تريدون قال قلنا: قد تعلمنا القران قال: إن في تعلمكم القران شغلا لأعماركم وأعمار أولادكم ... إذا عرفتم ذلك استغنيتم عن كلام فضيل وابن عيينة ثم قال: أعوذ بالله السميع العليم من الشيطان الرجيم بسم الله الرحمن الرحيم:
يا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جاءَتْكُمْ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَشِفاءٌ لِما فِي الصُّدُورِ وَهُدىً وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ (٥٧) قُلْ بِفَضْلِ اللَّهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذلِكَ فَلْيَفْرَحُوا هُوَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ (يونس: ٥٧- ٥٨) «١» .
٢- لم يعلمهم النبي ﷺ أن يتقنوا الألفاظ إلا لتحقيق مقاصد القران:
كما في قوله : كِتابٌ أَنْزَلْناهُ إِلَيْكَ مُبارَكٌ لِيَدَّبَّرُوا آياتِهِ (ص: ٢٩) ، وأنكر النبي ﷺ على قوم يقرؤونه لا يفقهونه فقال: «يقرؤن القران لا يجاوز تراقيهم ولكن إذا وقع في القلب فرسخ فيه نفع» فالمطلوب تعقله وتدبره بوقوعه في القلب «٢» .
ولذا نعى العلماء على قارئ أو مقرئ لا يحسن غير ذلك، فقد قال الغزالي رحمه الله تعالى-: «أنبهك على رقدتك أيها المسترسل في تلاوتك المتخذ دراسة القران عملا المتلقف من معانيه ظواهر وجملا إلى كم تطوف على ساحل البحر مغمضا عينيك عن غرائبها، أو ما كان لك أن تركب متن لجتها لتبصر عجائبها وتسافر إلى جزائرها لاجتناء أطايبها، وتغوص في عمقها فتستغني بنيل جواهرها؟ أو ما بلغك أن القران هو البحر المحيط ومنه يتشعب علم الأولين والاخرين؟» «٣» .
стр. 352
٣- حديث ابن مسعود ﵁ قال: كنّا نتعلّم من رسول الله ﷺ عشر ايات فما نعلم العشر الّتي بعدهنّ حتّى نتعلّم ما أنزل في هذه العشر من العمل «١» ...
فهذا بيان للمنهجية النبوية في تعليم اللفظ القراني.
٤- عن أبي عبد الرحمن السلمي قال: حدثني الذين كانوا يقرئوننا عثمان بن عفان وعبد الله بن مسعود وأبي بن كعب ﵃ وفي رواية الطحاوي كان أصحابنا يقرئونا ويعلّمونا ويخبرونا- أنّ النّبيّ ﷺ كان يقرئ أحدهم عشر ايات فما يجاوزها حتّى يتعلّم العمل فيها قال: وقالوا علمنا القران والعمل جميعا «٢» وفي لفظ: فعلمنا العلم والعمل «٣» .
٥- وقال: إنا أخذنا هذا القران عن قوم أخبرونا أنهم كانوا إذا تعلموا عشر ايات لم يجاوزوهن إلى العشر الاخر حتى يعلموا ما فيهن، فكنا نتعلم القران والعمل به، وإنه سيرث القران بعدنا قوم ليشربونه شرب الماء لا يجاوز تراقيهم بل لا يجاوز ها هنا ووضع يده على الحلق «٤» .
٦- وعن عبد الله بن عمر ﵁ قال: لقد عشنا برهة من دهر وأحدنا يؤتى الإيمان قبل القران وتنزل السّورة على محمّد ﷺ فيتعلّم حلالها وحرامها وامرها وزاجرها وما ينبغي أن يوقف عنده منها كما تتعلّمون أنتم اليوم القران ثمّ لقد رأيت اليوم رجالا يؤتى أحدهم القران قبل الإيمان فيقرأ ما بين فاتحته إلى
стр. 353
خاتمته، ولا يدري ما امره، ولا زاجره، ولا ما ينبغي أن يوقف عنده منه وينتثره نثر الدّقل «١» .
وهذا يقتضي منهجيا أن يتدرج القائمون على دور القران وكلياته وجامعاته في تدريس المواد الشرعية الضرورية مع تعليم القران الكريم بحسب المرحلة المناسبة للطالب.
وكان مجلس أئمة الإقراء ﵃ يمتلئ بالمذاكرة العلمية فمثلا كان الناس عند عبد الله بن مسعود فوقع بين رجلين ما يقع بين الناس فوثب كل واحد منهم إلى صاحبه فقال بعضهم: ألا أقوم فامرهما بالمعروف وأنهاهما عن المنكر فقال:
بعضهم عليك نفسك إن الله تعالى قال: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ لا يَضُرُّكُمْ مَنْ ضَلَّ إِذَا اهْتَدَيْتُمْ (المائدة: ١٠٥) فسمعها ابن مسعود فقال: لم يجيء تأويل هذه الاية بعد، إن القران أنزل حين أنزل وكان منه اي مضى تأويله قبل أن ينزل، وكان منه اي وقع تأويله اليوم، ومنه اي يقع تأويله عند الساعة، وما ذكروا من أمر الساعة، ومنه اي يقع تأويله بعد يوم الحساب والجنة والنار، فما دامت قلوبكم واحدة وأهواؤكم واحدة ولم تلبسوا شيعا ولم يذق بعضكم بأس بعض فمروا وانهوا، فإذا اختلفت القلوب والأهواء وألبستم شيعا وذاق بعضكم بأس بعض فامرؤ ونفسه فعند ذلك جاء تأويلها «٢» .
ثالثا: تعلم الإيمان مع تعلم ألفاظ القران «٣» :
والمراد به هنا العمل؛ إذ لفظ الإيمان يستغرق العلم والعمل جميعا، ولكن تخصيص مدلول الإيمان بالعمل يقتدى فيه بالتعبير القراني في قوله ﷻ : وَقالَ
стр. 354
الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ وَالْإِيمانَ (الروم: ٥٦) ، وسلب الإيمان (العمل) من أخوف ما يتقيه حامل القران، وقد علمهم النبي ﷺ ذلك حتى أخبرهم بأن القران قد يستظهره ألد أعدائه فقال ﷺ : «يخرج من الكاهنين رجل يدرس القران دراسة لا يدرسها أحد يكون بعده» «١» .
وأما ما أشار إليه بعض الصحابة كجندب بن عبد الله، وعبد الله بن عمر وغيرهما بقولهم: تعلمنا الإيمان ثم تعلمنا القران فازددنا إيمانا وأنتم تتعلمون القران ثم تتعلمون الإيمان، وكذلك قال حذيفة: إنا قوم أوتينا الإيمان قبل أن نؤتى القران، وإنكم قوم أوتيتم القران قبل أن تؤتوا الإيمان «٢» ... فالمراد بالإيمان هنا أخص العمل وهو الاستعداد والخشية والحب والتلهف، ومثله ما جاء عن حذيفة قال: حدثنا رسول الله ﷺ حديثين رأيت أحدهما وأنا أنتظر الاخر أن الأمانة نزلت في جذر قلوب الرجال ثم علموا من القران ثم علموا من السنة.. «٣» . على أن تعلم لفظ القران سابق على كل شيء.
ولا يتوهم من قوله ﷺ : «خيركم من تعلم القران وعلمه» : «أن العمل خارج عنهما؛ لأن العلم إذا لم يكن مورثا للعمل ليس علما في الشريعة إذا أجمعوا على أن من عصى الله فهو جاهل» «٤» ، وقد قال ابن عبد البر: «وحملة القران هم العاملون بأحكامه وحلاله وحرامه بما فيه» «٥» ، ولذا فالأجر إنما يكون لمن يعمل به فعن النّوّاس بن سمعان الكلابيّ قال: سمعت النّبيّ ﷺ يقول:
стр. 355
«يؤتى بالقران يوم القيامة وأهله الّذين كانوا يعملون به تقدمه سورة البقرة وال عمران وضرب لهما رسول الله ف ثلاثة أمثال ما نسيتهنّ بعد قال كأنّهما غمامتان أو ظلّتان سوداوان بينهما شرق أو كأنّهما حزقان من طير صوافّ تحاجّان عن صاحبهما» «١» .
مثال تطبيقي من تلاميذ النبي ﷺ : وقد أثنى النبي ﷺ على رجل ذكر عنده بأنه يعمل بالقران: فعن السائب بن يزيد أنّ شريحا الحضرميّ ذكر عند رسول الله ﷺ فقال رسول الله ﷺ : «لا يتوسّد القران» «٢» ، فقوله: «لا يتوسد القران» مدح على الراجح بأنه يعظّم القران ويجلّه ويداوم على قراءته، لا كمن يمتهنه ويتهاون به ويخلّ بتلاوته «٣» .
ومن الأمور العملية التي خص حملة القران بالنداء إليها: ما ورد عن علي ﵁ قال: إن الوتر ليس بحتم ولا كصلاتكم المكتوبة ولكن رسول الله ﷺ أوتر ثم قال: «يا أهل القران أوتروا فإن الله وتر يحب الوتر» «٤» ، وذكر بعض أهل العلم أن تخصيصه أهل القران بالأمر فيه يدل على أنه واجب. «٥» .، ويؤكد التخصيص نص حديث عبد الله بن مسعود عن النبي ﷺ قال: «إن الله وتر يحب الوتر أوتروا يا أهل القران» فقال أعرابي: ما يقول رسول الله ﷺ ؟ قال: ليس لك ولا لأصحابك.
