٢- «تقارب ضروب الحركات في الصّوت، وقد حكى عبد الله ابن مغفّل ترجيعه بمدّ الصّوت في القراءة نحو اء اء اء» «١» ، والمراد أن في الترجيع إشباعا للمد في مواضعه «٢» .
٣- ويظهر في الترجيع حسن الصوت بتقطيعه، وعلوه، ومنه رجّع الحمام في غنائه «٣» ؛ ويدل على العلاقة الوطيدة بين الترجيع والتنغيم ما جاء في رواية أخرى: «لولا أن يجتمع الناس لقرأت لكم بذلك اللحن» أي النغم «٤» .
وعند التأمل فلا تنافي بين التأويلات الثلاثة، فتنغيم القراءة يستلزم مد الصوت في مواضعه على هيئة التحقيق البالغ، كما يستلزم الترديد للمقروء، ومنه الترديد الذي يعمد إليه القراء في المحافل عند بلوغ النهاية في تزيين القران بالأصوات.
والقول الجامع في تعريف الترجيع:
أنه ترديد القراءة، وتقارب ضروب الحركات في الصّوت «٥» ، وفي ذلك ترديد للصوت في الحلق أي تنغيم له وترنيم مع تفاوت الصوت في الجهر والإخفاء على هيئة الترجيع في الأذان، ومد الصّوت في القراءة نحو اء اء اء.
العلاقة بين الترجيع والترتيل:
يظهر بهذا أن في الترجيع قدرا زائدا على الترتيل، فهو تزيين للقران بالألحان:
ف «في هذا الحديث إجازة القراءة بالترجيع والألحان الملذذة للقلوب بحسن الصوت، وقول معاوية: لولا أن يجتمع الناس يشير إلى أن القراءة بالترجيع تجمع نفوس
стр. 282
الناس إلى الإصغاء، وتستميلها بذلك حتى لا تكاد تصبر عن استماع الترجيع المشوب بلذة الحكمة المهيمنة» «١» .
وأما ما روي عن أبي بكرة قال: كانت قراءة رسول الله ﷺ المد ليس فيها ترجيع «٢» فحديث ضعيف بل قد رماه صيارفة الجرح والتعديل بالوضع، فلا يقاوم ما سبق، ومثله في الضعف وعدم الصحة ما ورد عن قتادة قال: «ما بعث الله نبيا إلا حسن الوجه، حسن الصوت، وكان نبيكم ﷺ حسن الوجه، حسن الصوت، وكان لا يرجع» «٣» .
العلاقة بين الترجيع والغناء والتغني:
بين الترجيع والغناء: هذا الترجيع ليس كترجيع الغناء وقوانين النغم، إذ إن الغناء المعروف لا ينضبط أو ينضبط بقواعد غير القواعد الضابطة لتلاوة القران كما قال بعض أهل العلم: «معنى الترجيع تحسين التلاوة، لا ترجيع الغناء لأن القراءة بترجيع الغناء تنافى الخشوع الذي هو مقصود التلاوة» «٤» .
стр. 283
بين الترجيع والتغني: الترجيع تدقيق لوصف التغني فالمعروف «في كلام العرب أن التغني الترجيع بالصوت كما قال حسان:
تغن بالشعر إما أنت قائله ... إن الغناء بهذا الشعر مضمار»
«١» فالترجيع وصف دقيق لكيفية التغني المشروع الذي أمر به النبي ﷺ ، والظاهر أنه يمثل إحدى الكيفيات التي يتم بها التغني، وقد يكون التغني بغيره فعن علقمة بن قيس قال: بت مع عبد الله ابن مسعود ﵁ ليلة فقام أول الليل ثم قام يصلي فكان يقرأ قراءة الإمام في مسجد حيه يرتل ولا يرجع، يسمع من حوله ولا يرجع صوته، حتى لم يبق من الغلس إلا كما بين أذان المغرب إلى الانصراف منها ثم أوتر «٢» .
علاقة الترجيع والتزيين والتغني بالترتيل الواجب:
[مراتب قراءة القرآن الكريم]
في قراءة القران الكريم توجد عندنا مراتب:
١- المرتبة الأولى:
هي مرتبة القراءة المجردة لألفاظ القران الكريم، وهذه المرتبة هي أصل الكلام لا يسمى الكلام كلاما بدونها.
٢- المرتبة الثانية:
هي الترتيل لألفاظ القران الكريم: وهي واجبة وجوبا لا مرية فيه، وتزيد على القراءة المجردة بضرورة توفر أركان الترتيل السبعة للكلام المقروء.
٣- المرتبة الثالثة:
مرتبة التزيين للكلام المرتل أو التحسين له: فقول النبي ﷺ : «زينوا القران بأصوآتاكم» هو شيء زائد على ذات الكلام العربي أي شيء
стр. 284
زائد على مخارج الحروف، وصفاتها الأصلية؛ لأن هذه تمثل ذات الحرف ...
فيكون التزيين المراد في الحديث يتعلق: بالصفات الفردية العارضة، والصفات التركيبية العارضة فقط ... فالأمر بالتزيين دال على وجوب التزيين لألفاظ القران الكريم أي يدل على وجوب إدغام النون الساكنة في حروفها، وتفخيم الراات في مواضعها، والزيادة على أصل المد الأصلي، أو المد الواجب الفرعي، كالزيادة على مقدار ثلاث حركات في المتصل، وعلى مقدار حركتين في المنفصل، وعلى مقدار ما يقوم به الكلام في اللازم ...
٤- والمرتبة التالية للتزيين مرتبة التغني
وهو تحسين الصوت في ذاته، وتحويله على هيئة الغناء والحداء، فالتزيين للفظ والتغني للصوت، وكمثال على ذلك فإن قوله : قَدْ جاءَكُمْ مِنَ اللَّهِ نُورٌ وَكِتابٌ مُبِينٌ (المائدة: ١٥) ، قراءتها بحروفها وصفاتها الأصلية يسمى قراءة، فإذا كانت القراءة مع الاهتمام بالصفات العارضة فيها وهي القلقلة في الدال، والزيادة على أدنى ما يقوم به المتصل، والإدغام صار ترتيلا وتزيينا، فإذا ما نغم الصوت صار تزيينا وتغنيا ... ولا شك في التداخل بين الترتيل والتغني والتزيين. فالتغني مرتبة من أعلى مراتب الأداء ... ومن الكيفيات الأعلى في التغني: الترجيع والتحبير:
فأما الترجيع
فقد تقدم، ووصف الترجيع يدل على أنه أخص من التغني، فقد يحصل التغني بدون ترجيع، ولكنه ليس في قوته وجماله، ويدل على العلاقة الوطيدة بين الترجيع والتنغيم قول الراوي: «لولا أن يجتمع الناس لقرأت لكم بذلك اللحن» أي النغم «١» .
стр. 285
وأما التحبير:
فلما مر النبي ﷺ على أبي موسى الأشعري وهو يتلو القران من الليل وكان ذا صوت حسن، فوقف واستمع لقراءته وقال: «لقد أوتي هذا مزمارا من مزامير ال داود قال: يا رسول الله لو علمت أنك تستمع لحبرته لك تحبيرا» «١» وقال أبو عثمان النهدي: ما سمعت صوت صنج ولا بربط* ولا مزمار مثل صوت أبي موسى ﵁، ومع هذا قال ﷺ : «لقد أوتي مزمارا من مزامير ال داود» «٢» .
والتحبير هنا هو شدة التحسين، وقوة الجمال، مع المبالغة في ذلك والمراد بذلك هنا في الصوت حتى يسر به المرء «٣» ، فأبو موسى يريد بالتحبير شدة تحسين الصّوت وتحزينه «٤» .
وهذا القدر من شدة الحسين ليس بواجب لكنه قد يزيد النشاط في التلاوة، إذ لم ينكر النبي ﷺ عدم وجوده، وتدخل فيه الخلقة البشرية، والمنحة الإلهية وفق القواعد المتلقاة.
стр. 286
خاتمة في التأكيد على تعليم النبي ﷺ أصحابه حسن التصويت بالقران الكريم:
وقد كان النبي ﷺ يعلمهم تحسين أصواتهم بالقران ويتحري منهم ذلك فإن الصوت الحسن بالقران يجعل المخلوقات تميل مع القارئ، وتجيبه ويدل لذلك قوله : وَسَخَّرْنا مَعَ داوُدَ الْجِبالَ يُسَبِّحْنَ وَالطَّيْرَ (الأنبياء: ٧٩) ، وذلك لطيب صوته بتلاوة كتابه الزبور، وكان إذا ترنم به تقف الطير في الهواء فتجاوبه، وترد عليه الجبال تأويبا.
