٢- وعن جابر بن عبد الله ﵄ قال: كان معاذ يصلي مع رسول الله ﷺ العشاء ثم يرجع فيصلي بأصحابه فرجع ذات يوم فصلى بهم وصلى خلفه فتى من قومه فلما طال على الفتى صلى وخرج فأخذ بخطام بعيره وانطلقوا فلما صلى معاذ ذكر ذلك له فقال إن هذا لنفاق لأخبرن رسول الله ﷺ فأخبره معاذ بالذي صنع الفتى فقال الفتى: يا رسول الله! يطيل المكث عندك ثم يرجع فيطول علينا فقال رسول الله ﷺ : «أفتان أنت يا معاذ؟» وقال للفتى: «كيف تصنع يا ابن أخي إذا صليت؟» قال: أقرأ بفاتحة الكتاب، وأسأل الله الجنة وأعوذ به من النار، وإني لا أدري ما دندنتك ودندنة معاذ. فقال رسول الله ﷺ : «إني ومعاذ حول هاتين أو نحو ذي» قال: قال الفتى: ولكن سيعلم معاذ إذا قدم القوم، وقد خبروا أن جيش العدو قد دنا قال: فقدموا قال: فاستشهد الفتى. فقال النبي ﷺ بعد ذلك لمعاذ: «ما فعل خصمي وخصمك؟» قال: يا رسول الله! صدق الله وكذبت استشهد «١» . وذلك أنه استحضر قول الله ﷻ : فَلا تُزَكُّوا أَنْفُسَكُمْ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنِ اتَّقى (النجم: ٣٢) .
٣- وعن بريدة بن حصيب ﵁ قال: بينا رسول الله ﷺ على المنبر يخطب إذ أقبل الحسن والحسين يمشيان ويعثران عليهما قميصان أحمران قال:
فنزل رسول الله ﷺ فحملهما ثم قال: «صدق الله نَّما أَمْوالُكُمْ وَأَوْلادُكُمْ فِتْنَةٌ
(التغابن: ١٥) إني رأيت هذين الغلامين يمشيان ويعثران فلم أصبر حتى نزلت وحملتهما» «٢» .
стр. 317
وأثنى الله على المؤمنين لما قالوا هذا ما وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَصَدَقَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ (الأحزاب: ٢٢) ، وذلك أنهم استحضروا إخبار الله بنصر المؤمنين في الايات المختلفة، وإخبار النبي ﷺ لهم بهزيمة الأحزاب وذلك وحي لا غير.
وكان هذا ديدن العلماء عند ذكر كلام لله يقتضي المقام منهم إظهار هذه الكلمة، قال القرطبي عند قوله : وَفِي السَّماءِ رِزْقُكُمْ وَما تُوعَدُونَ (الذاريات: ٢٢) «فإنا نقول صدق الله العظيم وصدق رسوله الكريم وأن الرزق هنا المطر» «١» .
وقد تعلم الصحابة ﵃ هذا من نبيهم ﷺ فكانوا يرددون التصديق بصفة خاصة عند استحضار شيء من كلام الله :
١- فقد فعل ذلك علي ﵁ لما رأى الرجل المخدج بين قتلى الخوارج ثم قال: صدق الله وبلغ رسوله «٢» وكان هذا ديدنه ﵁، فقد قالت عائشة:
قالت: أجل صدق الله ورسوله يرحم الله عليا إنه كان من كلامه لا يرى شيئا يعجبه إلا قال صدق الله ورسوله فيذهب أهل العراق فيكذبون عليه ويزيدون عليه في الحديث «٣» ، وفي هذا دليل على التفوه بما يدل على تنزيه الله وتعظيمه وتصديقه عند رؤية ما يعجب من خبر الله ورسوله ﷺ ، فما يفعل المرء بالخبر الأعجب- القران الكريم-؟.
٢- وقال معاوية- وهو من كتاب النبي ﷺ لما حدثه رجل بحديث أبي هريرة ﵁ عن أول ثلاثة الذين تسعر بهم النار بعد أن بكى معاوية بكاء شديدا فقال: «صدق الله ورسوله مَنْ كانَ يُرِيدُ الْحَياةَ الدُّنْيا وَزِينَتَها نُوَفِّ إِلَيْهِمْ
стр. 318
أَعْمالَهُمْ فِيها وَهُمْ فِيها لا يُبْخَسُونَ (١٥) أُولئِكَ الَّذِينَ لَيْسَ لَهُمْ فِي الْآخِرَةِ إِلَّا النَّارُ وَحَبِطَ ما صَنَعُوا فِيها وَباطِلٌ ما كانُوا يَعْمَلُونَ (هود: ١٥- ١٦) » «١» .
٣- ومن ذلك أنه جلس أعرابي إلى زيد بن صوحان وهو يحدث أصحابه وكانت يده قد أصيبت يوم نهاوند، فقال الأعرابي: والله إن حديثك ليعجبني وإن يدك لتريا بني فقال زيد: ما يريبك من يدي إنها الشمال فقال الأعرابي: «والله ما أدري اليمين يقطعون أو الشمال؟ فقال زيد ابن صوحان: صدق الله ورسوله الْأَعْرابُ أَشَدُّ كُفْراً وَنِفاقاً وَأَجْدَرُ أَلَّا يَعْلَمُوا حُدُودَ ما أَنْزَلَ اللَّهُ عَلى رَسُولِهِ (التوبة: ٩٧) » «٢» .
٤- وكذلك قال ابن مسعود ﵁ فقد لقيه رجل فقال: السلام عليك يا ابن مسعود فقال عبد الله: صدق الله ورسوله سمعت رسول الله ﷺ وهو يقول: «إن من أشراط الساعة أن يمر الرجل في المسجد لا يصلي فيه ركعتين وألايسلم الرجل إلا على من يعرف» «٣» ، ولم يرد في السنة أن يقول الإنسان صدق رسول الله عما قاله رسول الله، إلا من فعل الصحابة فكذلك في قول الله ، وهو أعظم وأجل ... ولكنه الأدب مع الله ورسوله، والبدهية عند سماع خبره، أو قوله أو تذكره.
ولا يعترض على هذا التقرير بأن الصدق له «ذكر مطلق، فتقييده بزمان أو مكان، أو حال من الأحوال، لابد له من دليل، إذا الأذكار المقيدة لا تكون إلا بدليل، وعليه: فإن التزام هذه بعد قراءة القران، لا دليل عليه، فيكون غير
стр. 319
مشروع، والتعبد بما لم يشرع من البدع، فالتزامها والحال هذه بدعة» «١» لأن الباحث لا يقول بالتزامها دوما بلفظها، وتراجع تقسيمات العز بن عبد السلام للبدعة؛ إذ ذكر العز أن من البدع ما يكون مشروعا واجبا أو مندوبا أو مباحا على تفصيل مهم في هذا الباب «٢» .
وأما الشهادة لرسول الله ﷺ بالبلاغ:
فهي السنة التي تعلمناها من النبي ﷺ وصحبه ﵃:
١- عن أبى بكرة ﵁ عن النبي ﷺ قال: «إن الزمان قد استدار كهيئته يوم خلق الله السماوات والأرض السنة اثنا عشرة شهرا منها أربعة حرم ثلاث متواليات ذو القعدة وذو الحجة والمحرم ورجب مضر الذي بين جمادى وشعبان» ثم قال: «أي شهر هذا» قلنا: الله ورسوله اعلم قال: فسكت حتى ظننا انه سيسميه بغير اسمه قال: «أليس ذا الحجة» قلنا: بلى! قال: «أي بلد هذا» قلنا: الله ورسوله اعلم. قال: فسكت حتى ظننا انه سيسميه بغير اسمه، قال: «أليس ذا البلدة» قلنا:
بلى! قال: «أي يوم هذا» قلنا: الله ورسوله اعلم، قال: «أليس يوم النحر؟» قلنا:
بلى! قال: «فإن دماءكم وأموالكم وأعراضكم عليكم حرام كحرمة يومكم هذا في بلدكم هذا وستلقون ربكم فيسألكم عن أعمالكم إلا فلا ترجعوا بعدي ضلالا يضرب بعضكم رقاب بعض إلا ليبلغ الشاهد منكم الغائب فلعل بعض من يبلغه يكون أوعي له من بعض من سمعه» قال: فكان محمد إذا ذكره يقول:
صدق الله ورسوله قد كان ذاك ثم قال ﷺ : «ألا هل بلغت ألا هل بلغت» «٣» .
стр. 320
٢- وعن أبي مسلم الخولاني حج فدخل على عائشة زوج النبي ﷺ فجعلت تسأله عن الشام وعن بردها فجعل يخبرها فقالت: كيف يصبرون على بردها؟ قال: يا أم المؤمنين! إنهم يشربون شرابا لهم يقال له الطلا قالت: صدق الله وبلغ حبي ﷺ سمعته يقول: «إن ناسا من أمتي يشربون الخمر يسمونها بغير اسمها» «١» .
٣- وعن أبي سنان الدؤلي صاحب رسول الله ﷺ قال: رأيت عمار ابن ياسر دعا غلاما له بشراب فأتاه بقدح من لبن فشربه ثم قال: صدق الله ورسوله اليوم ألقى الأحبة محمدا وحزبه إن رسول الله ﷺ قال: «إن اخر شيء أزوده من الدنيا ضيحة لبن» ثم قال: «والله لو هزمونا حتى يبلغوا سعفات هجر لعلمنا أنا على حق وأنهم على باطل» «٢» .
