ذلك ليس منهيا عنه بل هو مأمور به وفضيلة ظاهرة، وقد أجمع المسلمون على هذا من عهد الصحابة إلى الان «١» ، وقال الزمخشري: «ولا يجوز توجيهه بالنهي عن المناظرة والمباحثة فإنه سد لباب الاجتهاد، وإطفاء لنور العلم، وصد عما تواطأت العقول والاثار الصحيحة على ارتضائه، ولم يزل الموثوق بهم من علماء الأمة يستنبطون معاني التنزيل ويستثيرون دقائقه ويغوصون على لطائفه وهو ذو الوجوه فيعود ذلك تسجيلا له ببعد الغور واستحكام دليل الإعجاز، ومن ثم تكاثرت الأقاويل واتسم كل من المجتهدين بمذهب في التأويل» «٢» ، بل يكون النهي عن الاختلاف نهي عن اختلاف لا يجوز أو اختلاف يوقع فيما لا يجوز كاختلاف في نفس القران بأن ينفي هذا قراءة الاخر، والعكس أو في معنى منه لا يسوغ فيه الاجتهاد أو اختلاف يوقع في شك أو شبهة أو فتنة وخصومة أو شجار ونحو ذلك «٣» .
وبذلك أوصى عبد الله بن مسعود تلاميذه:
إذ لما أراد أن يأتي المدينة جمع أصحابه فقال: والله إني لأرجو أن يكون قد أصبح اليوم فيكم من أفضل ما أصبح في أجناد المسلمين من الدين والفقه والعلم بالقران، إن هذا القران أنزل على حروف والله إن كان الرجلان ليختصمان أشد ما اختصما في شيء قط فإذا قال القاري: هذا أقرأني قال: أحسنت وإذا قال الاخر: هذا أقرأني قال كلاكما محسن ... واعتبروا ذاك بقول أحدكم لصاحبه كذب وفجر وبقوله إذا صدقه صدقت وبررت إن هذا القران لا يختلف ولا يستثنى ولا يتفه لكثرة الرد فمن قرأه على حرف فلا يدعه رغبة عنه، ومن قرأه على شيء من
стр. 457
تلك الحروف التي علم رسول الله ﷺ فلا يدعه رغبة عنه فإنه من يجحد باية منه يجحد به كله فإنما هو كقول أحدكم لصاحبه اعجل وحي هلا «١» .
المطلب الثالث: أين الأحرف السبعة ؟:
بحث هذه المسألة ينبني على معرفة معنى الأحرف السبعة:
وقد أجهد أهل العلم أنفسهم في القديم والحديث في محاولات تحديد المراد من الأحرف السبعة بدقة، وما زالت المطبعات تقذف بجديد تأليف في هذا الباب، حتى قال بعضهم: «وهكذا يستمر الأئمة في تقليب الوجوه والمعاني ويحاولون فهم المراد بالسبعة الأحرف في الحديث وإنى أرجّح أن هذا الحديث من متشابه الحديث الذي يصعب معناه على وجه يخلو من الأشكال ولعله مهما أستأثر الله بعلمه» «٢» .
والقول بأنها من المشكل الذي استأثر الله بعلمه قاله السيوطي «٣» من قبل، وخلاصة البيان في نظر الباحث أن يقال: إما أن العدد مقصود، وإما أنه غير مقصود وأن المراد السعة والتيسير فالمراد منه ظاهر لكن تحديده بدقة هو غير متوفر مهما قيل فيه ولكن لم لا يكون من التيسير: جمع أكبر قدر من المعاني واللغات في أصغر حيز، ولذا قال «اقرؤوا ما تيسر منه» فهي قاعدة أولى وقعد أخرى فقال: «كلها شاف كاف» أي كل واحد منها شاف كاف للمطلوب الشرعي لغة وأصولا وفقها وعقيدة، وكون الواحد منها ينوب عن الاخر ... ولو كانت الأحرف السبعة على هذا المفهوم حرفا واحدا لازداد حجم القران.
стр. 458
وغير ضائر عدم التحديد ما دام المعنى واضحا ومظاهره متمثلة في القراات فيقال الأحرف السبعة هي: «ما يشمل اختلاف اللهجات وتباين مستويات الأداء، ناشئة عن اختلاف الألسن، وتفاوت التعليم وكذلك ما يشمل اختلاف بعض الألفاظ وترتيب الجمل بما لا يتغير به المعنى المراد» «١» فليس ثم حاجة للحصر ... ويصعب الجزم بتحديد مدلول دقيق أكثر من ذلك.
والقائلون بأن المراد منها لغات لهم وجهتان:
إما لغات بمعنى اختلاف الكيفيات التصويتية أي الاختلاف اللهجي، وهو ما يدل عليه تعليل ابن قتيبة في بيان حكمة الأحرف السبعة «٢» مع أن تفسيره لها مخالف لتعليله، وإما اللغات بمعنى المترادفات، وقد ذهب إلى هذا عدد كبير من أهل العلم بل يكاد من قال بأن المصحف العثماني كتب على حرف واحد يقول بهذا الرأي، ومن أشهرهم: ابن جرير الطبري «٣» ، وعلى قولهم هذا فإن الأحرف السبعة قد ذهبت بإجماع الصحابة زمن عثمان ﵁، إلا شيئا يسيرا يتعلق بموضعين بكلمتين في ثلاثة مواضع من القران الكريم، جاء فيهما الترادف هما:
فَتَبَيَّنُوا في سورتي النساء والحجرات جاءت قراءة أخرى متناقلة لحمزة والكسائي، وخلف العاشر هي [تثبتوا] ، ولَنُبَوِّئَنَّهُمْ جاءت في العنكبوت قراءة هؤلاء أيضا [لنثوينهم] «٤» .
стр. 459
والرأي الثالث الشهير أن الأحرف بمعنى سبعة أوجه مختلفة، ومن أشهر القائلين بهذا ابن قتيبة في تفسيره لها، وأبو الفضل الرازي، وابن الجزري رحمهم الله تعالى-.
استبعاد أن تكون الأحرف السبعة محض لهجات:
والقول بأنها ليست محض لغات (لهجات) له وجاهته؛ إذ التيسير المتكأ عليه في كونها كذلك منخرم بأمور:
١- أن من القراات التي ترجع إلى الأحرف السبعة ما ليس بلغات.
٢- أن ذلك محكوم بالتلقي، فيلزم الثبات عليه مع التلقي، فيصعب التيسير المراد «١» .
٣- أن قبائل العجم أولى بهذه الحكمة من العرب، واشتد ابن حزم كعادته في الإنكار على من اتكأ على هذه الحكمة فقال: «كذب هؤلاء مرتين إحداهما على الله تعالى، والثانية على جميع الناس كذبا مفضوحا جهارا لا يخفى على أحد، أما كذبهم على الله فإخبارهم بأنه تعالى إنما جعله يقرأ على أحرف شتى لأجل صعوبة انتقال القبيلة إلى لغة غيرها فمن أخبرهم بها عن الله تعالى أنه من أجل ذلك حكم بما صح أنه تعالى حكم به ... وأما كذبهم على الناس فبالمشاهدة يدري كل أحد صعوبة القراءة على الأعجمي المسلم بلغة العرب التي بها نزل القران أشد مراما من صعوبة قراءة اليماني على لغة المضري والربعي على لغة القرشي» «٢» .
стр. 460
استبعاد القول بأن الأحرف السبعة مترادفات سبع:
وواضح من الأحاديث أن الأمر لم يتعلق بالمترادفات اللغوية حال وجودها في القران الكريم، وذلك لمعرفة عمر وغيره بالسور التي كان يقرؤها من أنكروا عليه، فلو كانت مترادفات لكثرت، ولما أنكروا؛ إذ تصبح سورا جديدة لا معروفة عند السامع.
والقائل بالترادف يعسر على الأمة ويقلب الحكمة، إذ الترادف مستلزم لحفظ الأصل، وإذا كان بعض من ذهب المذهب يقول: «والذي وقر في أفهام الصحابة أن ذلك لا يتأتى بالتشهي في انتقاء المترادفات، أو الاختيار الشخصي في تطويع القران للغة ... ولو قد كان ذلك لما قال كل من عمر وهشام حين تجادلا في الموضوع أقرأني النبي ﷺ ، بل المرجع الأول والأخير في ذلك» «١» ، فإن العسر يبلغ مبلغا كبيرا كما هو ظاهر.
وهذا كله حال تفسير الأحرف السبعة بالمترادفات، وهذا التفسير غير مرضي ولا متفق عليه.
المتبقي من الأحرف السبعة:
وبناء على اختلافهم في تحديد ماهية الأحرف السبعة اختلفوا في بقائها كلها، أو بقاء بعضها، فمنهم من ذهب إلى بقاء الأحرف السبعة برمتها كما يميل إليه ابن حزم «٢» ، ومنهم من ذهب إلى بقاء حرف واحد وذهاب ستة أحرف حيث يتحقق القران بواحد منها وهو موجود وذلك شاف كاف كما ذهب إليه الطبري.
