← Сира

Сира · id 9764

إذهاب الحزن وشفاء الصدر السقيم

عبد السلام مقبل المجيدي

Полный текст (569 стр.). Показаны 386–425 · переход к 391.

стр. 386

فضلي عمر بن الخطاب قالوا فما أولته يا رسول الله قال العلم «١» ، وهل يكون علم أو عالم بدون حفظ القران، وقد قال ابن مسعود: من أراد العلم فليثور القران فإن فيه علم الأولين والاخرين «٢» ، وفي حديث أبي بكر: استخلفت عليهم خير أهلك مع قول النبي ﷺ : «أهل القران هم أهل الله وخاصته» وقد ثبت أن عمر ﵁ كان يصلي الصبح فيقرأ فيها سورة يوسف وسورة الحج قراءة بطيئة «٣» وعن الأحنف قال: صليت خلف عمر الغداة فقرأ بيونس وهود ونحوهما وعن زيد بن وهب أن عمر قرأ في الفجر بالكهف «٤» . وانتشر تلاميذ عمر الذين قرأوا عليه فعن زيد بن وهب قال: أتينا ابن مسعود فوجدناه يصلي فانتظرناه حتى فرغ من صلاته فجاءه رجلان قد اختلفا في اية فقرأه أحدهما فقال عبد الله: أحسنت من أقرأك؟ قال: أقرأني أبو حكيم المزني، واستقرأ الاخر فقال: من أقرأك فقال أقرأني عمر ابن الخطاب فبكي عبد الله حتى خضبت دموعه الحصا ثم قال: اقرأ كما أقرأك عمر ثم دور دارة بيده ثم قال: إن عمر كان حصنا حصينا للإسلام يدخل الناس منه، ولا يخرجون منه فلما مات عمر انثلم الحصن فالناس يخرجون منه ولا يدخلون «٥» . وقد ثرّب الإمام أبو القاسم الهذلي على ابن قتيبة في كونه لم يذكر أبا بكر وعمر في جملة الحفظة فقال: «وقد تجاوز ابن قتيبة حين قال توفى أبو بكر وعمر ولم يكملا القران» «٦» .

стр. 387

٣- وأما عثمان بن عفان ﵁: فأمره أشهر من أن يذكر، وهو مجمع على حفظه القران الكريم، وقد ذكره الذهبي في طبقاته في القراء كأول صحابي «١» . ٤- علي بن أبي طالب ﵁: وقد ذكره الذهبي- رحمه الله تعالى- في جملة من حفظ القران من الصحابة في أول كتابه (طبقات القراء) ، وقد ذكر عن علي ﵁ جمعه للقران فور وفاة النبي ﷺ كما ذكر ذلك ابن أبي داود عن محمد بن سيرين قال: لما توفي النبي ﷺ أقسم علي ألا يرتدي برداء إلا لجمعة حتى يجمع القران في مصحف ففعل، فأرسل إليه أبو بكر بعد أيام: أكرهت إمارتي يا أبا الحسن؟ قال: لا! والله إلا إني أقسمت ألاأرتدي برداء إلا لجمعة فبايعه ثم رجع «٢» ... ولكن ابن أبي داود ضعّف هذه الرواية، وقالك «لم يذكر المصاحف أحد إلا الأشعث، وهو لين الحديث، وإنما رووا حتى أجمع القران، يعني أتم حفظه، فإنه يقال للذي يحفظ القران قد جمع القران» ، وقال ابن حجر: «وبتقدير صحته فمراده بجمعه حفظه في صدره» «٣» . وبمثل هذه الرواية اعتمد من زعم أن عليا لم يجمع القران، ولكن الذي لا مراء فيه أن لزوم ابن عم رسول الله ﷺ عليا لرسول الله ﷺ مسألة لا تستحق النقاش، ووافر ذاكرته حيث أسلم وهو صغير دال على صفاء نفسه وقريحته، وقد كان هو المبلغ عن رسول الله ﷺ في حجة العام التاسع بسورة براءة، وهي من

стр. 388

اخر ما نزل «١» ، وهو من كتاب الوحي المعدودين ... كل هذا يرجح لنا حفظه للقران قبل، وإنما تحمل الرواية المقبولة منها على محمل اخر عند المؤلف هو أن يراجع علي القران بعد أن وثق أنه قد كمل، وأن الوحي قد انقطع، وهذا اللائق به، وببيئته المحيطة. ٥- عبد الله بن مسعود ﵁: وتقدم تقرير حفظه في الكلام على العرضة الأخيرة من الفصل الثاني، وقد اشتهر بذلك بين الصحابة فعن قيس بن أبي حازم قال سئل علي عن عبد الله بن مسعود فقال: قرأ القران ووقف عند متشابهه وأحل حلاله وحرم حرامه.. «٢» .، وقد قرأ على النبي ﷺ حبا من النبي ﷺ لسماعه، «فقراءة ابن مسعود عليه في هذا الموضع لإسماعه إياه لا لأجل التصحيح والتلقين» «٣» ، وحسب ابن أم عبد أن يكون أستاذ معاذ بن جبل إمام العلماء. وشأنه في الترتيل وجودة الأداء عظيم كأنه يقرأ الوحي غضا طريا كما قرر ذلك النبي ﷺ ، وعن أبي عثمان النهدي: صلّى بنا ابن مسعود المغرب ب «قل هو الله أحد» والله لوددت أنه قرأ بسورة البقرة من حسن صوته وترتيله «٤» . وكان له أسلوبه البديع في إقراء الناس فعن عبد الله بن مسعود أنه كان يقرئ الرجل الاية ثم يقول: لهي خير مما طلعت عليه الشمس أو مما على الأرض من شيء حتى يقول ذلك في القران كله، وفي رواية كان ابن مسعود إذا أصبح أتاه الناس في داره فيقول: على مكانكم ثم يمر بالذين يقرئهم القران

стр. 389

فيقول: أيا فلان بأي سورة أتيت؟ فيخبره في أي اية فيفتح عليه الاية التي تليها ثم يقول: تعلمها فإنها خير لك مما بين السماء والأرض. قال: فنظر الرجل اية ليس في القران خير منها ثم يمر بالاخرى فيقول اية مثل ذلك حتى يقول ذلك لكلهم «١» . وقد ورّث علمه لتلامذته، فقد مر خباب بن الأرت بحلقته فقال: يا أبا عبد الرحمن! أيستطيع هؤلاء الشباب أن يقرؤوا كما تقرأ؟ قال: أما إنك لو شئت أمرت بعضهم يقرأ عليك قال: اقرأ يا علقمة ... ، فقرأت خمسين اية من سورة مريم فقال عبد الله: كيف ترى؟ قال: قد أحسن. قال عبد الله: ما أقرأ شيئا إلا وهو يقرؤه ثم التفت إلى خباب وعليه خاتم من ذهب فقال: ألم يأن لهذا الخاتم أن يلقى؟ قال: أما إنك لن تراه علي بعد اليوم فألقاه «٢» . ٦- أبي بن كعب ﵁: سيد القراء وإمامهم، وقد قرأ عليه النبي ﷺ بصفة خاصة فقال له: «إن الله أمرني أن أقرأ عليك» قال: الله سماني لك؟ قال الله: «سماك لي» قال: فجعل أبي يبكي «٣» ، ومن حكم قراءة النبي ﷺ على أبي أن ينبه «الناس على فضيلة أبي في ذلك، ويحثهم على الأخذ منه، وكان كذلك فكان بعد النبي ﷺ رأسا وإماما مقصودا في ذلك مشهورا به» «٤» ، وعن عاصم بن بهدلة قال: قلت للطفيل بن أبي بن كعب: إلى أي معنى ذهب أبوك في قول رسول الله له أمرت

стр. 390

أن أقرأ القران عليك فقال ليقرأ علي فأحذو ألفاظه «١» ، وذلك «لفضيلة أبي واختصاصه بعلم القران» «٢» . ٧- وكان أبو عبيدة بن الجراح معدودا: فيمن جمع القران العظيم «٣» وحسبنا به معلما لأهل اليمن (نجران) للقران الكريم، وكان معلما للقران في المدينة فعن أبي ثعلبه الخشني ﵁ قال: لقيت رسول الله ﷺ فقلت: يا رسول الله! ادفعني إلى رجل حسن التعليم فدفعني إلى أبي عبيدة ابن الجراح ثم قال: «قد دفعتك إلى رجل يحسن تعليمك وأدبك» .. «٤» .. ٨- ومنهم عبد الرحمن بن عوف: فقد أم بالنبي ﷺ فعن المغيرة بن شعبة قال: عدل رسول الله ﷺ وأنا معه في غزوة تبوك قبل الفجر فعدلت معه ... فأقبلنا نسير حتى نجد الناس في الصلاة قدموا عبد الرحمن بن عوف فصلى بهم حين كان وقت الصلاة ووجدنا عبد الرحمن قد ركع بهم ركعة من صلاة الفجر فقام رسول الله ﷺ مع المسلمين وراء عبد الرحمن بن عوف ... لما سلم رسول الله ﷺ قال لهم أحسنتم أو قد أصبتم «٥» . فما لهم يقدمون ابن عوف إلا لاستحقاقه ذلك؟.

