← Сияса и кади

Сияса и кади · id 9769

أقضية رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم

ابن الطلاع

Полный текст (139 стр.). Показаны 71–110 · переход к 76.

стр. 71

له: في هذا أستأمر أبواي؟ فإني أريد الله، ورسوله، والدار الآخرة. قالت عائشة: ثم فعل أزواج النبيّ- ﵊ مثل ما فعلت فلم يكن ذلك طلاقا «١» . وقال ربيعة وابن شهاب: وكانت فاطمة بدنة. قال عمرو بن شعيب: وهي ابنة الضحاك العامري رجعت إلى أهلها، وقيل: إنه لم يكن دخل بها. قال ابن حبيب: قد كان دخل بها- واسمها فاطمة- فكانت تلقط بعد ذلك البعر وتقول: أنا الشقية. هذا قول أكثر العلماء إذا خيرات المرأة فاختارت زوجها أنه لا يكون طلاقا حتى تختار الطلاق، وروي ذلك عن عمر بن الخطاب، وزيد بن ثابت، وابن مسعود، وغيرهم. واختلف في ذلك عن علي بن أبي طالب فروى عنه مثل ذلك، وروى عنه: إذا اختارت زوجها فهي واحدة، وإن اختارت نفسها فهي البتة، وذكر عنه عبد الرزاق: إذا اختارت نفسها فهي واحدة بائنة، وإن اختارت زوجها فهي واحدة وتملك الرجعة «٢» . وذكر ابن سلام في تفسيره عن قتادة، ومصنف عبد الرزاق عن الحسن: أن الله إنما خيرهن بين الدنيا والآخرة ولم يخيرهن في الطلاق «٣» . «حكم رسول الله ﷺ » في يمينه فيمن حرم ملك اليمين في معاني الزجاج والنحاس: أن النبيّ ﷺ كان يمكث عند زينب ابنة جحش، ويشرب عندها عسلا فقالت عائشة: فتواصيت أنا وحفصة أينا جاءها فلتقل: إني أجد منك ريح مغافير. قال الزجاج: وهو صمغ متغير الرائحة، وقيل: إنه بقلة. وفي غير الكتابين وكان رسول الله ﷺ يكره أن يوجد منه ريح، فجاء رسول الله ﷺ إلى دارها فقالت: يا رسول الله ﷺ إني أشم منك ريح المغافير، ثم جاء إلى الآخرى فقالت له مثل ذلك. فقال النبيّ ﷺ : «قد كان ذلك ولا أعود» «٤» . قال النحاس والزجاج: إنه حرّمه. وقيل: إنه حلف على ذلك، وجاء في التفسير وهو الأكثر. وذكر النحاس أيضا أن النبيّ ﷺ خلا بجاريته مارية أم إبراهيم في يوم عائشة. قال النحاس: في بيت حفصة، فوقفت على الباب وهو مغلق فجلست حتى فتح الباب رسول الله ﷺ

стр. 72

قال النحاس: فقالت حفصة: حقّرتني يا رسول الله، وقال غيره قالت: يا رسول الله أما كان في نسائك أهون عليك مني! فقال رسول الله ﷺ : «لا تخبري عائشة بذلك» ، فقالت له: لست أفعل، وحرم مارية على نفسه «١» . وقيل: إنه حلف على ذلك أيضا فأعلمت حفصة عائشة الخبر واستكتمتها إياه فأطلع الله نبيه على ذلك قال الله : وَإِذْ أَسَرَّ النَّبِيُّ إِلى بَعْضِ أَزْواجِهِ حَدِيثاً فَلَمَّا نَبَّأَتْ بِهِ وَأَظْهَرَهُ اللَّهُ عَلَيْهِ عَرَّفَ بَعْضَهُ وَأَعْرَضَ عَنْ بَعْضٍ [التّحريم: الاية ٣] . وقرئت «عرف ببعضه، وأعرض عن بعض» . فأعلم الله أن التحريم على هذا التفسير لا يحرّم فقال لنبيه ﷺ : يا أَيُّهَا النَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ ما أَحَلَّ اللَّهُ لَكَ تَبْتَغِي مَرْضاتَ أَزْواجِكَ [التّحريم: الاية ١] . فلم يجعل الله لنبيه أن يحرم ما أحل الله له، فعلى التفسيرين ليس لأحد أن يحرم ما أحل الله له، فقال الله : قَدْ فَرَضَ اللَّهُ لَكُمْ تَحِلَّةَ أَيْمانِكُمْ [التّحريم: الاية ٢] «٢» ، يعني الكفارة لأنه قد روي أنه مع ذلك التحريم حلف. وقال قوم: إن الكفارة كفارة التحريم، قال المفضل: وقاله قتادة. وروي عن ابن عباس أنه قال: الحرام يمين «٣» . وقاله الحسن وإبراهيم وقال مسروق: حلف رسول الله ﷺ ألا يقربها وهي عليّ حرام فنزلت الكفارة ليمينه ألا يقربها، وأمر أن لا يحرم ما أحل الله. وقال الشافعي أيضا وكذلك روى مالك عن زيد بن أسلم في تفسيرها، وفي تفسير ابن سلام: قد فرض الله لكم تحلة أيمانكم يعني ما في سورة المائدة قوله تعالى: فَكَفَّارَتُهُ إِطْعامُ عَشَرَةِ مَساكِينَ «٤» . وقال الحسن: التحريم في الإماء يمين وفي الحرائر طلاق. قال الفراء: عتق رسول الله ﷺ رقبة في مارية، وهذا في الأمة فأما في الحرة فإذا قال لها: أنت حرام، فهي عند مالك وأصحابه ثلاث إذا دخل بها ولا ينوي. وقال أهل الكوفة: إن نوى الطلاق فهي تطليقة بائنة. وقال الشافعي: هي طالق تطليقة يملك الرجعة، وإن أراد اليمين فهي يمين. وقال الفراء في قراءة من قرأ عرف بعضه: يقولون غضب منه وجازى عليه كما يقول للرجل هي إليك والله لأعرفن لك ذلك وقد لعمري جازى حفصة بطلاقها. وقال الحسن: عرف بعضه أقر ببعضه يعني

стр. 73

ما كان منه إلى مارية وأعرض عن بعض ما كان إلى حفصة أن تكتم عليه: أن الخليفة من بعده أبو بكر ثم بعده عمر. «حكم رسول الله ﷺ » فيمن طلق دون الثلاث ثم راجعها بعد زوج أنها على بقية الطلاق في مصنف عبد الرزاق، ومالك، وسفيان بن عيينة عن الزهري عن ابن المسيب وحميد بن عبد الرحمن، وعبيد الله بن عبد الله بن عتبة، وسليمان بن يسار كلهم يقولون: سمعت أبا هريرة يقول: سمعت عمر يقول: أيما امرأة طلقها زوجها تطليقة أو تطليقتين، ثم تركها حتى تنكح زوجا غيره فيموت عنها أو يطلقها، ثم ينكحها زوجها الأول فإنها عنده على ما بقي من طلاقها «١» . وعن علي بن أبي طالب، وأبي بن كعب: مثل قول عمر. وعن عمران بن الحصين، وأبي هريرة مثله. وابن المبارك عن عثمان بن مقسم: أنه أخبره أنه سمع أبيّ بن كعب يحدث عن رجل من قومه عن رجل من أصحاب النبيّ ﷺ قضى فيها: أنها على ما بقي من الطلاق. وبهذا أخذ مالك. وذكر أيضا عبد الرزاق عن ابن التيمي عن أبيه عن أبي مخلد عن ابن عباس وشريح قالا: نكاح جديد، وطلاق جديد. وعن ابن عمر وابن عباس مثله، وعن ابن مسعود وعطاء مثله، «وقال» الثوري ومعمر: قول الفريقين كليهما إن لم يصبها الاخر فهي على ما بقي من الطلاق. قال معمر: قاله النخعي ولم أسمع فيه اختلافا وهو فقه حسن. «حكم رسول الله ﷺ » في الحضانة وأن الأم أحق بالولد وأن الخالة بمنزلة الأم في مصنف عبد الرزاق عن عبد الله بن عمرو بن العاصي: أن امرأة طلقها زوجها، وأراد أن ينتزع ولدها منها، فجاءت النبيّ ﷺ فقالت: يا رسول الله إن ابني هذا كان بطني له وعاء، وثديي له سقاء، وفخذي له حواء، وإن أباه طلقني وأراد أن ينتزعه مني، فقال رسول الله ﷺ : «أنت أحق به ما لم تتزوجي» «٢» . وفي المدونة مثله، وفي مصنف عبد الرزاق عن أبي هريرة: كانت أم وأب يختصمان في ابن لهما فقالت للنبيّ ﷺ : إن زوجي يريد أن يذهب بابني، وقد