стр. 356
وعلمهم النبي ﷺ أن شيوع القران ترتيلا وتغنيا دون إيمان وعمل وتدبر من الخصال التي يخاف أن تصيبهم فعن عابس الغفاري ﵁ قال: سمعت النبي ﷺ يعني خصالا يتخوفهن على أمته من بعده إمارة السفهاء واستخفافا بالدم وقطيعة الرحم وكثرة الشرط ونشء يتخذون القران مزامير يتغنون غناء يقدمون الرجل بين أيديهم ليس بأفضلهم ولا أعلمهم لا يقدمونه إلا ليغنى لهم «١» «فما أقبح لحامل القران أن يتلو فرائضه وأحكامه عن ظهر قلب، وهو لا يفهم ما يتلو، فكيف يعمل بما لا يفهم معناه» «٢» .
وكتسلسل لهذه المنهجية كان أبو موسى ﵁ يقول لتلاميذه: إنّ هذا القران كائن لكم أجرا وكائن لكم ذكرا وكائن بكم نورا وكائن عليكم وزرا.
اتّبعوا القران ولا يتّبعكم القران فإنّه من يتّبع القران يهبط به في رياض الجنّة ومن اتّبعه القران يزخّ في قفاه فيقذفه في جهنّم «٣» ، وكان أبو عبد الرحمن السلمى إذا ختم عليه الخاتم القران أجلسه بين يديه ووضع يده على رأسه وقال له: يا هذا اتق الله فما أعرف أحدا خيرا منك إن عملت بالذي عملت «٤» وذكر أبو بكر الأنباري عن عبد الله بن مسعود: إنا صعب علينا حفظ ألفاظ القران وسهل علينا العمل به وإن من بعدنا يسهل عليهم حفظ القران ويصعب عليهم العمل به.
تعلم العلم والعمل جميعا أساس في المنهجية النبوية:
فقد ظهر مما سبق المنع من تعلم المعشر الجديد حتى يتم العلم بما في القديم من العمل، وهذا يقتضي العلم بما فيها من المعنى.
стр. 357
والمقتضى المنهجي لذلك:
إعادة هذا الأسلوب، وتطبيقه، وإتحافه بعدد من الأنشطة العملية التي تواكب تطبيق الايات: كالإنفاق ولو بمبلغ رمزي عند قراءة اية الإنفاق، والتفكر عند قراءة اية التفكر، وأمر المتعلم بشرح أحكام الزواج مثلا بعد قراءتها كنوع من الإصرار على الفهم العام.
ومن المقتضيات إعداد منهج مواكب لعمل التحفيظ أو التلقين أو الإقراء تشرح فيه معاني القران بيسر، وتقترح فيه النشطة العملية المقترحة لمواكبة الايات المتعلمة.
اعتراض وجوابه:
قد يعترض على هذا بأنه يطيل أمد الحفظ ومدته والجواب أن هذا هو الأمر الشرعي، ولا دخل لما ال إليه الأمر هذه الأيام في كثير من مؤسسات التحفيظ، كما أن من مقتضيات ذلك إعداد معلم القران إعدادا قويا يناسب قيامه بهذه الوظيفة الجليلة. كما لا يعترض على هذا بتفاوت مدارك المتعلمين لأن هذا المبدأ يفرض تفاوت التعامل مع كل طالب بحسب حاله.
وأما الصغار فلا بد من مراعاة مقدار ذلك معهم ذلك لا إزالة الفكرة من أصلها.
رابعا: ورأس الصفات العملية للإيمان الإخلاص لله تعالى:
وهو ما كان النبي ﷺ يعلمهم إياه مذ بعث، وبين القاري أن الخيرية في قوله ﷺ : «خيركم من تعلم» : «لكن لا بد من تقييد التعلم والتعليم بالإخلاص» «١» ، فمن أخلصهما وتخلق بهما دخل في زمرة الأنبياء «٢» ، ولإذكاء صفة الإخلاص في نفس القارئ، فقد كان من أسلوب النبي ﷺ في نفوس حملة القران أن يبين لهم
стр. 358
مقدار الوعيد الشديد فيمن يزيغ عن ايات الله بعد أن يعلمها كما في قول ﷻ :
وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ الَّذِي آتَيْناهُ آياتِنا فَانْسَلَخَ مِنْها فَأَتْبَعَهُ الشَّيْطانُ فَكانَ مِنَ الْغاوِينَ (١٧٥) وَلَوْ شِئْنا لَرَفَعْناهُ بِها وَلكِنَّهُ أَخْلَدَ إِلَى الْأَرْضِ وَاتَّبَعَ هَواهُ فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ الْكَلْبِ إِنْ تَحْمِلْ عَلَيْهِ يَلْهَثْ أَوْ تَتْرُكْهُ يَلْهَثْ ذلِكَ مَثَلُ الْقَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنا فَاقْصُصِ الْقَصَصَ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ
(١٧٦) (الأعراف: ١٧٥- ١٧٦) ، ففي ذلك زيادة التشنيع لمن يفعل فعل الذي أخلد إلى الأرض، وبيان حقيقة مكانة حامل القران إن اهتدى أو ضل، وقد حبذ بعض المقرئين تحفيظ القراء- مع قراءتهم- حديث أبي هريرة في أول ثلاثة يقضى بينهم يوم القيامة وفيه: «فأول من يدعوا به رجل جمع القران ورجل يقتل في سبيل الله ورجل كثير المال فيقول للقارئ ألم أعلمك ما أنزلت على رسولي قال بلى يا رب قال فماذا عملت فيما علمت قال كنت أقوم به أثناء الليل واناء النهار فيقول الله له كذبت وتقول الملائكة كذبت ويقول الله بل أردت أن يقال فلان قارئ فقد قيل ... » الحديث «١» ..
وتسلسل منهجية التذكير بالإخلاص للقراء، فقد خطب عمر ابن الخطّاب ﵁ فقال: يا أيّها النّاس ألا إنّا إنّما كنّا نعرفكم إذ بين ظهرينا النّبيّ ﷺ وإذ ينزل الوحي وإذ ينبئنا الله من أخباركم ألا وإنّ النّبيّ ﷺ قد انطلق وقد انقطع الوحي وإنّما نعرفكم بما نقول لكم من أظهر منكم خيرا ظننّا به خيرا وأحببناه عليه ومن أظهر منكم لنا شرّا ظننّا به شرّا وأبغضناه عليه سرائركم بينكم وبين ربّكم ألا إنّه قد أتى عليّ حين وأنا أحسب أنّ من قرأ القران يريد الله وما عنده فقد خيّل إليّ باخرة إنّ رجالا قد قرؤه يريدون به ما عند النّاس فأريدوا الله بقراءتكم وأريدوه بأعمالكم «٢» .
стр. 359
خامسا: مداومة تلاوته:
والمراد بالتلاوة هنا معناها الخاص، وهو القراءة فقد علمهم النبي ﷺ ذلك فيما رواه أبو هريرة أنّ رسول الله ﷺ قال: «لا حسد إلا في اثنتين رجل علّمه الله القران فهو يتلوه اناء اللّيل واناء النّهار فسمعه جار له فقال ليتني أوتيت مثل ما أوتي فلان فعملت مثل ما يعمل» «١» .
وقد علمهم أن ذلك يجب ألا يعدل ما سواه حتى لو كان حديث رسول الله فقد حدث عقبة بن عامر الجهنيّ عن رسول الله ﷺ أحاديث فقال أبو موسى:
إنّ صاحبكم هذا لحافظ أو هالك إنّ رسول الله ﷺ كان اخر ما عهد إلينا أن قال عليكم بكتاب الله وسترجعون إلى قوم يحبّون الحديث عنّي فمن قال عليّ ما لم أقل فليتبوّأ مقعده من النّار ومن حفظ عنّي شيئا فليحدّثه «٢» .
وكثرة التلاوة لأن الله «أراد انصباغ النفوس بصبغة هذه المعلومات وتردادها بالنسبة إلى العالم ... ولأجل ذلك أمرنا بتكرار التلاوة والإكثار منها، ولم يكتف بمجرد الفهم» «٣» .
ولذا علمهم النبي ﷺ القراءة في الطريق، بل علمهم التلاوة قائما، أو مضطجعا، أو في فراشه، أو على غير ذلك من الأحوال، وله أجر «٤» .
فعن عائشة قالت: «كان رسول الله ﷺ يتكئ في حجري وأنا حائض ويقرأ القران» ، «ورأسه في حجري» ، وعن أبي موسى الأشعري قال: إني أقرأ القران
стр. 360
في صلاتي وأقرأ على فراشي، وعن عائشة قالت: إني لأقرأ حزبي وأنا مضطجعة على السرير «١» .
وكان النبي ﷺ يعلمهم ذلك ويشتد فيه حتى قال: «تعلّموا القران واقرؤه وارقدوا فإنّ مثل القران ومن تعلّمه فقام به كمثل جراب محشوّ مسكا يفوح ريحه كلّ مكان ومثل من تعلّمه فرقد وهو في جوفه كمثل جراب أوكي على مسك» «٢» .