стр. 391

٩- سالم مولى أبي حذيفة: وهو من المذكورين في حديث «خذوا القران ... » ، وقد قال النبي ﷺ فيه لحسن صوته: «الحمد لله الذي جعل في أمتي مثل هذا» «١» . ١٠- ومنهم عبد الله بن عمرو بن العاص ﵄: فقد قال: جمعت القران فقرأت به كل ليلة فبلغ النبي ﷺ فقال أقرأه في شهر ... الحديث «٢» . ١١- أبو موسى الأشعري ﵁: وقد تقدم ذكر عدد من جمع عليه القران، ومن تلاميذه عامر بن عبد قيس، وكان مشهورا بالإقراء فعن الحسن قال: كان عامر بن عبد قيس إذا صلى الصبح تنحى في ناحية المسجد فقال: من أقرئه؟ قال: فيأتي قوم فيقرئهم حتى إذا طلعت الشمس وأمكنت الصلاة قام يصلي إلى أن ينتصف النهار ثم يرجع إلى منزله فيقيل ثم يرجع إلى المسجد إذا زالت الشمس فيصلي حتى يصلى الظهر، ثم يصلى حتى يصلي العصر، فإذا صلى العصر تنحى في ناحية المسجد ثم يقول: من أقرئه؟ قال: فيأتيه قوم فيقرئهم حتى إذا غربت الشمس صلى المغرب ثم يصلي حتى يصلي العشاء الاخرة، ثم يرجع إلى منزله فيتناول أحد رغيفيه، فيأكل ثم يضطجع هجعة خفيفة ثم يقوم فإذا كان السحر تناول رغيفه الاخر، فيأكله ثم يشرب عليه شربة من ماء ثم يخرج إلى المسجد «٣» .

стр. 392

١٢- أبو أيوب الأنصاري ﵁: فقد أخرج ابن أبي داود بسند حسن عن محمد بن كعب القرظي قال: جمع القران على عهد رسول الله خمسة من الأنصار معاذ بن جبل وعبادة بن الصامت وأبي بن كعب وأبو الدرداء وأبو أيوب الأنصاري «١» ، وقد أراد عمر إرساله إلى الشام ليقرئ أهلها، فلما كان زمن عمر كتب إليه يزيد بن أبي سفيان إن أهل الشام قد كثروا وملؤوا المدائن واحتاجوا إلى من يعلمهم القران ويفقههم فأعني برجال يعلمونهم فدعا عمر الخمسة فقال: إن إخوانكم قد استعانوني من يعلمهم القران، ويفقههم في الدين فأعينوني يرحمكم الله بثلاثة منكم إن أحببتم وإن انتدب ثلاثة منكم فليخرجوا، فقالوا: ما كنا لنتساهم هذا شيخ كبير لأبي أيوب، وأما هذا فسقيم لأبيّ فخرج معاذ وعبادة وأبو الدرداء، فقال عمر: ابدؤوا بحمص فإنكم ستجدون الناس على وجوه مختلفة، فإذا رأيتم ذلك فوجهوا إليه طائفة من الناس فإذا رضيتم منهم فليقم بها واحد، وليخرج واحد إلى دمشق والاخر إلى فلسطين «٢» . ١٣- عبادة بن الصامت ﵁: كما تقدم، وهو من الذين كانوا يقرئون القران على عهد رسول الله ﷺ أهل الصفة. ١٤- أبو الدرداء ﵁: كالسابق، وكان أبو الدرداء مقرئ الشام ورئيسا لجامعة قرانية عظيمة، وسنذكر طرفا من كيفية إقرائه ليستبين كيف كان يأخذ أهل الشام عنه وكيف

стр. 393

سادت قراءته: فقد قال سويد بن عبد العزيز التنوخي: كان أبو الدرداء إذا صلى الغداة في جامع دمشق اجتمع الناس للقراءة عليه، فكان يجعلهم عشرة عشرة، ويجعل على كل عشرة منهم عريفا، ويقف هو قائما في المحراب يرمقهم ببصره وبعضهم يقرأ على بعض، فإذا غلط أحدهم رجع إلى عريفهم، فإذا غلط عريفهم رجع إلى أبي الدرداء فسأله عن ذلك. وكان ابن عامر عريفا على عشرة، وكان كبيرا فيهم، فلما مات أبو الدرداء خلفه ابن عامر، وقام مقامه مكانه، وقرأ عليهم جميعهم فاتخذه أهل الشام إماما، ورجعوا إلى قراءته، وعن أبي عبيد الله مسلم ابن مشكم، قال لي أبو الدرداء: اعدد من يقرأ عندي القران، فعددتهم ألفا وستمائة ونيفا، وكان لكل عشرة منهم مقرئ، وكان أبو الدرداء يطوف عليهم قائما يستفتونه في حروف القران، فإذا أحكم الرجل منهم تحول إلى أبي الدرداء، فقد بلغ تلاميذه ألفا وستمائة ونيفا يقرئهم جميعا في يوم واحد بطريقة فذة، كأنه أسس بها جامعة قرانية لها نظمها الإدارية المختلفة «١» . ١٥- معاذ بن جبل ﵁: وهو الذي ورد في حديث أنس وعبد الله بن عمرو السابقين، وقد كان شيخ الناس في القران وإمام العلماء، والناس يصدرون عنه لولا أنه لم يعمّر فعن أبي إدريس الخولاني قال: دخلت مسجد حمص فإذا حلقة فيها نيف وثلاثون رجل من أصحاب رسول الله ﷺ فجعل الرجل يقول: سمعت رسول الله ﷺ يقول كذا وكذا وينصت له الاخرون، وفيهم فتى أدعج براق

стр. 394

الثنايا فإذا اختلفوا في شيء انتهوا إلى قوله، فلما انصرفت إلى منزلي بت بأطول ليلة قلت: جلست في مجلس فيه كذا وكذا من أصحاب النبي ﵇ لا أعرف منازلهم، ولا أسماءهم، فلما أصبحت غدوت إلى المسجد فإذا الفتى الأدعج قاعد إلى سارية فجلست إليه: فقلت: إني أحبك لله تعالى قال: فأخذ بحبوتي ثم قال: الله إنك لتحبني في الله؟ قلت: الله إني لأحبك في الله ﵎. قال: أفلا أحدثك بما سمعت من رسول الله ﷺ ؟ قلت: بلى! قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «المتحابون في الله يظلهم الله في ظل عرشه يوم لا ظل إلا ظله» ، فبينا نحن كذلك إذ مر رجل ممن كان في الحلقة فقمت إليه فقلت: إن هذا حدثني حديثا عن رسول الله ﷺ فهل سمعته؟ قال: ما كان ليحدثك إلا حقا فما هو؟ فأخبرته فقال: سمعت هذا من رسول الله ﷺ وما هو أفضل منه. قلت: يرحمك الله وما الذي أفضل منه؟ قال: سمعت رسول الله ﷺ يأثر عن الله تعالى: «حقت محبتي للمتحابين في، وحقت محبتي للمتواصلين، في وحقت محبتي للمتزاورين في، وحقت محبتي للمتباذلين في» قلت: من أنت يرحمك الله؟ قال: أنا عبادة بن الصامت. قلت: فمن الفتى؟ قال: معاذ بن جبل «١» . ولكنه تتلمذ على يد ابن مسعود ﵁ ابتداء: فعن عبد الله بن مسعود ﵁ قال: جاء معاذ إلى النبي ﷺ فقال: يا رسول الله أقرئني. فقال رسول الله ﷺ : «أقرئه» فأقرأته ما كان معي ثم اختلفت أنا وهو إلى رسول الله ﷺ فقرأه معاذ فكان معلما من المعلمين على عهد رسول الله ﷺ «٢» .

стр. 395

١٦- خباب بن الأرت ﵁: وكان مقرئا من أوائل البعثة فعن أنس بن مالك ﵁ أن رجلا من بني زهرة لقي عمر قبل أن يسلم وهو متقلد بالسيف فقال: إلى أين تعمد؟ قال: أريد أن أقتل محمدا قال: أفلا أدلك على العجب يا عمر؟ إن ختنك سعيدا وأختك قد صبوا وتركا دينهما الذي هما عليه. قال: فمشى عمر إليهم ذامرا حتى إذا دنا من الباب قال: وكان عندهما رجل يقال له خباب يقرئهما سورة طه فلما سمع خباب بحس عمر دخل تحت سرير لهما.. «١» . الحديث. ويتضح مدى حفظ خباب من إحالة ابن مسعود عليه فقد جاءه بعضهم فسأله أن يقرأ عليهم طسم المائتين فقال: ما هي معي ولكن عليكم من أخذها من رسول الله ﷺ خبّاب بن الأرتّ، فأتينا خبّاب ابن الأرتّ فقرأها علينا «٢» ، وحكم على مدى جودة وحفظ أصحاب ابن مسعود ﵁. ١٧- أسيد بن حضير: وقد كان من القراء المعدودين المشهورين في عهد النبي ﷺ فعن أسيد بن حضير أنه قال: يا رسول الله بينما أنا أقرأ الليلة سورة البقرة إذ سمعت وجبة من خلفي فظننت أن فرسي انطلق فقال رسول الله ﷺ : قرأ يا أبا عتيك فالتفت فإذا مثل المصباح مدلى بين السماء والأرض ورسول الله ﷺ يقول: «اقرأ يا أبا عتيك» فقال: يا رسول الله فما استطعت أن أمضي فقال رسول الله ﷺ : «تلك الملائكة نزلت لقراءة سورة البقرة أما إنك لو مضيت لرأيت العجائب» «٣» ، وقد

