مواضع ذكر كلمة الترتيل في القران الكريم:
وردت كلمة الترتيل في موضعين في القران الكريم:
الأول: جاء على سبيل الإخبار عن كيفية قراءة الملك الذي أقرأ النبي ﷺ حال تعليمه له ﷺ وهو قوله : وَرَتَّلْناهُ تَرْتِيلًا (الفرقان: ٣٢) ، فقد كان جبريل ﵇ إذا نزل بالعشر من القران أو نحوها نزل به مرتلا، وإسناد الفعل إلى الله من باب إسناد ما هو للمأمور للامر زيادة في التأكيد على أن ما أداه جبريل ﵇ هو ما أمر بتأديته حرفيا، وعن ابن عباس في هذه الاية قال: «فصل القران من الذكر فوضع في بيت العزة في السماء الدنيا فجعل جبريل ينزل على النبي ﷺ يرتل ترتيلا» ، وفي لفظ: «فجعل جبريل ينزله على النبي ﷺ يرتله ترتيلا» قال سفيان: خمس ايات ونحوها «١» هكذا (يرتله ترتيلا) والفعل المضارع دال على أن الجملة حالية يراد به الكيفية المعروفة.
الثاني: في سورة المزمل على سبيل الأمر، وهو قوله : وَرَتِّلِ الْقُرْآنَ تَرْتِيلًا (المزمل: ٤) .
أركان الترتيل:
اجتمع لنا من خلال السابق أن متضمنات الترتيل وأركانه ستة هي:
أولا: تبيين الكلام المرتل:
وذلك يكون بتبيين الحروف والحركات المكونة للكلام، فقد قال ابن عباس ﵄ في قوله : وَرَتِّلِ الْقُرْآنَ تَرْتِيلًا (المزمل: ٤) ؛ قال: «بيّنه تبيينا» «٢» ،
стр. 247
وقد أكّد الأمر بالترتيل والإخبار عنه في ايتي الفرقان والمزمل بالمصدر، وذلك لما لأنه: «يدل على المبالغة على وجه لا يلتبس فيه بعض الحروف ببعض، ولا ينتقص من النطق من مخرجه المعلوم مع استيفاء حركته المعتبرة» «١» .
وهذا التبيين في قراءة المرتّل يجب أن يكون بحيث يتميز كل حرف عن الاخر، ولا يتميز عن الاخر إلا إذا عرف حق الحرف ومستحقه (التجويد) ، ولا يكون ذلك بالضرورة بالتوصيف العلمي الذي درج عليه المتأخرون، بل بالتطبيق العملي، فقد كان النبي ﷺ يعلمهم هذا على هيئة دقيقة، وكانوا يتعلمون منه الحروف وحقوقها عمليا، على أن معظم أحكام التجويد كان معروفا عند العرب بسليقتهم اللغوية، حتى استدل العلماء على جواز نطق الضاد ظاء بأدلة ليس منها- فقط- ما ذكره «ابن جني في كتاب التنبيه وغيره أن من العرب من يجعل الضاد ظاء مطلقا في جميع كلامهم وهذا قريب وفيه توسع للعامة» «٢» ، بل ما ذكره الفخر الرازي في تفسيره من أن «المختار عندنا أن اشتباه الضاد بالظاء لا يبطل الصلاة ويدل عليه أن المشابهة حاصلة فيهما جدا والتميز عسير فوجب أن يسقط التكليف بالفرق وبيان المشابهة، وإذا ثبت هذا فنقول لو كان الفرق معتبرا لوقع السؤال عنه في زمن رسول الله ﷺ وفي أزمنة الصحابة لا سيما عند دخول العجم فلما لم ينقل وقوع السؤال عن هذا البتة علمنا أن التمييز بين هذين الحرفين ليس في محل التكليف» «٣» .
стр. 248
ثانيا: التؤدة والتمهل في النطق بأجزاء الكلام المرتل:
سواء كانت حركات وحروفا، حتى كأن الناطق به يقرؤه حرفا حرفا، فمعنى (رتل) أي: «انبذه حرفا حرفا» ، والصورة التطبيقية من تعليم النبي ﷺ لصحابته ﵃ ما تعلمته أم سلمة- رضي الله تعالى عنها- من كيفية ترتيل القران الكريم فقد سأل يعلى بن مملك أم سلمة عن قراءة رسول الله ﷺ وصلاته فقالت: وما لكم وصلاته؟ كان يصلي ثم ينام قدر ما صلى ثم يصلي قدر ما نام ثم ينام قدر ما صلى حتى يصبح ونعتت له قراءته فإذا هي تنعت قراءة مفسرة حرفا حرفا «١» .
فقوله في الرواية (ثم نعتت) أي وصفت قراءة مفسرة أي مبينة حرفا حرفا أي كان يقرأ بحيث يمكن عد حروف ما يقرأ، قال الطيبي: «يحتمل وجهين الأول أن تقول كانت قراءته كيت وكيت والثاني أن تقرأ مرتلة كقراءة النبي ﷺ » «٢» ، و «المراد حسن الترتيل والتلاوة على نعت التجويد» «٣» .
ومن أقوى أدلة التأني والتؤدة قوله ﷻ : وَقُرْآناً فَرَقْناهُ لِتَقْرَأَهُ عَلَى النَّاسِ عَلى مُكْثٍ (الإسراء: ١٠٦) ، وقد استدل البخاري بهذه الاية على الترتيل «٤» ، وعن كريب قال: سألت ابن عباس عن جهر النبي ﷺ بالقراءة بالليل. فقال:
«كان يقرأ في حجرته قراءة لو شاء حافظ أن يتعلمها لتعلمها» «٥» .
تسلسل المنهجية:
فقد أنكر ابن مسعود ﵁ على تلاميذه الهذ في القراءة فعن أبي وائل قال غدونا على عبد الله فقال رجل: قرأت المفصل البارحة. فقال:
стр. 249
«هذا كهذ الشعر؟! إنا قد سمعنا القراءة وإني لأحفظ القرناء التي كان يقرأ بهن النبي ﷺ ثماني عشرة سورة من المفصل وسورتين من ال حم» «١» .
ومثل ذلك ما قاله أبو الدرداء ﵁: «إياكم والذين يحرفون القران وإياكم والهذاذين بالقران الذين يهذون القران ويسرعون بقراءته فإنما مثل ذلك كمثل الأكمة لا أمسكت ماء ولا أنبتت كلأ» «٢» . وليس معنى ذلك أن يبطّأ في إخراج الحرف الاخر حتى يخرجه ذلك عن سنن الكلام المعتاد، بل المراد التمهل الزائد عن الكلام المعتاد مع إبقاء الحرف منسجما ككلام، ولذا قال مجاهد في قوله تعالى: وَرَتِّلِ الْقُرْآنَ تَرْتِيلًا (المزمل: ٤) : «بعضه على أثر بعض» ، وقال الشافعي ﵀: «أقل الترتيل ترك العجلة في القران عن الإبانة» «٣» .
وكذلك مما يستشهد به على تعليم النبي ﷺ لهم التأني وتبيين الحروف ما جاء عن ابن عباس ﵁ قال: بت عند خالتي ميمونة، فقام رسول الله ﷺ فزعا فاستقى ماء فتوضأ ثم قرأ: إِنَّ فِي خَلْقِ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ (ال عمران: ١٩٠) إلى اخر السورة، ثم افتتح البقرة فقرأها حرفا حرفا حتى ختمها.. «٤» ..
ثالثا: إشباع الحروف والحركات:
بحيث تأخذ حقها دون شطط، وهذا ما نطلق عليه (التمكين) حيث يتم «بأن يبيّن جميع الحروف ويوفّيها حقها من الإشباع» «٥» ، وقال ابن حجر في معنى اية
стр. 250
المزمل: «اقرأه مترسلا بتبيين الحروف وإشباع الحركات» ، حتى يكاد المرء يعد الحروف الخارجة من فم القارئ، وأخرج العسكري في المواعظ عن علي: «بينه تبيينا ولا تنثره نثر الدقل، ولا تهذه هذ الشعر قفوا عند عجائبه وحركوا به القلوب، ولا يكن هم أحدكم اخر السورة» «١» .
رابعا: حسن التنسيق والتنضيد:
والمراد التنضيد لعلاقة كل حرف بالاخر، وهذا ما نطلق عليه تحقيق الحروف، ولذا جعل الزجاج أصل الترتيل: «التفنين والتنسيق وحسن النظام» ، وقد كان النبي ﷺ يعلمهم التشهد كما يعلمهم السورة من القران.
خامسا: أن يكون ذلك كله بغير بغي:
فلا يتولد من الحرف اخر، ولا من الحركة حرفا، فالتّرتيل في القراءة «الترسل فيها والتبيين بغير بغي» «٢» .
