى أمكن تحصيل هذه المصلحة بدون ذلك الفساد جاز والوجه النهي عن ذلك المنع، وإبطاله إن كان حصول مفسدة أكثر من ذلك» «٤» ، وقال في موضع اخر: «والوقوف التي وقفها الناس على القراءة عند قبورهم فيها من الفائدة أنها تعين على حفظ القران، وأنها رزق لحافظ القران، وباعثة لهم على حفظه ودرسه وملازمته» «٥» .
стр. 165
وتعرض ابن القيم لهذه المسألة فقال: «المسابقة على حفظ القران والحديث والفقه وغيره من العلوم النافعة والإصابة في المسائل هل تجوز بعوض؟ منعه أصحاب مالك وأحمد والشافعي وجوزه أصحاب أبي حنيفة وشيخنا وحكاه ابن عبد البر عن الشافعي، وهو أولى من الشباك والصراع والسباحة، فمن جوز المسابقة عليها بعوض فالمسابقة على العلم أولى بالجواز، وهي صورة مراهنة الصديق لكفار قريش على صحة ما أخبرهم به وثبوته، ولم يقم دليل شرعي على نسخه وأن الصديق أخذ رهنهم بعد تحريم القمار وأن الدين قيامه بالحجة والجهاد فإذا جازت المراهنة على الات الجهاد فهي في العلم أولى بالجواز» «١» ...
وهذا الحفاوة النبوية بحملة القران الكريم تقتضي- واقعا- أن تعقد لهم الاحتفالات في عصرنا، وتشهر أسماؤهم في وسائل الإعلام، ويعطون أعلى الأوسمة حال المسابقات، واللافت للنظر أن ما يحفل به الناس هذه الأيام من الفن والرياضة، لم يكن له هذا الرصيد من الحفاوة في العهد النبوي- وإن كان هذان الأمران قد يحترمان في بعض الجوانب الإيجابية، أو غير السيئة، وقد تعقد له دعاية معينة بحدودها في أوساط الأمة كما في سباق النبي ﷺ للخيل المضمرة إلا أن الفرق شاسع بين الدعاية الحقة التي بثها النبي ﷺ لحملة القران وبين هذين الصنفين.
ولكن يجب دراسة الأساليب التي تضبط نفوس المشاركين- قدر الإمكان- نحو الإخلاص، وطلب الدار الاخرة.
стр. 166
المطلب الرابع: تعليمه ﷺ تسمية السور وألقابها:
وهذا مما علمه النبي ﷺ لأصحابه ﵃، وجعله أصلا من أصول التعليم لأنه ترتيب للايات بعلامات مميزة، وضبطها في طوائف معروفة هي السور، مما يجعل عملية الحفظ، والتعلم أسهل.
فعلمهم النبي ﷺ تسمية السور؛ إذ لا يظهر أن ذلك يخضع للاجتهاد بل هو توقيفي في الغالب، وتدل على ذلك دلائل منها ما يظهر من الروايات الواردة في هذا الشأن كحديث: «شيبتني هود وأخواتها سورة الواقعة وسورة القيامة والمرسلات وإذا الشمس كورت وإذا السماء انشقت وإذا السماء انفطرت قال وأحسبه ذكر سورة هود» «١» ، ومنها: إفراد السور بأسماء معينة مع أن في السورة ما يجعل غيرها بالتسمية أولى كما في سورة البقرة مثلا.