وقد ضرب لهم النبي ﷺ الأمثال التعليمية المحسوسة التي ترغب في الإكثار من تلاوة القران الكريم لكل المؤمنين من حملة القران وغيرهم، فمن ذلك ما روي عن أبي موسى الأشعري ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «مثل المؤمن الذي يقرأ القران مثل الأترجة ريحها طيب وطعمها طيب ومثل المؤمن الذي لا يقرأ القران مثل التمرة لا ريح لها وطعمها حلو ومثل المنافق الذي يقرأ القران مثل الريحانة ريحها طيب وطعمها مر ومثل المنافق الذي لا يقرأ القران كمثل الحنظلة ليس لها ريح وطعمها مر» «٣» ، وقد زاد البخاري في لفظ له «المؤمن الذي يقرأ القران ويعمل به» ، «وهي زيادة مفسرة للمراد وأن التمثيل وقع بالذي يقرأ القران ولا يخالف ما اشتمل عليه من أمر ونهي لا مطلق التلاوة» «٤» .
وقد حذرهم النبي ﷺ من ازدياد حفظهم وتكريرهم لأمر اخر فوق حفظ القران الكريم وتكريره، فقال ﷺ : «لأن يمتلئ جوف أحدكم قيحا خير له من أن يمتلئ شعرا» «٥» ، وهو ما فقهه البيهقي فبوب: «باب ما يكره أن يكون الغالب
стр. 361
على الإنسان الشعر حتى يصده عن ذكر الله والعلم والقران» «١» ، ووجهه أن يمتلئ قلبه حتى يغلب عليه فيشغله عن القران وعن ذكر الله فيكون الغالب عليه من أي الشعر كان «٢» فالامتلاء يكون للقران.
المقصود من الديمومة في التلاوة:
المراد بها الحزب اليومي الذي لا ينبغي لحامل القران تركه، والذي علمهم النبي ﷺ إياه كما في قوله: «إنه طرأ على حزبي من القران فكرهت أن أخرج حتى أتمه» «٣» ، ولا مانع من الزيادة لا النقصان مع عمل توازن بين هذه الزيادة والمتطلبات الاخرى لحامل القران على ما قرره ابن تيمية في قوله: «وأما الأفضل في حق الشخص فهو بحسب حاجته ومنفعته فان كان يحفظ القران وهو محتاج إلى تعلم غيره فتعلمه ما يحتاج إليه أفضل من تكرار التلاوة التي لا يحتاج إلى تكرارها «٤» ، وكذلك إن كان قد حفظ القران أو بعضه وهو لا يفهم معانيه فتعلمه لما يفهمه من معاني القران أفضل من تلاوة ما لا يفهم معانيه» «٥» .
وتسلسلت المنهجية حيث كان أئمة الإقراء من الصحابة ي يأمرون بالإكثار من تلاوة القران الكريم: فعن شقيق قال: قال عبد الله: إن أحسن ما زين به المصحف لتلاوته في الحق «٦» .
стр. 362
سادسا: تحري الصواب مع خفض الجناح في طلبه:
فقد علمهم النبي ﷺ أن مجرد قراءة القران لا تنجي صاحبها ولا ترفع عنه إصره فعن عبد الله بن مسعود ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «يخرج في اخر الزمان قوم أحداث الأسنان سفهاء الأحلام يقولون من خير قول الناس يقرؤن القران لا يجاوز تراقيهم يمرقون من الإسلام كما يمرق السهم من الرمية فمن لقيهم فليقتلهم فإن قتلهم أجر عند الله لمن قتلهم» «١» ، وعن أم الفضل وعبد الله بن عباس عن رسول الله ﷺ أنه قام ليلة بمكة من الليل فقال:
«اللهم هل بلغت» ثلاث مرات فقام عمر بن الخطاب: وكان أواها فقال: اللهم نعم وحرضت وجهدت ونصحت فقال: «ليظهرن الإيمان حتى يرد الكفر إلى مواطنه ولتخاضن البحار بالإسلام وليأتين على الناس زمان يتعلمون فيه القران يتعلمونه ويقرؤونه ويقولون قد قرأنا وعلمنا فمن ذا الذي هو خير منا فهل في أولئك من خير؟ قالوا: يا رسول الله! ومن أولئك؟ قال: أولئك منكم وأولئك وقود النار» «٢» .
وعلمهم النبي ﷺ خطورة جدال المنافق بالقران: فقال ﷺ : «إياكم وثلاثة: زلة عالم، وجدال منافق بالقران ودنيا تقطع أعناقكم فأما زلة عالم فإن اهتدى فلا تقلدوه دينكم، وإن يزل فلا تقطعوا عنه امالكم، وأما جدال منافق بالقران فإن للقران منارا كمنار الطريق فما عرفتم فخذوه وما أنكرتم فردوه إلى عالمه، وأما دنيا تقطع أعناقكم فمن جعل الله في قلبه غنى فهو غني» «٣» .
стр. 363
سابعا: المحافظة على ما يقرب من الله وينال به حبه من النوافل مع الترفع عن سفاسف الدنيا وإن جازت:
فقال: «إن الله وتر يحب الوتر فأوتروا يا أهل القران» فقال أعرابي: ما تقول قال ليس لك ولا لأصحابك «١» ، وقال ﷺ : «تعلّموا القران واقرؤه وارقدوا فإنّ مثل القران ومن تعلّمه فقام به كمثل جراب محشوّ مسكا يفوح ريحه كلّ مكان ومثل من تعلّمه فرقد وهو في جوفه كمثل جراب أو كي على مسك» «٢» وعليه يحمل نهي النبي ﷺ عن بعض المظاهر التي قد يجتنى منها الخير بزيادة التورع، والمحاسبة الدقيقة لقرأة القران كحديث ابن عباس عن النبي ﷺ قال: «إن أناسا من أمتي سيتفقهون في الدين ويقرؤون القران ويقولون نأتي الأمراء فنصيب من دنياهم ونعتزلهم بديننا ولا يكون ذلك كما لا يجتنى من القتاد ألا الشوك كذلك لا يجتنى من قربهم إلا قال محمد بن الصباح كأنه يعني الخطايا» «٣» ، وقام رجل إلى النّبيّ ﷺ وهو على المنبر فقال: يا رسول الله أيّ النّاس خير؟ فقال ﷺ : «خير النّاس أقرؤهم وأتقاهم وامرهم بالمعروف وأنهاهم عن المنكر وأوصلهم للرّحم» «٤» .
стр. 364
ويمكن تلخيص تعليمه ﷺ الدوافع لتعلم القران الكريم:
أولا: تعليمه ﷺ الدوافع الصحيحة لتعلم القران الكريم وهي:
١- الدافع الإيماني العام: نصرة للعقيدة، ورفعة للشريعة، وحملا للوائها كما قال عبد الله بن عمر يقول لقد عشنا برهة من دهرنا وأحدنا يؤتى الإيمان قبل القران ... الأثر «١» .
٢- التشرف بأن يكون الحافظ أحد الأدوات الواقعية لحقيقة الحفظ الإلهي للقران الكريم إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحافِظُونَ (الحجر: ٩) ، فيكون من أهل الله وخاصته.
٣- زرع الرغبة في الأجر العظيم للحافظ كما سبقت الإشارة إليه.
ثانيا: تعليمه ﷺ الدوافع الخاطئة التي قد تغرس في فؤاد رائم تعلم ألفاظ القران الكريم:
١- التأكل بالقران الكريم: كأن يكون الدافع ابتداء هو المشاركة في مسابقة أو لأجل وظيفة: فمن أهم القواعد التربوية في التعليم لألفاظ القران ما أجمله النبي ﷺ في قوله: «تعلموا القران فإذا علمتموه فلا تغلوا فيه ولا تجفوا عنه ولا تأكلوا به ولا تستكثروا به ... » «٢» ، وقال ﷺ : «فيكم كتاب الله يتعلّمه الأسود والأحمر والأبيض تعلّموه قبل أن يأتي زمان يتعلّمه ناس ولا يجاوز تراقيهم ويقوّمونه كما يقوّم السّهم فيتعجّلون أجره ولا يتأجّلونه» «٣» .
стр. 365
٢- الرئاء والمباهاة، والرئاسة ونحوها من الأخلاق المرذولة: وتقدم اقتراح تحفيظ متعلم القران حديث أول ثلاثة يقضى بينهم يوم القيامة، وعن عبد الله بن مسعود قال: كيف أنتم! إذا لبستكم فتنة يربو فيها الصغير، ويهرم الكبير وتتز سنة مبتدعة يجري عليها الناس فإذا غير منها شيء قيل: قد غيرت السنة قيل:
متى ذلك يا أبا عبد الرحمن قال: إذا كثر قراؤكم، وقل فقهاؤكم، وكثر أمراؤكم، وقل أمناؤكم والتمست الدنيا بعمل الاخرة، وتفقه لغير الدين «١» ، وعن ابن عباس أنه قال: لو أن حملة القران أخذوه بحقه وما ينبغي لأحبهم الله ولكن طلبوا به الدنيا فأبغضهم الله وهانوا على الناس «٢» .
стр. 366
المبحث الثالث: أصحاب (تلاميذ) النبي ﷺ من أئمة الإقراء «المخرجات التعليمية» :
يروم هذا المبحث أن يبين أن حفظ القران الكريم وجمعه بين الصحابة قد صار من العلم العام الأساسي في حياة الأمة الإسلامية، وأن النبي ﷺ قد أخرج عددا كبيرا من حفاظ القران ختموه في حياته، وتابعوا جمع آياته النازلة أولا بأول، وذلك في مطلبين:
المطلب الأول: مؤشرات وقواعد عامة في عدد حفاظ القران الكريم في عهد النبي ﷺ .