وقد أوتي النبي ﷺ من حسن الصوت حظا عظيما، فبوب ابن حبان: «ذكر البيان بأن المصطفى ﷺ كان من أحسن الناس قراءة إذا قرأ» «١» ، وفي ذلك يقول البراء ﷺ قال: سمعت النبي ﷺ يقرأ والتين والزيتون في العشاء وما سمعت أحدا أحسن صوتا منه أو قراءة «٢» .
وكان الصحابة ﵃ يقومون بذلك على قدرهم ويسمع النبي ﷺ لهم، ويحثهم على المزيد، ويشجع أئمة الإقراء على زيادة التأنق في قراءة القران ويتعهداهم في ذلك فيقرأ على أبي ويسمع من ابن مسعود شيئا قد أقرأه إياه، ويستمع لأبي موسى في غير وقت التعليم، ويسمع هو وعائشة له ولسالم مولى أبي حذيفة «٣» ... وربما يتفنون في ذلك بما يزيد عن الحد الواجب فيصلون إلى الترجيع والتحبير.
стр. 287
ولأن الترجيع والتحبير يعتبران من الأنواع الخاصة للتغني بالقران الكريم فإن هذا يقود البحث إلى الكلام عن القراءة بالألحان، وهو ما خصصنا له المطلب الرابع لأهميته.
المطلب الرابع: القراءة بالألحان «١» :
وسبب إيراد هذه المسألة أنها «مبنية على أساس تحسين الصوت بالقران» «٢» .
الدلالة اللغوية للحن في هذا الباب:
لا يعدو معنى اللحن في اللغة- من هذه الجهة- أن يكون الصوت المغنّى على نسق منضبط محدد مستملح دون أن يتبادر إلى الذهن أن تصحبه أدوات المعازف كما هو الشائع في لغة الناس اليوم؛ فاللّحن هو الغناء وترجيع الصوت والتّطريب، والتطريب هو تطريب المراد به تقطيع الصوت بالأنغام دون صحبة الة أو معها «٣» ويشهد له قول الشاعر:
لقد تركت فؤادك مستجنّا ... مطوّقة على فنن تغنّى
يميل بها، وتركبه بلحن ... إذا ما عنّ للمحزون أنّا
فلا يحزنك أيام تولّى ... تذكّرها، ولا طير أرنّا «٤»
وظهر من هذا أن اللحن والترنم والتغني هو ترديد الكلام المقفى الموزون على هيئة منضبطة، وقوانين خاصة، دون علاقة له بأصوات المعازف.
стр. 288
والظاهر ألاحرج في استعمال كلمة ألحان دلالة على نمط معين لقراءة القران الكريم، لجريانها في لسان العرب، ولورودها في المصطلح الشرعي كما سيأتي بعض ذلك، ومن ثم فإن استخدام ألفاظ:
الإيقاع والنغم للدلالة على ذلك ليس فيه ما يسوء، وإن كان الاستعمال العرفي العصري يجعل عدم الاستعمال أولى لارتباطه في لسان العصر بالمعازف مباشرة، وتتلخص معالم تعليم النبي ﷺ لهذا النوع من التغني بالقراءة في التالي:
أولا: الأصل الشرعي للقراءة بالألحان:
يعود إلى عدة أركان، وقد علمهم النبي ﷺ كل هذه الأركان، وهي:
١- الترتيل المقتضي للتأني.
٢- تزيين الأصوات وتحسينها بالقران الكريم- على ما تقدم- فيه إيماء لطلب أجمل أنواع التحسين والتزيين، وقد أمرهم ﷺ بتحسين أصواتهم عند تلاوة القران الكريم، وتحسين الصوت من حيث هو أمر مختلف عن القراءة بالألحان، ولذا فقد «كان بين السلف اختلاف في جواز القران بالألحان، أما تحسين الصوت وتقديم حسن الصوت على غيره لا نزاع في ذلك» «١» .
والمراد بتحسين الصوت على القواعد المتلقاة ما لم يخرج عن حد القراءة بالتمطيط فإن خرج حتى زاد حرفا أو أخفاه حرم «٢» .
فالتحسين والتزيين أمران عامان والقراءة بالألحان أمر خاص يدخل ضمنهما مادام الالتزام بقواعد التلاوة وأحكام التجويد قائما.
стр. 289
٣- علمهم النبي ﷺ أجمل أنواع التحسين عمليا بأن قرأ بالترجيع وأقرهم على تحبير الصوت، وكان صوته ﷺ في قراءة القران غاية في الملاحة وهو المقتدى به، وقد تقدم ذلك كله.
فتحسين الصوت مطلوب من حيث العموم فإن كان التحسين على خصوص قواعد النغم فيظهر ألا مانع بحسب المقدمات السابقة، إلا أن يخاف من المشابهة بين لحن القراءة ولحن الغناء مما يؤدي إلى تهوين شأن القراءة، وترك التعظيم الواجب لها فيمنع ... وقد تقدم أن من أركان الترتيل السكينة والوقار ...
فيلتزم ذلك كذلك.
والذي يتحصل من الأدلة هو ما قاله ابن حجر: «أن حسن الصوت مطلوب فإن لم يكن حسنا فليحسنه ما استطاع كما قال ابن أبي مليكة أحد رواة الحديث، ومن جملة تحسينه أن يراعى فيه قوانين النغم فإن الحسن الصوت يزداد حسنا بذلك ما لم يخرج عن شرط الأداء المعتبر عند أهل القراات؛ ولعل هذا مستند من كره القراءة بالأنغام لأن الغالب على من راعى الأنغام ألايراعى الأداء فإن وجد من يراعيهما معا فلا شك في أنه أرجح من غيره لأنه يأتي بالمطلوب من تحسين الصوت واجتناب الممنوع من حرمة الأداء» «١» ، حتى تقرر عند المالكية أن «القراءة بالتلحين سنة، وسماعه يزيد إيمانا بالقران وغبطة ويكسب القران خشية» «٢» ، وقال القاضي عياض: «من إعجاز القران أن قارئه لا يمله وسامعه لا يمجه، بل الإكباب على تلاوته يزيده حلاوة، وترديده يوجب له محبة ... وسواء من الكتب لا يوجد ذلك فيها حتى أحدث أصحابها ألحانا وطرقا يستجلبون بتلك
стр. 290
اللحون تنشيطهم على قراءتها» «١» ، وقالوا: «القلب يخشع للصوت الحسن كما يخضع للوجه الحسن، وما تتأثر به القلوب في التقوى فهو أعظم في الأجر، وقال في العارضة: للصوت الحسن أثر عظيم في النفوس فإن كان المنطق رخيما رقيق الحواشي أوسع الأذن سماعا والنفس ميلا وقبولا وإن كان منغما، ... وذلك هو التحبير في الكلام والتنغيم في الغناء» «٢» .
«وأشار الجعبري إلى ذلك بقوله:
اقرأ بالألحان الأعارب طبعها ... وأجيزت الأنغام بالميزان»
«٣» وعلى هذا نستطيع أن نقول: إن النبي ﷺ قد علمهم تحسين أصواتهم بتلاوة القران الكريم عموما قولا وفعلا تطبيقيا وإقرارا، والقراءة بالألحان إن كانت لا تخرج قراءة القران الكريم عن كونها قراءة للقران الكريم فهي داخلة ضمنا.
وبالجمع بين كل هذه النصوص يتقرر «أنه لا تلازم بين التلحين المذموم وتحسين الصوت المطلوب، وأن التلحين المذموم والأنغام المنهي عنها هو إخراج الحروف عما يجوز له في الأداء كما يصرح به كلام جمهور الأئمة ومنهم الإمام أحمد فإنه سئل عنه في القران فمنعه فقيل له: لم؟ فقال: ما اسمك؟ قال: محمد.
قال: أيعجبك أن يقال لك يا محامد» «٤» .
ثانيا: علمهم النبي ﷺ أن التغني المطلوب ليس مقصودا بالأصالة بل هو مطلوب بالتبع لعظمة القران وتدبره:
стр. 291
فإن كان التغني مقصودا بالأصالة، والترنم مرغوبا لذاته فقد كرهه النبي ﷺ لأصحابه فيما رواه عابس الغفاري ﵁ أنهم كانوا معه فوق أجار له فمر بقوم يتحملون فقال: ما هؤلاء؟ قيل: قوم يفرون من الطاعون؟ قال: يا طاعون خذني! يا طاعون خذني! يا طاعون خذني! فقال له ابن أخ له وكانت له صحبة:
تتمنى الموت وقد سمعت رسول الله ﷺ يقول: «لا يتمنى أحدكم الموت ... »
قال: يا ابن أخي أني أبادر خلالا سمعتهن من رسول الله ﷺ تكون في اخر الزمان يتخوفهن على أمته إمارة السفهاء، وكثرة الشرط، واستخفاف بالدم، وقطيعه الرحم، ونشوا يتخذون القران مزامير يقدمون الرجل ليس بأفقههم في الدين ولا بأعلمهم وفيهم من هو أفقه منه وأعلم يقدمونه يغنيهم غناء، وفي رواية الطبراني في الأوسط «يقدمون الرجل ليس بأفقههم ولا أعلمهم ولا بأفضلهم بعينهم غنى» «١» وفي لفظ: «والرجل يقرأ القران مزامير يغني به القوم، والقوم يقدمون الرجل ليس بخيرهم ولا بأفقههم يغنيهم بالقران» «٢» .