وقد تسمى مجموعة من السور باسم مميز فعن عبد الله بن مسعود ﵁ قال:
أقرأني رسول الله ﷺ سورة من ال حم يعني الأحقاف قال: وكانت السورة إذا كانت أكثر من ثلاثين اية سميت ثلاثين «٢» ، وفي التسمية يقال سورة كذا كما بوب البخاري: «باب من لم ير بأسا أن يقول سورة البقرة وسورة كذا وكذا» «٣» ، ومن ذلك حديث أبي مسعود الأنصاري ﵁ قال: قال النبي ﷺ : «الايتان من اخر سورة البقرة من قرأ بهما في ليلة كفتاه» ، وفيه ردّ على من كره ذلك معتمدا على ما روي عن أنس بن مالك ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «لا تقولوا سورة البقرة ولا سورة ال عمران ولا سورة النساء وكذا القران كله ولكن
стр. 167
قولوا السورة التي يذكر فيها البقرة والتي يذكر فيها ال عمران وكذا القران كله» «١» ، والأحاديث في هذا المعنى كثيرة، وعن ابن مسعود أنه رمى الجمرة من بطن الوادي فجعل البيت عن يساره ومنى عن يمينه ثم قال: هذا مقام الذي أنزلت عليه سورة البقرة «٢» .
وفي خبر يوم حنين: «فانهزموا حتى لم يبق مع النبي ﷺ إلا العباس وأبو سفيان بن الحارث قال العباس: وكنت اخذا بلجام بغلة رسول الله ﷺ عن يمينه وأبو سفيان اخذ بركابه عن يساره فقال النبي ﷺ : «يا عباس ناد في الناس: يا أصحاب السمرة يا أصحاب سورة البقرة- يذكرهم البيعة التي بايعوه تحت الشجرة والشجرة سمرة بايعوه تحتها على ألايفروا- قال العباس: فناديت فخلصت الدعوة إلى الأنصار إلى بني الحارث بن الخزرج، فأقبلوا ولهم حنين كحنين الإبل فقالوا: لبيك يا رسول الله! وسعديك ... » «٣»
وعن هشام بن عروة عن أبيه: أن شعار أصحاب النبى ﷺ يوم مسيلمة كان:
يا أصحاب سورة البقرة «٤» ...
стр. 168
وقد يلقبون السورة بعلامة مميزة من حيث كمية اياتها، ولا يتحرجون:
نحو قول السورة القصيرة كما جاء عن أنس ﵁ قال: كان النبي ﷺ يسمع بكاء الصبي مع أمه وهو في الصلاة أو الشيء في الصلاة فيقرأ السورة القصيرة «١» ، وفي لفظ بالسورة الخفيفة «٢» .
وهذا يرد على من زعم أن من حرمة القران ألا يقال سورة صغيرة كأبي العالية فقد روي عنه أنه كره أن يقال سورة صغيرة أو كبيرة وقال: لمن سمعه قالها أنت أصغر منها وأما القران فكله عظيم «٣» ، وقد تقدم من حديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده أنه قال: «ما من المفصل سورة صغيرة ولا كبيرة إلا قد سمعت رسول الله ﷺ يؤم بها الناس في الصلاة» «٤» .
ومن هذا الباب: زيادة التنويه ببعض الايات: فعن أبي بن كعب ﵁ أن النبي ﷺ قال: «أي اية في كتاب الله أعظم؟» فقال: الله ورسوله أعلم. يكررها مرارا ثم قال أبي: اية الكرسي. فقال النبي ﷺ : «ليهنك العلم أبا المنذر والذي نفسي بيده أن لها للسانا وشفتين تقدسان للملك عند ساق العرش» «٥» .
стр. 169
وهذا يدل على شيوع التسمية بينهم- رضي الله تعالى عنهم- سواء بتعليم من النبي ﷺ أم غير ذلك فهو دال على سعة الأمر في ذلك ... ولكنه يرتبط بالعملية التعليمية لألفاظ القران الكريم من حيث شدة حفظ الصحابة لايات كل سورة وقدرتهم على تمييز كل سورة من الاخرى، وعلى الرغم من عدم شيوع العلامات الاصطلاحية للفصل بين الايات والسور إلا أن ما سبق يدل على قدرتهم على التمييز بينها بتلقائية، مما يدل على أن النبي ﷺ كان يوضح لهم ذلك أتم إيضاح.