стр. 74

أسقاني من بئر أبي عتبة. فقال النبيّ ﷺ : «يا غلام هذا أبوك وهذه أمك فخذ بيد أيهما شئت» ، فأخذ بيد أمه فانطلقت به «١» . وفي البخاري ومسلم: أن النبيّ ﷺ لما اعتمر عمرة القضاء، وانقضى الأجل الذي كان قاضى عليه أهل مكة، أتوا عليا فقالوا: قل لصاحبك أخرج عنا، فخرج النبيّ ﷺ فتبعته ابنة حمزة تنادي: يا عم، فتناولها علي وقال لفاطمة: دونك ابنة عمك، فاختصم فيها علي وزيد وجعفر فقال علي: أنا آخذها وهي ابنة عمي، وقال جعفر: ابنة عمي وخالتها تحتي، وقال زيد: بنت أخي، فقضى بها النبيّ ﷺ لخالتها وقال: «الخالة بمنزلة الأم» ، وقال لعلي: «أنت مني وأنا منك» ، وقال للاخر: «أشبهت خلقي وخلقي» ، وقال لزيد: «أنت أخونا ومولانا» «٢» . «حكم رسول الله ﷺ » في الظهار وبيان ما أنزل الله فيه من معاني الزجاج وغيرها: أن خولة بنت ثعلبة الأنصارية جاءت إلى النبيّ ﷺ فقالت: يا رسول الله إن أوس بن الصامت تزوجني وأنا شابة مرغوب فيّ، فلما خلا سني ونثرت بطني- أي كثر ولدي- جعلني عليه كأمّه. فقال رسول الله ﷺ : «ما عندي في أمرك شيء» ، فشكت إلى الله وقالت: اللهم إني أشكو إليك. وروي أنها قالت للنبيّ ﷺ فيما قالت: إن لي صبية صغارا إن ضممتهم إليّ جاعوا، فأنزل الله كفارة الظهار «٣» . وذكر المفضل أن رسول الله ﷺ قال له: «هل تستطيع أن تعتق رقبة؟» قال: لا والله، قال: «فهل تستطيع أن تصوم شهرين متتابعين؟» قال: لا والله، قال: «فهل تستطيع أن تطعم ستين مسكينا؟» قال: لا والله ما عندي، فأعانه النبيّ ﷺ بخمسة عشر صاعا، وأعانه آخر بخمسة عشر صاعا، فأعطاها ستين مسكينا لكل مسكين نصف صاع «٤» . وفي حديث آخر أن النبيّ ﷺ قال لعلي: «ائتني بمكتل فيه ستون مدا من تمر» ، فأتاه فقال: «أطعمه ستين مسكينا عن نفسك وأهلك» . قال أوس: بأبي وأمي أنت يا رسول الله ما يمسي ولا يصبح أحد أحق بهذا المكتل مني ومن أهلي، فضحك رسول الله ﷺ وقال: «كله أنت وأهلك» «٥» .

стр. 75

وفي المدونة وغيرها: كان الطعام الذي أعطاه النبيّ ﷺ شعيرا «١» . قال مالك: إطعام الظهار مد بمد هشام وهو مدان إلا ثلث بمد النبيّ ﷺ . وقال الشافعي: مد لكل مسكين حنطة أو غيرها. وقال أبو حنيفة: نصف صاع من حنطة أو دقيق أو صاع من تمر أو شعير، وحجة الشافعي: الحديث الاخر، وحجة أبي حنيفة: الحديث الأول، وكذلك اختلفوا في عتق رقبة غير مؤمنة، فقال مالك والشافعي: لا يجزئ إلا مؤمنة، وقال أبو حنيفة: يجزئ اليهودي والنصراني. «حكم رسول الله ﷺ » في اللعان وإلحاق الولد بأمه في الموطأ والبخاري والنسائي عن الزهري: أن سهل بن سعد الساعدي أخبرهم: أن عويمر العجلاني جاء إلى عاصم بن عدي الأنصاري فقال له: أرأيت رجلا وجد مع امرأته رجلا أيقتله فتقتلونه أم كيف يفعل؟ سل لي يا عاصم عن ذلك رسول الله ﷺ ، فسأل عن ذلك رسول الله ﷺ ، فكره ﵇ مسألة السائل حتى كبر على عاصم ما سمع من رسول الله ﷺ ، فلما رجع عاصم إلى أهله جاءه عويمر فقال: يا عاصم ماذا قال لك رسول الله ﷺ في المسألة التي سألته عنها؟ فقال عاصم لعويمر: لم تأتني بخير قد كره رسول الله ﷺ المسألة التي سألته عنها. فقال عويمر: والله لا أنتهي حتى أسأله عنها. فأقبل عويمر حتى أتى النبيّ ﷺ وسط الناس فقال: يا رسول الله أرأيت رجلا وجد مع امرأته رجلا أيقتله فتقتلونه أم كيف يفعل؟ فقال رسول الله ﷺ : «قد أنزل الله فيك وفي صاحبتك» . وفي البخاري: «قد قضى الله فيك وفي امرأتك فاذهب فأت بها» . قال سهل: فتلاعنا، زاد في البخاري: في المسجد وأنا مع الناس عند رسول الله ﷺ ، فلما فرغا من تلاعنهما قال عويمر: كذبت عليها يا رسول الله إن أمسكتها، فطلقها ثلاثا قبل أن يأمره النبيّ ﷺ . قال مالك: قال ابن شهاب: فكانت تلك بعد سنة المتلاعنين «٢» . قال ابن شهاب: وفي البخاري وكان ابنها يدعى بها، ثم جرت السنة في ميراثه أنه يرثها وترث منه ما فرض الله لها «٣» . وقال سهل عن النبيّ ﷺ «إن جاءت به أحمر قصيرا كأنه وحرة «٤» فلا أراها إلا قد صدقت وكذب عليها، وإن جاءت به أسود أعين ذا أليتين فلا أراها إلا قد صدق عليها» . فجاءت به على المكروه «٥» . وفي كتاب الخطابي: «وإن جاءت به أسحم أحتم فهو للمكروه» .

стр. 76

الأحتم الأسود، ومنه سمي الغراب حاتما لسواده، وقيل: سمي حاتما لأنه يحتم بالفراق. وفي البخاري عن ابن عمر: أن النبيّ ﷺ قال لهما: «حسابكما على الله أحدكما كاذب، فهل منكما تائب؟» قال ذلك ثلاث مرات ففرق رسول الله ﷺ «١» بينهما. وفي المستخرجة في سماع أصبغ أن رسول الله ﷺ قال للرجل قبل اللعان: «اتق الله أنزع عما قلت تجلد وتتوب إلى الله يتوب الله عليك» . فقال: لا والذي بعثك بالحق أربع مرات يرددها عليه رسول الله ﷺ ، ثم أقبل على المرأة فقال: «يا فلانة اتقي الله وبوئي بذنبك يرحمك الله أو تتوبي إلى الله يتوب الله عليك» ، فقالت: لا والذي بعثك بالحق لقد كذب فقال لها ذلك أربع مرات، فنزل القرآن: وَالَّذِينَ يَرْمُونَ أَزْواجَهُمْ وَلَمْ يَكُنْ لَهُمْ شُهَداءُ إِلَّا أَنْفُسُهُمْ فَشَهادَةُ أَحَدِهِمْ أَرْبَعُ شَهاداتٍ بِاللَّهِ [النّور: الاية ٦] . فقال رسول الله ﷺ : «يا فلان قم فتشهد» . قال: أقول ماذا يا رسول الله؟ قال: «قل: أشهد بالله أني لمن الصادقين» أربع مرات، ثم قال له: «خمس» قال له: يا رسول الله فماذا أقول؟ قال: «قل لعنة الله عليّ إن كنت من الكاذبين» ، ثم دعا المرأة فقال أتشهدين أو نرجمك؟ قالت: بل أشهد قال: قولي أشهد بالله إنه لمن الكاذبين أربع مرات، ثم: «خمّسي» قالت: يا رسول الله ما أقول؟ قال: «قولي: غضب الله عليّ إن كان من الصادقين» ، ففعلت فقال رسول الله ﷺ : «قوما فقد فرقت بينكما، ووجبت النار لأحدكما، والولد للمرأة» . وفي مصنف أبي داود: فلما التعنت المرأة أربعا. وبقيت الخامسة قيل لها: اتقي الله هذه الموجبة توجب عليك العذاب، فتلكأت ساعة ثم قالت: والله لا أفضح قومي. فشهدت الخامسة، ففرق رسول الله بينهما وقضى رسول الله ﷺ ألايدعى ولدها لأب ولا ترمى ولا يرمى ولدهما، ومن رماها أو رمى ولدها فعليه الحد، وقضى ألابيت لها ولا قوت من أجل أنهما مفترقان من غير طلاق ولا متوفى عنها، وقال: «إن جاءت به أصيهب أوشح أثيبج حمش الساقين فهو لهلال بن أمية، وإن جاءت به أورق أجعد جماليا خدلج الساقين سابغ الإليتين فهو للذي رميت به» . فجاءت به على المكروه «٢» . قال عكرمة فكان بعد ذلك أميرا على مصر ولا يدعى لأب. وفي البخاري: أن عاصم بن عدي لاعن أيضا زوجته وقال: ما ابتليت بهذا الأمر إلا بكلام تكلمات «٣» . وفي غير البخاري: وكان سهل بن سعد إذ حضر ذلك ابن خمس عشرة سنة، وعاش بعد ذلك خمسا وثمانين سنة، ومات ابن مائة سنة، وهو آخر من مات بالمدينة من أصحاب النبيّ ﷺ ، ولم يكن بالمدينة بعد النبيّ ﷺ لعان إلا في أيام عمر بن عبد العزيز ﵀.