المطلب الثاني: من أشهر أئمة الإقراء من أصحاب النبي ﷺ على سبيل التفصيل.
فإلى الصحب الألى حافظوا القران ورفعوه نتجه ... فماذا سنرى؟
حدّث عن القوم فالألفاظ ساجدة ... خلف المحاريب والأوزان تبتهل
المطلب الأول: مؤشرات وقواعد عامة في عدد حفاظ القران الكريم في عهد النبي ﷺ :
لأن تلاوة القران تعليما وهداية (تزكية) هي وظيفة النبي ﷺ ، ولأن معجزته الأولى الخالدة، وبرهان خاتمته للأنبياء هو القران الكريم، وهو أصل أصول الدين- فقد لزم من ذلك ما يلي:
١- ضرورة اليقين في ثبوت كل لفظ من ألفاظه، وهيئة من هيئات أدائه ...
وذلك لأن العادة تقتضي تواتر تفاصيل ذلك، وذلك يقتضي بالضرورة القطع
стр. 367
بالثبوت، والجزم بصحة النقل، واليقين بعدم التغيير، ويتفاوت ذلك بحسب تأثير هيئة الأداء على المعنى. ذلك بأن القران «معجزة للرسول ﵇، وأمر الرسول ﵇ بإظهاره مع قوم تقوم الحجة بقولهم وهم أهل التواتر فلا يظن بهم التطابق على الإخفاء ولا مناجاة الاحاد به حتى لا يتحدث أحد بالإنكار فكانوا يبالغون في حفظ القران حتى كانوا يضايقون في الحروف ويمنعون من كتبة أسامي السور مع القران ومن التعاشير والنقط كيلا يختلط بالقران غيره فالعادة تحيل الإخفاء فيجب أن يكون طريق ثبوت القران القطع» «١» .
٢- انتشار القران في الأمة حتى تصير ألفاظه وهيئات أدائه على سبيل الإجمال من المشاع المعلوم عندهم بالضرورة فلا تستطيع بادرة التغيير أن تتسرب إليه لفظا وأداء (العلم العام بمحتوى القران) .
٣- أن يشمل تعليمه كل الأمة، مع وجود متخصصين في دقائقه؛ لطبيعة رسالة النبي ﷺ وهي أنه ما جاء إلا لتبليغهم كلام ربهم الحافظ المهيمن على معاشهم ومعادهم، وهذا الكلام هو هذا الكتاب.
٤- أن تكون الأمة بمجموعها هي الأداة الواقعية لحقيقة الحفظ الإلهية.
وهذا اليقين القاطع بنقل القران، والدقة البالغة بتوثيقه هو ما اصطلح عليه العلماء بالتواتر، ومرادهم نتيجة التواتر، أو مقتضاه وهو العلم اليقيني الاضطراري بتوثيق نقل القران.
ولهذه الأمور مجتمعة صح- واقعيا- «بنقل الكافة الذي لا مجال للشك فيه أن هذا القران هو المكتوب في المصاحف المشهورة في الافاق كلها» «٢» .
стр. 368
ولذا ظهر الفرق بين القران الكريم وبين الحديث بنوعيه القدسي والنبوي لزاما واقعيا وشرعيا؛ إذ إن هذين للخاصة، بخلاف القران المحفوظ كليا في صدور عدد كبير من الأمة، المكتوب في المصاحف المتلو في المحاريب، وفي سائر الأمكنة التي تسوغ قراءته فيها اناء الليل وأطراف النهار.
قاعدة في حفظ القران في عهد النبي ﷺ :
بالنظر إلى الطبيعة الأصلية لرسالة النبي ﷺ وهي تبليغ الوحي السماوي المنزل (القران الكريم) ، وبالنظر إلى تفصيل وظائف النبي ﷺ ، وبيانها، وبالتأمل في واقع الصحابة ﵃، وبعيدا عن اتهام الكاتب بالعاطفية المفرطة، أو بالتأثر العاطفي الديني فإنه يمكن إرساء القاعدة التالية:
الأصل في الصحابي المهاجر (المتمدن) - وهو الملازم المقيم في المدينة الذي حرم عليه التعرب بعد الهجرة- أن يكون حافظا للقران، ولكن قد يتلقنه كله أو بعضه من النبي ﷺ مباشرة، وقد يتلقن البعض من النبي ﷺ وبقيته من غيره من الصحابة ﵃، وقد يتلقنه كله من الصحابة أمثاله، ومما يستدل به في طريق ذلك:
١- كان حفظ القران بديهيا بالنسبة للصحابة الكرام:
أما أولا فللطبيعة العربية في ذلك الوقت فهم أميون:
ومن شأن الأمي أن يعول على حافظته فيما يهمه أمره ويعنيه استحضاره وجمعه خصوصا إذا أوتي من قوة الحفظ والاستظهار ما ييسر له هذا الجمع والاستحضار، وكذلك كانت الأمة العربية على عهد نزول القران وهي متمتعة بخصائص العروبة الكاملة التي منها سرعة الحفظ وسيلان الأذهان حتى كانت قلوبهم أناجيلهم، وعقولهم سجلات أنسابهم وأيامهم، وحوافظهم دواوين أشعارهم ومفاخرهم، ثم جاء القران فبهرهم بقوة بيانه، وأخذ عليهم مشاعرهم
стр. 369
بسطوة سلطانه، وأستأثر بكريم مواهبهم في لفظه ومعناه فخلعوا عليه حياتهم حين علموا أنه روح الحياة «١» .
وأما ثانيا: فلأنه المادة العلمية الوحيدة المقررة عليهم في رسالة النبي ﷺ التعليمية كما سبق تفصيله في الفصل الأول.
٢- تقدمت في الفصل الأول أحاديث تبين اعتماد النبي ﷺ على كثير من المسلمين في إقراء المسلمين الجدد، أو النائين عن المدينة، ومن ذلك:
ما جاء عن عبادة بن الصّامت ﵁ قال: كان رسول الله ﷺ يشغل فإذا قدم رجل مهاجر على رسول الله ﷺ دفعه إلى رجل منّا يعلّمه القران.. «٢» ..
٣- ثبوت حفظ كثير من أئمة الإقراء في عهد النبي ﷺ :
والمراد غير الذين حددهم بعض الصحابة أو التابعين، ولذا فالحصر لا مفهوم له في كلام من حصر، وقد وصل عدد الحفظة من الأنصار إلى سبعين شخصا من المتفرغين للقران دون غيره، فقد قال ابن حبان: «ذكر وصف القراء من الأنصار» ثم أسند عن أنس بن مالك قال: كان شباب من الأنصار يسمون القراء يكونون في ناحية من المدينة يحسب أهلوهم أنهم في المسجد ويحسب أهل المسجد أنهم في أهليهم فيصلون من الليل حتى إذا تقارب الصبح احتطبوا الحطب واستعذبوا من الماء فوضعوه على أبواب حجر رسول الله فبعثهم جميعا إلى بئر معونة فاستشهدوا فدعا النبي ﷺ على قتلتهم أياما «٣» .
٤- القران إنما نزل ليقرأ ويحفظ وينشر، وينذر به:
стр. 370
ولأنها كذلك فقد كانت قراءة القران وحفظه في عهد النبي ﷺ لا تحتاج إلى التصريح حديثيا بأنها قد تمت، لضرورة ذلك بما علم من حال المسلمين، وطبيعة الرسالة، وغلبة الحافظة عليهم، والأهمية التي كانت تلقاها الايات النازلة وحيا من الله ... ولذا فالتصريح القائم في الأحاديث لزيادة أهمية المصرّح بهم لا لضرورة التصريح، ولذلك كان الصحابة حتى المتأخرون منهم يختلفون في قراءة القران لعدم العلم بتقرير نزوله على الأحرف السبعة ... دلالة على إتقانهم لحرف واحد منه على الأقل ... وأذعن لهذه الحقيقة بعض الباحثين الأوروبيين فقال:
«فور تنزيل القران، وأولا بأول، كان النبي ﷺ والمؤمنون من حوله يتلونه عن ظهر قلب وكان الكتبة من صحبه يدوّنونه. إذن فالقران يتمتاع، منذ البداية، بعنصري الصحة هذين اللذين لا تتمتاع بهما الأناجيل، وظل الأمر هكذا حتى مات النبي ﷺ وفي عصر لا يستطيع فيه الكل أن يكتب، وإن كان يستطيع أن يحفظ عن ظهر قلب، تصبح التلاوة ذات فائدة لا تقدّر، وذلك لإمكانيات التحقيق العديدة التي تعطيها ساعة التثبيت النهائي للنص» «١» .
٥- تنافس الصحابة ﵃ في حفظ القران الكريم:
وقد كان كتاب الله ﷻ بالنسبة للصحابة ﵃ «في المحل الأول من عنايتهم يتنافسون في استظهاره، وحفظه، ويتسابقون إلى مدارسته، وتفهمه، ويتفاضلون فيما بينهم على مقدار ما يحفظون منه وربما كانت قرة عين السيدة منهم أن يكون مهرها في زواجها سورة من القران يعلمها إياها زوجها، وكانوا يهجرون لذة النوم وراحة الهجود إيثارا للذة القيام به في الليل والتلاوة له في الأسحار والصلاة به
стр. 371
والناس نيام حتى لقد كان الذي يمر ببيوت الصحابة في غسق الدجى يسمع فيها دويا كدوي النحل بالقران «١» ، وكانوا يتبارون في المحفوظ في الصلاة- وهي المحل النموذجي للمراجعة- فقد اعتكف النبي ﷺ في المسجد فسمعهم يجهرون بالقراءة وهو في قبة له فكشف المستورة وقال ألا أن كلكم يناجي ربه فلا يؤذين بعضكم بعضا، ولا يرفعن بعضكم على بعض في القراءة في الصلاة «٢» .