стр. 170
المبحث الرابع: القواعد التربوية والعلمية المصاحبة لعملية الإقراء (من حيث اللفظ) :
والمراد هنا الاداب اللازمة للقارئ كما وضعها النبي ﷺ ، وذلك ينحصر في أربعة مطالب:
المطلب الأول: الانفعال بالقران الكريم .
المطلب الثاني: لزوم أبجديات منهج التلقي.
المطلب الثالث: تعليمهم تعظيم القران
المطلب الرابع: تعليمهم الهيئة التي يكون عليها قارئ القران إذا أراد القراءة.
المطلب الأول: الانفعال بالقران الكريم:
وله مظاهر متعددة منها:
أولا: الخلق القراني:
فهو وسيلة لتثبيت الحفظ، وقد علمهم النبي ﷺ هذا الخلق وكيفيته بتطبيقه مباشرة فعن أبي الدرداء ﵁ قال: سألت عائشة عن خلق رسول الله ﷺ فقالت: «كان خلقه القران يغضب لغضبه ويرضى لرضاه «١» ، وسألها عن خلق النبي ﷺ فقالت: ألست تقرأ القران؟ قلت: بلى قالت: فإن خلق نبي الله ﷺ كان القران «٢» ، وكون خلقه القران معناه أنه ﷺ كان متمسكا بادابه وأوامره
стр. 171
ونواهيه ومحاسنه، فجميع ما قص الله تعالى في كتابه من مكارم الأخلاق مما قصه من نبي أو ولي أو حث عليه كان ﷺ متخلقا به وكل ما نهى الله تعالى عنه فيه كان ﷺ لا يحوم حوله» «١» ، ثم باتت هذه قاعدة مقررة لتثبيت الحفظ، لذا قالوا:
«كنا نستعين على حفظ الحديث بالعمل» «٢» .
ثانيا: تحقيق للفاعلية الحركية للقران الكريم:
فهو ربط اللفظ بالاعتقاد والفكر، وربط الاعتقاد والفكر بالعمل والتطبيق ويشير إلى ذلك قوله تعالى: وَالَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ يُؤْمِنُونَ بِهِ وَهُمْ عَلى صَلاتِهِمْ يُحافِظُونَ (الأنعام: ٩٢) .
ومن هذه الفاعلية: أن النبي ﷺ علمهم أن ينفعلوا بايات القران بحسب معانيها؛ فإذا مر باية رحمة سأل الله من فضله، وإذا مر باية عذاب تعوذ بالله من شر العذاب، أو سأل الله العافية، وإذا مر باية تنزيه نزه الله تعالى، سواء كان ذلك في الصلاة أو خارجها، مأموما وإماما ومنفردا «٣» فعن حذيفة ﵁ قال: صليت مع النبي ﷺ ذات ليلة فافتتح البقرة فقلت: يركع عند المائة ثم مضى فقلت:
يصلي بها في ركعة، فمضى فقلت يركع بها، ثم افتتح النساء فقرأها، ثم افتتح النساء فقرأها، ثم افتتح ال عمران فقرأها، يقرأ مترسلا، إذا مر باية فيها تسبيح سبح، وإذا مر بسؤال سأل، وإذا مر بتعوذ تعوذ، ثم ركع ... الحديث «٤» .
стр. 172
ومنها: أنه كان إذا مر باية سجود- وهو يعلمهم القران- علمهم مشروعية السجود عندها، فعن ابن عمر ﵄ قال كان رسول الله ﷺ يعلّمنا القران فإذا مرّ بسجود القران سجد وسجدنا معه «١» ، ولكنه جاء عن زيد بن ثابت قال: قرأت على النبي ﷺ والنجم فلم يسجد فيها «٢» ... فذهب بعضهم إلى أنه لا يسجد حال التعليم لأنه يشق على الطالب والشيخ لكثرة الطلاب، وبذلك كان يأخذ الإمام أبو القاسم الشاطبي، ويعتمد على حديث زيد، والجمع بينهما عند المؤلف أن التعليم إن كان بالسماع فيسجد؛ إذ تنتفي المشقة، وكذلك هو واقع ما حكاه ابن عمر، وإن كان بالعرض فلا يسجد، وهو واقع حديث زيد، والله أعلم.
