← Сира

Сира · id 9764

إذهاب الحزن وشفاء الصدر السقيم

عبد السلام مقبل المجيدي

Полный текст (569 стр.). Показаны 211–250 · переход к 216.

стр. 211

ولكن هذا التحديد بالعشر لا يعني التزامه بدقة بل من أكثر فالله أكثر «١» ، وكذا تحمل رواية خمسا؛ إذ الأصل أن هذا طاعة، فالطلبة فيه بحسب وسعهم، وحمل البعض الخمس والعشر على حالة التلقين «٢» ، والصحيح أن ذلك يختلف من شخص لاخر. كمية المراجعة: كان النبي ﷺ يجعل العشر ايات أقل ما ينبغي أن يقرأه المسلم في مراجعته في الليل فعن عبد الله بن عمرو بن العاص ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ : «من قام بعشر ايات لم يكتب من الغافلين ومن قام بمائة اية كتب من القانتين ومن قام بألف اية كتب من المقنطرين» «٣» ، وكان الصحابة ﵃ يذكرون هذه الأحاديث موقوفة- مع أن لها حكم الرفع- دلالة على بدهية رفعها لأهميتها فعن تميم الدّاريّ ﵁ قال: «من قرأ عشر ايات في ليلة لم يكتب من الغافلين» «٤» ، ولكنه ﷺ حثهم على المزيد، ورتب الشارع الحكيم على ذلك الأجور العظيمة كل بقدر مشقته، ليرد كل أناس مشربهم فعن تميم الدّاريّ وفضالة بن عبيد قالا:

стр. 212

من قرأ بعشر ايات في ليلة كتب من المصلّين «١» ، وعن ابن عمر ﵄ قال: «من قرأ في ليلة عشر ايات لم يكتب من الغافلين ومن قرأ في ليلة بمائة اية كتب من القانتين ومن قرأ بمائتي اية كتب من الفائزين» «٢» وعن أبي سعيد الخدريّ ﵁ قال: «من قرأ في ليلة عشر ايات كتب من الذّاكرين، ومن قرأ بمائة اية كتب من القانتين، ومن قرأ بخمس مائة اية إلى الألف أصبح وله قنطار من الأجر قيل وما القنطار قال ملء مسك الثّور ذهبا» «٣» ، وعن أبي أمامة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «من قرأ عشر ايات في ليلة لم يكتب من الغافلين، ومن قرأ مائة اية كتب له قنوت ليلة، ومن قرأ مائتي اية كتب من القانتين، ومن قرأ أربعمائة اية كتب من العابدين، ومن قرأ خمسمائة اية كتب من الحافظين، ومن قرأ ستمائة اية كتب من الخاشعين، ومن قرأ ثمانمائة اية كتب من المخبتين، ومن قرأ ألف اية أصبح له قنطار، والقنطار ألف ومائتا أوقية خير مما بين السماء والأرض قال خير مما طلعت عليه الشمس ومن قرأ ألفي اية كان من الموجبين» «٤» ، وعن عبادة بن الصامت ﵁ مثله «٥» . ونلحظ أن من دلالة الإشارة للتفريق بين الايات هنا أن قد رسخ في ذهن الحفاظ وغيرهم كمال السورة ومقدارها ومواضع الايات، فيستبينون أنها طويلة أو قصيرة ... ولا شك أن لهذا دلالته في حفظ القران الكريم.

стр. 213

المبحث الثاني: تعليمه ﷺ ماهية التجويد وحكمه: يناقش هذا المبحث حقيقة التجويد، ومدى تعليم النبي ﷺ له، والمصطلحات التي كانت تطلق عليه في العهد النبوي والقرون المفضلة، ويصل من ذلك إلى حكمه الشرعي، ومدى تطبيق المسلمين على مختلف الأعصر لهذا الحكم.. ولتحقيق مقصد المبحث فقد انقسم إلى ثلاثة مطالب: المطلب الأول: الأصول الشرعية لعلم التجويد . المطلب الثاني: مكونات علم التجويد- كما علمها النبي ﷺ . المطلب الثالث: حكم تعلم أحكام التجويد كما علمه النبي ﷺ . المطلب الأول: الأصول الشرعية لعلم التجويد: دل على التجويد في عصر النبي ﷺ وأصحابه مصطلحات أخرى غير هذا المصطلح (التجويد) مثل: الترتيل، والتحسين، والتزيين، والتحبير، والترجيع. وهذه المصطلحات- كما سنرى من كيفية تعليمها من النبي ﷺ لأصحابه إن شاء الله تستخدم في وصف القراءة إذا جمعت مرتبتين في النطق: الإعراب للكلام (تبيينه وإظهاره في نطقه العربي الفصيح) ، والزينة في الأداء باستخدام قواعد التزيين الصوتية العربية. ولم يرد من هذه الكلمات الخمس في القران الكريم سوى كلمة الترتيل «١» ، والبقية وردت في السنة النبوية، فقد كانت هذه الأصول هي المكونة لعلم التجويد التطبيقي.

стр. 214

ومرد التقعيدات النظرية والتطبيقية في علم التجويد: إلى أمرين يشكلان الأصلين الشرعيين لعلم التجويد في صورته التامة: النصوص الشرعية، وقواعد اللغة العربية من حيث كون اللسان الذي نزل به القران عربيا، ومن حيث رجوع تلك القواعد إلى ما اختاره النقل الشرعي منها، أو يقال أخذت مادة علم التجويد الوضعي والتطبيقي من علمين: علم القراءة (المشافهة) ، وعلم اللغة العربية، ولنأخذ في تفصيل ذلك: الأصل الأول لعلم التجويد: تعليمهم اللفظ القراني من حيث كونه نزل بلسان عربي مبين: فيقرأ القران باللفظ العربي «١» المنقول في أصل لفظه أو في كيفية التصويت به ولكن على الصورة المنقولة بالمشافهة، إذ القراءة والأداء أمران يتعلقان باللفظ ويبنيان على وجوه اللغة. وأول أجزاء المعاني التي منها يلتئم النطق هو الصوت ثم الصوت بتقطيع الهواء يصير حرفا، ثم عند جمع الحروف يصير كلمة ثم عند تعيين بعض الحروف المجتمعة على هيئة مخصوصة يصير لغة عربية، ثم بكيفية تقطيع الحروف يصير معربا، ثم بتعيين بعض وجوه الإعراب يصير قراءة منسوبة إلى الأحرف السبعة، ثم إذا صار كلمة عربية صحيحة معربة صارت دالة على معنى من المعاني فتتقاضى للتفسير الظاهر «٢» .

стр. 215

فقد علمهم النبي ﷺ أن القران نزل بلسان عربي مبين: كما قال وَإِنَّهُ لَتَنْزِيلُ رَبِّ الْعالَمِينَ (١٩٢) نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ (١٩٣) عَلى قَلْبِكَ لِتَكُونَ مِنَ الْمُنْذِرِينَ (١٩٤) بِلِسانٍ عَرَبِيٍّ مُبِينٍ (الشعراء: ١٩٢- ١٩٥) فعربية القران: كالحوالة من الشارع لاستخدام قوانين العربية في تلاوة القران وكتابته من إعراب وبناء وتصريف وإظهار وإدغام وإمالة وتغليظ وتفخيم وترقيق وفتح وإسكان وتخفيف وتحقيق ... لا من حيث العموم بل في إطار المتناقل. وعلى هذا فالعربية أصل النطق بألفاظ القران الكريم، كما «هي أصل فهم القران ومجموعها متواتر، وفي أهميتها لإدراك كيفية قواعد التلفظ والتفهم قيل: حفظ اللغات علينا ... فرض كفرض الصلاة فليس يضبط دين ... إلا بحفظ اللغات» «١» وقد كان لفظ القران الكريم ميسرا بلسانه ﷺ سهلا مذللا لتتم وظيفة التبليغ: ودون ذلك التيسير لا يتم أداء هذه الوظيفة كما قال ﷻ : فَإِنَّما يَسَّرْناهُ بِلِسانِكَ لِتُبَشِّرَ بِهِ الْمُتَّقِينَ (مريم: ٩٧) ، وكما قال : فَإِنَّما يَسَّرْناهُ بِلِسانِكَ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ (الدخان: ٥٨) ، فقد كان يعلمهم كلاما عربيا بينا مظهرا باللسان، لا كلاما خفيا، فإن مدلول كلمة لسان يظهر أن النبي ﷺ علم أصحابه هيئة أداء اللفظ الداخلي والخارجي: فلا بد من أن تكون مبينة واضحة كما قال ﷻ : رَسُولًا يَتْلُوا عَلَيْكُمْ آياتِ اللَّهِ مُبَيِّناتٍ (الطلاق: ١١) «أي في حال كونها بينة واضحة جلية» «٢» ، وهذا يشمل اللفظ الخارجي والداخلي من الهيئات الصوتية الموغلة في الجزئية.