فالنشء المذكور اتخذوا أئمة في الصلوات لصوتهم فقط وليسوا أهلا لها لوجود من هو أهل لها ممن هو أقرأ «٣» وإن لم يكن لهم حسن الصوت ورغبوا عن ذلك إلى
стр. 292
حسن الصوت راغبين عن السنة فذمّوا فلذا بادر الموت، «وليس من ذلك من يحسن صوته ليرق قلبه، أو قلوب سامعيه في شيء حتى لو اجتمع مستحقان للإمامة وأحدهما حسن الصوت يقدم على الذي ليس معه حسن الصوت، فلا تعارض كيف وقد وصفه الله تعالى بأنه لا ينطق عن الهوى وعن عمر بن الخطاب أنه كان إذا رأى أبا موسى قال: ذكرنا يا أبا موسى فيقرأ عنده وكان حسن الصوت» «١» .
ثالثا: علم النبي ﷺ أصحابه قراءة القران بلحون العرب وعاداتها في التنغيم، ونهاهم عن قراءته باللحون التي يستخدمها أهل الفسق والكبائر:
فعن حذيفة بن اليمان ﵁ قال: قال لي رسول الله ﷺ : «اقرؤا القران بلحون العرب وأصواتها وإياكم ولحون أهل الكتابين وأهل الفسق فإنه سيجيء بعدي قوم يرجعون بالقران ترجيع الغناء والرهبانية والنوح لا يجاوز حناجرهم مفتونة قلوبهم وقلوب من يعجبهم شأنهم» «٢» ، والذي ذكره ابن الأثير في النهاية في رواية هذا الحديث أنه «وإياكم ولحون أهل العشق» «٣» .
فقوله: «اقرؤوا القران بلحون العرب» أي تطريبها «وأصواتها» أي ترنماتها الحسنة التي لا يختل معها شيء من الحروف عن مخرجه؛ لأن القران لما اشتمل عليه من حسن النظم، والتأليف والأسلوب البليغ اللطيف يورث نشاطا للقارئ
стр. 293
لكنه «إذا قرئ بالألحان التي تخرجه عن وضعه تضاعف فيه النشاط وزاد به الانبساط، وحنت إليه القلوب القاسية، وكشف عن البصائر غشاوة الغاشية» «١» وقوله «وإياكم ولحون أهل الكتابين» «أي احذروا لحون اليهود والنصارى وأهل الفسق من المسلمين يخرجون القران عن موضعه بالتمطيط بحيث يزاد حرف أو ينقص حرف فإنه حرام إجماعا كما ذكره النووي في التبيان «ترجيع الغناء» أي أهل الغناء ورهبانية النصارى وأهل النوح لا يجاوز حناجرهم مفتونة قلوبهم بنحو محبة الشبان والنساء وقلوب من يعجبهم شأنهم فإن من أعجبه شأنهم فمال مصيره منهم» «٢» .
فقراءة القران تكون باللحن الذي يتنوع ويستعمل من قبل فئتين متقابلتين:
الفئة الأولى:
فئة تقرؤه وفق ما اعتادته العرب في تلحينها منضبطا بقواعد لغتها وهو ما عليه عامة المسلمين الذين يقرأون القران منضبطا أداؤه بأحكام التجويد ويبقى الاختلاف بينهم عائدا إلى مدى الملاحة في الصوت وهو أمر عائد إلى الجبلة البشرية، والطبيعة الخلقية «٣» ، ويحكى عن الشيخ تقي الدين محمد بن أحمد الصائغ ت ٧٢٥ هـ أنه قرأ يوما في صلاة الصبح (وتفقد الطير) وكررها فنزل طائر على رأسه يسمع قراءته فنظروا إليه فإذا هو هدهد، وقد أسلم جماعة من اليهود والنصارى بمجرد سماع قراءة سبط الخياط عبد الله بن علي البغدادي ت ٥٤١ هـ.
الفئة الثانية:
فئة هم أهل الكتابين والنوح والغناء والرهبانية حيث يسير إما على ذوق فاعله دون قواعد ضابطة، وإما على قواعد ونواميس الإيقاع والغناء
стр. 294
غير المنضبطة بأحكام التجويد فهذا هو الممنوع، «ويشبه أن يكون أراد هذا الذي يفعله قرّاء الزّمان من اللّحون الّتي يقرأون بها النّظائر في المحافل فإن اليهود والنّصارى يقرأون كتبهم نحوا من ذلك» «١» .
كيف ظهر أتباع ألحان الغناء في القراءة:
أوّل من قرأ بالألحان عبيد الله بن أبي بكرة، وكانت قراءته حزنا ليست على شيء من ألحان الغناء والحداء، فورثه عنه حفيده عبيد الله بن عمر، ولذلك يقال قرأت العمريّ، وأخذ ذلك عنه سعيد العلّاف الإباضيّ «٢» ، وصار سعيد رأس هذه القراءة في زمنه وعرفت به، لأنه أتصل بالرشيد فأعجب بقراءته وكان يحظيه ويعطيه حتى عرف بين الناس بقارئ أمير المؤمنين، وكان القراء بعده:
كالهيثم، وأبان، وابن أعين، وغيرهم ممن يقرؤن في المجالس أو المساجد، يدخلون في القراءة من ألحان الغناء والحداء والرهبانية، فمنهم من كان يدس الشيء من ذلك دسا خفيا، ومنهم من يجهر به حتى يسلخه، فمن هذا قراءة الهيثم أَمَّا السَّفِينَةُ فَكانَتْ لِمَساكِينَ (الكهف: ٧٩) فإنه كان يختلس المد اختلاسا فيقرؤها (لمسكين) وإنما سلخه من صوت الغناء كهيئة اللحن في قول الشاعر:
أما القطاة فإني سوف أنعتها ... نعتا يوافق عندي بعض (مفيها)
أي ما فيها، حتى كان الترمذي محمد بن سعيد في المائة الثالثة، وكان الخلفاء والأمراء يؤمئذ قد أولعوا بالغناء، فقرأ محمد هذا على الأغاني المولدة المحدثة سلخها في القراءة بأعيانها «٣» .
стр. 295
وعلى هذا فالنواميس التي يجوز بها استعمال قوانين الإيقاع عند التلاوة هي «١» :
١- الالتزام بضوابط التجويد وأركان الترتيل دون شطط.
٢- وإبقاء الجو القراني على حاله من التحزين والخشوع والإخبات.
٣- ألايتولد من حروف ليست من القران كزيادة ألف أو تطويل الحركة القصيرة إلى طويلة، وهو ما يعبر عنه العلماء بالتمطيط.
٤- ألايترتب على ذلك التقصير في أداء حركة طويلة، أو البتر في حرف لين، أو حرف مشدد مثل التقصير في تشديد (ذرية) ونحو ذلك.
٥- عدم الغلو في التلحين حتى يظهر أنه الغاية من القراءة لا أنه يعين على تدبر القراءة، فيكون صاحبه مفتونا قلبه وقلب من يسمعه لدرجة أنه لا يسمع القران إلا له، لا لأنه القران.
٦- عدم الغلو في طلب اللحن حتى يبحث عن أصوله من غناء اللاهين، ويصبح فنا مستقلا عن المراد منه «٢» ، يبذل له التكلف، ويخرج به عن طبيعة المرء ...
كما قال ابن الجزري:
стр. 296
مكملا من غير ما تكلف ... باللطف في النطق بلا تعسف
فالقراءة بالألحان مع مخالفة هذه الشروط هو الذي كرهه العلماء ومنعوه، وهو الذي قالوا فيه «ما أحدثه المتكلفون بمعرفة الأوزان والموسيقى فيأخذون في كلام الله مأخذهم في التشبيب والعزل فإنه من أسوأ البدع فيجب على السامع النكير وعلى التالي التعزير» «١» ، وجاء زياد النميري مع القراء إلى أنس بن مالك ﵁ فقيل له:
اقرأ فرفع صوته وطرّب، وكان رفيع الصوت فكشف أنس عن وجهه، وكان على وجهه خرقة سوداء فقال: يا هذا ما هكذا كانوا يفعلون وكان إذا رأى شيئا ينكره كشف الخرقة عن وجهه، وفي ترجمة الحافظ السلفي: أزال من جواره منكرات كثيرة رأيته منع القراء بالألحان وقال: هذه القراءة بدعة اقرؤا ترتيلا «٢» .