وسلك الباحث هذا السبيل في الجمع بين الأقوال لأن عادة السلف أن يفسروا الشيء ببعض معناه، «إذ المراد من هذا الأمر التبيين والإفصاح والتحسين، حتى يؤدي القران على أكمل وجه، فيظهر حسنه، ويبدو رونقه، وذلك لا يتم إلا بالتجويد» «٣» .
سادسا: أن يكون ذلك على نحو مستملح مستطاب:
في حدود التلقي الذي ضبط وحدّد بقواعد موزونة، وهو الذي أمر به النبي ﷺ فقال: «زينوا أصوآتاكم بالقران» كما سيأتي إن شاء الله .
стр. 251
وقد كان النبي ﷺ يعلمهم ذلك عمليا في حلقات الإقراء:
أو في التبليغ العام، أو في الصلوات الجهرية من فرائض وتطوع، وحسبك أن تكون ثلاث صلوات يعلمهم فيها أداء القران تلقينا.
ومن ذلك ما جاء عن حذيفة ﵁ قال: أتيت رسول الله ﷺ ذات ليلة لأصلى بصلاته فافتتح فقرأ قراءة ليست بالخفية ولا بالرفيعة قراءة حسنة يرتل فيها يسمعنا.. «١» ..
وتستلزم هذه الستة ركنا سابعا هو: السكينة والوقار:
إذ لا بد منه في الترتيل لتضبطه «وهو ضابط من ضوابط التجويد والتغني» .
زمن القراءة حال الترتيل:
لا شك أن الترتيل بهذه الأركان يقتضي أن تكون القراءة أطول من المقروء وهذا سمت النبي ﷺ في ترتيله فعن حفصة ﵂ قالت: ما رأيت رسول الله ﷺ في سبحته قاعدا قط حتى كان قبل وفاته بعام فكان يصلي قاعدا ويقرأ بالسورة فيرتلها حتى تكون أطول من أطول منها «٢» . وهذا هو المعمول به عند المسلمين في قراءة القران، وإن تفاوت زمن القراءة عندهم.
وقد تعلم الصحابة ﵃ كيفية ترتيله حتى النساء، كما في السؤال الذي سئلته أم سلمة- رضي الله تعالى عنها- عن قراءة رسول الله ﷺ فوصفتها له بالأداء التطبيقي كما سبق.
стр. 252
والترتيل مطلوب من القارئ في الدنيا والاخرة:
وقد روى هذا سلسلة القراء فعن عاصم بن أبي النجود عن زر بن حبيش عن عبد الله بن عمرو ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ : «يقال لصاحب القران اقرأ وارق ورتل كما كنت ترتل في الدنيا فإن منزلتك عن اخر اية تقرؤها» «١» ، فقوله «ورتل» أي: «اقرأ بالترتيل ولا تستعجل بالقراءة كما كنت ترتل في الدنيا من تجويد الحروف ومعرفة الوقوف» «٢» .
العلاقة بين الترتيل والتجويد:
ومما سبق، وبمقارنة ما فصلناه من أركان الترتيل السبعة بأركان التجويد الثلاثة، وبالمقارنة التي تضمنها الكلام التفصيلي عن أركان الترتيل بتعريف التجويد نصل إلى حقيقة ظاهرة في العلاقة بين الترتيل والتجويد: فالعلاقة بينهما هي المثلية، فترتيل القران هو التجويد، إلا أنه اصطلاح حادث، ثم صار يطلق أكثر على التوصيف العلمي الدقيق منه على المطلوب العملي.
المطلب الثاني: مثال على فروع الترتيل التي علمها النبي ﷺ (المد) :
يمثل المد أساس هيئة التغني الواضحة المميزة للقران من أحكام التجويد (الترتيل) ، فكان لا بد من الكلام على ما يدل على تعليم النبي ﷺ لأصحابه هذا الحكم، وقد اعتنى العلماء بإيضاح ذلك حتى بوب أهل العلم له أبوابا مستقلة، ومنهم الإمام البخاري «٣» مع أن التلقي كاف في الإثبات لذلك، لكن نذكر هذا التفصيل لزيادة البيان والإيضاح:
стр. 253
١- فقد كانت يظهر في قراءة النبي ﷺ المد فقد قال قتادة: سألت أنسا كيف كانت قراءة النبي ﷺ قال: «كانت مدا» «١» ، وفي لفظ: «كان يمد مدا» «٢» ، وفي لفظ «كان يمد صوته مدا» «٣» ، أي كانت ذات مد «٤» ، فيطيل الحروف الصالحة للإطالة يستعين بها على التدبر وتذكير من يتذكر «٥» .
٢- ومثّل أنس لهذا النوع من المد فقرأ بسم الله الرّحمن الرّحيم (الفاتحة: ١) يمد بِسْمِ اللَّهِ ويمد ب الرَّحْمنِ ويمد ب الرَّحِيمِ «٦» .
وهذا التمثيل يدل على غاية التحقيق في الترتيل فإن مد الكلمات الثلاث (الله، الرحمن، الرحيم) والمراد مد اللام التي قبل الهاء من الجلالة، والميم التي قبل النون من الرحمن، والحاء من الرحيم في غير الوقف عليها هو من نوع الأصلي، ومعلوم أن المد الأصلي مقداره حركتان فهو مد طبيعي، وأجاز بعض علماء التجويد مده ثلاث حركات عند الأخذ بوجه التحقيق ... وهذا ما ينطبق على هذه الرواية ولذا رجح العلماء أن «المراد من الترجمة الضرب الأول» «٧» ، وفي هذا إثبات للمد الفرعي من باب الأولى، وقد قال الداني في حديث أنس ﵁:
«ويمد (الرحمن) ، ويمد (الرحيم) ، وهو أصل في تحقيق القراءة، وتجويد الألفاظ،
стр. 254
وإخراج الحروف من مواضعها، والنطق بها على مراتبها، وإيفائها صيغتها، وكل حق هو لها، من تبيين ومد وتمكين وإطباق وتفش وصفير وغنة وتكرير واستطالة وغير ذلك، على مقدار الصيغة وطبع الخلقة، من غير زيادة ولا نقصان» «١» .
٣- وأخرج ابن أبي داود من طريق قطبة بن مالك ﵁: سمعت رسول الله ﷺ قرأ في الفجر (ق) فمر بهذا الحرف لَها طَلْعٌ نَضِيدٌ (ق: ١٠) فمد نضيد «٢» ، والمد في نَضِيدٌ من نوع العارض للوقف؛ إذ عادة رسول الله ﷺ الوقف على رؤوس الاي. وهذا المد في قراءته ﷺ دائم سواء كان في الصلاة وغيرها.
٤- ولا تنبغي المماراة في مده ﷺ لما يمد من الحروف في قراءة القران فقد كان كذلك ديدنه فيما يردده من شعر مرتجز يشبه الحداء في أماكنه فعن البراء بن عازب يحدث قال: لما كان يوم الأحزاب وخندق رسول الله ﷺ رأيته ينقل من تراب الخندق حتى وارى عني الغبار جلدة بطنه وكان كثير الشعر، فسمعته يرتجز بكلمات ابن رواحة وهو ينقل من التراب يقول:
اللهم لولا أنت ما اهتدينا ... ولا تصدقنا ولا صلينا
فأنزلن سكينة علينا ... وثبت الأقدام إن لاقينا
إن الألى قد بغوا علينا ... وإن أرادوا فتنة أبينا
قال: ثم يمد صوته باخرها «٣» ولا يعترض على هذا بأن المراد هو رفع الصوت لا إطالته لأن المقام مقام ارتجاز مسموع على ما هو معتاد معلوم، ومد الصوت يناسب الألف تماما في أبينا وتدل عليه الأحوال المعتادة في مثل هذا.
стр. 255
وقد يمد المدود غير الواجبة مما هو جائز المد في قراءة التحقيق مثل ما اصطلح على تلقيبه بمد البدل كمده لكلمة (امين) فعن وائل بن حجر ﵁ قال: كان النبي ﷺ إذا قال أمين رفع بها صوته، وفي رواية: سمعت النبي ﷺ إذا قال: وَلَا الضَّالِّينَ (الفاتحة: ٧) قال: امين رفع بها صوته في الصلاة، وقال رأيت رسول الله ﷺ لما قال: غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ (الفاتحة: ٧) قال امين يمد بها صوته «١» ، ف «رفع صوته بامين وطول بها» «٢» حتى يسمعها الصف الأول فيرتج بها المسجد «٣» ، ومد الصوت يأتي للمعنيين: إطالة الحرف، والجهر به «٤» .