стр. 461
والقول ببقاء ما يحتمله رسم المصحف وتناقلته القراات المتناقلة من الأحرف السبعة هو المتبقي وليس كل الأحرف السبعة، ولا حرفا واحدا هو الذي ارتضاه كثير من المحققين، ونكتفي بهذا في هذا الموضوع لكثرة من بحثه.
وأما العلاقة بين القراات المتناقلة والأحرف السبعة:
فالأحرف السبعة أساس لشرعية هذه القراات؛ إذ القراات من الأحرف السبعة، والعلماء مجمعون على ذلك، فالذي يعنينا من الأحرف السبعة أنها تعطي التأصيل الشرعي للقراات أي تكسبها المشروعية كما ظهر من ذكر النبي ﷺ لوصف الأحرف السبعة مع بيان مشروعية القراءة التي قرأ بها أحد المختصمين من الصحابة ولم يشذ عن هذا إلا الطبري تنظيرا لا تطبيقا، حيث ذهب إلى أن عثمان كتب المصحف على حرف واحد، فلما ورد عليه القراات المتناقلة قال: «فأما ما كان من اختلاف القراءة، في رفع حرف وجرّه ونصبه، وتسكين حرف وتحريكه ونقل حرف الى اخر، مع اتفاق الصورة» .
فمن معنى قول النبي ﷺ : «امرت أن أقرأ القران على سبعة أحرف بمعزل» «١» ، ولكنه قال عند التطبيق كلاما وصفه مكي بأنه نقض أيضا به مذهبه وذلك في كتاب القراات له: «كل ما صح عندنا من القراات أنه علمه رسول الله ﷺ لأمته من الأحرف السبعة التي أذن الله له، ولهم أن يقرؤا بها القران، ليس لنا أن نخطئ من قرأ به إذا كان موافقا لخط المصحف، فإن كان مخالفا لخط المصحف لم نقرأ به، ووقفنا عنه، وعن الكلام فيه» «٢» .
стр. 462
ولكن هل ترجع هذه القراات إلى حرف واحد ؟:
نسب القرطبي إلى كثير من أهل العلم أن هذه القراات راجعة إلى حرف واحد من تلك السبعة «١» ، ولكن القول بأن القراات المتناقلة ترجع إلى حرف واحد إما أن يكون مرادهم عدم وجود المترادفات؛ إذ الأحرف السبعة هي المترادفات عندهم، فبقي لفظ ... وذلك محض تخمين لا يرجع إلى أساس علمي عند النظر كما ظهر، وإما أن يريدوا شيئا ليس له معنى، ومن ثم فالكاتب يجزم أن نفي بقاء الأحرف السبعة، أو إثباته مجرد تخمين.
والأسلم أن يقال إنه بقي من الأحرف السبعة ما يحتمله رسم المصحف ويحكم به التلقي، ولا يؤثر ذلك على حقيقة حفظ القران، فالقران متحقق بأحدها، فالذي عليه المحققون أن الذي جمع في «المصحف هو المتفق على إنزاله، المقطوع به المكتوب بأمر النبي ﷺ ، وفيه بعض ما اختلفت فيه الأحرف السبعة لا جميعها» «٢» .
وعلى هذا فقد علمهم ﷺ أن القراات التي أقرأهم بها جزء مما تيسر من الأحرف السبعة «٣» .
كتابة المصحف على قراءة العامة في كل مصر:
وكتابة المصحف إنما كانت على قراءة العامة في كل مصر أرسل إليها مصحف، وعندما نقول قراءة العامة في كل مصر، فلا يتوهم أن كل مصر تختلف قراءته تماما عن المصر الاخر، بل القران متماثل وذلك مادي محسوس، ولكن
стр. 463
قراءة كل مصر تختلف عن غيرها اختلافا يسيرا في أمور محصورة مضبوطة كما سبق، فلا يهول في الاختلاف كأن كلا منهما كتاب متميز عن الاخر.
وقد زال المراء في قراات القران بنسخ المصاحف وتعميمها، ولكن ليس بجمع القران على قراءة واحدة، بل بإعطاء الشرعية للقراات المختلفة مادامت توافق خط المصحف بعد مجيئها تلقيا «١» ، وقد دفع ابن حزم ذلك دفعا شديدا، وقال بعض المحققين: المراد بكون عثمان ﵁ جمع الناس على حرف واحد هي واحدة جنسية لا نوعية، أي لا أنه أخذ حرفا واحدا وترك بقية الحروف «٢» .
ثم وجد الكاتب أن بعض كبار المحققين المعاصرين ارتضى الرأي ذاته في سبب نسخ المصاحف حيث قال: «وفى رأينا أن نشر القران بعناية عثمان كان لهدفين:
أولهما أن إضفاء صفة الشرعية على القراات المختلفة- التي كانت تدخل في إطار النص المدون، ولها أصل نبوي مجمع عليه- وحمايتها، فيه منع لوقوع أي شجار بين المسلمين بشأنها.
وثانيهما باستبعاد ما لا يتطابق تطابقا مطلقا مع النص الأصلي، وقاية المسلمين من الوقوع في انشقاق خطير فيما بينهم، وحماية للنص ذاته من أي تحريف نتيجة إدخال بعض العبارات المختلف عليها نوعا ما، أو أي شروح يكون الأفراد قد اضافوها لمصاحفهم بحسن نية» «٣» .
стр. 464
معنى قولهم قرأ بحرف فلان:
ومن نافلة القول التأكيد على أن القراات السبع ليس هي الأحرف السبعة الواردة في الحديث فأما قول الناس: «قرأ فلان بالأحرف السبعة، فمعناه أن قراءة كل إمام تسمى حرفا، كما يقال: قرأ بحرف نافع، وبحرف أبي وبحرف ابن مسعود. وكذلك قراءة كل إمام تسمى حرفا، فهي أكثر من سبعمائة حرف لو عددنا الأئمة الذين نقلت عنهم القراءة من الصحابة فمن بعدهم» «١» .
وبناء على ما تقدم من العلاقة بين القراات والأحرف السبعة:
أفأقرأهم النبي ﷺ بتخفيف الهمز والأوجه الواردة فيها أم كانت سنة تقريرية؟:
الجواب: هذا يعود إلى ما تقدم في أصول التجويد، وأول أصوله: اللغة العربية ... والهمز أو تخفيفه لغتان مشهورتان عند العرب، واللغة الحجازية بالتخفيف لا بالتحقيق ...
فاستبعاد القراءة بالتخفيف كاستبعاد نطق الهمز، كاستبعاد النطق بأي حرف عربي ... وهذا خلف غريب من القول ... نتج عن الخلط بين مناهج العلوم، وبين منهج علم الإقراء ومنهج علم الحديث على الخصوص.
ونقل القرافي في الذخيرة أنه تستحب القراءة بتسهيل الهمزة لأن ذلك لغة النبي ﷺ ؛ لأن العلماء اجمعوا على أن لغة النبي ﷺ لغة قريش ولغة قريش عدم تحقيق الهمز فيكون ذلك لغة النبي ﷺ صحيح «٢» .
стр. 465
وأما الأوجه المتعددة فهي أوجه لغوية صرفة: وفيها التوسعة لعدم النص على وجه بعينه، وإن كان النبي ﷺ لا ريب قد أقرأ بأوجه في ذلك بحسب المنهج القرائي.
وقد يسأل: أدخل الاجتهاد في القراءة باتباع الرسم المصحفي في قراءة حمزة عند الوقف على الهمز؟
والجواب: قول الشاطبي:
وقد رووا أنه بالخط كان مسهلا ففي اليا يلي والواو والحذف رسمه «١» .
«يريد أن بعض أهل الأداء رووا عن حمزة أنه كان يتبع في الوقف على الهمز رسم المصاحف العثمانية الصحيحة، وقيد ذلك الداني والناظم وجماعة من المتأخرين بشرط صحته في العربية، فتبدل الهمزة بذلك الشرط بما صورت به، فما صورت ألفا تبدل ألفا، وما صورت واوا تبدل واوا، وما صورت ياء تبدل ياء، وما لم تصور تحذف» «٢» ، وكل ذلك بشرط الصحة لغة، ولذا أنكر ابن الجزري موافقة الرسم دون الصحة في اللغة «٣» ، وحصر أهل العلم الكلمات التي جاز فيها ذلك «٤» .
ولفقه الصحابة لذلك لم يضعوا للهمزة صورة بعينها في رسم المصحف؛ إذ «كل الحروف المذكورة له صورة في الخط يعرف الحرف بها اصطلاحا متفقا عليه،
стр. 466
لا تتغير تلك الصورة، إلا الهمزة فإنها لا صورة لها تعرف بها، وإنما يستعار لها صورة غيرها، فمرة يستعار لها صورة الألف، ومرة صورة الواو، ومرة صورة الياء، ومرة لا تكون لها صورة» «١» ، وذلك كله قائم على أساس أن الصحابة كتبوا المصحف على الظاهرة اللغوية «٢» .