стр. 77

كتاب البيوع «حكم رسول الله ﷺ » في السلم والربا وبيع النخل إذا أبرت واختلاف المتبايعين والخيار في البخاري ومسلم عن ابن عباس قال: قدم رسول الله ﷺ المدينة وهم يسلفون في البسر «١» السنتين والثلاث «٢» . زاد في الدلائل الأصيلي: فنهاهم. وفي مصنف أبي داود: سلف رجل إلى رجل في نخل فلم تخرج النخلة تلك السنة شيئا، فاختصما إلى النبيّ ﷺ فقال: «بم تستحل ماله؟» أردد عليه ماله، ثم قال: «لا تسلفوا في النخل حتى يبدو صلاحه» «٣» . قال في الكتابين والدلائل: «من أسلف فليسلف في كيل معلوم، أو وزن معلوم إلى أجل معلوم» «٤» . وفي الكتابين عن ابن عمر قال: رأيت الناس يضربون على عهد رسول الله ﷺ إذا اشتروا الطعام خوفا أن يبيعوه في مكانهم حتى يؤوه إلى رحالهم، وفي كتاب النسائي مثله «٥» . وفي الموطأ والبخاري: أن رسول الله ﷺ بعث عاملا له إلى خيبر هكذا فقال: لا والله يا رسول الله إنا لنأخذ الصاع من هذا بالصاعين والصاعين بالثلاثة فقال رسول الله ﷺ : «لا تفعل بع الجميع بالدراهم ثم ابتع بالدراهم جنيبا» . وفي البخاري وقال في الميزان مثل ذلك. وفي مسلم مثله وزاد في كتاب مسلم فقال رسول الله ﷺ : «هذا عين الربا» «٦» . وفي حديث آخر: «هذا الربا فردوه، ثم بيعوا لنا تمرا واشتروا لنا من هذا» «٧» . وفي موطأ مالك عن يحيى بن سعيد أنه قال: أمر رسول الله ﷺ السعدين أن يبيعا آنية من

стр. 78

المغانم من ذهب أو فضة، فباعا كل ثلاثة عينا بأربعة عينا أو كل أربعة وزنا بثلاثة وزنا. فقال رسول الله ﷺ : أربيتما فردّا «١» . وفي كتاب مسلم: أن رسول الله ﷺ أتي يوم خيبر بقلادة فيها خرز وذهب- وهي من المغانم تباع- فأمر رسول الله ﷺ بالذهب الذي في القلادة فنزع وحده، ثم قال لهم رسول الله ﷺ : «الذهب بالذهب وزنا بوزن» . وفي كتاب أبي داود قال النبيّ ﷺ : «لا يباع حتى يفصل» «٢» . وفي الموطأ والبخاري ومسلم: أن رسول الله ﷺ قال: «من باع نخلا قد أبر فثمرها للبائع إلا أن يشترطها المبتاع، ومن باع عبدا وله مال فماله للبائع إلا أن يشترطه المبتاع» «٣» . وفي الدلائل للأصيلي عن ابن عمر: أن رجلا اشترى نخلا قد أبّرها «٤» صاحبها فخاصمه إلى رسول الله ﷺ فقال النبيّ ﷺ : «إن الثمرة لصاحبها الذي أبرّها إلا أن يشترطها المشتري» «٥» . وفي مصنف عبد الرزاق عن أنس: أن رجلا اشترى من رجل بعيرا واشترط الخيار أربعة أيام، فأبطل رسول الله ﷺ البيع وقال: «الخيار ثلاثة أيام» «٦» . وهذا رأى هشام بن يوسف وأبي حنيفة، هكذا في المصنف. وفي الدلائل للأصيلي قال الشافعي وأبو حنيفة: لا خيار فوق ثلاثة أيام. وقال أبو يوسف ومحمد بن الحسن مثل قول مالك: أن الخيار إنما هو على ما جرت به العادة بين الناس، والدليل على ذلك أنه ليس من اشترى قرية بعيدة الأقطار، أو ألف بعير في مراعيها بمنزلة من اشترى شاة أو بعيرا أو ثوبا. وقال أبو برزة: قضى رسول الله ﷺ «أن المتبايعين بالخيار ما لم يفترقا» . ووقع في الموطأ والبخاري ومسلم أن النبيّ ﷺ قال: «المتبايعان بالخيار ما لم يفترقا إلا بيع الخيار» «٧» . وقال ابن حبيب في الواضحة: الحديث

стр. 79

منسوخ بقول النبيّ ﷺ : «إذا اختلف البيعان فالقول قول البائع أو يترادان» «١» . وفي المدونة: «إذا اختلف المتبايعان استحلف البائع ثم المبتاع بالخيار إن شاء أخذ وإن شاء حلف وترك» «٢» . وقال أشهب: وليس العمل على الحديث الذي جاء: «البيعان بالخيار ما لم يفترقا» . ويروى- والله أعلم- أنه منسوخ لقول رسول الله ﷺ : «المسلمون عند شروطهم» «٣» . ولقوله ﵇: «إذا اختلف البيعان استحلف البائع» «٤» . رواه مالك مرسلا، وهو في الدلائل مسند عن يحيى بن سعيد القطان، عن ابن عجلان، عن عون بن عبد الله، عن ابن مسعود، عن النبيّ ﷺ . وعن سفيان الثوري، عن معن بن عبد الرحمن، عن القاسم بن أبي بكر الصديق، عن ابن مسعود، عن النبيّ ﷺ في الموطأ أن رسول الله ﷺ سئل عن اشتراء التمر بالرطب فقال رسول الله ﷺ : «أينقص الرطب إذا يبس؟» قالوا: نعم. فنهى عن ذلك «٥» . وقال أبو عمرو الأشبيلي وغيره: في هذا الحديث من الفقه: أن ترد الصناعات إلى أهلها لأن النبيّ ﷺ قد علم أن الرطب ينقص إذا يبس فرد ذلك إلى أهل المعرفة.

стр. 80

«حكم رسول الله ﷺ » في التلقي والمصراة والرد بالعيب وإن الغلّة بالضمان في مصنف ابن السكن أن رسول الله ﷺ قال: «لا يبيع بعضكم على بيع بعض إلا الغنائم والمواريث» «١» . وترجم البخاري بالنهي عن تلقي الركبان وبيعه مردود لأن صاحبه آثم عاص إذا كان به عالما وهو خداع في البيع والخداع لا يجوز. وفي الموطأ والبخاري ومسلم والنسائي: أن رسول الله ﷺ قال: «لا تلقّوا الركبان للبيع، ولا يبيع بعضكم على بيع بعض، ولا تناجشوا «٢» ، ولا يبيع حاضر لباد، ولا تصروا «٣» الإبل والغنم، فمن ابتاعها بعد ذلك فهو بخير النظرين بعد أن يحلبها إن رضيها أمسكها وإن سخطها ردها وصاعا من تمر» «٤» . وفي مصنف أبي داود: «ردها ومعها مثل أو مثلي لبنها قمحا» «٥» . وفي البخاري ومسلم في حديث آخر: «فمن ابتاعها فهو بالخيار ثلاثة أيام إن شاء أمسكها وإن شاء ردّها وصاعا من تمر لا سمراء» «٦» . وفي كتاب النسائي قال رسول الله ﷺ : «لا تلقّوا الجلب فمن تلقاه فاشترى منه فإذا أتى صاحبه السوق فهو بالخيار» «٧» . وفيه: أن عائشة قالت: قضى رسول الله ﷺ «أن الخراج بالضمان» «٨» . وأجمع المسلمون على الحكم بالغلة بالضمان، واحتج بذلك أبو حنيفة في إبطال رد المصرّاة ولا يجوز له عند أبي حنيفة ردها دون لبنها ولا بيع لبنها، ويرجع بقيمة العيب، وخالف في ذلك قول رسول الله ﷺ وحكمه في المصراة بقياسه على الحديث الذي فيه الخراج بالضمان.

стр. 81

وفي مصنف أبي داود أن رجلا ابتاع غلاما فأقام عنده ما شاء الله ثم وجد به عيبا فخاصمه إلى النبيّ ﷺ فرده عليه، فقال الرجل: يا رسول الله قد استغل غلامي، فقال النبيّ ﷺ : «الخراج بالضمان» «١» . والصحيح ما اتفق عليه مالك والشافعي وغيرهم من الأئمة أن حكم المصرّاة حكم على حدة لا يعارض فيه ولا يقاس على غيره والدليل على ذلك: إجماع العلماء على الرد بالعيب ما لم يفت المعيب، وليس حلاب الشاة المصرّاة تفويتا لها حتى يجب إمساكها والرجوع بقيمة العيب، هذا غلط. «حكم رسول الله ﷺ » في التفليس وموت المبتاع قبل دفع الثمن ومن اشترى سرقة وهو لا يعلم في الموطأ والبخاري ومسلم والنسائي أن النبيّ ﷺ قال: «أيما رجل أفلس فأدرك الرجل ماله بعينه فهو أحق به من غيره» «٢» . وفي الموطأ لمالك عن ابن شهاب عن أبي بكر بن عبد الرحمن بن الحارث بن هشام أن رسول الله ﷺ قال: «أيما رجل باع متاعا فأفلس الذي ابتاعه منه ولم يقبض الذي باعه من ثمنه شيئا فوجده بعينه فهو أحق به، وإن مات الذي ابتاعه فصاحب المتاع أسوة الغرماء» «٣» . وبهذا أخذ مالك، وأخذ الشافعي برواية ابن أبي ذئب عن المعتمر عن عمر بن خالدة عن أبي هريرة أن النبيّ ﷺ قضى: «أيما رجل مات أو أفلس فصاحب المتاع أحق بمتاعه إذا وجده بعينه» . قال أحمد بن خالد في مسنده: ليس يعارض حديث الزهري بابن أبي ذئب. وقال النسائي: ابن أبي ذئب ضعيف. وفي دلائل الأصيلي عن عكرمة بن خالد أن أسيد بن حضير حدثه، قال: كتب معاوية إلى مروان: إذا سرق الرجل، فوجد سرقته فهو أحق بها حيث وجدها، فكتب إلى مروان بذلك وأنا على اليمامة فكتبت إلى مروان أن النبيّ ﷺ قضى «إذا وجدت السرقة عند رجل وهو غير متهم، فإن شاء سيدها أخذها بالثمن، واتبع سارقه» ، ثم قضى بعده بذلك أبو بكر، وعمر، وعثمان. فبعث مروان بكتاب إلى معاوية، فكتب معاوية إلى مروان: إنك لست أنت ولا ابن حضير تقضيان علي فيما وليت، ولكني أقضي عليك فأنفذ ما أمرتك به. وتكرر الحديث وطال فبعث إلى مروان بكتاب معاوية، فقلت: لا أقضي به ما وليت «٤» . قال النيسابوري: وما أعلم

