← Сира

Сира · id 9764

إذهاب الحزن وشفاء الصدر السقيم

عبد السلام مقبل المجيدي

Полный текст (569 стр.). Показаны 421–460 · переход к 426.

стр. 421

الدنيا ثم فرق على النبي ﷺ في عشرين سنة وكانت السورة تنزل في أمر يحدث والاية جوابا لمستخبر يسأل، ويوقف جبريل رسول الله ﷺ على موضع السورة والاية، فاتساق السور كاتساق الايات والحروف فكله عن محمد خاتم النبيين ﵇ عن رب العالمين فمن أخر سورة مقدمة أو قدم أخرى مؤخرة فهو كمن أفسد نظم الايات وغير الحروف والكلمات» «١» ، وقال الكرماني: «ترتيب السور هكذا هو عند الله في اللوح المحفوظ على هذا الترتيب وعليه كان يعرض على جبريل ﵇ كل سنة ما كان يجتمع عنده منه وعرضه عليه في السنة التي توفي فيها مرتين» «٢» ، وفي ذلك قيل: وليس ترتيب النزول كالأدا فهو ... وفي الأدا الترتيب بالوحي اقتدى كما هو عليه مستطر وذاك في ... في لوحه المحفوظ نعم المستطر السور في القول الأحق ... والحق في الاي عليه متفق «٣» ٢- قال الله ﷻ : إِنَّ عَلَيْنا جَمْعَهُ وَقُرْآنَهُ (القيامة: ١٧) فهذه «الاية تبين ضرورة أن جميع القران كما هو من ترتيب حروفه وكلماته وآياته وسوره حتى جمع كما هو فإنه من فعل الله وتوليه جمعه أوحى به إلى نبيه ﵇ وبينه ﵇ للناس» «٤» . ٣- الأحاديث التي تدل على الترتيب نحو: ما جاء عن عائشة أنّ رسول الله ﷺ قال: «من أخذ السّبع الأول، (وفي لفظ الطول) من القران فهو حبر» «٥» .. وهذا حديث دال أصرح الدلالة على أن ترتيب سور القران توقيفي محض.

стр. 422

٤- ضرورة المناسبة في الترتيب القائم: فلا يظهر أن اجتهاد الأصحاب ﵃ قد فكّ هذه المناسبة؛ إذ المتبادر حال الاجتهاد أن يكون مقياسه وضع المدني بجوار المدني وليس الواقع كذلك، أو وضع السور بحسب ترتيب النزول، وليس الواقع كذلك أيضا، أو وضع السور بحسب الأحكام الفقهية أو القصص القراني المتشاكل وليس كذلك أيضا، أو وضع السور بحسب الطول والقصر في أرقام الايات أو في مقدارها وليس كذلك فإن فهذا ما يمكن خطوره على الاجتهاد البشري ... فلم يبق إلا المناسبة الملتمسة من هذا التشاكل غير الظاهر للبشر إلا بتأمل دقيق، وقد دون كبار العلماء الدواوين للمناسبة واعتبروها من وجوه الإعجاز القراني. ٥- لا حجة في اختلاف مصاحف الصحابة في ترتيب السور: لأنه- حال وجود هذه المصاحف- قريب من اختلافهم في العدد أو القراات من حيث هو اختلاف قد سوغه عدم اكتمال القران إلا بوفاة النبي ﷺ بل عدم اكتمال السورة إلا بعد طول مدة أحيانا على ما هو معلوم ضرورة، ولم يلزم الناس القراءة يومئذ بتوالي السور، وذلك أن الواحد منهم إذا حفظ سورة أو كتبها ثم خرج في سرية فنزلت سورة أخرى فإنه كان إذا رجع يأخذ في حفظ ما ينزل بعد رجوعه وكتابته، ويتابع ما فاته على حسب ما تسهل له أكثره أو قله، فمن ثم يقع فيما يكتبه تأخير المقدم وتقديم المؤخر «١» ، ثم للشك في ترتيب المنقول عن هذه المصاحف. وبعد سوق ما يظهر من الأدلة ومعرفة دلائلها فما زال المرء حائرا في كيفية قبول الرأي القائل بأن التأليف لسور القران كان اجتهادا: إذ كيف يعقل ذلك مع

стр. 423

أن النبي ﷺ قسم المصاحف إلى سبعة أقسام متساوية تقريبا بحيث يحوي كل قسم سورا معينة ثم يقال بأن هذا الترتيب حادث بعده ﷺ فعن أوس بن حذيفة ﵁ قال: قدمنا على رسول الله ﷺ وفد ثقيف قال فأنزلنا في قبة له، ونزل إخواننا الأحلاف على مغيرة بن شعبة- قال- كان رسول الله ﷺ يأتينا بعد العشاء فيحدثنا وكان أكثر حديثه يشكي قريشا ويقول: «ولا سواء كنا بمكة إلا مستضعفين مستذلين فلما أتينا المدينة كانت الحرب سجالا علينا ولنا» قال: فأبطأ علينا ذات ليلة فأطول فقلنا: يا رسول الله! أبطأت علينا فقال: «إنه طرأ علي حزب من القران فكرهت أن أخرج حتى أقضيه» فسألنا أصحاب رسول الله ﷺ كيف كان رسول الله ﷺ يحزّب القران فقالوا: كان يحزبه ثلاثا وخمسا وسبعا وتسعا وإحدى عشرة وثلاث عشرة وحزب المفصل «١» ، وذلك لا يمكن أن يكون بالتعادل إلا أن يكون على وفق التأليف الحالي للمصحف، «فعلم من هذا أن في عصر الصحابة كان ترتيب القران مشهورا على هذا النمط المعروف الان» «٢» ، وقال ابن حجر: «فهذا يدل على أن ترتيب السور على ما هو في المصحف الان كان في عهد النبي ﷺ » «٣» ، وسئل ربيعة: لم قدمت البقرة وال عمران وقد نزل قبلهما بضع وثمانون سورة وإنما نزلتا بالمدينة؟ فقال ربيعة: قد قدمتا وألف القران على علم ممن ألفه وقد اجتمعوا على هذا بذلك فهذا مما ننتهي إليه ولا نسأل عنه، وقال مالك: إنما ألف القران على ما كانوا يسمعونه من رسول الله ﷺ » «٤» .

стр. 424

وأما ما رواه حذيفة ﵁ في تقديم النساء على ال عمران في صلاة الليل فأي حجة فيه، وترتيب السور في التلاوة غير ملتزم لأنه لا يفسد نظم القران كما سبق، على أن هذه الرواية قد ورد ما يخالفها فقد قال حذيفة ﵁ فيما رواه أبو داود: ... فقرأ فيهن البقرة وال عمران والنساء والمائدة أو الأنعام «١» . وقال ابن حزم تأكيدا على ذلك: «ما رويناه بالأسانيد الصحيحة أنه ﷺ كان لا يعرف فصل سورة حتى تنزل بسم الله الرحمن الرحيم وأنه ﷺ كانت تنزل عليه الاية فيرتبها في مكانها ... فصح بهذا أن رتبة الاي ورتبة السور مأخوذة عن الله إلى جبريل ثم إلى النبي ﷺ لا كما يظنه أهل الجهل أنه ألف بعد موت النبي ﷺ ولو كان ذلك ما كان القران منقولا نقل الكافة، ولا خلاف بين المسلمين واليهود والنصارى والمجوس أنه منقول عن محمد ﷺ نقل التواتر، ويبين هذا أيضا ما صح أنه ﷺ كان يعرض القران كل ليلة في رمضان على جبريل فصح بهذا أنه كان مؤلفا كما هو عهد الرسول ﷺ وقوله ﷺ : «تركت فيكم الثقلين كتاب الله وأهل بيتي» ، ... وأمر ﷺ عبد الله بن عمرو بقراءة القران في أيام لا تكون أقل من ثلاث فكيف يقرأ ويجمع وهو غير مؤلف؟ هذا محال لا يمكن البتة» «٢» . ولعل السبب في هذا الخلاف يعود إلى أمرين: أولهما: طغيان المنهج الحديثي في معالجة القضايا المتعلقة بعلوم القران الكريم، ولا شك أن هناك نقاط التقاء كثيرة بين المنهجين الحديثي والقرائي، ولكن لا ريب أيضا أن هناك نقاط افتراق أصلية.

стр. 425

وثانيهما: أن التزام ترتيب الايات في السور واجب ضروري، والسبب واضح غير منتبه إليه هو: اختلال نظم السورة المكونة من ايات بغير ذلك، بخلاف ترتيب سور القران فإن التزام ترتيبها حفظا أو تلاوة غير واجب شرعا وواقعا والسبب واضح غير منتبه إليه هو عدم اختلال نظم القران المكون من سور بذلك. الخلاف لفظي: لم يتصور الباحث وقوع خلاف في تعليم النبي ﷺ لهم هذا الموضوع، وأنه توقيفي إلا أن الزركشي- رحمه الله تعالى- أحكم الأمر حين قال: «والخلاف بين الفريقين لفظي لأن القائل بالثاني يقول إنه رمز إليهم بذلك ليعلمهم بأسباب نزوله ومواقع كلماته ولهذا قال مالك: إنما ألفوا القران على ما كانوا يسمعونه من النبي ﷺ مع قوله بأن ترتيب السور باجتهاد منهم فال الخلاف إلى أنه هل هو بتوقيف قولي أو بمجرد استناد فعلي» «١» . لا حرج في التنكيس: والظاهر من تعليم النبي ﷺ ألا حرج في التنكيس إذا كان يتعلق بالسور بأن يبدأ القارئ بسورة متأخرة في ترتيب المصحف، فإن الغالب أن يبدأ الناس بحفظ المفصل، وأما ما ورد عن ابن مسعود أنه قيل له إن فلانا يقرأ القران منكوسا قال: ذلك منكوس القلب «٢» ، فمحمول على تنكيس الايات لا السور خلافا لأبي عبيد «٣» .