стр. 216

ولهذا أثره العظيم في بيان كيفية تلاوة القران الكريم في جهتين: ١- جهة صيرورة موافقة اللغة العربية ركنا من أركان القراءة المقبولة. ٢- جهة خضوع أداء ألفاظ القران الكريم لأحوال اللسان العربي الأدائية من إظهار وإدغام، وفتح وإمالة، وتخفيف وتثقيل، وتحريك وإسكان، وحذف وإثبات، ومد وقصر ... وإذا كان هذا هو الأساس الأول لعلم التجويد وتقعيداته فلا يبحث في حكم التجويد بهذا المعنى- عند غالب المصنفين القدماء- لأنه أصل الكلام ... وتواتره بمعنى ثبوته يقينا قطعيا لا ارتياب فيه بدهي لأن التجويد هنا مخارج الحروف وصفاتها وهي التي تتكون منها ماهية الكلام العربي الفصيح ... مع ملحوظتين: الأولى: أن المختلف فيه بين القراء في التجويد يرجع إلى أصول النطق العربي الفصيح أيضا مما فيه سعة كاختلاف كلمة بين الإظهار والإدغام. الثانية: أن الزيادة على أصول الكلام العربي الفصيح في التجويد إنما هو في الترتيل والتزيين والتحسين الذي أمرنا به في القراءة، فأصول علم التجويد وقواعده إذن كانت موجودة في الكلام العربي يحرص عليها القراء ويعتمدون عليها في قراءتهم وإقرائهم، وإن لم تكن مدونة، شأنها في ذلك شأن قواعد النحو والصرف التي استنبطها علماء العربية في وقت لاحق. ولذا فإن اختلاف القراء في إثبات بعض فروع علم التجويد الدقيقة: مثل حكم الميم الساكنة عند الباء: هل هو الإخفاء أو الإظهار- على ثلاثة أقوال كما هو معلوم في مظانه «١» - يعزى إلى علم العربية، وذلك إذا كان ضمن

стр. 217

القياس الجائز في علم القراءة لا الممنوع، وهو ما يتعلق بهيئة الأداء الداخلية في مواضع محدودة. الأصل الثاني لعلم التجويد: علم القراءة: حيث كان هذا العلم هو الذي يحوي علم التجويد من الناحية التطبيقية. كيفية تشكل علم التجويد من علم القراءة: ١- إن متعلم قراءة القران يقوم يقرأ على الشيخ فيلقنه الشيخ كيفية القراءة مطلقا أي ما تعلق منها بأصل اللفظ أو ما تعلق بأدائه، أو ما تعلق بتحسين صوته فيها وفق القواعد المتلقاة، فيأمره بالمد أو بالغنة أو بالإدغام.. وهكذا ... ويلحظ الشيخ الخطأ في القراءة كما كانوا- تماما- يلحظون الخطأ النحوي فيردونه على صاحبه طبيعة، على الرغم من عدم وجود مؤلفات في النحو ... ثم إنهم نظروا إلى هذه الأحكام المتلقاة شفاها فدونوها أشباها ونظائر بالاستقراء ... ثم جعلوها قواعد مسطرة، وضوابط مبثوثة في الكتب فاستقام منها علم القراءة مدونا مكتوبا في كتبه، واحتوى فيما احتوى على أكثر علم التجويد من إدغام وإمالة ومد وقصر وتسهيل للهمز وغنة ومخارج للحروف والصفات ... ولكن بصورة أوسع شملت ما كان مقتضى تلقائي من مقتضيات النطق الفصيح للغة العربية، ثم جمّل بما أمر به النبي ﷺ وأمر به من التحسين والتزيين والترتيل كمد المتصل فإن النطق العربي الفصيح يقتضيه، وقواعد الصرف توجبه وترتضيه، ولا بد من زيادة حسنه طلبا لترتيله وتزيينه وتحسينه ... وهكذا بقية الأحكام. ٢- ثم بدأ علم التجويد ينفرد بالتأليف ليكون علما مستقلا يحتوي على ما يدل على النطق العربي الصحيح مما كان مختصا بالمتفق عليه بين القراء وحال

стр. 218

الاختلاف يذكر ما يتعلق برواية واحدة فقط ... فانفرد كما انفرد علم أسباب النزول عن التفسير، وعلم عدد الاي عن علم القراءة. الفرق بين علم التجويد وبين علم القراءة: ١- علم القراات علم يعرف فيه اختلاف أئمة الأمصار في نفس حروف القران أو في صفاته، فإذا ذكر فيه شيء من ماهية صفات الحروف فهو تتميم؛ إذ لا يتعلق الغرض به، وأما علم التجويد فالغرض منه معرفة ماهيات صفات الحروف، فإذا ذكر فيه شىء من اختلاف الأئمة فهو تتميم، فالتجويد يناقش حق الحرف ومستحقه، والقراات يناقش بعد أن يكون حق الحرف ومستحقه قد صار من المسلمات. ٢- القراات علم رواية واختلاف الألفاظ، والتجويد علم دراية فهو أداء تلك الألفاظ «١» . ومما ينبغي التنبيه له أن علم القراءة وعلم التفسير كانا متلازمين: لم يستقل أحدهما عن الاخر، ولذا ذكروا أن القراات جزء من علم التفسير، ويبين هذا قول مجاهد- رحمه الله تعالى-: «عرضت القران على ابن عباس ثلاث عرضات أوقفه على كل اية أسأله فيما نزلت وكيف كانت» «٢» ، وكما أن مجاهد كان إمام المفسرين فقد كان شيخ القراء كذلك وهو شيخ الإمام المكي ابن كثير الداري.

стр. 219

هل لتأخر التأليف في علم التجويد أثر سلبي ؟: لا يعني تأخر ظهور التأليف في علم التجويد أن القراء كانوا ينطقون القران قبل ذلك على غير أصل واضح، كما لا يعني أن علماء التجويد اختلقوا هذه الأصول أو ابتدعوها. ف «تجويد القران قد يحصله الطالب بمشافهة الشيخ المجود، بدون معرفة مسائل هذا العلم، بل المشافهة هي العمدة في تحصيله، لكن بذلك العلم يسهل الأخذ بالمشافهة، وتزيد المهارة، ويصان به المأخوذ عن طريان الشك والتحريف» «١» ، فكانت أجيال المسلمين تجود القران بالمشافهة منذ عصر الصحابة حتى ظهرت المؤلفات التي تعني بالتجويد، وظلت المشافهة والتلقي عن الشيخ المتقن هي الأساس في قراءة القران وإتقان اللفظ بحروفه. المطلب الثاني: مكونات علم التجويد- كما علمها النبي ﷺ -: تمت صياغة مادة علم التجويد النظرية من المصدرين السابقين العملي والنظري، ثم واصل المتخصصون في علم التجويد أبحاثهم الصوتية وغيرها مستندين إلى تلك المادة، وأضافوا إليها خلاصة جهداهم حتى بلغ علم التجويد منزلة عالية من التقدم في دراسة الأصوات اللغوية. ومن ثم فمن الجنف الشديد عند الكلام على حكم التجويد علما وعملا أن يتكلّم عنه بعيدا عن تصور مادته وماهيته وتصور أصوله الشرعية والنظرية، فتعليم النبي ﷺ أصحابه تجويد القران هو تعليم لمراتبه وأصوله الشرعية- بعد تقرير حداثة هذا المصطلح-، فيجب معرفة أصوله الشرعية حتى يتم الحكم

стр. 220

عليها ... شأنه في ذلك شأن البيوع المحدثة لا بد من ردها إلى أصولها الشرعية للنظر في أحكامها تحليلا وتحريما. وتجويد الشيء في اللغة «١» : هو إحكامه وإتقانه يقال جوّد فلان الشيء وأجاده إذا أحكم صنعته، وأتقن وضعه، وبلغ به الغاية في الإحسان والكمال سواء كان ذلك الشيء من نوع القول، أو من نوع الفعل «٢» . وأما اصطلاحا: له إطلاقان في اصطلاح علماء القراءة «٣» : التجويد العلمي: معرفة القواعد والضوابط التي وضعها علماء التجويد ودونها أئمة القراءة من المخارج والصفات وأحكام النون الساكنة، والوقف والابتداء. التجويد العملي: هو إحكام حروف القران وإتقان النطق بكلماته وبلوغ الغاية في تحسين ألفاظه والإتيان بها معربة بشرط النقل (التلقي) . ويقال: يجود فلان القران تجويدا: «إذا أتى بالقراءة مجودة الألفاظ، بريئة من الجور في النطق بها، لم تهجنها الزيادة، ولم يشنها النقصان» «٤» . ولا يتحقق الإعراب والإتقان للكلمات إلا بإعطاء الحروف حقها ومستحقها، ولذا ذهب بعضهم في تعريفه على أنه: إخراج كل حرف من مخرجه مع إعطائه حقه ومستحقه «٥» .