стр. 396

كان شديد التأثر بالقران فعن عائشة أنها قالت: كان أسيد بن حضير من أفاضل الناس، وكان يقول: لو أكون كما أكون على حال من أحوال ثلاث لكنت من أهل الجنة وما شككت في ذلك: حين أقرأ القران، أو حين أسمعه يقرأ، وإذا سمعت بخطبة رسول الله ﷺ ، وإذا شهدت جنازة ... وما شهدت جنازة قط فحدثت نفسي سوى ما هو مفعول بها وما هي صائرة إليه «١» وفي ترجمة إبراهيم بن جابر الصحابي: أنه كان من جملة العبيد الذين نزلوا على النبي ﷺ أيام حصاره الطائف فأعتقه وبعثه إلى أسيد ابن حضير وأمره أن يمونه ويعلمه. ١٨- مصعب بن عمير ﵁: فقد كتبت الأوس والخزرج إلى رسول الله ﷺ ابعث إلينا مقرئا يقرئنا القران فبعث إليهم مصعب بن عمير العبدري، فنزل على أسعد بن زرارة فكان يقرئهم القران فروى بعضهم أن مصعبا كان يجمع بهم ثم خرج مع السبعين حتى وافوا الموسم مع رسول الله ﷺ «٢» ، وعن البراء ابن عازب قال: أول من قدم علينا مصعب بن عمير وابن أم مكتوم وكانا يقرئان الناس، فقدم بلال وسعد وعمار بن ياسر، ثم قدم عمر بن الخطاب في عشرين من أصحاب النبي ﷺ ثم قدم النبي ﷺ فما رأيت أهل المدينة فرحوا بشيء فرحهم برسول الله ﷺ حتى جعل الإماء يقلن: قدم رسول الله ﷺ فما قدم حتى قرأت سبح اسم ربك الأعلى في سور من المفصل «٣» . «وكان مصعب يسمى المقرئ بالمدينة، وفي الاستبصار لابن قدامة المقدسي لما قدم مصعب ابن عمير المدينة نزل على أسعد بن زرارة فكان يطوف به على دور

стр. 397

الأنصار يقرئهم القران ويدعوهم إلى الله فأسلم على يديهما جماعة منهم سعد بن معاذ وأسد بن حضير وغيرهما» «١» . ١٩- عبد الله بن أم مكتوم ﵁: وما سبق يدل على ذلك، وهو صاحب قصة عبس ... وهنيئا له مقامه. ٢٠- عثمان بن أبي العاص: وتقدمت قصته في المبحث الثاني من الفصل الثاني، وكانت تعرض المصاحف عليه للتصحيح فعن أبي نضرة قال: أتينا عثمان بن أبي العاص في يوم جمعة لنعرض مصحفا لنا بمصحفه فجلسنا إلى رجل يحدث ثم جاء عثمان بن أبي العاص فتحولنا إليه «٢» . ومن أخباره ﵁: أنه تزوج امرأة من نساء عمر بن الخطاب فقال: والله ما نكحتها حين نكحتها رغبة في مال ولا ولد ولكن أحببت أن تخبرني عن ليل عمر ﵁ فسألها كيف كانت صلاة عمر بالليل قالت: كان يصلي العتمة ثم يأمر أن نضع عند رأسه تورا من ماء نغطيه ويتعار من الليل فيضع يده في الماء فيمسح وجهه ويديه ثم يذكر الله ما شاء أن يذكر ثم يتعار مرارا حتى يأتي على الساعة التي يقوم فيها لصلاته «٣» ، وعن أبي هريرة ﵁ قال: قام رسول الله ﷺ على المنبر ومعه كتاب فقال: لأعطين هذا الكتاب رجلا يحب الله ورسوله ويحبه الله

стр. 398

ورسوله قم يا عثمان بن أبي العاص فقام عثمان بن أبي العاص فدفعه إليه «١» ، وعن أبي نضرة قال: أتيت عثمان بن أبي العاص في أيام العشر وكان له بيت قد أخلاه للحديث فمر عليه بكبش فقال لصاحبه: بكم أخذته؟ فقال: باثني عشر درهما فقلت: لو كان معي اثنا عشر درهما اشتريت بها كبشا فضحيت وأطعمت عيالي فلما قدمت اتبعني بصرة فيها خمسون درهما فما رأيت دراهم قط كانت أعظم بركة منها أعطاني وهو لها محتسب وأنا إليها محتاج «٢» ، وعن عثمان بن أبي العاص الثقفي: أن النبي ﷺ قال له: «أم قومك» قال قلت: يا رسول الله إني أجد في نفسي شيئا قال أدنه فجلسني بين يديه ثم وضع كفه في صدري بين ثديي ثم قال تحول فوضعها في ظهري بين كتفي ثم قال: أم قومك.. «٣» .. ٢١- غيرهم ﵁: ١- عمرو بن سلمة: وتقدمت قصته في المبحث الثاني من الفصل الثاني. ٢- شريح الحضرمي: كان من أفضل أصحاب النبي ﷺ «٤» ، فعن السائب بن يزيد أن شريحا الحضرميّ ذكر عند رسول الله ﷺ فقال رسول الله ﷺ : «لا يتوسّد القران» «٥» .

стр. 399

٣- سعد بن المنذر الأنصاري: وقد قال: يا رسول الله أقرأ القران في ثلاث قال نعم قال وكان يقرؤه حتى توفي «١» . - عبد الله بن سعد بن خيثمة كنيته أبو خيثمة الأوسي الأنصاري ممن شهد بدرا والعقبة وجوامع المشاهد وكان من المعدودين في القراء والمشهورين في البراز توفى بالمدينة «٢» . ٥- أبو زيد المذكور في حديث أنس: وليس هو سعد بن عبيد بن النعمان لأن هذا أوسي وأنس خزرجي وقد قال: إنه أحد عمومته وعند ابن أبي داود بإسناد على شرط البخاري إلى ثمامة عن أنس أن أبا زيد الذي جمع القران اسمه قيس بن السكن قال وكان رجلا منا من بني عدي بن النجار أحد عمومتي ومات ولم يدع عقبا ونحن ورثناه، وكان عقبيا بدريا «٣» . ٦- سعد بن عبيد: وهو الذي قال فيه أبو أحمد العسكري: لم يجمع القران من الأوس غير سعد بن عبيد وقال ابن حبيب في المحبر: سعد بن عبيد أحد من جمع القران على عهد النبي ﷺ «٤» ، وعن عبد الرحمن بن أبي ليلى قال: كان سعد بن عبيد يسمى على عهد رسول الله ﷺ القاري «٥» .

стр. 400

٧- قيس بن أبي صعصعة: ذكره ابن أبي داود فيمن جمع القران وهو خزرجي يكنى أبا زيد «١» . ٨- ثابت بن قيس بن شماس: وأخرج أبو داود من طريق مرسلة قال النبي ﷺ : «ألم تر ثابت بن قيس لم تزل داره البارحة تزهر بمصابيح» «٢» . ٩- سلمان الفارسي: فعن خليد العصري قال لما ورد علينا سلمان أتيناه لنستقرئه فقال إن القران عربي فاستقرئوه عربيا فكان زيد بن صوحان يقرئنا فإذا أخطأ أخذ عليه سلمان وإذا أصاب قال: أيم الله «٣» . ١٠- زياد بن لبيد الأنصاري البياضي: من بني بياضة بن عامر بن زريق قال الواقدي: خرج إلى رسول الله ﷺ وأقام معه بمكة حتى هاجر مع رسول الله ﷺ إلى المدينة فكان يقال لزياد مهاجري أنصاري شهد العقبة وبدرا وأحدا والخندق والمشاهد كلها مع رسول الله ﷺ ، واستعمله رسول الله ﷺ على حضرموت «٤» وقد ورد ما يشير إلى تقدمه وحفظه فعن أبي الدرداء قال: كنا مع رسول الله ﷺ فشخص ببصره إلى السماء ثم قال: «هذا أوان يختلس العلم من الناس حتى لا يقدروا منه على شيء» فقال زياد ابن لبيد الأنصاري: يا رسول الله! وكيف