القراءة بالقياس (بالاجتهاد) :
وهنا ترد مسألة القراءة بالقياس، إذ لما كان اعتماد القراء على نقل القراءة خاصة أجمعوا على منعها بالقياس المطلق وهو الذي ليس له أصل في القراءة يرجع إليه ولا ركن وثيق في الأداء يعتمد عليه، وتقدمت قاعدة التوقيف في القراءة، وأن القراءة سنة متبعة «فاقرأوا كما علمتم» ، وإن كان القياس على إجماع انعقد، أو أصل يعتمد فيصار إليه عند عدم النص وغموض وجه الأداء؛ فإنه مما يسوغ قبوله ولا ينبغي رده لا سيما إذا دعت الضرورة (ومست الحاجة إليه) ، (ومما يقوي وجه الترجيح ويعين على وجه التصحيح) ، بل لا يسمى ما كان كذلك قياسا على الوجه الاصطلاحي، (بل هو في التحقيق) «نسبة جزئي إلى كلي كمثل ما اختير في تخفيف بعض الهمزات» «٣» .
ولهذا التفصيل فقد نفى الشاطبي- رحمه الله تعالى- القياس المطلق بقوله:
وما لقياس في القراءة مدخل ... فدونك ما فيه الرضا متكفلا «٤»
стр. 467
ولكنه أثبت القياس المقيد بقوله: فاقتس لتنضلا «١»
كما يدخل القياس (الاجتهاد) كثيرا في الوقف اصطحابا للمعنى والوجه النحوي، ومما يظهر ذلك اختلاف النحاة والقراء تبع لهم في الوقف على كلا ونعم وبلى، ولما أراد مكي بن أبي طالب بيان اختياره في ذلك قال: «فهذا الذي ذكرنا، هو الذي عليه أهل المعاني من النحويين، والحذاق من القراء، وهو الاختيار عندنا، وبه اخذ» «٢» .
وهل أقرأ النبي ﷺ بالإمالة ؟.
والجواب: اختلف في أصالة الإمالة والفتح وفرعيته في اللغة العربية «٣» ، حتى كان اضطراب أقوال الأقدمين من القراء والنحاة في أصالة الفتح أو الإمالة دليلا على أنهم أدركوا أن الإمالة أحيانا تكون لها الأصالة «٤» ، والقول بأصالة الإمالة يتفق مع المخطوطات الكوفية القديمة للخطوط العربية حيث كتبت الألف في رمى مثلا (ى) ، «وليس هناك من تعليل لهذه الظاهرة إلا قدم نطق رمى بالإمالة» «٥» .
وأشهر من رويت عنه الإمالة من القراء: حمزة والكسائي، وعاصم من رواية شعبة، وأبو عمرو فأما حمزة فسنده إلى على بن أبي طالب سند كله شيوخ كوفيون، والكوفة نزل بها رجال من قبيلة أسد التي اشتهرت بالإمالة، وأفرادها يقرؤن القران بلهجتهم في الإمالة.
стр. 468
وأما الكسائي فكان مولى هؤلاء الأسديين وربيبهم فهذا سبب إكثار حمزة والكسائي من الإمالة، إذ كان ذلك- في جماع من القول- «بهدى من شيوخهما الذين عنهم يقران، وبيئتهما التي كانا فيها يضطربان ويعيشان» «١» ، وقد قيل للكسائي: إنك تميل ما قبل هاء التأنيث فقال: هذا طباع العربية.
وأما عاصم فقرأ على شيخين كبيرين: على أبي عبد الرحمن السلمي عن علي، وهو يؤثر الفتح، وأقرأ قراءته هذه لحفص، والاخر هو زر بن حبيش عن ابن مسعود، ويؤثر عنه الإمالة، وأقرأ قراءته هذه لشعبة «٢» ... وعلى ما ذكرنا عن هؤلاء القراء تعليل ظهور الإمالة عند غيرهم.
والإمالة في هاء التأنيث وما شابهها من نحو (همزة، ولمزة، وخليفة، وبصيرة) هي لغة الناس اليوم والجارية على ألسنتهم في أكثر البلاد شرقا وغربا وشاما ومصرا لا يحسنون غيرها ولا ينطقون بسواها يرون ذلك أخف على لسانهم وأسهل في طباعهم وقد حكاها سيبويه عن العرب «٣» .
فلا يرد هذا السؤال: هل كان النبي ﷺ يقرأ بالإمالة.. «٤» . أصلا لأنه سؤال عن صفة ذاتية للحرف عند قطاع عريض من العرب الفصحاء، وقد ورد عن «إبراهيم النخعي قال: كانوا يرون أن الألف والياء في القراءة سواء يعني بالألف والياء والتفخيم والإمالة فدل ذلك دلالة قاطعة على تساوي اللغتين وأنهما عند كل الصحابة رضوان الله عليهم في الفشو والاستعمال سواء، فلا وجه لاختيار شيء من ذلك وتفضيله على الاخر» «٥» .
стр. 469
وأما ما ورد عن زيد بن ثابت أن النبي ﷺ قال أنزل القران بالتفخيم كهيئة الطير عذرا أو نذرا والصدفين ألا له الخلق والأمر وأشباهها «١» ، فهو- حال صحته- قد بين المعنى وأن المراد بالتفخيم المعنوي ولذا أدخل قوله : أَلا لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ (الأعراف: ٥٤) ، وليس المراد تحريك السواكن دون سكونها، ولا الفتح دون الإمالة.
وكل ما سبق أمثلة لما يستنكره بعضهم اليوم ويستوحشون من وجوده في القراات، والمرء عدو ما جهل ... ويقاس عليه ما لم يذكر كصلة ميم الجمع.. وفي الأصل تفصيل كثير في هذا الباب.
وأما كراهة الإمام أحمد- رحمه الله تعالى- لبعض القراات:
فهي كراهة قلبية وليس تحريما أصليا لعدم شيوع ما سمع على لسانه في عصره، وذلك كما يميل البعض إلى قراءة دون قراءة «وأثنى أحمد على قراءة أبي عمرو غير أنه كره إدغامه الكبير ... » «٢» ، «ونقل عن أحمد أنه كان يختار قراءة نافع من طريق إسماعيل بن جعفر، قال: فإن لم يكن فقراءة عاصم من طريق أبي بكر بن بكر بن عياش، وأثنى على قراءة أبي عمرو بن العلاء، ولم يكره قراءة أحد من العشر إلا قراءة حمزة والكسائي لما فيها من الكسر الإدغام والتكلف وزيادة المد، قال الأثرم: قلت لأبي عبد الله إمام كان يصلي بقراءة حمزة أصلي خلفه قال: لا يبلغ به هذا كله ولكنها لا تعجبني قراءة حمزة» «٣» ، ويعود الإعجاب وعدمه هنا إلى التفضيل القلبي، والصحيح جوازه ولذا قال سويد: مضيت أنا
стр. 470
وأحمد بن رافع إلى أحمد بن حنبل ﵀ فقال: ما حاجتكما؟ قلنا: نحن نقرأ قراءة حمزة وبلغنا أنك تكره قراءته، فقال أحمد ﵀: حمزة قد كان من العلم بموضع، ولكن لو قرأتم بحرف نافع وعاصم، فدعونا له وخرجنا وخرج معنا الفضل بن زياد، فقال لنا: إني لا أصلي به وأقرأ قراءة حمزة، فما نهاني عن شيء منها قط «١» ، وحمزة هو الذي صار عظم أهل الكوفة إلى قراءته من غير أن تطبق عليه جماعتهم ... ودرس سفيان على حمزة القران أربع دراسات، وسفيان هنا هو الثوري وهو من هو فقها «٢» ...
وعلى الرغم من تفضيل أحمد لقراءة عاصم إلا أن عاصما قد وصف في ترجمته بما ينسب لحمزة، فعن شريك قال: كان عاصم صاحب همز ومد وقراءة شديدة «٣» ، فما عابه على حمزة هو فيمن فضله، وإنما كان حمزة يفعل ذلك تعليما للمبتدئ ليأخذهم بالتأني والترتيل، وينهاهم مع ذلك عن تجاوز الحد.
وقال محمد بن الهيثم النخعي: صليت خلف حمزة ﵀ فكان لا يمد في الصلاة ذلك المد الشديد، ولا يهمز الهمز الشديد.
وقال سليم: قال حمزة: ترك الهمز في المحاريب من الأستاذية، وحمزة يقول في مسألة الهمز والسكت: إنا جعلنا هذا التحقيق ليستمر عليه المتعلم «٤» .
стр. 471
ملحوظات هامة:
أولا: أصل المد هو المتواتر القراني:
أصل المد، أو اصل الإمالة أو أصل الغنة ينتمي إلى التواتر القراني لأنه جزء من الصوت الأساسي للكلمة، بخلاف التفصيل الدقيق فينتمي إلى التواتر القرائي، وقد يتساهل في أمره، ولذلك اختلفت فيه كتب القراات، ونظير ذلك الأوجه الجائزة في تخفيفات الهمز.