стр. 221

وحق الحرف هو: صفاته الذاتية اللازمة له فلا تنفك عنه كالجهر والشدة والاستعلاء، وكالإعراب النحوي ... فإن انفكت عنه فإن الانفكاك يغير ذات الحرف فإن عصى ومحظور إذا لم يعط الصاد والظاء حقهما من الاستعلاء والإطباق يصيران عسى ومحذور. ومستحقه هو: صفاته العارضة الناشئة عن الصفات الذاتية كالتفخيم فإنه ناشئ عن الاستعلاء والتكرير، والترقيق فإنه ناشئ عن الاستفال ... والكسر والتفخيم متضادان لأن الأول يستدعي انخفاض اللسان والثاني يستدعي ارتفاعه ... وهذا على سبيل الإجمال، وإلا فالتفصيل أن التفخيم لا ينشأ دائما عن الاستعلاء ... وكالإظهار والقلب والإخفاء فإنها ناشئة إما عن التماثل وإما عن التقارب وإما عن التباعد، وإما عن التجانس، وهذه من الصفات الذاتية التركيبية.. كما هو مبسوط في محاله. ولأن التجويد يعتمد على التلقي فما زال العلماء يكثرون من التنبيه أن إتقان التجويد لا بد فيه من رياضة الألسن والتكرار للفظ المتلقى كما قال الداني: «ليس بين التجويد وبين تركه إلا رياضة لمن تدبره بفكه» «١» ؛ إذ تنشأ في حال التركيب أحكام غيرها حال الإفراد «فمن أحكم صحة التلفظ حالة التركيب حصّل حقيقة التجويد بالإتقان والتدريب» «٢» ، وقال صاحب كشف الظنون عن هذا العلم: «وهو كالموسيقي من جهة أن العلم لا يكفي فيه بل هو عبارة عن ملكة حاصلة من تمرن امرئ بفكه وتدربه بالتلقف عن أفواه معلميه» «٣» والناس في ذلك بين محسن مأجور، ومسيء اثم أو معذور كما قال ابن الجزري «٤» .

стр. 222

وجميع ما عليه القراء من القراءة تجويد وتحقيق، وحسن أداء، فقراءة ابن كثير مع تسهيله كقراءة حمزة في التجويد، لأن المراد بالتجويد: إعطاء الحروف حفها، وإخراجها من مخارجها، واجتناب اللحن الخفي، وذلك لا يختلف بحدر ولا بتأن «١» . فأركان التجويد العملي ثلاثة هي: أولا: إحكام حروف القران، وإتقان النطق بكلماته، والإتيان بها معربة بإعطاء الحرف حقه: وهذا الركن راجع إلى كون القران نزل بلسان عربي مبين ... فالعمل به واجب قطعي لا ريب فيه، ولولا ما تقتضيه الضرورة البحثية لكفت البديهة في تصور دليله. ولعل من أهم أسباب تأخر ظهور علم التجويد مدونا مستقلا غير اندماجه الظاهر في علم القراء: اعتماده الشديد على التلقي من الأفواه، وهذا مما يوضح أن الصحابة تعلموه من النبي ﷺ تلقائيا، لم يحتج إلى نص تفصيلي، لأنه جزء من البلاغ المبين للفظ القران الكريم، ولا شك أن الأمة كما هم متعبدون بفهم معاني القران وإقامة حدوده هم متعبدون بتصحيح ألفاظه وإقامة حروفه على الصفة المتلقاة من أئمة القراء المتصلة بالحضرة النبوية. والموضوعات التي تتعلق بهذا الركن من علم التجويد مخارج الحروف وصفاتها الأصلية، والإدغام الواجب المتفق عليه، والمد الواجب من لازم ومتصل بغض النظر عن مراتبه....

стр. 223

ثانيا: إحكام حروف القران، وإتقان النطق بكلماته بإعطاء الحرف مستحقه: مستحق الحرف هو صفاته العرضية الناشئة عن الصفات الذاتية، وهذا الركن كالأول، غير أن الفارق بينهما أن صفة الحرف هنا لا تغير من ذاته في الغالب، فإن الترقيق لا يغير من ذات الراء المفخمة، إنما يغير صفة الكمال فيها، والإشمام أو الروم لا يغير من ذات النون مثلا. ويتعلق بهذا الركن موضوعات التجويد الاخرى مثل الصفات الفرعية من تفخيم وترقيق (دروس الراات واللامات وحروف الإطباق) ، وأبواب كيفية الوقف على أواخر الكلم ... ثالثا: تحسين التلفظ بالحروف: وهذا الركن هو ما يتميز به نطق الكلمات القرانية عن نطق سائر الكلمات العربية، ولذا فالجمهور لا يدخلون العمل بالتجويد في الحديث النبوي، وهذا الركن هو الذي عبر عنه العلماء بقولهم: «هو حلية التلاوة وزينة القراءة» «١» من غير إسراف ولا تعسف ولا إفراط ولا تكلف، ومن أبرز من تميز به من الصحابة ابن مسعود، وأبو موسى الأشعري، وسالم مولى أبي حذيفة. فالركنان الأولان هما التلاوة، وهما القراءة ... ولا يتصور أداء اللفظ إلا بالأول، وينفر من أدائه دون الثاني في الفصيح، وأما الثالث فهو تحسينهما وتجميلهما. وتظهر الأركان الثلاثة في تعريف صاحب كشف الظنون لعلم التجويد بأنه «علم باحث عن تحسين تلاوة القران العظيم من جهة مخارج الحروف وصفاتها،

стр. 224

وترتيل النظم المبين بإعطاء الحروف حقها من الوصل والوقف والمد والقصر والإدغام والإظهار ... » «١» . فتعبير العلماء عن التجويد بالتحسين مع أنه الركن الثالث؛ لأن الركنين الأولين دخلا ضمنا، فلا يتصور تحسين للفظ بغيرهما. المطلب الثالث: حكم التجويد كما علمه النبي ﷺ : أما الركنان الأولان من التجويد فلا يرتاب أحد في أن النبي ﷺ قد علمهما أصحابه ﵃ لن ذلك من مقتضيات نزول القران بلسان عربي مبين، إذ أصل أصول هيئة الأداء: عربية اللسان، وكل دليل للركن الثالث هو دليل للركنين السابقين. ودليل تعليم النبي ﷺ لأصحابه الركن الثالث: ١- أمر الله النبي ﷺ بتجويد القران: والنبي ﷺ إنما تلقاه مرتلا من جبريل ﵇ كما في اية الفرقان وَرَتَّلْناهُ تَرْتِيلًا (الفرقان: ٣٢) ، وأمر بأن يقرأه كما سمعه من جبريل ﵇ كما في اية المزمل وَرَتِّلِ الْقُرْآنَ تَرْتِيلًا (المزمل: ٤) ، واية القيامة فَإِذا قَرَأْناهُ فَاتَّبِعْ قُرْآنَهُ (القيامة: ١٨) ، ووقع ذلك منه عمليا كما في حديث المعالجة «٢» ، ولا شك أننا مأمورون بالاقتداء به ﷺ . ٢- قوله : يَتْلُونَهُ حَقَّ تِلاوَتِهِ (البقرة: ١٢١) : أي يقرؤونه حق قراءته، وهي قراءة تأخذ بمجامع القلب فيراعى فيها ضبط اللفظ والتأمل في المعنى، وحق الأمر والنهي. وإعطاء اللفظ حقه في التلاوة: تظهر ضرورته الشرعية من هذه الاية وهذا هو التجويد؛ إذ عرّف العلماء (التجويد) بأنه إعطاء الحرف حقه ومستحقه،