٦- وقد كان الاعتماد على الحفظ مقدما على أي شيء اخر للأحاديث فضلا عن القران كما هو معلوم.
٧- نزّل القران منجما:
وكان من حكم نزول القران منجما استظهار القران، وحفظه عن ظهر قلب، وزيادة على بلاغ النبي ﷺ للنازل من الوحي القراني أولا بأول كان كتبة الوحي يقومون بذلك: فعن زيد ابن ثابت قال كنت أكتب الوحي لرسول الله ﷺ وكان إذا نزل عليه الوحي أخذته برحاء شديدة وعرق عرقا شديدا مثل الجمان ثم سرى عنه فكنت أدخل عليه بقطعة الكتف أو كسرة فأكتب وهو يملي علي فما أفرغ حتى تكاد رجلي تنكسر من ثقل القران حتى أقول لا أمشي على رجلي أبدا فإذا فرغت قال اقرأ فأقرأه فإن كان فيه سقط أقامه ثم أخرج به إلى الناس «٣» .
وقد كان القاص يوم اليرموك وهو يوم قريب من وفاة النبي ﷺ أبو سفيان بن حرب مع قرب إسلامه، وهم لا يجعلون شخصا غير متأهل بالقران.
стр. 372
٨- ومن أقوى أدلة هذه القاعدة:
وأقوى أدلة هذه القاعدة أن القراء قد كثروا كثرة عظيمة مذ استقرت قواعد دولة الإسلام في المدينة، فكان منهم السبعون من أصحاب بئر معونة، وأشخاصهم بدقة لم تعرف كلها حتى الان، وكان منهم سبعون على الأقل ممن قتل من قراء المسلمين يوم اليمامة، ولا شك أن القتلى قد جمعوا القران في حياة النبي ﷺ إذ تسارعت أحداث الردة ولم تكن لتجعلهم يفرغون لذلك بعد وفاته.
ولهذه القاعدة فقد كان الصحابة يبحثون عن الاية مكتوبة في جمع القران الكريم في عهد أبي بكر للاستيثاق مع أنها كانت محفوظة في صدورهم، وهذا معنى قول زيد بن ثابت: «ففقدت اية من سورة الأحزاب كنت أسمع رسول الله ﷺ يقرأ بها فلم أجدها إلا مع خزيمة بن ثابت الأنصاري الذي جعل رسول الله ﷺ شهادته شهادة رجلين» «١» ، فالمراد أنه فقد الاية مكتوبة؛ لأن وجود الاية مكتوبة أمر حتمي فهمه الصحابة من تسمية القران كتابا، ومن اجتهاد النبي ﷺ في كتابة المصحف وكانوا يطلبون على كتابتها بين يدي النبي ﷺ شاهدين إضافة إلى كونها محفوظة في صدروهم وهذا يبين أن حفظ القران صار بينهم شيئا عاما شائعا.
وكان الصحابة لا يظهرون أحسن ما عندهم شأنهم في شأن شأن الصالحين الذين اقتفوا اثارهم فعن الحسن قال: «إن كان الرجل لقد جمع القران وما يشعر به جاره وإن كان الرجل لقد فقه الفقه الكثير وما يشعر به الناس وإن كان الرجل ليصلي الصلاة الطويلة في بيته وعنده وردت الزور- الضيوف- وما يشعرون به
стр. 373
ولقد أدركنا أقواما ما كان على ظهر الأرض من عمل يقدرون على أن يعملوه في سر فيكون علانية أبدا، ولقد كان المسلمون يجتهدون في الدعاء وما يسمع إن كان إلا همسا بينهم وبين ربهم » «١» .
وعلى هذه القاعدة فإن هشام بن حكيم بن حزام يعد ممن كان يحفظ في عهد النبي ﷺ ، وقد أم قوما فيهم عمر بن الخطاب كما في صحيح البخاري «٢» .
وقد يعترض على هذه القاعدة بما يلي:
١- بحديث جابر بن عبد الله ﵁ قال: كان النبي ﷺ يجمع بين الرجلين من قتلى أحد في ثوب واحد ثم يقول: أيهم أكثر أخذا للقران؟ فإذا أشير له إلى أحدهما قدمه في اللحد وقال: أنا شهيد على هؤلاء يوم القيامة وأمر بدفنهم في دمائهم ولم يغسلوا ولم يصل عليهم «٣» .
والجواب: أن الحديث يؤيد ما ذكر من القاعدة؛ إذ لم تفترض القاعدة أن الجميع يحفظ القران الكريم كله، بل التنافس بينهم جار على قراءته، فالأصل فيهم حفظه، ولذا ترى النص هنا يدل على أن صيغة التفضيل (أيهم أكثر أخذا للقران) ، كما يدل هذا النص الذهبي على أن أخذ القران مسألة عامة فاشية أكثر من كتابته، وبدهيته وهو الموافق للطبيعة العربية.
٢- وقد يعترض بتسمية السبعين من أصحاب بئر معونة ب (القراء) دلالة على حصر ذلك فيهم ونفيها عن غيرهم ...
стр. 374
والجواب: أين الحصر؟ وقد اشتهر بجمع القران من ليس فيهم كالأنصار الذين سماهم أنس ﵁، ويرد تفصيل ذلك في المطلب الثاني- إن شاء الله ﷻ فامتنع الحصر، إنما سموا بذلك دلالة على تفرغهم لها، وعدم امتهانهم شيئا اخر ولزومهم المسجد غالبا.
٣- كما قد يعترض بما روي أن ابن عمر البقرة في ثمان سنين فعن مالك أنه بلغه أن عبد الله بن عمر مكث على سورة البقرة ثمان سنين يتعلمها وعنه عن نافع عن ابن عمر قال تعلم عمر بن الخطاب ﵁ البقرة في إثني عشرة سنة فلما أتمها نحر جزورا «١» .
والجواب: أما الأول فبلاغ عن مالك، وهو مع الثاني يحتاجان زيادة نظر في الإسناد، وعلى كل فالتعلم هنا هل المراد به الحفظ أم قراءته بتدبر وتفهم؟ الأمر محتمل على أنه سيأتي في المطلب الثالث أن عمر بن الخطاب كان من حفظة كتاب الله .
٤- وقد يعترض أيضا: بما روي عن ابن عمر ﵄ قال: «كان الفاضل من أصحاب رسول الله ﷺ في صدر هذه الأمة لا يحفظ من القران إلا السورة أو نحوها ورزقوا العمل بالقران وإن اخر هذه الأمة يقرؤن القران منهم الصبي والأعمى ولا يرزقون العمل به» «٢» ...
والجواب: واضح أن ابن عمر- إن صح هذا عنه- يريد أن الفاضل لا يحفظ السورة حتى يعمل لا أنه لا يحفظ غيرها، وأما غيره فيحفظ القران كله وعلى الرغم م ذلك تجد أنه لما يعمل به بعد.
стр. 375
قاعدة في التنصيص على بعض الأشخاص في أمر معين:
الثناء على صحابي في ميدان علمي لا يعني عدم إمامة غيره لذاك الميدان، ومما يوضح ذلك ما جاء عن أنس بن مالك ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ :
«أرحم أمتي أبو بكر واشدهم في دين الله عمر واصدقهم حياء عثمان وافرضهم زيد واقرؤوا أبي واعلمهم بالحلال والحرام معاذ وان لكل أمة أمينا وأمين هذه الأمة أبو عبيدة بن الجراح» «١» .
فذكر أبي في الإقراء لا يعني أن غيره من المذكورين ليست لهم الإمامة والريادة في القراءة بل هي لهمن ولذا ذكر النبي ﷺ معاذا وأبا عبيدة بالقراءة وتعليم الناس القران في مواضع أخرى.
وبمثل ذلك تفهم كثير من الأحاديث التي فيها تنصيص فلا تقتضي تخصيصا بل بيان لمزية ظاهرة قد توجد في الغير وإنما قيلت في البعض للتأكيد أو نحوه من الأغراض.
وعلى هذه القاعدة العظيمة تنزل رواية أنس ﵁ قال: «جمع القران على عهد رسول الله ﷺ أربعة كلهم من الأنصار معاذ بن جبل وأبي بن كعب وزيد بن ثابت وأبو زيد» «٢» فإن هذا الحديث لا يدل على الحصر، ومثل حديث أنس أو أبعد منه في الحصر- ما أخرج البيهقي في المدخل عن ابن سيرين قال: جمع القران على عهد رسول الله أربعة لا يختلف فيهم ... ومثله ما أخرجه هو وأبو داود عن عامر الشعبي قال: جمع القران في عهد النبي ﷺ ستة.. «٣» .، فكله تنصيص
стр. 376
فلا يدل على التخصيص خاصة وأن أنس هو ذاته راوي حديث السبعين قارئا ... ،
وهذا إن صحت هذه الاثار وتفصيل ذلك في الأصل.