ثانيا: لا يقرأ بكل ما في الكتب الضابطة لعلم القراات:
بل فيها ما ينتمي إلى الشواذ «١» ... ولكن المعالم الكبرى لجمهرة التفصيلات في مسائل القراات متفق عليها بين هذه الكتب، فقد تختلف هذه الكتب في ترقيق راء في بضعة كلمات ولكنها متفقة في جمهرة تفاصيل الترقيق والتفخيم، وهي تفاصيل لا تؤثر بحال على الصوت الأساسي للكلمة، ولا على تواتره، ولا على معناه ... ومن اللافت للنظر أن التفاصيل المختلف فيها تنتمي غالبا للغات العربية (اللهجات) ولا تخرج عنها. وإذا كانت كتب القراات المتخصصة لا يقرأ بكل ما فيها، فكيف بما ورد في ثنايا كتب الحديث أو التفسير أو الحديث؟.
ثالثا: علم التحرير يضبط الجائز من الأوجه المتعددة السائغة في اللغة فيما هو موغل في تفصيلات النطق بالحروف:
الأوجه المتعددة والتي استخرجها علم (تحرير القراات) تنتمي إلى السنة التقريرية في القراءة على أوجه اللغة العربية مما يدخل في القياس المقيد الجائز في
стр. 472
علم القراات، ولكن علم التحرير ضبط السائغ في اللغة العربية مما ورد عن الرواة وأهل الأداء منها، وليست العملية خاضعة للضرب الحسابي على نحو ما يظهر في شرح ابن القاصح للشاطبية «١» ، وقد بين صاحب غيث النفع ضرورة ذلك واتخذه منهجا له فقال: «ماشيا في جميع ذلك على طريقة المحققين كالشيخ العلامة أبي الخير محمد بن محمد الجزري الحافظ ﵀ من تحرير الطرق، وعدم القراءة بما شذ، وبما لا يوجد كما يفعله كثير من المتساهلين القارئين بما يقتضيه الضرب الحسابي؛ فإن ذلك غير مخلص عند الله ، وكان شيخنا ﵀ يحذرني من ذلك كثيرا ويقول ما معناه إياك أن تميل إلى الراحة والبطالة وتقرأ كتاب الله بما يقتضيه الضرب الحسابي كما يفعله أهل الكسل» «٢» على أن هذه الأوجه كلها أوجه تصويتية وليست إبدالا لكلمة مكان أخرى، بل الخلاف بينها داخلي في تخفيف حرف أو طروء أنواع التغيير الصوتي الداخلي عليه هو لا غيره مما يخضع لقواعد العربية كتبادل الفتح والإمالة الصغرى والكبرى على الألف ...
المطلب الرابع: القراءة التفسيرية:
هي التي وردت في ثنايا كلام السلف أثناء قراءتهم للقران في وعظ أو في مجلس تفسير، أو علم، دون فاصل بين ما هو من القران وما هو من كلامهم فيتوهم السامع أنه قراءة، وليس كذلك وهذا النوع يشبه الحديث المدرج، فتسمية الحديث المدرج بالحديث فيه تجوز كبير، وكذلك تسمية هذا النوع بالقراءة.
стр. 473
أصل القراءة التفسيرية:
كان النبي ﷺ قد منع من كتابة غير القران معه كما فصل الباحث، ثم أذن لهم بعد ذلك، امرا لهم بأن يخلصوا القران ثم أطلق الإذن لهم، وبعد أن أذن لهم بكتابة غير القران معه ربما ترخصوا فكتبوا التفسير الذي سمعوه من النبي ﷺ أو استنبطوه بما دل على الجزم به عندهم، فيعدها من لا يعلم قراءة وهما كما جاء عن أبي يونس مولى عائشة- رضي الله تعالى عنها- أنه قال: أمرتني عائشة أن أكتب لها مصحفا وقالت إذا بلغت هذه الاية فاذني حافظوا على الصلوات والصلاة الوسطى فلما بلغتها اذنتها فأملت علي حافظوا على الصلوات والصلاة الوسطى وصلاة العصر وقوموا لله قانتين قالت عائشة سمعتها من رسول الله ﷺ «١» ، فما الذي سمعته أيقرأ تلاوة أم يقرأ قراءة تفسير؟ ويدل لذلك اختلاف الألفاظ بين الصحابة فقد جاء هذا الحديث عن البراء ابن عازب قال: نزلت هذه الاية حافظوا على الصلوات وصلاة العصر فقرأناها ما شاء الله ثم نسخها الله فنزلت حافظوا على الصلوات والصلاة الوسطى فقال رجل كان جالسا عند شقيق له: هي إذن صلاة العصر؟ فقال البراء: قد أخبرتك كيف نزلت وكيف نسخها «٢» ، ومثله عن عمرو بن رافع مولى عمر بن الخطاب حدثهما أنه كان يكتب المصاحف في عهد أزواج النبي ﷺ قال: فاستكتبتني حفصة مصحفا وقالت إذا بلغت هذه الاية من سورة البقرة فلا تكتبها حتى تأتيني بها فأملها عليك كما حفظتها من رسول الله ﷺ قال فلما بلغتها جئتها بالورقة التي أكتبها فقالت اكتب حافظوا على الصلوات والصلاة
стр. 474
الوسطى وصلاة العصر وقوموا لله قانتين «١» ، وفي لفظ: أن حفصة أمرت مولى لها أن يكتب لها مصحفا فقالت: إذا بلغت هذه الاية حافظوا على الصلوات والصلاة الوسطى فلا تكتبها حتى أمليها عليك كما سمعت رسول الله ﷺ يقرؤها فلما بلغتها أمرته فكتبها حافظوا على الصلوات والصلاة الوسطى وصلاة العصر وقوموا لله قانتين «٢» ... واختلاف ألفاظ الروايات وعدم استقرارها يوضح تمام التوضيح أنها قراات تفسير، ويشبه ذلك قوله ﷺ يوم الأحزاب:
«شغلونا عن الصلاة الوسطى صلاة العصر ملأ الله بيوتهم وقبورهم نارا» «٣» .
فبالتأمل يظهر للباحث المتجرد على أن كلام أمهات المؤمنين يراد به التفسير اختلاف ألفاظ الروايات في إثبات تفسير الصلاة الوسطى فيكون معنى قولهن سمعتها من رسول الله ﷺ أي التفسير عند قراءة الاية، وليس الترتيل بقراءتها ضمن الاية، وحكمها في الأخير حكم المرفوع أو الموقوف من الأحاديث بحسب كل، ويدل على ذلك دلالة لا شبهة فيها رواية: صلاة الوسطى صلاة العصر «٤» ، وهذا لفظ التفسير كما هو ظاهر، ويؤيده ما رواه أبو عبيد بإسناد صحيح عن ابن عباس ﵄ أنه كان يقرؤها حافظوا على الصلوات والصلاة الوسطى صلاة العصر بغير واو «٥» .
ويوضح هذه المسألة أكثر:
أن الصحابة ﵃ كانوا يتجوزون في ذكر أن كذا من القران مع بقاء حدوده اللفظية واضحة كما في حديث عبد الله بن مسعود ﵁ قال: لعن الله الواشمات
стр. 475
والمستوشمات والنامصات والمتنمصات والمتفلجات للحسن المغيرات خلق الله قال فبلغ ذلك امرأة من بني أسد يقال لها أم يعقوب وكانت تقرأ القران فأتته فقالت ما حديث بلغني عنك أنك لعنت الواشمات والمستوشمات والمتنمصات والمتفلجات للحسن المغيرات خلق الله فقال عبد الله وما لي لا ألعن من لعن رسول الله ﷺ وهو في كتاب الله ... الحديث «١» .
ولأن القراءة الشاذة- في الغالب- تكون تفسيرا للقراءة المشهورة ... سميت قراءة هنا مجازا: كما قال أبو عبيد في الفضائل: «القصد من الشاذة تفسير المشهورة وتبيين معانيها كقراءة عائشة وحفصة: والصلاة الوسطى صلاة العصر» «٢» .
ومثل ذلك ما قرره الغزالي- رحمه الله تعالى- في المنسوب إلى ابن مسعود من قراءة فصيام ثلاثة أيام متتابعات حيث قال: «تحمل على أنه ذكرها في معرض البيان لما اعتقده مذهبا فلعله اعتقد التتابع حملا لهذا المطلق على المقيد بالتتابع في الظهار» «٣» ، وحملوا جميع ما جاء من الروايات مخالفا لخط المصحف إذا تيقنت صحنه على وجه التفسير، لا أنه من التلاوة «٤» .
وجعل السيوطي هذا النوع شبيها بالحديث المدرج فقال:
«وظهر لي سادس يشبهه من أنواع الحديث المدرج وهو ما زيد في القراات على وجه التفسير كقراءة سعد بن أبي وقاص وله أخ أو أخت من أم أخرجها سعيد بن منصور» «٥» .