стр. 426

وأما ما ورد عن الحسن وابن سيرين أهما كانا يقران القران من أوله إلى اخره ويكرهان الأوراد، وقال ابن سيرين: تأليف الله خير من تأليفكم، وتأويل الأوراد أنهم كانوا أحدثوا أن يجعلوا القران أجزاء كل جزء منها فيه سورة مختلفة من القران على غير التأليف ولكن جعلوا السورة الطويلة مع أخرى دونها من الطوال ثم كذلك حتى يختموا الجزء «١» ، فوجه الكراهة فيه ظاهر من حيث مخالفته لترتيب سور القران الكريم مع إرادة ختمه ... إذ الأصل التزامه حال التلاوة مع إرادة الختم بخلاف مقام التعليم. المطلب الثالث: تعليمه ﷺ تحزيب القران: المراد بالحزب: المراد بالحزب هنا هو ما يجعله الرجل على نفسه من قراءة «٢» ، فهو الطائفة من السور أو من الايات التي يلزم الرجل قراءتها أو حفظها، و (الأحزاب) مأخوذة من قولهم: حزب فلان أي جماعته، لأن الحزب طائفة من القران «٣» ، وقد يقال له الجزء لأن القران يجزأ إليه أي يقسم، وقد يقال له الورد، والورد: «النّوبة في ورود الماء» «٤» لأن القران يروي ظمأ القلوب «٥» . كيف علمهم النبي ﷺ ذلك: وقد علمهم النبي ﷺ أن يقسموا القران إلى أحزاب أو أجزاء أو أوراد ليكون أنشط لهم على التلاوة أو الاستذكار أو المراجعة والتعاهد، فعن أوس بن حذيفة

стр. 427

رضي الله عنه قال: قدمنا على رسول الله ﷺ وفد ثقيف- إلى أن قال: فأبطأ علينا- أي الرسول ﷺ ذات ليلة فأطال فقلنا: يا رسول الله! أبطأت علينا. فقال: «إنه طرأ علي حزب من القران فكرهت أن أخرج حتى أقضيه» فسألنا أصحاب رسول الله ﷺ كيف كان رسول الله ﷺ يحزب القران؟ فقالوا: كان يحزبه ثلاثا وخمسا وسبعا وتسعا وإحدى عشرة وثلاث عشرة وحزب المفصل «١» وفي رواية للطبراني فيما ذكر العراقي: «فسألنا أصحاب رسول الله كيف كان رسول الله يجزئ القران؟ فقالوا: كان يجزئه ثلاثا فذكره مرفوعا» . ففي هذه الرواية أضيف التحزيب إلى رسول الله ﷺ ، وفي رواية ابن ماجة: قال أوس: فسألت أصحاب رسول الله ﷺ : كيف تحزبون القران؟ «٢» ، فأضاف التحزيب إليهم، لا إلى رسول الله ﷺ «٣» وهذا يدل على أنهم قد اكتسبوا التحزيب من النبي ﷺ تعلما. وعلمهم النبي ﷺ أن يحددوا للحزب القراني وقتا دائما: فإن ذهب وقت الحزب فينبغي أن يؤديه المرء مهما كانت شواغله، كما في قوله ﷺ : «إنه طرأ علي حزب من القران فكرهت أن أخرج حتى أقضيه» ، ومعنى طرأ كما قال الخطابي: يريد كأنه أغفله عن وقته ثم ذكره فقرأه «٤» ، وقيل معناه: ورد وأقبل يقال طرأ يطرأ مهموزا إذا جاء مفاجأة كأنه فجأة الوقت الذي كان يؤدي فيه ورده من القراءة.

стр. 428

طريقة النبي ﷺ في التحزيب: ظهر من الرواية السابقة أن النبي ﷺ يقسم القران إلى سبعة أحزاب، وكل حزب مذكور إنما هو منزل واحد من سبع منازل. وأما ما اصطلح عليه المتأخرون من تقسيم القران إلى ثلاثين حزبا وسموها أجزاء، «فإن أول ما جزئ القران بالحروف تجزئة ثمانية وعشرين وثلاثين وستين هذه التي تكون رؤوس الأجزاء والأحزاب في أثناء السورة وأثناء القصة، ونحو ذلك كان في زمن الحجاج وما بعده، وروى أن الحجاج أمر بذلك ومن العراق فشا ذلك، ولم يكن أهل المدينة يعرفون ذلك» «١» ، «واشتهرت الأجزاء من ثلاثين كما في الربعات بالمدارس وغيرها» «٢» . ولأن هذا التحزيب حادث فإن المرء ليأمل أن تعيد مجمعات مطابع المصاحف النظر في هذا وأن يشار مع هذا إلى ما يدل على تقسيم القران أسباعا ويبين أنه طريقة النبي ﷺ ، وهو يكون ما بين أربعة إلى خمسة أجزاء بالاصطلاح الحادث، ومن فوائده العظيمة غير موافقة النبي ﷺ والصحابة ﵃ في تحزيبهم، أن يكون التحزيب بالسور فهو الهدي الأكمل. وحديث أوس «يوافق معنى حديث عبد الله بن عمرو ﵄ في أن المسنون كان عندهم قراءته في سبع ولهذا جعلوه سبعة أحزاب ولم يجعلوه ثلاثة ولا خمسة وفيه أنهم حزبوه بالسور وهذا معلوم بالتواتر ... » «٣» .

стр. 429

وكان ثم تقسيم رباعي للقران الكريم: وذلك من الناحية النظرية لا من حيث التلاوة، ولكنه منسجم مع هذا التقسيم السباعي، ويدل على توقيفية ترتيب السور فقد قال ﷺ : «أعطيت مكان التوراة السبع، وأعطيت مكان الزبور المئين، وأعطيت مكان الإنجيل المثاني، وفضلت بالمفصل» «١» . وذكر النبي ﷺ لهم هذه الأقسام مفردة فعن عائشة- رضي الله تعالى عنها- عن النبي ﷺ قال: «من أخذ السبع الطول فهو خير» «٢» يعني بذلك السبع الطوال من القران «٣» . واصطلح بعض الصحابة ﵃ على تسمية ما زاد عن الثلاثين بالمئين تقريبا كما جاء عن عبد الله بن مسعود ﵁ قال: أقرأني رسول الله ﷺ سورة من المئين من ال حم الأحقاف وكانت السورة إذا كانت أكثر من ثلاثين اية سميت المئين ... الحديث «٤» . والثاني هي: السور التي تقصر عن المئين وتزيد على المفصل كأن المئين جعلت مبادئ والتي تليها مثاني، وهي إلى براءة وهي من المئين أي ذوات مائة اية، قال في المجمع أول القران السبع الطول ثم ذوات المئين أي ذوات مائة اية ثم المثاني ثم المفصل انتهى، والمئين جمع «٥» .

стр. 430

وكما كان التقسيم السباعي قائما على عدد معين من السور؛ فإن التقسيم الرباعي كذلك أيضا ... فليس في التقسيمين اعتماد على قدر الايات كما هو الحال في التحزيب والتجزئ الحادث. وكانت سور كل قسم من الأقسام الأربعة واضحة عند الصحابة ﵃: فعن أبي وائل قال: غدونا على عبد الله فقال رجل: قرأت المفصل البارحة فقال: هذا كهذ الشعر إنا قد سمعنا القراءة وإني لأحفظ القرناء التي كان يقرأ بهن النبي ﷺ ثماني عشرة سورة من المفصل وسورتين من ال حم «١» ، فقوله في ثماني عشرة سورة دليل على معرفة سور المفصل وعددهن، وكذلك فيه دليل على أنه ﷺ علمهم أن «المفصل ما بعد ال حم» «٢» . وكان المفصل أول ما نزل من القران: فقد قال ابن مسعود ﵁: أنزل الله على رسوله ﷺ المفصل بمكة، فكنا حججا نقرؤه لا ينزل غيره «٣» . واختلفوا في أول المفصل: فقيل من «القتال وقيل من الحجرات وقيل من ق» «٤» ، ورجح الطحاوي رحمه الله تعالى- أن الحجرات ليست من المفصل «٥» .