والأمثلة في هذا الباب كثيرة، نجتزئ بهذه.
خامسا: تعليمه ﷺ الدعاء عند ختم القران:
فعن العرباض بن سارية ﵁ قال قال رسول الله ﷺ : «من صلى صلاة فريضة فله دعوة مستجابة، ومن ختم القران فله دعوة مستجابة» «٣» ، وعن أنس ﵁ عن النبي ﷺ قال: «مع كل ختمة دعوة مستجابة» «٤» وقد ذكر البيهقي وغيره «٥» ثلة من أحاديث الختم لعلها صالحة للاعتبار مقبولة في هذا الباب من
стр. 321
الفضائل، وقال البيهقي: «قال أحمد: وقد روي عن النبي ﷺ في دعاء الختم حديث منقطع بإسناد ضعيف، وقد تساهل أهل الحديث في قبول ما ورد من الدعوات وفضائل الأعمال ما لم تكن من رواته من يعرف بوضع الحديث أو الكذب في الرواية» «١» وأخذ بذلك أصحابه ﵃ فعن ثابت أن أنس ابن مالك كان إذا ختم القران جمع أهله وولده فدعا لهم «٢» ، وعن الحكم بن عتيبة قال:
كان مجاهد، وعبدة بن أبي لبابة، وناس؛ يعرضون المصاحف فلما كان اليوم الذي أرادوا أن يختموا أرسلوا إلي، وإلى سلمة بن كهيل، فقالوا: إنا كنا نعرض المصاحف فأردنا أن نختم اليوم فأحببنا أن تشهدونا فإنه كان يقال: إذا ختم القران نزلت الرحمة عند خاتمته، أو حضرت الرحمة عند خاتمته «٣» ، وكان محمد بن إسماعيل البخاري إذا كان أول ليلة من شهر رمضان اجتمع إليه أصحابه فيصلي بهم فيقرأ في كل ركعة عشرين اية إلى أن يختم القران وكذلك يقرأ في السحر ما بين النصف إلى الثلث من القران فيختم عند السحر في كل ثلاث ليال وكان يختم بالنهار كل يوم ختمه، ويكون ختمه عند الإفطار كل ليلة ويقول: عند كل ختمة دعوة مستجابة «٤» .
وأما قول بعض المعاصرين: «ولا حديث يصح عن النبي ﷺ ، فهي ما بين موضوع أو ما يتقاعد عن الجابر، ولم يصح سوى قول مجاهد رحمه الله تعالى..» «٥»
стр. 322
فغير ضائر في إثبات مشروعية الدعاء عند الختم؛ إذ كان ذلك فعل أنس، وفعل بعض التابعين وفق نقده هو؛ ولذا قال: «وأما الرواية في حضور الأهل والأولاد للختم: فثابتة من فعل الصحابي الجليل أنس ﵁، وروايته له مرفوعا لا تصح» «١» .
وأما قوله: «ولعله لما كانت الرواية في هذا الباب لا يثبت منها شيء في المرفوع إلى النبي ﷺ ، وقد خلت منها دواوين الإسلام المشهورة كالستة والموطأ، ومسند أحمد- تنكب المؤلفون في الأحكام ذكر هذا الباب بالكلية، أمثال: ابن دقيق العيد في «الإلمام» والمجد في «المنتقى» وابن حجر في «البلوغ» وغيرهم، لا يعرجون على شيء من ذلك» «٢» فما الضير في ذلك؟ إذ كانوا قد فعلوا في غيرها من الكتب كالبيهقي والنووي ... وقد قرر القائل ذاته مشروعية الدعاء عقب الختم فقال:
«ودعاء القارئ لختم القران خارج الصلاة، وحضور الدعاء في ذلك: - أمر مأثور من عمل السلف الصالح من صدر هذه الأمة» : كما تقدم من فعل أنس وقفاه جماعة من التابعين والإمام أحمد، ولأنه من جنس الدعاء المشروع، وتقدم قول ابن القيم رحمه الله تعالى: «وهو من اكد مواطن الدعاء ومواطن الإجابة» «٣» .
نعم ما ذكره بعد من عدم وضوح الدليل على دعاء الختم في الصلاة فصحيح لا مراء وإن كان قول أحمد لما قيل له: إلى أي شيء تذهب في هذا، قال: رأيت أهل مكة يفعلونه ... : دليل على أن له سنة مندثرة كانت عامة مشتهرة ولا يضير اندثارها أن يعمل بها دون اشتهار وحرص حذو التكبير، وشأنهم في هذا شأن
стр. 323
القراءة التي ثبتت عندهم وكتبت في مصاحفهم دون غيرها كقراءة (من) في الاية (١٠٠) من براءة، ولا تحتاج الألوف المؤلفة من سكان المصرين إلى متابع، أو شاهد ... بل هل لا بد من (الاعتبار) بمعناه في مصطلح الحديث ليقبل فعلهم؟.
سادسا: تعليمه ﷺ التكبير:
إذا وصل القارئ إلى سورة الضحى فإنه يكبر من أولها فيقول الله أكبر، وقد يكبر من اخرها، وقد يضيف إلى التكبير التهليل في أوله وقد يضيف التحميد في اخره.
المستند في تعليمه ﷺ التكبير:
جاءت الرواية به عن ابن كثير القارئ: قال تلاميذه: «قرأنا على ابن كثير فأمرنا بذلك وأخبرنا أنه قرأ على مجاهد فأمره بذلك وأخبره مجاهد أنه قرأ على ابن عباس فأمره بذلك وأخبره ابن عباس أنه قرأ على أبي بن كعب فأمره بذلك وأخبره أبي أنه قرأ على رسول الله ﷺ فأمره بذلك» ولكن هذه السنة تفرد بها رواية (حديثية) أبو الحسن أحمد بن محمد بن عبد الله البزي من ولد القاسم بن أبي بزة وكان إماما في القراات فأما في الحديث فقد ضعفه بعض أئمة الجرح والتعديل لكن حكى الشيخ شهاب الدين أبو شامة عن الشافعي أنه سمع رجلا يكبر هذا التكبير في الصلاة فقال أحسنت وأصبت السنة وهذا يقضي صحة هذا الحديث عند الشافعي «١» ، وذكر القراء في مناسبة التكبير من أول سورة الضحى «أنه لما تأخر الوحي عن رسول الله ﷺ وفتر تلك المدة وجاءه الملك فأوحى إليه «والضحى والليل إذا سجى» السورة بتمامها كبر فرحا وسرورا ولم يرو ذلك بإسناد يحكم عليه بصحة ولا ضعف» «٢» .
стр. 324
- بعد هذا العرض الحديثي- هل التكبير مما علمه النبي ﷺ لأصحابه؟:
فهذا مما علمه النبي ﷺ لأصحابه حال الختم، وإن ضعف البعض هذا الحديث، وذلك يتجلى بما يلي:
١- هذا التفرد في هذه الرواية الحديثية- القرائية، عضده عمل أهل مكة، فقد قال الفاكهي: «ويروى عن بعض من مضى من قراء أهل مكة أنهم كانوا في الختمة إذا بلغوا والضحى كبر الخاتم بعد فراغه من كل سورة يقول الله أكبر في الصلاة ثم تركوا ذلك بعد وجعلوا التكبير عند قراءة القران في المسجد الحرام في غير شهر رمضان ثم تركوه بعد ذلك» «١» ، فهي بذا سنة قديمة عليها عمل أهل مكة، وتلقي أهل مكة لها بالقبول زمنا مع كونها تروى في حلقات الإقراء عن البزي، وقد تروى عن قنبل، بل وعن سائر القراء العشرة الذين تتناقل قراءتهم إلى اليوم تلاوة للقران الكريم ... كل هذا يجعلها مقبولة داخلة ضمن منهاج التواتر القرائي، بل إن ابن الجزري قال: «التكبير صح عند أهل مكة قرائهم وعلمائهم وأئمتهم ومن روى عنهم صحة استفاضت واشتهرت وذاعت حتى بلغت حد التواتر ... ووردت أيضا عن سائر القراء «٢» ، وقال أبو الطيب عبد المنعم بن غلبون:
وهذه سنة مأثورة عن رسول الله ﷺ وعن الصحابة والتابعين وهي سنة بمكة لا يتركونها البتة ولا يعتبرون رواية البزي ولا غيره» «٣» .
٢- وهذه السنة بمكة شوهدت في زمن ابن الجزري فقد وصف ذلك بقوله:
«ولما من الله تعالى علي بالمجاورة بمكة ودخل شهر رمضان فلم أر أحدا ممن صلى
стр. 325
التراويح بالمسجد الحرام إلا يكبر من الضحى عند الختم فعلمت أنها سنة باقية فيهم إلى اليوم» «١» .
٣- معلوم أن الأمر إن عاد إلى الرواية القرائية فإن منهاجها في جعل القراءة قراءة أن ترويه وفق قواعدها وضوابطها لا وفق قواعد الحديث بالضرورة، وهذه الرواية التي تتداولها أمهات كتب القراات رواية وعملا مقبولة عند القراء بلا مخالف ... وذلك كاف في إثباتها ... وإلا لقيل أين السند الحديثي للإدغام، والإظهار، وتخفيفات الهمز، وتحقيقاته، والإمالة والفتح، والترقيق والتفخيم ... ،
بل أين سند البخاري ومسلم وجامعي الحديث في أن كلمات سورة البقرة (الم ... )
وأن كلمات سورة النساء (يا أيها الناس ... ) ؟ ... ومثل هذا العوج في التفكير، والخلط بين مناهج العلوم مدمر لأسس العلم، والدين والعقل ...