стр. 225

فالتجويد من حق تلاوة الكتاب العزيز، وقد روى الطبري أن ابن مسعود ﵁ كان يقول: «إن حق تلاوته أن يحل حلاله، ويحرم حرامه، وأن يقرأه كما أنزله الله ، ولا يحرفه عن مواضعه» «١» ، وعن قتادة قال في معنى الاية: «يتبعونه حق اتباعه- قال- اتباعه يحلون حلاله ويحرمون حرامه ويقرؤنه كما أنزل» . ٣- قوله ﷻ : وَقُرْآناً فَرَقْناهُ لِتَقْرَأَهُ عَلَى النَّاسِ عَلى مُكْثٍ (الإسراء: ١٠٦) . ٤- أحاديث التحسين للقران، والتزيين لتلاوته، والتغني به، كما قال النبي ﷺ : «اقرؤوا القران وتغنوا به..» ، وقال ﷺ : «ليس منا من لم يتغن بالقران» ... ٥- واشتد اهتمام النبي ﷺ بتعليمهم قواعد تجويد القران تلقينا كقوله ﷺ : «الماهر بالقران مع السفرة الكرام البررة» ، «والمهارة في القران جودة التلاوة بجودة الحفظ فلا يتلعثم ولا يتشكك وتكون قراءته سهلة بتيسير الله تعالى كما يسره على الكرام البررة، فالماهر بالقران هو الحافظ له مع حسن الصوت به، والجهر به بصوت مطرب بحيث يلتذ سامعه» «٢» . ٦- وأعظم أدلة وجوب التجويد العملي هو التلقي القراني المتواتر تواترا ضروريا. ويشير إلى ذلك ما جاء عن علي ﵁: «إن رسول الله ﷺ يأمركم أن تقرؤوا كما علمتم» «٣» ، وحدد لهم بعض المعلمين فقال: «خذوا القران من أربعة من بن أم عبد فبدأ به ومعاذ بن جبل وأبي بن كعب وسالم مولى أبي حذيفة» «٤» ، وهذا هو معنى قول الجزري في المقدمة:

стр. 226

والأخذ بالتجويد حتم لازم ... من لم يجود القران اثم لأنه به الإله أنزلا ... وهكذا منه إلينا وصلا «أي أن القراءة بالتجويد واجبة لأن الله أنزل القران به، فتجويد القران وصلنا من الله بسلسلة الإسناد الجليلة هذه، إذ إن المقصود الاصطلاحي بتجويد القران: قراءته على الصفة التي قرأه بها النبي ﷺ وأداؤه بالهيئة التي أداه بها» «١» . فعلم التجويد بأركانه «هو عبارة عن وصف اصطلاحي لما ثبتت الرواية به من صفة قراءة النبي ﷺ ، وإلا فالمقصود هو تلك الهيئة التي نزل بها الوحي، وتلقاها رسول الله ﷺ من جبريل مشافهة، عرضا وسماعا، كما سبق بيانه، وأقرأ بها عددا من أصحابه» «٢» . فهذه النصوص واضحة الدلالة على أن القراءة توقيفية، فلا يجوز أن يقرأ أحد إلا بالهيئة التوقيفية المتلقاة من الحضرة النبوية، والتي يتعلمها مشافهة من المقرئين، وقد عين النبي ﷺ لجيل الصحابة ﵁ هؤلاء المقرئين ليتعلموا منهم القراءة، ويتلقوا منهم نص القران، وذكرهم ليس على سبيل الحصر، فقد نوه النبي ﷺ في أحاديث أخرى بقراء اخرين من الصحابة ﵁ «٣» . وأكد النبي ﷺ على تجميل الصوت وتحليته عند قراءة القران الكريم فعن ابن عباس ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ : «لكل شيء حلية وحلية القران حسن الصوت» «٤» ، وعن البراء ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «زينوا القران

стр. 227

بأصوآتاكم فإن الصوت الحسن يزيد القران حسنا» «١» ، وعن عبد الله بن مسعود ﵁ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «إن حسن الصوت يزين القران» «٢» ، وتسلسلت المنهجية: فعن علقمة أنه قرأ على بن مسعود ﵁ فقال: «رتل فداك أبي أمي فإنه زينة القران» «٣» ، وفي رواية عنه قال: كنت رجلا قد أعطاني الله حسن الصوت، وكان ابن مسعود يرسل إلي فأقرأ عليه القران فكنت إذا فرغت من قراءتي قال: زدنا من هذا فداك أبي وأمي فإني سمعت رسول الله ﷺ يقول: «حسن الصوت زينة للقران» «٤» . المسلمون في أغلبهم الأعم يقومون بالأركان الثلاثة: وحتى لا يبادر البعض بالإنكار على وجوب ما سبق فإنه يجب تقرير حقيقة واقعة في حياة المسلمين هي: أن المرتبة الثالثة حقيقة ملموسة واقعية فلا تجد صغيرا ولا كبيرا ولا رجلا ولا امرأة ولا شابا ولا هرما إلا غير نبرة تصويته عند قراءة القران الكريم إلى هيئة فيها تغن ظاهر كل حسب قدرته وطاقته الصوتية. وعلى هذا يحفظ هذا الكتاب المجيد من جميع الجهات: فثم غاية لقراءة القران هي التدبر أَفَلا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ (النساء: ٨٢) ، كِتابٌ أَنْزَلْناهُ إِلَيْكَ مُبارَكٌ لِيَدَّبَّرُوا آياتِهِ (ص: ٢٩) سواء كانت اللام أن تكون للتعليل أو للعاقبة.

стр. 228

وثم مقتضى يوجبه التدبر هو الخشوع اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِتاباً مُتَشابِهاً مَثانِيَ تَقْشَعِرُّ مِنْهُ جُلُودُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ ثُمَّ تَلِينُ جُلُودُهُمْ وَقُلُوبُهُمْ إِلى ذِكْرِ اللَّهِ (الزمر: ٢٣) . وثم طريقة لقراءة هذا الكلام هي التلاوة بالترتيل وتحسين التصويت به، فليست قراءة القران كمعتاد الكلام، أو إلقاء الشعر. فتحصل بمجموع ذلك كله: وجوب ترتيل (تجويد) القران كما تلقي وسمع مع المنع من غثاثة الإفراط في التغني للتوقيفية التعبدية المحضة. فالواجب الشرعي في التجويد: وهو ما أجمع عليه القراء كالإخفاء والإدغام والإظهار والقلب وترك المد فيما أجمع على قصره وترك القصر فيما أجمع على مده وغيره ذلك مع أن الواجب من المد هو القدر المجمع عليه مما ليس فيه خلاف، وتزيين القراءة بحيث تختلف عن سجية معتاد الكلام حال التلاوة، فهذا هو الواجب الشرعي؛ إذ يمثل الترتيل المأور به، ويبقى العذر بالجهل مانعا من وقوع العامي في الإثم، ولكن أي عذر لمتعلم جامعي في أرقى التخصصات الفنية ألا يعرف كيفية قراءة كتاب الله الكريم أكثر من العامي أو الأمي؟. وحقيقة الوجوب هنا قائمة على ركائز: توفر الحد الأدنى من أحكام التجويد مما هو مجمع عليه بين القراء، فليس من الواجب تحقيق المد تماما وإنما المجيء بأصله الذي يسمى به مدا، وكذلك الغن، ولا يكون ذلك إلا بتحقيق مخرج الحرف وصفته ... ولذا ذكر قالون عن نافع أنه كان يمد ويحقق القراءة، ولا يشدد، ويقرب بين المدود وغير المدود، قال ابن

стр. 229

مجاهد: وكذلك مذهب ابن كثير وأبي عمرو «١» ، وقال حمزة: ترك الهمز في المحاريب من الأستاذية «٢» ، والمراد ترك الكمال في ذلك كله. تحسين الصوت تغنيا وتزيينا بالمستطاع: والمراد تغيير نغمة الصوت عند التلاوة على هيئة مميزة للقران الكريم. أن الأركان الثلاثة تتفاوت في وجوبها، فالأول لا تسمى القراءة قراءة إلا به، والثاني يخل بعرف القراءة وقد يخل بالمعنى، ووجوبه في درجة أدنى، والثالث يخل بعرف تلاوة القران ووجوبه أقل مما سبقه، والتساهل فيه كائن، والله أعلم.