стр. 431

وعلى كل حال فالمفصل هو «ما بعد ال حم سمي مفصلا لقصر سوره وقرب انفصال بعضهن من بعض» «١» . المطلب الرابع: تعليمه ﷺ عد الاي (علم الفواصل) : كل ما سبق من الأدلة بالإضافة إلى الدليل الأصلي الأساس وهو التلقي تدل على أن علم العدد علم توقيفي لا مدخل للاجتهاد فيه إلا بصورة طفيفة تسببت في تنوع عدد الايات مع الاتفاق الكامل على فحواها؛ فالراوي في الاثار السابقة صحابي تعلم من النبي ﷺ هذا القدر من الايات وهو ما يعني ضمنا تعلمه لموضع كل اية. وكذلك فإن كثيرا مما سبق من الأحاديث التي تعين عددا معينا من الايات بالإضافة إلى التلقي تدل على أن النبي ﷺ علمهم عدد الايات تفصيليا، وأشار صاحب الكشاف في تفسير أول البقرة إلى توقيفية علم العدد: «فإن قلت فما بالهم عدوا بعض هذه الفواتح اية دون بعض؟ قلت: هذا علم توقيفي لا مجال للقياس فيه كمعرفة السور ... » «٢» . وما يقال عن علل هذا العدد يبقى مجرد استنباط كقولهم لم يعدوا الوتر لأنها حرف واحد، ولا طس لأنها خالفت أختيها بحذف الميم ولأنها تشبه المفرد ... وكلها مجرد علل استنباطية تشبه العلل التي يقول عنها أهل العلم: علة نحوي!. ولشدة تعلمهم ﵃ كيفية عد الاي من النبي ﷺ صار ذلك بالنسبة لهم بديهية حتى بات مقايسا يقيسون به الأطوال الزمنية فعن عائشة أنّ رسول الله ﷺ

стр. 432

كان يصلّي إحدى عشرة ركعة كانت تلك صلاته تعني باللّيل فيسجد السّجدة من ذلك قدر ما يقرأ أحدكم خمسين اية قبل أن يرفع رأسه ويركع ركعتين قبل صلاة الفجر ثمّ يضطجع على شقّه الأيمن حتّى يأتيه المؤذّن للصّلاة «١» ، وعن أنس ابن مالك ﵁ أنّ نبيّ الله ﷺ وزيد بن ثابت تسحّرا فلمّا فرغا من سحورهما قام نبيّ الله ﷺ إلى الصّلاة فصلّى قلنا لأنس كم كان بين فراغهما من سحورهما ودخولهما في الصّلاة قال قدر ما يقرأ الرّجل خمسين اية «٢» . وهكذا كان التابعون يعلمون أصحابهم علم العدد فكان أبو عبد الرحمن يقرئ عشرين بالغداة، وعشرين بالعشي، ويعلمهم أين الخمس والعشر، وكان يقرئ خمسا خمسا «٣» . وفي حديث حذيفة في قيام الليل وأحاديث مقادير قراءته في الصلوات ما يدل على توقيفية هذا العلم حيث قال ﵁: صليت مع النبي ﷺ ليلة فافتتح البقرة فقرأ فقلت: يركع عند المائة فمضى، فقلت: يركع عند المائتين، فمضى فقلت: يصلي بها في ركعة فمضى. فافتتح النساء فقرأها، ثم افتتح ال عمران فقرأها، يقرأ مترسلا إذا مر باية فيها تسبيح سبح، وإذا مر بسؤال سأل وإذا مر بتعوذ تعوذ ثم ركع ... الحديث «٤» . وكذلك ما ورد في عدد الاي التي يقرؤها النبي ﷺ في صلاته وذلك كثير، فعن أبي برزة هو نضلة بن عبيد الأسلمي أن رسول الله ﷺ كان يقرأ في صلاة الغداة بالستين إلى المائة «٥» .

стр. 433

وقد كان الصحابة ﵃ يعقدون أصابعهم عدا للاي في صلواتهم كما قال الإمام الشاطبي- رحمه الله تعالى-: همو بحروف الذكر مع كلماته ... وآياته أثروا بأعدادها الكثر وهاموا بعقد الاي في صلواتهم ... لحض رسول الله في حظها المثري فبين «مبلغ اهتمامهم بمعرفة أعداد حروف القران وكلماته وآياته- وأنهم بمعرفة ذلك كله صاروا ذوي ثروة علمية أكسبتهم شرفا ونبلا وثروة واسعة في الأجر عند الله تعالى، فإن الحافز لهم على معرفة هذا إنما هو اهتمامهم بالقران من جميع نواحيه، وحرصهم على ألايسقط منه حرف أو تضيع منه كلمة بله الاية، وفي معرفة عدد حروف القران معرفة قدر الأجر الموعود به على تلاوة القران، وحسبك بذلك حافزا على معرفة عدد حروف القران وكلماته، وإن كان في معرفة عدد الاي فوائد تزيد على معرفة عدد الحروف والكلمات، وقد روى هذا العقد عن ابن عمر وابن عباس وعائشة من الصحابة وعن عروة وعمر بن عبد العزيز وغيرهم من التابعين» «١» . والجزء الوحيد من علم الفواصل الذي دخله الاجتهاد هو الذي نقل الاختلاف فيه بين علماء العدد. وقرر أهل العلم قاعدة في أبواب المقادير، وأنها تعليمية فقالوا «المقادير لا تعرف إلا بالسماع» «٢» .

стр. 434

الفصل الخامس: تعليمه ﷺ القران الكريم على أحرفه المنزلة: ويدور هذا الفصل حول الرخصة التي رخص الله في قراءة القران الكريم على أحرفه المنزلة، توسعة من الله ، وزيادة فضل، واختصاصا بأمة النبي ﷺ ، فتقرأ الأمة بما تيسر من ذلك، ويفصل المبحث الأول كيف علمهم النبي ﷺ ذلك، كما يبين هذا الفصل أن القراءة على هذه الأحرف لا تخرج عن التلقي، وأنها توقيفية ترجع إلى تعليم النبي ﷺ ابتداء وليست بالتشهي أو الهوى (ويفصل ذلك المبحث الثاني) ، كما يحاول الفصل أن يميط اللثام عن أكبر حقائق نقل القران الكريم وهي التواتر القراني الذي يعبر عن نقل القران الكريم أمة عن أمة دون شائبة خلل (ويفصل ذلك المبحث الثالث) ، وفي الفصل بيان للحقائق التي تجلي بعض الاستشكالات التي أوردت على المنهجية الشرعية لتناقل القران الكريم. ومن ثم فمباحث هذا الفصل هي: المبحث الأول: تعليمه ﷺ قراءة القران بما تيسر من الأحرف السبعة. المبحث الثاني: تعليمه ﷺ أن القراءة سنة يأخذها الاخر عن الأول. المبحث الثالث: المنهجية الشرعية لتناقل القران الكريم (التواتر في نقل ألفاظ القران) .

стр. 435

المبحث الأول: تعليمه ﷺ قراءة القران بما تيسر من الأحرف السبعة: يناقش هذا المبحث القضايا الأساسية في الأحرف السبعة، من مشروعية القراءة على عدة أشكال لفظية، مع أن الشكل الواحد منها كاف شاف، ويبين من خلال ذلك العلاقة بين القران والقراات، ومن أنه لا تناقض بينها جميعا في المعنى في اخر الأمر، ولذا انقسم هذا المبحث إلى المطالب الثلاثة التالية: المطلب الأول: تعليمه ﷺ مشروعية قراءة القران على سبعة أحرف . المطلب الثاني: تعليمه ﷺ أن الحرف الواحد شاف كاف. المطلب الثالث: تعليمه ﷺ عدم التناقض المعنوي بين هذه الأحرف. المطلب الأول: تعليمه ﷺ مشروعية قراءة القران على سبعة أحرف: علمهم النبي ﷺ أنه قرأ القران على جبريل ﵇ على سبعة أحرف: فعن ابن عباس ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: «أقرأني جبريل على حرف فلم أزل أستزيده حتى انتهى إلى سبعة أحرف» «١» . وبين النبي ﷺ كيف بدأ أمر مشروعية الإقراء على سبعة أحرف حيث جاء ملكان إليه فعن سليمان بن صرد ﵁ قال: أتى محمدا ﷺ الملكان فقال أحدهما: اقرأ القران على حرف فقال الاخر زده فما زال يستزيده حتى قال اقرأ على سبعة أحرف «٢» .

стр. 436

شيوع تعليم النبي ﷺ لذلك بين الصحابة: وقد انتشر ذلك بينهم واشتهر حتى لم يحص من سمعه من النبي ﷺ فعن أبي المنهال سيار بن سلامة قال: بلغنا أن عثمان ﵁ قال يوما- وهو على المنبر-: أذكر الله رجلا سمع النبي ﷺ قال: «أنزل القران على سبعة أحرف كلها شاف كاف» لما قام فقاموا حتى لم يحصوا فشهدوا أن رسول الله ﷺ قال: «أنزل القران على سبعة أحرف كلها شاف كاف» فقال عثمان ﵁: وأنا أشهد معهم «١» . وهذا يدل على شدة احتفاء النبي ﷺ ، وحرصه على تعميم إخبارهم بهذا، ومن أبرز حكم ذلك: ألا يظنوا بالقران الاختلاف في ألفاظه، أو يكفر بعضهم بعضا إذا اختلف التصويت بألفاظه بينهم، وهو ما وقع من بعض رعية عثمان حيث انتشر الإسلام دون تعليم مكافئ مقابل هذا التوسع الأفقي، فلجأ عثمان لإشاعة شرعية القراات المختلفة بتعميم المصاحف، وكان ذلك من أعظم مناقبه ﵁. ثم ذاعت هذه الجزئية من التعليم القراني حتى صارت من العلم العام بينهم. ولذا ذكر عدد من أهل العلم أن حديث الأحرف السبعة يعد من المتواتر الحديثي «٢» ، فقد بلغ «مبلغا عظيما من التواتر لم يتيسر وجودة الكثير من الأحاديث المتواترة. ألا ترى إلى قولة (قاموا حتى لم يحصوا) » «٣» .