ومنها: أن يتفاعلوا مع الايات حسب معنى كل: فعن ابن عمر أن رسول الله ﷺ قرأ سورة الرحمن- أو قرئت عنده-، فقال: «مالي أسمع الجن أحسن جوابا لردها منكم؟ قالوا: وما ذاك يا رسول الله؟ قال: ما أتيت على قول الله تعالى فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ (الرحمن: ١٣) إلا قالت الجن: ولا بشيء من نعمك ربنا نكذب» «٣» .
ثالثا: تعليمهم لغتهم الاصطلاحية القرانية الخاصة:
فليس من لغتهم (نسيت اية كذا) ، وقد كان النبي ﷺ يعلمهم الانفعال بلغة القران كالذي ورد عن عائشة- رضي الله تعالى عنها- قالت: كان رسول الله ﷺ يكثر أن يقول في ركوعه وسجوده سبحانك اللهم ربنا وبحمدك اللهم اغفر لي يتأول القران «٤» أي يتأول قول الله ﷻ : فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَاسْتَغْفِرْهُ (النصر: ٣) ،
стр. 173
والظاهر أن هذا يقاس عليه ما دام دعاء في حدود ضوابطه المقررة- اجتهادا من الباحث-، فيقول مثلا: رب انشر لي من رحمتك وهيئ لي من أمري مرفقا، أخذا من قوله : يَنْشُرْ لَكُمْ رَبُّكُمْ مِنْ رَحْمَتِهِ وَيُهَيِّئْ لَكُمْ مِنْ أَمْرِكُمْ مِرفَقاً (الكهف: ١٦) ، ونحو ذلك.
رابعا: البكاء مع قراءة اللفظ:
وقد علمهم ﷺ ذلك قولا وتطبيقا فقد قال ﷺ : «إن القران نزل بحزن فإذا قرأتموه فتحازنوا» «١» ، وعن جرير ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ لنفر من أصحابه: «إني قارئ عليكم ايات من اخر الزمر فمن بكى منكم وجبت له الجنة» فقرأها من عند وَما قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ (الزمر: ٦٧) إلى اخر السورة فمنا من بكى، ومنا من لم يبك فقال الذين لم يبكوا: يا رسول الله! لقد جهدنا أن نبكي فلم نبك فقال: «إني سأقرأها عليكم فمن لم يبك فليتباك» «٢» ، وذاك صدى الجواب لقول الله : فَوَيْلٌ لِلْقاسِيَةِ قُلُوبُهُمْ مِنْ ذِكْرِ اللَّهِ (الزمر: ٢٢) ، وقوله ﷻ : أَفَمِنْ هذَا الْحَدِيثِ تَعْجَبُونَ (٥٩) وَتَضْحَكُونَ وَلا تَبْكُونَ (النجم: ٥٩- ٦٠) ، وكان ﷺ يبكي سواء قرأ هو الايات أو قرئت عليه كما في قراءة ابن مسعود عليه من سورة النساء «٣» ، وكانوا يشاهدون هذا من حاله ﷺ فعن مطرف بن عبد الله بن الشخير عن أبيه قال: رأيت رسول الله ﷺ يصلّى ولصدره أزيز كأزيز المرجل من البكاء «٤» والأزيز بزايين: صوت الرعد وغليان القدر.
стр. 174
وقد وصفت أسماء حال أصحاب رسول الله ﷺ عند سماع القران دلالة على نجاح رسول الله ﷺ بغرس صفة الانفعال الصادق بالقران فيهم، مع عدم المبالغة المتكلفة، فعن عبد الله بن عروة بن الزبير قال: قلت لجدتي أسماء: كيف كان يصنع أصحاب رسول الله ﷺ ؟ إذا قرأوا القران؟ قالت: كانوا كما نعتهم الله تدمع أعينهم وتقشعر جلودهم قلت: فان ناسا هاهنا إذا سمعوا ذلك تأخذهم عليه غشية. فقالت: أعوذ بالله من الشيطان «١» .