стр. 230

المبحث الثالث: تعليمه ﷺ أهمية التجويد وضوابطه الشرعية: بعد معرفة الأصول الشرعية للتجويد وتصور ماهيته، وحكم تعلمه، لا بد من الإشارة إلى وسائل النبي ﷺ في بيان أهميته، واجتناب ما يضاده، وبيان حدوده، وهو ما يتحدث عنه هذا المبحث، ولذا انقسم إلى ثلاثة مطالب: المطلب الأول: تعليمه ﷺ أهمية التجويد . المطلب الثاني: تعليمه ﷺ اجتناب اللحن. المطلب الثالث: تعليمه ﷺ ضوابط التجويد. المطلب الأول: تعليمه ﷺ أهمية التجويد: علمهم النبي ﷺ أهمية التجويد من وقت مبكر من البعثة حيث نزلت سورة المزمل ... ومن معالم تعليمه ﷺ للصحابة أهمية التجويد: ١- كان النبي ﷺ يعلمهم القران حرفا حرفا: وهذا إنما يكون بالتلقين القراني للحروف مصحوبة بالترتيل حتى قال عبد الله بن مسعود في وصف تعليم النبي ﷺ لهم التشهد «كما يعلمنا السورة من القران» «١» ، ومثله حديث ابن عباس، وجابر في تعلم الاستخارة «٢» ، فيحتمل أن يكون وجه الشبه هو التكرار، ويحتمل دقة التلقين، والاهتمام بدقة الحفظ والأظهر أن ذلك شمل الأمرين معا، ويدل على ذلك وعلى تسلسل هذه المنهجية أيضا أن إبراهيم بن يزيد بن قيس النخعي والأسود بن يزيد بن قيس النخعي رويا

стр. 231

عن عبد الله بن مسعود أن رسول الله ﷺ علمه التشهد في الصلاة فقالا: «كنا تحفظه عن عبد الله بن مسعود كما نحفظ حروف القران الواو والألف» «١» ، وقد شدد ابن مسعود ﵁ في ذلك «حتى أخذ على أصحابه الواو والألف فيه كي يوافقوا لفظ رسول الله ﷺ » «٢» . ويدل قوله «الواو والألف» : على تحري الحروف وعدم إبدالها بغيرها، ويحتمل أن يكون المعنى إتقان نطق الحرف، والتشديد على ما يخل به الإنسان عادة كالحركات (التي تسمى في علم الأصوات: الألفونات والمصوتات) التي قد تتعرض إلى البتر إذا كانت طويلة، أو إلى المط إذا كانت قصيرة ... فيحمل على العموم، وذكر الألف والواو يدل على مقدار الإتقان في الحفظ والأداء معا كما قال مجاهد: «صليت خلف مسلمة بن مخلد فافتتح البقرة فما أخطأ فيها واو ولا ألفا» «٣» . ٢- جعل الترتيل (التجويد) القراني مقياسا لدقة الترتيل في غيره: ولذا كانوا يشبهون دقة تعليم أي شيء اخر بتعلم ألفاظ القران كالتشهد والاستفتاح والاستخارة، والأذان الذي يؤدى مرتلا مغنى به. ٣- وقد كان ﷺ يعلمهم مد الصوت في الأذان فكيف تراه في تعليم القران ؟: فعن أبي محذورة ﵁ قال: ألقى علي رسول الله ﷺ التأذين «حرفا حرفا» هو بنفسه فقال قل الله أكبر ... قال: ثم أرجع فمد من صوتك ... الحديث «٤» . فالمراد بمد الصوت هنا رفع الصوت وإطالة المد بنداوة.

стр. 232

٤- ديمومة الإقراء لهم بالترتيل ليصير عادة قرانية في التلاوة: فكانوا يسمعون القران منه ﷺ مرارا، فيكون ذلك مراسا لهم على الحفظ وإتقان الأداء على ما هو معلوم من صلاته الجهرية، وحلقاته القرانية وإقرائه الفردي وتبليغه العام. ٥- تقديم الأقرأ في أهم العبادات وهي الصلاة: وقد أمر أن يؤمّ باقوم الأقرأ، وهذا يدل على اهتمامه بتعليمهم ما يتفاضلون فيه في القراءة، والأقرأ «محتمل لشيئين أحدهما أن يكون المراد به أحفظهم للقران، وهو المتبادر الثاني: أحسنهم تلاوة للقران باعتبار تجويد قراءته وترتيلها» «١» ، ولا شك أن الأكثر قراءة هو الذي جمع بين الأمرين وعليه عمل عامة المسلمين إلى اليوم. ٦- تقسيم قرأة القران إلى قسمين: الماهر، والمتعتع: فعن عائشة- رضي الله تعالى عنها- قالت: قال رسول الله ﷺ : «الماهر بالقران مع السّفرة الكرام البررة والّذي يقرأ القران ويتتعتع فيه وهو عليه شاقّ وفي لفظ: والّذي يقرأ وهو يشتدّ عليه له أجران له أجران» «٢» . والماهر بالقران: أصل المهارة الحذق بالسباحة، والمراد بالمهارة بالقران جودة الحفظ وجودة التلاوة من غير تردد فيه «٣» ، فالماهر هو «الحاذق الكامل الحفظ الذي لا يتوقف ولا يشق عليه القراءة بجودة حفظه وإتقانه» «٤» ، ولذا ففي رواية البخاري: «مثل الذي يقرأ القران وهو حافظ له» «٥» فالماهر من اجتمع فيه

стр. 233

شرطان: جودة الحفظ، إتقان الأداء «فالمهارة في القران بهذا جودة التلاوة بجودة الحفظ فلا يتلعثم ولا يتشكك وتكون قراءته سهلة ... » «١» . «وثواب الماهر أن يكون مع الملائكة أو الرسل وياله من حظ وشرف، وسبب ذلك أن الله تعالى يسره الله تعالى عليه كما يسره على الملائكة فكان مثلها في الحفظ والدرجة» «٢» ، «ويحتمل أن يكون معنى كونه مع الملائكة أن له في الاخرة منازل يكون فيها رفيقا للملائكة السفرة؛ لاتصافه بصفتهم من حمل كتاب الله تعالى، ويحتمل أن يراد أنه عامل بعملهم» «٣» . وأما التتعتع فهو «التردد في الكلام عيا وصعوبة» «٤» والذي يتتعتع فيه هو الذي يتردد في تلاوته لضعف حفظه، أو لصعوبة أدائه وإتقانه وقوله «وهو شديد عليه» أي يصيبه شدة ومشقة، والشدة والمشقة قد تكون في حفظه، وقد تكون في أدائه، وقوله «له أجران» : أجر بالقراءة، وأجر بتتعتعه في تلاوته ومشقته «٥» . وليس معنى الحديث أن الذي يتتعتع عليه له من الأجر أكثر من الماهر به، بل الماهر أفضل وأكثر أجرا؛ «لأنه مع السفرة وله أجور كثيرة، ولم يذكر هذه المنزلة لغيره» «٦» كما يقال أيضا: «درجات الماهر فوق ذلك كله لأنه قد كان القران متعتعا عليه ثم ترقى عن ذلك إلى أن شبه بالملائكة» «٧» .

стр. 234

٧- فرضية أداء المستطاع في تلاوة القران الكريم من الترتيل: كما دل عليه الحديث السابق. ٨- وكان النبي ﷺ يجعل ميادين تجويد القران مختلفة ليرسخ بأكثر من أسلوب: وذلك كالصلاة الجهرية الجماعة، وحلقة التعليم، والتعليم الفردي، والصلاة الفردية، والقراءة الفردية فكان يرفع الصوت بالقراءة، ولا شك أن من المقاصد الشرعية لذلك سماع القران لفظا وكيفية (أداء) فعن أم هانئ قالت: كنت أسمع قراءة النبي ﷺ وأنا على عريشي «١» . وتسلسلت هذه المنهجية فقد علم الصحابة ﵃ تلاميذهم ذلك كما تعلموه من النبي ﷺ فأخبروهم أن من أعظم واجبات حامل القران تلاوته بالحق أي بأحكامه ليس التلاوة المجردة فعن شقيق قال: أتى عبد الله بن مسعود ﵁ بمصحف قد زين فقال: إن أحسن ما زين به المصحف تلاوته بالحق «٢» . وقد نبه الصحابة ﵃ تلاميذهم إلى ضرورة التزام التجويد: وذموا تاركه فعن حذيفة ﵁: «إنّ من أقرأ الناس للقران منافقا لا يدع منه واوا ولا ألفا، يلفته بلسانه كما تلفت البقرة الخلى بلسانها» «٣» ، فقد وسم من لا يعطي الحروف حقها بالنفاق وذلك أن اللفت هنا من قولهم: الرّاعي يلفت الماشية بالعصا، أي يضربها بها، لا يبالي أيها أصاب، والمعنى: «يقرؤه من غير رويّة ولا

стр. 235

تبصّر بمخارج الحروف، وتعمّد للمأمور به من الترتيل والترسّل في التلاوة، غير مبال بمتلوّه كيف جاء؛ كما تفعل البقرة بالحشيش إذا أكلته، وأصل اللّفت ليّ الشيء عن الطريق المستقيمة» «١» ، وقد يحتمل عند الباحث أن يكون المعنى: اهتمام المنافق بالقراءة حتى لا يترك منه ألفا ولا واوا إلا أتقنه ليفتن الناس بذلك. ومن ذلك ما جاء عن أبي جمرة قال قلت لابن عباس: إني (رجل) سريع القراءة، إني أهذ القران «وربما قرأت القران في ليلة مرة أو مرتين» . فقال ابن عباس: لأن أقرأ سورة البقرة فأرتلها أحب إلي من أن أقرأ القران كله «فإني كنت فاعلا لابد فاقرأه قراة تسمع أذنيك ويعيه قلبك» «٢» ... وهذا الأخير هو حدّ الحدر الاصطلاحي ... وصيغة التفضيل (أحب) في قول ابن عباس لا تدل على جواز قراءة القران بغير ترتيل بل تدل على الاستبداد، وتشبه في ذلك قوله : ذلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ (الصف: ١١) ، أو يكون من باب الترتيل الذي بمعنى التأني والتؤدة (يطابق التحقيق الاصطلاحي) ، والمفاضلة بينه وبين الهذ وهو الإسراع (يطابق الحدر الاصطلاحي) مع بقاء الأحكام الواجبة في كل منهما، كما سيأتي في مراتب الترتيل- إن شاء الله في المبحث القادم. ومن أهم معالم تعليم النبي ﷺ لهم أهمية التجويد: تعليمه اجتناب اللحن، وهو ما يأتي في الفصل التالي.