الاستعانة على تحسين الصوت بالوسائل المشروعة كالمحاكاة:
ويستفاد من النصوص السابقة، ومنها قول ابن أبي مليكة راوي حديث (التغني) حينما قيل له: أرأيت إذا لم يكن حسن الصوت ماذا يصنع؟ قال: يحسنه ما استطاع.
«أنه لقارئ القران أن يستعين بما تيسر له من الوسائل لتحسين صوته، ومنها أن يتعلم من قانون النغم وما يختاره أو يختار له من الألحان المناسبة لقراءة القران، وذلك بقدر ما يحتاج إليه للتغني بالقران، يتلقى ذلك عن شيخه الذي يقرئه إن كان ممن يتقن ذلك.
ومنها: التقليد والمحاكاة، بأن يحاكي شيخه، وهذا لا بد منه عند التعلم، أو يحاكي أحد المتقنين من القراء أصحاب الأصوات الحسنة، والأنغام المؤثرة،
стр. 297
كالمنشاوي، أو عبد الباسط عبد الصمد، أو أصحاب الترتيل المتقن حدرا وتحزينا من أئمة التراويح الذين يصدحون في المحاريب بأجمل الأصوات وأحسن الأداء» «١» ففي حديث الترجيع «قلد الصحابي- وهو عبد الله بن مغافل- النبي ﷺ في ترجيعه بذلك اللحن، والتابعي- وهو معاوية بن قرة- كاد أن يفعل.
أفلا يشرع لكل قارئ أن يحاكي النبي ﷺ في هذا اللحن؟
وهل يلزم أن ينقل إلينا نص بأن الصحابة كانوا يحاكونه ﷺ في لحنه؟
ألا يكفي ما نعلمه من شدة حرصهم على متابعته والاقتداء به.
إذا كان لكل تلميذ أن يحاكي شيخه في أدائه، وصوته، ولحنه، أفلا نحاكي معلمنا الأول وإمامنا ونبينا وسيدنا ﷺ في ذلك كله؟!» «٢» .
стр. 298
المبحث السادس: تعليمه ﷺ الملحقات بأحكام التجويد:
من الأبواب التي تطرقها كتب التجويد أبواب الاستعاذة والبسملة، وأحكام الختم، وأحكام الوقف، وأحكام الجهر والإسرار، وقد صنفها الباحث اجتهادا فجعلها ملحقات بأحكام التجويد وليست منه لأنها لا تتعلق بحق الحرف أو مستحقه، ويروم هذا المبحث كشف تفاصيل تعليم هذه الأبواب والمسائل من النبي ﷺ لأصحابه، ولذا انقسم هذا المبحث إلى أربعة مطالب:
المطلب الأول: تعليمه ﷺ أحكام الابتداء .
المطلب الثاني: تعليمه ﷺ أحكام الختم.
المطلب الثالث: تعليمه ﷺ أحكام الوقف.
المطلب الرابع: تعليمه ﷺ أحكام الجهر والإسرار بقراءة القران.
المطلب الأول: تعليمه ﷺ أحكام الابتداء:
والمراد بالابتداء هنا ابتداء القراءة لا الابتداء المعروف في أحكام التجويد الذي يقابل الوقف، وتتعلق بالابتداء الأحكام التالية من حيث تعليمه ﷺ :
أولا: تعليمه ﷺ الاستعاذة في أول القراءة:
أمر الله ﷻ نبيه ﷺ بالاستعاذة عند أول كل قراءة فقال : فَإِذا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ مِنَ الشَّيْطانِ الرَّجِيمِ (النحل: ٩٨) أي إذا أردت أن تقرأ فأوقع الماضي موقع المستقبل كما قال الشاعر:
وإني لاتيكم لذكرى الذي مضى ... من الود واستئناف ما كان في غد
стр. 299
أراد ما يكون في غد، ومثله: اقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ وَانْشَقَّ الْقَمَرُ (القمر: ١) وهو كثير «١» .
وقد روي عن أبي هريرة ﵁ أن الاستعاذة بعد القراءة وقال به داود وعقب ابن العربي على ذلك قائلا: «انتهى العيّ بقوم إلى أن قالوا: إذا فرغ القارئ من قراءة القران يستعيذ بالله من الشيطان الرجيم وقد روى أبو سعيد الخدري أن النبي ﷺ كان يتعوذ في صلاته قبل القراءة وهذا نص» «٢» .
والظاهر أنه إن صح عن البعض أن الاستعاذة تكون بعد القراءة: فإنهم لا يعنون بها حال الفراغ وإنما أثناء القراءة زيادة على التعوذ قبل القراءة، وذلك طردا للوسواس الحادث في الأثناء إن قوي شيطانه على الإنسان، كما يحدث في الصلاة فإن التعوذ مجمع على مشروعيته قبل قراءة الفاتحة في الصلاة، وقد يتكرر لعارض اشتداد الوسواس كما جاء ذلك عن عثمان بن أبي العاص أنه أتى النبي ﷺ فقال: يا رسول الله! إن الشيطان قد حال بيني وبين صلاتي وقراءتي يلبسها علي، فقال رسول الله ﷺ : «ذاك شيطان يقال له خنزب، فإذا أحسسته فتعوذ بالله منه واتفل على يسارك ثلاثا» قال: ففعلت ذلك فأذهبه الله عني «٣» ، فتكون فائدتها امتثال الأمر بالاستعاذة من وسوسة الشيطان عند القراءة كما قال : وَما أَرْسَلْنا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ وَلا نَبِيٍّ إِلَّا إِذا تَمَنَّى أَلْقَى الشَّيْطانُ فِي أُمْنِيَّتِهِ (الحج: ٥٢) ؛ إذ إن معنى الاستعاذة: الاستجارة والتحيز إلى الشيء على معنى الامتناع به من المكروه، والله عياذي أي ملجئي ... فالالتجاء
стр. 300
والاعتصام مطلوب ابتداء وأثناء حتى يتم العمل، ولذا مال بعض المفسرين إلى اعتبار التعوذ فرض، لظاهر الأمر في الاية فإذا نسيه القارئ، وذكره في بعض الحزب قطع وتعوذ ثم ابتدأ من أوله، وقيل: يستعيذ ثم يرجع إلى موضعه الذي وقف فيه «١» .
الصيغة التي علمهم ﷺ إياها:
هي تلك الواردة في سورة النحل، لكن أولها أعوذ، ولم يثبت أنه استخدم لفظة أستعيذ، وقد قالها النبي ﷺ بصيغتها في غير ما موقف كما في الحديث السابق، وعن أبي موسى ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «إذا اجتمع أهل النار في النار، ومعهم من شاء الله من أهل القبلة قال الكفار للمسلمين: ألم تكونوا مسلمين؟ قالوا: بلى! قالوا: فما أغنى عنكم إسلامكم وقد صرتم معنا في النار؟ قالوا: كانت لنا ذنوب فأخذنا بها، فسمع الله ما قالوا: فأمر من كان في النار من أهل القبلة فأخرجوا فلما رأى ذلك من بقي من الكفار في النار قالوا:
يا ليتنا كنا مسلمين فنخرج كما خرجوا» ، ثم قرأ رسول الله ﷺ : «أعوذ بالله من الشيطان الرجيم الر تِلْكَ آياتُ الْكِتابِ وَقُرْآنٍ مُبِينٍ (١) رُبَما يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ كانُوا مُسْلِمِينَ (الحجر: ١- ٢) «٢» ، وفي هذا إشارة إلى أن النبي ﷺ كان يبدأ الاية التي يتلوها في حديثه بالاستعاذة.