стр. 437

وكان النبي ﷺ قد علمهم ابتداء أن القران نزل على ثلاثة أحرف: فعن سمرة أن رسول الله ﷺ قال: «أنزل القران على سبعة أحرف وفي رواية ثلاثة أحرف» «١» ، وعنه ﵁ قال: إن رسول الله ﷺ : كان يأمرنا أن نقرأ القران كما أقرئناه، وقال: «إنه أنزل على ثلاثة أحرف فلا تختلفوا فيه فإنه مبارك كله فاقرؤوه كالذي أقرئتموه» «٢» . وعلمهم ﷺ أن المراد من إنزال القران على سبعة أحرف: التخفيف والتيسير على الأمة فعن حذيفة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: «لقيت جبريل عند أحجار المرى فقلت: يا جبريل إني أرسلت إلى أمة أمية الرجل والمرأة والغلام والجارية والشيخ القاسي الذي لم يقرأ كتابا قط قال إن القران أنزل على سبعة أحرف» «٣» . وهل علمهم ﷺ جمع القراات؟. جمع القراات معناه أن تقرأ الاية وتعيد موضع الاختلاف فتقرأ جميع ما فيه من أوجه منزلة، إما بأن تعيد من أول الاية في كل وجه أو تعيد موضع الاختلاف فقط «٤» . ويمكن استنباط أصل الجمع من حديث المدارسة فإن قوله في الحديث: (يعرض القران على جبريل مرة..) «معناه يختمه ختمة واحدة، ويلزم منه أنه يقرأ في هذه الختمة سائر ما أنزل عليه قبلها، ويدخل فيه أحرف القران المختلفة، لأنه

стр. 438

قران، فلا وجه لإخراجها من العرض» ، كيف والمقصود هو استذكار النبي ﷺ لما أنزل عليه، ومنه الأحرف المختلفة المنزلة. والسؤال: كيف كان ﷺ يعرض الأوجه المختلفة في الموضع الواحد من مواضع الاختلاف عندما يمر به؟ وهو يختم ختمة واحدة فقط؟ بالجمع أي أنه يكرر ذلك الموضع بسائر ما فيه من أحرف، سواء كرر نفس الموضع واكتفى بذلك، أو أعاد من أول الاية، كل ذلك محتمل وكله سائغ، وليس في الخبر الثابت ما يبين لنا تفصيل ذلك، لكن يكفينا هذا القدر، فإنه دل على أن أصل (جمع القراات) ثابت من فعل النبي ﷺ «١» . ومثل ذلك عندما كان النبي ﷺ يقرئهم هذه الأحرف المختلفة كيف كان يصنع؟ هل كان يجمع ما في الاية من قراات في وقت واحد، أم كان يلتزم بالإفراد كما يقول بعض أهل العلم «٢» ، وقد قيل في سبب تخصيص أنس المذكورين في حديث الحفظ بالذكر أنهم جمعوا القران بأوجه القراات. ومن ثم فلا يوجد مانع شرعي من الأخذ به عند قراءة القران مطلقا، في الصلاة وخارج الصلاة، للقارئ أن يفعل ذلك شرط صحة النية، وسلامة القصد، وأمن المفسدة لأنه داخل في الرخصة الثابتة في عموم قوله ﷺ : «فاقرأوا منها ما تيسر» أي اقرأوا من هذه الحروف المنزلة ما تيسر لكم، فهذا مما تيسر، بل هو اليوم أيسر من الإفراد «٣» .

стр. 439

التلفيق بين القراات المتناقلة: ولأن الكل من عند الله، فإن للقارئ أن يلفق بين القراات بشرط عدم تركيب قراءة جديدة لم يقرأ بها، وقد قرر ابن العربي- رحمه الله تعالى- أن للقارئ أن يقرأ القران بأي قراءة متناقلة، ولا «يلزم أن يعيّن المقروء به منها، فيقرأ بحرف أهل المدينة، وأهل الشّامّ، وأهل مكّة، وإنّما يلزمه ألا يخرج عنها، فإذا قرأ اية بحرف أهل المدينة، وقرأ الّتي بعدها بحرف أهل الشّام كان جائزا، وإنّما ضبط أهل كلّ بلد قراءتهم بناء على مصحفهم، وعلى ما نقلوه عن سلفهم، والكلّ من عند الله» «١» ، فإذا «ابتدأ بقراءة أحد القراء، فينبغي أن يستمر على القراءة بها ما دام مرتبطا، فإذا انقضى ارتباطه فله أن يقرأ بقراءة أحد من السبعة، والأولى دوامه على الأولى في هذا المجلس» «٢» ، «وهذا معنى ما ذكره أبو عمرو بن الصلاح في فتاويه» ، وقال الأستاذ أبو إسحاق الجعبري: «والتركيب ممتنع في كلمة وفي كلمتين إن تعلق أحدهما بالاخر وإلا كره» «٣» ، وبين ابن الجزري تفصيل الجواز، والتفريق بين مقام القراءة للقران مطلقا ومقام الرواية المقيدة فقال: «إن كانت إحدى القراءتين مترتبة على الاخرى فالمنع من ذلك منع تحريم كمن يقرأ: فَتَلَقَّى آدَمُ مِنْ رَبِّهِ كَلِماتٍ (البقرة: ٣٧) بالرفع فيهما أو بالنصب اخذا رفع ادم من قراءة غير ابن كثير ورفع كلمات من قراءة ابن كثير ... بما لا تجيزه العربية ولا يصح في اللغة، وأما ما لم يكن كذلك فإنا نفرق فيه بين مقام الرواية وغيرها فإن قرأ بذلك على سبيل الرواية فإنه لا يجوز أيضا من حيث إنه كذب في

стр. 440

الرواية وتخليط على أهل الدراية، وإن لم يكن على سبيل النقل والرواية بل على سبيل القراءة والتلاوة فإنه جائز صحيح مقبول لا منع منه ولا حظر وإن كنا نعيبه على أئمة القراات العارفين باختلاف الروايات من وجه تساوي العلماء بالعوام، لا من وجه أن ذلك مكروه أو حرام إذ كل من عند الله نزل به الروح الأمين على قلب سيد المرسلين ... وقد روينا في المعجم الكبير للطبراني بسند الصحيح عن إبراهيم النخعي قال: قال عبد الله بن مسعود: «ليس الخطأ أن يقرأ بعضه في بعض، ولكن الخطأ أن يلحقوا به ما ليس منه» «١» . المطلب الثاني: تعليمه ﷺ أن الحرف الواحد شاف كاف: علمهم النبي ﷺ أن كل حرف من هذه السبعة يتحقق به القران، فالحرف الواحد منها شاف كاف، ف (شاف) أي يشفي من الريب، لا يقصر بعضه عن بعض في الفضل، وقوله (كاف) أي كاف في نفسه، غير محوج إلى غيره «٢» فلا تفضيل بينها، ولا تمييز إلا بحسب الرغبة النفسية والميل القلبي كما جاء عن قتادة قال: قال لي أبيّ بن كعب: اختلفت أنا ورجل من أصحابي في اية فترافعنا فيها إلى رسول الله ﷺ فقال: اقرأ يا أبي فقرأت ثم قال للاخر: اقرأ فقرأ فقال النبي ﷺ : «كلاكما محسن مجمل» . فقلت: ما كلانا محسن مجمل. قال: فدفع النبي ﷺ في صدري فقال لي: «إن القران أنزل علي فقيل لي على حرف أو على حرفين قلت بل على حرفين ثم قيل لي على حرفين أو ثلاث فقلت بل على ثلاثة حتى انتهى إلى سبعة أحرف كلها شاف كاف ما لم تخلط اية رحمة باية عذاب أو اية عذاب باية رحمة فإذا كانت عزيز حكيم فقلت سميع عليم فإن الله سميع

стр. 441

عليم» «١» ، وعن أبي سعيد ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «إن القران أنزل على سبعة أحرف كلها شاف كاف» «٢» . وينبني على هذا الحقائق التالية: تكييف العلاقة بين الأحرف السبعة والقران الكريم: ١- يتضح من هذه الروايات تكييف العلاقة بين الأحرف السبعة والقران الكريم: فيتحقق القران الكريم بواحد من هذه الأحرف، ولا يشترط للمرء أن يقرأها كلها حتى يختم القران بل يختم القران الكريم بواحد منها، ويوضح هذا أكثر ما جاء عن أم أيوب عن النبي ﷺ قال: «نزل القران على سبعة أحرف أيها قرأت أصبت» «٣» ، وما جاء عن أبي بن كعب ﵁ وفيه-: «إن الله يأمرك أن تقرأ أمتك القران على سبعة أحرف فأيما حرف قرأوا عليه فقد أصابوا» «٤» . ومن ثم: فليس من مقتضيات حفظ القران حفظه بجميع الأحرف التي أنزل عليها، بل يكفي لحفظه، والمحافظة على ماهيته حفظه على حرف واحد، وهذا هو مبرر القائلين بذهاب هذه الأحرف ما عدا حرفا واحدا. ٢- وعلى هذا ف «الأحرف السبعة ليست متفرقة في القران كلها ولا موجودة فيه في ختمة واحدة، فإذا قرأ القارئ برواية واحدة فإنما قرأ ببعض الأحرف السبعة لا بكلها» «٥» .

