← Сира

Сира · id 9764

إذهاب الحزن وشفاء الصدر السقيم

عبد السلام مقبل المجيدي

Полный текст (569 стр.). Показаны 176–215 · переход к 181.

стр. 176

مستحقر بالإضافة إلى ما أوتيته فإنه كمال مطلوب بالذات، مفض إلى دوام اللذات» «١» «فاستغن بما اتاك من القران العظيم عما هم فيه من المتاع والزهرة الفانية» «٢» . وعن معقل بن يسار رضي الله تعالى عنه قال: قال رسول الله ﷺ : «اعملوا بالقران أحلوا حلاله وحرموا حرامه واقتدوا به ولا تكفروا بشيء منه وما تشابه عليكم منه فردوه إلى الله وإلى أولي العلم من بعدي كما يخبروكم وآمنوا بالتوراة والإنجيل والزبور وما أوتي النبيون من ربهم وليسعكم القران وما فيه من البيان فإنه شافع مشفع وما حل مصدق ألا ولكل اية نور يوم القيامة وإني أعطيت سورة البقرة من الذكر الأول وأعطيت طه وطواسين والحواميم من ألواح موسى وأعطيت فاتحة الكتاب من تحت العرش» «٣» . وبذلك رجح من رجح أن المراد بالتغني الوارد في حديث «ليس منا من لم يتغن بالقران» فهو الاستغناء به- عندهم- عن سائر الأشياء سواه «٤» . تفسير الاستغناء: وهذا الغنى يحتمل غنى النفس بمعنى أنهم يرون أن ما منحوه من تيسير حفظه هو الغنى الحقيقي، وأن غنى بالمال في جنب ذلك لا عبرة به لأنه غاد ورائح، ويحتمل أن حفظه والعمل به يجلب الغنى بالمال «٥» ، «وقد روى ابن عساكر في تاريخه عن أنس ﵁: أغنى الناس حفظة القران، والمراد بهم من جعله الله تعالى في جوفه أي سهل له حفظه عن ظهر قلب مع العمل به كما تقرر ...

стр. 177

قال أبو إسحاق الدمشقي: كنت أمشي بالبادية واحدي فإذا أعييت رفعت صوتي بالقران فحمل عني ألم الجوع حتى قطعت مراحل كثيرة» «١» . ومن أهم مظاهر الاستغناء به: نبذ كل ما خالفه وجعله المهيمن في كل الأمور، وقد علمهم النبي ﷺ ذلك في قول الله : وَأَنْزَلْنا إِلَيْكَ الْكِتابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقاً لِما بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الْكِتابِ وَمُهَيْمِناً عَلَيْهِ (المائدة: ٤٨) . وعن أنس بن مالك أنّه سمع عمر الغد حين بايع المسلمون أبا بكر واستوى على منبر رسول الله ﷺ تشهّد قبل أبي بكر فقال أمّا بعد فاختار الله لرسوله ﷺ الّذي عنده على الّذي عندكم وهذا الكتاب الّذي هدى الله به رسولكم فخذوا به تهتدوا وإنّما هدى الله به رسوله «٢» ، وكذلك كان ابن مسعود ﵁ يقول: إن هذا الصراط محتضر تحضره الشياطين ينادون يا عبد الله هذا الطريق فاعتصموا بحبل الله فإن حبل الله القران «٣» . ثانيا: تعليمهم الاعتزاز بحفظ القران: ومن مظاهره: ١- تعليمهم إحكام القران بسلامته من الاختلاف: كما في قوله : وَلَوْ كانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلافاً كَثِيراً (النساء: ٨٢) ، فإن الاختلاف على ثلاثة أوجه: اختلاف تناقض بأن يدعو أحد الشيئين إلى فساد الاخر، واختلاف تفاوت وهو أن يكون بعضه بليغا وبعضه مرذولا ساقطا وهذان الضربان من الاختلاف

стр. 178

منفيان عن القران، والثالث: اختلاف التلاؤم هو أن يكون الجميع متلائما في الحسن كاختلاف وجوه القراات ومقادير الايات» «١» . ١- تعليمهم الاكتفاء به في بيان منهج التلقي والاستدلال، والنجاة الدنيوية والاخروية: فقد علمهم النبي ﷺ قوله ﷻ : أَوَلَمْ يَكْفِهِمْ أَنَّا أَنْزَلْنا عَلَيْكَ الْكِتابَ يُتْلى عَلَيْهِمْ (العنكبوت: ٥١) ، وعلمهم أنه لا مجال للخسارة والتلجلج والاضطراب بعد أن يوهب المرء الكتاب حفظا إلا لمن لا عقل له وقد قال رسول الله ﷺ : «لو أن القران جعل في إهاب ثم ألقي في النار ما احترق» «٢» ، وفسره بعض الرواة بأن من جمع القران ثم دخل النار فهو شر من الخنزير، وعلمهم النبي ﷺ أنه الداعي إلى النجاة، ودستور الفلاح فعن النّوّاس بن سمعان الأنصاريّ ﵁ عن رسول الله ﷺ قال: «ضرب الله مثلا صراطا مستقيما وعلى جنبتي الصّراط سوران فيهما أبواب مفتّحة وعلى الأبواب ستور مرخاة وعلى باب الصّراط داع يقول أيّها النّاس ادخلوا الصّراط جميعا ولا تتفرّجوا وداع يدعو من جوف الصّراط فإذا أراد يفتح شيئا من تلك الأبواب قال ويحك لا تفتحه فإنّك إن تفتحه تلجه والصّراط الإسلام والسّوران حدود الله تعالى والأبواب المفتّحة محارم الله تعالى وذلك

стр. 179

الدّاعي على رأس الصّراط كتاب الله والدّاعي فوق الصّراط واعظ الله في قلب كلّ مسلم» «١» . ٢- نعت حملة القران بأعظم النعوت، وأجلها: مثل أهل الله وخاصته، خيركم، القراء على الإطلاق ... ومن مقتضى هذا الإطلاق: الإشارة إلى أن غيرهم أمي لا يعرف القراءة ولا الكتابة، وكأن عدم إتقان ألفاظ القران وحفظها أمية غير لائقة بالمديح حتى لو كان صاحبها متقنا لكل علم غير ذلك ... ، وذكر رجل عند رسول الله ﷺ بخير فقال رسول الله ﷺ : «أولم تروه يتعلّم القران» «٢» ، وقد حاد عن المنهجية من يمتهن ما كان النبي ﷺ وأصحابه يعظمونه. ٣- ولتعليمهم الاعتزاز بحفظ القران الكريم أمرهم بالفرح به في قوله : قُلْ بِفَضْلِ اللَّهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذلِكَ فَلْيَفْرَحُوا (يونس: ٥٨) فقد قال ابن عباس فيها: «بكتاب الله وبالإسلام خير مما يجمعون» «٣» ، وعن البراء بن عازب ﵁ قال: قُلْ بِفَضْلِ اللَّهِ القران وَبِرَحْمَتِهِ أن جعلكم من أهله «٤» . ٤- أوجب عليهم تطبيقه وهيمنته على كل أمور الحياة الفردية والجماعية، فيكون الإنسان محاطا به في يقظته ومنامه، وأكله وجوعه، وذهابه وإيابه، وارتباطه الفردي والجماعي.

стр. 180

٥- التشديد على من ذكره في حلف أو قسم كما قال رسول الله ﷺ : «من حلف بسورة من القران فعليه بكل اية كفارة إن شاء بر وإن شاء فجر» «١» . ٦- وكنتيجة لهذا الاعتزاز بالقران فقد كان من اعتزازهم بالقران يطردون البطالين فعن ابن مسعود ﵁ أن بطالا أقبل إليهم فقال ابن مسعود اطردوه بالقران، ثم أمر غلاما أن يقرأ سورة في المصحف فلما سمع البطال القران ذهب «٢» ، وفي المقابل فقد كان ﷺ يعلمهم أن يشجع المقرئ القارئ فيقول المقرئ للقارئ أحسنت أو نحوها من العبارات: فعن عبد الله ابن مسعود قال: بينا أنا بالشام بحمص فقيل لي: اقرأ سورة يوسف، فقرأتها فقال رجل: ما كذا أنزلت! فقلت: والله لقد قرأتها على رسول الله ﷺ فقال أحسنت فبينا أنا أكلمه إذ وجدت ريح الخمر، قلت: أتكذب بكتاب الله وتشرب الخمر؟ والله لا تبرح حتى أجلدك الحد «٣» . ومن تسلسل المنهجية في تعليم الاعتزاز بالقران ما جاء عن عطاء بن السائب قال أقرأني أبو عبد الرحمن السلمي القران، وكان إذا قرأ عليه أحدنا القران، قال: قد أخذت علم الله، فليس أحد اليوم أفضل منك إلا بعمل، ثم يقرأ قوله أَنْزَلَهُ بِعِلْمِهِ وَالْمَلائِكَةُ يَشْهَدُونَ وَكَفى بِاللَّهِ شَهِيداً (النساء: ١٦٦) «٤» .