٥- وفي قول عبد الله بن مغافل ﵁ يحكي ترجيع النبي ﷺ ابمد الهمزة والسكوت «دلالة على أنه ﷺ كان يراعي في قراءته المد والوقف» «٥» .
وتسلسلت المنهجية: فعن مسعود بن يزيد الكندي قال: كان ابن مسعود يقرئ رجلا فقرأ الرجل إِنَّمَا الصَّدَقاتُ لِلْفُقَراءِ وَالْمَساكِينِ (التوبة: ٦٠) مرسلة، فقال ابن مسعود: ما هكذا أقرأنيها رسول الله ﷺ . قال: كيف أقرأكها يا أبا عبد الرحمن؟ قال: أقرأنيها إِنَّمَا الصَّدَقاتُ لِلْفُقَراءِ وَالْمَساكِينِ فمددوها «٦» .
هل اختلاف أهل الأداء والمجودين من علماء القراءة في بعض الفروع الصغيرة مؤثر على التواتر القراني؟:
стр. 256
الجواب: كل الاختلافات الأدائية التجويدية تعود إلى الترجيح اللغوي في بعض الفروع الموغلة في الدقة من حيث الأداء نحو المد المتصل هل يكون ثلاث حركات أو أكثر، والميم الساكنة هل تخفى عند الباء أم تظهر، ولا ضير من ذلك كله، كما هو واضح.
ملحوظات هامة:
١- لا يخفى أن الواجب من المد قراءة لا رواية هو القدر المجمع عليه من المد؛ إذ هو أصل المد الذي لا تستقيم الكلمة بدونه وأما الزيادة على ذلك مما اختلف فيه القراء فواجب صناعي لا شرعي، كالوجوب في أداء الرواية.
٢- اختلف أهل العلم في تقدير المراتب للقراء بالألفات في ما زاد على المد الطبيعي من أنواع المدود، وهذا الاختلاف «لا تحقيق وراءه بل يرجع إلى أن يكون لفظيا وذلك أن المرتبة الدنيا وهي القصر إذا زيد عليها أدنى زيادة صارت ثانية، ثم كذلك حتى تنتهي إلى القصوى وهذه الزيادة بعينها إن قدرت بألف أو بنصف ألف هي واحدة فالمقدر غير محقق، والمحقق إنما هو الزيادة، وهذا ما تحكمه المشافهة، وتوضحه الحكاية، ويبينه الاختبار، ويكشفه الحسن قال الحافظ أبو عمرو ﵀: وهذا كله جار على طباعهم ومذاهبهم في تفكيك الحروف، وتخليص السواكن، وتحقيق القراءة وحدرها وليس لواحد منهم مذهب يسرف فيه على غيره إسرافا يخرج عن المتعارف عليه في اللغة، والمتعالم في القراءة بل ذلك قريب بعضه من بعض، والمشافهة توضح حقيقة ذلك، والحكاية تبين كيفيته» «١» ، وإنما يزادي ذلك للمبتدئ ليتقن كما قال حمزة يقول: إنما أزيد على الغلام في المد ليأتي بالمعنى «٢» .
стр. 257
وبذا يستبين أن الوجوب المذكور في حكم التجويد يراد به أصول هذه الأركان من الناحية العملية، وليس التفاصيل الموغلة في الأداء من غير المجمع عليه بين القراء إظهارا وإدغاما، وغنا ومدا، وتفخيما وترقيقا ... وأما المختلف فيه إظهارا وإدغاما مثلا فالسعة في القراءة بأيهما قائمة ما لم يسند ذلك إلى الرواية ... ومثل ذلك حسن الأداء، والتزيين، والتحسين؛ إذ يراد منها ليس الوجوب على كل بحسب القدرة بقدر ما يراد أن يغير تصويته بالقران إلى هيئة مغناة مزينة، وهو ما يفعله كل المسلمين على تفاوت بينهم في مقدار حسن ذلك.
تواتر أركان التجويد (الترتيل) :
بعد هذا العرض يتضح أن عمل المسلمين في التلاوة المقبولة بينهم يجعل التواتر لهذا العلم- عمليا- بينهم أمرا قطعيا لا يحتاج إلى أسانيد أصلا؛ إذ هو عمل الأمة بأسرها: خاصتها وعامتها ... فبعضه جزء من صميم لسانها الذي نزل القران به (وهو المخارج والصفات على التفصيل السابق) وبعضه هو المميز لتلاوة القران الكريم عن قراءة أي كتاب اخر ... والمراد المجمع عليه مما يمثل الحد الأدنى المطلوب في الوجوب الشرعي.
المطلب الثالث: تعليمه ﷺ مراتب الترتيل:
ملحوظة في معنى الترتيل:
سبق معنى الترتيل ودلالته اللغوية والشرعية، ولكن علماء القراءة يستعملون الترتيل في معنيين:
أحدهما عام وهو ما تقدم.
стр. 258
والثاني: أن هذا الترتيل العام من حيث مدى التؤدة والتأني ينقسم إلى مراتب هي المراتب المعروفة في علم القراءة والتجويد للقراءة، وهذا يعني أن الترتيل هنا يأتي بالمعنى العام الشامل للحدر والتدوير والمرتبة الثالثة التي قد تدعى بالترتيل، وقد تدعى بالتحقيق، وقد يستعمل هذا المصطلح في معنى خاص هو ما توفرت فيه الأركان السابقة مع أعلى مراتب التؤدة اللائقة بقراءة القران وهو الذي اصطلح عليه بعض علماء القراءة ب (التحقيق) «١» .
مراتب الترتيل:
وعلى هذا فإن مراتب الترتيل بالمعنى العام ثلاثة: ومحور تقسيمها وحيثيته هو مدى التأني والتؤدة، مع بقاء الأركان الاخرى للترتيل كما هي، فللتأني وللطمأنينة المقبولة في علم القراءة أعلى وأوسط وأدنى، فالأعلى اصطلح عليه بالتحقيق أو بالترتيل (بالمعنى الخاص) والأوسط يدعى بالتدوير، والأدنى يدعى بالحدر ... ولكنها تشترك في جميع أركان الترتيل (بالمعنى العام) ، وتتفاوت في ركن واحد هو التأني والتؤدة ... كما أنها تتفق جميعا في الركنيين الأولين من أركان التجويد العملي، وتتفاوت في مدى الإشباع الجائز للحركات والحروف والصفات العارضة التي تتعلق بالركن الثالث من التجويد العملي، ولذا قال العلماء في الفرق بين مراتب الترتيل- بعد أن جعلوها كيفيات جائزة للقراءة-:
стр. 259
الأولى: التحقيق «١» :
وهو إعطاء كل حرف حقه من إشباع المد، وتحقيق الهمزة، وإتمام الحركات، واعتماد الإظهار والتشديدات، وبيان الحروف وتفكيكها، وإخراج بعضها من بعض بالسكت والترتيل والتؤدة، وملاحظة الجائز من الوقوف بلا قصر ولا اختلاس ولا إسكان محرك ولا إدغامه، وهو يكون لرياضة الألسن وتقويم الألفاظ، ويستحب الأخذ به على المتعلمين من غير أن يتجاوز فيه إلى حد الإفراط بتوليد الحروف من الحركات، وتكرير الراات ... كما قال حمزة لمن سمعه يبالغ في ذلك: أما علمت أن ما فوق البياض برص، وما فوق الجعودة قطط وما فوق القراءة ليس بقراءة، وكذا يحترز من الفصل بين حروف الكلمة كمن يقف على التاء من نستعين وقفة لطيفة مدعيا أنه يرتل، وهذا النوع من القراءة يظهر في بعض طرق الإمام حمزة وورش بصورة جلية «٢» .
стр. 260
وقد صرّح بمصطلح التحقيق في حديث عزيز أسنده الداني مما يدل على تعليم النبي ﷺ هذا الأمر بدقة بالغة، فأسند الداني إلى ورش التحقيق، قال:
قرأ على نافع التحقيق، قال نافع: إنه قرأ على الخمسة (ذكر خمسة من مشايخه) التحقيق، قال: وأخبرني الخمسة أنهم قرأوا على عبد الله بن عياش بن أبي ربيعة التحقيق، وأخبرهم عبد الله أنه قرأ على أبي بن كعب ﵁ التحقيق، وأخبره أنه قرأ على رسول الله ﷺ التحقيق، قال: وقرأ رسول الله ﷺ علي التحقيق، ثم قال أبو عمرو: هذا الخبر الوارد بتوقيف قراءة التحقيق من الأخبار الغريبة والسنن العزيزة التي لا توجد روايته إلا عند المكثرين الباحثين، ولا يكتب إلا عند الحفاظ الماهرين، وهو أصل كبير في استعمال قراءة التحقيق وتعلم الاتقان والتجويد، لاتصال سنده وعدالة نقلته، ولا أعلمه يأتي متصلا إلا من هذا الوجه «١» .