стр. 442

٣- كل حرف مستغن عن الاخر، ولا يحتاج إليه، ولا يفتقر إليه، وإن كان بعضها قد يزيد في إيضاح بعض، فعلى قول من يقول باندثارها ما عدا حرفا واحدا فلا ضير على القران الكريم، فالختمة الواحدة الكاملة للقران الكريم تتحقق برواية قرائية واحدة، ولا يحتاج إلى جمع القراات جميعا لإتمام ختمة قران، كما لا يحتاج إلى جمع الأحرف السبعة. وبناء على هذا تستبين العلاقة أيضا بين القران والقراات: فالقراءة من حيث إطلاقها على مجموع المقروء محلا ولفظا ووضعا هو القران، أما القراءة من حيث إطلاقها على الموضع المختلف فيه فهي قراءة وهي وجه من أوجه القران المقروء فتؤول إلى القران فهو الأصل وهي أحد أوجهه فالعلاقة التغاير الذي محصلته الاتحاد في أصلية القران إذ القراءة منبثقة عنه، والافتراق في أن القران يتحقق بوجه واحد من الأوجه المختلف فيها التي تسمى قراءة. ولذا كان النبي ﷺ يسمي ذلك كله قرانا، أي هو قران بهذه الوجه من القراءة أو بذاك فقد قرأ رجل عند عمر فغير عليه فقال: قرأت على رسول الله ﷺ فلم يغير علي قال: فاجتمعا عند رسول الله ﷺ قال: فقرأ أحدهما على النبي ﷺ فقال له: «أحسنت» قال: فكأن عمر وجد في نفسه من ذلك فقال النبي ﷺ : «يا عمر إن القران كله صواب ما لم يجعل مغفرة عذابا أو عذابا مغفرة» «١» فسمى القراءة المختلف فيها قرانا. ووضح أهل العلم حقيقة التغاير بين القران والقراءة فقال الإمام الذهبي رحمه الله تعالى- وهو يتكلم عن القراات: «ومن ادعى تواترها فقد كابر

стр. 443

الحس، أما القران العظيم سوره وآياته فمتواتر ولله الحمد محفوظ من الله تعالى لا يستطيع أحد أن يبدله ولا يزيد فيه اية ولا جملة مستقلة ولو فعل ذلك أحد عمدا لا نسلخ من الدين قال الله تعالى: إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحافِظُونَ (الحجر: ٩) «١» ، وكذلك قرر ابن الجزري شيخ القراء فقال: «ونحن ما ندعي التواتر في كل فرد مما انفرد به بعض الرواة أو اختص ببعض الطرق ولا يدعي ذلك إلا جاهل لا يعرف ما التواتر» «٢» ... وأساس هذه الحقيقة: أن القران هو كل أحرف الوفاق وهي الغالب الأعم، ثم يتحقق بوجه واحد من أحرف التنوع الصوتي (الاختلاف) ، وهي متواترة عند أهل كل قطر. المختلف فيه من علم القراءة محصور منضبط: وبناء على هذا أيضا يقال: «إن القراءة بمعنى المختلف فيه عبارة عن مواضع محصورة محدودة لا يخرج عن نطاق اختلافات صوتية لغوية (لهجية) في الغالب، وهذا ما جعل ابن قتيبة يذهب إلى أن اللهجات ليس من الاختلاف الذي يتنوع في اللفظ والمعنى لأن هذه الصفات المتنوعة في أدائه لا تخرجه عن أن يكون واحدا» «٣» .

стр. 444

المطلب الثالث: تعليمه ﷺ عدم التناقض المعنوي بين هذه الأحرف: وكان النبي ﷺ يبين لهم أن هذه الأحرف السبعة تتنوع من حيث معانيها إلى معان معروفة دون تناقض فعن عبد الله بن مسعود ﵁ أن النبي ﷺ قال له: «إن الكتب كانت تنزل من السماء من باب واحد وإن القران انزل من سبعة أبواب على سبعة أحرف حلال وحرام ومحكم ومتشابه وضرب أمثال وأمر وزجر فأحل حلاله وحرم حرامه واعمل بمحكمه وقف عند متشابهه واعتبر أمثاله فإن كلا من عند الله وما يذكر إلا أولو الألباب» «١» ، فاخر الحديث تثبيت لعدم الاضطراب والتناقض في أول الحديث، وتبيين لأشكال المعاني التي ترجع إليها هذه الأحرف، فهي كالحرف الواحد في الانسجام وعدم الاضطراب، فالمسلمون متفقون «على أن الأحرف السبعة لا يخالف بعضها بعضا خلافا يتضاد فيه المعنى ويتناقض بل يصدق بعضها بعضا كما تصدق الايات بعضها بعضا» «٢» . «وقد استمر أهل القراات على أن يعملوا بالروايات التي صحت عندهم مما وافق المصحف وأنهم في ذلك قارئون للقران من غير شك ولا إشكال، وإن كان بين القراءتين ما يعده الناظر ببادئ الرأي اختلافا في المعنى لأن معنى الكلام من أوله إلى اخره على استقامة لا تفاوت فيه بحسب مقصود الخطاب وهذا كان عادة العرب..» «٣» . وترجع الاختلافات في هذه الأحرف السبعة إلى ثلاثة محاور، ليس في شيء منها تضاد بين القراات المختلفة «٤» :

стр. 445

الأول: اختلاف اللفظ مع أن المعنى واحد: نحو اللغات (اللهجات) الواردة في القراات كالإظهار والإدغام، والفتح والإمالة، وصلة ميم الجمع وإسكانها، ونحو: السراط بالسين والصراط بالصاد والزراط بالزاي، وأكلها، وفي الأكل بإسكان الكاف وبضمها وإلى ميسرة بضم السين وبفتحها ... وهذا النوع هو الغالب الأعم في القراات حتى مال عدد من كبار العلماء إلى أن اختلاف القراات لا يعدو أن يكون لغات. الثاني: اختلاف اللفظ والمعنى جميعا مع جواز أن يجتمعا في شيء واحد لعدم تضاد اجتماعهما فيه: نحو: مالِكِ يَوْمِ الدِّينِ (الفاتحة: ٤) بألف وملك بغير ألف لأن المراد بهاتين القراءتين جميعا هو الله وذلك أنه تعالى مالك يوم الدين وملكه فقد اجتمع له الوصفان جميعا فأخبر بذلك في القراءتين ونحو: بِما كانُوا يَكْذِبُونَ (البقرة: ١٠) بتخفيف الذال وبتشديدها لأن المراد بهاتين القراءتين جميعا هم المنافقون وذلك أنهم كانوا يكذبون في إخبارهم ويكذبون النبي ﷺ فيما جاء به من عند الله تعالى فالأمران جميعا مجتمعان لهم فأخبر الله تعالى بذلك عنهم وأعلمنا أنه معذبهم بهما، ونحو قوله تعالى: كَيْفَ نُنْشِزُها (البقرة: ٢٥٩) بالراء وبالزاي لأن المراد بهاتين القراءتين جميعا هي العظام وذلك أن الله تعالى أنشرها أي أحياها، وأنشزها أي رفع بعضها إلى بعض حتى التأمت فأخبر سبحانه أنه جمع لها هذين الأمرين من إحيائها بعد الممات، ورفع بعضها إلى بعض لتلتئم فضمن تعالى المعنيين في القراءتين تنبيها على عظيم قدرته ...

стр. 446

الثالث: اختلاف اللفظ والمعنى مع امتناع جواز أن يجتمعا في شيء واحد لاستحالة اجتماعهما فيه، مع عدم التناقض العام: كقراءة من قرأ: وَظَنُّوا أَنَّهُمْ قَدْ كُذِبُوا (يوسف: ١١٠) بالتشديد لأن المعنى وتيقن الرسل أن قومهم قد كذبوهم وقراءة من قرأ فَقَدْ كَذَّبُوا بالتخفيف لأن المعنى وتوهم المرسل إليهم أن الرسل قد كذبوهم فيما أخبروهم به من أنهم إن لم يؤمنوا بهم نزل العذاب بهم فالظن في القراءة الأولى يقين والضمير الأول للرسل والثاني للمرسل إليهم والظن في القراءة الثانية شك والضمير الأول للمرسل إليهم والثاني للرسل ... وهكذا فهم السلف أن معنى هذه الأحرف أنها في الأمر الواحد الذي لا يختلف حلا وحرمة: فلا تناقض بينها معنى كما قال الزهري تعليقا على حديث الأحرف السبعة: «بلغني أن تلك السبعة الأحرف إنما هي في الأمر الذي يكون واحدا لا يختلف في حلال ولا حرام» «١» بل «كلها شاف كاف» فكل «حرف من هذه الأحرف السبعة شاف لصدور المؤمنين، لاتفاهما في المعنى، وكونها من عند الله وتنزيله ووحيه، كما قال الله : قُلْ هُوَ لِلَّذِينَ آمَنُوا هُدىً وَشِفاءٌ (فصلت: ٤٤) وهو كاف في الحجة على صدق رسول الله ﷺ لإعجاز نظمه، وعجز الخلق عن الإتيان بمثله» «٢» .