واقعية الإحاطة بحفظ ألفاظ القران:
ولذا فقد كانت الأمة كلها تسمع القران الكريم إجمالا منه ﷺ أو ممن سمع منه، أما حفاظه المحيطون بألفاظه، ودقائقها، وتفاصيل هيئات أدائه فقد كثروا كثرة غامرة، ويظهر أول فرق بين حفاظ القران وحفاظ الحديث في أن حفاظ القران لا بد أن يحيطوا به حفظا بخلاف حفاظ الحديث؛ إذ لا يوجد واحد يدعي أنه قد أحاط بالحديث حفظا ...
تفرغ الأصحاب ﵃ لحفظ القران:
وقد كان تلاميذ النبي ﷺ الذين تعلموا على يديه القران يفرغون أنفسهم من كل شاغل في الغالب حتى الضرب في الأرض لأجل الرزق، وفيهم نزل قول الله : لِلْفُقَراءِ الَّذِينَ أُحْصِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ (البقرة: ٢٧٣) ؛ إذ المراد أنهم على قول بعض المفسرين: «أهل الصفة منعهم تعلم القران، أو شدة الحاجة والجهد عن الضرب في الأرض للتكسب» «١» .
ومما يتنبه له في هذا الموضوع، وهو مثير للانتباه في منهجية النبي ﷺ التعليمية أنه كان يوجه من توسم فيه الأهلية للتصدر في علم معين إليه:
وخاصة في علم القران فإنه كان يشجع أصحاب الأصوات الحسنة ويثني على قراءتهم كما ورد ذلك في ثنائه على سالم مولى أبي حذيفة، وأبي موسى الأشعري، وابن مسعود، وأسيد بن حضير، ومن ذلك توجيهه ﷺ لأبي محذورة
стр. 377
ليكون مؤذنا بعد أن رأى حسن صوته، فعن أبي محذورة قال لما رجع النبي ﷺ من حنين خرجت عاشر عشرة من مكة نطلبهم فسمعتهم يؤذنون بالصلاة فقمنا نؤذن نستهزئ بهم فقال النبي ﷺ : «لقد سمعت في هؤلاء تأذين إنسان حسن الصوت» ، فأرسل إلينا فأذنا رجل رجل فكنت اخرهم فقال حين أذنت: «تعال» فأجلسني بين يديه فمسح على ناصيتي وبارك علي ثلاث مرات ثم قال اذهب فأذن عند البيت الحرام قلت كيف يا رسول الله فعلمني الأذان ... الحديث «١» .
تتبع الأصحاب للنازل أولا بأول:
فعن أبيّ بن كعب ﵁ أن رسول الله ﷺ قرأ يوم الجمعة تبارك وهو قائم فذكرنا أيام الله، وأبو الدرداء أو أبو ذر يغمزني فقال متى أنزلت هذه السورة إني لم أسمعها إلا الان فأشار إليه أن اسكت فلما انصرفوا قال سألتك متى أنزلت هذه السورة فلم تخبرني فقال أبي ليس لك من صلاتك اليوم إلا ما لغوت فذهب إلى رسول الله ﷺ فذكر له وأخبره بالذي قال أبي فقال رسول الله ﷺ : صدق أبي «٢» ، وكلام أبي ذر دال على أنهم كانوا يتتبعون القران النازل، وأبو ذر لم يذكر في عداد الحفاظ.
ومثل ذلك قول عمار ﵁ فقال: «إنا كنا ضلالا فهدانا الله، وكنا أعرابا فهاجرنا يقيم مقيم يتعلم القران، ويغزو الغازي فإذا قدم الغازي أقام يتعلم القران وغزا المقيم» «٣» .
стр. 378
كثرة القراء:
ومن المؤشرات التي تدل على كثرة هؤلاء القراء كثرة ظاهرة: قصة بئر معونة فعن أنس قال: ما رأيت رسول الله ﷺ وجد على سرية ما وجد على السبعين الذين أصيبوا يوم بئر معونة كانوا يدعون القراء.. «١» .، والقراء هنا هم «الذين كانوا يحفظون القران» «٢» .
ومما يدل على هذه الكثرة أيضا كثرة من قتل من القراء في وقعة اليمامة كما قال الشاطبي:
إن اليمامة أهواها مسيلمة ال ... كذاب في زمن الصديق إذ خسرا
وبعد بأس شديد حان مصرعه ... وكان بأسا على القراء مستعرا
«٣» وفي حديث زيد بن ثابت ﵁ قال: قال أبو بكر ﵁ إن عمر أتاني فقال إن القتل قد أستحر يوم اليمامة بقراء القران، وإني أخشى أن يستحر القتل بالقراء بالمواطن فيذهب كثير من القران ... الحديث «٤» يدل على انتشار القراء في المواطن والثغور، وأقل ما قيل في عدد من قتل من القراء أنهم سبعون قارئا ولم نعرف أكثرهم باسمه على ما هو معلوم.
وقد بلغت القراء في عهد النبي ﷺ كثرة غامرة، وتخصصوا في دقائقه النطقية حتى تنازعوا في بعض الأمور التي اختلفوا فيها، وكان منهم الأعرابي والأعجمي فقد خرج رسول الله ﷺ على أصحابه وهم يقرؤون القران- قال جابر بن عبد
стр. 379
الله: وفينا الأعرابي والأعجمي- فقال: «اقرؤوا فكل كتاب الله من قبل أن يأتي قوم يقومونه كما يقام القدح يتعجلونه ولا يتأجلونه» «١» .
وقد أخذ هؤلاء دورهم في قراءة القران على المسلمين والكفار كما اتضح من واقعة بئر معونة؛ إذ أرسل النبي ﷺ القراء إلى القبائل لنشر القران الكريم، وقد كثرت قراءة الأصحاب القران الكريم على المسلمين والكفار حتى أنزل الله في سماع الكفار ايات تدل على ردود الفعل الهائجة أمام تأثير القران الكريم كقول الله : وَإِذا تُتْلى عَلَيْهِمْ آياتُنا بَيِّناتٍ تَعْرِفُ فِي وُجُوهِ الَّذِينَ كَفَرُوا الْمُنْكَرَ يَكادُونَ يَسْطُونَ بِالَّذِينَ يَتْلُونَ عَلَيْهِمْ آياتِنا (الحج: ٧٢) «أي أن أثر الإنكار من الكراهة وتعبيس الوجوه معروف عندهم (يكادون يسطون) أي يبطشون ويوقعون بمن يتلو عليهم القران من شدة الغيظ» «٢» .
كما كثر حفظة القران كثرة عظيمة بعد عهد رسول الله ﷺ ويكفي مؤشرا على ذلك أن يعلم أن عدد التلاميذ من حفاظ القران الذين كانوا في البصرة واحدها من تلاميذ أبي موسى الأشعري كانوا قد بلغوا قريبا من ثلاثمائة؛ فعن معاوية بن قرة ﵁ أن أبا موسى الأشعري ﵁ جمع الذين قرؤوا القران فإذا هم قريب من ثلاثمائة فعظم القران وقال: «إن هذا القران كائن لكم أجرا، وكائن عليكم وزرا، فاتبعوا القران ولا يتبعنكم القران، فانه من اتبع القران هبط به على رياض الجنة، ومن تبعه القران زخ في قفاه فقذفه في النار» «٣» .
стр. 380
وأما تلاميذ أبي الدرداء فبلغوا ألفا وستمائة ونيفا يقرئهم جميعا في يوم واحد بطريقة فذة، كأنه أسس بها جامعة قرانية «١» .
ويدل على كثرتهم ما جاء عن ابن عباس ﵁ قال: قدم على عمر رجل فجعل عمر يسأله عن الناس فقال: يا أمير المؤمنين قد قرأ منهم القران كذا وكذا فقال ابن عباس ﵁ فقلت: والله ما أحب أن يتسارعوا يومهم هذا في القران هذه المسارعة قال: فزبرني عمر ثم قال: مه قال: فانطلقت إلى أهلي مكتئبا حزينا فقلت: قد كنت نزلت من هذا الرجل منزلة فلا أراني إلا قد سقطت من نفسه قال: فرجعت إلى منزلي فاضطجعت على فراشي حتى عادني نسوة أهلي وما بي وجع، وما هو إلا الذي تقبلني به عمر قال: فبينا أنا على ذلك أتاني رجل:
فقال: أجب أمير المؤمنين قال: خرجت فإذا هو قائم ينتظرني، قال: فأخذ بيدي ثم خلا بي فقال: ما الذي كرهت مما قال الرجل انفا؟ قال: فقلت: يا أمير المؤمنين! إن كنت أسأت فإني استغفر الله وأتوب إليه وأنزل حيث أحببت قال:
لتحدثني بالذي كرهت مما قال الرجل فقلت: يا أمير المؤمنين! متى ما تسارعوا هذه المسارعة، يحيفوا ومتى ما يحيفوا يختصموا، ومتى ما يختصموا يختلفوا ومتى ما يختلفوا يقتتلوا فقال عمر: لله أبوك لقد كنت أكاتمها الناس حتى جئت بها «٢» .
وقد خرج على علي ﵁ ثمانية الاف من قراء الناس ... ولما طلبهم قيل لا يدخل إلا رجل قد حمل القران فلما أن امتلأ الدار من القراء.... الحديث «٣» ...