الثانية: الحدر:
هو إدراج القراءة وسرعتها وتخفيفها بالقصر والتسكين والاختلاس والبدل والإدغام الكبير وتخفيف الهمزة ونحو ذلك مما صحت به الرواية مع مراعاة إقامة الإعراب، وتقويم اللفظ، وتمكن الحروف بدون بتر حروف المد، واختلاس أكثر الحركات، وذهاب صوت الغنة، والتفريط إلى غاية لا تصح بها القراءة، ولا توصف بها التلاوة، وهذا النوع يظهر بصورة جلية في بعض طرق مذهب ابن كثير وأبي جعفر ومن قصر المنفصل كأبي عمرو ويعقوب «٢» .
стр. 261
ويظهر الفرق جليا بين الترتيل والحدر:
يما يسمعه الناس من الأذان والإقامة فإن الترتيل يكون في الأذان، والحدر يكون في الإقامة فعن علي بن أبي طالب ﵁ يقول: كان رسول الله ﷺ يأمرنا أن نرتل الأذان ونحدر الإقامة «١» ، ومثله من فعل ابن عمر «٢» ، ومعنى التّرتيل كأنه يقطع الكلام بعضه عن بعض، والحدر هو الإسراع من الحدور ضد الصعود «٣» فالترتيل هنا بالمعنى الخاص هو المبالغة في التأني ... وعلى المرتبتين لا بد من إعطاء الحروف حقوقها كما قال الخاقاني:
فذو الحذق معطر للحروف حقوقها ... إذا رتل القران أو كان ذا حدر
الثالثة: التدوير:
وهو التوسط بين المقامين من التحقيق والحدر، وهو الذي ورد عن أكثر الأئمة، وهو مذهب سائر القراء، وهو المختار عند أكثر أهل الأداء «٤» .
وكل هذه المراتب يصحبها الترتيل إلا أنها تختلف في مدى التؤدة والتأني، ولذلك أشار بعضهم فقال:
حدود حروف الذكر في لفظ قارئ ... بحدر وتحقيق ودور مرتلا
فإني رأيت البعض يتلو القران لا ... يراعي حدود الحرف وزنا ومنزلا «٥» .
стр. 262
أي مراتب الترتيل هي الأفضل؟
وعلاقة هذا السؤال بالبحث تستبين بأن يقال بصيغة أخرى:
هل علمهم النبي ﷺ القراء بالتحقيق أم بغيره؟
الجواب: الظاهر أن النبي ﷺ علمهم القراءة بمراتبها المختلفة، وإن لم تكن التسمية الاصطلاحية سائدة لكن الغالب على قراءته وأصحابه التحقيق المتوسط (يقرب من التدوير) لما تقدم من حديث حفصة تصف قراءة النبي ﷺ يقرأ بالسورة فيرتلها حتى تكون أطول من أطول منها «١» ، ولا يكون ذلك إلا بالتحقيق (الترتيل بمعناه الخاص) أو بالتدوير، وحديث حذيفة قال: صليت مع النبي ﷺ ليلة ... فقرأها يقرأ مترسلا إذا مر باية فيها تسبيح سبح وإذا مر بسؤال سأل وإذا مر بتعوذ تعوذ ثم ركع ... الحديث «٢» .
وقد تعلم منه الصحابة ﵃ التحقيق وأمروا به تلاميذهم ونفروهم من الهذ الذي يتجاوز الحدر ولذا قال البخاري- رحمه الله تعالى-: «باب الترتيل في القراءة وقوله تعالى وَرَتِّلِ الْقُرْآنَ تَرْتِيلًا (المزمل: ٤) وقوله وَقُرْآناً فَرَقْناهُ لِتَقْرَأَهُ عَلَى النَّاسِ عَلى مُكْثٍ (الإسراء: ١٠٦) وما يكره أن يهذ كهذ الشعر» «٣» وبوب النووي في مسلم: «باب ترتيل القراءة واجتناب الهذ وهو الإفراط في السرعة» ، وجاء رجل يقال له نهيك بن سنان إلى عبد الله، فقال: يا أبا عبد الرحمن! كيف تقرأ هذا الحرف ألفا تجده أم ياء من اسن أو من ياسن؟ قال فقال:
عبد الله وكل القران قد هذا قال إني لأقرأ المفصل في ركعة، فقال عبد الله: هذا
стр. 263
كهذ الشعر؟ إن أقواما يقرؤون القران لا يجاوز تراقيهم ولكن إذا وقع في القلب فرسخ فيه نفع إن أفضل الصلاة الركوع والسجود.. «١» ..
وهذا كله يدل على أن الغالب على قراءته التحقيق.
وقد علمهم النبي ﷺ الفرق بين الهذ وبين الحدر:
فالهذ هو السرعة المفرطة التي تخل بقواعد التلاوة، والحدر هو الهذ المعتدل الملتزم بأركان الترتيل بمعناه العام: ويدل لهذا قول النبي ﷺ فيما رواه عبد الله بن بريدة عن أبيه- قال: كنت جالسا عند النبي ﷺ فسمعته يقول: « ... ثم يقال له اقرا واصعد في درج الجنة وغرفها فهو في صعود ما دام يقرأ هذا كان أو ترتيلا» «٢» ، وفي رواية «فهو في صعود ما دام يقرأ حدرا كان أو ترتيلا» «٣» ، فقوله «هذا كان أو ترتيلا» يدل على أن المراد مدى السرعة في تتابع الصوت لا على ترك الأحكام، فالترتيل هنا بمعناه الخاص لا العام الشامل للحدر التدوير والتحقيق «٤» ، ويدل على هذا حديث عبد الله بن عمرو ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ : «يقال لصاحب القران اقرأ وارق ورتل كما كنت ترتل في الدنيا فإن منزلتك عن اخر اية تقرؤها» «٥» ، فإن هذا الحديث يبين معنى التخيير في الحديث الأول بأنه تخيير بين أنواع الترتيل بالمعنى العام الشامل لجميع مراتب الترتيل فلذا قال له هنا «ورتل كما كنت ترتل في الدنيا» أي بأحد أنواع الترتيل
стр. 264
التي كان غالب قراءتك ترجع إليها، كما يبين هذا الحديث أن كلمة ترتيل في الحديث الأول هي بالمعنى الخاص التي ترادف التحقيق، أو يكون من باب الترتيل الذي بمعنى التأني والتؤدة «يطابق التحقيق الاصطلاحي» .
وقد علم الصحابة ﵃ تلاميذهم الحرص على الترتيل واجتناب الهذ والسرعة المفرطة: فقد فعن أبي جمرة قلت لابن عباس ﵄: إني رجل سريع القراءة إني لأقرأ القران في ليلة فقال ابن عباس ﵄: لأن اقرأ سورة أحب إلىّ، فإن كنت لا بد فاعلا فأقرأ قراءة تسمعها أذنيك ويوعها قلبك «١» ، وهذا الأخير هو الحدر الاصطلاحي، وسئل مجاهد- رحمه الله تعالى- عن رجل قرأ البقرة وال عمران ورجل قرأ البقرة فقط قيامهما واحد ركوعهما واحد وسجودهما واحد فقال: الذي قرأ البقرة فقط أفضل ثم تلا وَقُرْآناً فَرَقْناهُ لِتَقْرَأَهُ عَلَى النَّاسِ عَلى مُكْثٍ (الإسراء: ١٠٦) «٢» .
وعلى الرغم من أن الغالب على قراءة الرسول ﷺ هو التحقيق إلا أنه ﷺ لا ريب قد قرأ لهم بالحدر فإن حديث قراءته بطولى الطوليين في المغرب يدل على ذلك استنباطا.
ولذا ذكر الحنفية استعمال الحدر في تهجد الليل فقيد الحنفية القراءة بالليل بالإسراع في القراءة، ولعل «وجه التقيد به أن عادة المتهجدين كثرة القراءة في تهجدهم فلهم الإسراع ليحصلوا وردهم من القراءة» «٣» ، ولكن كل الفقهاء يجعلون الإتيان بأقل الواجب الشرعي للتجويد أمر لا بد منه لصحة الصلاة،
стр. 265
ونصوا في هذا على المد الواجب فقالوا وهم يتكلمون عن الحدر: «أن يمد أقل مد قال به القراء وإلا حرم لترك الترتيل المأمور به شرعا» «١» .