стр. 401

يختلس منا وقد قرأنا القران فو الله لنقرأنه ولتقرئنه نساءنا وأبناءنا، وفي لفظ للحاكم: قال زياد: بأبي وأمي وكيف يذهب أوان العلم ونحن نقرأ القران ونعلمه أبناءنا ويعلمه أبناؤنا أبناءهم إلى أن تقوم الساعة فقال: «ثكلتك أمك يا زياد إني كنت لأعدك من فقهاء أهل المدينة هذا التوراة والإنجيل ثم اليهود والنصارى فماذا يغني عنهم» «١» . ١١- ومنهم وبر بن مشهر الحنفي: فعنه ﵁ أن مسيلمة بعثه هو وابن سعاف الحنفي وابن النواحة حتى قدموا على رسول الله ﷺ قال وبر بن مشهر ﵁: كانا هما أسن مني فتشهدا أنه رسول الله ﷺ وأن مسيلمة من بعده قال فأقبل علي رسول الله ﷺ فقال: «بم تشهد يا غلام؟» فقلت: أشهد بما شهدت به وأكذب بما كذبت به قال: «فإني أشهد عدد ترب الدهناء وترب يثرب أن مسيلمة كذاب» . قال وبر ﵁: شهدت بما شهدت به. فقال رسول الله ﷺ : «خذوهما» قال فأخذا فأخرج بهما إلى البيت يحبسان فقال رجل: هبهما لي يا رسول الله ففعل فخرجا وأقام وبر بن مشهر ثم رسول الله ﷺ يتعلم القران حتى قبض رسول الله ﷺ ورجع صاحباه فلما توفي رسول الله ﷺ قدم وبر ﵁ فنزل على أمه بعرقبا فسمع به مسيلمة فأرسل إليه فقال: لا يراني الله تعالى أمشي إليه أبدا فأرسل إليه إذا لأدمينك في حجر أمك فأبى فأصرف عنه حتى جاء خالد بن الوليد ﵁ فغزاه وغزا معه وقتل مسيلمة وخرج وبر.. «٢» .. ١٢- وهناك أسماء أخرى غير مشهورة ومنها: أبان بن سعيد بن العاص فقد ذكر ابن حجر في الإصابة عن الواقدي أن صحابيا يقال له وردان أسلمه النبي ﷺ

стр. 402

إلى أبان بن سعيد بن العاص ليمونه ويعلمه القران «١» ... ويؤكد هذا استعمال عثمان لأبان في نسخ المصاحف. ١٣- وذكر في التراتيب الإدارية «٢» عددا من المعلمين للقران على عهد النبي ﷺ ، والأصل في معلم القران أن يكون حافظا له على ما هو معلوم، فمنهم: رافع بن مالك الأنصاري ترجمه في الإصابة فذكر عن ابن إسحاق أنه أول من قدم المدينة بسورة يوسف، وأن الزبير بن بكار روى في أخبار المدينة أن رافعا لما لقي المصطفى ﷺ بالعقبة أعطاه ما أنزل إليه في العشر سنين التي خلت فقدم به رافع إلى المدينة ثم جمع قومه فقرأ عليه في موضعه قال وعجب المصطفى ﷺ من اعتدال قلبه «٣» . ١٤- ومنهم خالد بن سعيد بن العاص ففي ترجمة لأزرق بن عقبة الثقفي من عبيد الحارث بن كلدة الثقفي أنه ممن نزل على النبي ﷺ في حصار الطائف وأنه أسلم وأعتقه وسلمه لخالد بن سعيد بن العاص ليمونه ويعلمه «٤» . ١٥- ومنهم عمرو بن حزم بن زيد الأنصاري قال في الاستبصار في أنساب الأنصار: استعمله رسول الله على نجران وهو ابن سبع عشرة سنة ليفقههم في الدين ويعلمهم القران ويأخذ صدقاتهم وذلك سنة عشر «٥» . ١٦- وذكر أبو القاسم الهذلي منهم أيضا غير من تقدم: طلحة بن عبد الله، وسعد بن أبي وقاص، وعمرو بن العاص، وأبو برزة، ومعاوية بن أبي سفيان «٦» .

стр. 403

١٧- وقد يقال بأن حارثة بن النعمان منهم: فعن عروة عن عائشة عن النبي ﷺ قال: دخلت الجنة فسمعت قراءة فقلت: من هذا؟ فقيل: «حارثة بن النعمان» فقال رسول الله ﷺ : «كذلكم البر» وكان برا بأمه، وفي لفظ: كان أبر الناس بأمه «١» . ١٨- ومن النساء الحافظات في عهد رسول الله ﷺ عائشة ولذا كانت تضبط الايات وعددها: فعنها أن رسول الله ﷺ كان يصلي جالسا فيقرأ وهو جالس فإذا بقي من قراءته قدر ما يكون ثلاثين أو أربعين اية قام فقرأ وهو قائم ثم ركع ثم سجد ثم يفعل في الركعة الثانية مثل ذلك «٢» ، وهي نفت عن نفسها الحفظ الكامل في أوائل زواجها برسول الله ﷺ حين رميت بحادث الإفك إفكا وزورا وهي الطاهرة المطهرة فقالت: «فقلت وأنا جارية حديثة السن لا أقرأ كثيرا من القران» «٣» ، والنبي ﷺ إنما توفي بعد حادثة الإفك بخمس سنوات على الأقل ... فعائشة العالمة التي يصدر عن فتواها كبار الأئمة من الصحابة أفما كانت تحفظ القران؟. ١٩- حفصة بنت عمر بن الخطاب: ٢٠- وأم سلمة: ويدل على ذلك شدة عنايتهن باتخاذ المصاحف. وتعلمت حفصة الكتابة من الشفاء بنت عبد الله فعن الشفاء قالت: دخل علي رسول الله ﷺ وأنا عند حفصة فقال لي: «ألا تعلمين هذه رقية النملة كما علمتيها الكتابة» «٤» .

стр. 404

٢١- أم ورقة بنت عبد الله بن الحارث: فقد كان رسول الله ﷺ يقول عنها: انطلقوا بنا نزور الشهيدة وأذن لها أن يؤذن لها مؤذن، وأن تؤم أهل دارها في الفريضة وكانت قد جمعت القران «١» ، وكان من شأنها: أن رسول الله ﷺ كان يزورها ويسميها الشهيدة ولما غزا رسول الله ﷺ بدرا قالت له: أتأذن لي فأخرج معك أداوي جرحاكم، وأمرض مرضاكم لعل الله يهدي لي شهادة قال: «إن الله مهد لك شهادة» ، وكان قد أمرها أن تؤم أهل دارها وكان لها مؤذن فغمها غلام لها وجارية كانت دبرتهما فقتلاها في إمارة عمر فقال عمر صدق رسول الله كان يقول: «انطلقوا بنا نزور الشهيدة» . ٢٢- أمّ هشام بنت حارثة بن النعمان فعنها قالت: لقد مكثنا سنة أو سنتين كان تنّورنا وتنّور النّبيّ ﷺ واحدا سنتين أو سنة وبعض سنة وما أخذت ق والقران المجيد إلّا على لسان رسول الله ﷺ كان يقرأ بها كلّ يوم جمعة على المنبر إذا خطب النّاس وفي لفظ: كان يعلم الناس يقرأها كل جمعة على المنبر «٢» . وهل يفهم من كلامها حفظها الكامل للقران الكريم، أو جعل الحفظ بدهية في حياتها؟ احتمال. وأما بعد النبي ﷺ فقد كثرت الحافظات من التابعيات، ومن أشهرهن: حفصة بنت سيرين أم الهذيل الفقيهة الأنصارية روت عن أم عطية، وروي عن إياس بن معاوية قال: ما أدركت أحدا أفضله عليها، وقال: قرأت القران وهي بنت ثنتي عشرة سنة وعاشت سبعين سنة فذكروا له الحسن وابن سيرين فقال: أما أنا فما أفضل عليها أحدا «٣» .

стр. 405

٢٣- وعدّ ابن أبي داود في كتاب الشريعة من المهاجرين أيضا تميم بن أوس الداري، وعقبة بن عامر، ومن الأنصار معاذا الذي يكنى أبا حليمة، وفضالة بن عبيد، ومسلمة بن مخلد، وغيرهم وصرح بأن بعضهم إنما جمعه بعد النبي ﷺ وعد بعض المتأخرين من القراء سعد بن عبادة» «١» . ٢٤- ولما تقدم فقد ذكر أبو عبيد في كتاب القراات القراء من أصحاب النبي ﷺ فعد من المهاجرين الخلفاء الأربعة وطلحة وسعدا وابن مسعود وحذيفة وسالما وأبا هريرة وعبد الله بن السائب والعبادلة وعائشة وحفصة وأم سلمة «٢» . فعدة المذكورين من المشتهرين بأنهم أئمة للقراءة والإقراء نافت على خمسين صحابيا. ولو ذهب المرء يعدد المشهورين بالحفظ بعد النبي ﷺ من الصحابة فإنهم سيستطيلون إلى المئات ... وهناك من القراء الذين لم تعرف أسماء كثير منهم: أصحاب بئر معونة، وأصحاب اليمامة، وكثير من أهل أحد ... فذلك ما لا يقل عن مائة وعشرين حافظا بالإضافة إلى هؤلاء الخمسين. لا تنافي بين ذكر هذا العدد الكثير وما اشتهر من قلة حفاظ الصحابة ﵃: «لا تنافي بين ذكر هذا العدد الكثير المصرح باسمه وبين ما اشتهر من الذين جمعوا القران هم عشرة؛ إذ قد وجه البعض هذه الشهرة بأنها محمولة على جمعهم له بأوجه القراات والسبعون من أصحاب بئر معونة، وغيرهم من المذكورين تصريحا أو تلميحا مما سبق كانوا يحفظونه بدون أوجه القراات، وقد نظم بعضهم العشرة فقال:

стр. 406

لقد جمع القران في عهد أحمد ... علي وعثمان وزيد بن ثابت أبي أبو زيد معاذ وخالد ... تميم أبو الدرداء وابن لصامت» «١» وعند الباحث أن هؤلاء العشرة تفرغوا للإقراء واشتهروا به بخلاف غيرهم الذين شغلوا بأمور أخرى. ولن يتوسع البحث في الكلام عن الطبقة الثانية من الصحابة وهم الذين أخذوا عن الصحابة ﵃، وما أكثرهم- فضلا عن التابعين- والإحصاء المذكور عن تلاميذ أبي موسى يوضح الانتشار الهائل للقران الكريم، ومن هؤلاء الصحابة من ذكرهم الذهبي في الطبقة الثانية في طبقاته كأبي هريرة وابن عباس وعبد الله ابن السائب ابن أبي السائب مقرئ مكة، وهو من صغار الصحابة «٢» وقال فيه مجاهد: كنا نفخر على الناس بقارئنا عبد الله بن السائب «٣» .