стр. 381
وهؤلاء القراء من الخوارج جزء من قراء الأمة ضرورة، فإذا كانوا هنا ثمانية الاف في مكان واحد، ومن فرقة خارجة على جمهور الأمة، فكم يكونون في الأمة؟.
وظهرت حافظات القران حتى كن يناقشن المقرئين فيه كما في مناقشة أم يعقوب القارئة لابن مسعود بشأن حديث النامصات.
هيئة الإقراء في عهده ﷺ :
وعلى الرغم من هذه الكثرة إلا أن المقرئين المتخصصين في إقراء الناس في عهد النبي ﷺ أناس معروفون قد حددهم النبي ﷺ بنفسه، فشكلوا مثل هيئة إقراء، ويدل على هذا حديث بئر معونة، كما يدل عليه قصة إسلام عدد من الصحابة الذين ورد فيهم التصريح بتعليمهم القران دلالة على أن ذلك دأب وعادة كما في قص إسلام عمير بن وهب: فقال رسول الله ﷺ : «اجلس نواسك» وقال: «علموا أخاكم القران» وأطلق له أسيره «١» .
وبذا يكون النبي ﷺ قد اصطفى من أصحابه ﵃ نخبة أقرأهم القران، كله أو بعضه، حتى أتقنوا صفة أدائه وهيئة قراءته، وأقبلت الأمة على هؤلاء فتلقت القران عنهم مشافهة، ونوه بهم في مثل قوله: «خذوا القران عن أربعة ... » ، أو «من أحب أن يقرا القران غضا ... » ، أو في بعثه مصعب بن عمير وابن أم مكتوم إلى المدينة، أو في بعثه أبا عبيدة إلى نجران أو في بعثه عليا ومعاذا إلى اليمن.. «٢» ..
وقد ابتغى الباحث من إبراز كثرة عدد القراء في الأمة تثبيت حقيقة أن علم القراءة بذلك صار علما عاما شائعا.
стр. 382
المطلب الثاني: من أشهر أئمة الإقراء من أصحاب النبي ﷺ على سبيل التفصيل:
أبو بكر الصديق ﵁:
فقد كان من حفظة كتاب الله وممن جمع القران عن ظهر قلب، ومن أكثر القوم قراءة، وذلك لا مراء فيه لمن يعرف حال أبي بكر ﵁ مع شدة حرصه على تلقي القران من النبي ﷺ ، وفراغ باله له وهما بمكة، وكثرة ملازمة كل منهما للاخر حتى بينت عائشة أن النبي ﷺ كان يأتيهم بكرة وعشية «١» فماذا ترى النبي ﷺ كان يفعل إلا بيان اخر ما نزل من الوحي عليه، مع ظهور اهتمام أبي بكر وحفظه وتلاوته، حتى اتخذ له مسجدا في بيته يقرأ فيه مستعلنا، وهذا الحديث يدل دلالة واضحة على عدة أمور أساسية:
أ- أن أبا بكر كان يحفظ القران أولا بأول، كيف والنبي ﷺ يغدو إليه ويروح، وهل يكون حديث بينهما أهم من الوحي المنزل؟.
ب- أن أبا بكر كان يقرأ القران بالترتيل (التجويد) الذي أمر الله به في السورة الثالثة في ترتيب النزول «٢» ... وذلك هو الذي أعجب النساء والأطفال وجذبهم نحوه.
فهذا حاله ﵁ في مكة من ملازمة النبي ﷺ حتى كان صاحبه الوحيد الذي انفرد بمنقبة مصاحبته له في هجرته ﷺ بأمر رسول الله ﷺ له، وأما حاله في المدينة من الملازمة فقد وصفها عمر بن الخطاب ﵁ بقوله: كان رسول الله ﷺ لا يزال يسمر عند أبي بكر الليلة في الأمر من أمور المسلمين، وإنه سمر عنده ذات ليلة وأنا
стр. 383
معه «١» ، وقول عمر (لا يزال) يدل على الاستمرار والديمومة، وأبو بكر في المدينة هو الذي نعته رسول الله ﷺ بصاحبه مطلقا (مفردا معينا) دون غيره في قوله لعمر بن الخطاب: «فهل أنتم تاركو لي صاحبي» مرتين «٢» حتى كاد أن يتخذه خليلا لولا أن الله اتخذ رسوله ﷺ خليلا ...
وبعد هذا البيان لمدى ملازمة أبي بكر وصحبته رسول الله ﷺ تكون هذه هي المقدمة الصغرى في قضيتنا المنطقية، والمقدمة الكبرى هي قول النبي ﷺ : «يؤم القوم أقرؤهم لكتاب الله» «٣» ، ورواية الحاكم: «يؤم القوم أكثرهم قرانا» ، وقد أمر النبي ﷺ أبا بكر أن يؤم في مكانه لما مرض فدل ذلك على أنه كان أقرأهم ﵁، ونص على حفظه للقران أجلة المحققين منهم: أبو الحسن الأشعري، ومكي بن أبي طالب، والداني، ويستأنس ها هنا بموقفين في تلاوة القران لأبي بكر غير ما تقدم تظهر فيهما تلاوة أبي بكر للقران الكريم:
الأول: ما أورده البخاري في قصة وفاة النبي ﷺ حيث قال أبو بكر لعمر:
«أيها الحالف على رسلك، فلما تكلم أبو بكر جلس عمر فحمد الله أبو بكر وأثنى عليه وقال: ألا من كان يعبد محمدا ﷺ فإن محمدا قد مات، ومن كان يعبد الله فإن الله حي لا يموت وقال: إِنَّكَ مَيِّتٌ وَإِنَّهُمْ مَيِّتُونَ (٣٠) (الزمر: ٣٠) وقال:
وَما مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ أَفَإِنْ ماتَ أَوْ قُتِلَ انْقَلَبْتُمْ عَلى أَعْقابِكُمْ وَمَنْ يَنْقَلِبْ عَلى عَقِبَيْهِ فَلَنْ يَضُرَّ اللَّهَ شَيْئاً وَسَيَجْزِي اللَّهُ الشَّاكِرِينَ (١٤٤)
стр. 384
(ال عمران: ١٤٤) فنشج الناس يبكون» «١» ... فانظر لشدة الاستحضار عند أبي بكر ﵁، وهذا استئناس لما نحن بصدده وليس استدلالا.
الثاني: ما جاء من وصف لتلاوة أبي بكر القران في صلاته فعن أنس قال:
صلّى بنا أبو بكر صلاة الصبح، فقرأ ال عمران فقالوا: كادت الشمس تطلع قال: لو طلعت لم تجدنا غافلين «٢» ، وعن عبد الله بن الحارث بن جزء الزبيدي قال: صلّى بنا أبو بكر ﵁ صلاة الصبح، فقرأ بسورة البقرة في الركعتين جميعا.. «٣» . فأين يكون هذا إلا من محفوظه ﵁، وقد أخذ عمر ذلك منه فعن أبي عثمان النهدي قال: صليت خلف عمر ﵁ الفجر فما سلم حتى ظن الرجال ذوو العقول أن الشمس قد طلعت فلما سلم قالوا: يا أمير المؤمنين كادت الشمس تطلع قال: لو طلعت الشمس لم تجدنا غافلين «٤» .
وقد ذكر البعض أن تقديم أبي بكر كان لأجل الفضل والعلم لا القراءة، وللإشارة للخلافة «٥» ، فأما الإشارة للخلافة فصحيح ظاهر، وأما نفي أن يكون أبو بكر أقرأهم فغريب مستبعد؛ فإن قراءة أبي بكر للقران كانت مشهورة، وفي حديث تأمين ابن الدغنة لأبي بكر: قالوا لابن الدغنة: مر أبا بكر فليعبد ربه في داره فليصل وليقرأ ما شاء ولا يؤذينا بذلك ولا يستعلن به فإنا قد خشينا أن يفتن
стр. 385
أبناءنا ونساءنا. فقال ذلك ابن الدغنة لأبي بكر، فطفق أبو بكر يعبد ربه في داره، ولا يستعلن بالصلاة ولا القراءة في غير داره، ثم بدا لأبي بكر فابتنى مسجدا بفناء داره، وبرز فكان يصلي فيه، ويقرأ القران فيتقصف عليه نساء المشركين وأبناؤهم يعجبون وينظرون إليه وكان أبو بكر رجلا بكاء لا يملك دمعه حين يقرأ القران فأفزع ذلك أشراف قريش من المشركين.. «١» . على أن في قبول ذلك القول إبعاد لمعالم تطبيق المنهج الشرعي، وهو ادعاء بأن النبي ﷺ يقول قولا ويعمل بغيره دون صارف، أو بصارف غير ظاهر.
وإنما أطال الباحث النفس في تقرير حفظ أبي بكر للأهمية الشديدة واكتفاء به عن بقية الخلفاء الراشدين الذين قيل بأنهم لم يحافظوا القران أولم يجمعوه، وإنما كان هذا القول واردا عن بعض التابعين مع الانقطاع وعدم التأكد من صحة سند الرواية.
٢- ومنهم عمر بن الخطاب ﵁:
وجعله أبو بكر مساعدا لزيد في جمع القران في عهده حيث قال لهما- كما عند ابن أبي داود من طريق هشام بن عروة عن أبيه-: اقعدا على باب المسجد فمن جاءكما بشاهدين على شيء من كتاب الله فاكتباه «٢» ، وقد بلغ ذلك من عمر حدا جعل جابر بن عبد الله يقول: «ما رأيت أحدا كان اقرأ لكتاب الله ولا أفقه في دين الله ولا أعلم بالله من عمر» «٣» .