стр. 181

المطلب الرابع: تعليمهم ﷺ الهيئة التي يكون عليها قارئ القران إذا أراد القراءة «١» : أولا: علمهم ﷺ ألا يمس المصحف إلا طاهر من كل حدث أصغر أو أكبر «٢» : فقد علمهم النبي ﷺ ذلك فيما رواه عبد الله بن أبي بكر بن حزم أن في الكتاب الذي كتبه رسول الله ﷺ لعمرو بن حزم: «ألايمس القران إلا طاهر» «٣» وقال الإمام مالك تفصيلا وبيانا للعلة: «ولا يحمل أحد المصحف بعلاقته ولا على وسادة إلا وهو طاهر ولو جاز ذلك لحمل في خبيئته ولم يكره ذلك لأن يكون في يدي الذي يحمله شيء يدنس به المصحف ولكن إنما كره ذلك لمن يحمله وهو غير طاهر إكراما للقران وتعظيما له» «٤» ، وأما قوله ﷻ : لا يَمَسُّهُ إِلَّا الْمُطَهَّرُونَ (الواقعة: ٧٩) ، فلا يدل على المسألة على الراجح كما قال مالك: أحسن ما سمعت في هذه الاية لا يَمَسُّهُ إِلَّا الْمُطَهَّرُونَ (٧٩) إنما هي بمنزلة هذه الاية التي في عبس وتولى قول الله ﵎ كَلَّا إِنَّها تَذْكِرَةٌ (١١) فَمَنْ شاءَ ذَكَرَهُ (١٢) فِي صُحُفٍ مُكَرَّمَةٍ (١٣) مَرْفُوعَةٍ مُطَهَّرَةٍ (١٤) بِأَيْدِي سَفَرَةٍ (١٥) كِرامٍ بَرَرَةٍ (عبس: ١١- ١٦) «٥» ، وقد استنبط العلماء ذلك التعظيم للمصحف من

стр. 182

ايات الواقعة وعبس، ولكن بطريق اخر «لأن الملائكة يعظمون المصاحف المشتملة على القران في الملأ الأعلى فأهل الأرض بذلك أولى وأحرى لأنه نزل عليهم وخطابه متوجه إليهم فهم أحق أن يقابلوه بالإكرام والتعظيم والانقياد له بالقبول والتسليم» «١» ، وقد علم الصحابة أصحابهم ذلك. وذكر ابن عبد البر رواية تؤكد إرادة معنى الوضوء هي (ألايمس القران إلا على طهور) ، ولذا لم يختلف فقهاء الأمصار بالمدينة والعراق والشام أن المصحف لا يمسه إلا الطاهر على وضوء، وهو قول مالك والشافعي وأبي حنيفة والثوري والأوزاعي وأحمد بن حنبل وإسحاق بن راهواه وأبي ثور وأبي عبيد وهؤلاء أئمة الفقه والحديث في أعصارهم «٢» . تسلسل المنهجية: وحرص الصحابة على ذلك فعن مصعب بن سعد أنه قال: كنت أمسك المصحف على سعد بن أبي وقاص فاحتككت فقال سعد: لعلك مسست ذكرك فقلت: نعم فقال قم فتوضأ فقمت فتوضأت ثم رجعت «٣» ، وعن عبد الرحمن بن يزيد قال: كنا مع سلمان فخرج فقضى حاجته، ثم جاء فقلت: يا أبا عبد الله لو توضأت لعلنا أن نسألك عن ايات قال: إني لست أمسه إنما لا يمسه إلا المطهرون فقرأ علينا ما شئنا «٤» . ثانيا: علمهم النبي ﷺ أنه يجوز القراءة على كل حال ما لم يكن جنبا: فعدم المس لا يعني اطّراح القراءة، بل القراءة مطلوبة على كل حال ما لم يكن المرء جنبا، وذلك ما علمه الصحابة ﵃ لمن بعدهم كما تعلموه من النبي ﷺ

стр. 183

فعن عبد الله بن سلمة قال: دخلت على علي بن أبي طالب ﵁ أنا ورجلان رجل من قومي ورجل أحسبه من بني أسد فبعثهما وجها وقال إنكما علجان فعالجا عن دينكما ثم دخل المخرج فقضى حاجته ثم خرج فأخذ حفنة من ماء فمسح بها ثم جعل يقرأ القران قال فكأنه رأى أنا أنكرنا ذلك فقال: كان رسول الله ﷺ يقضي حاجته فيقرأ القران ويأكل معنا اللحم ولم يكن يحجبه وربما قال يحجزه عن القران شيء ليس الجنابة «١» ، وبات ذلك قولا لعلي ﵁، إذ ورد عنه أنه قال: لا بأس أن تقرأ القران وأنت على غير وضوء فأما وأنت جنب فلا ولا حرفا «٢» . وإنما أخذ الصحابة ذلك تعليما من النبي ﷺ في عدة وقائع، منها ما جاء عن ابن عباس ﵄ أخبره أنه بات ليلة عند ميمونة أم المؤمنين وهي خالته، قال فاضطجعت في عرض الوسادة واضطجع رسول الله ﷺ وأهله في طولها فنام رسول الله ﷺ حتى إذا نتصف الليل أو قبله بقليل أو بعده بقليل استيقظ رسول الله ﷺ فجعل يمسح النوم عن وجهه بيده ثم قرأ العشر الايات الخواتم من سورة ال عمران ثم قام إلى شن معلقة فتوضأ منها فأحسن وضوءه ثم قام فصلّى وذكر باقي الحديث «٣» . وأخذ ذلك ابن عباس ﵁ وأفتى به فعن سعيد بن جبير قال: كان ابن عمر وابن عباس يقولان: إنا لنقرأ الجزء من القران بعد الحدث «٤» .

стр. 184

وهذا لبيان الجواز في قراءة غير الجنب دون مس للمصحف خشية الحجب الكثير عن القراءة تلاوة وحفظا ومراجعة، وإلا فالأكمل ألايذكر الله على غير طهارة لما رواه المهاجر بن قنفذ بن عمر بن جدعان أنه أتى النبي ﷺ وهو يبول فسلم عليه فلم يرد النبي ﷺ حتى توضأ ثم اعتذر إليه فقال: «إني كرهت أن أذكر الله إلا على طهر» أو قال: «على طهارة» «١» . وأما قراءة الجنب والحائض للقران: فلأهل العلم في ذلك ثلاثة أقوال: قيل يجوز لهذا ولهذا وهو مذهب أبي حنيفة، والمشهور من مذهب الشافعي وأحمد. وذهب البعض إلى أن الحائض لا تمس المصحف ولا تقرأ القران «٢» ، وقال الأوزاعي سئل الزهري عن الجنب والنفساء والحائض فقال: لم يرخص لهم أن يقرؤوا من القران شيئا «٣» . وقيل لا يجوز للجنب ويجوز للحائض إما مطلقا أو إذا خافت النسيان وهو مذهب مالك وقول في مذهب أحمد وغيره، فقد غلب المحققون جانب قراءة القران فأجازوا للحائض القراءة تغليبا لهذا الأصل استحسانا لطول مقامها حائضا وهو مذهب مالك «٤» ، بل ذهب البعض إلى أنه إذا ظنت نسيانه وجبت «٥» ، فإن قراءة الحائض القران لم يثبت عن النبي ﷺ فيه شيء غير: «لا تقرأ الحائض ولا

стр. 185

الجنب من القران شيئا» «١» ، وهو حديث ضعيف باتفاق أهل المعرفة بالحديث، ومعلوم أن النساء كن يحضن على عهد رسول الله ولم يكن ينههن عن قراءة القران كما لم يكن ينههن عن الذكر والدعاء بل أمر الحيض أن يخرجن يوم العيد فيكبرن بتكبير المسلمين وأمر الحائض أن تقضي المناسك كلها إلا الطواف بالبيت تلبي وهي حائض وكذلك بمزدلفة ومنى وغير ذلك من المشاعر، وأما الجنب فلم يأمره أن يشهد العيد ولا يصلي ولا أن يقضي شيئا من المناسك لأن الجنب يمكنه أن يتطهر فلا عذر له فيترك الطهارة بخلاف الحائض فإن حدثها قائم لا يمكنها مع ذلك التطهر لكن المقصود أن الشارع أمر الحائض أمر إيجاب أو استحباب بذكر الله ودعائه مع كراهة ذلك للجنب فعلم أن الحائض يرخص لها فيما لا يرخص للجنب فيه لأجل العذر، وإن كانت عدتها أغلظ، وليست القراءة كالصلاة وكان النبي يضع رأسه في حجر عائشة ﵂ وهي حائض، وفي صحيح مسلم أيضا يقول الله للنبي ﷺ : «إني منزل عليك كتابا لا يغسله الماء تقرأه نائما ويقظانا» فتجوز القراءة قائما وقاعدا وماشيا ومضطجعا وراكبا «٢» . ثالثا: لا يمكن الكافر من لمس المصحف: وذلك لئلا يتمكن من الاستهانة به، فقد علمهم النبي ﷺ ذلك فيما رواه عن ابن عمر قال: قال رسول الله ﷺ : «لا تسافروا بالقران فإني لا امن أن يناله العدو» «٣» .