٤- ولأجل ذلك قبله الأئمة وعلى رأسهم إمام أهل السنة أحمد بن حنبل فقد «قال في المغني والشّرح: واستحسن أبو عبد الله التّكبير عند اخر كلّ سورة من الضّحى إلى أن يختم، والرّواية الثّانية يكبّر من أوّل أَلَمْ نَشْرَحْ اختاره المجد (قلت) قد صحّ هذا وهذا عمّن رأى التّكبير، فالكلّ حسن، وتحرير النّقل عن القرّاء أنّه وقع بينهم اختلاف، فرواه الجمهور من أوّل ألم نشرح أو من اخر الضّحى على خلاف.. «٢» ..
٥- وقبل أحمد ذلك لأن المنهج القرائي يلزم بالقبول وذلك لأن التكبير هو قراءة أهل مكّة أخذها البزّيّ عن ابن كثير وأخذها ابن كثير عن مجاهد وأخذها
стр. 326
مجاهد عن ابن عبّاس وأخذها ابن عبّاس عن أبيّ بن كعب وأخذها أبيّ عن النّبيّ ﷺ ، وقال الماورديّ: كان ابن عبّاس يفصل بين كلّ سورتين بالتّكبير من الضّحى وهو راوي قرّاء مكّة «١» .
٦- ولذلك تعد سنة التكبير من سنن القراءة لا من السنن (مطلقا) وهي التي تثبت عادة بالمنهج الحديثي فقد سئل ابن حجر الهيثمي عن استحباب التّكبير من سورة الضّحى إلى الاخر هل هو مختصّ بمن يختم القران من أوّله إلى اخره أو عامّ فيمن ابتدأ القراءة أو ممّا قبلها وفيمن ابتدأها ممّا بعدها؟ وكيف الحكم في ذلك؟ (فأجاب) بقوله: الّذي حكاه الزّركشيّ عن الحليميّ والبيهقيّ وابن الجزريّ في النّشر عن طوائف من السّلف وجمع من متأخّري الشّافعيّة، وأطال فيه (أنّ من سنن القراءة التّكبير في اخر سورة الضّحى إلى أن يختم ... وقال الشّافعيّ: «إن تركت التّكبير فقد تركت سنّة من سنن نبيّك يقتضي تصحيحه لهذا الحديث) ، واقتضى إطلاقهم أيضا أنّه لا فرق بين القراءة بقراءة ابن كثير وغيرها» «٢» .
٧- ولكن قال أبو الفتح فارس بن أحمد: لا نقول إنه لا بد لمن ختم أن يفعله لكن من فعله فحسن ومن لم يفعله فلا حرج عليه وهو سنة مأثورة عن رسول الله ﷺ وعن الصحابة والتابعين «٣» .
وهذا يدل على أن أمر التكبير اختياري ولا تعلق له بالقران فلا وجه للمحافظة الشديدة ولا للتبديع أيضا.
стр. 327
المطلب الثالث: تعليمه ﷺ أحكام الوقف:
فقد علمهم ﷺ الوقف والابتداء كما قال ابن عمر ﵁: ... وتنزل السورة على محمد ﷺ فنتعلم حلالها وحرامها وامرها وزاجرها وما ينبغي أن يقف عنده منها كما تعلمون أنتم اليوم القران ثم لقد رأيت اليوم رجالا يؤتى أحدهم القران قبل الإيمان فيقرأ ما بين فاتحته إلى خاتمته ما يدرى ما امره ولا زاجره ولا ما ينبغي أن يقف عنده منه فينثره نثر الدقل «١» ، فقوله: (وما ينبغي أن يقف عنده منها) تحتمل الوقف الاصطلاحي عند أئمة الإقراء وهو الظاهر إذ لو رجح غيره لما كان ثم فائدة لما قبله؛ إذ ما قبله من وصف يدل على الوقف المعنوي ... وقد علمهم ﷺ الوقف عند رؤوس الاي فعن أم سلمة قالت: كان رسول الله ﷺ يقطع قراءته [اية اية] يقول بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين ثم يقف الرحمن الرحيم ثم يقف «٢» أي يقف عند كل اية ...
وحاول أهل العلم تبسيط ذلك على الناس، فاصطلحوا على تسمية الأوقاف بتسمية معينة حسب حسن الوقف، لا حسب حسن القران إذ القران كله حسن فقالوا: «الوقف على مراتب: أعلاها التام، ثم الحسن، ثم الكافي، ثم الصالح ثم المفهوم، ثم الجائز، ثم البيان، ثم القبيح،.. «٣» . وأكثر ما ذكر الناس في أقسامه غير منضبط ولا منحصر «٤» .
стр. 328
ولكن أهناك أوقاف محرمة في القران الكريم، وأوقاف واجبة؟ ...
يذهب بعض العلماء كالبقاعي إلى أنه لا وقف تام في كتاب الله، فالاصطلاحات للتقريب والتبسيط، وبيان القبح في السمع أو الحسن، لا أنه يجب شيء من ذلك أو يحرم لعدم النص، فما كان من جهة الوقف فإنه لا يجب على القارئ الوقف على محل معين بحيث لو تركه يأثم، ولا يحرم الوقف على كلمة بعينها إلا إذا كانت موهمة وقصدها ... فإن اعتقد معناها كفر والعياذ بالله كأن وقف على قوله إن الله لا يستحيى- وما من إله- وإني كفرت وشبه ذلك ...
ومعنى قولهم لا يوقف على كذا معناه أنه لا يحسن الوقف صناعة على كذا، وليس معناه أن الوقف يكون حراما أو مكروها بل خلاف الأولى إلا أن تعمد الوقف على نحو قوله (لقد كفر الذين قالوا) ونحو قوله: (لقد سمع الله قول الذين قالوا) وابتدأ بما بعد ذلك فيحرم عليه فإن اعتقد معناه كفر كما هو ظاهر «١» ، وفي ذلك يقول ابن الجزري:
وليس في القران من وقف وجب ... ولا حرام غير ماله سبب «٢»
ويقول في النشر: «قول الأئمة لا يجوز الوقف على المضاف دون المضاف إليه، ولا على الفعل دون الفاعل، ولا على الفاعل دون المفعول، ولا على المبتدأ دون الخبر ... إلى اخر ما ذكروه وبسطوه من ذلك إنما يريدون بذلك الجواز الأدائي وهو الذي يحسن في القراءة، ويروق في التلاوة، ولا يريدون بذلك أنه حرام ولا مكروه بل أرادوا بذلك الوقف الاختياري الذي يبتدأ بما بعده، وكذلك لا يريدون بذلك أنه لا يوقف عليه البتة فإنه حيث اضطر القارئ إلى الوقف على
стр. 329
شيء من ذلك باعتبار قطع النفس أو نحوه من تعليم أو اختبار جاز له الوقف بلا خلاف عند أحد منهم ثم يعتمد في الابتداء ما تقدم من العود إلى ما قبل فيبتدئ به، اللهم إلا من يقصد بذلك تحريف المعنى عن مواضعه، وخلاف المعنى الذي أراد الله تعالى فإنه والعياذ بالله يحرم عليه ذلك ويجب ردعه بحسبه على ما تقتضيه الشريعة المطهرة» «١» .
ولذا ورد عن ابن عباس ﵄ أنه صلى الغداة فقرأ في الركعة الأولى بفاتحة الكتاب وب (الم ذلك الكتاب لا ريب فيه هدى للمتقين) وفي الثانية بفاتحة الكتاب وب (الذين يؤمنون بالغيب ويقيمون الصلاة ومما رزقناهم ينفقون) ثم سلم، وأي مقتدى به أعظم من ابن عباس ترجمان القران «٢» .
تنبيه:
وليس المراد من هذا تهوين شأن الوقف، وتحسين التلعب بأوقاف القران، فإن الناس يمقتون من يعي في الحديث العابر أو يعبث به، ويعدونه ذا خلل، بل يراعي المغنون الأوقاف في كلامهم ليجعلوا السامع أمام وقع أعظم تأثيرا ... وكلام الله أحسن الكلام، يؤدى بأحسن أداء ترتيلا، وتغنيا، وقفا وابتداء، ومعرفة الوقف الحسن فيه كما قال الإمام الهذلي: «الوقف حلية التلاوة، وزينة القارئ، وبلاغ التالي، وفهم المستمع، وفخر العالم ... » «٣» .. ولكن الضرورة اقتضت الإشارة إلى هذه الحقيقة الخافية عن بعض الذين يغالون في هذا الباب فيوغلون ... ولأن الكلام عن تعليم النبي ﷺ ؛ فإنه قد يرد على البحث سؤال عن الأوقاف الاصطلاحية: هل علمها النبي ﷺ كما هي الان؟.