стр. 82

أحدا من الفقهاء قال بهذا الحديث إلا إسحاق بن راهواه. قيل لأحمد بن حنبل: حديث ابن أسيد تذهب إليه، قال: لا قد اختلفوا فيه أذهب إلى حديث رواه هشيم عن موسى بن السائب عن قتادة عن الحسن عن سمرة عن النبيّ ﷺ قال: «ومن وجد ماله عند رجل فهو أحق به» «١» . «حكم رسول الله ﷺ » في الجوائح وما روي عنه فيها في البخاري وكتاب مسلم والنسائي: أن رسول الله ﷺ قال: «أرأيت إن منع الله الثمرة بم يأخذ أحدكم مال أخيه؟» وفي حديث آخر: «بم يستحل أحدكم مال أخيه؟» «٢» ورفعه مالك في الموطأ، وذكره في الدلائل. وفي كتاب مسلم عن جابر أن رسول الله ﷺ أمر بوضع الجوائح «٣» بهذا الحديث. احتج مالك في وضع الجائحة إذا بلغت الثلث، وقال الشافعي في أحد قوليه وأبو حنيفة والليث وسفيان الثوري: لا جائحة فيما اشترى من الثمار بعد بدوّ صلاحها بأي وجه كانت الجائحة، واحتجوا بالحديث الثابت أن معاذ بن جبل أصيب على عهد رسول الله ﷺ في ثمار ابتاعها فكثر دينه فقال رسول الله ﷺ : «تصدقوا عليه» فتصدق الناس عليه فلم يبلغ ذلك وفاء دينه، فقال رسول الله ﷺ : «خذوا ما وجدتم وليس لكم إلا ذلك» . في قول النبيّ ﷺ : «وليس لكم إلا ذلك» ، دليل على ألاشيء على معدوم، وكان تفليس معاذ سنة تسع من الهجرة، وخلصه رسول الله ﷺ من ماله لغرمائه، وحصّل لهم خمسة أسباع حقوقهم. فقالوا: يا رسول الله بعه لنا، فقال رسول الله ﷺ : «خلوا عنه ليس لكم إليه سبيل» . وبعثه رسول الله ﷺ إلى اليمن وقال له: «لعلّ الله أن يجبرك» ، وذلك في ربيع الاخر سنة تسع بعد أن غزا مع النبيّ ﷺ غزوة تبوك، وقدم بعد موت النبيّ ﷺ في خلافة أبي بكر ومعه غنم، فرآهم عمر، فقال: ما هم؟ فقال: أصبتهم في وجهتي، فقال عمر: من أي وجه؟ فقال: أهدوا إلي وأكرمت بهم. فقال عمر: اذكرهم لأبي بكر، فقال معاذ: ما أذكر هذا لأبي بكر. ونام معاذ فرأى كأنه على شفير جهنم وعمر آخذ بحجزته من ورائه لئلا يقع في النار، ففزع معاذ فذكرهم لأبي بكر كما أمر عمر فسوغه إياهم أبو بكر فقال: سمعت النبيّ ﷺ يقول: «لعل الله أن يجبرك» ، فقضى غرماءه بقية حقوقهم «٤» ، ذكره الطبري، ليس في هذا الحديث حجة للشافعي

стр. 83

وأبي حنيفة في إسقاط الجائحة لأنها قد توضع عن المشتري، ولا تسد له مسدا ويبقى عليه سائر الثمن بعد وضع الجائحة ولا يقدر عليه، قاله الأصيلي. وقال النبيّ ﷺ : «خمس من الحوائج: الريح، والبرد والحريق، والجراد، والسيل» «١» . وفي البخاري عن زيد بن ثابت قال: كان الناس يتبايعون الثمار في عهد رسول الله ﷺ فإذا حضر تقاضيهم قال المبتاع: أصاب الثمر الدّمان «٢» ، أصابه أمراض، أصابه قشام «٣» وعاهات، يحتجون بها فلما كثرت الخصومات عند النبيّ ﷺ قال: «أمّا الان فلا تتبايعوا حتى يبدو صلاح الثمر» كالمشورة يشير بها لكثرة خصومتهم عنده «٤» . والقول: قول الشافعي. وهو أول قوليه أن الجائحة في القليل والكثير، وبذلك قال أحمد وأبو عبيد. «حكم رسول الله ﷺ » فيمن يخدع في البيوع والعهدة والرهن في الطعام إلى أجل وكتاب رسول الله ﷺ شراه من العدّاء في الموطأ والبخاري ومسلم: أن رجلا ذكر لرسول الله ﷺ أنه يخدع في البيوع، فقال له رسول الله ﷺ : «إذا بعت فقل: لا خلابة» . فكان الرجل إذا باع يقول: لا خلابة «٥» . وفي غير الكتب المذكورة: «إذا بايعت فقل: لا خلابة وأنت بالخيار ثلاثا بعد بيعك» «٦» ، وهذا الرجل هو حبّان بن منقذ. وفي المدونة عن عمر بن الخطاب- ﵁ أنه قال: نظرت في بيوعكم فلم أجد لكم شيئا مثل العهدة التي جعلها رسول الله ﷺ لحبان بن منقذ، العهدة فيما اشترى ثلاثة أيام، ثم قضى بذلك عبد الله بن الزبير.

стр. 84

وفي مصنف أبي داود: عن عقبة بن عامر قال: قال رسول الله ﷺ : «عهدة الرقيق ثلاثة أيام» «١» . وفي البخاري ويذكر عن العداء بن خالد قال: كتب لي رسول الله ﷺ : «هذا ما اشترى محمد رسول الله من العدّاء بن خالد بيع المسلم للمسلم لا داء ولا خبثة ولا غائلة» «٢» . قال قتادة: الغائلة الزنا والسرقة والإباق. ومن غير البخاري ذكره الأصيلي في كتاب الفوائد مما روى عن شيوخه: أن العداء بن خالد هذا اشترى من النبيّ ﷺ غلاما، وكتب عليه العهدة. وذكر ابن الفخار في رده على ابن العطار: أن العداء بن خالد «٣» اشترى من النبيّ ﷺ ، وكتب له رسول الله ﷺ : «هذا ما اشترى العدّاء بن خالد من محمد رسول الله: اشترى منه عبدا، أو أمة- شك المحدث» «٤» وبدأ باسم العداء قبل اسمه، وهذا كله خلاف ما ذكره البخاري. وقال رسول الله ﷺ يوم سبي أوطاس: «لا توطأ حامل حتى تضع، ولا حائل حتى تحيض» «٥» . وفي البخاري أن رسول الله ﷺ «اشترى من يهودي طعاما إلى أجل ورهنه درعا له من حديد» «٦» . ترجم البخاري على هذا الحديث ثلاثة أبواب بشراء النبيّ ﷺ بالنسيئة، وأدخل الحديث. ثم ترجم الكفيل في السلم، وأدخل الحديث. ثم ترجم الرهن في السلم، وأدخل الحديث. وفي البخاري أيضا عن عائشة أنها قالت: توفي النبيّ ﷺ ودرعه مرهونة عند يهودي بثلاثين صاعا من شعير أخذها لأهله «٧» . وفي مصنف ابن السكن: بوسق شعير أخذه لأهله. وفي المدونة عن زيد بن أسلم: أن رجلا جاء إلى النبيّ ﷺ يتقاضاه فأغلظه، فقال رجل