стр. 407

المبحث الرابع: تعليمه ﷺ جمع القران: والمراد بالجمع هنا هو كتابة ايات القران وترتيب سوره عند كتابته، وقد يطلق على هذا الباب من العلم تأليف القران كما قال الإمام البخاري «باب تأليف القرانط أي جمع ايات السورة الواحدة أو جمع السور مرتبة في المصحف «١» ، وقد استعملت كلمة تأليف فيما قاله عمر بن الخطّاب ﵁: خرجت أتعرّض رسول الله ﷺ قبل أن أسلم فوجدته قد سبقني إلى المسجد فقمت خلفه فاستفتح سورة الحاقّة فجعلت أعجب من تأليف القران قال فقلت: هذا والله شاعر كما قالت قريش قال فقرأ إِنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ (٤٠) وَما هُوَ بِقَوْلِ شاعِرٍ قَلِيلًا ما تُؤْمِنُونَ (الحاقة: ٤٠- ٤١) قال: قلت كاهن قال: وَلا بِقَوْلِ كاهِنٍ قَلِيلًا ما تَذَكَّرُونَ (الحاقة: ٤٢- ٤٧) إلى اخر السّورة قال فوقع الإسلام في قلبي كلّ موقع «٢» ، وتنحصر معالم تعليمه ﷺ لهذا الموضوع في المطالب التالية: المطلب الأول: تعليمه ﷺ كتابة القران. المطلب الثاني: تعليمه ﷺ ترتيب ايات القران الكريم، وسوره. المطلب الثالث: تعليمه ﷺ تحزيب القران. المطلب الرابع: تعليمه ﷺ عد الاي (علم الفواصل) . وغير غائب عن القارئ الكريم أن هذه المطالب تمثل تأصيلا لعلوم مستقلة من علوم القراءة.

стр. 408

المطلب الأول: تعليمه ﷺ كتابة القران: ١- أمرهم النبي ﷺ بكتابة القران، وتطبيق المقتضى الفعلي لتسميته كتابا مع أنه لم يكن كاتبا ﷺ ، واشتد في ذلك حتى منع ابتداء من كتابة غير القران معه فعن أبي سعيد الخدري ﵁ قال: «لا تكتبوا عني غير القران ومن كتب عني غير القران فليمحه» «١» ، وقد استقر الاصطلاح الكتابي نسبيا إلى عهد البعثة كما جاء عن زياد بن أنعم المعافري قال: قلت لعبد الله بن عباس: معاشر قريش هل كنتم تكتبون في الجاهلية بهذا الكتاب العربي تجمعون فيه ما اجتمع، وتفرقون ما افترق هجاء بالألف واللام والميم، والشكل والقطع، وما يكتب به اليوم قبل أن يبعث الله النبي ﷺ ؟ قال: نعم «٢» ... ٢- علمهم النبي ﷺ تسمية ما يكتب فيه القران بالصحف في قوله : رَسُولٌ مِنَ اللَّهِ يَتْلُوا صُحُفاً مُطَهَّرَةً (البينة: ٢) «يعني ما تتضمنه الصحف من المكتوب فيها وهو القران، ويدل على ذلك أنه كان يتلو عن ظهر قلبه لا عن كتاب» «٣» ، وفي ذلك تعليم ظاهر بأن يكتب القران في صحف. ٣- عن زيد بن ثابت ﵁ قال: كنا عند رسول الله ﷺ نؤلف القران من الرقاع.. «٤» .. ٤- وأنكر عليهم ﷺ ابتداء الكتابة لغير القران بصيغ أشد فعن ابن عباس وابن عمر ﵃ قالا: خرج رسول الله ﷺ معصوبا رأسه فرقي المنبر فقال: «ما هذه الكتب التي يبلغني أنكم تكتبونها؟ أكتاب مع كتاب الله؟ يوشك أن

стр. 409

يغضب الله لكتابه فيسري عليه ليلا فلا يترك في ورقة ولا في قلب منه حرفا إلا ذهب به» فقال بعض من حضر المجلس: فكيف يا رسول الله بالمؤمنين والمؤمنات؟ قال: «من أراد الله به خيرا أبقى في قلبه لا إله إلا الله» «١» ، وعن أبي موسى ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «إن بني إسرائيل كتبوا كتابا واتبعوه وتركوا التوراة» «٢» ، وعن أبي سعيد الخدري ﵁ قال: كنا قعودا نكتب ما نسمع من النبي ﷺ فخرج علينا فقال: «ما هذا تكتبون» فقلنا: ما نسمع منك. فقال: «أكتاب مع كتاب الله امحضوا كتاب الله وأخلصوه» قال: فجمعنا ما كتبناه في صعيد واحد ثم أحرقناه بالنار.. «٣» .. جمع القران في عهد النبي ﷺ : وهذه الأدلة المتعاضدة بصحيحها وسقيمها تدل على أن تأليف القران من الرقاع أي جمعه كان أمرا معتادا في حياة النبي ﷺ كما تدل عليه لفظة (كنا) ، وهو ما يعني أن القران قد ألف في حياة النبي ﷺ أي جمع. الإذن لهم بكتابة غير القران: ١- ثم أذن لهم النبي ﷺ بكتابة غير القران من بعد فعن أبي هريرة ﵁ قال: ما كان أحد أعلم بحديث رسول الله ﷺ مني إلا ما كان من عبد الله بن عمرو فإنه كان يكتب بيده ويعيه بقلبه وكنت أعيه بقلبي ولا أكتب بيدي وأستأذن رسول الله ﷺ في الكتابة عنه فأذن له «٤» ، وعن رافع بن خديج ﵁ قال: خرج

стр. 410

علينا رسول الله ﷺ فقالوا: «تحدثوا وليتبوأ من كذب علي مقعده من جهنم» قلت: يا رسول الله! إنا نسمع منك أشياء فنكتبها. قال: «اكتبوا ولا حرج» «١» . ٢- وبعد أن أذن لهم بكتابة غير القران معه ربما ترخصوا فكتبوا التفسير الذي سمعوه من النبي ﷺ أو استنبطوه بما دل على الجزم به عندهم، فيعدها من لا يعلم قراءة وهما فعن أبي يونس مولى عائشة أنه قال ثم أمرتني عائشة أن أكتب لها مصحفا وقالت إذا بلغت هذه الاية فاذني حافظوا على الصلوات والصلاة الوسطى فلما بلغتها اذنتها فأملت علي حافظوا على الصلوات والصلاة الوسطى وصلاة العصر وقوموا لله قانتين قالت عائشة سمعتها من رسول الله ﷺ «٢» فما الذي سمعته؟ أيقرأ تلاوة أم يقرأ قراءة تفسير؟ ... وتفصيل ذلك في الفصل الخامس عند الكلام على القراءة التفسيرية- إن شاء الله تعالى-. ٣- وكانوا يعرضون ما يملي عليهم من كتاب بعد إملائه فعن زيد ابن ثابت ﵁ قال: كنت أكتب الوحي لرسول الله ﷺ وكان إذا نزل عليه الوحي أخذته برحاء شديدة وعرق عرقا شديدا مثل الجمان، ثم سرى عنه فكنت أدخل عليه بقطعة الكتف أو كسرة فأكتب وهو يملي علي فما أفرغ حتى تكاد رجلي تنكسر من ثقل القران حتى أقول لا أمشي على رجلي أبدا فإذا فرغت قال اقرأ فأقرأه فإن كان فيه سقط أقامه ثم أخرج به إلى الناس «٣» . ٤- وكان الصحابة ﵃ يجتهدون في كتابة القران عنه ﷺ كما قال علي ﵁ قال: ما كتبنا عن رسول الله ﷺ إلا القران وما في هذه الصحيفة.. «٤» ..

