منتصف شهر ذي الحجة من سنة ٨٥٢ هـ أشيع أن شيخ الإسلام قد توعك فأنشأ يقول:
(من المجتث)
أشكو إلى اللَّه ما بي ... وما حوته ضلوعي
قد طال السّقم جسمي ... بنزلة وطلوعي.
وكان مرضه قد دام أكثر من شهر، حيث أصيب بإسهال ورمي دم (ديسانتري) ، غير أن السّخاوي يقول: «ولا استبعد أنه أكرم بالشهادة فقد كان طاعون قد ظهر» .
ثم أسلم الروح إلى بارئها في أواخر شهر ذي الحجة من سنة اثنتين وخمسين وثمانمائة.
واختلف مترجموه في تحديد تاريخ يوم وفاته، كما اختلفوا في تحديد يوم ولادته، على أنهم يتفقون جميعا تقريبا على أنها- وفاته- كانت في ليلة السّبت من ذي الحجة، والاختلاف ينحصر في تحديدهم لأي سبت منه، وهذا يرجع إلى أن الأرقام عرضة للتحريف أكثر من غيرها فجعلها بعضهم في الثامن والعشرين من ذي الحجة، وجعلها آخرون في التاسع عشر منه، على حين ذكرها فريق ثالث في ثامن عشر من ذي الحجة سنة ٨٥٢ هـ.
وترك وصيته التي نقل السّخاوي نصها، مستقاة من سبطه يوسف بن شاهين، ومما ورد فيها أنه أوصى لطلبة الحديث النبوي والمواظبين على حضور مجالس الإملاء بجزء من تركته.
وفي أواخر أيامه عاده قاضي القضاة سعد الدين بن الديري الحنفي فسأله عن حاله، فأنشده أربعة أبيات من قصيدة لأبي القاسم الزّمخشريّ هي:
(من الكامل)
قرب الرّحيل إلى ديار الآخرة ... فاجعل إلهي خير عصري آخره
وارحم مبيتي في القبور ووحدتي ... وارحم عظامي حين تبقى ناخره
فأنا المسيكين الّذي أيّامه ولت ... بأوزار غدت متواتره
فلئن رحمت فأنت أكرم راحم ... فبحار جودك يا إلهي زاخره
وصلي عليه بمصلاة بكتمر المؤمن، حيث أمر السّلطان جقمق بأن يحضر إلى هناك ليصلي عليه، وتقدم في الصلاة عليه الخليفة بإذن من السلطان.
وحضر الشيوخ وأرباب الدولة وجمع غفير من الناس، وازدحموا في الصلاة عليه حتى حزر أحد الأذكياء من مشى في جنازته بأنهم نحو الخمسين ألف إنسان.
стр. 107
ومن شدة حب الناس، وإكرامهم له تصور البعض أن الخضر صلى عليه كما ذكر ذلك صاحب مفتاح السعادة، فقال: ومن جملة من صلّى عليه «الخضر ﵇ رآه عصابة من الأولياء» .
وكان يوم موته عظيما على المسلمين وحتى على أهل الذمة، وشيعته القاهرة إلى مدفنه في القرافة الصغرى، وتزاحم الأمراء والأكابر على حمل نعشه، ومشى إلى تربته من لم يمش نصف مسافتها قطّ، فدفن تجاه تربة الديلميّ بتربة بني الخروبي بين مقام الشّافعي ومقام سيدي مسلم السّلمي، وكانت وصيته خلاف ذلك، وقد سنحت لي الفرصة بزيارة قبر الحافظ ابن حجر ﵀، فتبين لي أنه يقع في مسافة تقدر بحوالي ١٥٠٠ م من مقام الإمام الشافعيّ.
وقيل: إن السماء أمطرت على نعشه مطرا خفيفا فعد ذلك من النوادر.
ذكر من رثاه:
وما أحقه بقول ابن دريد في قصيدة طويلة:
البسيط:
إنّ المنيّة لم تتلف بها رجلا ... بل أبلغت علما للدّين منصوبا
كان الزّمان به تصفو مشاربه ... والآن أصبح بالتّكدير مقطوبا
كلّا وأيّامه الغرّ الّتي جعلت ... للعلم نورا وللتّقوى محاريبا
وبقول غيره:
الكامل:
ذهب العليم بعيب كلّ محدّث ... وبكلّ مختلف من الإسناد
وبكلّ وهم في الحديث ومشكل ... يعنى به علماء كلّ بلاد
وبقول غيره.
الوافر:
بكيت على فراقك كلّ يوم ... وأمليت الحوار من الجفون
ولو كان البكاء بقدر شوقي ... لملّته العيون من العيون
وبقول غيره:
البسيط:
رزء ألمّ فقلب الدّهر في وهج ... وأغفل النّاس منسوب إلى الهوج
стр. 108
وللقلوب وجيب في مراكزها ... مهول فهو بتشقيق الصّدور حجي
وللعيون انهمال كالغمام بكا ... فكلّ فجّ به عال من اللّجج
يا واحد العصر يا من لا نظير له ... إذ كلّ شخص من الأمثال في لجج
يا شيخ الإسلام يا مولى لقد خضعت ... غلب الرّجال لما تبدي من الحجج
يا برّ حلم بحور العلم قد تركت ... لمّا سمعنا بداع، مقبل سمج
أصمّ أسماعنا لمّا تلا سحرا ... قد مات من تهزم الأهوال حين نجي
قاضي القضاة المفدّى من بني حجر ... من خلقه ليس في شيء من الحرج
فلو رضي الدّهر منّا فدية عظمت ... إذا وحقّك جدنا فيك بالمهج
ولو حميت بضرب السّيف ما وجدت ... لها المنايا إليك الدّهر من ولج
في حقّ عهدك ما زلنا ذوي شغف ... بعهد ودّ لكم بالرّوح ممتزج
حفّت سجاياك والألباب قد رجحت ... بها نهاك من الإحصاء بالثّبج
ألفت يا حلو، مرّ الصّبر ترشفه ... فأنت للصّبر صبّ بالغرام شجي
من للقيام بجنح اللّيل مجتهدا ... تبيت ترفعه آيات ذي الدّرج
تعلي النّحيب خضوعا والأسى قلقا ... كأنّه في الدّياجي بالحراب وجي
قد كان مصرك ليلا كالنّهار به ... شهاب فضلك يغنيه عن السّرج
واليوم بعدك مثل اللّيل في سدف ... يا لهف قلبي فما صبح بمنبلج
لكأنّ فقدك فقد النّاس كلّهم ... وفقد غيرك قد يلفى من الفرج
من للأحاديث يحييها ويحفظها ... فوقته ليس حمّال إليه يجي
قد كنت للسّنّة الغرّا شهاب علا ... حميت آفاقها عن مارد علج
من كان في علمه في الشّكّ مرتبكا ... فأنت في علمك الأشيا على ثلج
وأنت أذكى الورى قلبا ورائحة ... كأنّما كنت مسكا طيّب الأرج
لهفي عليك شهاب الدّين من رجل ... لمّا ترحّلت صار النّاس في مرج
قد كنت حافظهم في كلّ معضلة ... فبعدك اليوم لا تسأل عن الهمج
كانوا إذا أوهموا معنى وأخر سهم ... فتحت كلّ عم منهم ومرتتج [ (١) ]
لمّا ركبت على الحدباء ما أحد ... إلّا انحنى منه ظهر غير ذي عوج
روحي فداء لبال قد ظفرت بها ... لديك يا حبر بالآمال بالحجج
أروق سمعي بدرّ النّطق منك وما ... طرفي بممتنع من وحيك البهج
стр. 109
كأنّه لم يكن يوما فيا أسفا ... ما كنت من بعد ما مرّت بمبتهج
كلّا لعمري وإنّي فالق كبدي ... حزني عليك وقلبي جدّ ملتعج
ولا أحبّ ديارا قد قبضت بها ... فنحوها بعد بعد منك لم أعج
نعم وأبغضت واللَّه الحياة بلا ... وجود أنسك فاعلم ذاك وابتهج
لهفي على مجلس الإملا وحاضره ... من كلّ حبر لسبل الخير منتهج
كم فيه من راس راس هزّ من عجب ... والجمع من شدّة الإصغاء لم يمج
كأنّنا لم نكن يوما لديك ولا ... بقولك العذب منّا قطّ سرّ نجي
فيا دوام افتكاري للسّرور بكم ... ويا بكائي طوال الدّهر والأبج [ (١) ]
لأملأنّ بسيط الأرض من أدب ... ركّبت فيك معانيه من البرج
جمعت قلبا بحبّ فيك ممتلئا ... إلى لسان بأنواع الرّثا لهج [ (٢) ]
عليك منّي تحيّات أردّدها ... ما هيّج الورق قلبا فيك ذا وهج
وجاد مهدك في صوب الرّضا مزن ... يا بحر يحيي بقاع الأرض بالثّبج
ومنهم العلامة الشّهاب أبو الطّيّب أحمد بن محمد الحجازي فأنشدني لفظه لنفسه قوله:
الكامل:
كلّ البريّة للمنيّة صابره ... وقفولها شيئا فشيئا سائره
والنّفس إن رضيت بذا ربحت وإن ... لم ترض كانت عند ذلك خاسرة
وأنا الّذي راض بأحكام مضت ... عن ربّنا البرّ المهيمن صادره
لكن سئمت العيش من بعد الّذي ... قد خلّف الأفكار منّا حائرة
هو شيخ الإسلام المعظّم قدره ... من كان أوحد عصره والنّادره
قاضي القضاة العسقلانيّ الّذي ... لم ترفع الدّنيا خصيما ناظره
وشهاب دين اللَّه ذو الفضل الّذي ... أربى على عدد النّجوم مكاثره
لا تعجبوا لعلوّه فأبوه من ... قبل عليّ في الدّنا والآخرة
هو كيميا العلم وكم من طالب ... بالكسر جاء له فأضحى جابره
لا بدع أن عادت علوم الكيميا ... من بعد ذا الحجر المكرّم بائره
стр. 110
لهفي على من أورثتني حسرة ... درس [ (١) ] الدّروس عليه إذ هي حاسره
لهفي على المدح استمالت للرّثا ... وقصور آياتي غدت متقاصره
لهفي عليه عالما، بوفاته ... درست دروس والمدارس بايره
لهفي على الإملاء عطّل بعده ... ومعاهد الأسماع إذ هي شاغرة
لهفي عليه حافظ العصر الّذي ... قد كان معدودا لكلّ مناظرة
لهفي على الفقه المهذّب والمحرر ... حاوي المقصود عند محاوره
لهفي على النّحو الّذي تسهيله ... مغني اللّبيب مساعد لمذاكره
لهفي على اللّغة الغريبة كم أرانا ... معربا بصحاحها المتظاهرة
لهفي على علم العروض تقطّعت ... أسبابه بفواصل متغايره
لهفي عليه خزانة العلم الّتي ... كانت بها كلّ الأفاضل ماهره
لهفي على شيخي الّذي سعدت به ... صحب وأوجه ناظريه ناضرة
لهفي على التّقصير منّي حيث كم ... أملا النّواحي بالنّواح مبادره
لهفي على عذري عن استيفاء ما ... تحوي وعجزي أن أعدّ مآثره
لهفي على لهفي وهل ذا مسعدي ... أو كان ينفعني شديد محاذره
لهفي على من كلّ عام للهنا ... تأتي الوفود إلى حماه مبادره [ (٢) ]
والآن في ذا العام جاءوا للعزا ... فهيه وعادوا بالدّموع لهامره [ (٣) ]
قد خلّف الدّنيا خرابا بعده ... لكنّما الأخرى لديه عامره
وبموته شقي الفؤاد وأعلم ... العين انثنت في حالتيها شاغرة
ولي المعاجر طابقت إذ للرّثا ... أنا ناظم وهي المدامع ناشره
فكأنّه في قبره سرّ غدا ... في الصّدر، والأفهام عنه قاصره
وكأنّه في اللّحد منه ذخيرة ... أعظم بها درر العلوم الفاخرة
وكأنّه في رمسه سيف ثوى ... في الغمد مخبوء ليوم الثّائره
وكأنّه كشف الغطاء له فإن ... قربت منيّته أفاض محاجره
وغدا بأبيات الرّثا متمثّلا ... وحبا بها بعض الصّحاب وسارره [ (٤) ]
стр. 111
ونعى بها من قبل ذلك نفسه ... أكرم بها يا صاح نفسا طاهره
ولصاحب الكشّاف يعزى نظمها ... والعدّ منها أربع متفاخره
وأنا الّذي ضمّنتها مرثيّتي ... جهرا وأوّلها بغير مناكره
قرب الرّحيل إلى ديار الآخرة ... فاجعل إلهي خير عمري آخره
وارحم مبيتي في القبور ووحدتي ... وارحم عظامي حين تبقى ناخره