والصحيح في هذا الباب التفصيل، فالقران العزيز «يقرأ للتعلم، فالواجب التقليل والتكرير، ويقرأ للتدبر، فالواجب الترتيل والتوقف، ويقرأ لتحصيل الأجر بكثرة القراءة، فله أن يقرأ ما استطاع» «٢» ، ومعنى هذا أنه يستحب لكل إنسان ما يوافقه طبعه ويخف عليه فربما يكلف غير ذلك مما يخالف طبعه فيشق عليه ويقطعه ذلك عن القراءة أو الإكثار أما من تساوى عند الأمران فالترتيل أولى ...
وأشار الخاقاني إلى ذلك بقوله:
وترتيلنا القران أفضل للذي ... أمرنا به من لبثنا فيه والفكر
ومهما حدرنا درسنا فمرخص ... لنا فيه إذ دين العباد إلى اليسر
وكان الناس منذ العهد الأول قد تعلموا ذلك من النبي ﷺ :
فصاروا يستعملون كل مرتبة في مواضعها فعن أبي عثمان النهدي قال: دعا عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه بثلاثة قراء فاستقرأهم فأمر أسرعهم قراءة أن يقرأ الناس ثلاثين اية، وأمر أوسطهم أن يقرأ خمسا وعشرين وأمر أبطأهم أن يقرا للناس عشرين اية «٣» ، وعن عبد الرحمن بن هرمز الأعرج قال: ما أدركت الناس إلا وهم يلعنون الكفرة في رمضان- قال- فكان القارئ يقوم بسورة البقرة في ثمان ركعات فإذا قام بها في اثنتي عشرة ركعة رأى الناس أنه قد خفف «٤» .
стр. 266
المبحث الخامس: تعليمه ﷺ مراتب الأداء الأعلى من التجويد:
إذا كان الترتيل هو أساس التجويد، فإن ثمّ أسسا أخرى في علم القراءة تطلب شرعا من القارئ، فعقد هذا المبحث لدراستها، ولتحقيق هذه الغاية انقسم المبحث على أربعة مطالب:
المطلب الأول: تعليمهم تزيين التصويت بألفاظ القران الكريم .
المطلب الثاني: تعليمهم التغني بألفاظ القران الكريم.
المطلب الثالث: تعليمهم الترجيع لألفاظ القران الكريم.
المطلب الرابع: القراءة بالألحان.
المطلب الأول: تعليمهم تزيين التصويت بألفاظ القران الكريم:
علمهم النبي ﷺ ضرورة تزيين القران بالأصوات في عدة أحاديث كالذي رواه البراء بن عازب ﵁ أن النبي ﷺ قال: «زينوا القران بأصوآتاكم» «١» ، ولكن في مستدرك الحاكم ورد بلفظ: «زينوا أصوآتاكم بالقران» «٢» ، أي بتقديم الأصوات على القران، وعن ابن عباس قال: قال رسول الله ﷺ : «زينوا أصوآتاكم بالقران» وفي رواية: «أحسنوا أصوآتاكم بالقران» «٣» ، وقال البخاري بعد ذكر أحاديث تحسين وتزيين القران: «وعامة هذه الأخبار مستفيضة عند أهل العلم» «٤» .
стр. 267
معنى التزيين:
تدور معاني زين على: الملاحة والغاية في الحسن؛ إذ الزاي والياء والنون أصل صحيح يدل على حسن الشيء وتحسينه «١» .
معنى الحديث:
اختلف العلماء في معناه حتى ذكر القرطبي ست تأويلات في معناه «٢» ، والبحث يذكر أشهرها مما يتعلق بموضوعنا:
التأويل الأول: معناه اللهج بقراءته، وكثرة ترداده حتى يصير زينة الصوت، وحليته في الكلام أي أشغلوا أصوآتاكم بالقران، والهجوا بقراءته، واتخذوه زينة وشعارا «٣» : فعلى هذا «هو مقلوب أي زيّنوا أصوآتاكم بالقران، والمعنى الهجوا بقراءته وتزينوا به وليس ذلك على تطريب القول والتحزين» «٤» ، وقالوا: «فالزينة للصوت لا للقران» «٥» ، وبين أصحاب هذا المذهب أنهم اضطروا إلى هذا التأويل اضطرارا لأنه: لا يجوز على القران- في نظرهم- وهو كلام الخالق أن يزينه صوت مخلوق بل هو بالتزيين لغيره والتحسين له أولى «٦» ، ولذا فقد توقى هذه الرواية قوم، وأسند الخطابي عن شعبة قال: نهاني أيوب أن أحدث «زينوا القران بأصوآتاكم» ، وقالوا: لم يرد تطريب الصوت به والتحزين له؛ إذ ليس «هذا في وسع كل أحد فلعل من الناس من إذا أراد التزيين له أفضى به إلى التهجين» «٧» ،
стр. 268
كما استدل القرطبي على ذلك بأن المراد بالتغني الجهر به كما ثبت ذلك في حديث أبي هريرة «١» ، ولكن الظاهر أن هذا اللفظ (يجهر) يدل على تحسين الصوت وهو ما جعل الإمام السيوطي يستدل بقوله (يجهر به) على تحسين الصوت «٢» .
التأويل الثاني: وقيل هو تزيين القران بجمال الصوت:
فإن القران قد يخرج بصوت جاف فظّ يلقيه قارئه ولا يبالي بتجميله فلا تلتفت إليه القلوب لا لأنه كلام الله بل لأن المتلفظ به ما أبان البلاغ، ولا أجمل الأداء وعلى هذا فلا «حاجة إلى القلب وإنما معناه الحثّ على التّرتيل الذي أمر به في قوله تعالى وَرَتِّلِ الْقُرْآنَ تَرْتِيلًا» «٣» فحقيقة الحديث: أنه يحث على ترتيل القران «ورعاية إعرابه وتحسين الصوت به وتنبيه على التحرز من اللحن والتصحيف فإنه إذا قرئ كذلك كان أوقع في القلب وأشد تأثيرا وأرق لسامعه» «٤» ، والرواية الاخرى- إن ثبتت- فهي تتميم لها ف «زينوا أصوآتاكم بالقران» أي الهجوا بقراءته واشغلوا أصوآتاكم به، واتخذوه شعارا وزينة لأصوآتاكم «٥» ، كما ينبغي لكم أن تخرجوه بأحسن لفظ وأجمل أداء.
توجيه الزينة في الحديث:
ويكون للحديث على هذا توجيه حسن جدا؛ إذ تكون «الزّينة للمرتّل لا للقران كما يقال ويل للشّعر من راوية السّوء فهو راجع إلى الرّاوي لا للشّعر» «٦» ،
стр. 269
وسماه تزيينا «لأنه تزيين للفظ والمعنى فإن الصوت الحسن يزيد القران حسنا، وفي أدائه بحسن الصوت، وجودة الأداء بعث للقلوب على استماعه، وتدبره، والإصغاء إليه» «١» .
ويؤيد هذا المعنى للحديث الأحاديث المستفيضة الاخرى التي تحض على التحبير والترتيل والتحسين والتحزين مما هو في مستوى العلمي الضروري، كما يؤيد هذا المعنى رواية «أحسنوا أصوآتاكم بالقران» «٢» والمعنى: «رتلوه واجهروا به» «٣» ولذا «قال الطيبي: هذا الحديث لا يحتمل القلب لتعليله بقوله فإن الصوت الحسن يزيد القران حسنا» «٤» ، ويشهد لصحة هذا التأويل حديث أبي موسى ﵁ أنّ النبي ﷺ استمع إلى قراءته فقال: «لقد أوتيت مزمارا من مزامير ال داود فقال لو علمت أنك تستمع لحبّرته لك تحبيرا» أي حسّنت قراءته وزينتها، ويؤيدّ ذلك تأييدا لا شبهة فيه حديث ابن عباس أن رسول الله ﷺ قال: «لكلّ شيء حلية وحلية القران حسن الصوت» «٥» .
والكاتب يؤيد الجمع بين هذه المعاني:
فالنبي ﷺ قد علمهم تحسين الصوت بالقران، وتحسين القران بالصوت بعد أن وجدنا الروايات تذكر ذلك ولا شذوذ يظهر لنا ولذا فلا وجه لقول البعض
стр. 270
«القلب لا وجه له» «١» ، والقول الثاني لا ينفي الأول أما الأول فنفى أصحابه الثاني، وقولهم مقبول لكن نفيهم مردود، فالتزيين لكلام الله لأن الصوت صوت القاري، وإن كان الكلام كلام الباري.
وواقع المسلمين بشيبهم وشبابهم وذكورهم وإناثهم، وكبارهم وصغارهم شاهد على ذلك فإنك تجد كل واحد منهم لو كان أميا إن أراد أن يقرأ غير صوته على هيئة تتشابه بينهم جميعا، وإن كانت تتفاوت في حسنها، وانضباط قواعدها في تظاهرة عجيبة تدل على مقدار الحفظ الإلهي للقران الكريم.