стр. 330
المطلب الرابع: تعليمه ﷺ أحكام الجهر والإسرار بقراءة القران:
١- علمهم ﷺ أن الجهر بالقراءة هو الأصل في قراءة القران، ويشرع مشروعية مؤكدة إذا أريد منه التعليم أو الاقتداء أو تعظيم شعائر الله، أو التعود على الترنم بكلام الله ليكون هجيراه، ويدل على ذلك أنه كان يرفع صوته بالقراءة في قيامه بالليل تعليما وتنبيها فعن كريب قال سألت ابن عباس فقلت: كيف كانت صلاة رسول الله ﷺ بالليل؟ فقال: كان يقرأ في بعض حجره فيسمع قراءته من كان خارجا «١» وعن أم هانئ قالت: سمعت رسول الله ﷺ يقرأ بالليل وأنا على عريشي بمكة «٢» كما يدل على هذا جهره بالقراءة وهو راكب على ناقته عند فتح مكة، ففي ذلك «إرشاد إلى أن الجهر بالعبادة قد يكون في بعض المواضع أفضل من الإسرار وهو عند التعليم وإيقاظ الغافل ... » «٣» كما أقر أبا بكر ﵁ على قراءته رفع صوته بالقران في بيته، بل كان يحث عليه أصحابه، ويثني عليهم إن سمعهم فعن عائشة أن النبي ﷺ سمع رجلا يقرأ من الليل فقال: «يرحمه الله لقد أذكرني كذا وكذا اية كنت أسقطتها (ولفظ البخاري أنسيتها) من سورة كذا وكذا» «٤» ، وعن جابر ﵁ قال: رؤى في المقبرة ليلا نار فإذا النبي ﷺ في قبر وهو يقول:
«ناولوني صاحبكم» ، وفيه: هو الرجل (الأواه) الذي كان يرفع صوته بالقران «٥» وعن عقبة بن عامر ﵁ أن النبي ﷺ قال لرجل يقال له ذو البجادين: إنه أواه وذلك إنه كثير الذكر لله في القران وكان يرفع صوته في الدعاء «٦» .
стр. 331
٢- وعلمهم النبي ﷺ بأمر الله تعالى له أن يسلكوا طريقا وسطا في قراءة القران بين الجهر والإسرار- لعارض خارجي يمنع الجهر- فعن ابن عباس في قوله قال تعالى: وَلا تَجْهَرْ بِصَلاتِكَ وَلا تُخافِتْ بِها (الإسراء: ١١٠) قال: نزلت ورسول الله ﷺ متوار بمكة فكان إذا صلى بأصحابه رفع صوته بالقران فإذا سمع ذلك المشركون سبوا القران ومن أنزله ومن جاء به فقال الله تعالى لنبيه ﷺ وَلا تَجْهَرْ بِصَلاتِكَ فيسمع المشركون قراءتك وَلا تُخافِتْ بِها عن أصحابك أسمعهم القران ولا تجهر ذلك الجهر وَابْتَغِ بَيْنَ ذلِكَ سَبِيلًا يقول بين الجهر والمخافتة «١» ... وهذا يدل على أصالة الجهر أيضا، وعلمهم النبي ﷺ ذلك حتى في المدينة لدرء مفسدة مترتبة على الجهر الشديد من إزعاج نائم ونحو ذلك فعن أبي قتادة أن النبي ﷺ مر بأبي بكر وهو يصلي يخفض من صوته، ومر بعمر وهو يصلي رافعا صوته قال فلما اجتمعا عند النبي ﷺ قال لأبي بكر: «يا أبا بكر مررت بك وأنت تصلي تخفض من صوتك» فقال: «قد أسمعت من ناجيت» فقال: «مررت بك يا عمر وأنت ترفع صوتك» فقال يا رسول الله احتسب به أوقظ الوسنان قال فقال لأبي بكر «ارفع صوتك شيئا» وقال لعمر: «اخفض من صوتك شيئا» «٢» .
٣- وعلمهم ﷺ أنه يمكن المبادلة بين الجهر والإسرار لزيادة النشاط وطردا للفتور العارض، ومحافظة على الحزب اليومي بحسب نشاط المرء فعن أبي هريرة ﵁: أنه كان إذا قام من الليل رفع صوته طورا وخفضه طورا وكان يذكر أن رسول الله ﷺ كان يفعل ذلك «٣» وعن عبد الله بن أبي قيس أنه سأل عائشة
стр. 332
- رضي الله تعالى عنها- كيف كانت قراءة رسول الله ﷺ من الليل كان يجهر أم يسر؟ قالت: كل ذلك كان يفعل ربما يجهر وربما يسر قال قلت الحمد لله الذي جعل في الأمر سعة «١» ، «وقد استحب بعض أهل العلم الجهر ببعضها والإسرار ببعضها لأن السر قد يمل فيأنس بالجهر والجاهر قد يكل فيستريح بالإسرار إلا أن من قرأ بالليل جهر بالأكثر ومن قرأ بالنهار أسر بالأكثر إلا أن يكون بالنهار في موضع لا لغو فيه ولا صخب ولم يكن في صلاة فيرفع صوته بالقران» «٢» .
٤- كما علمهم ﷺ عدم الجهر إن ترتب عليه الإيذاء، وخاصة في الصلاة فعن علي ﵁ قال: نهى رسول الله ﷺ أن يرفع الرجل صوته بالقران قبل العتمة وبعدها يغلط أصحابه في الصلاة «٣» وفي لفظ لأبي يعلى: والقوم يصلون، وعن أبي سعيد الخدري ﵁ قال: اعتكف النبي ﷺ في المسجد فسمعهم يجهرون بالقراءة وهو في قبة فكشف الستور وقال: «ألا كلكم يناجي ربه فلا يؤذين بعضكم بعضا ولا يرفعن بعضكم على بعض في القراءة في الصلاة» «٤» ، وخرج رسول الله ﷺ على الناس وهم يصلون وقد علت أصواتهم بالقراءة فقال: «إن المصلي مناج ربه فلينظر ما يناجيه به ولا يجهر بعضكم على بعض بالقراءة» «٥» .
стр. 333
٥- وكان يعلمهم الإسرار بالقران إذا خيف العجب والرياء «١» فعن عقبة بن عامر ﵁ قال سمعت رسول الله ﷺ يقول: «الجاهر بالقران كالجاهر بالصّدقة والمسرّ بالقران كالمسرّ بالصّدقة» «٢» ، وبوب له ابن حبان: «ذكر البيان بأن قراءة المرء القران بينه وبين نفسه تكون أفضل من قراءته بحيث يسمع صوته» قال الترمذي: «ومعنى هذا الحديث أنّ الّذي يسرّ بقراءة القران أفضل من الّذي يجهر بقراءة القران لأنّ صدقة السّرّ أفضل عند أهل العلم من صدقة العلانية وإنّما معنى هذا عند أهل العلم لكي يأمن الرّجل من العجب لأنّ الّذي يسرّ العمل لا يخاف عليه العجب ما يخاف عليه من علانيته» وقال البيهقي ﵀: «وقد قال الله : إِنْ تُبْدُوا الصَّدَقاتِ فَنِعِمَّا هِيَ وَإِنْ تُخْفُوها وَتُؤْتُوهَا الْفُقَراءَ فَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وهذا والله أعلم لأن إخفاءها يكون أبعد من الرياء وكذلك قراءة القران» «٣» .
وعلمهم حدود الإسرار: فأقل الإسرار أن يحرك لسانه، فالقراءة النفسية لا تسمى قراءة: ولذا بوب البيهقي «باب لا تجزئه قراءته في نفسه إذا لم ينطق به لسانه» «٤» ثم ذكر حديث أبي معمر عبد الله بن سخبرة قال: سألت خبابا: أكان رسول الله ﷺ يقرأ في الأولى والعصر قال نعم قال قلنا بأي شيء كنتم تعرفون ذاك قال باضطراب لحيته «٥» قال البيهقي: «وفيه دليل على أنه لا بد من أن يحرك لسانه بالقراءة» «٦» .
стр. 334
الفصل الرابع: تعليمه ﷺ جمع القران الكريم حفظا وكتابة «المخرجات التعليمية» :
ويبحث هذا الفصل في كيفية تعليمه ﷺ جمع القران الكريم استظهارا له، ووقاية لهذا الاستظهار بالكتابة، وعدم عرقلة عامل الصغر للمنهجية النبوية التعليمية لألفاظ القران الكريم، والألقاب التي ميز بها الشارع الحكيم أهل القران في المجتمع الإسلامي عن غيرهم، وما تستدعيه هذه الألقاب من صفات حتى يستحق أصحابها الدخول في هذه الفئة المتميزة ... كما يبحث في أئمة الإقراء من أصحابه ﵃، وعددهم (مخرجات التعليم) ، وما يتبع ذلك من تعليمه ﷺ جمع القران كتابة بأمره لهم بذلك ومتابعته مع بقاء أميته ﷺ ، وتعليمه ﷺ تحزيب القران وبيانه لعدد آياته، وتسمية سوره ...
واقتضى تحقيق البيان لهذه الغاية أن ينقسم هذا الفصل إلى أربعة مباحث:
المبحث الأول: أثر عامل السن في أسلوب تعليمه (منهجية النبي ﷺ في تعليم الصغار) .
المبحث الثاني: تعليمه ﷺ ألقاب حامل القران وصفاته.
المبحث الثالث: أصحاب (تلاميذ) النبي ﷺ من أئمة الإقراء.
المبحث الرابع: تعليمه ﷺ جمع القران.