стр. 186

وأما ترجمة معاني القران وإهداؤها أو بيعها لمن يؤمل فيه الهداية فالظاهر الجواز مطلقا ولا يدخل في الخلاف، فيشرع مس الكتاب الذي فيه معاني القران ككتب التفسير والفقه ونحوها مما يؤمل معه أن يسلم، أو يتعرف إلى الإسلام كما أرسل النبي ﷺ كتابه إلى هرقل. وقد اشتد المسلمون في تنفيذ ذلك حتى منعوا منه أولي القوة من المشركين فقد قال عمر لأخته قبل أن يسلم: أعطوني الكتاب الذي هو عندكم فأقرأ- وكان عمر يقرأ الكتاب- فقالت أخته: إنك رجس، وإنه لا يمسه إلا المطهرون فقم فاغتسل أو توضأ قال فقام عمر فتوضأ ثم أخذ الكتاب فقرأ طه ولهذا الحديث شواهد كثيرة وهو قول الفقهاء السبعة من أهل المدينة «١» ، ولكن رخص مالك للصبيان في مس المصحف على غير طهر لأنهم غير مكلفين «٢» . رابعا: استعمال السواك عند القراءة: والراوي لهذا إنما هو شيخ القراء أبو عبد الرحمن السلمي عن علي قال: أمرنا بالسواك وقال إن العبد إذا قام يصلي أتاه الملك فقام خلفه يستمع القران ويدنو فلا يزال يستمع ويدنو حتى يضع فاه على فيه فلا يقرأ اية إلا كانت في جوف الملك «٣» فيطيّب فاه إذ هو طريق القران كما جاء في حديث علي: «إن أفواهكم طرق للقران فطهروها بالسواك» «٤» ، بل ذكر بعض العلماء أن من فمه نجس يحتمل المنع من قراءة القران وأنه أولى «٥» .

стр. 187

خامسا: وعلمهم من تعظيمه أن يستقبل القبلة لقراءته: ومن النصوص التعليمية الواردة في استقبال القبلة ما رواه أبو هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «إن لكل شيء سيدا وإن سيد المجالس قبالة القبلة» «١» ، وذلك يشير إلى أن كل حركة وسكون من العبد على نظام العبودية بحسب نيته في يقظته ومنامه وقعوده وقيامه وشرابه وطعامه تشرف حالته بذلك فيتحرى القبلة في مجلسه ويستشعر هيئتها، فلا يعبث فيسن المحافظة على استقبالها ما أمكن حتى للمدرس على الأصح، وإنما سن استدبار الخطيب للقبلة لأن المنبر يسن كونه بصدر المجلس فلو استقبل خرج عن مقاصد الخطاب، لأنه يخاطب حينئذ من هو خلف ظهره وقد يفعل كما كان يصنع شيخ الإسلام الشرف المناوي يجلس لإلقاء الدرس مستدبرها، والقوم أمامه قياسا على الخطبة ويعلله بما ذكر من أن ترك استقبال واحد أسهل من تركه لخلق كثير «٢» . سادسا: تعليمهم الحالة التي يكون عليها قارئ القران أثناء القراءة: ١- أن يتمضمض كلما تنخع روى شعبة بن أبي حمزة عن ابن عباس ﵁: أنه كان يكون بين يديه تور إذا تنخع مضمض ثم أخذ في الذكر وكان كلما تنخع مضمض «٣» . وهذا ليس على إطلاقه كما في تحليل أدلة ذلك كله، فإن من مقاصد الشرع أن يجعل الذكر حياة المؤمن فيذكر الله قائما وقاعدا وعلى جنب، لا يحجبه عن الذكر شيء ما لم يكن الجنابة، وفيه إبقاء لنوع التميز للذكر وقراءة القران.

стр. 188

٢- الخشوع عند قراءة القران: فعن أبي وائل قال: جاء رجل يقال له نهيك بن سنان إلى عبد الله فقال: يا أبا عبد الرّحمن كيف تقرأ هذا الحرف ألفا تجده أم ياء من ماء غير اسن أو من ماء غير ياسن قال فقال عبد الله: وكلّ القران قد أحصيت غير هذا قال إنّي لأقرأ المفصّل في ركعة فقال عبد الله هذا كهذّ الشّعر إنّ أقواما يقرؤن القران لا يجاوز تراقيهم ولكن إذا وقع في القلب فرسخ فيه نفع «١» . ٣- إذا تثاءب أن يمسك عن القراءة: لأنه إذا قرأ فهو مخاطب ربه ومناج والتثاؤب من الشيطان، وعن مجاهد قال: إذا تثاءبت وأنت تقرا فامسك عن القراءة حتى يذهب عنك «٢» ، يريد أن في ذلك الفعل إجلالا للقران «٣» . ٤- إذا أخذ في القراءة لم يقطعها ساعة فساعة بكلام الادميين من غير ضرورة. ٥- أن يقرأه بالترتيل. ٦- أن يستعمل فيه ذهنه وفهمه حتى يعقل ما يخاطب به، كما في قوله ﷻ : كِتابٌ أَنْزَلْناهُ إِلَيْكَ مُبارَكٌ لِيَدَّبَّرُوا آياتِهِ (ص: ٢٩) كما قال الغزالي: «ولا يعرفه إلا من طال في تدبر كلماته فكره وصفا له فهمه حتى تشهد له كل كلمة منه بأنه كلام جبار قهار وأنه خارج عن حد استطاعة البشر» «٤» . ٧- أن يقف على اية الوعد فيرغب إلى الله تعالى ويسأله من فضله وأن يقف على اية الوعيد فيستجير بالله منه: كما تقدم في الفاعلية الحركية.

стр. 189

٨- يمنع رفع الصوت واللغط عند قراءة القران: فعن أبي عبد الرحمن قال: القران وحشى ولا يصلح مع اللغط «١» ، والمراد يحتاج ليكون واحده في السماع والقلب دون أن يزاحمه غيره، وعن قيس بن عبادة قال كان أصحاب رسول الله ﷺ يكرهون رفع الصوت عند الذكر «٢» أي من غير الذاكرين أو منهم على وجه مناف للخشوع. فأما منهج الحلقات، وهيئة القراءة كما علمها الرسول ﷺ أصحابه ﵃ فقد بسط لها الفصل الثالث كاملا.

стр. 190

الفصل الثالث: جماع منهجية النبي ﷺ في تحفيظ الألفاظ وترتيلها: هذا الفصل معقود لبيان كيفية تعليم النبي ﷺ اللفظ القراني في اتجاهين: تقسيم معالم التدريس في الحقل القراني إلى معالم أساسية سواء كانت في الوقت الرسمي للحلقات القرانية أو في غيره. وبيان كيفية تلقينه ﷺ لهم اللفظ القراني، وذلك اقتضى بيان التأصيل الشرعي للتجويد، والملحقات به ... ولتحقيق البيان الكامل حول هذين الاتجاهين انقسم هذا الفصل إلى ستة مباحث هي: المبحث الأول: تعليمه ﷺ أساسات الدرس القراني (منهج الحلقات القرانية) . المبحث الثاني: تعليمه ﷺ ماهية التجويد وحكمه. المبحث الثالث: تعليمه ﷺ أهمية التجويد وضوابطه الشرعية. المبحث الرابع: تعليمه ﷺ ترتيل ألفاظ القران الكريم. المبحث الخامس: تعليمه ﷺ مراتب الأداء الأعلى من التجويد. المبحث السادس: تعليمه ﷺ الملحقات بأحكام التجويد.