فأنا المسيكين الّذي أيّامه ... ولّت بأوزار غدت متواتره
فلئن رحمت فأنت أكرم راحم ... فبحار جودك يا إلهي زاخره
هذا لعمري آخر الأبيات إذ ... هي أربع كملت تراها باهره
وأنا أعود إلى رثائي عودة ... تجلو لسامعها بغير منافره
قهرتني الأيّام فيه فليتني ... في مصر متّ وما رأيت القاهره
هجرتني الأحلام بعدك سيّدي ... واحرّ قلب قد رمي بالقاهرة
من شاء بعدك فليمت أنت الّذي ... كانت عليك النّفس قدما حاذره
وسهرت مذ صرخ النّعيّ بزجرة ... فإذا هم من مقلتي بالسّاهرة
ورزئت فيه فليت أنّي لم أكن ... أوليت أنّي قد سكنت مقابره
رزء، جميع النّاس فيه واحد ... طوبى لنفس عند ذلك صابره
يا نوم، عيني لا تلمّ بمقلتي ... فالنّوم لا يأوي لعين ساهره
يا دمع، واسقي تربه ولو أنّها ... بعلومه جرت البحار الزاخرة
يا حبر فارحل ليس قلبي فارغا ... سكنته أحزان غدت متكاثره
يا نار شوقي بالفراق تأجّجي ... يا أدمعي بالمزن كوني ساجره [ (١) ]
يا قبر، طب قد صرت بيت العلم أو ... عينا به إنسان قطب الدائرة
يا موت، إنّك قد نزلت بذي النّدى ... ومذ استضفت حباك نفسا خاطره
يا ربّ فارحمه وسقّ ضريحه ... بسحائب من فيض فضلك غامره
يا نفس صبرا فالتّأسّي كائن ... بوفاة أعظم شافع في الآخرة
المصطفى زين النّبيّين الّذي ... حاز العلا والمعجزات الباهره
صلّى عليه اللَّه ما صال الرّدى ... فينا وجرّد للبريّة باتره
وعلى عشيرته الكرام وآله ... وعلى صحابته النّجوم الزّاهره
ومنهم الشّهاب أحمد بن محمد بن علي المنصوري صاحب القصيدة الماضية
стр. 112
ذكرها في المدائح، فقال يوم وفاة صاحب الترجمة:
الرّجز
قد بكت السّحب على ... قاضي القضاة بالمطر
وانهدم الرّكن الّذي ... كان مشيدا من حجر
ومنهم الفاضل أبو هريرة عبد الرحمن بن علي بن أحمد بن عثمان بن النقاش الأصم البسيط:
قفا نبك بالقاموس الغامض الزّجر ... والمرسلات بماء الغيث والمطر
مذكّرا لك بالأذكار ذا أسف ... على المعاهد والرّوضات والأثر
على ديار إذا صحّ الحديث ولي ... في الحسن معتقد والضعف للغير
على رباع خلا درس الحديث بها ... والرّبع عاف ومحتاج إلى الحجر
وقل لذي عذل في عبرة سمحت ... دعها سماويّة تجري على قدر
وقل لعيني الّتي بالدّمع قد نزحت ... يا عين، جودي ولا تبقي ولا تذري
وابكي بموج وما المقياس يحصره ... قاضي القضاة أمير المؤمنين في الأثر
قاضي القضاة أمير المؤمنين سمي ... بأحمد بين علي ذي الرّحلة الحجر
أكرم بها مدحة ما حازها أحد ... في عصرنا غير نزر قلّ في العصر
وع الكتابة واحفظها وسق سندا ... وخلّ عنك سواد الطّرس بالحبر
يا موت، ذكّرتني موت النّبيّ به ... الهاشمي المصطفى المبعوث من مضر
ذكّرتني العمرين [ (١) ] الصّاحبين أبا ... بكر الصّدّيق مع الفاروق [ (١) ] من عمر
يا خنس ها أدمعي مع دمعك ائتلفا ... ثمّ اختلفتا بكا في الصّخر والحجر
يا خنس، لو نظرت عيناك لمّته ... وما حوت من فخار العلم والخفر
يا خنس، لو سمعت أذناك منطقه ... من ثغر مبسمه المنظوم بالدّرر
يا خنس، إنّي عن عين له نظرت ... ليس العيان [ (٢) ] كما قد قيل كالخبر
يا خنس، قد قلت في صخر مراثيه ... فحوّل الحزن بالإسناد للحجر
مصيبة عمّت الدّنيا بأجمعها ... رمي بها زحل بالقوس والوتر
بالبحر والنّهر والبحرين إذ جمعا ... أبكيه من عبرة تجري بلا ضجر
стр. 113
إن ذكّرتني بوقت صخرها غسقا ... أو نكّرتني بوقت الصّيف في السّحر
فكلّ أوقاتي الغرّا مسبّلة ... جاها وعلما وما يزرى من البدر
شبّهته جالسا في الدّرس في فئة ... هم النّجوم ووجه الشيخ بالقمر
وهم طباق وهم يهدى السّبيل بهم ... من حوله أنجم كالأنجم الزّهر
هم الرّجال ولكن شيخهم رجل ... رجاله سند في مسند الخبر
ساد الرّجال وكم قد ساد من رجل ... يسوقه بعد تحويل من السّطر
يملي الحديث ببيبرس حوى سندا ... عال إلى سيّد الكونين والبشر
تاللَّه لو سمعت حذّاق شرعتنا ... سوق الأسانيد في إملائه الجهر
ولو رأوا يده في فرع روضته ... أو فسّرت آية في محكم السّور
أو ما يوصّله في الدّين معتقدا ... أو رتّبت سندا من نخبة الفكر
أو أظهرت حكمة للشّافعيّ خفت ... يستخرج الكلّ من خرم من الإبر
أثنوا عليه ومن أضحى يخالفه ... بمنزل دحص كقشعم الحجر
أبكي عليه وقد شالوا جنازته ... ونقّطت مزنة من نسمة السّحر
أنقى من الثّلج إشراقا وريحتها ... أذكى من المسك والنّدا الذكي العطر
وبشّرت برضا الرّحمن خالقه ... والحور قد زيّنت بالحلي في السّرر
وعدته قائلا للقلب منه عسى ... وهل يفيد عسى مع سابق القدر
يا قلب، قد كنت تخشى الموت ذا حذر ... وليس ذو حذر ينجو من القدر
وأنت للعالم النّقّاش منتسب ... وكم معان خفت تأتيك في الصّور
خفت المنون وما قد كنت تحسبه ... قد جاء منتقشا كالنّقش في الحجر
إن غاب شخصك يا مولاي عن نظري ... وغيّبوا وجهك المحبوب في القبر
في أساريرك الحسناء مشرقة ... سبط من الحسنيين الخلق والبشر
يا من مراحمه للخلق واسعة ... عمّت نجيّا ومن في دينه الخطر
اجعل على متن هذا القبر سابغة ... من لؤلؤ رطب عذب ذكي عطر
والسّامعين ومن يعزى لمذهبهم ... تحدو على سنّة الهادي النّبي المضري
وقل لمن سمع الأبيات يسترها ... فاللَّه يستره في الورد والصّدر
قدّمتها سلعة مزجا وناظمها ... يعدّها خجلا من أعظم الكبر
وأذن بسحب صلاة منك ثمّ رضا ... على نبيّ الهدى والبشر والبشر
وآله وجميع الصّحب قاطبة ... بهم هدي أمم في البدو والحضر
ما غرّدت ورقه في الأيك آصرة ... بزورة المصطفى والبيت والحجر
стр. 114
موت الإمام شهاب الدّين قد جزعت ... له العلوم وما يروى من الأثر
وقال ربع علوم الشّرع مكتئبا ... به درست فما تلقون من أثر
[الكامل] :
إنّ الحياة ذميمة من بعد ما ... قبض الإمام العسقلانيّ الشّافعي
يا نفس، طيبي بالممات وحافظي ... أن تلحقي هذا الإمام وتابعي
[المجتث] :
بكت سماء وأرض ... عليك يا عسقلاني
لكنّنا نتسلّى ... إذ ما سوى اللَّه فاني
[الكامل] :
الجفن قد حاكى السّحاب وناظره ... فأعذر إذا فقد المتيّم ناظره
لو أنّ عاذله رأى ما قد رأى ... لغدا له بعد الملامة عاذره
يا عاذلي، دعني فلي حزن على ... طول المدى لم يلق يوما آخره
ذاب الفؤاد وقد تقطّع حسرة ... أسفا على قاضي القضاة النّادره
أعني شهاب الدّين ذا الفضل الّذي ... عن وصفه أفهام مثلي قاصره
العسقلانيّ [ (١) ] الّذي كانت إلى ... أبوابه تأتي الوفود مهاجره
يا عين، إنّي ناظم مرثيّة ... فيه فكوني للمدامع ناثره
للَّه أيّاما به ولياليا ... سلفت وكانت بالتّواصل زاهره
تاللَّه، لم يأت الزّمان بمثله ... أبدا ولم ير مثله من عاصره
شهدت له كلّ العقول بأنّه ... ما مثله هو درّة هي فاخره
دانت لفطنته العلوم فلم تزل ... أبدا إليه كلّ وقت سائره
يا أيّها الشعراء، هذا سوقكم ... كانت له تأتي التّجار مبادره
واليوم أغلق بابه فلأجل ذا ... أضحت تجارتكم لديكم بائره
كم من حديث قد رواه مسلسلا ... ومدبّجا وله معان ظاهره
وكذا غريبا مسندا ومصحّحا ... جملا وأخبارا غدت متواتره
إنّي لأعجز أن أعدّ فضائلا ... فيه وأعجز أن أعدّ مأثره
كم طالب أقلامه من بعده ... جفّت ولم تمسك يداه محابره
стр. 115
أسفا عليه نقول يا نفس اصبري ... فتقول: ما أنا عند هذا صابره
درست دروس العلم بعد وفاته ... ومعاهد الإملاء أضحت دائره
أسفي على قاضي القضاة مؤبّد ... زفرات قلبي كلّ وقت ثابره
أسفي على شيخ العلوم ومن غدت ... أفكار كلّ الخلق فيه حائرة
أسفي على من كان بين صحابه ... كالبدر في وسط النّجوم الزّاهره
ولقد نعى قبل المنية نفسه ... إذ كلّ نفس للمنيّة صائره
لا رأى أجل الحياة قد انقضى ... أضحى يشير إلى الصّحاب مبادره
ويقول أبياتا وليست نظمه ... لكن بلفظ منه أضحت فاخره
وزمخشريّ ناظم أبياتها ... هي أربع معدودة متواترة
كلّ الورى من بعده اشتغلوا بها ... فاسمع فأوّلها أقول مذاكرة
قرب الرّحيل إلى ديار الآخرة ... فاجعل إلهي خير عمري آخره
وارحم مبيتي في القبور ووحدتي ... وارحم عظامي حين تبقى ناخره
فأنا المسيكين الّذي أيّامه ... ولّت بأوزار غدت متواتره
فلئن رحمت فأنت أرحم راحم ... فبحار جودك يا إلهي زاخره
ها آخر الأبيات قد أوردتها ... فيما نظمت تبرّكا ومكاثره
وأعود أذكر بعد ذلك حالتي ... وأبثّ أحزانا بقلبي حاضره
وأقول: مات أبو المكارم والنّدى ... ملقي الدّروس وذو العلوم الباهره
ما كان أحسن لفظه وحديثه ... ما كان قطّ يملّه من عاشره
ولو انّه يفدى لكنت له الفدى ... وأودّ لو أنّي سددت مقاصره
لهب بقلبي بعده لا ينطفي ... ودموع عيني لم تزل متقاطره
فاللَّه يسقي قبره ماء الحيا ... أبدا ويورده سحابا ماطره
ثمّ الصّلاة على النّبيّ وصحبه ... وعلى جميع التّابعين أوامره
يا درّة فقدت وكانت فاخره ... في بدء خير حوّلت للآخرة
من كلّ علم حاز أكبره فره ... عزّ الفخار تصل بحارا زاخره
شطن الرّجا كانت لطالب برّه ... من بعد أشجان بفضل ماخره
تعنو الرّؤوس إلى وجوه بديعه ... وإذا عصته أتت إليه ذاخره
وهو المكرّم والكريم بناته ... مع علمه لو أمّ كعبا فاخره
ليلى بعاذرها فشاغل قلبها ... ولمن سواه بذي الدّعاوي شاجره
تجري عليه مودّعا روحي ولن ... تشغل ولو صارت عظاما ناخره
стр. 116
قد كان أوّل شاغل قلبي هوى ... وبهونه فالصّبر عدّى آخره
[الطويل] :
شهاب المعالي بينما هو طالع ... فعاجلنا فيه القضا والقوارع