ويؤيد هذا أيضا حديث ابن عمر قال سمعت رسول الله ﷺ قال: بينا أنا نائم أتيت بقدح لبن فشربت حتى إني لأرى الري يخرج في أظفاري ثم أعطيت
стр. 386
فضلي عمر بن الخطاب قالوا فما أولته يا رسول الله قال العلم «١» ، وهل يكون علم أو عالم بدون حفظ القران، وقد قال ابن مسعود: من أراد العلم فليثور القران فإن فيه علم الأولين والاخرين «٢» ، وفي حديث أبي بكر: استخلفت عليهم خير أهلك مع قول النبي ﷺ : «أهل القران هم أهل الله وخاصته» وقد ثبت أن عمر ﵁ كان يصلي الصبح فيقرأ فيها سورة يوسف وسورة الحج قراءة بطيئة «٣» وعن الأحنف قال: صليت خلف عمر الغداة فقرأ بيونس وهود ونحوهما وعن زيد بن وهب أن عمر قرأ في الفجر بالكهف «٤» .
وانتشر تلاميذ عمر الذين قرأوا عليه فعن زيد بن وهب قال: أتينا ابن مسعود فوجدناه يصلي فانتظرناه حتى فرغ من صلاته فجاءه رجلان قد اختلفا في اية فقرأه أحدهما فقال عبد الله: أحسنت من أقرأك؟ قال: أقرأني أبو حكيم المزني، واستقرأ الاخر فقال: من أقرأك فقال أقرأني عمر ابن الخطاب فبكي عبد الله حتى خضبت دموعه الحصا ثم قال: اقرأ كما أقرأك عمر ثم دور دارة بيده ثم قال: إن عمر كان حصنا حصينا للإسلام يدخل الناس منه، ولا يخرجون منه فلما مات عمر انثلم الحصن فالناس يخرجون منه ولا يدخلون «٥» .
وقد ثرّب الإمام أبو القاسم الهذلي على ابن قتيبة في كونه لم يذكر أبا بكر وعمر في جملة الحفظة فقال: «وقد تجاوز ابن قتيبة حين قال توفى أبو بكر وعمر ولم يكملا القران» «٦» .
стр. 387
٣- وأما عثمان بن عفان ﵁:
فأمره أشهر من أن يذكر، وهو مجمع على حفظه القران الكريم، وقد ذكره الذهبي في طبقاته في القراء كأول صحابي «١» .
٤- علي بن أبي طالب ﵁:
وقد ذكره الذهبي- رحمه الله تعالى- في جملة من حفظ القران من الصحابة في أول كتابه (طبقات القراء) ، وقد ذكر عن علي ﵁ جمعه للقران فور وفاة النبي ﷺ كما ذكر ذلك ابن أبي داود عن محمد بن سيرين قال: لما توفي النبي ﷺ أقسم علي ألا يرتدي برداء إلا لجمعة حتى يجمع القران في مصحف ففعل، فأرسل إليه أبو بكر بعد أيام: أكرهت إمارتي يا أبا الحسن؟ قال: لا! والله إلا إني أقسمت ألاأرتدي برداء إلا لجمعة فبايعه ثم رجع «٢» ...
ولكن ابن أبي داود ضعّف هذه الرواية، وقالك «لم يذكر المصاحف أحد إلا الأشعث، وهو لين الحديث، وإنما رووا حتى أجمع القران، يعني أتم حفظه، فإنه يقال للذي يحفظ القران قد جمع القران» ، وقال ابن حجر: «وبتقدير صحته فمراده بجمعه حفظه في صدره» «٣» .
وبمثل هذه الرواية اعتمد من زعم أن عليا لم يجمع القران، ولكن الذي لا مراء فيه أن لزوم ابن عم رسول الله ﷺ عليا لرسول الله ﷺ مسألة لا تستحق النقاش، ووافر ذاكرته حيث أسلم وهو صغير دال على صفاء نفسه وقريحته، وقد كان هو المبلغ عن رسول الله ﷺ في حجة العام التاسع بسورة براءة، وهي من
стр. 388
اخر ما نزل «١» ، وهو من كتاب الوحي المعدودين ... كل هذا يرجح لنا حفظه للقران قبل، وإنما تحمل الرواية المقبولة منها على محمل اخر عند المؤلف هو أن يراجع علي القران بعد أن وثق أنه قد كمل، وأن الوحي قد انقطع، وهذا اللائق به، وببيئته المحيطة.
٥- عبد الله بن مسعود ﵁:
وتقدم تقرير حفظه في الكلام على العرضة الأخيرة من الفصل الثاني، وقد اشتهر بذلك بين الصحابة فعن قيس بن أبي حازم قال سئل علي عن عبد الله بن مسعود فقال: قرأ القران ووقف عند متشابهه وأحل حلاله وحرم حرامه.. «٢» .،
وقد قرأ على النبي ﷺ حبا من النبي ﷺ لسماعه، «فقراءة ابن مسعود عليه في هذا الموضع لإسماعه إياه لا لأجل التصحيح والتلقين» «٣» ، وحسب ابن أم عبد أن يكون أستاذ معاذ بن جبل إمام العلماء.
وشأنه في الترتيل وجودة الأداء عظيم كأنه يقرأ الوحي غضا طريا كما قرر ذلك النبي ﷺ ، وعن أبي عثمان النهدي: صلّى بنا ابن مسعود المغرب ب «قل هو الله أحد» والله لوددت أنه قرأ بسورة البقرة من حسن صوته وترتيله «٤» .
وكان له أسلوبه البديع في إقراء الناس فعن عبد الله بن مسعود أنه كان يقرئ الرجل الاية ثم يقول: لهي خير مما طلعت عليه الشمس أو مما على الأرض من شيء حتى يقول ذلك في القران كله، وفي رواية كان ابن مسعود إذا أصبح أتاه الناس في داره فيقول: على مكانكم ثم يمر بالذين يقرئهم القران
стр. 389
فيقول: أيا فلان بأي سورة أتيت؟ فيخبره في أي اية فيفتح عليه الاية التي تليها ثم يقول: تعلمها فإنها خير لك مما بين السماء والأرض. قال: فنظر الرجل اية ليس في القران خير منها ثم يمر بالاخرى فيقول اية مثل ذلك حتى يقول ذلك لكلهم «١» .
وقد ورّث علمه لتلامذته، فقد مر خباب بن الأرت بحلقته فقال: يا أبا عبد الرحمن! أيستطيع هؤلاء الشباب أن يقرؤوا كما تقرأ؟ قال: أما إنك لو شئت أمرت بعضهم يقرأ عليك قال: اقرأ يا علقمة ... ، فقرأت خمسين اية من سورة مريم فقال عبد الله: كيف ترى؟ قال: قد أحسن. قال عبد الله: ما أقرأ شيئا إلا وهو يقرؤه ثم التفت إلى خباب وعليه خاتم من ذهب فقال: ألم يأن لهذا الخاتم أن يلقى؟ قال: أما إنك لن تراه علي بعد اليوم فألقاه «٢» .
٦- أبي بن كعب ﵁:
سيد القراء وإمامهم، وقد قرأ عليه النبي ﷺ بصفة خاصة فقال له: «إن الله أمرني أن أقرأ عليك» قال: الله سماني لك؟ قال الله: «سماك لي» قال:
فجعل أبي يبكي «٣» ، ومن حكم قراءة النبي ﷺ على أبي أن ينبه «الناس على فضيلة أبي في ذلك، ويحثهم على الأخذ منه، وكان كذلك فكان بعد النبي ﷺ رأسا وإماما مقصودا في ذلك مشهورا به» «٤» ، وعن عاصم بن بهدلة قال: قلت للطفيل بن أبي بن كعب: إلى أي معنى ذهب أبوك في قول رسول الله له أمرت
стр. 390
أن أقرأ القران عليك فقال ليقرأ علي فأحذو ألفاظه «١» ، وذلك «لفضيلة أبي واختصاصه بعلم القران» «٢» .
٧- وكان أبو عبيدة بن الجراح معدودا:
فيمن جمع القران العظيم «٣» وحسبنا به معلما لأهل اليمن (نجران) للقران الكريم، وكان معلما للقران في المدينة فعن أبي ثعلبه الخشني ﵁ قال:
لقيت رسول الله ﷺ فقلت: يا رسول الله! ادفعني إلى رجل حسن التعليم فدفعني إلى أبي عبيدة ابن الجراح ثم قال: «قد دفعتك إلى رجل يحسن تعليمك وأدبك» .. «٤» ..
٨- ومنهم عبد الرحمن بن عوف:
فقد أم بالنبي ﷺ فعن المغيرة بن شعبة قال: عدل رسول الله ﷺ وأنا معه في غزوة تبوك قبل الفجر فعدلت معه ... فأقبلنا نسير حتى نجد الناس في الصلاة قدموا عبد الرحمن بن عوف فصلى بهم حين كان وقت الصلاة ووجدنا عبد الرحمن قد ركع بهم ركعة من صلاة الفجر فقام رسول الله ﷺ مع المسلمين وراء عبد الرحمن بن عوف ...
لما سلم رسول الله ﷺ قال لهم أحسنتم أو قد أصبتم «٥» . فما لهم يقدمون ابن عوف إلا لاستحقاقه ذلك؟.