стр. 476
وأبرز مثال يمكن اصطحابه هنا لتقريب هذا الموضوع:
ما جاء في حديث أبي سفيان عن ما حدث بينه وبين هرقل؛ إذ فيه أن النبي ﷺ قال لهرقل: «فإني أدعوك بدعاية الإسلام أسلم تسلم يؤتك الله أجرك مرتين فإن توليت فإن عليك إثم الأريسيين قُلْ يا أَهْلَ الْكِتابِ تَعالَوْا إِلى كَلِمَةٍ سَواءٍ بَيْنَنا وَبَيْنَكُمْ أَلَّا نَعْبُدَ إِلَّا اللَّهَ وَلا نُشْرِكَ بِهِ شَيْئاً وَلا يَتَّخِذَ بَعْضُنا بَعْضاً أَرْباباً مِنْ دُونِ اللَّهِ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَقُولُوا اشْهَدُوا بِأَنَّا مُسْلِمُونَ (٦٤) (ال عمران: ٦٤) «١» ، فالواو هنا حكم عليها بأنها زيادة على الاية سابقا خضوعا لمنهج التواتر القراني؛ إذ وقعت (ويا أهل الكتاب الخ) هكذا بإثبات الواو في أوله، كأنها داخلة على مقدر معطوف على قوله أدعوك فالتقدير أدعوك بدعاية الإسلام وأقول لك ولاتباعك امتثالا لقول الله تعالى يا أهل الكتاب.. «٢» ..
ولذا قال مجاهد- رحمه الله تعالى-:
«لو كنت قرأت قراءة ابن مسعود لم أحتج أن أسأل ابن عباس عن كثير من القران مما سألت» «٣» ، وكلام مجاهد هنا يدل دلالة واضحة على أن «القراات الشاذة» التي تنسب إلى مصحف ابن مسعود تفسير من ابن مسعود وليست بقراءة قرانية.
ومثال ذلك ما روي عن ابن عباس ﵄: «ليس عليكم جناح أن تبتغوا فضلا من ربكم في مواسم الحج مع نظائر لهذه الحروف كثيرة» «٤» ، وقرر ابن حزم
стр. 477
- رحمه الله تعالى- قاعدة جامعة لمثل هذه المواضع فقال: «كل ما ورد من قراءة خلاف المتلقى فهو تفسير أو نحو ذلك أو كذب» «١» .
بدهية القراات التفسيرية:
ولأن القراات التفسيرية معروفة معلومة صارت بديهية في كلام كثير من أهل العلم، وفيها قالوا:
والسبعة القراء ما قد نقلوا بغيره ... فمتواتر، وليس يعمل
في الحكم ما لم يجر ... مجرى التفاسير، وإلا فادر
قولين إن عارضها المرفوع ... قدمه. ذا القول هو المسموع «٢»
ولذا طبع في نفوس المسلمين أن كتاب الله لم يشب أي لم تخالطه شائبة من قول بشر كما حدث في كتب اليهود والنصارى- فهو ما بين الدفتين لا ويادة ولا نقصان- فعن عبد الله بن عبّاس قال: يا معشر المسلمين كيف تسألون أهل الكتاب وكتابكم الّذي أنزل على نبيّه ﷺ أحدث الأخبار بالله تقرؤنه لم يشب.. «٣» ..
стр. 478
المطلب الخامس: القراءة بالمعنى:
أصل القول بذلك: يعود القول بجواز القراءة بالمعنى إلى:
١- اطّراح المنهج القرائي في ثبوت اللفظ القراني، وهذا كاف عما بعده؛ إذ كيف يتأتى القول بجواز القراءة بالمعنى مع كل ما تقدم مما يدل على أن التوقيفية والتلقي هو المنهج القرائي لا غير؟.
٢- الاستدلال بأدلة لا أصل لها أو بأدلة ضعيفة.
٣- الاستدلال بأدلة صحيحة توهم ذلك، مع أن حقيقتها غير ذلك ...
وكل الأدلة خارج نطاق المنهج القراني والقرائي، وتشبث بها المستشرقون «ليؤكدوا أن نظرية القراءة بالمعنى كانت بلا ريب أخطر نظرية في الحياة الإسلامية لأنها أسلمت النص القراني إلى هوى كل شخص يثبته على هواه» «١» .
الأدلة التي اعتمدوها على القول بجواز القراءة بالمعنى:
أولا: بتأويل الأحرف السبعة بمترادفات سبع بحسب اللغات:
وأيدوا قولهم هذا ببعض الروايات منها: منها: ما جاء عن أبي بن كعب ﵁ قال النبي ﷺ : ... حتى بلغ سبعة أحرف قال ليس فيها إلا شاف كاف قلت غفور رحيم عليم حكيم سميع عليم عزيز حكيم نحو هذا ما لم يختم اية عذاب برحمة أو رحمة بعذاب «٢» ، ومثله عن أبي بكرة ﵁ أن جبريل ﵇ قال: كل شاف كاف ما لم يختم اية عذاب برحمة أو رحمة بعذاب نحو قولك تعال وأقبل وهلم واذهب وأسرع واعجل «٣» ، ونحو ذلك من الروايات.
стр. 479
الجواب على الاستدلال بهذه الروايات وأمثالها:
١- ليس في ذلك دليل ظاهر على الدعوى؛ إذ غاية ما فيها أنها مثلت الجواز في تعدد القراات، وعدم تضارب المعاني على الرغم من ذلك بهذين المثالين، فقوله: «سميعا عليما وغفورا رحيما ... » ونحو ذلك «أراد به ضرب المثل للحروف التي نزل القران عليها أنها معان متفق مفهومها مختلف مسموعها لا تكون في شيء منها معنى وضده ولا وجه يخالف وجها خلافا ينفيه» «١» .
٢- وقرر القرطبي ذلك أيضا نقلا عن ابن الأنباري فقال: «هذا الحديث يوجب أن القراات المأثورة المنقولة بالأسانيد الصحاح عن النبي ﷺ إذا اختلفت ألفاظها واتفقت معانيها كان ذلك فيها بمنزلة الخلاف في هلم وتعال وأقبل فأما ما لم يقرأ به النبي ﷺ وأصحابه وتابعوهم ﵃ فإنه من أورد حرفا منه في القران بهت ومال وخرج من مذهب الصواب» «٢» .
٣- كما أن لهذا الحديث مدلولا اخر يتصل بعدم الغلو والتنطع في الإقراء، ويدل على التسامح وعدم الفزع عند وقوع الخطأ في اللفظ القراني أو في أدائه، ومثل ذلك ما روي عن عبد الله ابن مسعود ﵁: ليس الخطأ أن تقرأ بعض القران في بعض ولا أن تختم اية «غفور رحيم» «بعليم حكيم» أو «بعزيز حكيم» ولكن الخطأ أن تقرأ ما ليس فيه أو تختم اية رحمة باية عذاب «٣» ، ولعل هذا يتكلم عن الوقوع لا عن الجواز ابتداء، ولذا تكلم العلماء على الوقوع المفسد «٤» وأن ضابطه تغير المعنى ...
стр. 480
٤- وهذا ما قرره ابن مسعود ذاته عندما أراد أن يوضح أن الاختلاف اللفظي بين الأحرف السبعة لا يؤدي إلى التناقض فقال: «واعتبروا ذاك بقول أحدكم لصاحبه كذب وفجر وبقوله إذا صدقه صدقت وبررت إن هذا القران لا يختلف ولا يستشنى ولا يتفه لكثرة الرد فمن قرأه على حرف فلا يدعه رغبة عنه» ، وبين لهم ضرورة التوقيفية فقال: «إن هذا القران أنزل على حروف والله إن كان الرجلان ليختصمان أشد ما اختصما في شيء قط فإذا قال القاري هذا أقرأني قال أحسنت وإذا قال الاخر قال كلاكما محسن ... » «١» .
ولذا قال ابن تيمية: «وأما من قال عن ابن مسعود أنه كان يجوز القراءة بالمعنى فقد كذب عليه، وإنما قال قد نظرت إلى القراء فرأيت قراءتهم متقاربة، وإنما هو كقول أحدكم أقبل وهلم وتعال فاقرؤوا كما علمتم» «٢» ، وبين الجزري عذره- إن صح ما نقل عنه- فقال: «وأما من يقول إن بعض الصحابة كابن مسعود كان يجيز القراءة بالمعنى فقد كذب ... نعم كانوا ربما يدخلون التفسير في القراءة إيضاحا وبيانا لأنهم محققون لما تلقوه عن النبي ﷺ قرانا فهم امنون من الالتباس وربما كان بعضهم يكتبه معه لكن ابن مسعود ﵁ كان يكره ذلك ويمنع منه» «٣» .
٥- وقال ابن عطية: «لم تقع الإباحة في قوله ﵇: «فاقرؤا ما تيسر منه» بأن يكون كل واحد من الصحابة إذا أراد أن يبدل اللفظة من بعض هذه اللغات جعلها من تلقاء نفسه، ولو كان هذا لذهب إعجاز القران ... وإنما وقعت
стр. 481
الإباحة في الحروف السبعة للنبي ﷺ ليوسع بها على أمته فأقرأ مرة لأبي بما عارضه به جبريل ومرة لابن مسعود بما عارضه به أيضا ... » «١» .