стр. 447

المبحث الثاني: تعليمه ﷺ أن القراءة سنة يأخذها الاخر عن الأول: إذا كان القران قد نزل من عند الله على سبعة أحرف؛ فإن هذا يعني أنه لا دخل للاجتهاد البشري في كلام الله ﷻ ، وإلا لما سمّي كلامه، ولذا يروم هذا المبحث أن يؤكد على هذه الحقيقة، ويتم ذلك من خلال تقسيم المبحث إلى المطالب الخمسة الاتية: المطلب الأول: التلقي والتوقيفية في القراات . المطلب الثاني: تعليمه ﷺ عدم التنازع في رواية القراءة ما دامت قد ثبتت عنه. المطلب الثالث: أين الأحرف السبعة؟. المطلب الرابع: القراءة التفسيرية. المطلب الخامس: القراءة بالمعنى. المطلب الأول: التلقي والتوقيفية في القراات: التوقيفية معناها التعليمية «١» ، وهو مصطلح شرعي يدل على ضرورة الوقف عند الشيء المحدد الذي أتى به الشرع وعلمه النبي ﷺ ، وعدم إدخال الاجتهاد البشري فيه، ويظهر التأكيد عليها في: تعليمه ﷺ وجوب الالتزام بأداء اللفظ القراني كما تعلّم: تدل الروايات الواردة في الأحرف السبعة جميعا على أن القراات المتعددة «كذلك أنزلت» ، و «كذلك أقرأنيها رسول الله ﷺ » ، و «اقرؤوا كما علمتم» ،

стр. 448

وكل هذه الألفاظ المتعددة تتضافر على التأكيد على أمر واحد هو أن القراات توقيفية منزلة من عند الله ليس لأحد أن يقرأ بمحض اجتهاده فيأتي بما يظنه مرادفا، أو يقرأ بهيئة مختلقة من عند نفسه، وعلى أن منهج الإقراء المعتمد هو التلقي والتناقل، وليس غيره. ومعنى «هكذا أقرأني جبريل» «أنه أقرأه مرة بهذه، ومرة بهذه» «١» ، كما قالوا: كان ﷺ يأمرنا أن نقرأ القران كما أقرئناه وقال: إنه أنزل على ثلاثة أحرف فلا تختلفوا فيه فإنه مبارك كله فاقرؤوه كالذي أقرئتموه «٢» . وأمر ﷺ بالتزام كل شخص ما علّم فعن حذيفة ﵁ قال: لقي رسول الله ﷺ جبريل وهو عند أحجار المرى فقال: «إن أمتك يقرؤون القران على سبعة أحرف فمن قرأ منهم على حرف فليقرأ كما علم ولا يرجع عنه» «٣» ، وعن عبد الله بن مسعود ﵁ قال: أقرأني رسول الله ﷺ سورة الرحمن فخرجت إلى المسجد عشية فجلس إلي رهط فقلت لرجل اقرأ علي فإذا هو يقرأ أحرفا لا أقرؤها فقلت من أقرأك؟ فقال: أقرأني رسول الله ﷺ فانطلقنا حتى وقفنا على النبي ﷺ فقلت: اختلفنا في قراءتنا، فإذا وجه رسول الله ﷺ فيه تغير ووجد في نفسه حين ذكرت الاختلاف فقال إنما هلك من قبلكم بالاختلاف فأمر عليا فقال: إن رسول الله ﷺ يأمركم أن يقرأ كل رجل منكم كما علم فإنما أهلك من قبلكم الاختلاف قال فانطلقنا وكل رجل منا يقرأ حرفا لا يقرؤه صاحبه «٤» .

стр. 449

وكان يصف ما قرأه المرء مما علّم بأنه حسن جميل، فعن زيد بن أرقم قال: جاء رجل إلى رسول الله ﷺ فقال: «أقرأني عبد الله بن مسعود سورة وأقرأنيها زيد وأقرأنيها أبي فاختلفت قراءتهم فقراءة أيهم اخذ؟ فسكت رسول الله ﷺ فقال علي ﵁: «ليقرأ كل إنسان كما علم فكل حسن جميل» «١» . والتوقف عند ما علمه رسول الله ﷺ سواء كانت القراءة سماعا كما تدل عليه الأدلة السابقة أو عرضا كما قال علي ﵁: إن رسول الله ﷺ يأمركم أن يقرأ كل رجل منكم كما أقرأني فإنما أهلك من كان قبلكم الاختلاف «٢» . وكان إنكارهم في مخالفة النبي ﷺ في أداء ألفاظ القران الكريم قد بلغ حدا عظيما، فعن عمر بن الخطاب قال: سمعت هشام بن حكيم يقرأ سورة الفرقان في حياة رسول الله ﷺ فاستمعت لقراءته فإذا هو يقرأ على حروف كثيرة لم يقرئنيها رسول الله ﷺ فكدت أساوره في الصلاة فتصبرت حتى سلم فلببته بردائه فقلت: من أقرأك هذه السورة التي سمعتك تقرأ قال أقرأنيها رسول الله ﷺ فقلت كذبت فإن رسول الله ﷺ قد أقرأنيها ما قرأت فانطلقت به أقوده إلى رسول الله ﷺ فقلت: إني سمعت هذا يقرأ بسورة الفرقان على حروف لم تقرئنيها فقال رسول الله ﷺ : «أرسله اقرأ يا هشام» فقرأ عليه القراءة التي سمعته يقرأ فقال رسول الله ﷺ : «كذلك أنزلت، ثم قال: اقرأ يا عمر» فقرأت القراءة التي أقرأني فقال رسول الله ﷺ : «كذلك أنزلت إن هذا القران أنزل على سبعة أحرف فاقرؤوا ما تيسر منه» «٣» ، وعن أبي بن كعب قال ثم كنت جالسا في المسجد فدخل رجل فقرأ قراءة أنكرتها عليه ثم دخل اخر فقرأ قراءة سوى قراءة صاحبه فلما قضى

стр. 450

الصلاة دخلا جميعا على النبي ﷺ فقلت يا رسول الله إن هذا قرأ قراءة أنكرتها عليه ثم قرأ الاخر قراءة سوى قراءة صاحبه فقال لهما رسول الله ﷺ : «اقرا» فقرأ فقال: «أحسنتما» أو قال: «أصبتما» (وحسن قراءتهما) قال فلما قال لهما الذي قال كبر علي فلما رأى النبي ﷺ ما غشيني ضرب في صدري فكأني أنظر إلى ربي فرقا، وفي لفظ: «فلما سمعت النبي ﷺ قال الذي قال سقط في نفسي من الأمر وكبر علي ولا إذ في الجاهلية ما كبر علي فلما رأى رسول الله ﷺ ما بي ضرب في صدري ففضت عرفا فكأنما أنظر إلى الله فرقا» فقال رسول الله ﷺ : «يا أبي إن ربي أرسل إلي أن اقرأ القران على حرف» فرددت عليه أن هون على أمتي مرتين فرد علي أن اقرأه على سبعة أحرف ولك بكل ردة رددتها مسألته يوم القيامة فقلت اللهم اغفر لأمتي ثم أخرت الثانية إلى يوم يرغب إلي فيه الخلق حتى إبراهيم «١» ، وفي لفظ قال النبي ﷺ لأبي ولابن مسعود: «بلى كلاكما محسن مجمل» فقلت ما كلانا أحسن ولا أجمل قال فضرب صدري.. «٢» .، وفي هذا نفور شديد ظاهر، حتى قال ابن مسعود ﵁: «إن هذا القران أنزل على حروف، والله إن كان الرجلان ليختصمان أشد ما اختصما في شيء قط» . وهذه التوقيفية عبر عنها أئمة السلف بأن القراءة سنة: أي يجب أن تتبع دون ابتداع، في لفظها ولا في أدائها، فعن أبي عبد الرحمن السلمي عن عبد الله بن مسعود ﵁ قال: «اتبعوا ولا تبتدعوا فقد كفيتم» ، وقال حذيفة ﵁: «اتقوا الله يا معشر القراء وخذوا طريق من كان قبلكم فو الله لئن استقمتم لقد سبقتم سبقا بعيدا ولئن تركتموهم يمينا وشمالا لقد ضللتم ضلالا