стр. 301
وقد وردت الزيادة على هذه الصيغة «١» :
إن كانت الزيادة تنزيها لله ، أو ذما للشيطان فقد علمهم النبي ﷺ ذلك فعن أبي سعيد الخدري ﵁ قال: كان رسول الله ﷺ إذا قام من الليل إلى الصلاة كبر ثلاثا ثم قال: «سبحانك اللهم وبحمدك تبارك اسمك وتعالى جدك ولا إله غيرك ثم يقول لا إله إلا الله» ثلاث مرات ثم يقول «الله أكبر» ثلاثا ثم يقول «أعوذ بالله السميع العليم من الشيطان الرجيم من همزه ونفخه ونفثه ثم يقرأ» «٢» ، ومثله عن نافع بن جبير بن مطعم عن أبيه «٣» ، ومثله في صيغة الاستعاذة عن أبي أمامة الباهلي «٤» إلا أنه قال في رواية أخرى: ثم يقول «اللهم إني أعوذ بك من الشيطان الرجيم من همزة ونفخه وشركه» «٥» ، وعن عائشة ﵂ في ذكر الإفك قالت: جلس رسول الله ﷺ وكشف عن وجهه وقال: «أعوذ بالسميع» أو قال «أعوذ بالله السميع العليم من الشيطان الرجيم» إِنَّ الَّذِينَ جاؤُ بِالْإِفْكِ الاية «٦» ولكن قال أبو داود: أخاف أن يكون أمر الاستعاذة من كلام حميد «٧» ،
стр. 302
هذا مع أن العلماء أجمعوا على أن التعوذ ليس من القران ولا اية منه «١» ، وأما ما روي عن ابن مسعود أنه قال: قلت: أعوذ بالله السميع العليم من الشيطان الرجيم فقال لي النبي ﷺ : «يا ابن أم عبد أعوذ بالله من الشيطان الرجيم هكذا أقرأني جبريل عن اللوح المحفوظ عن القلم» «٢» فهو حديث لا يعرف ويرده ما سبق من أحاديث.
ولذا ذهب المقرئون إلى عدم التزام هذه اللفظة بعد إذ رأوا أن التزامها ليس واجبا، فجاء عن ابن القاسم أن الاستعاذة: أعوذ بالله العظيم من الشيطان الرجيم إن الله هو السميع العليم بسم الله الرحمن الرحيم «٣» فهذا مما للاجتهاد البشري مدخل في التصرف في لفظه، وإن كان الوارد في الاية هو الأفضل، ولذا قال ابن عطية: «وأما المقرئون فأكثروا في هذا من تبديل الصفة في اسم الله تعالى وفي الجهة الاخرى كقول بعضهم: أعوذ بالله المجيد من الشيطان المريد ونحو هذا مما لا أقول فيه: نعمت البدعة ولا أقول: إنه لا يجوز» «٤» .
ثانيا: تعليمه ﷺ البسملة «٥» :
علمهم النبي ﷺ أن البسملة فصل بين السور من الناحية العامة، وأنها تقرأ حال الابتداء بالسورة، عند ابتداء القراءة أو أثنائها وهذا مجمع عليه بين القراء «٦» ،
стр. 303
بغض النظر عن كونها اية من الفاتحة، أو من كل سورة، أو ليست باية، ومن المؤشرات على هذا التعليم: ما جاء عن ابن عباس ﵄ قال: كان رسول الله ﷺ لا يعرف فصل السورة حتى تنزل عليه بسم الله الرحمن الرحيم «١» ، وهذا يعني أنهم كانوا يعلمون أن هذه الاية أو الايات التي نزلت ابتداء سورة جديدة بأن يقرأ النبي ﷺ بسم الله الرحمن الرحيم عند قراءتها، وإلا فهي من سورة سابقة يخبرهم بها ﷺ كما تلقاه من جبريل ﵇ فعند ابتداء السورة لا بد من ذكر البسملة في القراءة بغض النظر عن الخلاف المذكور؛ ولما وصفت أم سلمة قراءة رسول الله ﷺ ذكرت أنه يبدأ بالبسملة فقالت: بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين الرحمن الرحيم مالك يوم الدين يقطع قراءته (اية اية) «٢» ، ولما قرأ عليهم سورة الكوثر قرأها عليهم: بسم الله الرحمن الرحيم:
إِنَّا أَعْطَيْناكَ الْكَوْثَرَ (١) فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ (٢) إِنَّ شانِئَكَ هُوَ الْأَبْتَرُ (٣) (سورة الكوثر) ... الحديث «٣» ، وعن ابن عباس ﵁ أنه كان يقول: تفتتح القراءة ب بسم الله الرحمن الرحيم «٤» ، وهل هذا اجتهاد منه أم له حكم الرفع؟ احتمال ...
وقوله (القراءة) قد يريد السورة كما سبق في حديثه المرفوع، وقد يريد القراءة ولو كانت من غير أول السورة ... ويكون عند هذا شاهدا لمن قال: يبسمل في أثناء السور «٥» .
стр. 304
وعلمهم ﷺ كيفية ترتيلها:
فسئل أنس بن مالك ﵁ كيف كانت قراءة رسول الله ﷺ قال: كانت مدا ثم قرأ بسم الله الرحمن الرحيم يمد بسم الله ويمد الرحمن ويمد الرحيم «١» .
وعلمهم ﷺ كيفية الوقف فيها:
وأنه يكون عند اخرها كما روت ذلك أم سلمة رضي الله تعالى عنها ففي لفظ عنها: أن رسول الله ﷺ قرأ في الصلاة بسم الله الرحمن الرحيم فعدها اية، الحمد لله رب العالمين ايتين، الرحمن الرحيم ثلاث ايات، مالك يوم الدين أربع ايات، وقال هكذا إياك نعبد وإياك نستعين وجمع خمس أصابعه «٢» .
وكان ﷺ يعلمهم أنها من لوازم القراءة في سورة الفاتحة:
وهذا متفق عليه بين القراء، فعن أبي هريرة عن النبي ﷺ قال: «إذا قرأتم الحمد لله رب العالمين فاقرؤا بسم الله الرحمن الرحيم إنها أم القران وأم الكتاب والسبع المثاني وبسم الله الرحمن الرحيم أحد اياتها» «٣» .
وعن ابن عباس ﵄ قال: اية من كتاب الله أغفلها الناس بسم الله الرحمن الرحيم «٤» .
стр. 305
وعلمهم ﷺ الجهر بها أحيانا في الصلاة «١» :
فعن نعيم المجمر قال: كنت وراء أبي هريرة ﵁ فقرأ بسم الله الرحمن الرحيم ثم قرأ بأم القران حتى بلغ وَلَا الضَّالِّينَ (الفاتحة: ٧) قال: امين وقال: الناس امين ... ويقول إذا سلم والذي نفسي بيده إني لأشبهكم صلاة برسول الله ﷺ «٢» .
وعلمهم ﷺ المخافتة بها أحيانا أخرى في الصلاة وغيرها:
وقد تكون المخافتة لعارض يقتضي ذلك كما جاء عن سعيد بن جبير قال:
كان المشركون يحضرون بالمسجد فإذا قرأ رسول الله ﷺ : بسم الله الرحمن الرحيم قالوا: هذا محمد يذكر رحمان اليمامة يعنون مسيلمة فأمر أن يخافت ببسم الله الرحمن الرحيم ونزل: وَلا تَجْهَرْ بِصَلاتِكَ وَلا تُخافِتْ (الإسراء: ١١٠) «فبقي ذلك إلى يومنا هذا على ذلك الرسم وإن زالت العلة كما بقي الرمل في الطواف وإن زالت العلة وبقيت المخافتة في صلاة النهار وإن زالت العلة» «٣» ، والقول بهذا الحديث حال صحته.
هل هي اية ؟:
ليس هذا من نطاق البحث، ولكن الباحث يود الإشارة إلى أن الرجوع إلى مناهج كل علم يزيل كثيرا من الخلاف فالصحيح هنا ما قرره حذاق العلماء من
стр. 306
أنها اية من القران في بعض القراات دون بعض «١» شأنها في ذا كشأن لفظة كلمة (من) في الاية ١٠٠ من سورة براءة، بعدد الكوفيين، فهي من القران في قراءة ابن كثير دون غيرها، أو كلمة (هو) في الاية ٢٤ من سورة الحديد فهي من القران في قراءة الجمهور دون قراءة نافع وابن عامر، ولذا اختلف علماء العدد في عدها في الفاتحة «٢» ، ولذا فالاستدلال بالاختلاف فيها على نفي قرانيتها غير سديد، كما فعل كثير من المالكية «٣» ... وبذلك تجتمع الأقوال ويزول الخلاف- إن شاء الله تعالى-، وأشار إلى هذا الجمع صاحب مراقي السعود في أصول الفقه بقوله:
وليس للقران تعزى البسملة ... وكونها منه الخلاف نقله
وبعضهم إلى القران نظر ... وذاك للوفاق رأي معتبر
وقد اتفقوا على ابتداء السورة بالبسملة ولذا فإن الإمام مالك قال: ولا بأس أن يقرأ بها النافلة ومن يعرض القران عرضا «٤» ، بل اختلفت الرواية عنه في إثباتها في أول كل سورة فروى عنه ابتداء القراءة بها في الصلاة الفرض والنفل ولا تترك بحال «٥» .