ويبقى- بعد ذلك- الاختلاف في الأصوات البشرية مسألة طبعية:
كما قال الإمام البخاري: «فبين النبي ﷺ أن أصوات الخلق وقرااتهم ودراستهم وتعليمهم وألسنتهم مختلفة بعضها أحسن وأزين وأحلى وأصوت وأرتل وألحن وأعلى وأخف وأغض وأخشع وقال وَخَشَعَتِ الْأَصْواتُ لِلرَّحْمنِ فَلا تَسْمَعُ إِلَّا هَمْساً (طه: ١٠٨) وأجهر وأخفى وأمهر وأمد وألين وأخفض من بعض» «٢» .
وهنا نلحظ معلما هاما هو أن النبي ﷺ علمهم تقديم حسن الصوت في الأذان فأحرى أن يكون ذاك في القران: فعن عبد الله بن زيد قال: لما أصبحنا أتينا رسول الله ﷺ فأخبرته بالرؤيا فقال: «إن هذه الرؤيا حق فقم مع بلال فإنه أندى أو أمد صوتا منك فألق عليه ما قيل لك فينادي بذلك» «٣» .
стр. 271
و (أندى) أصله «من الندى أي الرطوبة يقال صوت ندي أي رفيع واستعارة النداء للصوت من حيث أن من تكثر رطوبة فمه حسن كلامه» «١» ، فأندى: «أي أرفع وأعلى، وقيل أحسن وأعذب، وقيل أبعد» «٢» فالأحسن أن يراد بأندى «ههنا أحسن وأعذب وإلا لكان في ذكر قوله أمد بعده تكرار» «٣» ، وعلى هذا ففي الحديث «دليل على اتخاذ المؤذن حسن الصوت» «٤» .
وفي حديث أبي محذورة قال: لما خرج رسول الله ﷺ من حنين خرجت عاشر عشرة من أهل مكة نطلبهم فسمعناهم يؤذنون بالصلاة فقمنا نؤذن لنستهزىء بهم فقال رسول الله ﷺ : «قد سمعت في هؤلاء تأذين إنسان حسن الصوت» ، فأرسل إلينا فأذنا رجل رجل وكنت اخرهم، فقال حين أذنت:
«تعال» ، فأجلسني بين يديه فمسح على ناصيتي فبرك علي ثلاث مرات ثم قال:
«اذهب فأذن عند البيت الحرام» «٥» فإذا كان ذلك كذلك في الأذان، فكيف به في القران؟.
وكان الصحابة ﵃ يلتمسون حسن الصوت بالقران فعن عمر أنه قال لرجل: اقرأ سورة الحجر. قال: أو ليست معك يا أمير المؤمنين؟ قال: أما بمثل صوتك فلا «٦» .
стр. 272
المطلب الثاني: تعليمهم التغني بألفاظ القران الكريم:
الأحاديث الواردة في ذلك:
بين النبي ﷺ فضيلة التغني بالقران فعن أبي هريرة ﵁ أنه كان يقول:
قال رسول الله ﷺ : «لم يأذن الله لشيء ما أذن للنبي يتغنى بالقران» وقال صاحب له: يريد يجهر به «١» ، و (يأذن) : «معناه الاستماع ومنه قوله تعالى وأذنت لربها» «٢» ، فالمعنى- كما قال أبو عبيد- يعني ما استمع الله لشيء كاستماعه لنبي يتغنى بالقران «٣» ، والمراد بالاستماع هنا الاستماع الخاص، وذلك كتفريق العلماء بين المعية العامة الواردة في قوله ﷻ : وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ ما كُنْتُمْ (الحديد: ٤) ، والمعية الخاصة في قوله : إِنَّ اللَّهَ مَعَ الَّذِينَ اتَّقَوْا وَالَّذِينَ هُمْ مُحْسِنُونَ (النحل: ١٢٨) وهو ما يعني قرب القارئ من الله ، وعظيم شرفه بالقراءة.
ولم يقف ذلك عند مجرد الفضيلة حتى ورد الأمر بالقراءة بهذه الكيفية فعن عقبة ابن عامر ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: «تعلموا كتاب الله وتعاهدوا واقتنوه وتغنوا به فو الذي نفسي بيده لهو أشد تفلتا من المخاض في العقل» «٤» .
وفي المقابل فقد ورد الزجر الشديد والتنفير القراءة بغير هذه الكيفية فعن عبد الله بن أبي نهيك عن سعد بن أبي وقاص ﵁ قال: أتيته فسألني من أنت فأخبرته عن نسبي فقال سعد: تجار كسبة سمعت رسول الله ﷺ يقول:
стр. 273
«ليس منا من لم يتغن بالقران» «١» ومثله عن ابن عباس «٢» ، ونحوه عن عائشة «٣» وابن الزبير ﵃ «٤» ، وعن أبي لبابة ﵁ قال: سمعت النبي ﷺ يقول:
«ليس منا من لم يتغن بالقران» فقيل: لابن أبي مليكة: يا أبا محمد! أرأيت إذا لم يكن حسن الصوت؟ قال: يحسنه ما استطاع «٥» ، وعن عبد الرحمن بن السائب قال: قدم علينا سعد بن أبي وقاص- وقد كف بصره- فسلمت عليه فقال: من أنت؟ فأخبرته فقال: مرحبا بابن أخي بلغني أنك حسن الصوت بالقران سمعت رسول الله ﷺ يقول: «إن هذا القران نزل بحزن فإذا قرأتموه فابكوا فإن لم تبكوا فتباكوا، وتغنوا به فمن لم يتغن به فليس منا» «٦» .
معنى التغني الوارد في الأحاديث:
اختلف العلماء في معنى التغني الوارد في الحديث على قولين مشهورين:
المعنى الأول: معنى التغني الاستغناء وحدوث الكفاية به، وقد ذهب إلى هذا الإمام البخاري فقال: «باب من لم يتغن بالقران وقوله : أَوَلَمْ يَكْفِهِمْ أَنَّا أَنْزَلْنا عَلَيْكَ الْكِتابَ يُتْلى عَلَيْهِمْ (العنكبوت: ٥١) «٧» ، وهو مذهب سفيان بن عيينة قال: تفسيره يستغني به» «٨» .
стр. 274
المعنى الثاني: معناه التطريب به والحداء و «تحزين القراءة وترقيقها» «١» ، وفق قواعد معلومة لأنه أوقع في النفوس، وأنجع في القلوب «٢» ، وقد ذهب إلى هذا «الشافعي وأصحابه وأكثر العلماء من الطوائف وأصحاب الفنون يحسن صوته به» «٣» ، «وقال صالح قلت لأبي (أي أحمد بن حنبل) : «زينوا القران بأصوآتاكم» ما معناه؟ قال: أن يحسنه، وقيل له: ما معنى «من لم يتغن بالقران» قال: «يرفع صوته به، وقال الليث: يتحزن به، ويتخشع به، ويتباكى به» «٤» ، ورد الإمام الشافعي على ابن عيينة تأويله، فقال رحمه الله تعالى: نحن أعلم بهذا. لو أراد النبي ﷺ الاستغناء به لقال ليس منا من لم يستغن بالقران فلما قال ليس منا من لم يتغن بالقران علمنا أنه التغني به «٥» وقال: معناه يقرأه حزنا وتحزينا «٦» .
تعريف الغناء:
هو كما قال «الأصمعي: كلّ من رفع صوته ووالاه فصوته عند العرب غناء» «٧» ، فالغناء عند العرب هو المردد المرجّع من الكلام لا شأن له بالالات، «وفي حديث عائشة: وعندي جاريتان تغنّيان بغناء بعاث أي تنشدان الأشعار
стр. 275
التي قيلت يوم بعاث، ولم ترد الغناء المعروف بين أهل اللهو واللّعب، وقد رخّص عمر ﵁ في غناء الأعراب وهو صوت كالحداء «١» .
وقد تأيد هذا التأويل بالتالي:
١- بقوله ﷺ لأبي موسى الأشعري: «لقد أعطى هذا مزمارا من مزامير ال داود» «٢» .
٢- ويؤيد هذا المعنى تأييدا متينا رواية (يجهر به) فعن الشافعي أنه قال:
معناه تحسين القراءة وترقيقها، قال: ومما يحقّق ذلك الحديث الاخر:
«زيّنوا القران بأصوآتاكم» «٣» ، والعرب تقول: سمعت فلانا يتغنى بكذا أي يجهر به «٤» .
٣- سئل ابن أبي مليكة- وهو أحد رواة الحديث-: يا أبا محمد! أرأيت أن لم يكن حسن الصوت قال: يحسنه ما استطاع «٥» ، وهذا يدل على إرادة الصوت.