إلى اللَّه إنّا راجعون وحسبنا ... ونعم الوكيل اللَّه فيما نواقع
فقد أورث الآفاق حزنا وذلّة ... وأظلمت الأكوان ثمّ المطالع
وأطلق دمع العين تجري سحائبا ... وأجرى عيون السّحب فهي هوامع
وصيّر طرفي لا يملّ من البكا ... وأحرق قلبا بالجوانح هالع
وفرّق جمع الشّمل من بعد إلفه ... وألّف درّ الدمع في الخدّ لامع
فوجدي وصبري في الرّثاء بيانيا ... فوجدي موجود وصبري ضائع
فصبرا لما قد كان في سابق القضا ... فليس لمقدور المنيّة دافع
وطلّقت نومي والتّلذّذ والهنا ... وألزمت نفسي أنّني لا أراجع
وصاحب سهدي والتّأسّف والأسى ... فواصلتها لمّا جفتني المضاجع
وإنّي غريب لو أقمت بمنزلي ... وإنّي وحيد لا معين أراجع
فلهفي على شيخ الحديث وعصره ... فمجلسه للعلم والفضل جامع
فلهفي على تلك المجالس بعده ... لفقد أولي التّحقيق قفر بلاقع
فلهفي على جدّي وشيخي وقدوتي ... وشيخ شيوخ العصر إذ لا منازع
فأوقاته مقسومة في عبادة ... وفضل لمحتاج ببرّ يتابع
فقد كان ظنّي أن تكون معاوني ... على كلّ خير مثل ما قيل مانع
فعند إلهي قد جعلت وديعتي ... كريم لديه لا يخيب الودائع
فرحب الفضا قد ضاق من بعد بعده ... عليّ وفيه بحر فكري واسع
فيا موت، زر إنّ الحياة ذميمة ... فمن بعد هذا الحبر إني راجع
إمام الهدى والعلم والحلم والتّقى ... وحافظ هذا الوقت للحقّ خاضع
ففي النّظم حسّان وفي الجود حاتم ... وفي العلم ليث وهو في الثّبت نافع
عفيف السّجايا باسط اليد بالنّدا ... جزيل العطايا ناسك متواضع
بزهد له قد كان يحكي ابن آدم ... له ورع بالصّبر للنّفس قانع
فأيّامه صوم وفي اللّيل هاجد ... مقيل خشوع ساجد الرّأس راكع
فمنهاجه حاو لتنبيه غافل ... وبهجته زانت كما الرّوض نافع
وفتح لباريه حواه فوائدا ... يزيل التباسا فهو للشّكل رافع
стр. 117
وتقريبه الأسما لتهذيب طالب ... وفي الجرح والتّعديل كالسّيف ساطع
فإن رمت إتقان الحديث فجمعه ... فعن حافظ الإسلام تروى الشّرائع
[الطويل] :
كأن لم يمت من سواه ولم تقم ... على أحد إلّا عليه النّوائح
[البسيط] :
إنّي معزّيك لا أنّي على طمع ... من الخلود ولكن سنّة الدّين
فما المعزّي بباق بعد صاحبه ... ولا المعزّي ولو عاشا إلى حين
[الطويل] :
تعزّ بحسن الصّبر عند كلّ فائت ... ففي الصّبر مسلاة الهموم واللّوازم
وليس يذود النّفس عن شهواتها ... لعمرك إلّا كلّ ماضي العزائم
[الوافر] :
لعمرك ما الرّزيّة هدم دار ... ولا شاة تموت ولا بعير
ولكنّ الرّزيّة موت شخص ... يموت بموته علم كبير
منهج الحافظ ابن حجر في «الإصابة» [ (١) ]
يرى ابن حجر أن علم الحديث النبوي من أشرف العلوم الدينية، ومن أجلّ معارفه تمييز أصحاب رسول اللَّه ﷺ وقد صنّف في علم معرفة الصحابة عدد كبير من العلماء، ولقد وقف ابن حجر على مصنفاتهم وانتقدها، ثم وجد في وسعه أن يطوّر التّصنيف في هذا الفرع من فروع المعرفة إلى مستوى أعلى، وقد وقعت له بالتتبع، كثير من الأسماء التي لم تكن في المصنفات السابقة على الرغم من أنها تقع في نطاق هذه المصنفات، وبذلك تسنّى له أن يصنّف كتابا كبيرا أكثر استيعابا من غيره لتمييز الصحابة من غيرهم.
ولقد بدأ تأليفه في سنة ٨٠٩ هـ، واستمر العمل فيه إلى ثالث ذي الحجة سنة ٨٤٧ هـ حيث انتهى من كتابته مع ما فيه من الهوامش، فاستغرق تأليفه ما يقرب من أربعين عاما.
وأوضح ابن حجر أنّ الكتابة فيه كانت بالتراخي، وكتبه في المسودات ثلاث مرات، بسبب ما كان يدور في ذهنه من النهوض بهذا اللون من التصنيف، وبسبب الترتيب الّذي
стр. 118
ابتكره. وحتى في المرّة الثالثة خرجت النسخة وكأنها مسودة أيضا لكثرة الهوامش والإلحاقات التي كان يضيفها تباعا، وعبر أربعين عاما تقريبا. فعمد دون كلل إلى إلحاق أسماء أخرى وإجراء التصحيح أو التنقيح، وهذا هو نهج العالم الأصيل الّذي يدرك بأن الكمال للَّه وحده، وأن الإنسان وما يعمل بعيد عن الكمال.
ولقد تجلّى ورعه في دينه بوضوح في نزعته العلمية الموضوعية، فكان مثال العالم الورع الّذي لا يبتسر الحديث عن شيء ولا يدعي، والقيد الضابط لذلك هو كونه واحدا من تلاميذ مدرسة الإسلام الخالدة.
ويحكي ابن حجر قصة تأليف الإصابة على مدى أربعين عاما بقوله: «وقد قيدت بالحمرة أولا، ثمّ بالصفرة ثم بصورة ما يخالطهما وكل ذلك قبل كتابة فصل المبهم من الرجال والنساء ونتساءل هل كمل الإصابة؟
على الرغم من المدة الزمنية الطويلة التي استغرقها تأليف كتاب الإصابة، ورغم عناية مصنفه به، ومتابعته له، فإنّه لم يكمل بشكله النهائي، لأنه خصّص بابا للمبهمات وقد قيد منها كثيرا. فلقد ورد في نهاية نسخة دار الكتب المصرية ذات الرقم ٢٢٨ طلعت قول الناسخ « ... وقد بقي عليه المبهمات، وقيّد منها كثيرا، ولكن لم أظفر به إن شاء اللَّه تعالى» .
وجاء في آخر نسخة دار الكتب المصرية ذات الرقم (٢٢٩ طلعت) أن آخر كتاب النساء من الإصابة هو آخر ما وجد بخط مصنّف الكتاب.
وقال السخاوي وهو يعدد المصنفين في الصحابة « ... وكتاب شيخنا المسمى بالإصابة. جامع لما تفرق منها مع تحقيق، ولكنّه لم يكمل.
ويبدو أن كثرة السؤال في تبييضه هي التي دفعت ابن حجر إلى نشره قبل أن يكمل باب المبهمات.
وهناك إحالات في الإصابة على المبهمات كقوله مثلا «يأتي في المبهمات ويأتي في الكنى» ، أو كقوله: «وسيأتي ذكر قصتها في المبهمات إن شاء اللَّه» كما وردت ترجمة أبي بجيلة وآخرين في القسم الرابع، وقال تقدموا في الأول وحقهم أن يذكروا في المبهمات، ولكن لا نجد باب المبهمات في المطبوع من الإصابة الّذي طبع أكثر من ست طبعات كما لم يشر أحد من الناشرين أو المحققين إليه، وقد سبقت الإشارة إلى أنه كتب منه كثيرا ولم يظفر به الناسخ.
стр. 119
وفي الإصابة بعض المواضع البيضاء التي قد يكون تعليلها أنّها من جملة الأشياء التي لم يدونها المؤلف، لأنها تتطلب المزيد من التحقيق.
ففي أثناء بعض تراجمه ذكر سهيل بن أبي جندل ثم قال: «ينظر مسند الحارث بن معاوية ويحرر من النسب وغيره» .
وقال في موضع آخر عند ترجمة أم سعيد والدة سعيد بن زيد بن عمرو بن نفيل قال:
«يكتب من..... باب الكافور في كتاب الجنائز للبيهقي في السنن الكبير» وجاء في نهاية الترجمة فقال: «وروى ابن سعد ... » ولم يذكر الرواية. وجاء في نهاية ترجمة ما نصه «ينبغي أن يحوّل إلى القسم الرابع» .
ترتيب الإصابة على أربعة أقسام
ألحّ الكثيرون على ابن حجر في نشر كتابه «الإصابة» ، فاستخار اللَّه في ذلك ورتّبه على أربعة أقسام في كل حرف، وهذا يعني أنه قسّم التراجم المبدوءة في حرف الألف مثلا إلى أربعة أقسام، وكذلك الباء والتاء وهلمّ جرا حتّى آخر الحروف.
١- القسم الأوّل:
يقسم القسم الأول بأنه خاص بتراجم الذين وردت صحبتهم بطريق الرواية عنهم أو عن غيرهم، ومهما كانت الطريق صحيحة أو حسنة أو ضعيفة، وشملت تراجم هذا القسم أولئك الذين وقع ذكرهم بما يدل على الصحبة بأي طريق كان.
وكان قد رتّب هذا القسم بادئ ذي بدء على ثلاثة أقسام، ثمّ بدا له أن يجعله قسما واحدا، على أنّه ميّز في كل ترجمة ما إذا كانت الطريق التي وردت بها صحبة الصحابي صحيحة أو حسنة أو ضعيفة، ولذلك فالقراءة في كتاب الإصابة تستوجب يقظة وتركيزا وإمعانا والقارئ مطالب بذلك إن شاء الوصول إلى الدقة والصواب.
٢- القسم الثّاني:
وخصّص القسم الثاني لتراجم من ذكر في الصحابة من الأطفال الذين ولدوا في عهد النبي ﷺ لبعض الصحابة من النساء والرجال وقد مات النبي ﷺ وهم دون سن التمييز وبين أن ذكر هؤلاء الصحابة إنما هو على سبيل الإلحاق لغلبة الظنّ على أنه- ﷺ رآهم، وهذه الفكرة إنما تستند إلى أنّ الصحابة- ﵃ كانوا حريصين على إحضار أولادهم عنده عند ولادتهم ليحنكهم ويسميهم تبركا به، والأخبار بذلك شهيرة، واستند ابن حجر في
стр. 120
تثبيت هذه الفكرة على أحاديث صحيحة وردت في صحيح مسلم وفي مستدرك الحاكم، وكتاب الصحابة لابن شاهين.
وأعطى المبرر الّذي دعاه إلى إفرادهم عن أهل القسم الأول بقوله: «لكن أحاديث هؤلاء عنه- أي عن النبي ﷺ من قبيل المراسيل عند المحققين من أهل العلم بالحديث.
٣، القسم الثّالث:
والقسم الثالث خاصّ بتراجم أولئك الذين ذكروا في الكتب من المخضرمين الذين أدركوا الجاهلية والإسلام، ولم يرد في خبر قط أنهم اجتمعوا بالنبيّ ﷺ ولا رأوه، سواء أسلموا في حياته أم لا. وهؤلاء ليسوا أصحابه باتفاق أهل العلم بالحديث على الرغم من أن بعضهم قد ذكر في كتب معرفة الصحابة، لكن مصنفيها أفصحوا بأنهم لم يذكروهم إلّا بمقاربتهم لتلك الطبقة، ولم يجزموا بأنهم من أهلها. ومن هؤلاء المصنّفين أبي حفص بن شاهين (ت ٣٨٥ هـ) وأبي عمر بن عبد البر (ت ٤٦٣ هـ) .
وأحاديث هؤلاء عن النبي ﷺ مرسلة بالاتفاق بين أهل العلم بالحديث.
٤- القسم الرّابع:
وهو خاص بتراجم أولئك الذين ذكروا في الكتب على سبيل الوهم والغلط وبيان ذلك بالأدلة وبأسلوب أهل الحديث وطرائقهم.
ولم يذكر فيه إلّا ما كان الوهم فيه بيّنا، وأمّا مع وجود احتمال عدم الوهم فلم يلجأ إلى ذكره، إلّا إذا كان ذلك الاحتمال يغلب على ظنّه بطلانه قال ابن حجر: «وهذا القسم الرابع لا أعلم من سبقني إليه، ولا من حام طائر فكره عليه، وهو الضالة المطلوبة في هذا الباب الزاهر، وزبدة ما يمخضه من هذا الفن اللبيب الماهر.