стр. 191

المبحث الأول: تعليمه ﷺ أساسات الدرس القراني «منهج الحلقات القرانية» : ويتحدث هذا المبحث عن أساسات التعليم القراني عند النبي ﷺ ، ويبين أنها الأساسات ذاتها التي يسير عليها معلمو القران الكريم في عصرنا سواء كان ذلك في وقت الحلقات القرانية أو بعدها مما تستلزمه الدراسة ... ولبيان ذلك انقسم المبحث إلى أربعة مطالب، تمثل أساسات الدرس القراني: المطلب الأول: القراءة نظرا من المصحف . المطلب الثاني: القراءة عن ظهر قلب. المطلب الثالث: التعاهد (المراجعة) . المطلب الرابع: تعليمهم مقدار الورد (الحزب) اليومي. المطلب الأول: القراءة نظرا من المصحف: كان ﷺ يعلمهم القراءة من المصحف نظرا بالإضافة إلى استظهاره عن ظهر قلب فهو يقول لأصحابه: «من سره أن يحب الله ورسوله؛ فليقرأ في المصحف» «١» ، ولعله ﷺ كان يملي عليهم القران ليكتبوه عند موضع يقال له موضع المصحف فعن سلمة بن الأكوع أنه ﵁ كان يتحرى موضع مكان المصحف فكان يتحرى الصلاة عند الاسطوانة التي عند المصحف. «٢» .، ووقع عند مسلم بلفظ: (يصلي وراء الصندوق) ، وكأنه كان للمصحف صندوق يوضع

стр. 192

فيه «١» ، وقيل في مسجده ﷺ موضع خاص للمصحف كان ثمة من عهد عثمان «٢» . والحث على القراءة نظرا من المصحف ليتحقق أمران منهجيان أساسان في نقل اللفظ القراني: ١- وجود القران مكتوبا على أوسع نطاق في الأمة، فلكل أسرة على الأقل مصحف مما يجعل مسألة التشكيك فيه ضربا من الهذيان، وهذا من مقتضيات تسمية القران بالكتاب. ٢- تعضيد القراءة بالكتابة، وتثبيت الكتابة بالقراءة ... ولذا كان أشهر اسمين للقران هما (القران والكتاب) ، ومن الفوائد غير ذلك: أن يثبت في ذهن المؤمنين وغيرهم أن الكتاب الذي يستحق وصف الكتاب بإطلاق هو القران، كما قال الله : ذلِكَ الْكِتابُ (البقرة: ٢) . فيه مواساة لمن لا يحفظ لبقاء اتصاله بالقران ولو لم يكن من حملة القران بالمعنى الخاص. نشر الكتابة في الأمة على أوسع نطاق بربطه بما ينبغي نشره على أوسع نطاق وهو المصحف، مما يجعلها تأخذ بنواصي التقدم العلمي دائما. التدبر: فإن النظر في المصحف يعين على ذلك: قال ﷺ : «أعطوا أعينكم حظها من العبادة قيل: يا رسول الله ما حظها من العبادة؟ قال: النظر في المصحف والتفكر فيه والاعتبار عند عجائبه» «٣» .

стр. 193

وأمرهم النبي ﷺ بتملك المصاحف: كما في قوله ﷺ : «تعلّموا كتاب الله تعالى وتعاهدوه واقتنوه وتغنّوا به فو الّذي نفسي بيده لهو أشدّ تفلّتا من المخاض في العقل» «١» ؛ إذ إن قوله «اقتنوه» يفيد التملك أو اللزوم ... وكلاهما يدل على مصاحبة المصحف للمرء. وقد اهتم الصحابة بتملك المصاحف، وصار المصحف قطعة من فؤادهم: حتى جعلوه مقياسا للجمال عندهم لكثرة نظرهم فيه فعن أنس بن مالك الأنصاري ﵁ أن أبا بكر ﵁ كان يصلي لهم في وجع النبي ﷺ الذي توفي فيه حتى إذا كان يوم الاثنين وهم صفوف في الصلاة، فكشف النبي ﷺ ستر الحجرة ينظر إلينا وهو قائم كأن وجهه ورقة مصحف، ثم تبسم يضحك فهممنا أن نفتتن من الفرح برؤية النبي ﷺ .. «٢» .، فقوله (كأن وجهه ورقة مصحف) عبارة عن الجمال البارع، وحسن البشرة وصفاء الوجه واستنارته «٣» . وكان الصحابة ﵃ يتابعون النظر في المصحف ولو كانوا حفظة فعن الحسن البصري قال: دخلوا على عثمان والمصحف في حجره «٤» ، وعثمان ﵁ هو القائل ﵁: (لو أن قلوبنا طهرت ما شبعنا من كلام ربنا، وإني لأكره أن يأتي علي يوم لا أنظر في المصحف) «٥» ، وما مات ﵁ حتى خرق مصحفه من كثرة ما كان يديم النظر فيه «٦» ، وعن عكرمة قال: دخلت على ابن عباس ﵁ وهو

стр. 194

يقرأ في المصحف قبل أن يذهب بصره وهو يبكي.. «١» .، وكان الصحابة ﵃ يحثون الناس على القراءة من المصحف فقد أتى قوم واثلة بن الأسقع فقالوا: حدثنا حديثا سمعته من رسول الله ﷺ ليس فيه زيادة ولا نقصان، فغضب وقال: «إن مصحف أحدكم معلق في بيته وهو يزيد وينقص ... » «٢» أي لا يتقن حفظ القران ويسأل عن حديث النبي ﷺ ، وعن ثابت قال: كان عبد الرحمن بن أبي ليلى إذا صلّى الصبح قرأ المصحف حتى تطلع الشمس قال وكان ثابت يفعله «٣» ، وعن عبد الله بن عمرو قال: انتهيت إليه وهو ينظر في المصحف قال قلت أي شيء تقرأ في المصحف قال: حزبي الذي أقوم به الليلة «٤» وعن يونس قال: كان خلق الأولين النظر في المصاحف قال: وكان الأحنف بن قيس إذا خلا نظر في المصحف «٥» . المطلب الثاني: القراءة عن ظهر قلب: علمهم النبي ﷺ أهمية الحفظ (عن ظهر قلب) ... وورد هذا التعبير في الدلالة على استظهار القران في قول النبي ﷺ لرجل قال: معي سورة كذا وسورة كذا وسورة كذا عدها قال: «أتقرؤهن عن ظهر قلبك» قال: نعم! «٦» ، وبوب البخاري لذلك: «باب القراءة عن ظهر قلب» «٧» .

стр. 195

المفاضلة بين القراءة نظرا وبين القراءة عن ظهر قلب: دل سؤال النبي ﷺ له بقوله: أتقرأهن عن ظهر قلبك؟ على فضل القراءة عن ظهر قلب لأنها أمكن في التوصل إلى التعليم، «والذي يظهر أن ذلك يختلف باختلاف الأحوال والاشخاص» «١» لمن كان قد حفظ عن ظهر قلب ... أما التفضيل بين حافظ وغير حافظ فظاهر، وقد قال أبو أمامة في تفضيل الحفظ عن ظهر قلب: «اقرأوا القران ولا تغرنكم هذه المصاحف المعلقة فإن الله لا يعذب قلبا وعى القران» «٢» ، ويناسب هذا الحديث الموقوف حديث عقبة ابن عامر المرفوع ... قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «لو جعل القران في إهاب ثم ألقي في النار ما احترق» «٣» ، وكان مصطلح القراء أو قرأة القران يرد في الحافظ له عن ظهر قلب، ومثله مصطلح حملة القران، وأهل القران، وصاحب القران. القراءة (السماع) نظرا هي المطلوبة حال عرض التلاميذ: لا شك أن القراءة نظرا أكثر تثبيتا، وأدعى للطمأنينة على المحفوظ وأسلم من الغلط، وهي المطلوبة للمقرئ حال عرض الاخرين عليه كما في حديث قيس ابن مروان قال: جاء رجل إلى عمر وهو بعرفة فقال: يا أمير المؤمنين جئت من الكوفة وتركت بها رجلا يملي المصاحف عن ظهر قلب قال: فغضب عمر وانتفخ حتى كاد يملأ ما بين شعبتي الرحل. فقال: ويحك! من هو؟ فقال: عبد الله بن مسعود فما زال عمر يطفئ ويسري عنه الغضب حتى عاد إلى حاله التي كان عليها.