٦- حتى من مال إلى تفسير الأحرف السبعة بالمترادفات فإنه يقرر أن:
«الإباحة المذكورة لم تقع بالتشهي أي أن كل أحد يغير الكلمة بمرادفها في لغته بل المراعى في ذلك السماع من النبي ﷺ ويشير إلى ذلك قول كل من عمر وهشام:
أقرأني النبي ﷺ » «٢» .
ثانيا: واستدلوا بما ورد: عن أبي الدرداء:
أنه أقرأ رجلا إِنَّ شَجَرَةَ الزَّقُّومِ (٤٣) طَعامُ الْأَثِيمِ (الدخان: ٤٣- ٤٤) فقال الرجل: طعام اليتيم فقال أبو الدرداء: الفاجر «٣» ، والظاهر أن الرجل قال طعام اليثيم بالثاء كما في مقدمة المباني والحاكم وتصحفت- وذلك ظاهر- ولكن ما كان لأبي الدرداء أن يضيق من قلب الهمزة ياء، وذلك وارد في العربية، قريب استعماله في قراات بعض القراات المتناقلة كحمزة- وإن كان يسهلها ولا يقلبها-، فيترجح أن الرد لا ليقرأ بل هو تفسير ليدرك المعنى، وهذا واضح.
ومثل ذلك يقال فيما روي عن ابن مسعود أقرأ رجلا طعام الأثيم فلم يفهمها؛ فقال له: طعام الفاجر، ويزاد بأن بعض الناس رووها قراءة وليست كذلك، على حد تعبير ابن العربي: «فجعلها النّاس قراءة» «٤» ، وأما ما ورد عن مالك فالصحيح أن المنقول عنه: «أنّه لا يقرأ في الصّلاة بما يروى عن ابن مسعود. وقال ابن شعبان: لم
стр. 482
يختلف قول مالك إنّه لا يصلّى بقراءة ابن مسعود فإنّه من صلّى بها أعاد صلاته؛ لأنّه كان يقرأ بالتّفسير» «١» ومن أبرز أدلة عدم كونها قراءة أنها «لو صحّت قراءته لكانت القراءة بها سنّة، ولكنّ النّاس أضافوا إليه ما لم يصحّ عنه؛ فلذلك قال مالك: لا يقرأ بما يذكر عن ابن مسعود، والّذي صحّ عنه ما في المصحف الأصليّ» «٢» .
وقال بعضهم: «باب الحجة في الصلاة بقراءة ابن مسعود وأبي وغيرهما ممن أثني على قراءته» «٣» ، واحتج لذلك بنحو حديث: «خذوا القران من أربعة من ابن أم عبد فبدأ به ومعاذ بن جبل وأبي بن كعب وسالم مولى أبي حذيفة» «٤» .
فهذه حجة مؤكدة على أخذ القراءة من ابن مسعود كما سبق على هيئة تفصيلية أكثر، ولكن ما هي قراءة ابن مسعود: أهي ما يتناقله القراء عبر منهج التلقي الصارم أم ما تتضمنه بعض الروايات الحديثية من نفي للمعوذتين ونحوها؟
والجواب ظاهر، وهل قراءة الناس في العراق إلا عن ابن مسعود ولكننا نقرأ المتناقل المتلقى عنه لا ما أورد على خلاف متهج التلقي القراني، على أن حرف عبد الله الصحيح أنه موافق لمصحفنا يدلك على ذلك أن أبا بكر بن عياش قال:
قرأت على عاصم، وقرأ عاصم على زر، وقرأ زر على عبد الله.
ثالثا: ومما قد يستدلون به:
ما روي عن الأعمش قال سمعت أنس بن مالك يقول في قول الله وأقوم قيلا قال وأصدق فقيل له إنها تقرأ وأقوم فقال: أقوم وأصدق
стр. 483
واخذ «١» ، والجواب: أن هذا كالسابق فإنما كان يقرؤها تفسيرا لا قراءة، ولعل الأعمش فهم ذلك حيث قال سمعت أنس بن مالك يقول في قول الله وأقوم قيلا ... لم يقل قرأها كذا، أو تلاها فأراد التفسير كما ذكر ذلك ابن كثير «٢» .
القراءة بالمعنى تخالف حقيقة القران:
وكما أن القراءة بالمعنى تخالف منهج التلقي القراني، فكذلك تخالف ماهية القران: من حيث إنه كلام الله الذي لا يؤديه بشر إلا بلفظه، والقارئ بالمعنى يزعم أنه يحكيه بمعناه لا بلفظه.
وأنه معجز بالنظم، والقارئ بالمعنى يقرأ نظم بشر، وهذا من أوضح الأدلة على منع تغير اللفظ ففي «ذلك ما أبان أن نظم القران ليس من عند جبريل ولكنه من عند اللطيف الخبير» «٣» .
والقارئ بالمعنى يجعله كلام بشر، والقران يدفع ذلك وينفيه، وبجعل القارئ به مفتريا محتقبا إثما وزورا.
والقارئ بالمعنى يجعله غير محفوظ الألفاظ، والقران يمنع ذلك قُلْ ما يَكُونُ لِي أَنْ أُبَدِّلَهُ مِنْ تِلْقاءِ نَفْسِي إِنْ أَتَّبِعُ إِلَّا ما يُوحى إِلَيَّ (يونس: ١٥) ، وَلَوْ تَقَوَّلَ عَلَيْنا بَعْضَ الْأَقاوِيلِ (٤٤) لَأَخَذْنا مِنْهُ بِالْيَمِينِ (٤٥) ثُمَّ لَقَطَعْنا مِنْهُ الْوَتِينَ (الحاقة: ٤٤- ٤٦) ، والقران يجب ترتيله، والقارئ بالمعنى لا يلتزم لفظه فكيف يجب ترتيله؟.
стр. 484
والقران مكتوب كذلك في اللوح المحفوظ بَلْ هُوَ قُرْآنٌ مَجِيدٌ (٢١) فِي لَوْحٍ مَحْفُوظٍ (البروج: ٢١- ٢٢) والقراءة بالمعنى تجعله متعدد الجهات بما لا يحصى ...
قال أبو بكر الأنباري: «وقد ترامى ببعض هؤلاء الزائغين إلى أن قال من قرأ بحرف يوافق معنى حرف من القران فهو مصيب إذا لم يخالف معنى ولم يأت بغير ما أراد الله وقصد له ... ولا يلتفت إلى قائله لأنه لو قرأ بألفاظ تخالف ألفاظ القران إذا قاربت معانيها واشتملت على عامتها لجاز أن يقرأ في موضع الحمد لله رب العالمين الشكر للباري ملك المخلوقين ويتسع الأمر في هذا حتى يبطل لفظ جميع القران ويكون التالي له مفتريا على الله كاذبا على رسوله ﷺ » «١» .
والصحابة لم يكونوا يغيرون مواضع الايات، ولا يتركون اية قد وضح نسخ الحكم فيها فكيف هم فاعلون مع نصوص الايات ذاتها كما قال ابن الزّبير: قلت لعثمان ابن عفّان وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْواجاً قال: قد نسختها الاية الاخرى فلم تكتبها أو تدعها قال يا ابن أخي لا أغيّر شيئا منه من مكانه «٢» .
زيادة نقل عن بعض أهل العلم:
وسئل ابن الصلاح- رحمه الله تعالى- في مسألة القراءة بالمعنى فقال السائل:
أيجوز لقارئ أن يقرأ في كتاب الله تعالى مكان اتينا أعطينا وفتجسسوا فتخبروا وسولت زينب وأن يستبدل تاء القسم بواوه أو بائه وأن يقرأ مكان موسى موشى منقوطا على أصل العبرانية وأن يحرك الدال في قوله تعالى المص وكهيعص بإحدى الحركات الثلاث ... وما يجري هذا المجرى، وأن يقرأ القران علي المعنى أعني يستبدل كل كلمة شاء بلفظ اخر يفيد معناها؟.
стр. 485
فأجاب: «أما القراءة بمجرد المعنى من غير تقييد بنقل من ذاكره عن من تقدمه فذلك إفراط في الزيغ زائد وكان وقع (من) ابن شنبوذ وابن مقسم، ووثب عليهما بمر الإنكار أهل العلم بالقران، واستتيبا وكفا فليتق الله الجليل عظم جلاله ولا يستجرئ على كتابه فقد علم ما علم على المحرف له» «١» .
من قال بالقراءة بالمعنى يكفّر لتغييره كلام الله ﷻ :
ولذلك كله فإن الذي يقول بالقراءة بالمعنى يكفّر عند أهل العلم كما قال أبو بكر الأنباري: «فإذا قرأ قارئ تبت يدا أبي لهب وقد تب ما أغنى عنه ... في جيدها حبل من ليف فقد كذب على الله جل وعلا، وقوله ما لم يقل، وبدل كتابه، وحرفه وحاول ما قد حفظه منه، ومنع من اختلاطه به وفي هذا الذي أتاه توطئة الطريق لأهل الإلحاد ليدخلوا في القران ما يحلون به عرا الإسلام وينسبونه إلى قوم كهؤلاء القوم الذين أحالوا هذا بالأباطيل عليهم وفيه إبطال الإجماع الذي به يحرس الإسلام وبثباته تقام الصلوات وتؤدى الزكوات وتتحرى المتعبدات وفي قول الله تعالى: الر كِتابٌ أُحْكِمَتْ آياتُهُ دلالة على بدعة هذا الإنسان وخروجه إلى الكفر» «٢» .