стр. 335
المبحث الأول: أثر عامل السن في أسلوب تعليمه «منهجية النبي ﷺ في تعليم الصغار» :
تعليمه ﷺ حكم تعليم الصبيان:
علمهم النبي ﷺ أن تعليم الصبيان مستحب استحبابا متأكدا: وعلمهم ﷺ ذلك بقوله ﷻ : يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنْفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ ناراً (التحريم: ٦) والمعنى كما قال غير واحد من السلف: معناه علّموهم ما ينجون به من النّار، وثبت في الصّحيحين عن ابن عمر عن رسول الله ﷺ أنّه قال: «كلّكم راع ومسئول عن رعيّته» «١» ف: «الصّبيّ أمانة عند والديه، وقلبه الطّاهر جوهرة نفيسة ساذجة خالية عن كلّ نقش وصورة، وهو قابل لكلّ نقش وقابل لكلّ ما يمال به إليه، فإن عوّد الخير وعلّمه نشأ عليه وسعد في الدّنيا والاخرة، يشاركه في ثوابه أبواه وكلّ معلّم له ومؤدّب، وإن عوّد الشّرّ وأهمل شقي وهلك، وكان الوزر في رقبة القيّم به والوليّ عليه، ومهما كان الأب يصون ولده من نار الدّنيا فينبغي أن يصونه من نار الاخرة، وهو أولى، وصيانته بأن يؤدّبه ويهديه ويعلّمه محاسن الأخلاق، ويحفظه من قرناء السّوء، ولا يعوّده التّنعّم، ولا يحبّب إليه الزّينة وأسباب الرّفاهية فيضيع عمره في طلبها إذا كبر ويهلك هلاك الأبد» «٢» ، وقال ابن الحاج: «وينبغي له أن يمتثل السّنّة في الإقراء ومن جملة ذلك أنّ السّلف الماضين ﵃ أجمعين إنّما كانوا يقرئون أولادهم في سبع سنين» «٣» .
стр. 336
وقد بوب البخاري: باب تعليم الصبيان القران «١» «كأنه أشار إلى الرد على من كره ذلك وقد جاءت كراهية ذلك عن سعيد بن جبير، وإبراهيم النخعي، وأسنده ابن أبي داود عنهما ولفظ إبراهيم: (كانوا يكرهون أن يعلموا الغلام القران حتى يعقل) ، وكلام سعيد بن جبير يدل على أن كراهة ذلك من جهة حصول الملال له ولفظه عند بن أبي داود أيضا: كانوا يحبون أن يقرأ الصبي بعد حين «٢» ، فكلام من كره يدل على استحباب تعليم الصبي لكن بعد التمييز، لا فور النطق، وهو ما عضده ابن الحاج بقوله: «بل بعضهم يكون سنّه بحيث لا يقدر أن يمسك ضرورة نفسه بل يفعل ذلك في المكتب ويلوّث به ثيابه ومكانه فليحذر من أن يقرئ مثل هؤلاء إذ لا فائدة في إقرائه لهم إلا وجود التّعب غالبا وتلويث موضع القران وتنزيهه عن ذلك متعيّن ... » «٣» .
... «وأما كلام سعيد بن جبير فيدل على ترك التعليم إذا خيف تسرب الملال من القران إلى الصبي، وهو أمر مطلوب بكل حال، فالأصل أن يحبب القران إليه لا أن يبغض ... » «٤» .
منهجية النبي ﷺ في تعليم الصغار:
لم تختلف منهجية تعليم الصغار عن تعليم الكبار في عهده ﷺ : بل كانت تسير على الهيئة ذاتها: تعليم الألفاظ مع معانيها والعمل بها: الترتيل، الترجيع، حفظ القران ... ويدل لذلك مما علمهم النبي ﷺ إياه:
стр. 337
١- أن ابن عباس بنباهته وذكائه ومع كونه ترجمان القران إلا أنه لم يتقن إلا المفصل مع وفاة النبي ﷺ فقد بوب البخاري: «باب تعليم الصبيان القران» ثم روى عن سعيد بن جبير قال: إن الذي تدعونه المفصل هو المحكم قال: وقال ابن عباس: توفي رسول الله ﷺ وأنا ابن عشر سنين، وقد قرأت المحكم وفي لفظ:
جمعت المحكم في عهد رسول الله ﷺ فقلت له: وما المحكم؟ قال: المفصل «١» .
٢- ما رواه جندب قال: كنا غلمانا حزاورة مع رسول الله ﷺ فيعلمنا الإيمان قبل القران، ثم يعلمنا القران فازددنا به إيمانا وإنكم اليوم تعلمون القران قبل الإيمان «٢» .
ومن دلائل الحديثين:
أن الصغار يبتدئون حفظهم من اخر القران لا من أوله، ومثلهم من يكون على شاكلتهم، وأنه لا حرج في هذا التنكيس، ورأى البعض في هذا الحديث ما يدل «على أنه يستحسن ألا يبلغ عشر سنين إلا وقد حفظ المفصل، ومعنى هذا أنه يبدأ بتعليمه في سن السابعة، إذ لا يحتاج الصغير إلى أكثر من ثلاث سنين ليحفظ المفصل ويجوده» «٣» .
كما أن في الحديثين الدلالة الصريحة على اتباع تلك المنهجية دون تفريق بين صغار وكبار، إلا أنه لا شك في مراعاة مدى الاستيعاب بين الفئات المختلفة للمعاني والأحكام، فيدربون على ما يدرسه الراشدون بحسب الاستيعاب العقلي.
стр. 338
تدريب النبي ﷺ لهم:
كان من هديه ﷺ تدريبهم على أمور الكبار:
فقد كان ﷺ يسلم على الصبيان فعن أنس بن مالك ﵁ أن رسول الله ﷺ مر على غلمان فسلم عليهم «١» .
وكان ﷺ يدخلهم في ثنايا الصف في الصلاة بحسب النضج العقلي مع أن الأصل أن صفوفهم متأخرة فعن ابن عباس ﵁ أن رسول الله ﷺ مر بقبر قد دفن ليلا فقال: «متى دفن هذا؟» قالوا: البارحة قال: «أفلا اذنتموني؟» . قالوا:
دفناه في ظلمة الليل فكرهنا أن نوقظك، فقام فصففنا خلفه، قال ابن عباس: وأنا فيهم، فصلى عليه «٢» .
وكان ﷺ يخرجهم إلى مجامع المسلمين العامة كمصلى العيد، ولذا بوب البخاري: «باب خروج الصبيان إلى المصلى» «٣» ، وذكر في ذلك حديث ابن عباس في خروجه إلى المصلى مع النبي ﷺ .
وكان يخرجهم في الغزو للخدمة ومشاهدة القتال ولذا قال ابن حبان: ذكر إباحة خروج الصبيان إلى الغزو ليخدموا الغزاة في غزاتهم- ثم ذكر حديث أنس بن مالك ﵁ أن النبي ﷺ قال لأبي طلحة: «التمس لي غلاما من غلمانكم يخدمني حتى اتي خيبر» فخرج بي أبو طلحة مردفي وأنا غلام راهقت الحلم فكنت أخدم رسول الله ﷺ إذا نزل «٤» .
стр. 339
وقد كانوا يجعلونهم أئمة لهم، ولا بد للإمامة من وقارها فقد قالت عائشة ﵂: كنا نأخذ الصبيان من الكتاب ليقوموا بنا في شهر رمضان فنعمل لهم القلية والخشكنانج «١» ، وقدم الأشعث غلاما فقيل له فقال: إنما قدمت القران «٢» .
ضرورة المراعاة بين الفروق الفردية:
وهذه المراعاة للفروق الفردية والقدرات العقلية بين الكبار والصغار، بل بين أفراد الفئة الواحدة هي التي تسوغ أن يبدأ الصبي في تعلمه للقران الكريم من سورة الناس.
كما أن هذه المراعاة هي التي تجعل تعليم القران لبعض الصبيان محدودا لأن الكمية التي يتعلمها تختلف باختلاف الأشخاص.
стр. 340
المبحث الثاني: تعليمه ﷺ ألقاب حامل القران وصفاته:
يتناول المبحث هذا الجانب من الناحية الأكثر تعلقا بالكتاب، وهي الأقرب لتعلم ألفاظ القران الكريم «١» ، ويبين الألقاب التي ميز بها الشارع الحكيم أهل القران في المجتمع الإسلامي عن غيرهم، وما تستدعيه هذه الألقاب من صفات حتى يستحق أصحابها الدخول في هذه الفئة المتميزة:
ولذا انقسم المبحث إلى ثلاثة مطالب:
المطلب الأول: تعليمه ﷺ تلقيب القراء والمقرئين بألقاب مميزة .
المطلب الثاني: تعليمه ﷺ صفات حامل القران الذي يستحق هذه الألقاب.