стр. 451

بعيدا» «١» ، وقال عبد الله بن مسعود ﵁: «إني سمعت القرأة فرأيتم متقاربين فاقرؤا كما علّمتم، وإياكم والتنطع والاختلاف وإنما هو كقولك هلم وأقبل وتعال» ، وعن زيد بن ثابت ﵁ قال: «القراءة سنة فاقرؤه كما تجدونه» ، وعن محمد بن المنكدر قال: «القراءة سنة يأخذها الاخر عن الأول» ، وكذلك قال عمر بن عبد العزيز، وعن عامر الشعبي قال: القراءة سنة فاقرؤا كما قرأ أولوكم، وعن عروة بن الزبير قال: إنما قراءة القران سنة من السنن فاقرؤه كما علمتموه «٢» ، وقال: عروة بن الزبير، إنما قراءة القران سنة فاقرؤوا كما علمتموه، وقيل لطلحة بن مصرف: «يا أبا عبد الله إن بعض أصحاب النحو يقولون: إن في قراءتك لحنا، قال: ألحن كما لحن أصحابي أحب إلي من أتابع هؤلاء» «٣» . كما كانوا يحظرون على الإنسان أن يقرأ بما لم يتقدمه فيه أحد فعن الأصمعي قال: سمعت أبا عمرو بن العلاء يقول: لولا أنه ليس لي أن أقرأ إلا بما قد قرئ به لقرأت حرف كذا كذا وحرف كذا كذا، وعن الأصمعي قال: قلت لأبي عمرو بن العلاء وبركنا عليه في موضع وتركنا عليه في موضع أيعرف هذا؟ فقال ما يعرف إلا أن يسمع من المشايخ الأولين «٤» . وفي ذلك يقول أبو مزاحم الخاقاني- رحمه الله تعالى-: أيا قارئ القران أحسن أداءه ... يضاعف لك الله الجزيل من الأجر فما كل من يتلو الكتاب يقيمه ... وما كل من في الناس يقرئهم مقري وإن لنا أخذ القراءة سنة ... عن الأولين المقرئين ذوي الستر

стр. 452

المطلب الثاني: تعليمه ﷺ عدم التنازع في رواية القراءة ما دامت قد ثبتت عنه: وكان ﷺ يعلمهم عدم التنازع في رواية القراءة ما دامت قد ثبتت عنه: فعن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : «أنزل القران على سبعة أحرف ومراء في القران كفر» «١» . ويعلمهم ﷺ تصويب قراءة كل واحد منهم ما دام قد تلقاها من النبي ﷺ : فعن عمرو بن العاص أن رسول الله ﷺ قال: «أنزل القران على سبعة أحرف على أي حرف قرأتم أصبتم فلا تماروا فإن المراء فيه كفر» «٢» . وكان ﷺ يشدد في ذلك تشديدا عظيما حتى جعل المراء والجدال في القران كفرا فقال لهم: «لا تجادلوا في القران فإن جدالا فيه كفر» «٣» . وفي معنى النهي عن المراء والجدال الواردين فيما سبق يقول «الحليمي: وهذا والله أعلم أن يسمع الرجل من الاخر قراءة أو اية أو كلمة لم تكن عنده فيعجل عليه، ويخطئه فينسب ما يقرأ إلى أنه ليس بقران، ويجادله في ذلك، أو يجادله في تأويل ما يذهب إليه، ولم يكن عنده ويخطئه ويضلله لا ينبغي له إن فعل ذلك فإن اللجاج ربما أزاغه عن الحق ولا يقبله، وإن ظهر له وجه فيكفر، فلهذا حرم المراء في القران وسمي كفرا لأنه يشرف بصاحبه على الكفر وإن ذلك لو كان في نفي حرف، أو إثباته، أو نفي كلمة، أو إثباتها لكان الزائغ من الممارين عن الحق بعد

стр. 453

ما تبين له كافرا» «١» وعن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده قال: سمع النبي ﷺ قوما يتمارون في القران فقال: «إنما هلك من كان قبلكم بهذا ضربوا كتاب الله بعضه ببعض وإنما ترك كتاب الله يصدق بعضه بعضا ولا يكذب بعضه بعضا ما علمتم منه فقولوا وما جهلتم فكلوه إلى عالمه» «٢» ، فالمراء هنا هو «الإصرار على التغليط، والتضليل، وترك الإذعان لما يقام من الحجة فأما المباحثة التي لا يكاد المشكك ينصح إلا بها فليست بحرام» «٣» . عثمان ﵁ ذكر الأمة بالمشروعية العامة لكل القراات ما دامت ثابتة عن النبي ﷺ حتى لا يقع أحد في التكفير: وهذا الاختلاف والتغليط في أحرف القران حدث في زمن عثمان بن عفان فإن حذيفة بن اليمان قدم من غزوة فلم يدخل بيته حتى أتى عثمان فقال: يا أمير المؤمنين أدرك الناس قال: وما ذاك؟ قال: غزوت فرج أرمينية فإذا أهل الشام يقرؤون بقراءة أبى بن كعب، فيأتون بما لم يسمع أهل العراق، وإذا أهل العراق يقرؤون بقراءة عبد الله بن مسعود فيأتون بما لم يسمع أهل الشام، فيكفر بعضهم بعضا «٤» فأراد عثمان أن يبين للناس جواز القراءة بذلك كله دون إنكار أو مراء، ولذا استشهد الناس على سماعهم حديث الأحرف السبعة، كما جاء عن أبي المنهال سيار بن سلامة قال: بلغنا أن عثمان قال يوما- وهو على المنبر-: أذكر الله رجلا سمع النبي ﷺ قال: «أنزل القران على سبعة أحرف كلها شاف كاف» لما قام فقاموا حتى لم يحصوا فشهدوا أن رسول الله ﷺ قال:

стр. 454

«أنزل القران على سبعة أحرف كلها شاف كاف» فقال عثمان ﵁: وأنا أشهد معهم «١» . وعلمهم النبي ﷺ قواعد جامعة في هذا الباب: فسمع ﷺ قوما يتمارون في القران فقال: «إنما هلك من كان قبلكم بهذا ضربوا كتاب الله بعضه ببعض وإنما ترك كتاب الله يصدق بعضه بعضا ولا يكذب بعضه بعضا، ما علمتم منه فقولوا وما جهلتم فكلوه إلى عالمه» «٢» ، وعن أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ قال: «نزل القران على سبعة أحرف، المراء في القران كفر ثلاث مرات فما علمتم فاعملوا به وما جهلتم منه فردوه إلى عالمه» «٣» . فظهر من ذلك عدة قواعد جامعة: ١- نزل القران على سبعة أحرف. ٢- المراء في القران كفر، ويظهر ذلك في موضوعنا بنفي قراءة يسندها قارئها إلى النبيّ ﷺ بحسب مناهج الإقراء المعتبرة. ٣- فما علمتم فاعملوا به وما جهلتم منه فردوه إلى عالمه، ومن حيث موضوع البحث: ما علمه المرء من قراءة قرأ بها، وما لم يعلمه مما سمعه فأنكره في نفسه لجهله به، وصاحبه متأهل لأن يروي مثل ذلك فلا ينكره أما في عهد الصحابة فللتلقي المباشر من النبي ﷺ ، ومدار القراات مخصور على عدد قليل منهم، وأما بعده فلوجود أهل الفن الذين يعرفون وينكرون فيرجع الأمر إليهم.

стр. 455

٤- التيقن من عدم التناقض المعنوي بين القراات المتعددة، كعدم تناقض وصف الله بعدة أوصاف مثل: عليما حليما غفورا رحيما. ٥- الخلافات بين القراات منحصرة منضبطة: فقد قال ابن مسعود ﵁: «إني سمعت القراء فوجدتهم متقاربين فاقرأوا كما علمتم» «١» ، والتقارب هنا يدل على أن الخلاف بين القراات محدودة جدا ومنحصرة فهي متقاربة بينها. فنفي قراءة من صحابي لاخر مع إثبات تلقيها من النبي ﷺ خطأ رده النبي ﷺ ، وبعد جيل الصحابة يكون الخطأ هو نفي قراءة مع تلقي أهل المصر لها بالقبول. ٦- يجب عند الاختلاف في القراءة أن يكفوا: وليقوموا حتى لا يخطئ بعضهم بعضا في قراءة ثابتة مما قد يؤدي إلى التكفير فعن جندب بن عبد الله عن النّبيّ ﷺ قال: «اقرؤا القران ما ائتلفت قلوبكم فإذا اختلفتم فقوموا عنه» «٢» : فقوله: «فإذا اختلفتم» فيه نهي عن القراءة إذا وقع الاختلاف في كيفية الأداء فمنع هذا من قراءة أخيه، واتهمه باختلاقها، وأمرهم بأن يتفرقوا عند وقوع مثل هذا الاختلاف، ويستمر كل منهم على قراءته ومثله ما تقدم عن ابن مسعود لما ورقع بينه وبين الصحابيين الاخرين الاختلاف في الأداء فترافعوا إلى النبي ﷺ فقال كلكم محسن، وما وقع لأبي كذلك «٣» ، وهذا أولى من الحمل على الاختلاف في فهم معانيه «٤» ، وذلك لأن الاختلاف في استنباط فروع الدين منه ومناظرة أهل العلم في ذلك على سبيل الفائدة وإظهار الحق واختلافهم في