٤- ويدل له رواية «ما أذن لنبي في الترنم في القران» أخرجه الطبري «٦» ، وفي لفظ: «ما أذن لنبي حسن الصوت» «٧» ، وفي لفظ «حسن الترنم بالقران» «٨» «والترنم
стр. 276
لا يكون إلا بالصوت إذا حسنه القاريء وطرب به قال: ولو كان معناه الاستغناء لما كان لذكر الصوت ولا لذكر الجهر معنى» «١» .
وأما حديث «إن الله لم يأذن لمترنم بالقران» «٢» فإن كان معناه المنع فهو ممنوع بعدم ثبوته بل هو إلى الوضع أقرب، ولقد علمهم النبي ﷺ تحسين أصواتهم بالقران، وكان يثني على حسن الصوت منهم حتى قال عن سالم مولى أبي حذيفة: «الحمد لله الذي جعل في أمتي مثل هذا» «٣» ، وذلك لما قالت عائشة عن حسن صوته: كنا نسمع قراءة رجل من أصحابك في المسجد لم أسمع مثل صوته ولا قراءة من أحد من أصحابك، «وأخرج ابن أبي داود أن عمر: كان يقدم الشاب الحسن الصوت لحسن صوته بين يدي القوم، ولا شك أن النفوس تميل إلى سماع القراءة بالترنم أكثر من ميلها لمن لا يترنم لأن للتطريب تأثيرا في رقة القلب، وإجراء الدمع» «٤» .
الجمع بين المعنيين أولى عند الباحث:
ولأن الجمع مقدم على الترجيح فبين أن إرادة المعنيين واردة، بل ظاهرة فأما من حيث اللغة فهو صالح للمعنيين، فما فسر به ابن عيينة ليس بمدفوع، وإن كانت ظواهر الأخبار ترجح أن المراد تحسين الصوت «٥» ، إلا أن ورود يتغنى بمعنى يستغني ليس منكرا عربية كما أنكره الشافعي، ولذا رد ابن حجر على الطبري
стр. 277
فقال: «وأما إنكاره أن يكون تغنى بمعنى استغنى في كلام العرب فمردود، ومن حفظ حجة على من لم يحفظ، ... (و) في حديث الخيل: «ورجل ربطها تعففا وتغنيا» وهذا من الاستغناء بلا ريب، والمراد يطلب الغنى بها عن الناس بقرينة قوله تعففا» «١» فيكون الجمع بين التأويلات المذكورة هو الصحيح البين، ومال إليه عدد من المحققين كابن حجر فيقال في معنى التغني الوارد في الأحاديث: يحسن به صوته جاهرا به مترنما على طريق التحزن متغنيا به عن غيره من الأخبار طالبا به غنى النفس راجيا به غنى اليد، ونظم ابن حجر ذلك في بيتين فقال:
تغن بالقران حسّن به الصوت حزينا جاهرا رنم ... واستغن عن كتب الألى طالبا غنى يد والنفس ثم الزم
«٢» وكذلك أن يجعل القران مكان الغناء أمر مقصود شرعا كما هو ظاهر، وتقدم ذكر الزجر عن الامتلاء بالشعر ولذلك صار القران هو الذي يترنم به العارفون مكان غناء القوم وحدوهم وإنشادهم فقد قال بعض العارفين لمريد:
أتحفظ القران؟ قال: لا، قال: وا غوثاه يا لمريد لا يحفظ القران فيم يتغنى؟ فيم يترنم؟ فيم يناجي ربه تعالى؟ «٣» .
وقد كان أصحاب النبي ﷺ يتفاضلون في حسن تغنيهم بالقران، ويثني النبي ﷺ عليهم في كل ذلك، وتقدم ما قاله في سالم، وأبي موسى، وقال رسول الله ﷺ في الأشعريين: «إني لأعرف أصوات رفقة الأشعريين بالقران حين يدخلون بالليل واعرف منازلهم من أصواتهم بالقران بالليل وان كنت لم
стр. 278
أر منازلهم حين نزلوا بالنهار» «١» ، وقد عدوا من حكم تلاوة النبي ﷺ على أبي «أن يتعلم أبي الفاظه، وصيغة أدائه، ومواضع الوقوف، وصنع النغم في نغمات القران على أسلوب ألفه الشرع وقدره بخلاف ما سواه من النغم المستعمل في غيره» «٢» .
ينبغي أن يتجه التغني بالقران وتزيين التصويت بألفاظه نحو التحزن:
من الضوابط الهامة في التغني بالقران الكريم أنه لا بد من الميل باتجاه التصويت نحو الحزن، ويدل على ذلك في تعليم النبي ﷺ لأصحابه قوله ﷺ :
«اقرؤوا القران بالحزن فإنه نزل بالحزن» «٣» ، ويشهد لهذا الحديث قوله ﷺ : «إن أحسن الناس قراءة من إذا قرأ القران يتحزن» «٤» ، والميل بالقراءة نحو الحزن إخبار ضمني من القارئ بفقره وخشيته من ربه، واعترافه بالتقصير، وهي الضابط الحقيقي لحسن القراءة وزينتها، ثم ضبط النبي ﷺ لهم هذا التحزن وهو يعلمهم بأنه الذي يحقق هذا المقصد من إظهار الجزع على النفس بين يدي الله ﷻ ، والخشية منه، والإشفاق من عذابه، والطمع في رحمته كما في حديث ابن عمر قال سئل رسول الله ﷺ : «من أحسن الناس صوتا بالقران قال: من إذا سمعت قراءته رأيت أنه يخشى الله » «٥» .
стр. 279
ولا ينبغي أن يقال إن في ذلك رئاء؛ إذ هذا أمر قلبي لا يحكم به ها هنا فقد كان ﷺ القدوة العظمى في ذلك، فعن ابن مسعود ﵁ قال: قال لي النبي ﷺ : «اقرأ علي القران» ، قلت: اقرأ عليك وعليك أنزل؟ قال: «إني أحب أن أسمعه من غيري» ، قال: نعم! فقرأت سورة النساء حتى أتيت إلى هذه الاية فَكَيْفَ إِذا جِئْنا مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ بِشَهِيدٍ وَجِئْنا بِكَ عَلى هؤُلاءِ شَهِيداً (النساء: ٤١) قال حسبك الان، فالتفت إليه فإذا عيناه تذرفان.
وتسلسلت المنهجية فكان الترتيل سمت الصحابة ﵃ يميل نحو الحزن فعن بن أبي مليكة قال: صحبت ابن عباس من مكة إلى المدينة كان إذا نزل قام شطر الليل، فسأله أيوب: كيف كانت قراءته؟ قال قرأ وَجاءَتْ سَكْرَةُ الْمَوْتِ بِالْحَقِّ ذلِكَ ما كُنْتَ مِنْهُ تَحِيدُ (ق: ١٩) فجعل يرتل ويكثر في ذلكم النشيج «١» ، وهكذا علم النبي ﷺ أصحابه من أئمة الإقراء، فكانت قراءتهم كذلك: فعن سليمان بن مسلم بن جماز الزهري قال: سمعت أبا جعفر يحكي لنا قراءة أبي هريرة ﵁ عنه في إذا الشمس كورت يحزنها شبه الرثاء «٢» .
المطلب الثالث: تعليمهم الترجيع لألفاظ القران الكريم:
الأحاديث التعليمية الواردة في ذلك:
علمهم النبي ﷺ الترجيع ففي حديث عبد الله بن مغافل ﵁ قال: رأيت النبي ﷺ يقرأ وهو على ناقته أو جمله وهي تسير به وهو يقرأ سورة الفتح أو من سورة الفتح قراءة لينة يقرأ وهو يرجع «٣» قال معاوية بن قرة: لولا أن أخشى أن
стр. 280
يجتمع عليكم الناس لحكيت لكم عن عبد الله بن مغافل ما حكى عن رسول الله ﷺ ، فقيل لمعاوية: كيف كان ترجيعه؟ قال: ااا ثلاث مرات «١» ، وقد ثبت الترجيع في غير هذا الموضع من حديث أم هانئ- رضي الله تعالى عنها-: كنت أسمع صوت النبي ﷺ وهو يقرأ وأنا نائمة على فراشي يرجع القران «٢» .
هل حدث منه ذلك عمدا؟: ذهب بعضهم إلى هذا «إنما حصل منه يوم الفتح لأنه كان راكبا فجعلت الناقة تحرّكه وتنزّيه فحدث التّرجيع في صوته» «٣» ، ورجح عدد من المحققين أن ذلك تحسين للصوت وتغن بالقران على سبيل القصد، وهو أشبه بالسياق ففي لفظ: وهو يقرأ قراءة لينة فقال: لولا أن يجتمع الناس علينا لقرأت ذلك اللحن «٤» .