والحق أنّ ابن حجر لم يسبق في إفراد تراجم الذين ذكروا على سبيل الوهم، إلّا أن الذين سبقوه أشاروا إلى بعض هؤلاء من خلال ترجمتهم في الصحابة، لكنه لم يسبق أيضا في بيان سبب الوهم أو الذهول مع تحقيق فريد. ولقد حدّد تلميذه البقاعي ذلك بقوله:
«.... بما لم يسبق إلى غالبة» .
وهذا نهج جديد أدخله ابن حجر على التصنيف في علم معرفة الصحابة تمخّض عن نتائج خطيرة.
ميزات القسم الرّابع في كتاب «الإصابة»
يتمثل في هذا القسم جانب الأصالة والإبداع، كما تتجلّى فيه قابلية ابن حجر النقدية وقراءاته الواسعة.
стр. 121
وفيه صحّح أوهاما، وحلّ معضلات فكرية، قد تكون صغيرة ولكنها مهمة، تواردت على ألسنة الحفاظ، وصفحات كتب المصنفين.
أما أنواع الأخطاء التي صححها فهي كثيرة يمكن حصرها بالآتي:
١- الكشف عن التّحريف والتّصحيف في الأسماء أشار إلى التحريف أو التصحيف الّذي اعترى الأسماء، ولا يسع الباحث هنا إلّا إعطاء نماذج منها فقط في ترجمة سديد مولى أبي بكر (الترجمة/ ٣٧٤٠) قال: «هكذا وقع في «التجريد» وإنما هو بالمعجمة. فترجم لها ابن حجر في حرف الشين المعجمة. وأن اسمه عامر بن مالك بن صفوان، فورد عند السابقين (عن صفوان) أو أن لفظة (ابن) تصحفت واوا فصار الواحد اثنين. كما أشار إلى التصحيف السمعي، والخط السمعي معا.
٢- سقوط اسم من السند، أو سقوط أداة الكنية، أو حرف جر أو زيادة اسم في النسب، وفي كل هذه الحالات تظهر أسماء تؤدي إلى الوهم.
٣- توهم الرّواة صحبة الرجل، لأنه أرسل حديثا، وعدم التمييز بين المسند والمرسل.
٤- تعدد الأسماء أو الكنى، وعدم التمييز بينها، فيذكر الرجل المترجم مرة بالكنية، ومرة بالاسم أو اللقب، فتتكرر ترجمة الصحابي على أنه اثنين وهو في الحقيقة واحد وكذلك المغايرة بين اسمين أو كنيتين، أو الجهل بوجود لقبين للمترجم مثل عامر بن مالك الكعبي هو القشيري.
أو أن ينسب الراويّ إلى جدّه أو اعتماد المنصفين السابقين ل «ابن حجر» على نسخ محرفة فنشأ الخطأ عن تغيير في الاسم، فيتغير «محمية» إلى «محمد» أو اسم رجل ذكروه في النساء أو خطأ نشأ عن زيادة اسم وتغيير آخر.
٥- منهم من مات قبل المبعث، وذكر في الكتب على أنه صحابي مثل «سيف بن ذي يزن» .
٦- الأخطاء الناجمة عن سقط وقلب، كما في ترجمة «عمرو السعدي» الّذي ذكره المصنفون السابقون،
وأوردوا من طريق إسماعيل بن عبد اللَّه بن أبي المهاجر عن عطية بن عمرو السعدي عن أبيه قال: قال رسول اللَّه ﷺ : «لا تسأل الناس شيئا وسل اللَّه مسئول ومنطي»
وهذا هو عطية بن عمرو السّعديّ عن أبيه.
٧- تشابه الأسماء أدّى إلى الوهم أحيانا.
стр. 122
٨- أخطاء نشأت عند عدم تأمل أو سوء فهم أو أن حقه أن يذكر في «المبهمات» فذكر في المصنفات السابقة في الأسماء كما في حديث من طريق يزيد بن نمران قال: «رأيت بتبوك رجلا مقعدا» فأورده جعفر المستغفري في الأسماء باسم «المقعد» فرد عليه ابن حجر هذا وهم، وإنّما هي صفة، ومحله أن يذكر في «المبهمات» أو هو اسم جنس فيظن أنه اسم رجل، وليس كذلك كما في ترجمة «هديل» .
٩- اختلاف الأسماء من قبل بعض الكذابين مثل معمّر، وعبد النور الجني، وأبو الحسن الراعي، ومكلبة الخوارزمي، وغيرهم.
١٠- وأشار ابن حجر في القسم الرابع إلى أخطاء تدل على انتباه شديد، ويلاحظ ذلك في ترجمة آبي اللحم الغفاريّ الّذي توهم الترمذي وأبو عمر بجعل «آبي اللحم» كنية، وهي ليست كنية، لكنها صارت كالكنية، وقيل: إنما قيل له ذلك، لأنه كان لا يأكل اللحم ثم قال بعد أن ذكر الذين ترجموه أو ذكروه: «وكل ذلك خطأ وجعله في حرف الهمزة على تقدير أن يكون خطأ آخر وإنما حقه أن يكون في اللام، لأن الألف والباء إن كانت أداة الكنية فالاعتبار في ترتيب الحروف بما بعدها وقد مشى على ذلك «الدولابي» و «ابن السكن» و «ابن مندة» فذكروه في حرف اللام من الكنى، وأنكر ذلك أبو نعيم على ابن مندة فأصاب.
وهكذا جاء القسم الرابع من كل حرف في كتاب «الإصابة» نهجا جديدا فأوضح اللبس وأزال الغموض الّذي رافق الكثيرين من المصنفين، وارتفع بمستوى الكتابة في علم معرفة الصحابة إلى درجة عالية، ويمكن اعتباره مرحلة أعلى متطورة في هذا اللون من التصنيف.
وقال الأستاذ الدكتور شاكر محمود عبد المنعم:
وفي هذه المرحلة من البحث يبرز السؤال الآتي: إلى أي مدى استوعب كتاب «الإصابة» تراجم الصحابة؟
لقد ذكر ابن حجر في مقدمته الوجيزة ل «الإصابة» عددا من المصنفين في هذا الباب، وانتقد قسما منهم، فذكر ابن عبد البر وكتابه الّذي سماه «الاستيعاب» لظنه أنه استوعب ما في كتب السابقين، ومع ذلك ففاته شيء كثير، وذكر الذيول عليه، ثم ذكر كتاب «أسد الغابة» ل «ابن الأثير» وانتقده إلى أن قال: «ثم جرد الأسماء التي في كتابه مع زيادات عليها الحافظ أبو عبد اللَّه الذهبيّ، وعلم لمن ذكر غلطا، ولمن لا تصح صحبته، ولم يستوعب ذلك ولا قارب» .
وقد وقع ل «ابن حجر» كثير من الأسماء ليست في كتاب «الذهبي» ولا أصله، فجمع كتابا كبيرا في ذلك ميز فيه الصحابة من غيرهم وكما مر آنفا إلا أنه قال: «ومع ذلك فلم يحصل
стр. 123
لنا من ذلك جميعا الوقوف على العشر من أسماء الصحابة بالنسبة إلى ما جاء عن أبي زرعة الرازيّ قال: توفّي النبي ﷺ ومن رآه وسمع منه زيادة على مائة ألف إنسان من رجل وامرأة كلهم قد روى عنه سماعا أو رؤية» .
علما بأن أبا زرعة أجاب بذلك عن سؤال من سأله عن الرواة خاصة فكيف بغيرهم؟
ومع هذا فجميع من في «الاستيعاب» يعني ممن ذكر فيه باسم أو كنية أو وهما ثلاثة آلاف وخمسمائة واستدرك عليه ابن فتحون على شرطه قريبا من هذا العدد.
وقرأ ابن حجر بخط «الذهبي» من ظهر كتابه «التجريد» لعل الجميع ثمانية آلاف إن لم يزيدوا لم ينقصوا، ثم رأى بخطه أن جميع من في «أسد الغابة» سبعة آلاف وخمسمائة وأربعة وخمسون نفسا.
على أن قول أبي زرعة وجد له تأييدا في رواية عن كعب بن مالك في قصة «تبوك» الواردة في الصحيحين وهي قوله: «والناس كثير لا يحصيهم ديوان» .
وثبت عن الثوري فيما أخرجه الخطيب بسنده الصحيح إليه قال: من قدم عليّا على عثمان فقد أزرى على اثني عشر ألفا، مات رسول اللَّه ﷺ وهو عنهم راض فقال النّوويّ:
وذلك بعد النبي ﷺ باثني عشر عاما بعد أن مات في خلافة أبي بكر في الرّدة والفتوح الكثير ممن لم تضبط أسماؤهم، ثم مات في خلافة عمر في «الفتوح» وفي الطاعون العام وعمواس وغير ذلك من لا يحصى كثرة وسبب خفاء أسمائهم أن أكثرهم أعراب، وأكثرهم حضروا حجة الوداع واللَّه أعلم.
على أن عدد تراجم الإصابة يزيد على ١٢٣٠٤ بما في ذلك المكرر بسبب الاختلاف بالاسم أو الكنية أو اللقب وكذلك يشمل هذا العدد أولئك الذين ذكروا في الصحابة على سبيل الوهم.
مما تقدّم يتضح بأن ليس بمقدور أحد أن يستوعب تراجم الصحابة ولا خمس عددهم للأسباب المشار إليها آنفا.
وتجدر الإشارة إلى أن ما شهده حقل معرفة الصحابة من ظهور الاستدراكات والتذييل وبيان الأوهام على المصنفات فيه يعطي دليلا على شعور المهتمين بهذا اللون من التصنيف بأن هناك حيزا لا بد أن يملأ ولكن بعد أن نشر الحافظ ابن حجر كتاب «الإصابة» في نهاية النصف الأول من القرن التاسع الهجريّ لم تشر المصادر إلى كتاب ألف عن معرفة الصحابة، كما لم يظهر تذييل ولا استدراك على الإصابة، وهذا قد يفسر الجهد الضخم
стр. 124
المبذول فيه، والاستقصاء الفريد الّذي قام به ابن حجر وقال السيوطي عند ما ذكر «الإصابة» :
«كتاب حافل، وقد اختصرته وللَّه الحمد» . وسماه حاجي خليفة: «عين الإصابة» .
وقيل وقبل أن يشرع بأبواب الكتاب التي تضم باب الأسماء وباب الكنى، وباب النساء، وباب كنى النساء ذكر ثلاثة فصول مهمة تمس الحاجة إليها بمثل تصنيفه وتقع الفصول الثلاثة في ثماني صفحات، خصص الفصل الأول منها لتعريف الصّحابي، وبيّن أصح ما وقف عليه من ذلك وهو أن الصحابي: «من لقي النبي ﷺ مؤمنا به ومات على الإسلام» .
وشرح هذا التعريف بصفحتين ونصف شرحا وافيا جاء فيه على جميع الملابسات المحتملة من حيث لقيا النبي ﷺ أو الرّواية عنه أو عدمها، ومن لقيه كافرا ولو أسلم بعد ذلك؟ والإيمان به من الجن والإنس وماذا بشأن الملائكة؟ أو الّذي لقيه مؤمنا ثم ارتد ثم عاد إلى الإسلام كما ناقش الاحتمالات الأخرى إلى أن قال: «وهذا التعريف مبني على الأصح المختار عند المحققين كالبخاري وشيخه أحمد بن حنبل ومن تبعهما ووراء ذلك أقوال أخرى شاذّة» . كما أشار إلى تعريفات أخرى.
ثم بين ما جاء عن الأئمة من الأقوال المجملة في الصفة التي يعرف بها كون الرّجل صحابيّا، وإن لم يرد التنصيص على ذلك، وهي ثلاثة آثار:
١- أنهم كانوا في الفتوح لا يؤمّرون إلا الصحابة وقد استدل ابن حجر بهذا الرأي في أكثر من أربعين موضعا على أنه قال في موضع: «كانوا لا يؤمّرون في زمن الفتح إلا من كان صحابيّا، لكن إنما فعلوا ذلك في فتوح «العراق» فلذلك أذكر أمثال هذا في هذا القسم «وهو الثالث» .
٢- لم يبق بمكة ولا الطائف أحد في سنة عشر إلا أسلم وشهد مع النبيّ ﷺ حجة الوداع واستدل ابن حجر بهذا الرّأي في أكثر من ستة وثلاثين موضعا، وقال في موضع:
«وقد ذكرنا غير مرّة أن من كان في عصر أبي بكر وعمر رجلا وهو من قريش فهو على شرط الصّحبة، لأنه لم يبق بعد «حجة الوداع» منهم أحد على الشرك وشهدوا «حجّة الوداع» مع النبي جميعا» .