стр. 196

فقال: ويحك والله ما أعلمه بقي أحد من الناس هو أحق بذلك منه ... وذكر الحديث «١» ، ولكن الحديث دال أيضا عن منزلة القراءة عن ظهر قلب، ومكانتها وأفضليتها، ولذا لا يقدر على القيام بها حق القيام إلا الخاصة، فتفضيل القراءة نظرا على القراءة عن ظهر قلب إنما هو لمن حفظ ابتداء، ولذا لم يخل أحد من الحفاظ من مصحف يقرأ فيه القران نظرا فقد كان لأبي موسى ﵁ مصحف وكان يسميه لباب الفؤاد، وكان لعائشة رحمة الله عليها مصحف وكانت تسميه المجيد «٢» ، وكان لعلي مصحف، وكذلك لأبي وابن مسعود وابن عمر «٣» .... تعاضد القراءة عن ظهر قلب والقراءة من المصحف على حفظ القران الكريم: على أن الأمرين مطلوبان فقد كانت وسيلتا الحفظ للكتاب الكريم هما الحفظ في الصدور والحفظ في السطور، ولذا لن يرفع القران حتى يرفع من هذين الأمرين فعن ابن مسعود ﵁ قال: «لينتزعن هذا القران من بين أظهركم» قلت: يا أبا عبد الرحمن! كيف ينتزع وقد أثبتناه في مصاحفنا؟ قال: يسري عليه في ليلة فلا يبقى في قلب عبد ولا مصحف منه شيء ويصبح الناس فقراء كالبهائم ثم قرأ عبد

стр. 197

الله وَلَئِنْ شِئْنا لَنَذْهَبَنَّ بِالَّذِي أَوْحَيْنا إِلَيْكَ ثُمَّ لا تَجِدُ لَكَ بِهِ عَلَيْنا وَكِيلًا (الإسراء: ٨٦) «١» . من حكم نسيان رسول الله ﷺ عند القراءة: كان ﷺ ينسّى بعد التبليغ ليطمأنّ إلى حفظ الصحابة ﵃، واستظهارهم لما بلغهم به من القران، ويشجعهم على الفتح عليه فعن المسور بن يزيد المالكي قال: شهدت رسول الله ﷺ يقرأ في الصلاة فترك شيئا لم يقرأه فقال له رجل: يا رسول الله؟ تركت اية كذا وكذا فقال رسول الله ﷺ : «هلا أذكر تنيها» «٢» ، وعن عبد الله بن عمر ﵁ أن النبي ﷺ صلّى صلاة فقرأ فيها فلبس عليه فلما انصرف قال لأبي: «أصليت معنا؟» قال: نعم! قال: فما منعك؟ «٣» وأما ما روي عن علي ﵁ قال قال رسول الله ﷺ : «يا علي لا تفتح على الإمام في الصلاة» «٤» فضعيف. الحث على استظهار أقل فرض الكفاية: وكان ﷺ يحثهم على حفظ أقل قدر عن ظهر قلب، ويرمز إلى من تقاصر عند ذلك بالذم ما دام مستطيعا فعن ابن عباس ﵁ قال: قال رسول الله: ﷺ : «إن الذي ليس في جوفه شيء من القران كالبيت الخرب» «٥» .

стр. 198

وكان الصحابة ﵃ يتفاضلون في مقدار أخذهم للقران، وحفظهم له غيبا فعن جابر بن عبد الله ﵁ قال: كان النبي ﷺ يجمع بين الرجلين من قتلى أحد في ثوب واحد ثم يقول أيهم أكثر أخذا للقران فإذا أشير له إلى أحدهما قدمه في اللحد وقال: «أنا شهيد على هؤلاء يوم القيامة» ، وأمر بدفنهم في دمائهم ولم يغسلوا ولم يصل عليهم «١» ، وفي رواية: «فكان يقول: انظروا أكثر هؤلاء جمعا للقران فاجعلوه أمام أصحابه» . القراءة عن ظهر قلب من خصائص الأمة، تتميز بها عن أهل الكتاب: ولذا طرح أهل العلم مسألة مهمة في هذا الباب، وهي: هل تجوز القراءة من المصحف حال الصلاة؟ والجواب جاءت الكراهة عن البعض كإبراهيم النخعي، ومجاهد، وحماد الشعبي لا لذاته بل كراهة أن يتشبهوا بأهل الكتاب «٢» . وعن قتادة عن الحسن أنه كرهه وقال: هكذا تفعل النصارى «٣» ، والصحيح جوازها ولذا بوب البخاري: «باب إمامة العبد والمولى وكانت عائشة يؤمها عبد ها ذكوان من المصحف» «٤» ، وعن القاسم قال: كان يؤم عائشة عبد يقرأ في المصحف «٥» ، وذكر أبو بكر بن أبي مليكة أن عائشة أعتقت غلاما لها عن دبر فكان يؤمها في رمضان في المصحف، والترخيص فيه جاء عن الحكم والحسن ومحمد وعطاء، وعن الحسن قال لا بأس أن يؤم في المصحف إذا لم يجد يعني من يقرأ ظاهرا، وعن ثابت البناني قال: كان أنس يصلي وغلامه يمسك المصحف

стр. 199

خلفه فإذا تعايا في اية فتح عليه «١» ، وإنما ذكرنا هذه المسألة لتستبين منزلة القراءة عن ظهر قلب. المطلب الثالث: التعاهد (المراجعة) : وكان النبي ﷺ يعلمهم ضرورة مراجعة المحفوظ من القران الكريم، وتعاهده ويشتد في ذلك حتى يضرب لهم الأمثال، ويحددلهم الوقت النموذجي المناسب للمراجعة الحقيقية للفظ القران الكريم، ويتجلى ذلك فيما يلي: أولا: أمرهم بتعاهده ومراجعته مطلقا ليلا أو نهارا: ١- فعن عقبة بن عامر ﵁ أنّ رسول الله ﷺ قال: «تعلّموا كتاب الله تعالى وتعاهدوه واقتنوه وتغنّوا به فو الّذي نفسي بيده لهو أشدّ تفلّتا من المخاض في العقل» «٢» ... وقد أشار النبي ﷺ إلى المراجعة في الحديث بقوله (تعاهدوه) بعد قوله (تعلموا) ؛ إذ لولا ذلك لرجح أن يكون معناها مجرد النظر فيه، وعدم الانقطاع عنه «فيقول لهم (تعاهدوا القران) أي داوموا على تكراره ودرسه لئلا تنسوه، فتعاهد الشيء محافظته، وتجديد العهد به والمراد منه الأمر بالمواظبة على تلاوته والمداومة على تكراره ودرسه» «٣» ، ثم أكد أن المراد هو مراجعته بعد حفظه فقال: «فو الذي نفسي بيده» أي بقدرته وتصرفه «لهو أشد تفصيا» أي أسرع تفصيا وتخلصا وذهابا وانقلابا وخروجا من قلوب الرجال يعني حفظته «من الإبل من عقلها» جمع عقال أي لهو أشد ذهابا من الإبل إذا تخلصت

стр. 200

من العقال فإنها تفلت حتى لا تكاد تلحق ... شبه القران وكونه محفوظا على ظهر قلب بالإبل الابدة النافرة وقد عقل عقلها وشد بذراعيها بالحبل المتين، وذلك أن القران ليس من كلام البشر بل من كلام خالق القوى والقدر، وليس بينه وبين البشر مناسبة قريبة، والله سبحانه بلطفه العميم منحهم هذه النعم العظيمة ويسرها لهم فينبغي تعاهده بالحفظ «١» . وكان عقبة بن عامر يأمر بمقتضى هذا الحديث حفظة كتاب الله من المسلمين، وسائر المسلمين كأنه من أمره ومن نتاج تجربته لأهميته فكان يقول هذا الحديث موقوفا «٢» ... وذلك كما أنه أحيانا كان يرفعه. وقد انتشر هذا الحديث فأضحى معلما من معالم حفظ القران البدهية حيث جاء هذا الحديث عن غير عقبة بن عامر- خاصة عن أئمة الإقراء- فعن أنس بن مالك عن رسول الله ﷺ : «تعاهدوا القران فو الذي نفسي بيده لهو أشد تفصيا من صدور الرجال من الإبل المعقلة إلى أعطانها» «٣» ومثله عن أبي موسى «٤» ، وعن شقيق قال: قال عبد الله بن مسعود: تعاهدوا هذه المصاحف وربّما قال القران فلهو أشدّ تفصّيا من صدور الرّجال من النّعم من عقله قال وقال رسول الله ﷺ : «لا يقل أحدكم نسيت اية كيت وكيت بل هو نسّي» «٥» ، وفي رواية: «تعاهدوا القران فإنه وحشي» «٦» ، وقد رفعه ووقفه كعقبة بن عامر.