стр. 411

ومما يدل على انتشار الكتابة: ما جاء عن ابن عباس ﵁ قال: كانت المصاحف لا تباع كان الرجل يأتي بورقة عند النبي ﷺ فيقوم الرجل فيحتسب فيكتب ثم يقوم اخر فيكتب حتى يفرغ من المصحف «١» . ٥- وقد اتخذ لكتابة الوحي عددا كبيرا من صحابته واشتهر أمرهم، وممن ذكرهم عبد الله بن الزبير ﵁ أن النبي ﷺ استكتب عبد الله بن الأرقم فكان يكتب إلى الملوك، فبلغ من أمانته عنده أنه كان يكتب إلى بعض الملوك فيكتب ثم يأمر به أن يطينه ثم يختم لا يقرأ لأمانته عنده واستكتب أيضا زيد بن ثابت فكان يكتب ويكتب إلى الملوك أيضا فكان إذا غاب عبد الله بن الأرقم وزيد بن ثابت واحتاج أن يكتب لإنسان كتابا يقطعه أمر من حضر أن يكتب وقد كتب له عمر بن الخطاب وعثمان بن عفان وعلي بن أبي طالب وزيد بن ثابت والمغيرة بن شعبة ومعاوية بن أبي سفيان وخالد بن سعيد بن العاص وغيرهم ممن قد سمي من العرب «٢» ، وقد أفردت بأخبارهم المصنفات في كتاب النبي ﷺ ومن أكبرها: «المصباح المضيء لابن حديدة، وقد أوصلهم العراقي في ألفيته إلى (٤٢) كاتبا» «٣» . ولكن المكتوب المجموع (المؤلف) في عهد النبي ﷺ هل بقي مع زيد وأمثاله من الكتبة أو كان رسميا مع النبي ﷺ ؟ النصوص تدل على الأول، ولذا احتيج إلى جمع مصحف رسمي في عهد أبي بكر ﵁. وما سبق يدل على أن النبي ﷺ علمهم كتابة القران:

стр. 412

وبهذا الاعتبار يكون النبي ﷺ قد علمهم كتابة القران «١» أي أمرهم وتابعهم مع أنه بقي لا يكتب على اخر حياته على الراجح، وعلى إثر ذلك نشأ فن رسم المصحف. وأشار إليهم النبي ﷺ بكتابة المصحف بين دفتين: وواضح مما سبق أن النبي ﷺ أشار إليهم بكتابة القران في مكان واحد مما يبين التبكير في كتابة القران وجمعه وأنه ليس من أمر أبي بكر بل بإشارات النبي ﷺ كما تقدم ومن ذلك قوله ﷺ : «بل قوم يأتون من بعدكم يأتيهم كتاب بين لوحين فيؤمنون به ويعملون بما فيه أولئك أعظم منكم أجرا» «٢» ، ولعل هذا الحديث وأمثاله هو الذي احتج به عمر في إقناع أبي بكر بجمع القران، ولعله ذكره به، وبنحوه من الأدلة مما يشير إلى جمع القران كاملا في مصحف. وقد علمهم النبي ﷺ أن ايات القران المجيد كتبت في الملأ الأعلى (التنزيل الجملي) كما قال الله : بَلْ هُوَ قُرْآنٌ مَجِيدٌ (٢١) فِي لَوْحٍ مَحْفُوظٍ (البروج: ٢١- ٢٢) ، وهذا يشير إلى ضرورة كتابته كذلك في الأرض، ومن الإشارات القرانية لذلك كما في قوله ﷻ : رَسُولٌ مِنَ اللَّهِ يَتْلُوا صُحُفاً مُطَهَّرَةً (البينة: ٢) ففي ذلك إشارة واضحة لتلاوة القران من صحف مطهرة، فكان النّبيّ ﷺ «يكتبه كتبته بإملائه إيّاه عليهم، وهل يخفى على متصوّر معنى صحيحا في قلبه أنّ ذلك كان تنبيها على كتبه وضبطه بالتّقييد في الصّحف، ولو كان ما ضمنه الله

стр. 413

من حفظه لا عمل للأمّة فيه لم يكتبه رسول الله ﷺ بعد إخبار الله له بضمان حفظه، ولكن علم أنّ حفظه من الله يحفظنا وتيسيره ذلك لنا وتعليمه لكتابته وضبطه في الصّحف بيننا «١» . تعليمه ﷺ تسمية القران المكتوب بالمصحف: فقد سماه النبي ﷺ بالمصحف صريحا في قوله ﷺ : «من سره أن يحب الله ورسوله فليقرأ في المصحف» «٢» ، وقد كانت تسمية المصحف شائعة عندهم، ومن ذلك ما جاء عن عبد الله بن عمرو ﵄ أنّ رجلا أتى النّبيّ ﷺ بابن له فقال: يا رسول الله إنّ ابني هذا يقرأ المصحف بالنّهار ويبيت باللّيل. فقال رسول الله ﷺ : «ما تنقم أنّ ابنك يظلّ ذاكرا ويبيت سالما» «٣» .. على أي حرف كتب القران في عهد النبي ﷺ ؟: الظاهر أن المصحف في عهد النبي ﷺ كتب على قراءة العامة ولذا كان الصحابة في عهد أبي بكر يبحثون عن المكتوب بأمر النبي ﷺ ويستشهدون على كتابته بين يدي النبي ﷺ شاهدين، وأما ما «وقع من اختلاف مصاحف الأمصار في عدة واوات ثابتة في بعضها دون بعض، وعدة هاات وعدة لامات، ونحو ذلك فهو محمول على أنه نزل بالأمرين معا، وأمر النبي ﷺ بكتابته لشخصين، أو أعلم بذلك شخصا واحدا، وأمره بإثباتهما على الوجهين» «٤» .

стр. 414

تواتر المصحف كما هو يضاف إلى التواتر القراني: ولذا كان أكبر دليل يضاف إلى التواتر القراني ليجعل القطع بصحة القران مع التناقل الشفوي اضطراريا أن مصاحف المسلمين هي «التي اجتمع عليها السلف المرضيون والخلف المتبعون، فمن قرأ بحرف ولا يخالف المصحف بزيادة أو نقصان أو تقديم مؤخر أو تأخير مقدم وقد قرأ به إمام من أئمة القراء المشتهرين في الأمصار فقد قرأ بحرف من الحروف السبعة التي نزل القران بها، ومن قرأ بحرف شاذ يخالف المصحف وخالف في ذلك جمهور القراء المعروفين فهو غير مصيب وهذا مذهب أهل العلم الذين هم القدوة ومذهب الراسخين في علم القران قديما وحديثا» «١» . معنى جعل (رسم المصحف) ركنا من أركان القراءة: وصار بموجب هذا الإلحاح الشرعي على كتابة المصحف، والتعليم لضرورة الكتابة لا بد من التزام المكتوب المتيقن من كتابته أمام الرسول ﷺ لأنه الضابط للتلقي، مع أمن عدم التغيير بكثرة الحفاظ، وكثرة الترداد، ثم تداعى الصحابة ﵃ على إثر ذلك لجمع هذا المكتوب في مكان واحد هو المصحف الذي أشار النبي ﷺ بكتابته باكرا وذلك في زمان أبي بكر، ثم تداعوا- بعد- لكتابة نسخ متعددة منه وتوزيعه على الافاق ليكون ضابط الشرعية لأي قراءة تتلقى وذلك زمن عثمان، ولذا أشار العلماء سلفا وخلفا إلى ضرورة التزام رسم المصحف، وأن «الرسم دليل علمي» «٢» ، ومن أوائل من أشار إلى لزوم اتباع خط المصحف الإمام الطبري «٣» .

стр. 415

وعمم عثمان ﵁ المصاحف في عهده لذلك تعميما رسميا بحيث يكون في كل أفق مصحف كتبته الجماعة: إذ «علم أن الوهم لا يعرى منه بشر، وأن في الناس منافقين يظهرون الإسلام ويكنون الكفر، فجمع من حضره من الصحابة ﵃ على نسخ مصاحف مصححة كسائر مصاحف المسلمين ولا فرق، إلا أنها نسخت بحضرة الجماعة فقط، ثم بعث إلى كل مصر مصحفا يكون عندهم فإن وهم واهم في نسخ مصحف وتعمد ملحد تبديل كلمة في المصحف أو في القراءة رجع إلى المصحف المشهور المتفق على نقله ونسخه، فعلم أن الذي فيه هو الحق» «١» . وليس اشتراط الرسم لأنه توقيفي والنبي ﷺ قد علمه بنفسه؛ إذ هو أمي فكيف يفعل ذلك؟ ... بل المراد هو الضبط للمنقول المتلقى وهو ما كان يؤكد عليه ابن حزم- رحمه الله تعالى- معتبرا كل ما ورد من قراءة خلاف المتلقى فهو تفسير أو نحو ذلك أو كذب «٢» . كما أنه ليس المراد من اشتراط موافقة خط المصحف أن يكون المصحف إماما في القراءة: بل هو تابع في القراءة للمشافهة لزيادة الضبط ومحاصرة المشافهة، ولدرء ادعاء الزيادة عليه أو النقصان منه على ما هو مفهوم ذاتي لمعنى (قران) ، ولأنه تابع للمشافهة فإنه لا يتابع إجماعا من الناحية الصوتية في عدد من الكلمات التي رسمت خلاف النطق نحو السموات، الربا، الحياة.