وقال في موضع آخر: «ولم يبق بمكّة بعد الفتح قرشي كافرا كما مر، بل شهدوا «حجة الوداع» كلهم مع النبي ﷺ كما صرح به ابن عبد البرّ» .
وقال في موضع آخر: «وقد ذكرنا غير مرّة أنه لم يبق من قريش وثقيف ممن كان بمكة والطائف في «حجة الوداع» أحد إلّا أسلم وشهدها» .
стр. 125
وفي موضع آخر قال: «لم يبق بالحرمين ولا الطائف أحد في «حجّة الوداع» إلا أسلم وشهدها» .
وقال أيضا: «وقد تقدّم لم يبق ب «مكة» قرشي في سنة عشر إلا شهد «حجّة الوداع» كما قال: «وقد قدّمنا غير مرّة أن من أدرك النبي ﷺ وبقي بعده، وكان قرشيا أو حليفا لهم فقد شهد مع النبي ﷺ حجة الوداع» .
٣- لم يبق من الأوس والخزرج في آخر عهد النبي ﷺ إلا من دخل الإسلام، وما مات النبي ﷺ وأحد منهم يظهر الكفر.
واستدل ابن حجر بهذا الرأي فيما يتعلق بتراجم الأنصار خاصة في القسم الثالث من كتاب «الإصابة» .
أما الفصل الثّاني فقد جعل عنوانه: «في الطريق إلى معرفة كون الشخص صحابيّا» .
وذلك بأشياء منها:
- أن يثبت بطريق التواتر أنه صحابي بالاستفاضة والشهرة، ثم بأن يروي عن آحاد من الصحابة أن فلانا له صحبة مثلا، وكذلك عن آحاد التابعين بناء على قبول التزكية من واحد وهو الراجح، ثم بأن يقول هو إذا كان ثابت العدالة والمعاصرة: أنا صحابي.
وحدد معنى العدالة والمعاصرة، وبين رأي الآمدي وأبي الحسن القطان، وابن عبد البر في هذين الشرطين وضرب الأمثلة لذلك.
وختم هذا الفصل بما أطلق عليه:
«ضابط يستفاد من معرفته صحبة جمع كثير يكتفي فيهم بوصف يتضمن أنهم صحابة وهو مأخوذ من ثلاثة آثار» .
وقد ذكرنا أنّهم كانوا لا يؤمّرون في المغازي إلا الصحابة وكان لا يولد مولود للصحابة إلا جاءوا به إلى النبي ﷺ فيحنكه ويسميه، ولم يبق بمكة والطائف أحد في سنة عشر إلا أسلم وشهد حجة الوداع.
أما الفصل الثّالث فقد خصصه ل «بيان حال الصّحابة من العدالة» .
وقد اتفق أهل السنة على أن الجميع عدول، ولم يخالف في ذلك إلا شذوذ من المبتدعة، وأحال إلى الفصل الّذي كتبه الخطيب البغدادي في «الكفاية» في علم الرواية عن ثبوت عدالة الصحابة- رضوان اللَّه عليهم- بتعديل اللَّه لهم في القرآن، وإخباره عن طهارتهم، واختياره لهم بآيات كثيرة يطول شرحها، وأحاديث شهيرة يكثر تعدادها، وجميع
стр. 126
ذلك يقتضي القطع بتعديلهم، ولا يحتاج أحد منهم مع تعديل اللَّه له إلى تعديل أحد من الخلق.
على أنه لو لم يرد من اللَّه ورسوله فيهم شيء عن عدالتهم لأوجبت الحال التي كانوا عليها من الهجرة والجهاد ونصرة الإسلام، وبذل المهج والأموال وقتل الآباء والأبناء والمناصحة في الدين، وقوة الإيمان واليقين القطع على تعديلهم، وأنهم أفضل من جميع الخالفين بعدهم والمعدلين الذين يجيئون من بعدهم.
هذا مذهب كافة العلماء ومن يعتمد قوله ولا ينتقص منهم إلا زنديق، لأن الرسول حق، والقرآن حق، وما جاء به حق، وإنما أدى إلينا ذلك كله الصحابة، وتجريحهم أو الانتقاص منهم يستهدف إبطال الكتاب والسنّة.
وذكر بعض الآيات والأحاديث في تفضيلهم، ومن الأخبار الدالّة على تعظيمهم عند الخلفاء الراشدين وغيرهم.
وختم الفصل بفائدة بين فيها أن أكثر الصحابة فتوى مطلقا سبعة فذكرهم، ثم أورد قولا لابن حزم يتعلق بإمكان جمع مجلد ضخم من فتيا كل واحد منهم جزء صغير وأن في الصحابة مائة وعشرين نفسا مقلّون في الفتيا يمكن أن يجمع من فتيا جميعهم جزء صغير بعد البحث وهؤلاء من فقهاء الصحابة.
ونبه إلى أنه جعل على كل اسم أورده زائدا على ما في تجريد الذّهبيّ، وأصله الحرف «ز» .
وبعد تحليل مقدمة «الإصابة» أورد الحديث عن السمات الرئيسية في منهجه.
الدّقّة في التّرتيب على حروف المعجم
قسم ابن حجر «الإصابة» على أربعة أقسام في كل حرف من حروف المعجم، فحرف الألف مثلا أربعة أقسام وكذلك الباء والتاء وهلم جرا إلى الياء آخر الحروف.
وتظهر الأقسام الأربعة في أسماء وكنى الرجال وأسماء وكنى النساء مرتبة على حروف المعجم أيضا.
وفي داخل القسم الواحد من كل حرف يظهر الترتيب الهجائي مراعيا الحرف الأول والثاني والثالث والرابع في اسم المترجم، واسم أبيه واسم جده، ولم يشذ عن ذلك إلا في حالات نادرة جدا.
стр. 127
وعند ما ذكر الأسماء المبدوءة ب «ذو» مثلا رتبهم على حروف المعجم بعد لفظ «ذو» .
وانتقد ابن حجر بعض من صنف في «الصحابة» لذكرهم جماعة من النساء في الكنى من غير أن يرد أن تلك الكنية موضوعة على تلك المرأة بل إذا ورد في خبر عنها أو عن غيرها أن لها ابنا اسمه «فلان» فيذكرونها بلفظ «أم فلان» .
قال ابن حجر: ومن حق ما هذا سبيله أن يقال: والدة فلان، ولا يقال «أم فلان» إلا إذا ورد أنها كنيت به، وقد كنى ابن حجر أسماءهن تبعا للمصنفين السابقين له، لكنه نبه على ذلك في كل ترجمة، ومن وضح أن لها اسما نبّه عليه أيضا، ومن ورد أن لها كنية تختص بها أعاد ترجمتها في القسم الرابع، وهذا واحد من الأسباب التي أفضت إلى التكرار في التراجم.
الضّبط بالحروف والتّعريف بالمواضع
ضبط ابن حجر الأسماء والألفاظ بالقلم في الغالب وكأنه أحس بضرورة تقييد بعضها بالحروف وخاصة أن كثيرا من الأسماء جاهلية أو غريبة تصعب قراءتها ولا يؤمن التحريف أو التصحيف فيها، على أنه لم يضبط جميع ما يحتاج إلى الضبط، ولعل ذلك يرجع إلى حرصه على الاختصار من جهة وتصنيفه كتابا في المشتبه الّذي سماه «تبصير المنتبه بتحرير المشتبه» والّذي انتهى من تحريره في سنة ٨١٦ هـ، وقد يشير إلى أن اللفظ المعين قد ضبطه الأمير ابن ماكولا أو غيره.
ومع ذلك فإنه قيد بالحروف بعض الأعلام والألفاظ وهي إما أن تكون أسماء في سلسلة نسب المترجم أو أسماء أو ألفاظا تمر أثناء حديثه عرضا، وقد تكون أسماء لمواضع.
وفي مواضع قليلة عرف بالأعلام البلدانية والمواضع التي يرد ذكرها في أثناء التراجم، وقد يفسر بعض الألفاظ من الناحية اللغوية أو البلاغية.
التّكرار في تراجم الإصابة
أسفرت طبيعة المنهج الّذي التزم به ابن حجر في «الإصابة» عن ظاهرتين برزتا في كتاب «الإصابة» .
الأولى: التكرار في بعض التراجم.
والثّانية: خلو بعض الأقسام في بعض الحروف من التراجم أما بالنسبة لتكرار التراجم
стр. 128
فذلك لأسباب عدة، منها أن ابن حجر التزم أن يذكر في القسم الأول كل من وردت صحبته بطريق الرواية عنه أو عن غيره، سواء أكانت الطريق صحيحة أم حسنة أم ضعيفة أو وقع ذكره بما يدل على الصحبة وبأي طريق كان، فهو يورد لذلك الترجمة في القسم الأول على هذا الأساس، ولكنه يناقش خلال ذلك الطرق وتثبت منها ويكتشف الذين ذكروا في الصحابة على سبيل الوهم، فهو يعيد ترجمة المذكور في الصحابة وهما في القسم الرابع في الغالب، ولكن إذا أدى فحصه للروايات إلى أن صحبة المترجم محتمله فإنه لا يكرر الترجمة ويكتفي بمناقشته للجوانب الضعيفة فيها.
وممّا أدى إلى التكرار أن لبعضهم اسمين أو ثلاثة أسماء قد تكون حقيقية، وقد يكون التصحيف أو التحريف أو الوهم قد وجد سبيله إلى واحد منها فصيره اثنين أو ثلاثة. فترى ابن حجر يترجمه في موضعين أو ثلاثة تبعا لتصحيفه في الحرف الّذي يبدأ به اسمه، لكنه يوضح ذلك ويحيل إلى ما أورده سابقا أو سيأتي به لاحقا مما يتعلق بالمترجم، وهنا لا بد من التوضيح أن ضبط أسماء الصحابة وأنسابهم يتطلب يقظة وحذرا أكثر من غيرهم، لأن أسماءهم لم تدوّن إلا في فترة متأخرة ناهيك بأن بعض أسمائهم أو أسماء آبائهم جاهلية وقد تكون غير مألوفة بالنسبة للمتأخرين، وهذا مما يجعل مسألة اللبس أو الوهم فيهم محتملة، وهذا ما لاحظته في دراسة «الإصابة» .
وقد يكون بعض من صنف من السابقين لابن حجر قد أفرد ترجمتين لاثنين بناء على اختلاف اسميهما وهما في الحقيقة واحد.
وفعل مثل ذلك بالنسبة للمشهورين بكناهم فترجمهم في الأسماء وفي الكنى، وأحال إلى مواضع ورود تراجمهم في الكتاب رجالا كانوا أم نساء.
وقد يترجم لصحابي مثل حذيفة بن اليمان- ﵁ ولكن ورد أن النبي ﷺ خاطبه باسم «خاطب» فإنه يكرر ترجمته تحت الاسمين.
وكذلك إذا ورد أن للمترجم رؤية والمشهور أنه من المخضرمين فإنه يكرر ترجمته مثل قيس بن أبي حازم الأحمسي الّذي ترجم له في القسم الثاني فيمن له رؤية وفي القسم الثالث مع المخضرمين، أو من لهم إدراك.
وقد تتكرر الترجمة حرفيّا، وقد يختلف فيها اللفظ ومخارج الحديث، وقد تقتصر الترجمة على ذكر الاسم كاملا أو الاسم والكنية فقط- كما في الترجمتين ٢٥٦٢، ٢٧٢٢- وهو في كل ذلك ينبه إلى ما تقدم أو إلى ما سيأتي لاحقا.
стр. 129
ورغم ذلك فإنه لم يكرر القصص أو الحوادث التي أوردها خلال ترجمة ما مكتفيا بالإحالة إليها وتحديد موضع ذكره لها من كتابه، بل لم يكرر النسب بطوله عند ما يترجم للإخوة والأخوات أو الآباء والأبناء.
أما الظاهرة الثانية التي ظهرت في منهج الحافظ ابن حجر في كتاب «الإصابة» فهي خلوّ بعض الأقسام في بعض الحروف من التراجم.
(والأمثلة على ذلك كثيرة منها مثلا: القسم الثّاني من حرف الذال، لم يذكر فيه أحد من الرجال والقسم الثاني من حرف الظاء لم يذكر فيه أحد من الرجال) أو اقتصار عدد التراجم على ترجمة واحدة أو ترجمتين- كما في القسم الثاني من حرف الشين المعجمة- ويلاحظ أن خلو بعض الأقسام في بعض الحروف من تراجم النساء وكناهن بدرجة أكبر.