المطلب الأول: تعليمه ﷺ تلقيب القراء والمقرئين بألقاب مميزة:
أولا: مصطلح (حامل القران) :
ذكر هذا المصطلح في قوله ﷺ : «إن من إجلال الله إكرام ذي الشيبة المسلم وحامل القران غير الغالي فيه ولا الجافي عنه وإكرام ذي السلطان المقسط» «٢» ، وفي قوله ﷺ : «ثلاث لا يكترثون للحساب ولا تفزعهم الصيحة، ولا يحزنهم الفزع الأكبر: حامل القران يؤديه إلى الله بما فيه يقدم على ربه سيدا شريفا حتى يوافق المرسلين ... » «٣» ، وفي غير ذلك من
стр. 341
الأحاديث، وذكر هذا المصطلح على ألسنة الصحابة ﵃ فسالم مولى أبي حذيفة قيل له يوم اليمامة في اللواء: تخشى من نفسك شيئا فتولي اللواء غيرك فقال: بئس حامل القران أنا إذا فقطعت يمينه فأخذ اللواء بيساره، فقطعت يساره فاعتنق اللواء وهو يقول: وَما مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ أَفَإِنْ ماتَ أَوْ قُتِلَ انْقَلَبْتُمْ عَلى أَعْقابِكُمْ وَمَنْ يَنْقَلِبْ عَلى عَقِبَيْهِ فَلَنْ يَضُرَّ اللَّهَ شَيْئاً وَسَيَجْزِي اللَّهُ الشَّاكِرِينَ (١٤٤) وَما كانَ لِنَفْسٍ أَنْ تَمُوتَ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ كِتاباً مُؤَجَّلًا وَمَنْ يُرِدْ ثَوابَ الدُّنْيا نُؤْتِهِ مِنْها وَمَنْ يُرِدْ ثَوابَ الْآخِرَةِ نُؤْتِهِ مِنْها وَسَنَجْزِي الشَّاكِرِينَ (١٤٥) وَكَأَيِّنْ مِنْ نَبِيٍّ قاتَلَ مَعَهُ رِبِّيُّونَ كَثِيرٌ فَما وَهَنُوا لِما أَصابَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَما ضَعُفُوا وَمَا اسْتَكانُوا وَاللَّهُ يُحِبُّ الصَّابِرِينَ (ال عمران: ١٤٤- ١٤٦) فلما صرع قال لأصحابه: ما فعل أبو حذيفة؟ قيل: قتل قال: فما فعل فلان؟
لرجل قد سماه قيل: قتل قال: فأضجعوني بينهما «١» .
تحريره:
يدل على من يحفظ عن ظهر قلب كما هو واضح من كونه يحمل القران، وليس معتادا في عصر النبي ﷺ أن يحملوا مصاحفا معهم لعسر ذلك في وقتهم، فتعين أنه يريد من حفظه وقرأه عن ظهر قلب، وقد بين أهل العلم أن مصطلح حامل القران إنما يكون لمن «يلازمه بالتلاوة والعمل لا من يقرؤه ولا يعمل به» «٢» ، ولا يدعى بحامل للقران من لا يرتل القران، ويتقن أداءه، فمن حفظ لفظه ولم يتقن أداءه فلا يدعى حاملا للقران ولا ينال الثواب المتميز الوارد في
стр. 342
حملة القران وقرائه على ما قرره علماء الإسلام، إذ «يؤخذ من الحديث أنه لا ينال هذا الثواب الأعظم إلا من حفظ القران وأتقن أداءه وقراءته كما ينبغي له» «١» ، وعلى هذا فحملة القران «أي حفظته عن ظهر قلب المداومين لتلاوته العاملين بأحكامه» «٢» العاملون بما فيه الواقفون عند حدوده ورسومه الامرون بما أمر به الناهون عما نهى عنه «٣» ... ولكن الواقع هو الأخذ بالظاهر فينادى بهذا اللفظ من جمع القران ما دام لم يظهر منه علنا ما ينافي القران، مع الأخذ بعين الاعتبار الحقيقة السابقة.
ثانيا: مصطلح (صاحب القران) :
وورد مصطلح (صاحب القران) : في قول النبي ﷺ : «يقال لصاحب القران إذا دخل الجنّة اقرأ واصعد فيقرأ ويصعد بكلّ اية درجة حتّى يقرأ اخر شيء معه» «٤» ، وقوله ﷺ : «إذا قام صاحب القران فقرأه بالليل والنهار ذكره..» «٥» .
تحريره:
يدل على المؤالفة بين القران والإنسان الملقب بهذا اللقب؛ إذ المصاحبة هي المؤالفة، وهو كقوله : أَصْحابَ الْجَنَّةِ (القلم: ١٧) والإلف المطلوب هنا إلف لتلاوته وهو أعم من أن يألفها نظرا من المصحف، أو عن ظهر قلب فإن الذي يداوم على ذلك يذل له لسانه، ويسهل عليه قراءته، فإذا هجره ثقلت عليه
стр. 343
القراءة، وشقت عليه «١» ، ولكن المصطلح الشرعي حصر (صاحب بالقران) بمن يقرؤه عن ظهر قلب، ويحفظه غيبا فيما يظهر من قول النبي ﷺ : «مثل القران إذا عاهد عليه صاحبه فقرأه باللّيل والنّهار كمثل رجل له إبل فإن عقلها حفظها وإن أطلق عقلها ذهبت فكذلك صاحب القران» «٢» ... إذ المفهوم العام يدل على أن المراد تنبيه الحافظ لديمومة حزبه ... وقد يعترض على هذا بأن الذي يترك قراءته نظرا أمدا طويلا ... يشق عليه بعد ذاك ... فيصدق على القارئ للمصحف نظرا هذا المصطلح، وهو ما يظهر أن ابن حجر حاول إثباته عندما قال: «وقوله إنما يقتضي الحصر على الراجح لكنه حصر مخصوص بالنسبة إلى الحفظ والنسيان بالتلاوة والترك» «٣» ولكن ذلك غير راجح- وإن قبل- لأن الحفظ المذكور في الحديث يقرب أن يكون المراد عن ظهر قلب.
ثالثا: أهل القران:
وقد ورد هذا المصطلح في قوله ﷺ : «إن لله اهلين من الناس» قيل: من هم يا رسول الله؟ قال: «أهل القران هم أهل الله وخاصته» «٤» ، وعن عبيدة المليكي ﵁ عن رسول الله ﷺ أنه كان يقول: «يا أهل القران لا توسدوا القران واتلوه حق تلاوته في اناء الليل والنهار، وأفشوه، وتغنوا به، واذكروا ما فيه لعلكم تفلحون ولا تستعجلوا ثوابه فإن له ثوابا» «٥» ، وعن طاووس أنه سأل ابن
стр. 344
عباس ﵁: ما معنى قول الناس: أهل القران عرفاء أهل الجنة. فقال: رؤساء أهل الجنة «١» .
وانتشر هذا المصطلح فيما بعد فقد جاء عن عبيد بن عمير كان يقول إذا جاء الشتاء: يا أهل القران طال الليل لصلاتكم، وقصر النهار لصيامكم فاغتنموا «٢» .
رابعا: مصطلح (جمع القران) فالاسم منه جامع:
ورد هذا المصطلح في أحاديث عديدة ومنها: حديث أنس ﵁: جمع القران على عهد رسول الله ﷺ أربعة ... الحديث، وحديث أبي هريرة في أول ثلاثة يقضى بينهم يوم القيامة وفيه: «فأول من يدعوا به رجل جمع القران ورجل يقتل في سبيل الله ورجل كثير المال فيقول للقارئ ألم أعلمك ما أنزلت على رسولي قال بلى يا رب قال فماذا عملت فيما علمت قال كنت أقوم به أثناء الليل واناء النهار فيقول الله له كذبت وتقول الملائكة كذبت ويقول الله بل أردت أن يقال فلان قارئ فقد قيل ... » الحديث «٣» .
تحرير هذا المصطلح:
واضح أن المراد به القراءة عن ظهر قلب، ومن ذلك قول المحدث أبي صالح: لأن أكون جمعت القران ثم قمت به سنة كان أحب إلي من كذا وكذا، وذلك أنه بلغني أنه يقال لصاحب القران اقرأ وارق ورتل فيرجى إذا كان جمع القران أن يكون من المقربين «٤» ، وقد يرد هذا المصطلح بمعنى كتابته كله
стр. 345
حروفا وكلمات وايات وسورا هذا جمع في الصحائف والسطور وذاك جمع في القلوب والصدور «١» .
خامسا: مصطلح (حافظ القران) :
ورد في حديث الماهر بالقران قال رسول الله ﷺ : «مثل الذي يقرأ القران وهو حافظ له» «٢» ، وورد بصيغة الفعل منه، وورد بلفظه في لغة التابعين فعن مكحول قال: دخلت أنا وأبو الأزهر على واثلة بن الأسقع فقلنا: يا أبا الأسقع حدثنا بحديث سمعته من رسول الله ﷺ ليس فيه وهم ولا تزيد ولا نسيان فقال:
هل قرأ أحد منكم من القران شيئا فقلنا نعم وما نحن له بالحافظين جدا إنا لنزيد الواو والألف وننقص.. «٣» ..
وورد أصل اسم الفاعل وهو الفعل، وقد كثر هذا فعن أبي الدّرداء ﵁ أنّ النّبيّ ﷺ قال: «من حفظ عشر ايات من أوّل سورة الكهف عصم من الدّجّال» «٤» .
وقد شاع هذا المصطلح لموافقته لقول الله إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحافِظُونَ (الحجر: ٩) ، ولأنه يحقق مراد مصطلح الصاحب والحامل وهو (الحافظ) ليطلقوه على من قرأ القران عن ظهر قلب ... ولذا كثر في عبارات المتأخرين ... ولا شك أن مصطلح (حامل القران) أكثر دلالة وظهورا على المطلوب مع التواضع الظاهر فيه مقارنة بمصطلح حافظ القران.
стр. 346
سادسا: مصطلح القارئ، وجمعه القراء:
وقد ورد كثيرا في الأحاديث النبوية وتقدم بعضها وسيأتي بعضها بعد هذا- إن شاء الله-.