стр. 456

ذلك ليس منهيا عنه بل هو مأمور به وفضيلة ظاهرة، وقد أجمع المسلمون على هذا من عهد الصحابة إلى الان «١» ، وقال الزمخشري: «ولا يجوز توجيهه بالنهي عن المناظرة والمباحثة فإنه سد لباب الاجتهاد، وإطفاء لنور العلم، وصد عما تواطأت العقول والاثار الصحيحة على ارتضائه، ولم يزل الموثوق بهم من علماء الأمة يستنبطون معاني التنزيل ويستثيرون دقائقه ويغوصون على لطائفه وهو ذو الوجوه فيعود ذلك تسجيلا له ببعد الغور واستحكام دليل الإعجاز، ومن ثم تكاثرت الأقاويل واتسم كل من المجتهدين بمذهب في التأويل» «٢» ، بل يكون النهي عن الاختلاف نهي عن اختلاف لا يجوز أو اختلاف يوقع فيما لا يجوز كاختلاف في نفس القران بأن ينفي هذا قراءة الاخر، والعكس أو في معنى منه لا يسوغ فيه الاجتهاد أو اختلاف يوقع في شك أو شبهة أو فتنة وخصومة أو شجار ونحو ذلك «٣» . وبذلك أوصى عبد الله بن مسعود تلاميذه: إذ لما أراد أن يأتي المدينة جمع أصحابه فقال: والله إني لأرجو أن يكون قد أصبح اليوم فيكم من أفضل ما أصبح في أجناد المسلمين من الدين والفقه والعلم بالقران، إن هذا القران أنزل على حروف والله إن كان الرجلان ليختصمان أشد ما اختصما في شيء قط فإذا قال القاري: هذا أقرأني قال: أحسنت وإذا قال الاخر: هذا أقرأني قال كلاكما محسن ... واعتبروا ذاك بقول أحدكم لصاحبه كذب وفجر وبقوله إذا صدقه صدقت وبررت إن هذا القران لا يختلف ولا يستثنى ولا يتفه لكثرة الرد فمن قرأه على حرف فلا يدعه رغبة عنه، ومن قرأه على شيء من

стр. 457

تلك الحروف التي علم رسول الله ﷺ فلا يدعه رغبة عنه فإنه من يجحد باية منه يجحد به كله فإنما هو كقول أحدكم لصاحبه اعجل وحي هلا «١» . المطلب الثالث: أين الأحرف السبعة ؟: بحث هذه المسألة ينبني على معرفة معنى الأحرف السبعة: وقد أجهد أهل العلم أنفسهم في القديم والحديث في محاولات تحديد المراد من الأحرف السبعة بدقة، وما زالت المطبعات تقذف بجديد تأليف في هذا الباب، حتى قال بعضهم: «وهكذا يستمر الأئمة في تقليب الوجوه والمعاني ويحاولون فهم المراد بالسبعة الأحرف في الحديث وإنى أرجّح أن هذا الحديث من متشابه الحديث الذي يصعب معناه على وجه يخلو من الأشكال ولعله مهما أستأثر الله بعلمه» «٢» . والقول بأنها من المشكل الذي استأثر الله بعلمه قاله السيوطي «٣» من قبل، وخلاصة البيان في نظر الباحث أن يقال: إما أن العدد مقصود، وإما أنه غير مقصود وأن المراد السعة والتيسير فالمراد منه ظاهر لكن تحديده بدقة هو غير متوفر مهما قيل فيه ولكن لم لا يكون من التيسير: جمع أكبر قدر من المعاني واللغات في أصغر حيز، ولذا قال «اقرؤوا ما تيسر منه» فهي قاعدة أولى وقعد أخرى فقال: «كلها شاف كاف» أي كل واحد منها شاف كاف للمطلوب الشرعي لغة وأصولا وفقها وعقيدة، وكون الواحد منها ينوب عن الاخر ... ولو كانت الأحرف السبعة على هذا المفهوم حرفا واحدا لازداد حجم القران.

стр. 458

وغير ضائر عدم التحديد ما دام المعنى واضحا ومظاهره متمثلة في القراات فيقال الأحرف السبعة هي: «ما يشمل اختلاف اللهجات وتباين مستويات الأداء، ناشئة عن اختلاف الألسن، وتفاوت التعليم وكذلك ما يشمل اختلاف بعض الألفاظ وترتيب الجمل بما لا يتغير به المعنى المراد» «١» فليس ثم حاجة للحصر ... ويصعب الجزم بتحديد مدلول دقيق أكثر من ذلك. والقائلون بأن المراد منها لغات لهم وجهتان: إما لغات بمعنى اختلاف الكيفيات التصويتية أي الاختلاف اللهجي، وهو ما يدل عليه تعليل ابن قتيبة في بيان حكمة الأحرف السبعة «٢» مع أن تفسيره لها مخالف لتعليله، وإما اللغات بمعنى المترادفات، وقد ذهب إلى هذا عدد كبير من أهل العلم بل يكاد من قال بأن المصحف العثماني كتب على حرف واحد يقول بهذا الرأي، ومن أشهرهم: ابن جرير الطبري «٣» ، وعلى قولهم هذا فإن الأحرف السبعة قد ذهبت بإجماع الصحابة زمن عثمان ﵁، إلا شيئا يسيرا يتعلق بموضعين بكلمتين في ثلاثة مواضع من القران الكريم، جاء فيهما الترادف هما: فَتَبَيَّنُوا في سورتي النساء والحجرات جاءت قراءة أخرى متناقلة لحمزة والكسائي، وخلف العاشر هي [تثبتوا] ، ولَنُبَوِّئَنَّهُمْ جاءت في العنكبوت قراءة هؤلاء أيضا [لنثوينهم] «٤» .

стр. 459

والرأي الثالث الشهير أن الأحرف بمعنى سبعة أوجه مختلفة، ومن أشهر القائلين بهذا ابن قتيبة في تفسيره لها، وأبو الفضل الرازي، وابن الجزري رحمهم الله تعالى-. استبعاد أن تكون الأحرف السبعة محض لهجات: والقول بأنها ليست محض لغات (لهجات) له وجاهته؛ إذ التيسير المتكأ عليه في كونها كذلك منخرم بأمور: ١- أن من القراات التي ترجع إلى الأحرف السبعة ما ليس بلغات. ٢- أن ذلك محكوم بالتلقي، فيلزم الثبات عليه مع التلقي، فيصعب التيسير المراد «١» . ٣- أن قبائل العجم أولى بهذه الحكمة من العرب، واشتد ابن حزم كعادته في الإنكار على من اتكأ على هذه الحكمة فقال: «كذب هؤلاء مرتين إحداهما على الله تعالى، والثانية على جميع الناس كذبا مفضوحا جهارا لا يخفى على أحد، أما كذبهم على الله فإخبارهم بأنه تعالى إنما جعله يقرأ على أحرف شتى لأجل صعوبة انتقال القبيلة إلى لغة غيرها فمن أخبرهم بها عن الله تعالى أنه من أجل ذلك حكم بما صح أنه تعالى حكم به ... وأما كذبهم على الناس فبالمشاهدة يدري كل أحد صعوبة القراءة على الأعجمي المسلم بلغة العرب التي بها نزل القران أشد مراما من صعوبة قراءة اليماني على لغة المضري والربعي على لغة القرشي» «٢» .

стр. 460

استبعاد القول بأن الأحرف السبعة مترادفات سبع: وواضح من الأحاديث أن الأمر لم يتعلق بالمترادفات اللغوية حال وجودها في القران الكريم، وذلك لمعرفة عمر وغيره بالسور التي كان يقرؤها من أنكروا عليه، فلو كانت مترادفات لكثرت، ولما أنكروا؛ إذ تصبح سورا جديدة لا معروفة عند السامع. والقائل بالترادف يعسر على الأمة ويقلب الحكمة، إذ الترادف مستلزم لحفظ الأصل، وإذا كان بعض من ذهب المذهب يقول: «والذي وقر في أفهام الصحابة أن ذلك لا يتأتى بالتشهي في انتقاء المترادفات، أو الاختيار الشخصي في تطويع القران للغة ... ولو قد كان ذلك لما قال كل من عمر وهشام حين تجادلا في الموضوع أقرأني النبي ﷺ ، بل المرجع الأول والأخير في ذلك» «١» ، فإن العسر يبلغ مبلغا كبيرا كما هو ظاهر. وهذا كله حال تفسير الأحرف السبعة بالمترادفات، وهذا التفسير غير مرضي ولا متفق عليه. المتبقي من الأحرف السبعة: وبناء على اختلافهم في تحديد ماهية الأحرف السبعة اختلفوا في بقائها كلها، أو بقاء بعضها، فمنهم من ذهب إلى بقاء الأحرف السبعة برمتها كما يميل إليه ابن حزم «٢» ، ومنهم من ذهب إلى بقاء حرف واحد وذهاب ستة أحرف حيث يتحقق القران بواحد منها وهو موجود وذلك شاف كاف كما ذهب إليه الطبري.
следующие страницы →