فمثلا جاءت جميع الأقسام في حرف الذّال المعجمة من تراجم النساء خالية عدا ترجمة واحدة في القسم الأوّل، على حين وردت الإشارة إلى أن هذا الحرف في «الاستيعاب» خال من النساء.
الحوالات في «الإصابة»
لقد حرص ابن حجر على الاحالة إلى ما سبق ذكره وإلى ما سوف يأتي لاحقا في «الإصابة» ولا يفتأ ينبه القارئ على ذلك.
فقد يذكر طرفا من خبر أو قصّة احتاج إليه في موضع ثم يحيل إلى الموضع الّذي وردت فيه كاملة.
وعند ما يترجم ل «إبراهيم» مثلا في القسم الأول، ويوجد غيره بنفس الاسم، لكنه يقع منهجيا ضمن تراجم القسم الثاني فإنه يذكره ويشير إلى أن ترجمته تأتي في القسم الثاني وكذا فعل بالنسبة للذين يترجم لهم ضمن القسم الواحد إلا أنه رتبهم منهجيّا في الكنى- كما فعل في ترجمة إبراهيم أبو رافع مولى النبي ﷺ .
وذكر ترجمة رباح بن قصير اللخمي في القسم الأول ثم أورده في القسم الثالث وقال:
«تقدم في القسم الأول وهو من هذا القسم على الصحيح أما عن إحالته إلى التراجم التي سبقت أو التي ستأتي فهي كثيرة مما يشعر بالدّقة والاحتياط، وممّا يقوي هذا الرأي أنه يحدد الموضع الّذي يحيل إليه كأن يقول: تقدّم في أكثم» من القسم الثالث أو يأتي في عديد أو عفيف، أو قوله عن النجاشي ملك الحبشة: «اسمه أصحمة تقدم في حرف الألف» ، أو عن قرظة بن عبد القرشي قال: «ينظر في ترجمة ابنته فاختة زوج معاوية في كتاب النساء» أو
стр. 130
يأتي في حرف النون في ترجمة والده بعد أن ذكر اسمه أو كقوله «ووقع ذكر الشريد من بني سليم في شعر هوذة الآتي ذكره في حرف الهاء» .
وفي ترجمة سويبق بن حاجب بن الحارث قال: «وهو سبيع الّذي تقدّم ذكره ولم ينبه عليه» .
وفي تراجم الإخوة والأخوات والآباء والأبناء ذكر النسب في موضع واحد وأحال عليه.
وإذا سبق في التراجم اسم بشكل عرضي فإنه يحيل إلى ترجمته ويبين موضعها، وكذلك الحديث أو الرواية المتشابهة، كما استعمل في الإحالة عبارات مثل: «سيأتي في القسم الثالث» ، أو سأوضح ... ذلك في العبادلة» أو «قد مضى القول فيه في القسم الأوّل» .
وأحال إلى بعض مصنفاته مثل شرح البخاري «فتح الباري» وكتاب «الأوائل» و «تعليق التعليق» و «لسان الميزان» و «أسباب النزول» و «تهذيب التهذيب» وكتاب «المعمرين» و «العشرة العشارية» و «الأربعين المتباينة» وكتاب «معرفة المدرج والبناء الجليل بحكم بلد الخليل» و «مبهمات القرآن» وبعض الأجزاء المفردة.
وجميع هذه الإحالات توضح حرصه على الاختصار، لأنه يذكر طرفا من الحديث أو القصة أو الخبر ثم يشير إلى أنه قد استوفاه في مصنف آخر.
اعتماد الحافظ ابن حجر على مؤلّفات من سبقه في كتابه «الإصابة»
وقف ابن حجر في نهاية تطور طويل لعلم معرفة الصحابة وقد سبقه عدد كبير من المصنفين في هذا الباب، وأشار هو في مقدمة كتابه، «الإصابة» إلى سبعة وعشرين منهم، ثم قال: «وفي أعصار هؤلاء خلائق يتعسر حصرهم» وكان ذلك إلى أوائل القرن السابع الهجريّ ثم ظهرت مصنفات أخرى كثيرة، فاستفاد ابن حجر من المصنفات السابقة له في هذا الباب، سواء أكانت خاصة بالصحابة أم تحدثت عنهم بشكل عرضي في المصنفات الخاصة بالعلوم والآداب المختلفة، على أنه اقتبس من موارد تزيد على ستين مصنفا منفردا عن الصحابة وأغلبها تملك حق روايتها بالسماع وبالإجازة الخاصة كما يبين ذلك في كتابه «المعجم المفهرس» و «المعجم المؤسس» .
стр. 131
وقد بذل جهدا عظيما في استقصاء أسماء الصحابة من المصنفات وتخريج تراجمهم بصرف النظر عن كون المصنفات موثقة أو ضعيفة، وفي أي فرع كانت من فروعه المعرفة وذلك بسبب التقسيم الّذي ابتكره، وتخصيصه القسم الرابع من كل حرف لتراجم الذين ذكروا على سبيل الوهم في الصحابة، فجمع مادة كتابه من المصنفات والأجزاء الحديثية والنسخ، وحواشي الكتب والتعليقات، وكل ما يخطر على البال.
على أنه انتقد المصادر التي اعتمد عليها، وبين جوانب الضعف والقوّة فيها كما نقد الأسانيد والروايات فهو يورد الرواية الضعيفة أحيانا ليستدل بها على عنصر من عناصر الترجمة كوفاة صاحبها مثلا فيقول: «وهذه الرواية وإن كان فيها خطأ في التسمية لكن يستفاد منها أن صاحب القصة عاش إلى أن سمع منه القاسم واللَّه أعلم» .
وذكر حديثا ثم قال: «وفي سنده الواقدي وهو واه» أو كقوله: «رواه الواقديّ وهو كذّاب» .
وعند ما يقتبس من ابن سعد صاحب «الطبقات» يقول: «روى ابن سعد بسند فيه الواقديّ» وقد كرر ذلك كثيرا خلال اقتباسه من كتاب «الطبقات» واقتبس من كتاب «الضعفاء» ومن نسخ وأجزاء اشتملت على أحاديث موضوعة، ولكن لغرض مناقشتها والتنبيه عليها.
ويبين وجه الوهم ومن الّذي وهم فيه؟ كما في ترجمة «ديلم الحميري» ٢٤١٢ ثم سبب الوهم، فهو لا يكتفي بالإشارة إليه فقط، وللاستدلال على ذلك يمكن الرجوع إلى تراجم القسم الرابع من كل حرف ولقد بيّن أوهام عدد من العلماء الأفذاذ مثل محمد بن إسحاق المطلبي، ومحمد بن عمر الواقدي، وأبي حاتم محمد بن عمر بن إدريس الرازيّ، وعبد اللَّه بن مسلم بن قتيبة، وعبد اللَّه بن محمد المروزي الملقب عبدان، وأبي القاسم عبد اللَّه بن محمد البغوي، وأبي القاسم الطبراني، وأبي أحمد الحاكم، وأبي عبد اللَّه الحاكم النيسابورىّ وأبي نعيم الأصبهاني، وأبي العباس جعفر بن محمد المستغفري، وأبي بكر أحمد بن علي الخطيب البغدادي وأبي عمر بن عبد البر، وأبي القاسم بن عساكر، وأبي موسى المديني، وأبي الحسن بن الأثير، وأبي عبد اللَّه الذهبي وغيرهم كثير.
تلك نماذج قليلة لتوضيح بعض ما صحح ابن حجر من أوهام الذين سبقوه، وهم أفذاذ لهم مكانتهم المرموقة في أعصارهم، وفي هذا دلالة بيّنة على رسوخ قدمه وسعة أفق تفكيره.
فذكر ما قاله البغوي وابن شاهين وابن عبد البر وأبو موسى وابن الأثير وقال: «وقد تم
стр. 132
الوهم عليهم جميعا، وسببه أن الإسناد الّذي ساقه البغوي سقط منه والد أزهر واسم الصحابي.. إلخ» .
وفي موضع آخر أورد رأي جعفر المستغفري ثم قال: هكذا أورده أبو موسى وهو وهم ابتدأ به جعفر وتبعه أبو موسى، وراج على ابن الأثير مع تحققه بمعرفة النسب وقلّده الذهبي» ثم بين وجه ذلك الوهم.
وأشار إلى أنواع من الأخطاء منها ما يتعلق بالتحريف والتصحيف، وهذا ما يبرز بوضوح في تراجم القسم الرابع من كل حرف، ومنها ما يتعلق بقراءة الاسم كأن يكون أحد المصنفين قرأه بالجر وهو بالرفع، وبنى على قراءته المغلوطة حكما يستوجب التصحيح.
وقد بيّن تناقض الروايات وتدافعها، وميز الروايات الشاذّة التي تفرد بها شخص معين وذكره بالاسم، وأزال بعض الإشكال الوارد في الروايات.
ورد أحكاما لابن الفرضيّ على ابن وهب في رواية حديث الخليطين، وتحريم المسكر، ولابن الأثير على الشعبي في رواية أخبار المختار الثقفي، ولابن عبد البرّ في حديث زعم أنه مضطرب، وليس كما قال، لأن «شرط الاضطراب أن تتساوى الوجوه في الاختلاف وأما إذا تفاوتت فالحكم للراجح بلا خلاف» .
كما تعقب كثيرا من المصنفين، فمثلا في ترجمة سويد بن حنظلة قال قال أبو عمر: لا أعلم له غير هذا الحديث، فقال ابن حجر: «قلت:
أخرجه أبو داود وابن ماجة ولفظه: «المسلم أخو المسلم» [ (١) ] :
وقال ابن عبد البرّ، لا أعلم له نسبا، قال ابن حجر: «قلت: قد زعم ابن حبان أنه جعفي..» .
وفي ترجمة شطب المدود ذكر سؤاله للنّبيّ ﷺ ثم أورد رأي ابن السكن في أن الحديث المشار إليه لم يروه غير أبي نشيط فقال ابن حجر «وهو حصر مردود» .
ثم بين من أخرجه.
стр. 133
وقال في موضع من الإصابة:
قال البغويّ وابن السكن: ليس للأسود غير هذين الحديثين لكنه قال: وقد وجدت له ثالثا أخرجه البزّار ... وله رابع، قال البخاري في تاريخه ...
ويسترسل أحيانا بذكر القصة أو الخبر ومن أخرجها من المصنفين، وقد تكون القصة واحدة لواحد اختلف في اسمه واسم أبيه على أكثر من عشرة أوجه، فتراه يشير إلى هذه الأوجه، وقد يورد قصصا ثم يبين التغاير بينها فيظهر فيها الإشكال ثم يناقشها ويرجح ما استطاع.
وفي ترجمة عروة بن مسعود الثقفي أشار إلى ترجمة ابن عبد البر له وقوله بأنه شهد الحديبيّة وهو كذلك غير أن ابن حجر قال: «لكن في العرف إذا أطلق على الصحابي أنه شهد غزوة كذا يتبادر أن المراد أنه شهدها مسلما فلا يقال: شهد معاوية بدرا، لأنه لو أطلق ذلك ظن من لا خبرة له لكونه عرف أنه صحابي أنه شهدها مع المسلمين» .
وعند ما ذكر أبا بشر السّلمي وساق حديثا أشار إلى أن أبا موسى ذكر أنه- أي الحديث- مشهور عن أبي اليسر ثم قال: «قال: لكن مخرج الحديث مختلف وإذا تعددت المخارج كان قرينة على تعدد الرّاوي بخلاف ما إذا اتحدت ولا مانع أن يروى الحكم عن صحابيين وقرينة اختلاف السياقين أيضا ترشد إلى التعدد واللَّه أعلم.
وناقش الأحاديث سندا ومتنا وبين درجتها، وقد يحيل إلى أن بيان علة الحديث في مكانه غير الّذي ذكره فيه من كتابه ونقد طرق الأحاديث.
واستعمل عبارات للتوهية والتضعيف كقوله: واهي الحديث، أو ضعيف، أو هالك، واستل أحيانا بعض الضعفاء من السند مشيرا إليهم بالضعف، وبين الاختلال أو الاضطراب في بعض الأسانيد ككل.
وناقش صحبة الصحابي كما في مناقشته لصحبة مروان بن الحكم، وقد يناقش الصحبة مناقشة طويلة ثم يقول: «فما أدري أله صحبة أم لا» .