стр. 416

وكانت المصاحف قد انتشرت بينهم: فعن عمر بن الخطاب ﵁ كان إذا دخل بيته نشر المصحف فقرأه «١» ، وبذا صار لمعظم الصحابة مصاحفهم الشخصية التي تنسب إليهم نسبة تملك. المصاحف الشخصية المنسوبة للصحابة ﵃: «وهناك مصاحف أخرى منسوبة إلى مجموعة من الصحابة ذكرها السجستاني في المصاحف نذكر منهم: عبد الله بن عباس- عمر بن الخطاب- حفصة بنت عمر عائشة بنت أبي بكر- أم سلمة- عبد الله ابن عمرو- عبد الله بن الزبير «٢» . والحقيقة أن هذه المصاحف ليست إلا مصحفا شخصيا ينسب إلى الصحابي نسبة تملك، وقد تكون أجزاء من القران الكريم كتبها كل واحد منهم بناء على ما سمع من الرسول ﷺ ﵇، وأطلق عليها اسم المصاحف مجازا لأن جمع المصحف لم يكن لأحد من الصحابة قبل أبي بكر وإلا لما تكلف عناء جمعه على المنهج الصارم في عهد أبي بكر «٣» ، وكل هذه المصاحف ما اكتمل إلا بعد جمع أبي بكر ﵁ للقران في مكان واحد. وأما ما يعزى إليها من قراات مخالفة للقراات العامة المتناقلة، أو من ترتيب مخالف فعليه الملحوظات التالية: ١- الشك الكبير في صحة الروايات الواردة فيها؛ فإن الروايات الواردة اتية إما مما أسنده ابن أبي داود في كتاب المصاحف ومعظمها منقطع أو معضل «٤» ، أو

стр. 417

تكون استنباطا، أو مما رواه الفضل بن شاذان في كتاب الفهرست وأمثاله يقول: أخبرنا الثقة من أصحابنا «١» وهذا سند منقطع لقرون ... والشك في بقاء هذه المصاحف التي رتبت ترتيبا اخر كبير بعد أن أمر عثمان بإحراق المصاحف وكان أشهر من وافقه علي ابن أبي طالب ﵁، وقد لوحظ أن أكثر الروايات التي تذكر مخالفة مصحف ابن مسعود ﵁ للمصحف الإمام تعود للشيعة ... وهذا فيه ما هو ظاهر. ٢- بحث ظاهرة تعدد المصاحف يتم من وجهين: من حيث ثبوت نسبتها ثم ما نسب إليها من قراات، فقد تعامل معها كثرة من الباحثين على أنها حقائق مسلمة، وذلك يفتقر إلى الإسناد الصحيح، ولا يعني ذلك أن الباحث يميل إلى نفي ما ورد بالكلية بل المراد أن ما أسند وما لم يسند مما نقل يطرأ عليه الشك في عينه لا في أصله، ولذا فتعامل كثرة من الباحثين على أن ما نقل كله صحيح فيه نظر كبير إن لم يرجح نفيه، ومما يؤلم أن يجعل بعض من الباحثين جميع ما ورد في كتب التفسير والقراات قراات صحيحة- تأثرا بمنهج المستشرقين في قبول كل ما نقل-؟ «٢» ولا يعني هذا نفي وجودها بالكلية ... وقد قال الجصاص- رحمه الله تعالى- مبينا خطورة القول بما يشاع من القراءة بما ينسب إلى مصحف عبد الله: «وفي القول بهذا المصحف خروج عن الملة، ويكون معنى قولهم أنه في حرف عبد الله أن ذلك كان من القران في حرف عبد الله ثم نسخت التلاوة وبقي الحكم، لأنه

стр. 418

لو كان المراد أنه ثابت في حرف عبد الله بعد وفاة الرسول ﵇ لما جاز أن يكون نقله إلينا إلا من الوجه الذي نقل إلينا منه سائر القران، وهو التواتر والاستفاضة حتى لا يشك أحد في كونه منه» «١» . ٣- وقد أكثر صاحب كتاب المباني من نقل الردود على من يقر بوجود هذه المصاحف المخالفة في الترتيب لمصحف العامة، حتى نقل عن المصحف المنسوب لأبي قوله: «ليس يعرف لأبي مصحف يخالف هذا المصحف إلا ما ينسب بخبر الواحد دون الجمع الذي يلزم اليقين وإنما كانت قراءته هذه القراءة التي عليها العامة» ... إلى أن يقول: «وقد ذكر بعض مشايخنا ﵏ أنه رأى مصحفا منسوبا إلى أبي خالف ببعض حروفه حروف هذا المصحف، لكنا لا نأمن أن يكون من جهة بعض من يحب الافتخار بالغريب، فإن هذه بلية قد أضرت بالدين، وأخلت بمصالح المسلمين» «٢» . المطلب الثاني: تعليمه ﷺ ترتيب ايات القران الكريم وسوره: أولا: تعليمه ﷺ ترتيب ايات القران الكريم وهذه مسألة بدهية، ولذا كان الصحابة ﵃ يميزون أرقام الايات وأماكنها دون أن يختلف فيهم اثنان في تحديد المكان، حتى قال السيوطي- رحمه الله تعالى-: «الإجماع والنصوص المترادفة على أن ترتيب الايات توقيفي لا شبهة في ذلك» أي

стр. 419

بتعليم النبي ﷺ «١» وقال مكي- رحمه الله تعالى-: «ترتيب الايات في السور بأمر من النبي ﷺ ولما لم يأمر بذلك في أول براءة تركت بلا بسملة» «٢» ، وقال القاضي أبو بكر في الانتصار: «ترتيب الايات أمر واجب، وحكم لازم فقد كان جبريل ﵇ يقول ضعوا اية كذا في موضع كذا» «٣» . ومن ذلك قول النبي ﷺ : أتاني جبريل فأمرني أن أضع هذه الاية هذا الموضع من هذه السورة إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسانِ وَإِيتاءِ ذِي الْقُرْبى إلى اخرها «٤» ، وعن ابن الزبير ﵄ قال: قلت لعثمان وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْواجاً قد نسختها الاية الاخرى فلم تكتبها أو تدعها قال يا ابن أخي لا أغير شيئا منه من مكانه «٥» ، وعن عمر ﵁ قال: ما سألت النبي ﷺ عن شيء أكثر مما سألته عن الكلالة حتى طعن بإصبعه في صدري وقال: تكفيك اية الصيف التي في اخر سورة النساء «٦» ، وما تقدم في حفظ عشر ايات من سورة الكهف أولا أو اخرا، ومن ذلك النصوص الدالة على ذلك إجمالا ما ثبت من قراءته لسور عديدة وتحيد الصحابة لها بعدد الايات، ومن أشهر ما يدل على ذلك نزول القران خمسا خمسا، «وتدل قراءته لها بمشهد من الصحابة أن ترتيب اياتها توقيفي وما كان الصحابة ليرتبوا ترتيبا سمعوا النبي ﷺ يقرأ على خلافه فبلغ ذلك مبلغ التواتر» «٧» .

стр. 420

ملحظ منهجي: وها هنا ملحظ ضروري أن الباحث اضطر إلى ذكر ذلك اضطرارا تبعا لبعض العلماء الذين يذكرونها، ولكن الظاهر أن منهج قراءة القران الكريم ليس بحاجة إلى الاستدلال بهذه النصوص المتوافرة؛ وإن كان يستأنس بها؛ فالدليل الكلي لإثبات هذه حقيقة التوقيفية النبوية التعليمية لترتيب ايات القران الكريم والتلقي أمما عن أمم، وشعوبا عن شعوب وهو ما يسمى بالتواتر القراني، وحال تثبيت هذا الاحتياج لهذه الأدلة فإنا سنحتاج إلى أن نثبت بالمنهج الحديثي أن ايات سورة البقرة هي الم (١) ذلِكَ الْكِتابُ..... (البقرة: ١- ٢٨٦) وذلك ما لا يقوله أحد، وذلك ما أكده الباقلاني في الانتصار حيث قال: «الذي نذهب إليه أن جميع القران الذي أنزله الله وأمر بإثبات رسمه ولم ينسخه ولا رفع تلاوته بعد نزوله هو هذا الذي بين الدفتين الذي حواه مصحف عثمان، وأنه لم ينقص منه شيء ولا زيد فيه، وإن الأمة ضبطت عن النبي ﷺ ترتيب اي كل سورة ومواضعها وعرفت مواقعها كما ضبطت عنه نفس القراات وذات التلاوة» «١» . ثانيا: تعليمه ﷺ ترتيب سور القران: الصحيح أن النبي ﷺ هو الذي علم الصحابة ﵃ ترتيبها: خلافا لما ذهب إليه بعض أهل العلم «٢» من أن ترتيب السور اجتهادي، ويدل على ذلك: ١- النزول الجملي للقران الكريم إلى السماء الدنيا يقتضي ترتيب سوره: فقد ذكر «أبو بكر الأنباري في كتاب الرد: أن الله تعالى أنزل القران جملة إلى سماء

стр. 421

الدنيا ثم فرق على النبي ﷺ في عشرين سنة وكانت السورة تنزل في أمر يحدث والاية جوابا لمستخبر يسأل، ويوقف جبريل رسول الله ﷺ على موضع السورة والاية، فاتساق السور كاتساق الايات والحروف فكله عن محمد خاتم النبيين ﵇ عن رب العالمين فمن أخر سورة مقدمة أو قدم أخرى مؤخرة فهو كمن أفسد نظم الايات وغير الحروف والكلمات» «١» ، وقال الكرماني: «ترتيب السور هكذا هو عند الله في اللوح المحفوظ على هذا الترتيب وعليه كان يعرض على جبريل ﵇ كل سنة ما كان يجتمع عنده منه وعرضه عليه في السنة التي توفي فيها مرتين» «٢» ، وفي ذلك قيل: وليس ترتيب النزول كالأدا فهو ... وفي الأدا الترتيب بالوحي اقتدى كما هو عليه مستطر وذاك في ... في لوحه المحفوظ نعم المستطر السور في القول الأحق ... والحق في الاي عليه متفق «٣» ٢- قال الله ﷻ : إِنَّ عَلَيْنا جَمْعَهُ وَقُرْآنَهُ (القيامة: ١٧) فهذه «الاية تبين ضرورة أن جميع القران كما هو من ترتيب حروفه وكلماته وآياته وسوره حتى جمع كما هو فإنه من فعل الله وتوليه جمعه أوحى به إلى نبيه ﵇ وبينه ﵇ للناس» «٤» . ٣- الأحاديث التي تدل على الترتيب نحو: ما جاء عن عائشة أنّ رسول الله ﷺ قال: «من أخذ السّبع الأول، (وفي لفظ الطول) من القران فهو حبر» «٥» .. وهذا حديث دال أصرح الدلالة على أن ترتيب سور القران توقيفي محض.