стр. 85

من القوم: لا أراك تقول لرسول الله ما تقول إلا انتقمت منك. قال: «دعه فإنه طالب حق» ، ثم قال للرجل: «انطلق إلى فلان فليبعنا طعاما إلى أن يأتينا شيء» ، فأبى اليهودي، فقال: لا أبيعه إلا بالرهن، فقال النبيّ ﷺ : «اذهب إليه بدرعي أما والله إني لأمين في السماء وأمين في الأرض» «١» . وفي غير البخاري: إنما أخذ النبيّ ﷺ الشعير لضيف طرقه ثم فداها أبو بكر ﵁. «حكم رسول الله ﷺ » بالجمع بين الأم وولدها وحكمه في بيع وشرط واستيجار دليل مشترك في الحديث الثابت أن رسول الله ﷺ قال: «لا توله «٢» والدة عن ولدها» «٣» . ويروى عنه ﵇ أنه قال: «من فرق بين والدة وولدها فرق الله بينه وبين أحبته يوم القيامة» «٤» . وفي المدونة عن جعفر بن محمد عن أبيه: أن رسول الله ﷺ كان إذا قدم عليه السبي صفّهم وقام ينظر إليهم، فإذا رأى امرأة تبكي قال لها: «ما يبكيك؟» فتقول: بيع ابني، بيعت ابنتي. فيأمرهم فيرد إليها «٥» . وعن جعفر بن محمد عن أبيه: أن أبا أسيد الأنصاري قدم بسبي من البحرين على رسول الله ﷺ ، فقام ينظر إليهم وقد صفّهم فإذا امرأة تبكي فقال: «ما يبكيك؟» فقالت: بيع ابني في بني عبس. فقال رسول الله ﷺ لأبي أسيد: «لتركبن فتلحق به» ، فركب أبو أسيد فجاء به «٦» . وعن يونس بن عبد الرحمن: أن رسول الله ﷺ بعث علي بن أبي طالب على سرية فأصابوا شيئا فأصابتهم حاجة ومخمصة فأبتاع أباعير بوصيفة ولها أم، فلما قدم على رسول الله ﷺ أخبره فقال له: «أفرّقت بينها وبين أمها يا علي؟» فاعتذر فلم يزل يردد عليه حتى قال: أنا أرجع فأستردها بما عزّ وهان قبل أن يمس رأسي ماء «٧» .

стр. 86

وعن حسين بن عبد الله بن ضميرة عن جدّه ضميرة: أن رسول الله ﷺ مر بأم ضميرة وهي تبكي فقال: «ما يبكيك؟ أجائعة أنت، أعارية أنت؟» فقالت: يا رسول الله ﷺ فرّق بيني وبين ابني. فقال رسول الله ﷺ : «لا يفرّق بين الوالدة وولدها» ، ثم أرسل إلى الذي عنده ضميرة فدعاه فابتاعه منه ببكر. قال ابن أبي ذئب: ثم أقرأني كتابا عنده: بسم الله الرحمن الرحيم هذا كتاب من محمد رسول الله ﷺ لأبي ضميرة وأهل بيته: إن رسول الله ﷺ أعتقهم وأنهم أهل بيت من العرب، إن أحبوا أقاموا عند رسول الله ﷺ ، وإن أحبوا رجعوا إلى قومهم فلا يعرض لهم إلا بحق، ومن لقيهم من المسلمين فليوص بهم خيرا. وكتبه أبي بن كعب «١» . وعن عروة بن الزبير: أن رسول الله ﷺ حين خرج هو وأبو بكر مهاجرا إلى المدينة مر براعي غنم، فاشتريا منه شاة وشرطا له سلبها. وفي غير البخاري: أن رسول الله ﷺ وأبا بكر استأجرا رجلا من بني الديل هاديا إذ خرجا- وهو على دين كفار قريش- فدفعا إليه راحلتيهما وواعداه غار ثور بعد ثلاث ليال، فأتاهما براحلتيهما صبح ثلاث «٢» . وأدخل البخاري هذا الحديث في باب: إذا استأجر أجيرا ليعمل بعد ثلاثة أيام، أو بعد شهر، أو بعد سنة جاوزهما على شرطيهما إذا حل الأجل «٣» . وليس العمل على ما قاله البخاري: أو بعد سنة إذا كان إلى سنة لم يجز لأنه غرر، واسم الدليل أرقط وقيل أريقط. وروى مالك: أن رسول الله ﷺ اشترى من جابر بن عبد الله بعيرا له في سفر من أسفاره قريبا من المدينة، وشرط له رسول الله ﷺ ظهره إلى المدينة، وفي حديث آخر فقال له رسول الله ﷺ : «ولك ظهره إلى المدينة» «٤» . وقال أبو الزبير عن جابر: «أفقرناك ظهره إلى المدينة» . وقال الأعمش: عن سالم عن جابر: «تبلغ عليه إلى أهلك» . وفي البخاري: ثم قال له رسول الله ﷺ : «الثمن والجمل لك» ، وكان اشتراه النبيّ ﷺ بأوقية. قاله وهب وزيد بن أسلم. وقال عطاء: أربعة دنانير. وهو سواء على حساب الدينار عشرة دراهم. وقال سالم: أوقية ذهب، رواه عنه الأعمش، ورواه سالم عن جابر بمائتي درهم، وقال ابن مقسم عنه: أربع أواق. وقال أبو نضرة عن جابر: بعشرين دينارا. وقال البخاري: وقول الشعبي أوقية أكثر واشتراط الركوب أكثر وأصح «٥» .

стр. 87

كتاب الأقضية «حكم رسول الله ﷺ » في الحقوق بالظاهر وباليمين على المدعى عليه عند عدم البينة وفي المتداعيين يقيم كل واحد منهما بينة ويتكافيان وكيف يحلف المسلم والكافر في الموطأ والبخاري ومسلم: أن رسول الله ﷺ قال: «إنما أنا بشر مثلكم وأنكم نختصمون إلي، ولعل بعضكم ألحن بحجته من بعض» «١» . وفي حديث آخر في البخاري: «إنما أنا بشر وأنه يأتي الخصمان فلعل بعضا أن يكون أبلغ من بعض أقضي له بذلك وأحسب أنه صادق، فمن قضيت له بشيء من حق أخيه فلا يأخذ منه شيئا فإنما أقطع له قطعة من النار» «٢» . وقال في الحديث في البخاري: «فمن قضيت له بحق مسلم فإنما هي قطعة من النار فليأخذها أو ليدعها «٣» . وفي مصنف أبي داود عن علي قال: بعثني النبيّ ﷺ إلى اليمن فقلت: يا رسول الله ترسلني وأنا حديث السن لا علم لي بالقضاء! فقال: «إن الله سيهدي قلبك، ويثبت لسانك. فإذا جلس بين يديك الخصمان فلا تقضينَّ حتى تسمع من الاخر كما سمعت من الأول، فإنه أحرى أن يتبين لك القضاء» . قال: فما زلت قاضيا وما شككت في قضاء بعد «٤» . وفي البخاري عن عبد الله بن مسعود قال: قال النبيّ ﷺ : «لا يحلف امرؤ على يمين صبرا يقتطع بها مالا وهو فيها فاجر إلا لقي الله وهو عليه غضبان» ، فأنزل الله : إِنَّ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ وَأَيْمانِهِمْ ثَمَناً قَلِيلًا [آل عمران: الاية ٧٧] . فجاء الأشعث وعبد الله يحدثهم قال: فيّ نزلت وفي رجل، وفي حديث آخر: في ابن عم لي خاصمته في بئر كانت لي في أرضه. وروي أن الرجل كان يهوديا- الذي خاصم الأشعث- فقال النبيّ ﷺ : «ألك بينة؟» قلت: لا. قال: «فيحلف» ، فقلت: إذن يحلف، زاد في كتاب مسلم: «ليس لك إلا ذلك» ، فنزلت: إِنَّ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ وَأَيْمانِهِمْ ثَمَناً قَلِيلًا [آل عمران: الاية ٧٧] «٥» .

стр. 88

وروى الأشعث أن رجلا من حضرموت ورجلا من كندة اختصما إلى النبيّ ﷺ في أرض باليمن فقال الحضرمي: أرضي اغتصبها أبو هذا، فقال الكندي: يا رسول الله، أرضي ورثتها من أبي. فقال النبيّ ﷺ للحضرمي: «هل لك بينة؟» فقال: لا ولكن يحلف بالله ما يعلم أنها أرضي غصبها لي أبوه، فتهيأ الكندي لليمين فقال رسول الله ﷺ : «لا يقتطع رجل مالا بيمين إلا لقي الله وهو عليه غضبان» . فتركها الكندي «١» . وفي مصنف عبد الرزاق، والمدونة: أن رجلين تخاصما إلى النبيّ ﷺ في أرض فأقاما بينتين فتكافيا فقسمها نبيّ الله بينهما «٢» . وفي حديث آخر: ولم يثبت بعد إيمانهم. وفي الدلائل: أن رجلين اختصما إلى النبيّ ﷺ في أمر فجاء كل واحد منهما بشهود عدول على عدة واحدة، فأسهم رسول الله ﷺ بينهما وقال: «اللهم أنت تقضي بينهما» «٣» . وفي حديث آخر: أن رجلين تنازعا في بيع وليست بينهما بينة فأمرهما رسول الله ﷺ أن يستهما على اليمين أحبا أو كرها. وفي البخاري قال أبو هريرة: عرض النبيّ ﷺ على قوم اليمين فأسرعوا فأمرهم أن يسهم بينهم أيهم يحلف «٤» . وفي الحديث الثابت أسنده مسلم وغيره: أن النبيّ ﷺ قضى بشاهد ويمين «٥» . وذكر القاضي ابن زرب «٦» : أن أعرابيا أقر عند النبيّ ﷺ ثم حاد عن الإقرار، وقال للرسول ﵇: أمام من أقررت عندك؟ فلم يعنّفه رسول الله ﷺ ولا سطا عليه حتى أتى خزيمة بن ثابت فقال: أنا سمعت منه يا رسول الله. فقبل منه شهادته عليه وقال: «إن شهادته كشهادتين عند الله» «٧» . وذكر غيره أن النبيّ ﷺ قبل شهادته، وسماه خزيمة ذا الشهادتين. وذكر