وفي ترجمة رحضة الغفاريّ أبدى بعض التحفظ في إثبات صحبته وقال: «لا أعرف لأبي عمر مستندا في إثبات صحبة رحضة، وابنه إيماء، وابنه خفاف وقد ثبت في صحيح البخاري، عن عمر ما يدلّ على أن لابن خفاف صحبة، فإن ثبت ذكر أبو عمر فهؤلاء أربعة في تسعة لهم صحبة، رحضة وابن إيماء وابن خفاف فهم نظير ابن أسامة بن زيد بن حارثة، وابن سلمة بن عمرو بن الأكوع ... » .
стр. 134
وقد يسوق حديثا في أثناء الترجمة ثم يقول: «ليس في سياق الحديث ما يدل على صحبته» كأن يكون الحديث مرسلا أو يعتمد على المصنفين السابقين بذكر حديثين في الترجمة الواحدة وليس في واحد منهما تصريح بسماعه النبي ﷺ ولا بوفادته.
ثم ناقش رأي بعض المتقدّمين عن إبراهيم بن سيد البشر ﷺ «أنه لو عاش لكان نبيّا» فوصفه بأنه باطل وجسارة على الكلام على المغيبات ومجازفة وهجوم على عظيم ثم قال:
«وهو عجيب مع وروده عن ثلاثة من الصحابة، وكأنه لم يظهر له وجه تأويله فبالغ في إنكاره، وجوابه أن القضية الشرطية لا تستلزم الوقوع ولا تظن بالصحابي أنه يهجم على مثل هذا بظنه واللَّه أعلم» .
وكثيرا ما استعمل عبارة واللَّه أعلم أو العلم عند اللَّه تعالى.
ودلت مناقشاته للأنساب على معرفة كبيرة بها، كما نقد أحيانا الشعر الّذي يورده فيبين من أين استقى الشاعر معانيه وأوضح بعد ألفاظه وبين أبلغها.
وإذا ما كان ابن حجر قد اعتمد على المصنفات السابقة وأثبت بالأدلة الذين ذكروا فيها على أنهم صحابة وليسوا كذلك فإنه أضاف قائمة جديدة من الصحابة أو أسمائهم وقعت له بالتتبع غابت عن أذهان الكثيرين، كأن يكون الاسم ورد في شعر أو في قصّة أو لم يذكروه في الصحابة وهو على شرطهم، أو لا رواية له لكونه شهد فتح مصر أو لا رواية له إنما استخرج من المغازي أو لم ير من ذكره في الصحابة إلا أنه وجد ما يدل على ذلك بقراءته في كتاب «الأمثال» للمفضل الضّبي، أو في تعليقة القاضي حسين بن محمد الشافعيّ شيخ المراوزة أو في تاريخ جمعه العباس بن محمد الأندلسي للمعتصم بن صمادح أو في ديوان حسان صنعة أبي سعيد السكري كما في الترجمة ٢٦٢٤ ز أو استنتج ما يدل على كون المترجم صحابيّا وأغفلوا ذكره في الصحابة.
واقتصر بعض المصنفين السابقين (ابن حجر) في الصحابة على ذكر بعض الصحابة أو الصحابيات مع بعضهم لعلاقة ما تربطهم على حين أفرد هو لهم تراجم مستقلّة.
تلك أمثلة توضيحية فقط، لكنه استعان في إثبات صحبة الصحابي بما يمكن أن نسميه قواعد هي في حقيقتها ثلاثة آثار أشار إليها في الفصل الثالث من مقدمته للإصابة، وقد تقدّم الحديث عنها. وهي:
١- كانوا لا يؤمّرون في المغازي إلا الصحابة، ومن تتبع الأخبار الواردة في «الردّة» والفتوح وجد من ذلك شيئا كثيرا، وهم من القسم الأول.
стр. 135
٢- كان لا يولد لأحد مولود إلا أتى به إلى النبي ﷺ فدعا له، وهذا يؤخذ منه شيء كثير أيضا وهم من القسم الثّاني.
٣- لم يبق بمكة والطائف أحد في سنة عشر إلا أسلم وشهد حجة الوداع.. ويعرف الواحد منهم بوجود ما يقتضي أنه كان في ذلك الوقت موجودا، وأن الأنصار لم يكن منهم لما مات النبي ﷺ أحد إلا أسلم.
ولذلك فإنه استعان بهذه القواعد في تحديد صحبة الصحابي، وأشار إلى ذلك كثيرا في تضاعيف كتابه الإصابة، ونبه إلى صحابة لم يترجم لهم المصنفون السابقون له من قبل.
إن هذه الإضافات أو الاستدراكات تعطي للإصابة- مع غيرها- صفات الإبداع بلا شك.
стр. 136
وصف نسخ الكتاب ومنهج التحقيق
اعتمدنا في نص الكتاب على النسخ الآتية:
الأولى: المحفوظة بدار الكتب المصرية تحت رقم (٢٢٩) مصطلح حديث طلعت، تقع في خمسة أجزاء مسطرتها (٢٩) سطرا ورمزنا لها بالرمز (أ) .
الثانية: المحفوظة بدار الكتب المصرية تحت رقم (١٤) مصطلح حديث، تقع في ثلاثة أجزاء بها ينص في مواضع منها مسطرتها (٣١) سطرا رمزنا لها الرمز (ب) .
الثالثة: المحفوظة بدار الكتب المصرية تحت رقم (١٢) مصطلح حديث، تقع في ثلاثة أجزاء مسطرتها (٣٣) سطرا رمزنا لها بالرمز (ج) .
الرابعة: المحفوظة بدار الكتب المصرية تحت رقم (٨٢٢٥) حديث، مكتوبة بخط واضح، تقع في ثلاثة أجزاء ورمزنا لها بالرمز (د) .
الخامسة: المحفوظة بدار الكتب المصرية تحت رقم (٣١٦) تاريخ تيمور، مسطرتها (٣٥) سطرا، تقع في مجلدين رمزنا لها برمز (ت) .
السادسة: المحفوظة بدار الكتب المصرية تحت رقم (٣٩٨) تقع في ثلاثة أجزاء ورمزنا لها بالرمز (ع) .
السابعة: المحفوظة بدار الكتب المصرية تحت رقم (١٣٥٨) تقع في مجلدين تقع في مجلدين، رمزنا لها بالرمز (هـ) .
الثامنة: المحفوظة بدار الكتب المصرية تحت رقم (١١٩١) مسطرتها (٢٥) سطرا مكتوبة بخط مغربي، الموجود منها جزء واحد، رمزنا لها بالرمز (م) .
التاسعة: المحفوظة بدار الكتب المصرية تحت رقم (٦٤٦) مسطرتها (٣٢) سطرا، ورمزنا لها بالرمز (ل) .
стр. 137
وبعد فقد اعتمدنا أيضا على مطبوعتين:
الأولى: طبعة دار نهضة مصر.
الثانية: طبعة مطبعة السعادة.
وبعد مقابلة النسخ وإثبات فروقها غالبا قمنا بالآتي:
١- عزو الآيات إلى مواضعها.
٢- تخريج الأحاديث ودرنا في ذلك على متن الحديث.
٣- توثيق التراجم.
٤- شرح للمعاني اللغوية بالرجوع إلى مصادر اللغة.
٥- توثيق الأشعار مع ذكر بحر كل بيت.
٦- الضبط الكامل للأحاديث والأشعار.
٧- الكلام على البلدان المذكورة في النص.
٨- وضع فهارس عامة للكتاب.
هذا وآخر دعوانا أن الحمد للَّه رب العالمين.
стр. 138
مقدمة
[قال شيخنا الإمام شيخ الإسلام، ملك العلماء الأعلام، حافظ العصر وممليه، وحامل لواء السنّة فيه، إمام المعدلين والمخرجين: أبو الفضل شهاب الدّين أحمد بن عليّ ابن محمّد بن محمّد بن عليّ بن أحمد بن حجر العسقلانيّ الشّافعيّ. أبقاه اللَّه [ (١) ] في خير وعافية] [ (٢) ] .
الحمد للَّه الّذي أحصى كلّ شيء عددا، ورفع بعض خلقه على بعض، فكانوا طرائق قددا، وأشهد أن لا إله إلا اللَّه وحده لا شريك له، لم يتخذ صاحبة ولا ولدا، ولم يكن له شريك في الملك ولا يكون أبدا، وأشهد أن [ (٣) ] محمدا عبده ورسوله وصفيّه [ (٤) ] وخليله. أكرم به عبدا سيّدا، وأعظم به حبيبا مؤيدا، فما أزكاه أصلا ومحتدا، وأطهره مضجعا ومولدا، وأكرمه أصحابا، كانوا نجوم الاهتداء، وأئمة الاقتداء، صلى اللَّه عليه وعليهم صلاة خالدة [ (٥) ] ، وسلاما مؤبّدا [وسلّم تسليما] [ (٦) ] .
أما بعد، فإن من أشرف العلوم الدينية علم الحديث النبويّ، ومن أجلّ معارفه تمييز أصحاب رسول اللَّه ﷺ ممن خلف بعدهم.
وقد جمع في ذلك جمع من الحفاظ تصانيف [ (٧) ] بحسب ما وصل إليه اطلاع كل منهم، فأول من عرفته صنف في ذلك أبو عبد اللَّه البخاريّ: أفرد في ذلك تصنيفا، ينقل منه أبو القاسم البغويّ وغيره، وجمع أسماء الصحابة مضموما إلى من بعدهم جماعة من طبقة مشايخه، كخليفة بن خيّاط، ومحمّد بن سعد، ومن قرنائه كيعقوب بن سفيان، وأبي بكر ابن أبي [ (٨) ] خيثمة، وصنف في ذلك جمع بعدهم كأبي القاسم البغويّ، وأبي بكر بن أبي
стр. 139
داود، وعبدان، ومن قبلهم بقليل كمطين، ثم كأبي عليّ بن السّكن، وأبي حفص بن شاهين، وأبي منصور الماورديّ، وأبي حاتم بن حبّان، وكالطّبرانيّ ضمن معجمه الكبير، ثم كأبي عبد اللَّه بن مندة، وأبي نعيم، ثم كأبي عمر بن عبد البرّ، وسمّى كتابه «الاستيعاب» ، لظنه أنه استوعب ما في كتب من قبله، ومع ذلك ففاته شيء كثير، فذيّل عليه أبو بكر بن فتحون ذيلا حافلا، وذيل عليه جماعة في تصانيف لطيفة، وذيل أبو موسى المديني على ابن مندة ذيلا كبيرا.
وفي أعصار هؤلاء خلائق يتعسّر حصرهم ممن صنف في ذلك أيضا إلى أن كان في أوائل القرن السابع، فجمع عزّ الدّين بن الأثير كتابا حافلا سماه «أسد الغابة» جمع فيه كثيرا من التصانيف المتقدمة، إلا أنه تبع من قبله، فخلط من ليس صحابيا بهم، وأغفل كثيرا من التنبيه على كثير من الأوهام الواقعة في كتبهم، ثم جرّد الأسماء التي في كتابه مع زيادات عليها الحافظ أبو عبد اللَّه الذّهبيّ، وعلم لمن ذكر غلطا [ (١) ] ولمن لا تصح صحبته، ولم يستوعب ذلك ولا قارب.
وقد وقع لي بالتّتبّع كثير من الأسماء التي ليست في كتابه ولا أصله على شرطهما، فجمعت كتابا كبيرا في ذلك ميزت فيه الصحابة من غيرهم، ومع ذلك فلم يحصل لنا [من ذلك] [ (٢) ] جميعا الوقوف [ (٣) ] على العشر من أسامي الصحابة بالنسبة إلى ما جاء عن أبي زرعة الرّازيّ، قال: توفي النبي ﷺ ومن رآه وسمع منه زيادة على مائة ألف إنسان من رجل وامرأة، كلهم قد روى عنه سماعا أو رؤية.
قال ابن فتحون في ذيل «الاستيعاب» - بعد أن ذكر ذلك: أجاب أبو زرعة بهذا سؤال من سأله عن الرّواة خاصة، فكيف بغيرهم؟ ومع هذا فجميع من [في الاستيعاب يعني ممن [ (٤) ] ذكر فيه] [ (٥) ] باسم أو كنية [ (٦) ] ، وهما ثلاثة آلاف وخمسمائة، وذكر أنه استدرك عليه على شرطه قريبا ممن ذكره.
قلت: وقرأت بخط الحافظ الذهبي من ظهر كتابه «التجريد» : لعل الجميع ثمانية آلاف إن لم يزيدوا لم ينقصوا، ثم رأيت بخطه أنّ جميع من [في «أسد الغابة» سبعة آلاف] [ (٧) ] وخمسمائة [وأربعة وخمسون نفسا] [ (٨) ] .
стр. 140
ومما يؤيد قول أبي زرعة ما ثبت في [الصحيحين عن كعب بن مالك في قصة] [ (١) ] تبوك: والناس كثير لا يحصيهم ديوان.