стр. 307
المطلب الثاني: تعليمه ﷺ أحكام الختم:
أحكام الختم كثيرة، ونذكر هنا ما ورد فيه التعليم تصريحا:
أولا: علمهم ﷺ الأمد الزماني لختم القران:
فقد علم النبي ﷺ أصحابه مدة الختم فعن عبد الله بن عمرو ﵄ قال لي النبي ﷺ : في كم تقرأ القران؟ وفي لفظ: قلت يا رسول الله في كم أقرأ القران؟
قال: «اختمه في شهر» وفي لفظ للدارمي: قلت يا رسول الله إني أطيق أفضل من ذلك. قال: «اختمه في خمسة وعشرين» قلت: إني أطيق أفضل من ذلك، وفي لفظ: قلت إني أجد قوة قال: «اختمه في عشرين» قلت: إني أطيق أفضل من ذلك قال: «اختمه في خمسة عشر» . قلت إني أطيق أفضل من ذلك قال: «اختمه في عشر» قلت إني أطيق أفضل من ذلك، وفي لفظ: - حتى قال-: «فاقرأه في سبع ولا تزد على ذلك» «١» ، وفي رواية: قال: «اختمه في خمس» قلت إني أطيق أفضل من ذلك قال: «فما رخص لي» ولفظ الدارمي: قال: «لا» «٢» وعنه أيضا قال أمره النبي ﷺ أن يقرأ في أربعين ثم في شهر ثم في عشرين ثم في خمسة عشر وفي عشر ثم في سبع قال انتهى إلى سبع «٣» وفي لفظ لأبي داود: لم ينزل من سبع «٤» .
وقوله: «ولا تزد على ذلك» «أي لا يغير الحال المذكورة إلى حالة أخرى، أي لا يقرؤه في أقل من سبع» «٥» .
стр. 308
والجمع بين روايتي الثلاث والسبع أن يحمل على «تعدد القصة فلا مانع أن يتعدد قول النبي ﷺ لعبد الله بن عمرو ذلك تأكيدا، وكأن النهي عن الزيادة ليس على التحريم كما أن الأمر في جميع ذلك ليس للوجوب، وأغرب بعض الظاهرية فقال: يحرم أن يقرأ القران في أقل من ثلاث» «١» ولكن ما استغربه ابن حجر هو الغريب؛ إذ لم يرخص النبي ﷺ في أقل من ذلك، إلا أن يوضحه بعمل بعض الصحابة على خلافه دلالة على الجواز، ويكون سبيله في هذا التحقيق سبيل التحقيق في جواز صوم الوصال مع النهي عنه.
وليس هذا خاصا بعبد الله فقد انتشر تعليم النبي ﷺ لذلك بين أصحابه فعن سعد بن المنذر الأنصاري ﵁ أنه قال: يا رسول الله أقرأ القران في ثلاث قال:
«نعم» . قال: وكان يقرؤه حتى توفي «٢» ، وسعد بن المنذر أنصاري عقبي بدري «٣» .
وهل المراد بالقران الوارد في هذه الأحديث الذي سبقه: جميع القران أم بعضه: إذ القصة وقعت قبل وفاة النبي ﷺ وقبل أن يكتمل القران؟.
الجواب: بل المراد من لفظة القران هنا جميعه لعدة أوجه:
١- أن بعض القران لا يحتاج إلى ختم لأنه يصدق على الاية والسورة القصيرة التي تختم في أقل من دقيقة ولا يصدق على ذلك اسم ختم.
стр. 309
٢- أن العبرة بما دل عليه الإطلاق في قوله صلّى في كم تقرأ القران، ويضاف إلى هذا الوجه إشعار السياق بذلك للوجه السابق.
٣- أن هذا هو الذي فهمه الصحابي ﵁: «فكان يقول: ليتني لو قبلت الرخصة» ولا شك أنه بعد نزول شيء جديد من الوحي على النبي ﷺ كان يضيفه الصحابي إلى محفوظه، «فالمراد بالقران جميع ما كان نزل إذ ذاك وهو معظمه ووقعت الإشارة إلى أن ما نزل بعد ذلك يوزع بقسطه» «١» .
ثانيا: علمهم ﷺ الحد الأعلى لختم القران:
فلا ينبغي لمسلم أن يتجاوزه في ختم الكتاب الكريم فعن عبد الله بن عمرو أن النبي ﷺ قال له: «اقرأ القران في أربعين» «٢» ، قال بعض أهل العلم: ولا نحب للرجل أن يأتي عليه أكثر من أربعين ولم يقرأ القران لهذا الحديث «٣» .
ثالثا: علمهم ﷺ الحد الأدني لمدة الختم:
فعن عبد الله بن عمرو ﵄ قال: أمرني رسول الله ﷺ ألاأقرأ القران في أقل من ثلاث «٤» وبين ﷺ علة ذلك فقال: «لم يفقه من قرأ القران في أقل من ثلاث» «٥» ، وشاهده عند سعيد بن منصور بإسناد صحيح من وجه اخر عن ابن مسعود ﵁: «أقرؤا القران في سبع ولا تقرؤه في أقل من ثلاث» ، وعن
стр. 310
عائشة أن النبي ﷺ كان لا يختم القران في أقل من ثلاث «١» وقد أوصى النبي ﷺ عددا من الصحابة بذلك، ومنهم سعد بن المنذر الأنصاري كما تقدم قيل قليل.
وفي أن الأصل لزوم ذلك يقول الترمذي «وقال بعض أهل العلم: لا يقرأ القران في أقل من ثلاث للحديث الذي روي عن النبي ﷺ » «٢» وهذا اختيار أحمد وأبي عبيد وإسحاق بن راهواه وغيرهم «٣» وهذا «أولى ما يرجع إليه في التقديرات ... وذلك لأن الزيادة عليه تمنعه الترتيل» «٤» .
من الصحابة ﵃ لتلاميذهم: كان الصحابة ﵃ يوصون أصحابهم بذلك فعن عبد الله بن مسعود ﵁: «اقرؤا القران في سبع ولا تقرؤه في أقل من ثلاث وليحافظ الرجل في يومه وليلته على جزئه» «٥» ، وقال عبد الله ﵁: «من قرأ القران في أقل من ثلاث فهو راجز» «٦» ، وكان ابن مسعود «يقرأ القران في كل ثلاث وقلما يستعين بالنهار» «٧» ، وعنه ﵁ أنه كان يقرأ القران من الجمعة إلى الجمعة وفي رمضان يختمه في كل ثلاث «٨» وقد أخذ أصحابه بذلك فعن علقمة أنه كان يقرأ القران في خمس، وكان الأسود بن يزيد يقرؤه في ست «٩» ، وعن أبي بن
стр. 311
كعب أنه كان يختم القران في ثمان وأن تميما الداري كان يختم القران في سبع «١» ، وعن أبي العالية قال: كان معاذ يكره أن يقرأ القران في أقل من ثلاث «٢» ، وعن زيد بن ثابت قال: لأن أقرأ القران في شهر أحب إلي من أن أقرأه في خمس عشرة وأن أقرأه في خمس عشرة أحب إلي من أن أقرأه في عشر ولأن أقرأه في عشر أحب إلي من أن أقرأه في سبع وأدعو «٣» ، وسئل زيد بن ثابت: كيف ترى في قراءة القران في سبع فقال زيد: حسن ولأن أقرأه في نصف أو عشر أحب إلى وسلني لم ذاك قال فإني أسألك قال زيد لكي أتدبره وأقف عليه «٤» .
تنبيه حول قراءة الفاتحة وأول سورة البقرة بعد تمام الختمة:
جعل البعض من تعليم النبي ﷺ لأصحابه ختم القران الكريم: ما جاء عن ابن عباس ﵄ أن رجلا قال: يا رسول الله! أي الأعمال أفضل؟ قال: «الحال المرتحل» قال: يا رسول الله! وما الحال المرتحل؟ قال: «صاحب القران يضرب من أوله حتى يبلغ اخره ومن اخره حتى يبلغ أوله كلما حل ارتحل» «٥» ، وله شاهد من حديث أبي هريرة ﵁ قال: قام رجل إلى النبي ﷺ فقال: يا رسول الله! أي العمل أفضل أو أي العمل أحب إلى الله؟ قال: «الحال المرتحل الذي يفتح القران ويختمه صاحب القران يضرب من أوله إلى اخره ومن اخره إلى أوله كلما
стр. 312
حل ارتحل» «١» «وحديث ابن عباس روي أيضا بلفظ قام رجل إلى النبي ﷺ فقال: يا رسول الله! أي العمل أفضل؟ أو قال أي العمل أحب إلى الله؟ قال:
«الحال المرتحل» قال: يا رسول الله! وما الحال المرتحل؟ قال: «فتح القران وختمه من أوله إلى اخره، ومن اخره إلى أوله كلما حل ارتحل» «٢» .