تحرير هذا المصطلح:
بيان حقيقة هذا المصطلح مسألة جليلة تغافل عنها كثير من مؤسسات تعليم القران الكريم ولذا لا بد من التوسع في تبيينها فإن لمصطلح (القراء) عند القوم إطلاقين: مطلق العالم بما يتعلق بالكتاب والسنة، والجامع للقران الكريم الذي يقرؤه عن ظهر قلب، ولكن لم يكن الفرق بينا في عهد رسول الله ﷺ بين هذين المعنيين، ويدل على شمول مصطلح القارئ لمفهوم العالم قولها ﷺ : «فأول من يدعوا به رجل جمع القران ورجل يقتل في سبيل الله ورجل كثير المال فيقول للقارئ: ألم أعلمك ما أنزلت على رسولي قال بلى يا رب قال فماذا عملت فيما علمت قال كنت أقوم به أثناء الليل واناء النهار فيقول الله له كذبت وتقول الملائكة كذبت ويقول الله بل أردت أن يقال فلان قارئ فقد قيل ... » الحديث «١» .
وهذان اللفظان: قارئ وعالم إن اجتمعا افترقا، وإن انفرد القارئ فالأصل فيه الدلالة على العلم، ويؤيد هذا الرواية الاخرى لهذا الحديث: «إن أول الناس يقضى عليه يوم القيامة ... ورجل تعلم العلم وعلمه وقرأ القران فأتي به فعرفه نعمه فعرفها قال فما عملت فيها قال تعلمت العلم وعلمته وقرأت فيك القران قال كذبت ولكنك تعلمت العلم ليقال عالم وقرأت القران ليقال هو قاريء فقد قيل ثم أمر به فسحب على وجهه حتى ألقي في النار ... » الحديث «٢» .
стр. 347
وغلب على الصحابة ﵃ علم نقل اللفظ القراني لأنه مادة البلاغ الأصلية حتى قال فيهم المنافقون: ما رأينا مثل قرائنا هؤلاء أرغب بطونا، ولا أكذب ألسنا، ولا أجبن عند اللقاء «١» .
ومن هذا الباب: «أن القارئ لا يكون قارئا إلا مع فهم القران» قال ابن زيد في قوله: فَسْئَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ (النحل: ٤٣) : «الذكر القران» وقرأ: إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحافِظُونَ (الحجر: ٩) ، وقرأ:
إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِالذِّكْرِ لَمَّا جاءَهُمْ (فصلت: ٤١) «٢» .
فقد دخل في معنى قوله ﷺ : «خيركم من تعلم القران وعلمه» «تعليم حروفه ومعانيه جميعا، بل تعلم معانيه هو المقصود الأول بتعليم حروفه، وذلك هو الذي يزيد الإيمان» «٣» .
صفة أئمة الإقراء من أصحابه ﵃: وهذه صفة تلاميذه (أصحابه) من القراء فقد كانوا أعلم الناس بالعلوم الشرعية فعن عبد الله بن مسعود قال: من تعلم القران فليتعلم الفرائض ولا يكن كرجل لقيه أعرابي فقال له: يا عبد الله أعرابي أم مهاجر؟ فإن قال: مهاجر. قال: إنسان من أهلي مات فكيف نقسم ميراثه فإن علم كان خيرا أعطاه الله إياه وإن قال لا أدري قال فما فضلكم علينا؟
أنكم تقرؤون القران ولا تعلمون الفرائض «٤» ، وقال أبو موسى ﵁: من علم القران ولم يعلم الفرائض فإنّ مثله مثل البرنس لا وجه له أو ليس له وجه «٥» .
стр. 348
ومن أعظم مخاطر اقتصار المقرئ على مجرد تلقين الألفاظ أن يفسد عمله في تعليم الناس القران دون أن يشعر:
إذ أصناف القراء على التحقيق ثلاثة: «فمن حملة القران المعرب العالم بوجوه الإعراب والقراات العارف باللغات ومعاني الكلمات البصير بعيب القراات المنتقد للاثار فذلك الإمام الذي يفزع إليه حفاظ القران في كل مصر من أمصار المسلمين، ومنهم من يعرب ولا يلحن ولا علم له بغير ذلك فذلك كالأعرابي الذي يقرأ بلغته ولا يقدر على تحويل لسانه فهو مطبوع على كلامه، ومنهم من يؤدي ما سمعه ممن أخذ عنه ليس عنده إلا الأداء لما تعلم لا يعرف الإعراب ولا غيره فذلك الحافظ فلا يلبث مثله أن ينسى إذا طال عهده فيضيع الإعراب لشدة تشابهه وكثرة فتحه وضمه وكسره في الاية الواحدة لأنه لا يعتمد على علم بالعربية ولا بصر بالمعاني يرجع إليه وإنما اعتماده على حفظه» «١» .
وعلى ضوء هذا يفهم معنى ما جاء عن ابن المبارك عندما قام رجل إليه فقال: يا أبا عبد الرحمن! في أي شيء أجعل فضل يومي في تعلم القران أو في طلب العلم؟ فقال: هل تقرأ من القران ما تقيم به صلاتك؟ قال: نعم! قال:
فاجعله في طلب العلم الذي يعرف به القران «٢» .
كما أن المراد بتعلم المعاني ليس تعلم العلوم بالمعنى المصطلحي- وإن كان مطلوبا للمتأهل والمتصدر للإقراء، بل المراد بالنسبة للعامة من المقرئين التدبر وفهم المعنى على الأقل.
стр. 349
ولكن ينبغي ذلك مع عدم الإكثار من المادة المصاحبة لحفظ ألفاظ القران الكريم كما في حديث بن مسعود ﵁: جرّدوا القران ليربو فيه صغيركم ولا ينأى عنه كبيركم «أي لا تقرنوا به شيئا من الأحاديث ليكون واحده مفردا وقيل أراد ألايتعلّموا من كتب الله شيئا سواه ... ، والمعنى اجعلوا القران لهذا وخصّوه به، واقصروه عليه، دون النّسيان والإعراض عنه، لينشأ على تعلّمه صغاركم، ولا يتبعاد عن تلاوته وتدبّره كباركم» «١» .
المطلب الثاني: تعليمه ﷺ صفات حامل القران الذي يستحق هذه الألقاب:
علم النبي ﷺ أصحابه ﵃ صفات حامل القران الذي يستحق الألقاب السابقة:
أولا: أول صفات الحافظ التي تجعله يعتز بكونه حاملا للقران: محاولته الدائمة للتفكر في جلال الله، وأسمائه الحسنى، وصفاته العلى:
فإن ذلك هو الذي يولد في قلبه مقدار جلال كلامه ﷻ ، وقد علم النبي ﷺ أصحابه ذلك أشد التعليم وأعظمه؛ إذ تلحظ ذلك من أحاديثه المتوافرة، ومن إضافة ايات الكتاب إليه سبحانه في مثل قوله ﷻ : آياتُ اللَّهِ (البقرة: ٢٥٢) ، ومن تبجيل كلام الله ببيان كيف تلقاه جبريل ﵇، وكيف كان يتلقاه النبي ﷺ ... وهو الذي جعله الغزالي في جواهر القران أهم ما يستعان به على حفظ القران وفهمه، ومما قاله: «حال العارفين ونسبة لذتهم إلى لذة الغافلين: واعلم أنه لو خلق فيك شوق إلى لقاء الله، وشهوة إلى معرفة جلاله أصدق وأقوى من شهوتك للأكل والنكاح لكنت تؤثر جنة المعارف ورياضها وبساتينها على الجنة
стр. 350
التي فيها قضاء الشهوات المحسوسة» «١» ، فإذا استقر في ذهن المرء وسويداء قلبه أن القران كلام الله ﷻ أنزله الله على البشر مباركا وهدى للناس ... علم مقدار جلاله، وعظمته.
وإنما كان خير الناس هو المقرئ إلا لأن خيرهم بعد النبيين من يتعلم القران ويعلمه «٢» بعد أن استقر أن خير الكلام كلام الله، فقوله ﷺ : «خيركم من تعلم القران وعلمه» أي خير المتعلمين والمعلمين من كان تعلمه وتعليمه في القران لا في غيره إذ خير الكلام كلام الله فكذا خير الناس بعد النبيين من اشتغل به «٣» ، ولذا فإن معنى كونه مع الملائكة أنه يكون رفيقا لهم هناك لاتصافه بصفتهم من حمل كتابه «٤» .
ثانيا: تعلم معاني الألفاظ مع تلقيها:
فيتعلمون مع ألفاظه معانيه، ويتدبرونه، ويعلمون حلاله وحرامه: فإن النبي ﷺ هكذا علمه فلم يكن تعليم النبي ﷺ لأصحابه ألفاظ القران الكريم إلا مع معانيه وتدل لهذا الأدلة التالية:
١- ما جاء في قوله : وَلكِنْ كُونُوا رَبَّانِيِّينَ بِما كُنْتُمْ تُعَلِّمُونَ الْكِتابَ (ال عمران: ٧٩) : فقد قال الضحاك فيها: «حق على كل من تعلم القران أن يكون فقيها» وقد قال الفضيل بن عياض في المكثرين من العلوم الاخرى تاركين كتاب الله: ... وقد ضيعتم كتاب الله ولو طلبتم كتاب الله لوجدتم فيه شفاء لما
стр. 351
تريدون قال قلنا: قد تعلمنا القران قال: إن في تعلمكم القران شغلا لأعماركم وأعمار أولادكم ... إذا عرفتم ذلك استغنيتم عن كلام فضيل وابن عيينة ثم قال: أعوذ بالله السميع العليم من الشيطان الرجيم بسم الله الرحمن الرحيم:
يا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جاءَتْكُمْ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَشِفاءٌ لِما فِي الصُّدُورِ وَهُدىً وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ (٥٧) قُلْ بِفَضْلِ اللَّهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذلِكَ فَلْيَفْرَحُوا هُوَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ (يونس: ٥٧- ٥٨) «١» .