стр. 236

المطلب الثاني: تعليمه ﷺ اجتناب اللحن «١» : الدلالة اللغوية والاصطلاحية للحن: ذكر بعضهم للحن ستة معان: الخطأ في الإعراب، واللغة، والغناء، والفطنة والتّعريض والمعنى «٢» ومنه قول الشاعر: منطق صائب وتلحن أحيانا ... وخير الحديث ما كان لحنا وأما اللحن في اصطلاح القراء فهو: هو الميل عن الصواب فهو خطأ يطرأ على القراءة فيخل بعرف القراءة وبمعناها وهو الجلي، أو يخل بالعرف دون المعنى وهو الخفي. وقد جعل النسفي «الخطأ في القراءة ستة أنواع أحدها: في الاية والثاني في الكلمة والثالث في الحروف والرابع في الإعراب والخامس في قطع الكلمة والسادس في الوقف والابتداء» ثم جعل للثلاثة الأولى ستة أوجه «وهي الزيادة والنقصان والتقديم والتأخير والإبدال والتكرار ... وجعل الضابط في فساد الصلاة في الغالب هو تغير المعنى عند أبي حنيفة ومحمد وأما أبو يوسف فيشترط اللفظ» «٣» ، وعلى هذا الجماهير أن الخطأ اللفظي لا يغتفر في فساد الصلاة لقادر على التعلم.

стр. 237

ومن معالم أمر النبي ﷺ باجتناب اللحن وتصحيحه: ١- الأمر بإعراب القران: وذلك كائن بإعطاء كل حرف حقه ومستحقه، وهو معنى التجويد، والأمر بإعراب القران إبعاد للركن الأساسي من أركان اللحن الجلي، وقد «جاء عن النبي ﷺ وعن أصحابه وتابعيهم رضوان الله عليهم من تفضيل إعراب القران، والحض على تعليمه، وذم اللحن وكراهيته ما وجب به على قراء القران أن يأخذوا أنفسهم بالاجتهاد في تعلمه» «١» كما جاء عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «أعربوا القران والتمسوا غرائبه» «٢» ، وعن ابن مسعود ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «أعربوا القران فإن من قرأ القران فأعربه فله بكل حرف عشر حسنات وكفارة عشر سيئات ورفع عشر درجات» «٣» ، ومعنى إعراب القران كما قال الحليمي: «شيئان أحدها أن يحافظ على الحركات التي بها يتميز لسان العرب على لسان العجم، والاخر أن يحافظ على أعيان الحركات ولا يبدل شيئا منه بغير لأن ذلك ربما أوقع اللحن أو غير المعنى» «٤» ، وكذلك أن يؤدي لكل حرف حقه من الأداء حتى يبرز الكلام باللفظ تماما، وإنما تكون دقائق العربية بتطبيق دقائق التجويد لأن حقيقة التجويد البحث عن أحوال الحروف ودقائق النطق بها «٥» .

стр. 238

وتسلسلت المنهجية فقال ابن مسعود ﵁: «أعربوا القران فإنه عربي وسيكون بعدكم أقوام يثقفونه وليسوا بخياركم» «١» ، والظاهر أن معنى يثقفونه أي يلتقطون كلامه التقاطا كأنهم لا يبالون بإعرابه، أو يسردونه دون مبالاة ببيانه، وكان عمر بن الخطاب ﵁ يقول: «أعربوا القران فإنه عربي، وتفقهوا في السنة، وأحسنوا عبارة الرؤيا، وإذا قص أحدكم على أخيه فليقل اللهم إن كان خيرا فلنا وان كان شرا فعلى عدونا» «٢» . ٢- الأمر الصريح باجتناب اللحن عموما وتصحيحه لمن وقع فيه: فعن أبي الدرداء ﵁ قال: سمع النبي ﷺ رجلا قرأ فلحن فقال رسول الله ﷺ : «أرشدوا أخاكم» «٣» وعن عمر بن الخطاب ﵁ أنه قال: «تعلموا السنة والفرائض واللحن كما تعلموا القران» «٤» ، وعن أبي بن كعب قال: «تعلموا اللحن في القران كما تعلمون القران» «٥» . وأما ما ورد عن ابن عباس ﵄ مرفوعا: «إذا قرأ القارئ فأخطأ أو لحن أو كان أعجميا كتبه الملك كما نزل» «٦» فالمراد به- إن صح- كأن يبدل «حرفا بحرف لفقد معلم أو عجز أو لحن فيه بأن

стр. 239

حرفه أو غير إعرابه» «١» ، وليس معنى هذا الحديث إلا معنى الاخر (الماهر بالقران) ففي هذا الحديث «أن القارئ يكتب له ثواب قراءته، وإن أخطأ ولحن لكن محله إذا لم يتعمد ولم يقصر في التعلم وإلا فلا يؤجر بل يؤزر» «٢» . والتجويد معرفة الصواب في القراءة واجتناب الخطأ، فمعرفة اللحن هي الركن الثاني من ركني الإتقان في هذا الباب، وقد أشار إلى ذلك الخاقاني بقوله: فأول علم الذكر إتقان حفظه ... ومعرفة باللحن من فيك إذ جرى فكن عارفا باللحن كيما تزيله ... وما للذي لا يعرف اللحن من عذر «٣» ملحوظة: ظهر أن أكثر ما ورد من أحاديث واثار في هذا المطلب ضعيفة ضعفا غير منجبر لكن الباحث ذكرها محاولة للإحاطة بما ورد في الباب، ولأن أصل الموضوع قائم في التلقي ذاته ... إذ عملية الإقراء والتلقين قائمة على سماع الصواب وتسميعه في اللفظ والأداء، ونفي الخطأ المنع منه في اللفظ والأداء أيضا. المطلب الثالث: تعليمه ﷺ ضوابط التجويد: وكما أن النبي ﷺ علمهم التجويد وأهميته، ونفرهم من اللحن فقد علمهم الضوابط التي تضبط طريقة أداء اللفظ القراني لئلا يحدث البغي في ترتيل ألفاظ القران، وهيئات التصويت بحروفه بحيث لا يغالى في تجويد القران، ولا يوغل في التغني به حتى يخرج عن كونه قرانا معظّم اللفظ والمعنى إلى جعله كلاما مغنى اللفظ متروك المعنى، ومن معالم تعليمه في ذلك:

стр. 240

١- المنع من الغلو في ترتيل لفظ القران: فعن أبي موسى الأشعري ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «إن من إجلال الله إكرام ... حامل القران غير الغالي فيه والجافي عنه ... » «١» ، والغلو هو المبالغة في التجويد، أو الإسراع في القراءة بحيث يمنعه عن تدبر المعنى، والتشديد ومجاوزة الحد في العمل به، وتتبع ما خفي منه واشتبه عليه من معانيه، وأما قوله «ولا الجافي عنه» أي وغير المتباعد عنه المعرض عن تلاوته وإحكام قراءته وإتقان معانيه والعمل بما فيه «٢» ، ولذا نبه أهل العلم على ضرورة ألايخرج التغني بالقران عن حده المعلوم، فالأمر بالتجويد وما يتبعه من تغن: «إذا لم يخرجه التغني عن التجويد، ولم يصرفه عن مراعاة النظم في الكلمات والحروف، فإن انتهى إلى ذلك عاد الاستحباب كراهة» «٣» . ٢- التخفيف في المطالبة بالدقة البالغة لأحكام التجويد خاصة للعامة: كما جاء عن جابر بن عبد الله ﵁ قال: خرج علينا رسول الله ﷺ ونحن نقرأ القران وفينا الأعرابي والأعجمي فقال: «اقرؤا فكل حسن، وسيجيء أقوام يقيمونه كما يقام القدح يتعجلونه ولا يتأجلونه» «٤» ، وعن سهل بن سعد الساعدي ﵁ قال: خرج علينا رسول الله ﷺ يوما ونحن نقترئ فقال: «الحمد لله كتاب الله واحد وفيكم الأحمر وفيكم الأبيض وفيكم الأسود اقرؤه قبل أن يقرأه أقوام يقيمونه كما يقوم السهم يتعجل أجره ولا يتأجله» «٥» .