وعلى فرض ثبوت هذا الحديث «٣» فإن العلماء اختلفوا في معنى الحال المرتحل فذهب بعضهم إلى أنه الذي يختم القران بتلاوته، ثم يفتتح التّلاوة من أوّله شبهه بالمسافر يبلغ المنزل فيحلّ فيه، ثم يفتتح سيره: أي يبتدؤه، وكذلك قرّاء أهل مكة إذا ختموا القران بالتّلاوة ابتدأوا وقرأوا الفاتحة وخمس ايات من أوّل سورة البقرة الى وأولئك هم المفلحون، ثم يقطعون القراءة، ويسمّون فاعل ذلك: الحالّ المرتحل، أي ختم القران وابتدأ بأوّله ولم يفصل بينهما بزمان، وقيل: أراد بالحالّ المرتحل الغازي الذي لا يقفل عن غزو إلّا عقبه باخر «٤» وهو الذي أبى ابن القيم- رحمه الله تعالى- في الإعلام سواه وقال عن التأويل الأول: «وهذا لم يفعله أحد من الصحابة ولا التابعين، ولا استحبه أحد من الأئمة، والمراد بالحديث الذي كلما حل من غزاة ارتحل في أخرى أو كلما حل من عمل ارتحل إلى غيره تكميلا له كما كمل الأول، وأما هذا الذي يفعله بعض القراء فليس مراد الحديث قطعا» «٥» ، ولكن يردّ هذا القطع تفسير الحديث في اخره- حال قبوله- سواء كان مرفوعا أم مدرجا، وأشار الإمام الشاطبي إلى عمل أهل مكة في ذلك فقال:
стр. 313
وفيه عن المكين تكبيرهم مع الخواتم قرب الختم يروى مسلسلا «١»
ولكن أعمل أهل مكة عن عادة محدثة أم هي عن سنة قديمة توارثها القوم مذ كانت قراءة القران؟ وهل تفسير الحديث يتحقق في هذه الصورة التي يعملون بها؟
فقد قال بعض العلماء: «المقصود من الحديث السير دائما لا يفتر كما يشعر به قوله (من أوله إلى اخره ومن اخره إلى أوله) فقارئ خمس ايات ونحوها عند الختم لم يحصل تلك الفضيلة، وليس المراد الارتحال لفور الحلول فالمسافر السائر لا بد أن ينزل فيقيم ليلة أو بعض ليلة أو بعض يوم أو يعرس» «٢» .
والظاهر: أن ذلك قائم على سنة متوارثة، فقد ورد ذلك نصا عن القارئ المكي ابن كثير- رحمه الله تعالى- من رواية البزي وقنبل وغيرهما أنه كان إذا انتهى في اخر الختمة إلى قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ (الناس: ١) قرأ سورة الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعالَمِينَ (الفاتحة: ٢) وخمس ايات من أول سورة البقرة على عدد الكوفيين وهو إلى وَأُولئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (البقرة: ٥) لأن هذا يسمى الحال المرتحل ثم يدعو بدعاء الختمة، وقال الحافظ أبو عمرو الداني- رحمه الله تعالى-:
لابن كثير في فعله هذا دلائل من اثار مروية ورد التوقيف فيها عن النبي ﷺ وأخبار مشهورة مستفيضة جاءت عن الصحابة والتابعين والخالفين «٣» ، وقد روى الحافظ أبو عمرو أيضا بإسناد صحيح عن الأعمش عن إبراهيم قال: كانوا يستحبون إذا ختموا القران أن يقرؤا من أوله ايات، وهذا صريح في صحة ما اختاره القراء وذهب إليه السلف «٤» .
стр. 314
رابعا: علمهم ﷺ تنزيه الله أو تصديقه، والشهادة لرسوله ﷺ بالبلاغ حال الانتهاء من قراءته:
فمن اداب ختمه إذا انتهت قراءته أن يصدّق ربه ﷻ ، ويشهد بالبلاغ لرسوله ﷺ ، ويشهد على ذلك أنه حق، ولا يقتصر في ذلك على لفظ بعينه بل بأي لفظ حصل المقصود شرع «١» ، وقد ناقش بعضهم هذه المسألة من زاوية فقهية «٢» ، والبحث يذكرها هنا من حيث تعليم النبي ﷺ لأصحابه هذا الأدب:
بعض الألفاظ المشروعة عند الانتهاء من القراءة:
قد وردت مشروعية أن يقول المقرئ للقارئ حسبنا، أو حسبك، أو أمسك لورود روايات مختلفة في هذا الشأن فعن عبد الله بن مسعود ﵁ قال: قال لي النبي ﷺ : «اقرأ علي» قلت: يا رسول الله! اقرأ عليك وعليك أنزل؟ قال:
«نعم!» فقرأت سورة النساء حتى أتيت إلى هذه الاية فَكَيْفَ إِذا جِئْنا مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ بِشَهِيدٍ وَجِئْنا بِكَ عَلى هؤُلاءِ شَهِيداً (النساء: ٤١) قال: «حسبك الان» فالتفت إليه فإذا عيناه تذرفان «٣» وفي رواية فدمعت عيناه وقال حسبنا «٤» وفي لفظ قال أمسك وعيناه تذرفان «٥» ، ولكن ليس شيء من هذا يدل على تخصيص هذا
стр. 315
اللفظ بالذكر حال الانتهاء من القراءة، ويدل على هذا تعدد اللفظ، ولعل المراد من التبويب بيان جواز الإسكات بأي لفظ كان، مع أن المتكلم يرتل كلام الله ، وعدم ذكر التصديق ونحوه من ألفاظ التعظيم والتنزيه هنا لا يدل على العدم المطلق.
أدلة مشروعية الصدقلة «١» أو ما يقوم مقامها من ألفاظ التنزيه:
ويستدل لذلك- حال وجود ضرورة للاستدلال هنا- بقول الله : قُلْ صَدَقَ اللَّهُ (ال عمران: ٩٥) ، «أي قل يا محمد صدق الله فيما أخبر به وفيما شرعه في القران» «٢» ، والاستماع إلى القران استماع لخبر الله وكلامه- أخبارا أو أحكاما- فكيف لا يصدق عند الانتهاء من الاستماع وقد علمنا النبي ﷺ ذلك بهذه الاية والمعنى «قل يا محمد صدق الله فيما أخبرنا به» «٣» ، وقد فعل النبي ﷺ وأنفذ أمر الله في نفسه فكان يقول صدق الله في مواقف متعددة منها:
١- عن أبي سعيد الخدري ﵁ قال: جاء رجل إلى النبي ﷺ فقال: إن أخي استطلق بطنه فقال رسول الله ﷺ : «اسقه عسلا» فسقاه، ثم جاءه فقال:
إني سقيته عسلا فلم يزده إلا استطلاقا، فقال له ثلاث مرات ثم جاء الرابعة فقال: «اسقه عسلا» فقال لقد سقيته فلم يزده إلا استطلاقا فقال رسول الله ﷺ :
«صدق الله وكذب بطن أخيك» فسقاه فبرئ «٤» ، وما قال ذلك إلا أنه استحضر قوله : فِيهِ شِفاءٌ لِلنَّاسِ (النحل: ٦٩) .
стр. 316
٢- وعن جابر بن عبد الله ﵄ قال: كان معاذ يصلي مع رسول الله ﷺ العشاء ثم يرجع فيصلي بأصحابه فرجع ذات يوم فصلى بهم وصلى خلفه فتى من قومه فلما طال على الفتى صلى وخرج فأخذ بخطام بعيره وانطلقوا فلما صلى معاذ ذكر ذلك له فقال إن هذا لنفاق لأخبرن رسول الله ﷺ فأخبره معاذ بالذي صنع الفتى فقال الفتى: يا رسول الله! يطيل المكث عندك ثم يرجع فيطول علينا فقال رسول الله ﷺ : «أفتان أنت يا معاذ؟» وقال للفتى: «كيف تصنع يا ابن أخي إذا صليت؟» قال: أقرأ بفاتحة الكتاب، وأسأل الله الجنة وأعوذ به من النار، وإني لا أدري ما دندنتك ودندنة معاذ. فقال رسول الله ﷺ : «إني ومعاذ حول هاتين أو نحو ذي» قال: قال الفتى: ولكن سيعلم معاذ إذا قدم القوم، وقد خبروا أن جيش العدو قد دنا قال: فقدموا قال: فاستشهد الفتى. فقال النبي ﷺ بعد ذلك لمعاذ: «ما فعل خصمي وخصمك؟» قال: يا رسول الله! صدق الله وكذبت استشهد «١» . وذلك أنه استحضر قول الله ﷻ : فَلا تُزَكُّوا أَنْفُسَكُمْ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنِ اتَّقى (النجم: ٣٢) .