стр. 201

ثانيا: ضرب لهم الأمثال المحسوسة لتدلهم على ضرورة المراجعة: فعن عبد الله بن عمر ﵄ أن رسول الله ﷺ قال: «إنما مثل صاحب القران كمثل الإبل المعقلة إن عاهد عليها أمسكها وإن أطلقها ذهبت» «١» . فذكر النبي ﷺ مراجعة القران وقرنها بلفظ المصاحبة بين القران وبين حامله «ليبين ضرورة وجود ألفة دائمة بينهما، ينتفي فيها الهجران، لأن الصاحب هو الذي ألفه كما تقدم في تحرير المصطلح» ، وقوله: «المعقلة بضم الميم وفتح العين المهملة وتشديد القاف أي المشدودة بالعقال وهو الحبل الذي يشد في ركبة البعير» «٢» ، فشبه درس القران واستمرار تلاوته، وديمومة مراجعته بربط البعير الذي يخشى منه الشراد فما زال التعاهد موجودا فالحفظ موجود كما أن البعير ما دام مشدودا بالعقال فهو محفوظ، وخص الإبل بالذكر لأنها أشد الحيوان الإنسي نفورا وفي تحصيلها بعد استمكان نفورها صعوبة قوله أن عاهد عليها أمسكها أي استمر إمساكه لها وفي رواية أيوب عن نافع عند مسلم: «فإن عقلها حفظها وأن أطلقها ذهبت» أي انفلتت «٣» . ثالثا: منعهم من الألفاظ التي تكون نفسية متساهلة مع عدم مراجعة القران: فكره لهم قول نسيت اية كذا وعلمهم جواز قول أنسيتها، وأسقطتها فعن عبد الله قال: قال النّبيّ ﷺ : «بئس ما لأحدهم أن يقول نسيت اية كيت وكيت بل نسّي واستذكروا القران فإنّه أشدّ تفصّيا من صدور الرّجال من النّعم» «٤» ،

стр. 202

وعن عائشة أن النبي ﷺ سمع رجلا يقرأ من الليل فقال: «يرحمه الله لقد أذكرني كذا وكذا اية كنت أسقطتها» ولفظ البخاري «أنسيتها من سورة كذا وكذا» «١» ، ففي هذه التعاليم المتقدمة «كراهة قول نسيت اية كذا وهي كراهة تنزيه، وأنه لا يكره قول أنسيتها، وإنما نهي عن نسيتها لأنه يتضمن التساهل فيها والتغافل عنها، وقد قال : أَتَتْكَ آياتُنا فَنَسِيتَها (طه: ١٢٦) ، واللغة ليست أداة للتعبير بل هي وعاء للتفكير أيضا «٢» ، وقال القاضي عياض: «أولى ما يتأول عليه الحديث أن معناه ذم الحال لا ذم القول أي نسيت الحالة حالة من حفظ القران فغافل عنه حتى نسيه» «٣» . رابعا: رهبهم النبي ﷺ من نسيانه «٤» : فعن عبادة بن الصامت ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «ما من أمير عشرة إلا جيء به يوم القيامة مغلولة يده إلى عنقه حتى يطلقه الحق أو يوثقه ومن تعلم القران ثم نسيه لقي الله تعالى وهو أجذم» «٥» . خامسا: جعل الشرع قلة تعاهده ومراجعته جفاء، وهجرا: فالهجر كما قال ﷻ : وَقالَ الرَّسُولُ يا رَبِّ إِنَّ قَوْمِي اتَّخَذُوا هذَا الْقُرْآنَ مَهْجُوراً (الفرقان: ٣٠) ، وعلمهم النبي ﷺ أن ذلك منهي عنه في قوله: «اقرؤوا القران، ولا تأكلوا به، ولا تستكثروا به، ولا تجفوا عنه ... » ، والمراد تعاهدوه

стр. 203

ولا تبعدوا عن تلاوته بأن تتركوا قراءته وتشتغلوا بتفسيره وتأويله، ولذا قيل: «اشتغل بالعلم بحيث لا يمنعك عن العمل، واشتغل بالعمل بحيث لا يمنعك عن العلم وحاصله: أن كلا من طرفي الإفراط والتفريط مذموم، والمحمود هو الوسط العدل المطابق لحاله» «١» . سادسا: علمهم النبي ﷺ كيفية مراجعته: بأن يقرأه بالليل والنهار فقال: «إذا قام صاحب القران فقرأه بالليل والنهار ذكره، وإن لم يقم به نسيه» «٢» ، وقال ﷺ : «مثل القران إذا عاهد عليه صاحبه فقرأه باللّيل والنّهار كمثل رجل له إبل فإن عقلها حفظها وإن أطلق عقلها ذهبت فكذلك صاحب القران» «٣» ، وبيان هذه الكيفية: أن يراجع حزبه بالنهار، ويقوم به في صلاة الليل كما طبق ذلك الصحابة ﵃، فعن خيثمة قال: انتهيت إليه- أي عبد الله بن عمرو- وهو يقرأ في المصحف فقال: هذا حزبي الذي أريد أن أقوم به الليلة «٤» . سابعا: الوقت النموذجي للمراجعة: حدد ﷺ لهم الوقت النموذجي للمراجعة وهو الليل، وأفضل ذاك أن يقوم الإنسان الليل بما حفظه، أو بما قرأه نظرا في نهاره كما في قوله تعالى:

стр. 204

إِنَّ ناشِئَةَ اللَّيْلِ هِيَ أَشَدُّ وَطْئاً وَأَقْوَمُ قِيلًا (٦) إِنَّ لَكَ فِي النَّهارِ سَبْحاً طَوِيلًا (المزمل: ٦- ٧) ... فتحديد هذا الوقت هو تسلسل لمنهجية الإقراء فقد أمره الله بهذا الوقت للمراجعة ورغبه فيه، ثم أمر هو أصحابه به، ورغبهم فيه فعن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : «تعلّموا القران واقرؤه وارقدوا فإنّ مثل القران ومن تعلّمه فقام به كمثل جراب محشوّ مسكا يفوح ريحه كلّ مكان ومثل من تعلّمه فرقد وهو في جوفه كمثل جراب أو كي على مسك» «١» . وقد أشار النبي ﷺ للمراجعة والتعاهد في هذا الحديث بقوله: «واقرؤه» بعد قوله «تعلموا القران» فلا يكون معنى الأمر بالقراءة بعد الأمر بالتعلم إلا معنى المراجعة. وهذه المراجعة من اللوازم في حياة المسلم بحيث لا ينبغي لحافظ القران قبل إن يراجع القران أن ينام، فقوله «فقام به» أي تشمر لأداء حقه قراءة وعملا، ثم شبه المراجع للقران في وقته النموذجي، وهو قيام الليل بما يرفعه وينفعه، وهو قوله «كمثل جراب محشوّ مسكا يفوح ريحه كلّ مكان» لكأن حافظ القران المراجع له في قيام الليل وعاء مملوء بالمسك الفواح ... وفي ذلك إيماء إلى أن بركات القران وبصائره ونوره لا تنال إلا بذلك ... وإلا فلم التعنّي؟ وأما من رقد أي غفل ونام «كمثل جراب أوكي على مسك» ، والمعنى أنه ملأه مسكا وربط فمه على المسك أي لأجله ... وهذا مثال على البله وسفه العقل، فإنما يراد المسك لتشم الرائحة الطيبة من صاحبه، وهذا منعها أن تفوح.

стр. 205

وبذا تحدد أن الوقت النموذجي للمراجعة هو ناشئة الليل: وناشئة الليل هي «أوقاته وساعاته لأن أوقاته تنشأ أولا فأولا» «١» ، فالوقت النموذجي للمراجعة من الحفظ هو الليل، وأحسن ذلك أن يكون في قيام الليل، ويمكن أن يكون من أول الليل أي يبدأ بما بعد المغرب فقد كان علي بن الحسين يصلي بين المغرب والعشاء ويقول: «هذا ناشئة الليل» «٢» ، وإن كان أول الليل يفضل لمن لا يوقن من نفسه القيام في اخره، كما قال ابن عباس: «كانت صلاتهم أول الليل، وذلك أن الإنسان إذا نام لا يدري متى يستيقظ» «٣» . ولذا كان من دلائل هذه الاية أن الله ﷻ بين فيها «فضل صلاة الليل على صلاة النهار، وأن الاستكثار من صلاة الليل بالقراءة فيها ما أمكن أعظم للأجر وأجلب للثواب» «٤» . حكمة اختيار هذا الوقت: ظهرت في الاية حكمة اختيار هذا الوقت ليكون أنسب لمراجعة القران الكريم، وهي: ١- أنه أشد وطأ: أي أن العمل فيه يكون أثقل على النفس «من قولك اشتدت على القوم وطأة سلطانهم» أي ثقل عليهم ما حملهم من المؤن، وإذا ثقل العمل في هذا الوقت، فإنه يكون وقتا نموذجيا لمجاهدة النفس ومعاركتها، فإذا دربت سهل قيادها، ولذا فلا ينافي هذا ما قاله عكرمة: «عبادة الليل أتم نشاطا، وأتم إخلاصا، وأكثر بركة» ، لأن عكرمة ﵀ أراد باعتبار المال، وهذا على قراءة وطأ «٥» .