الإشارة إلى ما وقع من ابن شنبوذ:
وقد ذكر ابن النديم في ترجمة ابن شنبوذ أن «اسمه محمد بن أحمد بن أيوب بن شنبوذ، وكان دينا فيه سلامة وحمق قال لي الشيخ أبو محمد يوسف بن الحسن السيرافي أيده الله عن أبيه أنه كان كثير اللحن قليل العلم، وقد روى قراات كثيرة
стр. 486
وله كتب مصنفة في ذلك وتوفي سنة ثمان وعشرين وثلثمائة في محبسه بدار السلطات، ومما كان يقرأ به: إذا نودي للصلاة من يوم الجمعة فامضوا إلى ذكر الله، وقرأ وكان أمامهم ملك يأخذ كل سفينة صالحة غصبا، وقرأ فلما خر تبينت الناس أن الجن لو كانوا يعلمون الغيب ما لبثوا حولا في العذاب المهين، وقرأ والليل إذا يغشى والنهار إذا تجلى والذكر والأنثى ...
ويقال أنه اعترف بذلك كله ثم استتيب وأخذ خطه بالتوبة فكتب يقول: أنا محمد بن أحمد بن أيوب قد كنت أقرأ حروفا تخالف مصحف عثمان المجمع عليه والذي اتفق أصحاب رسول الله ﷺ على قراءته ثم بان لي أن ذلك خطأ، وأنا منه تائب وعنه مقلع، والى الله جل اسمه منه بريء إذ كان مصحف عثمان هو الحق الذي لا يجوز خلافه ولا يقرأ غيره» «١» .
стр. 487
المبحث الثالث: المنهجية الشرعية لتناقل القران الكريم «التواتر في نقل ألفاظ القران» :
تمهيد:
وهذا المبحث من أجل المباحث، وقد عني به العلماء الأعلام عناية شديدة، وأفاضوا فيه كثيرا، إلا أنه قد وقع في عبارات كثير منهم اضطراب شديد، وذلك يرجع لعدة أسباب:
١- منها غموض معنى التواتر في حد ذاته حتى إنه عرضت فيه شبه لبعض الباحثين عنه جعلتهم حيارى في أمره.
٢- الخلط بين مناهج العلوم: حيث فهم بعضهم أن معنى التواتر القراني والتواتر القرائي هو معنى التواتر الحديثي تماما، وبناء على ذلك كرروا مصطلح (الأسانيد المتواترة) في بيان علم القران وعلم القراءة «١» ، وهذا فيه قصور شديد، ويسهل الاعتراض عليه تماما، ولذا قال الذهبي:
«ومن ادعى تواترها فقد كابر الحس» «٢» ، والمراد أنه إذا ادعى تواتر القراات بحسب التواتر الحديثي ...
٣- ومنها ظن بعضهم أن خبر الاحاد لا يفيد العلم، وإنما يفيد العلم الخبر المتواتر مع أن خبر الاحاد قد يفيد العلم، وذلك إن احتفت به قرائن توجب ذلك.
٤- ومنها: أن بعضهم حصر حصول اليقين بالتواتر الحديثي، ومن فعل ذلك فإنه يحجّم دائرة واسعة تجتمع فيها ركائز علمية كثيرة يحدث منها اليقين.
стр. 488
٥- ومنها اعتماد بعضهم على أخبار رويت في ذلك لقول بعض المحدثين فيها أخبار صحيحة الإسناد تطعن بطريق أو بأخرى في دقة وصول القراءة القرانية إلينا، مع أن الحكم بصحة الإسناد لا يقضي الحكم بصحة الخبر وهو أمر مقرر في علم أصول الأثر «١» .
٦- ومنها: عدم التفريق بين مراتب الأصوات في حروف القران، وهي:
أ- الفونيمات: وهي الأصوات الجامدة التي لا يعقل نطق الكلمة بدونها.
ب- الألفونات: وهي المصوتات (حروف المد واللين) في مرتبتها التي لا تعقل اللغة العربية بدونها، فلا تعقل العربية بدون شيء من المد الزائد عن الأصلي قبل الهمز والسكون ... فهذه لا يبحث عن تواترها لأنها من ذاتيات الحرف ومكوناته.
ج- التصويت بما هو زائد على ذلك، وقيام بعض الأصوات مقام بعض، كسكون ميم الجمع يقوم مقامه صلة الميم، وكتحقيق الهمز يقوم مقامه تخفيف الهمز، وكبعض الكلمات التي حل محلها غيرها بإبدال أو تقديم وتأخير ... فهذه محل بحث التواتر القرائي.
د- ما يدخل ضمن نطاق علم التحرير، وهو البحث عن الأوجه المتعددة لاجتماع الكلمات الممالة مع الراات المرققة والمفخمة لورش مثلا، والأوجه المتعددة لتخفيف الهمز وقفا ... فهذه كلها أوجه موغلة في الأداء ... والبحث فيها لغوي صرف، وإن كان أصلها قائم على التعليم المباشر من النبي ﷺ .
стр. 489
وسنتكلم في هذا الكتاب- بصورة مختصرة- عن التواتر القراني حيث نذكر أن القران الكريم تناقلته الأمة عن الأمة على هيئة لا يمكن لعاقل بعدها أن يقول:
نقص من القران شيء أو زاد، وأما موضوع التواتر القرائي فلعلنا نعرضه بصورة مفصلة في كتاب اخر، ويمكن مراجعة الأصل للتوسع.
ومطالب هذا المبحث تنحصر في المطلبين التاليين:
المطلب الأول: التواتر القراني .
المطلب الثاني: من أهم اثار منهج التواتر القراني (المنهج القراني في إثبات ما هو قران) .
المطلب الأول: التواتر القراني:
التواتر القراني أعظم أنواع التواتر بلا مقارنة مع التواتر الحديثي حيث تتناقل القران الأمة عن الأمة، وقد فهم الصحابة ﵃ ضرورة التناقل للقران الكريم اخرا عن أول فعن أبي الدرداء قال: كنا مع رسول الله ﷺ فشخص ببصره إلى السماء ثم قال هذا أوان يختلس العلم من الناس حتى لا يقدروا منه على شيء قال فقال زياد بن لبيد الأنصاري: يا رسول الله! وكيف يختلس منا وقد قرأنا القران فو الله لنقرأنه ولنقرئنه نساءنا وأبناءنا، وفي لفظ للحاكم: قال زياد: بأبي وأمي وكيف يذهب أوان العلم، ونحن نقرأ القران ونعلمه أبناءنا ويعلمه أبناؤنا أبناءهم إلى أن تقوم الساعة ... الحديث «١» .
فقد حاز نقل القران أعلى درجات التوثيق بحيث بلغ مبلغا يضطر إلى التأكد من أنه هو كما أنزله الله ﷻ ، بل فاق أقوى وسائل النقل قطعية «لأنه المعجز في
стр. 490
إثبات نبوة النبي ﷺ وطريق معرفته متوقف على القطع، ولذلك وجب على النبي ﷺ إشاعته وإلقاؤه على عدد التواتر» «١» .
ولأهمية موضوع التواتر القراني أراد الجويني تأليف كتاب فيه فقال: «ولا ينبغي أن ينسبنا الناظر والمنهي إلى هذا المقام إلى تقصير فيما يتعلق بمحل الإشكال في نقل القران العظيم فإنه قطب عظيم لم يشف القاضي «٢» فيه الغليل في كتاب الانتصار وإن عد ذلك من أجل مصنفاته وفي نفسي أن أجمع من ذلك ما تقر به الأعين إن شاء الله تعالى» «٣» .
مدلول التواتر:
التواتر لغة
هو التتابع بين شيئين مع وجود انقطاع، لكن لفظ التواتر صار واردا عرفا على التتابع دون انقطاع كما قال السرخسي: «مأخوذ من قول القائل تواترت الكتب إذا اتصلت بعضها ببعض في الورود متتابعا» «٤» .
وأما المدلول الاصطلاحي للفظ التواتر:
فتلخصه مجلة الأحكام العدلية في التالي:
«مادة ١٦٧٧: التواتر هو خبر جماعة لا يجوز العقل اتفاقهم على الكذب» «٥» .
والعلاقة بين المعنى الاصطلاحي واللغوي:
أن اليقين يستلزم تتابع المخبرين على الإخبار بشيء معين.