٣- وعن بريدة بن حصيب ﵁ قال: بينا رسول الله ﷺ على المنبر يخطب إذ أقبل الحسن والحسين يمشيان ويعثران عليهما قميصان أحمران قال:
فنزل رسول الله ﷺ فحملهما ثم قال: «صدق الله نَّما أَمْوالُكُمْ وَأَوْلادُكُمْ فِتْنَةٌ
(التغابن: ١٥) إني رأيت هذين الغلامين يمشيان ويعثران فلم أصبر حتى نزلت وحملتهما» «٢» .
стр. 317
وأثنى الله على المؤمنين لما قالوا هذا ما وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَصَدَقَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ (الأحزاب: ٢٢) ، وذلك أنهم استحضروا إخبار الله بنصر المؤمنين في الايات المختلفة، وإخبار النبي ﷺ لهم بهزيمة الأحزاب وذلك وحي لا غير.
وكان هذا ديدن العلماء عند ذكر كلام لله يقتضي المقام منهم إظهار هذه الكلمة، قال القرطبي عند قوله : وَفِي السَّماءِ رِزْقُكُمْ وَما تُوعَدُونَ (الذاريات: ٢٢) «فإنا نقول صدق الله العظيم وصدق رسوله الكريم وأن الرزق هنا المطر» «١» .
وقد تعلم الصحابة ﵃ هذا من نبيهم ﷺ فكانوا يرددون التصديق بصفة خاصة عند استحضار شيء من كلام الله :
١- فقد فعل ذلك علي ﵁ لما رأى الرجل المخدج بين قتلى الخوارج ثم قال: صدق الله وبلغ رسوله «٢» وكان هذا ديدنه ﵁، فقد قالت عائشة:
قالت: أجل صدق الله ورسوله يرحم الله عليا إنه كان من كلامه لا يرى شيئا يعجبه إلا قال صدق الله ورسوله فيذهب أهل العراق فيكذبون عليه ويزيدون عليه في الحديث «٣» ، وفي هذا دليل على التفوه بما يدل على تنزيه الله وتعظيمه وتصديقه عند رؤية ما يعجب من خبر الله ورسوله ﷺ ، فما يفعل المرء بالخبر الأعجب- القران الكريم-؟.
٢- وقال معاوية- وهو من كتاب النبي ﷺ لما حدثه رجل بحديث أبي هريرة ﵁ عن أول ثلاثة الذين تسعر بهم النار بعد أن بكى معاوية بكاء شديدا فقال: «صدق الله ورسوله مَنْ كانَ يُرِيدُ الْحَياةَ الدُّنْيا وَزِينَتَها نُوَفِّ إِلَيْهِمْ
стр. 318
أَعْمالَهُمْ فِيها وَهُمْ فِيها لا يُبْخَسُونَ (١٥) أُولئِكَ الَّذِينَ لَيْسَ لَهُمْ فِي الْآخِرَةِ إِلَّا النَّارُ وَحَبِطَ ما صَنَعُوا فِيها وَباطِلٌ ما كانُوا يَعْمَلُونَ (هود: ١٥- ١٦) » «١» .
٣- ومن ذلك أنه جلس أعرابي إلى زيد بن صوحان وهو يحدث أصحابه وكانت يده قد أصيبت يوم نهاوند، فقال الأعرابي: والله إن حديثك ليعجبني وإن يدك لتريا بني فقال زيد: ما يريبك من يدي إنها الشمال فقال الأعرابي: «والله ما أدري اليمين يقطعون أو الشمال؟ فقال زيد ابن صوحان: صدق الله ورسوله الْأَعْرابُ أَشَدُّ كُفْراً وَنِفاقاً وَأَجْدَرُ أَلَّا يَعْلَمُوا حُدُودَ ما أَنْزَلَ اللَّهُ عَلى رَسُولِهِ (التوبة: ٩٧) » «٢» .
٤- وكذلك قال ابن مسعود ﵁ فقد لقيه رجل فقال: السلام عليك يا ابن مسعود فقال عبد الله: صدق الله ورسوله سمعت رسول الله ﷺ وهو يقول: «إن من أشراط الساعة أن يمر الرجل في المسجد لا يصلي فيه ركعتين وألايسلم الرجل إلا على من يعرف» «٣» ، ولم يرد في السنة أن يقول الإنسان صدق رسول الله عما قاله رسول الله، إلا من فعل الصحابة فكذلك في قول الله ، وهو أعظم وأجل ... ولكنه الأدب مع الله ورسوله، والبدهية عند سماع خبره، أو قوله أو تذكره.
ولا يعترض على هذا التقرير بأن الصدق له «ذكر مطلق، فتقييده بزمان أو مكان، أو حال من الأحوال، لابد له من دليل، إذا الأذكار المقيدة لا تكون إلا بدليل، وعليه: فإن التزام هذه بعد قراءة القران، لا دليل عليه، فيكون غير
стр. 319
مشروع، والتعبد بما لم يشرع من البدع، فالتزامها والحال هذه بدعة» «١» لأن الباحث لا يقول بالتزامها دوما بلفظها، وتراجع تقسيمات العز بن عبد السلام للبدعة؛ إذ ذكر العز أن من البدع ما يكون مشروعا واجبا أو مندوبا أو مباحا على تفصيل مهم في هذا الباب «٢» .
وأما الشهادة لرسول الله ﷺ بالبلاغ:
فهي السنة التي تعلمناها من النبي ﷺ وصحبه ﵃:
١- عن أبى بكرة ﵁ عن النبي ﷺ قال: «إن الزمان قد استدار كهيئته يوم خلق الله السماوات والأرض السنة اثنا عشرة شهرا منها أربعة حرم ثلاث متواليات ذو القعدة وذو الحجة والمحرم ورجب مضر الذي بين جمادى وشعبان» ثم قال: «أي شهر هذا» قلنا: الله ورسوله اعلم قال: فسكت حتى ظننا انه سيسميه بغير اسمه قال: «أليس ذا الحجة» قلنا: بلى! قال: «أي بلد هذا» قلنا: الله ورسوله اعلم. قال: فسكت حتى ظننا انه سيسميه بغير اسمه، قال: «أليس ذا البلدة» قلنا:
بلى! قال: «أي يوم هذا» قلنا: الله ورسوله اعلم، قال: «أليس يوم النحر؟» قلنا:
بلى! قال: «فإن دماءكم وأموالكم وأعراضكم عليكم حرام كحرمة يومكم هذا في بلدكم هذا وستلقون ربكم فيسألكم عن أعمالكم إلا فلا ترجعوا بعدي ضلالا يضرب بعضكم رقاب بعض إلا ليبلغ الشاهد منكم الغائب فلعل بعض من يبلغه يكون أوعي له من بعض من سمعه» قال: فكان محمد إذا ذكره يقول:
صدق الله ورسوله قد كان ذاك ثم قال ﷺ : «ألا هل بلغت ألا هل بلغت» «٣» .
стр. 320
٢- وعن أبي مسلم الخولاني حج فدخل على عائشة زوج النبي ﷺ فجعلت تسأله عن الشام وعن بردها فجعل يخبرها فقالت: كيف يصبرون على بردها؟ قال: يا أم المؤمنين! إنهم يشربون شرابا لهم يقال له الطلا قالت: صدق الله وبلغ حبي ﷺ سمعته يقول: «إن ناسا من أمتي يشربون الخمر يسمونها بغير اسمها» «١» .
٣- وعن أبي سنان الدؤلي صاحب رسول الله ﷺ قال: رأيت عمار ابن ياسر دعا غلاما له بشراب فأتاه بقدح من لبن فشربه ثم قال: صدق الله ورسوله اليوم ألقى الأحبة محمدا وحزبه إن رسول الله ﷺ قال: «إن اخر شيء أزوده من الدنيا ضيحة لبن» ثم قال: «والله لو هزمونا حتى يبلغوا سعفات هجر لعلمنا أنا على حق وأنهم على باطل» «٢» .
والأمثلة في هذا الباب كثيرة، نجتزئ بهذه.
خامسا: تعليمه ﷺ الدعاء عند ختم القران:
فعن العرباض بن سارية ﵁ قال قال رسول الله ﷺ : «من صلى صلاة فريضة فله دعوة مستجابة، ومن ختم القران فله دعوة مستجابة» «٣» ، وعن أنس ﵁ عن النبي ﷺ قال: «مع كل ختمة دعوة مستجابة» «٤» وقد ذكر البيهقي وغيره «٥» ثلة من أحاديث الختم لعلها صالحة للاعتبار مقبولة في هذا الباب من