стр. 241

فقوله: «اقرؤا فكل حسن» : أي فكل واحدة من قراءتكم حسنة مرجوة للثوب، ولا عليكم ألاتقيموا ألسنتكم إقامة القدح وهو السهم قبل أن يراش «وسيجيء أقوام يقيمونه» : أي يصلحون ألفاظه وكلماته ويتكلفون في مراعاة مخارجه وصفاته (كما يقام القدح) : أي يبالغون في عمل القراءة كمال المبالغة لأجل الرياء والسمعة والمباهاة والشهرة، وقال الطيبي- رحمه الله تعالى-: «وفي الحديث رفع الحرج وبناء الأمر على المساهلة في الظاهر، وتحري الحسبة والإخلاص في العمل، والتفكر في معاني القران» «١» ، وهذا يعطي سعة في عدم التعمق في إتقان التجويد، والتساهل في ذلك ما دامت أصول القواعد ظاهرة وذلك مثل وجود الحد الأدنى من المدود الفرعية فيغض النظر عن توفر الكمال فيها، وجاء رجل إلى نافع فقال: تأخذ عليّ الحدر، فقال نافع: ما الحدر؟ ما أعرفها، أسمعنا. قال: فقرأ الرجل، فقال نافع: الحدر، أو قال حدرنا، ألانسقط الإعراب، ولا ننفي الحروف، ولا نخفف مشددا، «ولا نشدد مخففا» ، ولا نقصر ممدودا، ولا نمد مقصورا، قراءتنا قراءة أكابر أصحاب رسول الله ﷺ سهل جزل، لا نمضغ، ولا نلوك «٢» . وقد أشار إلى بعض ذلك الإمام السخاوي في منظومه بقوله: لا تحسب التجويد مدا مفرطا ... أو مد ما لا مد فيه لوان أو أن تشدد بعد مدّ همزة ... أو أن تلوك الحرف كالسكران أو أن تفوه بهمزة متهوعا ... فيفر سامعها من الغثيان للحرف ميزان فلا تك طاغيا ... فيه ولا تك مخسر الميزان «٣»

стр. 242

٣- ألا تؤدي أحكام الترتيل إلى إلغاء الغاية من التلاوة وهي التدبر: فتصبح القراءة بذلك مجرد مثار للطرب: كما قال : كِتابٌ أَنْزَلْناهُ إِلَيْكَ مُبارَكٌ لِيَدَّبَّرُوا آياتِهِ (ص: ٢٩) ، ولذا قيل في قول أنس ﵁: «يمد صوته مدا» «أي يطيل الحروف الصالحة للإطالة يستعين بها على التدبر والتفكر وتذكير من يتذكر» «١» وليس الإطالة للتطريب المجرد. وهذا الوصف هو الذي يتأتى منه الغرض من التلاوة وهو التدبر والتأمل كما في قوله : أَفَلا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ (النساء: ٨٢) ، كما أنه هو الوصف الذي يتأتى معه الغرض من خشوع القلب كما في قوله ﷻ : اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِتاباً مُتَشابِهاً مَثانِيَ تَقْشَعِرُّ مِنْهُ جُلُودُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ (الزمر: ٢٣) ولا تتأثر به الجلود والقلوب إلا إذا كان مرتلا، فإذا هذا كالشعر أو الكلام العادي لما فهم، وإذا كان مطربا كالأغاني لما أثر، فوجب الترتيل كما بين «٢» . وتسلسلت المنهجية فنقل الصحابة ذلك الهم فعلموه تلاميذهم فعن حذيفة قال: «ليقرأن القران أقوام يقيمونه كما يقام القدح لا يدعون منه ألفا ولا يجاوز إيمانهم حناجرهم» «٣» . ٤- عدم التدافع المعنوي واللفظي في القران: فنهاهم النبي ﷺ عن أن يخطئ بعضهم بعضا فيما كان الأمر فيه واسعا في تأدية الألفاظ أو في دلالاتها، فعن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده قال: سمع رسول الله ﷺ قوما يتدارؤن في القران فقال: «إنما هلك من كان قبلكم

стр. 243

بهذا ضربوا كتاب الله بعضه ببعض، وإنما نزل كتاب الله يصدق بعضه بعضا، فلا تكذبوا بعضه ببعض، فما علمتم منه فقولوه، وما جهلتم منه فكلوه إلى عالمه» «١» .

стр. 244

المبحث الرابع: تعليمه ﷺ ترتيل ألفاظ القران الكريم: وفيه ثلاثة مطالب: التجويد- كمصطلح- استحدث ليعبّر عن الترتيل ونحوه من المصطلحات الشرعية، فلا بد من بسط مفهوم الترتيل لنرى كيف علمه النبي ﷺ لأصحابه ﵃، واقتضى ذلك أن ينقسم المبحث إلى ثلاثة مطالب: المطلب الأول: الترتيل وأركانه . المطلب الثاني: مثال على فروع الترتيل التي علمها النبي ﷺ . المطلب الثالث: تعليمه ﷺ مراتب الترتيل. المطلب الأول: الترتيل وأركانه: الترتيل في الوضع اللغوي: يفهم من دلالات الوضع اللغوي للترتيل أنه الذي يجمع عدة دلائل «١» : ١- حسن التنسيق والتنضيد للشيء المرتل: ومنه «ثغر رتل ورتل: حسن التنضيد مستوي النبات» والرتل: حسن تناسق الشيء. ٢- حسن التنسيق بين أجزاء الشيء المرتل مع شدة البيان والظهور لها بحيث يتميز بعضها عن بعض: ومنه يقال «ثغر رتل وهو المفلّج الذي بين أسنانه فروج لا يركب بعضها بعضا، ورتّل الكلام: أحسن تأليفه وأبانه وتمهّل فيه» ، وهذا لا يكون إلا إذا ميز كل حرف عن الاخر، وأبان كل حركة من الاخرى.

стр. 245

٣- أن يكون حسنه على تؤدة: ومنه كلام رتل أي مرتّل إذا كان «حسنا على تؤدة» . ٤- أن يكون التبيين والتمهل والتؤدة بغير بغي يخرجه عن سنن الكلام المرتل، ويضبط هذا في ترتيل لفظ القران الكريم التلقي. ٥- وهذا المعنى اللغوي للترتيل هو الذي يستلزم السكينة والوقار فلا يكون التنسيق والتنضيد للكلام القراني، والإبانة والتأني ... مخرجا له عن الكلام القراني إلى الغناء المتخلع لما هو غير قران ... واجتمع هذا كله في تأويل قوله : وَرَتِّلِ الْقُرْآنَ تَرْتِيلًا (المزمل: ٤) ؛ فقد قال بعض اللغويين فيها: «ما أعلم الترتيل إلّا التحقيق والتبيين والتمكين» ، أراد في قراءة القران؛ وترتيل القراءة: التأني فيها والتمهّل وتبيين الحروف والحركات «١» ، ولذا ففي صفة قراءة النبي ﷺ كان يرتّل اية اية «٢» . وإذا كان الرسول ﷺ كما قالت عائشة- رضي الله تعالى عنها-: يحدث حديثا لو عده العاد لأحصاه لم يكن يسرد كسردكم وفي لفظ إنما كان حديث رسول الله فصلا تفهمه القلوب «٣» ... فكيف به في ترتيل لفظ القران؟، وإذا كانت عائشة- رضي الله تعالى عنها- قد حفظت عنه ذلك في كلامه الشريف فكيف تراها تعلمت منه ترتيل لفظ القران الكريم، والله ﷻ يقول: وَاذْكُرْنَ ما يُتْلى فِي بُيُوتِكُنَّ مِنْ آياتِ اللَّهِ وَالْحِكْمَةِ (الأحزاب: ٣٤) ، ولذا حفظ عنه ترتيله للفظ القران الكريم بدقة بالغة أزواجه ﷺ .