стр. 89

أبو داود في المصنف خبر الفرس «١» . قال الزهري: وقتل خزيمة يوم صفين مع علي بن أبي طالب، والقضاء مع الشاهد عند مالك والشافعي في الأموال خاصة. زاد الشافعي: وفي العتق، وكذلك قاله عمرو بن دينار في حديثه عن ابن عباس أن النبيّ ﷺ «قضى بشاهد ويمين» . وقال أبو عمرو: وذلك في الأموال، وأبو حنيفة ﵁ لا يرى القضاء بشاهد ويمين في شيء. «حكم رسول الله ﷺ » في كيفية يمين الحالف في مصنف أبي داود عن مسدد: حدثنا أبو الأحوص عن عطاء بن السائب، عن أبي يحيى، عن ابن عباس قال: بعثني النبيّ ﷺ لرجل أحلّفه: أحلف بالله الذي لا إله إلا هو ما له عندك شيء. يعني للمدعي «٢» . وبهذا أخذ مالك بن أنس، وقال أبو حنيفة وأصحابه مثله، إلا أن يتهمه القاضي فله أن يغلّظ عليه فيحلف بالله الذي لا إله إلا هو عالم الغيب والشهادة الرحمن الرحيم الطالب الغالب الذي يعلم من السر ما يعلم من العلانية. وقال الشافعي وأصحابه: يحلف بالله الذي لا إله إلا هو عالم الغيب والشهادة الذي يعلم من السر ما يعلم من العلانية، وقالت طائفة: لا يلزمه إلا اليمين بالله فقط، وحجتهم قول الله في يمين المتلاعنين: فَشَهادَةُ أَحَدِهِمْ أَرْبَعُ شَهاداتٍ بِاللَّهِ إِنَّهُ لَمِنَ الصَّادِقِينَ [النّور: الاية ٦] . وثبت عن النبيّ ﷺ أنه قال: «من كان حالفا فليحلف بالله أو ليصمت» «٣» . وكذلك قضى عثمان على ابن عمر في العبد الذي باعه ابن عمر من رجل بالبراءة فقال المبتاع: بالعبد داء لم يسمه لي. فقضى أن يحلف ابن عمر بالله لقد باعه العبد وما به داء يعلمه فأبى من اليمين وارتجع العبد فباعه بأكثر مما كان باعه أولا «٤» . وفي كتاب مسلم عن البراء بن عازب قال: مر رسول الله ﷺ بيهودي محمم مجلود فدعاهم فقال: «هكذا تجدون حد الزاني في كتابكم؟» قالوا: نعم، فدعا رجلا من علمائهم فقال: «أنشدك الله الذي أنزل التوراة على موسى هكذا تجدون حد الزاني في كتابكم؟» قال: لا ولولا أنك نشدتني بهذا لم أخبرك: حده الرجم، ثم ذكر باقي الحديث «٥» . وفي مصنف أبي داود حدثنا محمد بن عبد الأعلى حدثنا سعيد بن أبي عروبة عن قتادة عن

стр. 90

عكرمة أن النبيّ ﷺ قال لابن صوريا: «أذكركم الله الذي أنجاكم، وأقطعكم البحر وظلل عليكم الغمام، وأنزل عليكم المن والسلوى، وأنزل التوراة على موسى هل تجدون في كتابكم الرجم؟» فقال: ذكرتني بعظيم ولا ينبغي أن أكذب وساق الحديث «١» . قال مالك وأصحابه: يحلف بالله الذي لا إله إلا هو حيث يعظم. وقال الشافعي وأبو حنيفة: يحلف اليهودي بالذي أنزل التوراة على موسى، والنصراني بالله الذي أنزل الإنجيل على عيسى، والمجوسي بالله الذي خلق النار. «حكم رسول الله ﷺ » في إحياء الموات وقسمة الماء وضمان الطبيب ومن كسر صحفة والحكم في عقد الخص في الحديث الثابت وهو أيضا في مصنف أبي داود، والبخاري أن رسول الله ﷺ قال: «من أحيا أرضا ميتة- زاد في البخاري في غير حق مسلم. وفي حديث آخر: من أحيا أرضا ميتة ليست لأحد فهي له، وليس لعرق ظالم حق» «٢» . وفي كتاب أبي عبيد: قال صاحب الحديث: فلقد رأيت رجلين في بني بياضه يختصمان إلى رسول الله ﷺ في أرض لأحدهما غرس فيها الاخر نخلا، وقضى رسول الله ﷺ لصاحب الأرض بأرضه وأمر صاحب النخل أن يخرج نخله، فلقد رأيته يضرب في أصولها بالفؤوس وأنها لنخل عام «٣» . قال أبو عبيد: العام: التامة في طولها والتفافها وأحدها عميقة. قال مالك: العروق أربعة: عرقان ظاهران، وعرقان باطنان. فالظاهران: البناء والغرس، والباطنان: المياه والمعادن. في الموطأ أن رسول الله ﷺ قال في سيل مهزور ومذينب قال ابن حبيب: وهما واديان من أودية المدينة يمسك حتى الكعبين، ثم يرسل الأعلى على الأسفل «٤» . وفي البخاري عن عروة بن الزبير قال: خاصم الزبير رجلا من الأنصار في شراج من الحرة، فقال النبيّ ﷺ : «يا زبير اسق ثم أرسل الماء إلى جارك» . فقال الأنصاري: يا رسول الله ﷺ أن كان الزبير ابن عمتك. فتلوّن وجه النبيّ ﷺ ثم قال: «اسق يا زبير ثم أرسل الماء إلى

стр. 91

جارك» . فقال الأنصاري: أن كان ابن عمتك، فتلون وجه النبيّ ﷺ ثم قال: «أسق يا زبير ثم أحبس الماء حتى يرجع إلى الجدر، ثم أرسل الماء إلى جارك» . فاستوفى النبيّ ﷺ للزبير حقه في صريح الحكم حين أحفظه الأنصاري، كأنه أشار إليه بأمر لهما فيه سعة. قال الزبير: ما أحسب هذه الايات نزلت إلا فيّ ذلك: فَلا وَرَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيما شَجَرَ بَيْنَهُمْ [النّساء: الاية ٦٥] «١» . قال ابن شهاب: فقدر الأنصار والناس قول النبيّ ﷺ : «أسق يا زبير ثم أحبس حتى يرجع إلى الجدر» ، وكان ذلك إلى الكعبين. في الموطأ يحيى عن مالك عن ابن شهاب عن حرام بن سعيد بن محيصة أن ناقة للبراء بن عازب دخلت حائط رجل فأفسدت فيه، فقضى رسول الله ﷺ : أن على أهل الحوائط حفظها بالنهار، وأن ما أفسدت المواشي بالليل ضامن على أهلها «٢» وفي الدلائل: أن رسول الله ﷺ كان عند بعض نسائه، فأرسلت إحدى أمهات المؤمنين مع خادم لها بقصعة فيها طعام فضربتها بيدها عائشة. وفي غير الكتابين: ضربتها بفهر، وروي أنها جرّت مرطها فحولتها فانكسرت القصعة، فضمها وجعل فيها الطعام وقال: «غارت أمكم» «٣» . وفي كتاب أبي داود وروى حباب بن سلمة، عن ثابت البناني، عن أبي المتوكل: أن أم سلمة جاءت في يوم عائشة بصحفة فيها طعام فوضعتها بين يدي رسول الله ﷺ وأصحابه- وهو في بيت عائشة- فالتحفت عائشة في كسائها، ثم أقبلت فضربت القصعة فكسرتها فلقتين، فجمع النبيّ ﷺ الفلقتين وجعل فيها الطعام وقال: «غارت أمكم» ، فأكلوا ثم جاءت عائشة بصحفتها فأكلوا، ثم بعث بالصحفة المكسورة إلى عائشة وبالصحفة السليمة إلى أم سلمة. وفي البخاري فقال: «كلوا» وحبس الرسول ﷺ القصعة حتى أكلوا «٤» . وفي مصنف أبي داود قالت عائشة: ما رأيت أصنع لطعام من صفية صنعت لرسول الله ﷺ طعاما، فبعثت به فأخذني أفكل «٥» فكسرت الإناء ثم قالت: يا رسول الله ما كفارة ما صنعت؟ قال: «إناء مثل إناء وطعام مثل طعام» «٦» .