стр. 491
إفادة التواتر لليقين مطلقا:
«أكثر العقلاء على انه إذا تواتر الخبر أفاد العلم اليقين سواء كان خبرا عن أمور موجودة في زماننا كالإخبار عن البلدان البعيدة أو عن أمور ماضية كالأخبار عن وجود الأنبياء ﵈ وغيرهم في القرون الماضية» «١» ، ولذا حقق العلماء أن ضابط الخبر المتواتر إفادة العلم، وقرر الدهلوي بأنه ليس ميزان التواتر عدد الرواة ولا حالهم ولكن اليقين الذي يعقبه في قلوب الناس «٢» .
ومن هنا نخلص إلى تقرير أن المتواتر القرائي يفيد العلم بضوابط التواتر التي لا يشترط فيه تحديد حد للعدد، ولئن وجد التفاوت بين الخبر المتواتر وبين غيره من المحسوسات والبديهيات فللتفاوت في العلوم أو لكثرة الاستعمال فلا يخرجه ذلك عن اليقين، وتفاوت اليقين لا يعني طروء الشك فيه كتفاوت الخيرية في الأنصار كما قال ﷺ : «أو ليس بحسبكم أن تكونوا من الأخيار» «٣» .
تعليمه ﷺ أن القران كتاب لا ريب فيه (قطعية وصول القران إلينا) :
صار من البدهيات العالمية أن يقال: إن القران الكريم وصل إلينا وصولا مقطوعا به، فهو كتاب لا رَيْبَ فِيهِ (البقرة: ٢) ، وقد جعل أهل العلم هذه البدهية من المسلمات عند نقاش أي مسألة تحتاج إليها، أو ترتكز عليها، فيقال عند ذلك «لأن القران ثبت بطريق مقطوع به وهو التواتر» «٤» .
стр. 492
ولذا فلا خلاف أن كل ما هو من القران يجب أن يكون متواترا في أصله وأجزائه ... لأن هذا المعجز العظيم الذي هو أصل الدين القويم والصراط المستقيم مما تتوفر الدواعي على نقل جمله وتفاصيله فما نقل احادا ولم يتواتر يقطع بأنه ليس من القران قطعا ... ولأنه لو لم يشترط لجاز سقوط كثير من القران المكرر وثبوت كثير مما ليس بقران «١» ، ولذا عرف الأصوليون القران بأنه «ما نقل بين دفتي المصحف نقلا متواترا» «٢» ، وأجمع الأصوليون كافة على أن القران لا يثبت إلا بالتواتر «٣» .
نوع التواتر القراني:
أما التواتر القراني فهو العلم العام، أو خبر العامة عن العامة كما سماه الشافعي «٤» ، فالتواتر الذي عناه أهل العلم في نقل القران الكريم هو التواتر الذي يورث العلم الاضطراري مما تستعصي أعداد نقلته عن العد لكثرتهم، وليس التواتر الحديثي الذي يعود إلى عدد محدود، فقد «صح بنقل الكافة الذي لا مجال للشك فيه أن هذا القران هو المكتوب في المصاحف المشهورة في الافاق كلها وجب الانقياد لما فيه، ولا خلاف بين أحد من الفرق المنتمية إلى المسلمين من أهل السنة والمعتزلة والخوارج والمرجئة والزيدية في وجوب الأخذ بما في القران وأنه هو المتلو عندنا نفسه» «٥» ، والناقلون له هم يكادون أن يكونوا كل أفراد الأمة الإسلامية،
стр. 493
مع أن أغلبهم عالم بما نقله علما ضروريا، فمن لم يكن في ذلك من حفظه، فهو من كتابه الذي توجد منه عدة نسخ في بيته، «لأن الأمة ﵂ لم تزل تنقل القران خلفا عن سلف والسلف عن سلفه إلى أن يتصل ذلك بالنبي ﵇ المعلوم وجوده بالضرورة، وصدقه بالأدلة والمعجزات والرسول أخذه عن جبريل ﵇ عن ربه فنقل القران في الأصل رسولان معصومان من الزيادة والنقصان ونقله إلينا بعدهم أهل التواتر الذين لا يجوز عليهم الكذب فيما ينقلوه ويسمعونه لكثرة العدد» «١» .
فالقران هو الذي ينقله العامة والخاصة، والذكور والإناث، والمسلمون ويعرفه الكفار في شرق الأرض وغربها ... مكتوب في المصحف المعروف ... لا يستطيع أحد له حولا ولا فيه تبديلا.
تواتر المشافهة وتواتر الرسم:
وهذا التواتر القراني تعضده ركيزة أخرى: هي تواتر رسم المصحف تواترا عاما شائعا بما لا يستطاع وصفه، ورسم المصحف ركن ضابط للتلقي وليس حاكما عليه، ولذا جوزوا مخالفة الرسم فيما ثبت تواترا، والمصحف هو المصحف الذي لم يختلف من يوم أن كتب على الرغم من كثرة الخصوم وضرواتهم في الخصومة له حتى قال بعض المستشرقين: «بذلنا جهودا كبيرة خلال ثلاث أجيال في تتبع مخطوطات القران الكريم من أقدم ما هو محفوظ في دور الاثار والمكتبات العالمية، حتى الأوراق المفردة المقطوعة من مصاحف قديمة فقدت، وقارنا كل ذلك بالمصاحف المطبوعة، لكي نحصل على أي اختلاف بين المصاحف من مصحف عثمان إلى يومنا، ولو كان اختلافا في اية أو جملة أو كلمة، فلم نجد أي
стр. 494
اختلاف، مما جعلنا نعتد مستيقنين أن القران الذي نطق به محمد باق إلى اليوم كما نطق به لم يتبدل فيه شيء!!» «١» .
فهذا هو منهج الإقراء، ومنهج إثبات شيء مقروء على أنه من القران، فلا نأتي بمنهج علم اخر لنثبت به شيئا من القران غيره.
ولهذا المنهج القراني الصارم رد الإمام الغزالي على من جعل (متتابعات) من القران بقوله: «أن جعله من القران فهو خطأ قطعا لأنه وجب على رسول الله ﷺ أن يبلغه طائفة من الأمة تقوم الحجة بقولهم وكان لا يجوز له مناجاة الواحد به» «٢» .
ولهذا المنهج القراني الصارم: تم تشذيذ كل ما يسمى قراءة مما يتناقل، ويأتي عن طريق غير طريق منهج التناقل القراني أو القرائي، والشذوذ هنا هو السقوط بمرة من النسب القراني المجيد، سواء كانت القراءة المذكورة ثابتة عن ضعيف أم عن أوثق الثقات.
ومن الاثار المستغربة الناتجة عن الخلط بين مناهج العلوم: أن ترد الزيادة الشاذة في الحديث، وتقبل أو يتوقف فيها في القران كما تقدم في مناقشة رواية أبي الدرداء: (والذكر والأنثى) في الفصل الثاني حيث خالف رجال سند هذا الحديث كل الأمة الإسلامية في هذه الرواية، وليست المخالفة لأربعة أو لخمسة من الثقات حتى تصير رواية الأقل شاذة لمخالفتها رواية الأكثر على ما هو مقرر في مصطلح الحديث ... فكيف لا يشذذ ما ورد في هذا الحديث؟.
стр. 495
وقد قال الشافعي: «من متناقض القول الجمع بين قبول رواية القراءة الشاذة في القران، وبين رد الزيادة التي ينفرد بعض الرواة الثقات مع العلم بأن سبيل إثبات القران أن ينقل استفاضة وتواترا» «١» .
ولذا قال السخاوي ردا على من يزعم وجود سورة تسمى الخلع، أو ينفي المعوذتين: «فهذا أيضا مما أجمع المسلمون على خلافه» «٢» ، وقرر الإمام الفخر الرازي ذلك فقال: «إن المسلمين أجمعوا على أن ما بين الدفتين كلام الله تعالى، وكلام الله لا يجوز أن يكون لحنا وغلطا، فثبت فساد ما نقل عن عثمان وعائشة ﵄» «٣» . وحسب المرء شذوذا ونكرا في فعله أن يخالف إجماع المسلمين جميعا فيما حفظوه سطرا وصدرا.
وهذا هو منهج السلف ﵏ ، ومن نصوصهم في ذلك:
قال خلاد بن يزيد الباهلي: قلت ليحي بن عبد الله بن أبي مليكة: إن نافعا حدثني عن أبيك عن عائشة ﵂ أنها كانت تقرأ «إذ تلقونه، وتقول: إنما هو ولق الكذب، فقال يحي: ما يضرك إلا أن تكون سمعته من عائشة ﵂، نافع ثقة على أبي، وأبي ثقة على عائشة ﵂، وما يسرني أن قرأتها هكذا ولي كذا وكذا. قلت:
ولم؟ وأنت تزعم أنها قالت؟ قال: لأنها غير قراءة الناس ونحن لو وجدنا رجلا يقرأ بما ليس بين اللوحين ما كان بيننا وبينه إلا التوبة أو تضرب عنقه نجيء به عن الأمة عن النبي ﷺ وتقولون أنتم: حدثنا فلان الأعرج عن فلان الأعمى ما أدري ماذا؟ أن ابن مسعود يقرأ غيرها في اللوحين؟ إنما هو والله ضرب العنق، أو التوبة «٤» .