الدلالة اللغوية والشرعية للترجيع:
الترجيع هو الترديد ومنه قوله ﷻ : يَرْجِعُ بَعْضُهُمْ إِلى بَعْضٍ الْقَوْلَ (سبأ: ٣١) أي يتلاومون، والمراجعة المعاودة يقال راجعه الكلام، ورجّع الرجل وترجّع: ردّد صوته في قراءة أو أذان أو غناء أو زمر أو غير ذلك مما يترنم به «٥» ، وعلى هذا فالترجيع في القراءة يتضمن ما يلي:
١- ترديد القراءة، ومنه ترجيع الأذان، فترجيع الصوت هو ترديده في الحلق كقراءة أصحاب الألحان «٦» .
стр. 281
٢- «تقارب ضروب الحركات في الصّوت، وقد حكى عبد الله ابن مغفّل ترجيعه بمدّ الصّوت في القراءة نحو اء اء اء» «١» ، والمراد أن في الترجيع إشباعا للمد في مواضعه «٢» .
٣- ويظهر في الترجيع حسن الصوت بتقطيعه، وعلوه، ومنه رجّع الحمام في غنائه «٣» ؛ ويدل على العلاقة الوطيدة بين الترجيع والتنغيم ما جاء في رواية أخرى: «لولا أن يجتمع الناس لقرأت لكم بذلك اللحن» أي النغم «٤» .
وعند التأمل فلا تنافي بين التأويلات الثلاثة، فتنغيم القراءة يستلزم مد الصوت في مواضعه على هيئة التحقيق البالغ، كما يستلزم الترديد للمقروء، ومنه الترديد الذي يعمد إليه القراء في المحافل عند بلوغ النهاية في تزيين القران بالأصوات.
والقول الجامع في تعريف الترجيع:
أنه ترديد القراءة، وتقارب ضروب الحركات في الصّوت «٥» ، وفي ذلك ترديد للصوت في الحلق أي تنغيم له وترنيم مع تفاوت الصوت في الجهر والإخفاء على هيئة الترجيع في الأذان، ومد الصّوت في القراءة نحو اء اء اء.
العلاقة بين الترجيع والترتيل:
يظهر بهذا أن في الترجيع قدرا زائدا على الترتيل، فهو تزيين للقران بالألحان:
ف «في هذا الحديث إجازة القراءة بالترجيع والألحان الملذذة للقلوب بحسن الصوت، وقول معاوية: لولا أن يجتمع الناس يشير إلى أن القراءة بالترجيع تجمع نفوس
стр. 282
الناس إلى الإصغاء، وتستميلها بذلك حتى لا تكاد تصبر عن استماع الترجيع المشوب بلذة الحكمة المهيمنة» «١» .
وأما ما روي عن أبي بكرة قال: كانت قراءة رسول الله ﷺ المد ليس فيها ترجيع «٢» فحديث ضعيف بل قد رماه صيارفة الجرح والتعديل بالوضع، فلا يقاوم ما سبق، ومثله في الضعف وعدم الصحة ما ورد عن قتادة قال: «ما بعث الله نبيا إلا حسن الوجه، حسن الصوت، وكان نبيكم ﷺ حسن الوجه، حسن الصوت، وكان لا يرجع» «٣» .
العلاقة بين الترجيع والغناء والتغني:
بين الترجيع والغناء: هذا الترجيع ليس كترجيع الغناء وقوانين النغم، إذ إن الغناء المعروف لا ينضبط أو ينضبط بقواعد غير القواعد الضابطة لتلاوة القران كما قال بعض أهل العلم: «معنى الترجيع تحسين التلاوة، لا ترجيع الغناء لأن القراءة بترجيع الغناء تنافى الخشوع الذي هو مقصود التلاوة» «٤» .
стр. 283
بين الترجيع والتغني: الترجيع تدقيق لوصف التغني فالمعروف «في كلام العرب أن التغني الترجيع بالصوت كما قال حسان:
تغن بالشعر إما أنت قائله ... إن الغناء بهذا الشعر مضمار»
«١» فالترجيع وصف دقيق لكيفية التغني المشروع الذي أمر به النبي ﷺ ، والظاهر أنه يمثل إحدى الكيفيات التي يتم بها التغني، وقد يكون التغني بغيره فعن علقمة بن قيس قال: بت مع عبد الله ابن مسعود ﵁ ليلة فقام أول الليل ثم قام يصلي فكان يقرأ قراءة الإمام في مسجد حيه يرتل ولا يرجع، يسمع من حوله ولا يرجع صوته، حتى لم يبق من الغلس إلا كما بين أذان المغرب إلى الانصراف منها ثم أوتر «٢» .
علاقة الترجيع والتزيين والتغني بالترتيل الواجب:
[مراتب قراءة القرآن الكريم]
في قراءة القران الكريم توجد عندنا مراتب:
١- المرتبة الأولى:
هي مرتبة القراءة المجردة لألفاظ القران الكريم، وهذه المرتبة هي أصل الكلام لا يسمى الكلام كلاما بدونها.
٢- المرتبة الثانية:
هي الترتيل لألفاظ القران الكريم: وهي واجبة وجوبا لا مرية فيه، وتزيد على القراءة المجردة بضرورة توفر أركان الترتيل السبعة للكلام المقروء.
٣- المرتبة الثالثة:
مرتبة التزيين للكلام المرتل أو التحسين له: فقول النبي ﷺ : «زينوا القران بأصوآتاكم» هو شيء زائد على ذات الكلام العربي أي شيء
стр. 284
زائد على مخارج الحروف، وصفاتها الأصلية؛ لأن هذه تمثل ذات الحرف ...
فيكون التزيين المراد في الحديث يتعلق: بالصفات الفردية العارضة، والصفات التركيبية العارضة فقط ... فالأمر بالتزيين دال على وجوب التزيين لألفاظ القران الكريم أي يدل على وجوب إدغام النون الساكنة في حروفها، وتفخيم الراات في مواضعها، والزيادة على أصل المد الأصلي، أو المد الواجب الفرعي، كالزيادة على مقدار ثلاث حركات في المتصل، وعلى مقدار حركتين في المنفصل، وعلى مقدار ما يقوم به الكلام في اللازم ...
٤- والمرتبة التالية للتزيين مرتبة التغني
وهو تحسين الصوت في ذاته، وتحويله على هيئة الغناء والحداء، فالتزيين للفظ والتغني للصوت، وكمثال على ذلك فإن قوله : قَدْ جاءَكُمْ مِنَ اللَّهِ نُورٌ وَكِتابٌ مُبِينٌ (المائدة: ١٥) ، قراءتها بحروفها وصفاتها الأصلية يسمى قراءة، فإذا كانت القراءة مع الاهتمام بالصفات العارضة فيها وهي القلقلة في الدال، والزيادة على أدنى ما يقوم به المتصل، والإدغام صار ترتيلا وتزيينا، فإذا ما نغم الصوت صار تزيينا وتغنيا ... ولا شك في التداخل بين الترتيل والتغني والتزيين. فالتغني مرتبة من أعلى مراتب الأداء ... ومن الكيفيات الأعلى في التغني: الترجيع والتحبير:
فأما الترجيع
فقد تقدم، ووصف الترجيع يدل على أنه أخص من التغني، فقد يحصل التغني بدون ترجيع، ولكنه ليس في قوته وجماله، ويدل على العلاقة الوطيدة بين الترجيع والتنغيم قول الراوي: «لولا أن يجتمع الناس لقرأت لكم بذلك اللحن» أي النغم «١» .
стр. 285
وأما التحبير:
فلما مر النبي ﷺ على أبي موسى الأشعري وهو يتلو القران من الليل وكان ذا صوت حسن، فوقف واستمع لقراءته وقال: «لقد أوتي هذا مزمارا من مزامير ال داود قال: يا رسول الله لو علمت أنك تستمع لحبرته لك تحبيرا» «١» وقال أبو عثمان النهدي: ما سمعت صوت صنج ولا بربط* ولا مزمار مثل صوت أبي موسى ﵁، ومع هذا قال ﷺ : «لقد أوتي مزمارا من مزامير ال داود» «٢» .
والتحبير هنا هو شدة التحسين، وقوة الجمال، مع المبالغة في ذلك والمراد بذلك هنا في الصوت حتى يسر به المرء «٣» ، فأبو موسى يريد بالتحبير شدة تحسين الصّوت وتحزينه «٤» .
وهذا القدر من شدة الحسين ليس بواجب لكنه قد يزيد النشاط في التلاوة، إذ لم ينكر النبي ﷺ عدم وجوده، وتدخل فيه الخلقة البشرية، والمنحة الإلهية وفق القواعد المتلقاة.