стр. 206

٢- أنه أشد موافقة بين القلب والسمع واللسان: لانقطاع الأصوات والحركات، وهذا على قراءة من مد فهو مصدر واطأت وطاء، فيواطىء السمع القلب في الليل، ومنه قول الله ﷻ : لِيُواطِؤُا عِدَّةَ ما حَرَّمَ اللَّهُ (التوبة: ٣٧) أي ليوافقوا، وفائدة ذلك من جهة اللفظ: رسوخ اللفظ وثبوته، واستقامة الحفظ فلا يزيغ وذلك أنه لا يعرض له حوائج «١» ، وكذا إن قرأ نظرا في النهار ثم أعاده في الليل: فيتواطأ (يتوافق) عند ذلك البصر والسمع والقلب فعن مجاهد قال: تواطؤ سمعك وبصرك وقلبك، فهي أجدر أن يتواطأ لك فيها سمعك وبصرك «٢» ، ثم أكد على شدة الاشتغال في النهار فقال: إِنَّ لَكَ فِي النَّهارِ سَبْحاً طَوِيلًا (المزمل: ٧) أي تصرفا في حوائجك وإقبالا وإدبارا وذهابا ومجيئا «٣» .. ٣- كما أن العمل بالليل «أشد ثباتا من النهار» «٤» ، فإن مراجعة القران تحتاج إلى الديمومة والتعاهد، وهذا في الليل أسهل منه في النهار" فإن الليل يخلو فيه الإنسان بما يعمله فيكون ذلك أثبت للعمل، وأنفى لما يلهي ويشغل القلب فأشد وطئا أي أشد نشاطا للمصلي، وأثبت للقراءة، وهذا هو معنى قوله : وَأَقْوَمُ قِيلًا (المزمل: ٦) أي أصوب للقراءة، وأثبت للقول لأنه زمان التفهم، أو أشد استقامة لفراغ البال بالليل، أو أجدر أن يتفقه في القران «٥» .

стр. 207

قضاء الحزب الليلي: إذا فات الورد الليلي فينبغي له أن يقضيه في النهار؛ إذ قد ذهب البعض إلى أن معنى «السبح الفراغ أي إن لك فراغا طويلا للحاجات بالنهار» ومنه قال الزجاج: «إن فاتك في الليل شيء فلك في النهار فراغ الاستدراك» «١» ، وكذلك كان النبي ﷺ يعلم أصحابه: فعن عبد الرحمن بن عبد القاري قال: سمعت عمر بن الخطاب ﵁ يقول: قال رسول الله ﷺ : «من نام عن حزبه أو عن شيء منه فقرأه فيما بين صلاة الفجر وصلاة الظهر كتب له كأنما قرأه من الليل» «٢» ، وكذلك كانت سنته العملية فعن عائشة- رضي الله تعالى عنها- قالت: «كان رسول الله ﷺ إذا عمل عملا أثبته وكان إذا نام من الليل أو مرض صلّى من النهار ثنتي عشرة ركعة» «٣» . وعلمهم النبي ﷺ أن يضبطوا هيئات التعامل مع النفس الإنسانية المتغيرة: بحيث لا تخل بالحفظ اليومي: فعن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «إن لهذا القران شرة، وللناس عنه فترة، فمن كانت فترته إلى القصد فنعما هي، ومن كانت فترته إلى الأرض فأولئك هم قوم بور» «٤» ، وعنه ﵁ عن رسول الله ﷺ : «إذا قام أحدكم من الليل فاستعجم القران على لسانه فلم يدر ما يقول فليضطجع» «٥» ، ولا ينبغي أن يحول شيء بين المرء وبين إكمال حزبه

стр. 208

فيقرؤه ولو مضطجعا كما قال ﷻ : الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِياماً وَقُعُوداً وَعَلى جُنُوبِهِمْ (ال عمران: ١٩١) ، والقران أعظم الذكر، وعن الأسود عن عائشة قالت: «إني لأقرأ حزبي أو عامة حزبي وأنا مضطجعة على فراشي» «١» . وقد علّموا كيفية السؤال عن اية نسيت فعن ابن مسعود ﵁: «إذا سأل أحدكم صاحبه كيف يقرأ اية كذا وكذا فليسأله عما قبلها» «٢» . المطلب الرابع: تعليمهم مقدار الورد اليومي: علم النبي ﷺ أصحابه ﵃ مقدار الورد اليومي سواء كان هذا الورد حفظا أو مراجعة أو كان قراءة من المصحف فلا يتخلف عنه الإنسان، كما حدد أقل المطلوب وأكثر المطلوب ... ورد الحفظ الجديد عن ظهر قلب: فكانوا يتعلمون القران من النبي ﷺ حفظا عن ظهر قلب خمسا خمسا كمقتضى تلقائي من مقتضيات التنزيل المفرق، فقد قال عمر ﵁: تعلموا القران خمسا خمسا فإن جبريل ﵇ نزل بالقران على النبي ﷺ خمسا خمسا، وقد قال بعض أهل العلم: من تعلم خمسا خمسا لم ينسه «٣» ، وعن أبي نضرة قال: كان أبو سعيد الخدري ﵁ يعلمنا القران خمس ايات بالغداة، وخمس ايات بالعشي ويخبر أن جبريل ﵇ نزل بالقران خمس ايات خمس ايات «٤»

стр. 209

وأخذه النبي ﷺ خمسا خمسا «أي تلقنه منه» «١» ، وروي مرسلا من قول أبي العالية: تعلموا القران خمس ايات خمس ايات فإن رسول الله ﷺ كان يأخذه خمسا خمسا، وكان أبو عبد الرحمن السلمي يعلم خمسا خمسا «٢» . وقد تكون كمية المتعلّم عشرا عشرا، ويسمى (المعشر) كما جاء عن أبي عبد الرّحمن قال: حدّثنا من كان يقرئنا من أصحاب النّبيّ ﷺ أنّهم كانوا يقترئون من رسول الله ﷺ عشر ايات فلا يأخذون في العشر الاخرى حتّى يعلموا ما في هذه من العلم والعمل قالوا: فعلمنا العلم والعمل «٣» ، وعن شريك أنه قال: كنا نعلم ما أنزل في هذا العشر من العلم «٤» . ويحمل الفرق بين الكميتين على اختلاف الأشخاص، أو على اختلاف الأحوال. و (العشرة) من المناسب الملائم الذي يعتبر فيه نوع الوصف وهو تحديد العشرة في نوع الحكم وهو حفظ القران «٥» : فقد ورد كثيرا في مجال حفظ القران الكريم باعتباره المتوسط الذي يراعي الفروق الفردية، وباعتبار أمر اخر هو مواكبة العمل والعلم بالمعاني للمحفوظ فقد ورد هذا العدد في الذي يحفظه الإنسان من سورة الكهف اتقاء للدجال فعن أبي الدّرداء أنّ النّبيّ ﷺ قال: «من حفظ عشر ايات من أوّل سورة الكهف عصم من الدّجّال» «٦» ، والايات التي نزلت في عائشة عشر «٧» .

стр. 210

وكانت الايات تنزل عليه في الغالب بهذا المقدار فيتلقفها الصحابة يحفظونها فعن عبد الرّحمن بن عبد القاريّ قال: سمعت عمر بن الخطّاب ﵁ يقول: كان النّبيّ ﷺ إذا أنزل عليه الوحي سمع عند وجهه كدويّ النّحل فأنزل عليه يوما فمكثنا ساعة فسرّي عنه فاستقبل القبلة ورفع يديه وقال: «اللهمّ زدنا ولا تنقصنا وأكرمنا ولا تهنّا وأعطنا ولا تحرمنا واثرنا ولا تؤثر علينا وارضنا وارض عنّا» ثمّ قال ﷺ : «أنزل عليّ عشر ايات من أقامهنّ دخل الجنّة ثمّ قرأ قد أفلح المؤمنون حتّى ختم عشر ايات» «١» ، فالعشر هي عادة النزول، ويبلغ بها ﷺ الناس فيتلقاها الناس حفظا وهو الغالب لقلة عدد الكتبة مقارنة بالحفظة. التعشير: ولأنهم كانوا يحفظون القران في الغالب عشرا عشرا فقد سموا ذلك التعشير، وسموا الورد اليومي منه المعشر، ثم إنهم صاروا يضعون علامة يدلون بها على المعشر السابق أو اللاحق في التعلم أو القراءة ... ولأن طريقة تعليم الصحابة ﵃ لمن بعدهم أخذت الطابع ذاته، ولأن كمية الايات قد استقرت في المصحف بانقضاء الوحي، وجمع الصحابة القران في موضع واحد فقد ذهب بعض تلاميذ الصحابة إلى وضع علامات تدل على المعشر، أي إلى تمييز الأعشار، وتسمى عند البعض (بالمأشر) ، وقد ألّفت مؤلفات في أعشار القران فأقدم من ألف فيه قتادة بن دعامة السدسي ت ١١٨ هـ في كتاب سماه (أعشار القران) ... وألف مكي بن أبي طالب حموش كتاب (الاختلاف) في عدد الأعشار «٢» .