تسلسل المنهجية: وعلم الأصحاب ﵃ تلاميذهم ذلك فعن عبد الرحمن ابن السائب قال: قدم علينا سعد بن أبي وقاص ﵁ وقد كف بصره فسلمت عليه، فقال: من أنت فأخبرته فقال: مرحبا بابن أخي! بلغني أنك حسن الصوت بالقران سمعت رسول الله ﷺ يقول: «إن هذا القران نزل بحزن فإذا قرأتموه فابكوا فإن لم تبكوا فتباكوا وتغنوا به فمن لم يتغن به فليس منا» «٢» .
خامسا: التشنيع العاطفي الحساس مما يشير إلى النسيان:
وذلك بالتنفير من الألفاظ الشكلية فضلا المعاني الجوهرية وصولا إلى كمال المحاربة الشعورية والظاهرية للنسيان الفردي للقران الكريم فلا يتطرق إليه الترك الجماعي كما في قوله ﷺ : «بئسما لأحدهم يقول نسيت اية كيت وكيت بل هو نسّي «٣» » «٤» .
стр. 175
المطلب الثاني: لزوم أبجديات منهج التلقي:
ولأن القران تلق من الشفاه كما سبق بيانه فإنه يترتب على ذلك قواعد أساسية بينها النبي ﷺ لأصحابه، ورباهم عليها، وهي:
أولا: القراءة كما تلقى الإنسان دون تغيير:
ثانيا: قبول القراءة من أي صحابي ما دام يعزوها إلى النبي ﷺ بحسب منهجية التلقي، وتحسينها:
ثالثا: المراء في القران كفر:
ويأتي الكلام عن ذلك في الفصل الخامس- إن شاء الله تعالى-، إنما أحببنا الإشارة إلى أن هذا من القواعد العلمية والتربوية التي ربى النبي ﷺ عليها أصحابه ﵃.
المطلب الثالث: تعليمهم تعظيم القران «١» :
ولذلك مظاهر متعددة منها:
أولا: تعليمهم الاستغناء بالقران عن غيره:
فقد علمه ربه ﷻ أن يستغني بالقران عما سواه في قوله : وَلَقَدْ آتَيْناكَ سَبْعاً مِنَ الْمَثانِي وَالْقُرْآنَ الْعَظِيمَ (الحجر: ٨٧) فالله ﷻ يقول لنبيه ﷺ : «كما اتيناك القران العظيم فلا تنظرن إلى الدنيا وزينتها وما متعنا به أهلها من الزهرة الفانية لنفتنهم فيه فلا تغبطهم بما هم فيه» «٢» ، «ولا تطمح ببصرك طموح راغب إلى ما متعنا به أزواجا منهم أصنافا من الكفار فإنه
стр. 176
مستحقر بالإضافة إلى ما أوتيته فإنه كمال مطلوب بالذات، مفض إلى دوام اللذات» «١» «فاستغن بما اتاك من القران العظيم عما هم فيه من المتاع والزهرة الفانية» «٢» .
وعن معقل بن يسار رضي الله تعالى عنه قال: قال رسول الله ﷺ : «اعملوا بالقران أحلوا حلاله وحرموا حرامه واقتدوا به ولا تكفروا بشيء منه وما تشابه عليكم منه فردوه إلى الله وإلى أولي العلم من بعدي كما يخبروكم وآمنوا بالتوراة والإنجيل والزبور وما أوتي النبيون من ربهم وليسعكم القران وما فيه من البيان فإنه شافع مشفع وما حل مصدق ألا ولكل اية نور يوم القيامة وإني أعطيت سورة البقرة من الذكر الأول وأعطيت طه وطواسين والحواميم من ألواح موسى وأعطيت فاتحة الكتاب من تحت العرش» «٣» .