стр. 422

٤- ضرورة المناسبة في الترتيب القائم: فلا يظهر أن اجتهاد الأصحاب ﵃ قد فكّ هذه المناسبة؛ إذ المتبادر حال الاجتهاد أن يكون مقياسه وضع المدني بجوار المدني وليس الواقع كذلك، أو وضع السور بحسب ترتيب النزول، وليس الواقع كذلك أيضا، أو وضع السور بحسب الأحكام الفقهية أو القصص القراني المتشاكل وليس كذلك أيضا، أو وضع السور بحسب الطول والقصر في أرقام الايات أو في مقدارها وليس كذلك فإن فهذا ما يمكن خطوره على الاجتهاد البشري ... فلم يبق إلا المناسبة الملتمسة من هذا التشاكل غير الظاهر للبشر إلا بتأمل دقيق، وقد دون كبار العلماء الدواوين للمناسبة واعتبروها من وجوه الإعجاز القراني. ٥- لا حجة في اختلاف مصاحف الصحابة في ترتيب السور: لأنه- حال وجود هذه المصاحف- قريب من اختلافهم في العدد أو القراات من حيث هو اختلاف قد سوغه عدم اكتمال القران إلا بوفاة النبي ﷺ بل عدم اكتمال السورة إلا بعد طول مدة أحيانا على ما هو معلوم ضرورة، ولم يلزم الناس القراءة يومئذ بتوالي السور، وذلك أن الواحد منهم إذا حفظ سورة أو كتبها ثم خرج في سرية فنزلت سورة أخرى فإنه كان إذا رجع يأخذ في حفظ ما ينزل بعد رجوعه وكتابته، ويتابع ما فاته على حسب ما تسهل له أكثره أو قله، فمن ثم يقع فيما يكتبه تأخير المقدم وتقديم المؤخر «١» ، ثم للشك في ترتيب المنقول عن هذه المصاحف. وبعد سوق ما يظهر من الأدلة ومعرفة دلائلها فما زال المرء حائرا في كيفية قبول الرأي القائل بأن التأليف لسور القران كان اجتهادا: إذ كيف يعقل ذلك مع

стр. 423

أن النبي ﷺ قسم المصاحف إلى سبعة أقسام متساوية تقريبا بحيث يحوي كل قسم سورا معينة ثم يقال بأن هذا الترتيب حادث بعده ﷺ فعن أوس بن حذيفة ﵁ قال: قدمنا على رسول الله ﷺ وفد ثقيف قال فأنزلنا في قبة له، ونزل إخواننا الأحلاف على مغيرة بن شعبة- قال- كان رسول الله ﷺ يأتينا بعد العشاء فيحدثنا وكان أكثر حديثه يشكي قريشا ويقول: «ولا سواء كنا بمكة إلا مستضعفين مستذلين فلما أتينا المدينة كانت الحرب سجالا علينا ولنا» قال: فأبطأ علينا ذات ليلة فأطول فقلنا: يا رسول الله! أبطأت علينا فقال: «إنه طرأ علي حزب من القران فكرهت أن أخرج حتى أقضيه» فسألنا أصحاب رسول الله ﷺ كيف كان رسول الله ﷺ يحزّب القران فقالوا: كان يحزبه ثلاثا وخمسا وسبعا وتسعا وإحدى عشرة وثلاث عشرة وحزب المفصل «١» ، وذلك لا يمكن أن يكون بالتعادل إلا أن يكون على وفق التأليف الحالي للمصحف، «فعلم من هذا أن في عصر الصحابة كان ترتيب القران مشهورا على هذا النمط المعروف الان» «٢» ، وقال ابن حجر: «فهذا يدل على أن ترتيب السور على ما هو في المصحف الان كان في عهد النبي ﷺ » «٣» ، وسئل ربيعة: لم قدمت البقرة وال عمران وقد نزل قبلهما بضع وثمانون سورة وإنما نزلتا بالمدينة؟ فقال ربيعة: قد قدمتا وألف القران على علم ممن ألفه وقد اجتمعوا على هذا بذلك فهذا مما ننتهي إليه ولا نسأل عنه، وقال مالك: إنما ألف القران على ما كانوا يسمعونه من رسول الله ﷺ » «٤» .

стр. 424

وأما ما رواه حذيفة ﵁ في تقديم النساء على ال عمران في صلاة الليل فأي حجة فيه، وترتيب السور في التلاوة غير ملتزم لأنه لا يفسد نظم القران كما سبق، على أن هذه الرواية قد ورد ما يخالفها فقد قال حذيفة ﵁ فيما رواه أبو داود: ... فقرأ فيهن البقرة وال عمران والنساء والمائدة أو الأنعام «١» . وقال ابن حزم تأكيدا على ذلك: «ما رويناه بالأسانيد الصحيحة أنه ﷺ كان لا يعرف فصل سورة حتى تنزل بسم الله الرحمن الرحيم وأنه ﷺ كانت تنزل عليه الاية فيرتبها في مكانها ... فصح بهذا أن رتبة الاي ورتبة السور مأخوذة عن الله إلى جبريل ثم إلى النبي ﷺ لا كما يظنه أهل الجهل أنه ألف بعد موت النبي ﷺ ولو كان ذلك ما كان القران منقولا نقل الكافة، ولا خلاف بين المسلمين واليهود والنصارى والمجوس أنه منقول عن محمد ﷺ نقل التواتر، ويبين هذا أيضا ما صح أنه ﷺ كان يعرض القران كل ليلة في رمضان على جبريل فصح بهذا أنه كان مؤلفا كما هو عهد الرسول ﷺ وقوله ﷺ : «تركت فيكم الثقلين كتاب الله وأهل بيتي» ، ... وأمر ﷺ عبد الله بن عمرو بقراءة القران في أيام لا تكون أقل من ثلاث فكيف يقرأ ويجمع وهو غير مؤلف؟ هذا محال لا يمكن البتة» «٢» . ولعل السبب في هذا الخلاف يعود إلى أمرين: أولهما: طغيان المنهج الحديثي في معالجة القضايا المتعلقة بعلوم القران الكريم، ولا شك أن هناك نقاط التقاء كثيرة بين المنهجين الحديثي والقرائي، ولكن لا ريب أيضا أن هناك نقاط افتراق أصلية.

стр. 425

وثانيهما: أن التزام ترتيب الايات في السور واجب ضروري، والسبب واضح غير منتبه إليه هو: اختلال نظم السورة المكونة من ايات بغير ذلك، بخلاف ترتيب سور القران فإن التزام ترتيبها حفظا أو تلاوة غير واجب شرعا وواقعا والسبب واضح غير منتبه إليه هو عدم اختلال نظم القران المكون من سور بذلك. الخلاف لفظي: لم يتصور الباحث وقوع خلاف في تعليم النبي ﷺ لهم هذا الموضوع، وأنه توقيفي إلا أن الزركشي- رحمه الله تعالى- أحكم الأمر حين قال: «والخلاف بين الفريقين لفظي لأن القائل بالثاني يقول إنه رمز إليهم بذلك ليعلمهم بأسباب نزوله ومواقع كلماته ولهذا قال مالك: إنما ألفوا القران على ما كانوا يسمعونه من النبي ﷺ مع قوله بأن ترتيب السور باجتهاد منهم فال الخلاف إلى أنه هل هو بتوقيف قولي أو بمجرد استناد فعلي» «١» . لا حرج في التنكيس: والظاهر من تعليم النبي ﷺ ألا حرج في التنكيس إذا كان يتعلق بالسور بأن يبدأ القارئ بسورة متأخرة في ترتيب المصحف، فإن الغالب أن يبدأ الناس بحفظ المفصل، وأما ما ورد عن ابن مسعود أنه قيل له إن فلانا يقرأ القران منكوسا قال: ذلك منكوس القلب «٢» ، فمحمول على تنكيس الايات لا السور خلافا لأبي عبيد «٣» .
следующие страницы →