٢- لم يعلمهم النبي ﷺ أن يتقنوا الألفاظ إلا لتحقيق مقاصد القران:
كما في قوله : كِتابٌ أَنْزَلْناهُ إِلَيْكَ مُبارَكٌ لِيَدَّبَّرُوا آياتِهِ (ص: ٢٩) ، وأنكر النبي ﷺ على قوم يقرؤونه لا يفقهونه فقال: «يقرؤن القران لا يجاوز تراقيهم ولكن إذا وقع في القلب فرسخ فيه نفع» فالمطلوب تعقله وتدبره بوقوعه في القلب «٢» .
ولذا نعى العلماء على قارئ أو مقرئ لا يحسن غير ذلك، فقد قال الغزالي رحمه الله تعالى-: «أنبهك على رقدتك أيها المسترسل في تلاوتك المتخذ دراسة القران عملا المتلقف من معانيه ظواهر وجملا إلى كم تطوف على ساحل البحر مغمضا عينيك عن غرائبها، أو ما كان لك أن تركب متن لجتها لتبصر عجائبها وتسافر إلى جزائرها لاجتناء أطايبها، وتغوص في عمقها فتستغني بنيل جواهرها؟ أو ما بلغك أن القران هو البحر المحيط ومنه يتشعب علم الأولين والاخرين؟» «٣» .
стр. 352
٣- حديث ابن مسعود ﵁ قال: كنّا نتعلّم من رسول الله ﷺ عشر ايات فما نعلم العشر الّتي بعدهنّ حتّى نتعلّم ما أنزل في هذه العشر من العمل «١» ...
فهذا بيان للمنهجية النبوية في تعليم اللفظ القراني.
٤- عن أبي عبد الرحمن السلمي قال: حدثني الذين كانوا يقرئوننا عثمان بن عفان وعبد الله بن مسعود وأبي بن كعب ﵃ وفي رواية الطحاوي كان أصحابنا يقرئونا ويعلّمونا ويخبرونا- أنّ النّبيّ ﷺ كان يقرئ أحدهم عشر ايات فما يجاوزها حتّى يتعلّم العمل فيها قال: وقالوا علمنا القران والعمل جميعا «٢» وفي لفظ: فعلمنا العلم والعمل «٣» .
٥- وقال: إنا أخذنا هذا القران عن قوم أخبرونا أنهم كانوا إذا تعلموا عشر ايات لم يجاوزوهن إلى العشر الاخر حتى يعلموا ما فيهن، فكنا نتعلم القران والعمل به، وإنه سيرث القران بعدنا قوم ليشربونه شرب الماء لا يجاوز تراقيهم بل لا يجاوز ها هنا ووضع يده على الحلق «٤» .
٦- وعن عبد الله بن عمر ﵁ قال: لقد عشنا برهة من دهر وأحدنا يؤتى الإيمان قبل القران وتنزل السّورة على محمّد ﷺ فيتعلّم حلالها وحرامها وامرها وزاجرها وما ينبغي أن يوقف عنده منها كما تتعلّمون أنتم اليوم القران ثمّ لقد رأيت اليوم رجالا يؤتى أحدهم القران قبل الإيمان فيقرأ ما بين فاتحته إلى
стр. 353
خاتمته، ولا يدري ما امره، ولا زاجره، ولا ما ينبغي أن يوقف عنده منه وينتثره نثر الدّقل «١» .
وهذا يقتضي منهجيا أن يتدرج القائمون على دور القران وكلياته وجامعاته في تدريس المواد الشرعية الضرورية مع تعليم القران الكريم بحسب المرحلة المناسبة للطالب.
وكان مجلس أئمة الإقراء ﵃ يمتلئ بالمذاكرة العلمية فمثلا كان الناس عند عبد الله بن مسعود فوقع بين رجلين ما يقع بين الناس فوثب كل واحد منهم إلى صاحبه فقال بعضهم: ألا أقوم فامرهما بالمعروف وأنهاهما عن المنكر فقال:
بعضهم عليك نفسك إن الله تعالى قال: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ لا يَضُرُّكُمْ مَنْ ضَلَّ إِذَا اهْتَدَيْتُمْ (المائدة: ١٠٥) فسمعها ابن مسعود فقال: لم يجيء تأويل هذه الاية بعد، إن القران أنزل حين أنزل وكان منه اي مضى تأويله قبل أن ينزل، وكان منه اي وقع تأويله اليوم، ومنه اي يقع تأويله عند الساعة، وما ذكروا من أمر الساعة، ومنه اي يقع تأويله بعد يوم الحساب والجنة والنار، فما دامت قلوبكم واحدة وأهواؤكم واحدة ولم تلبسوا شيعا ولم يذق بعضكم بأس بعض فمروا وانهوا، فإذا اختلفت القلوب والأهواء وألبستم شيعا وذاق بعضكم بأس بعض فامرؤ ونفسه فعند ذلك جاء تأويلها «٢» .
ثالثا: تعلم الإيمان مع تعلم ألفاظ القران «٣» :
والمراد به هنا العمل؛ إذ لفظ الإيمان يستغرق العلم والعمل جميعا، ولكن تخصيص مدلول الإيمان بالعمل يقتدى فيه بالتعبير القراني في قوله ﷻ : وَقالَ
стр. 354
الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ وَالْإِيمانَ (الروم: ٥٦) ، وسلب الإيمان (العمل) من أخوف ما يتقيه حامل القران، وقد علمهم النبي ﷺ ذلك حتى أخبرهم بأن القران قد يستظهره ألد أعدائه فقال ﷺ : «يخرج من الكاهنين رجل يدرس القران دراسة لا يدرسها أحد يكون بعده» «١» .
وأما ما أشار إليه بعض الصحابة كجندب بن عبد الله، وعبد الله بن عمر وغيرهما بقولهم: تعلمنا الإيمان ثم تعلمنا القران فازددنا إيمانا وأنتم تتعلمون القران ثم تتعلمون الإيمان، وكذلك قال حذيفة: إنا قوم أوتينا الإيمان قبل أن نؤتى القران، وإنكم قوم أوتيتم القران قبل أن تؤتوا الإيمان «٢» ... فالمراد بالإيمان هنا أخص العمل وهو الاستعداد والخشية والحب والتلهف، ومثله ما جاء عن حذيفة قال: حدثنا رسول الله ﷺ حديثين رأيت أحدهما وأنا أنتظر الاخر أن الأمانة نزلت في جذر قلوب الرجال ثم علموا من القران ثم علموا من السنة.. «٣» . على أن تعلم لفظ القران سابق على كل شيء.
ولا يتوهم من قوله ﷺ : «خيركم من تعلم القران وعلمه» : «أن العمل خارج عنهما؛ لأن العلم إذا لم يكن مورثا للعمل ليس علما في الشريعة إذا أجمعوا على أن من عصى الله فهو جاهل» «٤» ، وقد قال ابن عبد البر: «وحملة القران هم العاملون بأحكامه وحلاله وحرامه بما فيه» «٥» ، ولذا فالأجر إنما يكون لمن يعمل به فعن النّوّاس بن سمعان الكلابيّ قال: سمعت النّبيّ ﷺ يقول:
стр. 355
«يؤتى بالقران يوم القيامة وأهله الّذين كانوا يعملون به تقدمه سورة البقرة وال عمران وضرب لهما رسول الله ف ثلاثة أمثال ما نسيتهنّ بعد قال كأنّهما غمامتان أو ظلّتان سوداوان بينهما شرق أو كأنّهما حزقان من طير صوافّ تحاجّان عن صاحبهما» «١» .
مثال تطبيقي من تلاميذ النبي ﷺ : وقد أثنى النبي ﷺ على رجل ذكر عنده بأنه يعمل بالقران: فعن السائب بن يزيد أنّ شريحا الحضرميّ ذكر عند رسول الله ﷺ فقال رسول الله ﷺ : «لا يتوسّد القران» «٢» ، فقوله: «لا يتوسد القران» مدح على الراجح بأنه يعظّم القران ويجلّه ويداوم على قراءته، لا كمن يمتهنه ويتهاون به ويخلّ بتلاوته «٣» .
ومن الأمور العملية التي خص حملة القران بالنداء إليها: ما ورد عن علي ﵁ قال: إن الوتر ليس بحتم ولا كصلاتكم المكتوبة ولكن رسول الله ﷺ أوتر ثم قال: «يا أهل القران أوتروا فإن الله وتر يحب الوتر» «٤» ، وذكر بعض أهل العلم أن تخصيصه أهل القران بالأمر فيه يدل على أنه واجب. «٥» .، ويؤكد التخصيص نص حديث عبد الله بن مسعود عن النبي ﷺ قال: «إن الله وتر يحب الوتر أوتروا يا أهل القران» فقال أعرابي: ما يقول رسول الله ﷺ ؟ قال: ليس لك ولا لأصحابك.