وبذلك رجح من رجح أن المراد بالتغني الوارد في حديث «ليس منا من لم يتغن بالقران» فهو الاستغناء به- عندهم- عن سائر الأشياء سواه «٤» .
تفسير الاستغناء: وهذا الغنى يحتمل غنى النفس بمعنى أنهم يرون أن ما منحوه من تيسير حفظه هو الغنى الحقيقي، وأن غنى بالمال في جنب ذلك لا عبرة به لأنه غاد ورائح، ويحتمل أن حفظه والعمل به يجلب الغنى بالمال «٥» ، «وقد روى ابن عساكر في تاريخه عن أنس ﵁: أغنى الناس حفظة القران، والمراد بهم من جعله الله تعالى في جوفه أي سهل له حفظه عن ظهر قلب مع العمل به كما تقرر ...
стр. 177
قال أبو إسحاق الدمشقي: كنت أمشي بالبادية واحدي فإذا أعييت رفعت صوتي بالقران فحمل عني ألم الجوع حتى قطعت مراحل كثيرة» «١» .
ومن أهم مظاهر الاستغناء به:
نبذ كل ما خالفه وجعله المهيمن في كل الأمور، وقد علمهم النبي ﷺ ذلك في قول الله : وَأَنْزَلْنا إِلَيْكَ الْكِتابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقاً لِما بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الْكِتابِ وَمُهَيْمِناً عَلَيْهِ (المائدة: ٤٨) .
وعن أنس بن مالك أنّه سمع عمر الغد حين بايع المسلمون أبا بكر واستوى على منبر رسول الله ﷺ تشهّد قبل أبي بكر فقال أمّا بعد فاختار الله لرسوله ﷺ الّذي عنده على الّذي عندكم وهذا الكتاب الّذي هدى الله به رسولكم فخذوا به تهتدوا وإنّما هدى الله به رسوله «٢» ، وكذلك كان ابن مسعود ﵁ يقول: إن هذا الصراط محتضر تحضره الشياطين ينادون يا عبد الله هذا الطريق فاعتصموا بحبل الله فإن حبل الله القران «٣» .
ثانيا: تعليمهم الاعتزاز بحفظ القران: ومن مظاهره:
١- تعليمهم إحكام القران بسلامته من الاختلاف: كما في قوله : وَلَوْ كانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلافاً كَثِيراً (النساء: ٨٢) ، فإن الاختلاف على ثلاثة أوجه:
اختلاف تناقض بأن يدعو أحد الشيئين إلى فساد الاخر، واختلاف تفاوت وهو أن يكون بعضه بليغا وبعضه مرذولا ساقطا وهذان الضربان من الاختلاف
стр. 178
منفيان عن القران، والثالث: اختلاف التلاؤم هو أن يكون الجميع متلائما في الحسن كاختلاف وجوه القراات ومقادير الايات» «١» .
١- تعليمهم الاكتفاء به في بيان منهج التلقي والاستدلال، والنجاة الدنيوية والاخروية: فقد علمهم النبي ﷺ قوله ﷻ : أَوَلَمْ يَكْفِهِمْ أَنَّا أَنْزَلْنا عَلَيْكَ الْكِتابَ يُتْلى عَلَيْهِمْ (العنكبوت: ٥١) ، وعلمهم أنه لا مجال للخسارة والتلجلج والاضطراب بعد أن يوهب المرء الكتاب حفظا إلا لمن لا عقل له وقد قال رسول الله ﷺ : «لو أن القران جعل في إهاب ثم ألقي في النار ما احترق» «٢» ، وفسره بعض الرواة بأن من جمع القران ثم دخل النار فهو شر من الخنزير، وعلمهم النبي ﷺ أنه الداعي إلى النجاة، ودستور الفلاح فعن النّوّاس بن سمعان الأنصاريّ ﵁ عن رسول الله ﷺ قال: «ضرب الله مثلا صراطا مستقيما وعلى جنبتي الصّراط سوران فيهما أبواب مفتّحة وعلى الأبواب ستور مرخاة وعلى باب الصّراط داع يقول أيّها النّاس ادخلوا الصّراط جميعا ولا تتفرّجوا وداع يدعو من جوف الصّراط فإذا أراد يفتح شيئا من تلك الأبواب قال ويحك لا تفتحه فإنّك إن تفتحه تلجه والصّراط الإسلام والسّوران حدود الله تعالى والأبواب المفتّحة محارم الله تعالى وذلك
стр. 179
الدّاعي على رأس الصّراط كتاب الله والدّاعي فوق الصّراط واعظ الله في قلب كلّ مسلم» «١» .