стр. 211

ولكن هذا التحديد بالعشر لا يعني التزامه بدقة بل من أكثر فالله أكثر «١» ، وكذا تحمل رواية خمسا؛ إذ الأصل أن هذا طاعة، فالطلبة فيه بحسب وسعهم، وحمل البعض الخمس والعشر على حالة التلقين «٢» ، والصحيح أن ذلك يختلف من شخص لاخر. كمية المراجعة: كان النبي ﷺ يجعل العشر ايات أقل ما ينبغي أن يقرأه المسلم في مراجعته في الليل فعن عبد الله بن عمرو بن العاص ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ : «من قام بعشر ايات لم يكتب من الغافلين ومن قام بمائة اية كتب من القانتين ومن قام بألف اية كتب من المقنطرين» «٣» ، وكان الصحابة ﵃ يذكرون هذه الأحاديث موقوفة- مع أن لها حكم الرفع- دلالة على بدهية رفعها لأهميتها فعن تميم الدّاريّ ﵁ قال: «من قرأ عشر ايات في ليلة لم يكتب من الغافلين» «٤» ، ولكنه ﷺ حثهم على المزيد، ورتب الشارع الحكيم على ذلك الأجور العظيمة كل بقدر مشقته، ليرد كل أناس مشربهم فعن تميم الدّاريّ وفضالة بن عبيد قالا:

стр. 212

من قرأ بعشر ايات في ليلة كتب من المصلّين «١» ، وعن ابن عمر ﵄ قال: «من قرأ في ليلة عشر ايات لم يكتب من الغافلين ومن قرأ في ليلة بمائة اية كتب من القانتين ومن قرأ بمائتي اية كتب من الفائزين» «٢» وعن أبي سعيد الخدريّ ﵁ قال: «من قرأ في ليلة عشر ايات كتب من الذّاكرين، ومن قرأ بمائة اية كتب من القانتين، ومن قرأ بخمس مائة اية إلى الألف أصبح وله قنطار من الأجر قيل وما القنطار قال ملء مسك الثّور ذهبا» «٣» ، وعن أبي أمامة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «من قرأ عشر ايات في ليلة لم يكتب من الغافلين، ومن قرأ مائة اية كتب له قنوت ليلة، ومن قرأ مائتي اية كتب من القانتين، ومن قرأ أربعمائة اية كتب من العابدين، ومن قرأ خمسمائة اية كتب من الحافظين، ومن قرأ ستمائة اية كتب من الخاشعين، ومن قرأ ثمانمائة اية كتب من المخبتين، ومن قرأ ألف اية أصبح له قنطار، والقنطار ألف ومائتا أوقية خير مما بين السماء والأرض قال خير مما طلعت عليه الشمس ومن قرأ ألفي اية كان من الموجبين» «٤» ، وعن عبادة بن الصامت ﵁ مثله «٥» . ونلحظ أن من دلالة الإشارة للتفريق بين الايات هنا أن قد رسخ في ذهن الحفاظ وغيرهم كمال السورة ومقدارها ومواضع الايات، فيستبينون أنها طويلة أو قصيرة ... ولا شك أن لهذا دلالته في حفظ القران الكريم.

стр. 213

المبحث الثاني: تعليمه ﷺ ماهية التجويد وحكمه: يناقش هذا المبحث حقيقة التجويد، ومدى تعليم النبي ﷺ له، والمصطلحات التي كانت تطلق عليه في العهد النبوي والقرون المفضلة، ويصل من ذلك إلى حكمه الشرعي، ومدى تطبيق المسلمين على مختلف الأعصر لهذا الحكم.. ولتحقيق مقصد المبحث فقد انقسم إلى ثلاثة مطالب: المطلب الأول: الأصول الشرعية لعلم التجويد . المطلب الثاني: مكونات علم التجويد- كما علمها النبي ﷺ . المطلب الثالث: حكم تعلم أحكام التجويد كما علمه النبي ﷺ . المطلب الأول: الأصول الشرعية لعلم التجويد: دل على التجويد في عصر النبي ﷺ وأصحابه مصطلحات أخرى غير هذا المصطلح (التجويد) مثل: الترتيل، والتحسين، والتزيين، والتحبير، والترجيع. وهذه المصطلحات- كما سنرى من كيفية تعليمها من النبي ﷺ لأصحابه إن شاء الله تستخدم في وصف القراءة إذا جمعت مرتبتين في النطق: الإعراب للكلام (تبيينه وإظهاره في نطقه العربي الفصيح) ، والزينة في الأداء باستخدام قواعد التزيين الصوتية العربية. ولم يرد من هذه الكلمات الخمس في القران الكريم سوى كلمة الترتيل «١» ، والبقية وردت في السنة النبوية، فقد كانت هذه الأصول هي المكونة لعلم التجويد التطبيقي.

стр. 214

ومرد التقعيدات النظرية والتطبيقية في علم التجويد: إلى أمرين يشكلان الأصلين الشرعيين لعلم التجويد في صورته التامة: النصوص الشرعية، وقواعد اللغة العربية من حيث كون اللسان الذي نزل به القران عربيا، ومن حيث رجوع تلك القواعد إلى ما اختاره النقل الشرعي منها، أو يقال أخذت مادة علم التجويد الوضعي والتطبيقي من علمين: علم القراءة (المشافهة) ، وعلم اللغة العربية، ولنأخذ في تفصيل ذلك: الأصل الأول لعلم التجويد: تعليمهم اللفظ القراني من حيث كونه نزل بلسان عربي مبين: فيقرأ القران باللفظ العربي «١» المنقول في أصل لفظه أو في كيفية التصويت به ولكن على الصورة المنقولة بالمشافهة، إذ القراءة والأداء أمران يتعلقان باللفظ ويبنيان على وجوه اللغة. وأول أجزاء المعاني التي منها يلتئم النطق هو الصوت ثم الصوت بتقطيع الهواء يصير حرفا، ثم عند جمع الحروف يصير كلمة ثم عند تعيين بعض الحروف المجتمعة على هيئة مخصوصة يصير لغة عربية، ثم بكيفية تقطيع الحروف يصير معربا، ثم بتعيين بعض وجوه الإعراب يصير قراءة منسوبة إلى الأحرف السبعة، ثم إذا صار كلمة عربية صحيحة معربة صارت دالة على معنى من المعاني فتتقاضى للتفسير الظاهر «٢» .

стр. 215

فقد علمهم النبي ﷺ أن القران نزل بلسان عربي مبين: كما قال وَإِنَّهُ لَتَنْزِيلُ رَبِّ الْعالَمِينَ (١٩٢) نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ (١٩٣) عَلى قَلْبِكَ لِتَكُونَ مِنَ الْمُنْذِرِينَ (١٩٤) بِلِسانٍ عَرَبِيٍّ مُبِينٍ (الشعراء: ١٩٢- ١٩٥) فعربية القران: كالحوالة من الشارع لاستخدام قوانين العربية في تلاوة القران وكتابته من إعراب وبناء وتصريف وإظهار وإدغام وإمالة وتغليظ وتفخيم وترقيق وفتح وإسكان وتخفيف وتحقيق ... لا من حيث العموم بل في إطار المتناقل. وعلى هذا فالعربية أصل النطق بألفاظ القران الكريم، كما «هي أصل فهم القران ومجموعها متواتر، وفي أهميتها لإدراك كيفية قواعد التلفظ والتفهم قيل: حفظ اللغات علينا ... فرض كفرض الصلاة فليس يضبط دين ... إلا بحفظ اللغات» «١» وقد كان لفظ القران الكريم ميسرا بلسانه ﷺ سهلا مذللا لتتم وظيفة التبليغ: ودون ذلك التيسير لا يتم أداء هذه الوظيفة كما قال ﷻ : فَإِنَّما يَسَّرْناهُ بِلِسانِكَ لِتُبَشِّرَ بِهِ الْمُتَّقِينَ (مريم: ٩٧) ، وكما قال : فَإِنَّما يَسَّرْناهُ بِلِسانِكَ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ (الدخان: ٥٨) ، فقد كان يعلمهم كلاما عربيا بينا مظهرا باللسان، لا كلاما خفيا، فإن مدلول كلمة لسان يظهر أن النبي ﷺ علم أصحابه هيئة أداء اللفظ الداخلي والخارجي: فلا بد من أن تكون مبينة واضحة كما قال ﷻ : رَسُولًا يَتْلُوا عَلَيْكُمْ آياتِ اللَّهِ مُبَيِّناتٍ (الطلاق: ١١) «أي في حال كونها بينة واضحة جلية» «٢» ، وهذا يشمل اللفظ الخارجي والداخلي من الهيئات الصوتية الموغلة في الجزئية.
следующие страницы →