وثبت عن الثّوريّ فيما [أخرجه الخطيب بسنده الصحيح إليه [ (٢) ] ، قال:] [ (٣) ] من قدّم عليا على عثمان فقد أزرى على اثني عشر ألفا [مات رسول اللَّه ﷺ وهو عنهم راض،] [ (٤) ] فقال النووي: وذلك بعد النبي ﷺ باثني عشر عاما بعد أن مات في خلافة أبي بكر في الردّة والفتوح- الكثير ممن لم يضبط أسماؤهم، ثم مات في خلافة عمر في الفتوح وفي الطاعون العام وعمواس وغير ذلك من لا يحصى كثرة.
وسبب خفاء أسمائهم أن أكثرهم أعراب، وأكثرهم حضروا حجّة الوداع. واللَّه أعلم.
وقد كثر سؤال جماعة من الإخوان في تبييضه، فاستخرت اللَّه تعالى في ذلك، ورتبته على أربعة أقسام في كل حرف منه:
فالقسم الأول- فيمن وردت صحبته بطريق الرواية عنه، أو عن غيره، سواء كانت الطريق صحيحة، أو حسنة، أو ضعيفة، أو وقع ذكره بما يدل على الصحبة بأي طريق كان.
وقد كنت أولا رتبت هذا القسم الواحد على ثلاثة أقسام، ثم بدا لي أن أجعله [ (٥) ] قسما واحدا، وأميّز ذلك في كل ترجمة.
القسم الثاني: من ذكر في الصحابة من الأطفال الذين ولدوا في عهد النبي ﷺ لبعض الصحابة [ (٦) ] من النساء والرجال، ممن مات ﷺ وهو في دون سن التمييز، إذ ذكر أولئك في الصحابة إنما هو على سبيل الإلحاق، لغلبة الظنّ على أنه ﷺ رآهم لتوفّر [ (٧) ] دواعي أصحابه على إحضارهم أولادهم عنده عند ولادتهم ليحنّكهم ويسمّيهم ويبرّك عليهم، والأخبار بذلك كثيرة شهيرة: ففي صحيح مسلم من طريق هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة أن النبي صلّى اللَّه عليه وعلى آله وسلم «كان يؤتى بالصبيان فيبرّك عليهم» [ (٨) ] .
стр. 141
وأخرجه الحاكم في كتاب «الفتن» [ (١) ] في المستدرك عن عبد الرحمن بن عوف قال: ما كان يولد لأحد مولود إلا أتي به النبي ﵌ فدعا له- الحديث. وأخرج ابن شاهين [ (٢) ] في كتاب الصحابة في ترجمة محمد بن طلحة بن عبد اللَّه من طريق محمد بن عبد الرحمن مولى أبي طلحة [ (٣) ] عن ظئر محمد بن طلحة، قال: لما ولد محمد بن طلحة أتيت به النبيّ ﷺ ليحنّكه ويدعو له، وكذلك كان يفعل بالصبيان [ (٤) ] ، لكن أحاديث هؤلاء عنه من قبيل المراسيل عند المحققين من أهل العلم بالحديث، ولذلك أفردتهم عن أهل القسم الأول.
القسم الثالث- فيمن ذكر في الكتب المذكورة من المخضرمين الذين أدركوا الجاهلية والإسلام، ولم يرد في خبر قط أنهم اجتمعوا بالنبيّ ﷺ ، ولا رأوه، سواء أسلموا في حياته أم لا، وهؤلاء ليسوا أصحابه باتفاق من أهل العلم بالحديث، وإن كان بعضهم قد ذكر بعضهم في كتب معرفة الصحابة فقد أفصحوا بأنهم لم يذكروهم إلا بمقاربتهم لتلك الطبقة، لا أنهم من أهلها.
وممن أفصح بذلك ابن عبد البرّ، وقبله أبو حفص بن شاهين، فاعتذر عن إخراجه ترجمة النجاشي بأنه صدق النبيّ ﷺ في حياته وغير ذلك، ولو كان من هذا [ (٥) ] سبيله يدخل عنده في الصحابة ما احتاج إلى اعتذار.
وغلط من جزم في نقله عن ابن عبد البر بأنه يقول بأنهم صحابة، بل مراد ابن عبد البر بذكرهم واضح في مقدمة كتابه بنحو مما [ (٦) ] قررناه، وأحاديث هؤلاء عن النبي ﷺ مرسلة بالاتفاق بين أهل العلم بالحديث، وقد صرح ابن عبد البر نفسه بذلك في التمهيد وغيره من كتبه.
القسم الرابع- فيمن ذكر في الكتب المذكورة على سبيل الوهم والغلط، وبيان ذلك
стр. 142
البيان الظاهر الّذي يعوّل عليه على طرائق أهل الحديث، ولم أذكر فيه إلا ما كان الوهم فيه بيّنا. وأما مع احتمال عدم الوهم فلا، إلّا أن كان ذلك الاحتمال يغلب على الظن بطلانه.
وهذا القسم الرابع لا أعلم من سبقني إليه، ولا من حام طائر فكره عليه، وهو الضالة المطلوبة في هذا الباب الزاهر، وزبدة ما يمخضه [من هذا] [ (١) ] الفن اللبيب الماهر.
واللَّه تعالى أسأل أن يعين على إكماله، وأن يجعله خالصا لوجهه الكريم، ويجازيني به خير الجزاء في دار إفضاله، إنه قريب مجيب.
وقبل الشروع في الأقسام المذكورة أذكر فصولا مهمّة يحتاج إليها في هذا النوع.
стр. 143
الفصل الأول في تعريف الصحابي
وأصحّ ما وقفت عليه من ذلك [أن] [ (١) ] الصحابيّ: من لقي النبيّ ﷺ مؤمنا به، ومات على الإسلام، فيدخل فيمن لقيه من طالت مجالسته له أو قصرت، ومن روى عنه أو لم يرو، ومن غزا معه أو لم يغز، ومن رآه رؤية ولو لم يجالسه، ومن لم يره لعارض كالعمى.
ويخرج بقيد «الإيمان» من لقيه كافرا ولو أسلم بعد ذلك إذا لم يجتمع به مرة أخرى.
وقولنا: «به» يخرج من لقيه مؤمنا بغيره، كمن لقيه من مؤمني أهل الكتاب قبل البعثة. وهل يدخل من لقيه منهم وآمن بأنه سيبعث أو لا يدخل؟ محلّ احتمال. ومن هؤلاء بحيرا الراهب ونظراؤه.
ويدخل في قولنا: «مؤمنا به» كلّ مكلف من الجن والإنس، فحينئذ يتعيّن ذكر من حفظ ذكره من الجن الذين آمنوا به بالشرط المذكور. وأما إنكار ابن الأثير على أبي موسى تخريجه لبعض الجن الذين عرفوا في كتاب الصحابة فليس بمنكر لما ذكرته.
وقد قال ابن حزم في «كتاب الأقضية» من «المحلّى» : من ادّعى الإجماع فقد كذب على الأمة، فإن اللَّه تعالى قد أعلمنا أن نفرا من الجن آمنوا وسمعوا القرآن من النبيّ ﷺ ، فهم صحابة فضلاء، فمن أين للمدّعي إجماع أولئك؟.
وهذا الّذي ذكره في مسألة الإجماع لا نوافقه عليه، وإنما أردت نقل [ (٢) ] كلامه في كونهم صحابة.
وهل تدخل الملائكة؟ محلّ نظر، قد قال بعضهم: إن ذلك يبنى على أنه هل كان مبعوثا إليهم أم لا؟ وقد نقل الإمام فخر الدين في أسرار التنزيل الإجماع على أنه ﷺ لم يكن مرسلا إلى الملائكة، ونوزع في هذا النقل، بل رجح الشيخ تقي الدين السبكي أنه كان مرسلا إليهم. واحتج بأشياء يطول شرحها. وفي صحة بناء هذه المسألة على هذا الأصل نظر لا يخفى.
وخرج بقولنا: «ومات على الإسلام» من لقيه مؤمنا به ثم ارتدّ، ومات على ردّته
стр. 144
والعياذ باللَّه. وقد وجد من ذلك عدد يسير، كعبيد اللَّه بن جحش الّذي كان زوج أم حبيبة، فإنه أسلم معها، وهاجر إلى الحبشة، فتنصّر هو ومات على نصرانيته. وكعبد اللَّه بن خطل الّذي قتل وهو متعلّق بأستار الكعبة، وكربيعة بن أميّة بن خلف على ما سأشرح خبره في ترجمته في القسم الرابع من حرف الراء.
ويدخل فيه من ارتدّ وعاد إلى الإسلام قبل أن يموت، سواء اجتمع به ﷺ مرة أخرى أم لا، وهذا هو الصحيح المعتمد.
والشقّ الأول لا خلاف في دخوله. وأبدى بعضهم في الشق الثاني احتمالا، وهو مردود لإطباق أهل الحديث على عدّ الأشعث بن قيس في الصحابة، وعلى تخريج أحاديثه في الصحاح والمسانيد، وهو ممن ارتدّ ثم عاد إلى الإسلام في خلافة أبي بكر.
وهذا التعريف مبنيّ على الأصح المختار عند المحققين، كالبخاري، وشيخه أحمد ابن حنبل، ومن تبعهما، ووراء ذلك أقوال أخرى شاذّة، كقول من قال: لا يعدّ صحابيا إلّا من وصف بأحد أوصاف أربعة: من طالت مجالسته، أو حفظت روايته، أو ضبط أنه غزا معه، أو استشهد بين يديه، وكذا من اشترط في صحة الصحبة بلوغ الحلم، أو المجالسة ولو قصرت.
وأطلق جماعة أنّ من رأى النبي ﷺ [فهو صحابي. وهو محمول على من بلغ سنّ التمييز، إذ من لم يميز لا تصحّ نسبة الرؤية إليه. نعم يصدق أن النبيّ ﷺ رآه فيكون صحابيا من هذه الحيثية، ومن حيث الرواية يكون تابعيا، وهل يدخل من رآه ميتا قبل أن يدفن كما وقع ذلك لأبي ذؤيب الهذلي الشاعر؟ إن صح محل نظر. والراجح عدم الدخول. ومما جاء عن الأئمة من الأقوال [ (١) ] المجملة في الصفة التي يعرف بها كون الرجل صحابيا وإن لم يرد التنصيص على ذلك- ما أورده ابن أبي شيبة في «مصنّفه» من طريق لا بأس به، أنهم كانوا في الفتوح لا يؤمّرون إلا الصحابة. وقول ابن عبد البر: لم يبق بمكة [ (٢) ] ، ولا الطائف [ (٣) ] أحد
стр. 145
في سنة عشر إلا أسلم، وشهد مع النبي ﷺ حجّة الوداع. ومثل ذلك قول بعضهم في الأوس والخزرج: إنه لم يبق منهم في آخر عهد النبي ﷺ إلّا من دخل في الإسلام، وما مات النبي ﷺ وأحد منهم يظهر الكفر. واللَّه أعلم.
الفصل الثاني في الطريق إلى معرفة كون الشخص صحابيا
وذلك بأشياء: أولها أن يثبت بطريق التواتر أنه صحابي، ثم بالاستفاضة والشهرة، ثم بأن يروى عن آحاد [ (١) ] من الصحابة أن فلانا له صحبة مثلا، وكذا عن آحاد التابعين، بناء على قبول التزكية من واحد، وهو الراجح ثم بأن يقول هو إذا كان ثابت العدالة والمعاصرة: أنا صحابي.
أما الشرط الأول- وهو العدالة- فجزم به الآمديّ وغيره، لأن قوله قبل أن تثبت عدالته: أنا صحابي أو ما يقوم مقام ذلك- يلزم من قبول قوله إثبات عدالته، لأن الصحابة كلهم عدول، فيصير [ (٢) ] بمنزلة قول القائل: أنا عدل، وذلك لا يقبل.
وأما الشرط الثاني- وهو المعاصرة- فيعتبر بمضيّ مائة سنة وعشر سنين من هجرة [ (٣) ] النبيّ ﷺ ،
لقوله ﷺ في آخر عمره لأصحابه: «أرأيتكم ليلتكم هذه، فإنّ على رأس مائة سنة منها لا يبقى على وجه الأرض ممّن هو اليوم عليها أحد» . رواه البخاريّ، ومسلم من حديث ابن عمر.
زاد مسلم من حديث جابر أن ذلك كان قبل موته ﷺ بشهر. ولفظه:
سمعت النبيّ ﷺ يقول قبل أن يموت بشهر: «أقسم باللَّه، ما على الأرض من نفس منفوسة اليوم يأتي عليها مائة سنة وهي حيّة يؤمئذ» [ (٤) ] .