٢- نعت حملة القران بأعظم النعوت، وأجلها: مثل أهل الله وخاصته، خيركم، القراء على الإطلاق ... ومن مقتضى هذا الإطلاق: الإشارة إلى أن غيرهم أمي لا يعرف القراءة ولا الكتابة، وكأن عدم إتقان ألفاظ القران وحفظها أمية غير لائقة بالمديح حتى لو كان صاحبها متقنا لكل علم غير ذلك ... ، وذكر رجل عند رسول الله ﷺ بخير فقال رسول الله ﷺ : «أولم تروه يتعلّم القران» «٢» ، وقد حاد عن المنهجية من يمتهن ما كان النبي ﷺ وأصحابه يعظمونه.
٣- ولتعليمهم الاعتزاز بحفظ القران الكريم أمرهم بالفرح به في قوله :
قُلْ بِفَضْلِ اللَّهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذلِكَ فَلْيَفْرَحُوا (يونس: ٥٨) فقد قال ابن عباس فيها: «بكتاب الله وبالإسلام خير مما يجمعون» «٣» ، وعن البراء بن عازب ﵁ قال: قُلْ بِفَضْلِ اللَّهِ القران وَبِرَحْمَتِهِ أن جعلكم من أهله «٤» .
٤- أوجب عليهم تطبيقه وهيمنته على كل أمور الحياة الفردية والجماعية، فيكون الإنسان محاطا به في يقظته ومنامه، وأكله وجوعه، وذهابه وإيابه، وارتباطه الفردي والجماعي.
стр. 180
٥- التشديد على من ذكره في حلف أو قسم كما قال رسول الله ﷺ : «من حلف بسورة من القران فعليه بكل اية كفارة إن شاء بر وإن شاء فجر» «١» .
٦- وكنتيجة لهذا الاعتزاز بالقران فقد كان من اعتزازهم بالقران يطردون البطالين فعن ابن مسعود ﵁ أن بطالا أقبل إليهم فقال ابن مسعود اطردوه بالقران، ثم أمر غلاما أن يقرأ سورة في المصحف فلما سمع البطال القران ذهب «٢» ، وفي المقابل فقد كان ﷺ يعلمهم أن يشجع المقرئ القارئ فيقول المقرئ للقارئ أحسنت أو نحوها من العبارات: فعن عبد الله ابن مسعود قال:
بينا أنا بالشام بحمص فقيل لي: اقرأ سورة يوسف، فقرأتها فقال رجل: ما كذا أنزلت! فقلت: والله لقد قرأتها على رسول الله ﷺ فقال أحسنت فبينا أنا أكلمه إذ وجدت ريح الخمر، قلت: أتكذب بكتاب الله وتشرب الخمر؟ والله لا تبرح حتى أجلدك الحد «٣» .
ومن تسلسل المنهجية في تعليم الاعتزاز بالقران ما جاء عن عطاء بن السائب قال أقرأني أبو عبد الرحمن السلمي القران، وكان إذا قرأ عليه أحدنا القران، قال: قد أخذت علم الله، فليس أحد اليوم أفضل منك إلا بعمل، ثم يقرأ قوله أَنْزَلَهُ بِعِلْمِهِ وَالْمَلائِكَةُ يَشْهَدُونَ وَكَفى بِاللَّهِ شَهِيداً (النساء: ١٦٦) «٤» .