стр. 246

مواضع ذكر كلمة الترتيل في القران الكريم: وردت كلمة الترتيل في موضعين في القران الكريم: الأول: جاء على سبيل الإخبار عن كيفية قراءة الملك الذي أقرأ النبي ﷺ حال تعليمه له ﷺ وهو قوله : وَرَتَّلْناهُ تَرْتِيلًا (الفرقان: ٣٢) ، فقد كان جبريل ﵇ إذا نزل بالعشر من القران أو نحوها نزل به مرتلا، وإسناد الفعل إلى الله من باب إسناد ما هو للمأمور للامر زيادة في التأكيد على أن ما أداه جبريل ﵇ هو ما أمر بتأديته حرفيا، وعن ابن عباس في هذه الاية قال: «فصل القران من الذكر فوضع في بيت العزة في السماء الدنيا فجعل جبريل ينزل على النبي ﷺ يرتل ترتيلا» ، وفي لفظ: «فجعل جبريل ينزله على النبي ﷺ يرتله ترتيلا» قال سفيان: خمس ايات ونحوها «١» هكذا (يرتله ترتيلا) والفعل المضارع دال على أن الجملة حالية يراد به الكيفية المعروفة. الثاني: في سورة المزمل على سبيل الأمر، وهو قوله : وَرَتِّلِ الْقُرْآنَ تَرْتِيلًا (المزمل: ٤) . أركان الترتيل: اجتمع لنا من خلال السابق أن متضمنات الترتيل وأركانه ستة هي: أولا: تبيين الكلام المرتل: وذلك يكون بتبيين الحروف والحركات المكونة للكلام، فقد قال ابن عباس ﵄ في قوله : وَرَتِّلِ الْقُرْآنَ تَرْتِيلًا (المزمل: ٤) ؛ قال: «بيّنه تبيينا» «٢» ،

стр. 247

وقد أكّد الأمر بالترتيل والإخبار عنه في ايتي الفرقان والمزمل بالمصدر، وذلك لما لأنه: «يدل على المبالغة على وجه لا يلتبس فيه بعض الحروف ببعض، ولا ينتقص من النطق من مخرجه المعلوم مع استيفاء حركته المعتبرة» «١» . وهذا التبيين في قراءة المرتّل يجب أن يكون بحيث يتميز كل حرف عن الاخر، ولا يتميز عن الاخر إلا إذا عرف حق الحرف ومستحقه (التجويد) ، ولا يكون ذلك بالضرورة بالتوصيف العلمي الذي درج عليه المتأخرون، بل بالتطبيق العملي، فقد كان النبي ﷺ يعلمهم هذا على هيئة دقيقة، وكانوا يتعلمون منه الحروف وحقوقها عمليا، على أن معظم أحكام التجويد كان معروفا عند العرب بسليقتهم اللغوية، حتى استدل العلماء على جواز نطق الضاد ظاء بأدلة ليس منها- فقط- ما ذكره «ابن جني في كتاب التنبيه وغيره أن من العرب من يجعل الضاد ظاء مطلقا في جميع كلامهم وهذا قريب وفيه توسع للعامة» «٢» ، بل ما ذكره الفخر الرازي في تفسيره من أن «المختار عندنا أن اشتباه الضاد بالظاء لا يبطل الصلاة ويدل عليه أن المشابهة حاصلة فيهما جدا والتميز عسير فوجب أن يسقط التكليف بالفرق وبيان المشابهة، وإذا ثبت هذا فنقول لو كان الفرق معتبرا لوقع السؤال عنه في زمن رسول الله ﷺ وفي أزمنة الصحابة لا سيما عند دخول العجم فلما لم ينقل وقوع السؤال عن هذا البتة علمنا أن التمييز بين هذين الحرفين ليس في محل التكليف» «٣» .

стр. 248

ثانيا: التؤدة والتمهل في النطق بأجزاء الكلام المرتل: سواء كانت حركات وحروفا، حتى كأن الناطق به يقرؤه حرفا حرفا، فمعنى (رتل) أي: «انبذه حرفا حرفا» ، والصورة التطبيقية من تعليم النبي ﷺ لصحابته ﵃ ما تعلمته أم سلمة- رضي الله تعالى عنها- من كيفية ترتيل القران الكريم فقد سأل يعلى بن مملك أم سلمة عن قراءة رسول الله ﷺ وصلاته فقالت: وما لكم وصلاته؟ كان يصلي ثم ينام قدر ما صلى ثم يصلي قدر ما نام ثم ينام قدر ما صلى حتى يصبح ونعتت له قراءته فإذا هي تنعت قراءة مفسرة حرفا حرفا «١» . فقوله في الرواية (ثم نعتت) أي وصفت قراءة مفسرة أي مبينة حرفا حرفا أي كان يقرأ بحيث يمكن عد حروف ما يقرأ، قال الطيبي: «يحتمل وجهين الأول أن تقول كانت قراءته كيت وكيت والثاني أن تقرأ مرتلة كقراءة النبي ﷺ » «٢» ، و «المراد حسن الترتيل والتلاوة على نعت التجويد» «٣» . ومن أقوى أدلة التأني والتؤدة قوله ﷻ : وَقُرْآناً فَرَقْناهُ لِتَقْرَأَهُ عَلَى النَّاسِ عَلى مُكْثٍ (الإسراء: ١٠٦) ، وقد استدل البخاري بهذه الاية على الترتيل «٤» ، وعن كريب قال: سألت ابن عباس عن جهر النبي ﷺ بالقراءة بالليل. فقال: «كان يقرأ في حجرته قراءة لو شاء حافظ أن يتعلمها لتعلمها» «٥» . تسلسل المنهجية: فقد أنكر ابن مسعود ﵁ على تلاميذه الهذ في القراءة فعن أبي وائل قال غدونا على عبد الله فقال رجل: قرأت المفصل البارحة. فقال:

стр. 249

«هذا كهذ الشعر؟! إنا قد سمعنا القراءة وإني لأحفظ القرناء التي كان يقرأ بهن النبي ﷺ ثماني عشرة سورة من المفصل وسورتين من ال حم» «١» . ومثل ذلك ما قاله أبو الدرداء ﵁: «إياكم والذين يحرفون القران وإياكم والهذاذين بالقران الذين يهذون القران ويسرعون بقراءته فإنما مثل ذلك كمثل الأكمة لا أمسكت ماء ولا أنبتت كلأ» «٢» . وليس معنى ذلك أن يبطّأ في إخراج الحرف الاخر حتى يخرجه ذلك عن سنن الكلام المعتاد، بل المراد التمهل الزائد عن الكلام المعتاد مع إبقاء الحرف منسجما ككلام، ولذا قال مجاهد في قوله تعالى: وَرَتِّلِ الْقُرْآنَ تَرْتِيلًا (المزمل: ٤) : «بعضه على أثر بعض» ، وقال الشافعي ﵀: «أقل الترتيل ترك العجلة في القران عن الإبانة» «٣» . وكذلك مما يستشهد به على تعليم النبي ﷺ لهم التأني وتبيين الحروف ما جاء عن ابن عباس ﵁ قال: بت عند خالتي ميمونة، فقام رسول الله ﷺ فزعا فاستقى ماء فتوضأ ثم قرأ: إِنَّ فِي خَلْقِ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ (ال عمران: ١٩٠) إلى اخر السورة، ثم افتتح البقرة فقرأها حرفا حرفا حتى ختمها.. «٤» .. ثالثا: إشباع الحروف والحركات: بحيث تأخذ حقها دون شطط، وهذا ما نطلق عليه (التمكين) حيث يتم «بأن يبيّن جميع الحروف ويوفّيها حقها من الإشباع» «٥» ، وقال ابن حجر في معنى اية

стр. 250

المزمل: «اقرأه مترسلا بتبيين الحروف وإشباع الحركات» ، حتى يكاد المرء يعد الحروف الخارجة من فم القارئ، وأخرج العسكري في المواعظ عن علي: «بينه تبيينا ولا تنثره نثر الدقل، ولا تهذه هذ الشعر قفوا عند عجائبه وحركوا به القلوب، ولا يكن هم أحدكم اخر السورة» «١» . رابعا: حسن التنسيق والتنضيد: والمراد التنضيد لعلاقة كل حرف بالاخر، وهذا ما نطلق عليه تحقيق الحروف، ولذا جعل الزجاج أصل الترتيل: «التفنين والتنسيق وحسن النظام» ، وقد كان النبي ﷺ يعلمهم التشهد كما يعلمهم السورة من القران. خامسا: أن يكون ذلك كله بغير بغي: فلا يتولد من الحرف اخر، ولا من الحركة حرفا، فالتّرتيل في القراءة «الترسل فيها والتبيين بغير بغي» «٢» . وسلك الباحث هذا السبيل في الجمع بين الأقوال لأن عادة السلف أن يفسروا الشيء ببعض معناه، «إذ المراد من هذا الأمر التبيين والإفصاح والتحسين، حتى يؤدي القران على أكمل وجه، فيظهر حسنه، ويبدو رونقه، وذلك لا يتم إلا بالتجويد» «٣» . سادسا: أن يكون ذلك على نحو مستملح مستطاب: في حدود التلقي الذي ضبط وحدّد بقواعد موزونة، وهو الذي أمر به النبي ﷺ فقال: «زينوا أصوآتاكم بالقران» كما سيأتي إن شاء الله .
следующие страницы →