стр. 92

وفي كتاب ابن شعبان: أن قوما اختصموا إلى النبيّ ﷺ في خص، وذكر النسائي في كتاب الأسماء والكنى: اختصم رجلان باليمامة في حائط فبعث حذيفة بن اليماني يقضي بينهم فقضى للذي يليه القمط فرجع إلى رسول الله ﷺ فأخبره الخبر فقال: «أحسنت» . زاد النسائي: «وأصبت» «١» . والقمط: العقد. «حكم رسول الله ﷺ » في الشفعة في الموطأ وغيره: أن رسول الله ﷺ «قضى بالشفعة فيما لم يقسم بين الشركاء فإذا وقعت الحدود بينهم، وصرفت الطرق» «٢» في البخاري: «فلا شفعة فيما فيه الحدود من أرض، أو نخل، أو عقار» «٣» . وذكر أبو عبيد: أن النبيّ ﷺ «قضى ألاشفعة في فناء ولا طريق ولا متعبة ولا ركح ولا رهو» «٤» . قال أبو عبيد: المتعبة: الطريق الضيق يكون بين الدارين لا يمكن أن يسلكه أحد، والركح: ناحية البيت من ورائه وربما كان فضاء لا بناء فيه، والرهو: الحومة تكون في محلة القوم يسيل فيها ماء المطر وغيره. ومنه الحديث الأخير أنه قال: «لا يباع نقع البئر ولا رهو الماء» «٥» . فمعنى الحديث في الشفعة أن من كان شريكا في هذه المواضع الخمسة وليس شريكا في الدار نفسها فإنه لا يستحق بشيء منها شفعة. وهذا قول أهل المدينة أنهم لا يقضون إلا للشريك المخالط، وأما أهل العراق فإنهم يرونها لكل جار ملاصق وإن لم يكن شريكا. وفي كتاب أبي عبيد: أن النبيّ ﷺ «قضى بالشفعة للجار» «٦» . وتكرر الحديث عن النبيّ ﷺ : «الجار أحق بسقبه» .

стр. 93

وفي كتاب النسائي أن رجلا قال: يا رسول الله أرضي ليس فيها شريك ولا قسم إلا الجوار فقال: «الجار أحق بسقبه» «١» وفي كتاب مسلم «قضى رسول الله ﷺ بالشفعة في كل شركة لم تقسم ربعة أو حائط، ولا يحل له أن يبيعه حتى يؤذن شريكه فإن شاء أخذ وإن شاء ترك فإذا باع ولم يؤذنه فهو أحق به» «٢» . (٢) القسمة والمزارعة في الأحكام لإسماعيل القاضي قال النبيّ ﷺ لرجلين تنازعا في مواريث: «عدّلا وأسهما» . قال إسماعيل: هذه القسمة التي تجب بين الشركاء إذا كانت لهم دار أو أرض فعليهم أن يعدلوا ذلك بالقسمة ثم يستهموا ويصير لكل واحد منهم ما وقع بالقرعة، ويجمع لكل واحد منهم ما كان له من الملك مشاعا في الأرض كلها. وفي غير الأحكام قال النبيّ ﷺ : «لا تعضية في القسمة» «٣» ، والتعضية: التفرقة. ومنه قوله : الَّذِينَ جَعَلُوا الْقُرْآنَ عِضِينَ [الحجر: الاية ٩١] . يعني: فرقوه وقسموه. قال بعضهم: كاهن. وفي البخاري أن النبيّ ﷺ قال: «إذا اختلفتم في الطريق جعل عرضه سبعة أذرع» . وفي حديث آخر: «إذا تشاجروا في الطريق» «٤» . وفي البخاري ومسلم أن رسول الله ﷺ عامل أهل خيبر بشطر ما يخرج منها من زرع أو ثمر، فكان يعطي أزواجه مائة وسق: ثمانين وسقا تمرا، وعشرين وسقا شعيرا «٥» . وفي الواضحة أن نفرا أربعة اشتركوا في أرض احترثوها على عهد رسول الله ﷺ فقال أحدهم: من قبلي الأرض، وقال الاخر: من قبلي البذر، وقال الاخر: من قبلي الفدّان يعني: زوج البقر، وقال الاخر: من قبلي العمل. فلما بلغ الزرع واستحصد أتوا رسول الله ﷺ يتفاتون، فألغى رسول الله ﷺ الأرض فلم يجعل لها شيئا، لصاحب الفدان أجرا مسمى، وجعل لصاحب العمل درهما في كل يوم، وسلّم الزرع لصاحب البذر. قال ابن حبيب: وإنما ألغى رسول الله ﷺ الأرض لأنها لم يكن لها كراء. وفي المدونة قلت لابن القاسم: فإن كان البذر

стр. 94

من عند رجلين؟ ومن عند الاخر الأرض وجميع العمل قال: لا خير في هذا، قلت: فلمن الزرع؟ قال: لصاحب الأرض والعمل ويعطى هذان بذرهما قلت: وهذا قول مالك. قال: هذا رأيي. وقال ابن حبيب وابن غانم عن مالك: إن الزرع لصاحبي الزريعة ويكون عليهما كراء الأرض والعمل، وذكر نحو هذا عن النبيّ ﷺ أنه قال: «الزرع لصاحب الزريعة وللاخرين أجر مثلهم» «١» . وفي مصنف أبي داود عن رافع بن خديج: أنه زرع أرضا فمر به رسول الله ﷺ وهو يسقيها فسأله: «لمن الزرع ولمن الأرض؟» فقال: زرعي ببذري وعملي لي الشطر، ولبني فلان أصحاب الأرض الشطر. قال: «أذنبت فرد الأرض على أهلها وخذ نفقتك» «٢» . وفي كتاب ابن شعبان: أن النبيّ ﷺ قال: «الرهن من مرتهنه له غنمه، وعليه غرمه» «٣» ، وقد تقدم أن النبيّ ﷺ توفي ودرعه مرهونة عند يهودي «٤» . «حكم رسول الله ﷺ » في المساقاة والصلح والمرفق وحريم النخل في موطأ مالك عن ابن شهاب عن سعيد بن المسيب: أن رسول الله ﷺ قال ليهود خيبر حين افتتحها: «أقركم ما أقركم الله على أن الثمر بيننا وبينكم» ، فكان يبعث عبد الله بن رواحة فيخرص بينه وبينهم ثم يقول: «إن شئتم فلكم وإن شئتم فلي، فكانوا يأخذونه» «٥» . وفي مصنف أبي داود: خرصها ابن رواحة أربعين ألف وسق «٦» ، واختاروا الثمر على أن يكون عليهم عشرون ألف وسق «٧» ، وهذه الزيادة من مصنف عبد الرزاق وغيره. وفي كتاب مسلم: «أقركم فيها ما شئنا» «٨» ، في حديث ابن عمر، في حديث آخر عن ابن عمر: على أن يعتملوها من أموالهم ولرسول الله ﷺ النصف «٩» .

стр. 95

وفي قوله: «على أن يعتملوها من أموالهم» دليل على ألايعين رب الأرض العامل ولا يجعل زريعة للبياض. وقال مالك: المساقاة جائزة في كل أصل له ثمرة مثل: النخيل، والأعناب، والتين، والزيتون، والرمان، والفرسك، والجوز، واللوز، والورد، وشبه ذلك. وعلى ما اتفقا من الجزء. قال الشافعي: لا تجوز المساقاة إلا في النخيل، والكرم خاصة على النصف لأن في ذلك الخرص. وللشافعي قول آخر: أنها تجوز المساقاة في كل أصل ثابت. وقال أبو حنيفة: لا تجوز المساقاة أصلا لأنها أجرة مجهولة. وخالف في ذلك فعل النبيّ ﷺ ، وأبي بكر، وعمر في خيبر، واحتج بأن أهل خيبر حين افتتحت كانوا كالعبيد، ويجوز بين السيد وعبده ما لا يجوز بينه وبين الأجنبي، والحجة أيضا على أبي حنيفة أنهم لم يكونوا عبيدا لأنهم أقروا على المساقاة حياة رسول الله ﷺ ، وأبي بكر، وصدرا من أيام عمر، حتى أجلاهم. ولم يباعوا، ولا عتقوا، ولم يرو أحد من أهل الحديث أن النبيّ ﷺ أخذ من أهل خيبر جزية أم لا، إلا أن نزول براءة كان بعد خيبر، فيدل ذلك أنه أخذ منهم الجزية والله وأعلم. والحجة على الشافعي في منعه المساقاة إلا في النخل والكرم مساقاة النبيّ ﷺ أهل خيبر على نصف ما يخرج منها: من زرع أو ثمر. فمنع الشافعي المساقاة في الزرع لأن الأرض تكرى بما يخرج منها، وفيه النص، وأجازها في الكرم ولا نص فيه قياسا على النخل وجمهور العلماء على خلافه. في كتاب مسلم: ومن خيبر كان النبيّ ﷺ يعطي أزواجه كل سنة مائة وسق: ثمانين من تمر وعشرين من شعير «١» . قال مالك: وكان بياض خيبر يسيرا بين أضعاف السواد. قال مالك في الواضحة: وهو يسير إلى اليوم. قال مالك في المدونة وغيرها: أحب إليّ أن يلغي البياض للعامل، وهو أحله. فإن قال قائل: لم قال مالك إلغاء البياض للعامل أحل. وقد ثبت أن رسول الله ﷺ أخذ من أهل خيبر النصف من الثمر ومن الزرع؟ قيل له: إنما ذلك لنهي رسول الله ﷺ عن المخابرة وهي: اكتراء الأرض بالحنطة، فخشي مالك أن يكون هذا النهي بعد قصة خيبر: وإنما يؤخذ من فعل رسول الله ﷺ بالأحدث فالأحدث، فإذا ألغي البياض للعامل ارتفع الإشكال وإن كان البياض بينهما فهو جائز على ما فعله بخيبر. قاله محمد بن دحون عن الأصيلي: حدثني بذلك أبو عمرو وابن القطان- ﵏ جميعهم. وفي البخاري ومسلم: أن كعب بن مالك تقاضى من عبد الله بن أبي حدرد دينا كان له عليه في عهد رسول الله ﷺ في المسجد، فارتفعت أصواتهما حتى سمعها رسول الله ﷺ وهو في بيته- فخرج إليهما رسول الله ﷺ حتى كشف سجف حجرته ونادى كعب بن مالك فقال:

стр. 96

لبيك يا رسول الله، فأشار إليه بيده: أن ضع الشطر من دينك فقال: قد فعلت يا رسول الله، قال: «قم فأقضه» «١» . وفي حديث آخر: أشار بيده كأنه يقول النصف «٢» . وفي كتاب ابن شعبان: أن النبيّ ﷺ قال: «من اقتضى حقا فليقتضه في كفاف وعفاف واف أو غير واف» . وثبت أن رسول الله ﷺ بعث سرية إلى قوم من قوم خثعم، فاعتصموا بالسجود فقتلوا، فأمر فيهم رسول الله ﷺ بنصف الدية «٣» . قال بعض أهل العلم بالقرآن: إنما أمر بذلك لأنه قد يمكن أن يكون سجودهم إسلاما فتكون فيهم الدية، وقد لا يكون إسلاما فلا يكون لهم دية. وفي مصنف أبي داود عن سمرة بن جندب: أنه كان له نخل في حائط رجل من الأنصار، ومع الرجل أهله فكان سمرة بن جندب يدخل إلى النخل فيتأذى به الرجل، ويشق عليه، فطلب إليه أن يبيعها منه فأبى، فطلب أن يناقله فأبى، فأتى النبيّ ﷺ فذكر له ذلك، فطلب إليه النبيّ ﷺ أن يبيعه منه فأبى، فطلب إليه أن يناقله فأبى، قال: فهبها لي ولك كذا وكذا مزرعة فأبى، فقال رسول الله ﷺ : «أنت مضار» ، ثم قال النبيّ ﷺ للأنصاري: «اذهب فاقلع نخله» «٤» . وعن أبي سعيد الخدري قال: اختصم إلى النبيّ ﷺ رجلان في حريم نخلة فأمر بها فذرعت فوجدت سبعة أذرع. وفي حديث آخر خمسة أذرع فقضى بذلك «٥» . قال عبد العزيز: أمر بجريدة من جرايدها فذرعت.

стр. 97

كتاب الوصايا «حكم رسول الله ﷺ » في الوصية وأنها مقصورة على الثلث في الموطأ والبخاري ومسلم عن الزهري، عن عامر بن سعد بن أبي وقاص أنه قال: جاءني رسول الله ﷺ يعودني عام حجة الوداع من وجع اشتدّ بي، فقلت: يا رسول الله قد بلغ بي من الوجع ما ترى وأنا ذو مال ولا يرثني إلا ابنة لي. أفأتصدق بثلثي مالي؟ ورواه مالك، وسفيان بن عيينة، وإبراهيم بن سعد عن الزهري، عن عامر بن سعد، عن أبيه بلفظ: أتصدق. ورواه عبد العزيز ابن أبي سلمة، ومعمر، عن الزهري، عن عامر بن سعد، عن أبيه، بلفظ: أوصي. وكذلك رواه عروة، وعائشة، عن سعد. واللفظان في البخاري ومسلم. ووقع أيضا فيهما: أفأوصي بمالي كله؟ قال: «لا» . قال: فالثلثين؟ قال: «لا» . قال: فالنصف؟ قال: «لا» . قال: فالثلث؟ قال: «الثلث، والثلث كثير» . رجعنا إلى لفظ الموطأ قال رسول الله ﷺ : «لا» ، قلت: فالشطر؟ قال: «لا» ، ثم قال رسول الله ﷺ : «الثلث، والثلث كثير، إنك أن تذر ورثتك أغنياء، خير من أن تذرهم عالة يتكففون الناس، وأنك لن تنفق نفقة تبتغي وجه الله إلا أجرت» «١» . وفي الموطأ يحيى بن يحيى: «إلا أجرت حتى ما تجعل في في امرأتك» ، فقلت: يا رسول الله أخلف بعد أصحابي. فقال رسول الله ﷺ : «إنك لن تخلف فتعمل عملا صالحا» . زاد في مسلم: «تبتغي به وجه الله إلا ازددت بها درجة ورفعة، ولعلك أن تخلف حتى تنتفع بك أقوام، ويضر بك آخرون. اللهم امضي لأصحابي هجرتهم، ولا تردهم على أعقابهم» . لكن البائس سعد بن خولة يرثي له رسول الله ﷺ أن مات بمكة «٢» . ذكر ابن مزين في تفسيره للموطأ: أنه أقام بمكة حتى مات، ولم يهاجر، فكره له النبيّ ﷺ ذلك، ورثى له، وهو وهم من ابن مزين لأن سعد بن خولة قد هاجر وشهد بدرا، وإنما رثى له رسول الله ﷺ لرجوعه بعد الهجرة إلى مكة، وموته بها. ذكره البخاري وغيره، وذكره أيضا مسلم وهو قرشي «٣» .

стр. 98

«حكم رسول الله ﷺ » في الأحباس في الواضحة عن الواقدي عن الحصين بن عبد الرحمن بن عمرو بن سعد بن معاذ قال: سألنا عن أول حبس حبس في الإسلام فقال قائل: أحباس رسول الله ﷺ وهو قول الأنصار «١» . وقال المهاجرون: حبس عمر بن الخطاب أول حبس كان في الإسلام، وذلك أن النبيّ ﷺ لما قدم المدينة وجد أرضا واسعة: لزهرة، وأهل رايج، وحسيكة «٢» ، وقد كانوا جلوا عن المدينة قبل مقدم النبيّ ﷺ بيسير، ومنهم من انجلى عن أرضه بعد مقدم النبي ﷺ وتركوا أرضا واسعة فيها براح، ومنها رديء لا تسقى يقال له: الخشاشير. وكان رسول الله ﷺ قد أعطى عمر بعضها: ثمغ «٣» ، ثم اشترى عمر بن الخطاب- ﵁ إلى ما أعطاه رسول الله ﷺ من قوم يهود، فكان مالا معجبا فقال عمر: يا رسول الله إن مالي مال معجب، وأنا أحبه. فقال رسول الله ﷺ : «حبّس أصله، وسبّل ثمرته» . ففعل عمر «٤» . مطرف عن العمري عن نافع عن ابن عمر قال: ثمغ أول صدقة تصدق بها في الإسلام وأن عمر يوم أراد أن يتصدق بها قال: أشر عليّ يا رسول الله في صدقتي كيف أصنع فيها؟ فقال رسول الله ﷺ : «حبّس أصلها، وسبل ثمرتها» «٥» . وعن المسور بن رفاعة عن محمد بن كعب القرظي قال: أول صدقة كانت في الإسلام صدقة رسول الله ﷺ بأمواله الموقوفة. قال: فقلت: فإن الناس يقولون صدقة عمر. قال: قتل مخيريق بأحد على رأس اثنين وعشرين شهرا من مهاجرة النبيّ ﷺ ، وأوصى إن أصبت فأموالي لرسول الله ﷺ يضعها حيث أراه الله، فتصدق بها رسول الله ﷺ صدقة حبس، وهي: سبعة حوائط. وإنما تصدق عمر بثمغ بعد ما رجع النبيّ ﷺ من خيبر سنة سبع من الهجرة، وكانت خيبر سنة ست «٦» . وقال الزهري: صدقة النبيّ ﷺ الحوائط السبعة من أموال بني النضير بعد أن رجع رسول

стр. 99

الله ﷺ من أحد ففرق أموال مخيريق «١» . وعن محمد بن سهل بن أبي جثامة قال: كانت صدقات النبيّ ﷺ من أموال بني النضير وهي الحوائط السبعة: الأعراف، والصافية، والدلال، والمثبت، وبرقة، وحسني، ومشربة أم إبراهيم، وإنما سميت: مشربة أم إبراهيم لأنها كانت تسكنها. وكان ذلك المال لسلام بن مشكم النضري «٢» . وقال الواقدي: لم يختلف أنها سبعة حوائط وأن هذه أسماؤها. وفي النسائي عن قتيبة بن سعيد، عن أبي الأخوص، عن أبي إسحاق، عن عمرو بن الحارث قال: ما ترك رسول الله ﷺ دينارا ولا درهما ولا عبدا ولا أمة إلا بغلته الشهباء التي كان يركبها، وسلاحه، وأرضا جعلها في سبيل الله «٣» . وقال قتيبة بن سعيد في المسند الكبير للنسائي مرة أخرى: صدقة «٤» . وكذلك ذكر النسائي أن صدقة عمر كانت من الأرض التي أصاب بخيبر. وقال في صدقة لا يباع أصلها ولا توهب ولا تورث، وهي للفقراء والقربى والرقاب وفي سبيل الله والضيف وابن السبيل، لا جناح على من وليها أن يأكل منها بالمعروف، ويطعم ضيفا نزل به أو صديقا غير متمول فيه «٥» . «حكم رسول الله ﷺ » في الصدقة والهبة والثواب عليها والعمرى في موطأ مالك: أنه بلغه أن رجلا من الأنصار من بني الحارث بن الخزرج تصدق على أبويه بصدقة، فهلكا، فورث ابنهما المال، وهو: نخل. فسأل عن ذلك رسول الله ﷺ فقال: «قد أجرت في صدقتك، وخذها بميراثك» «٦» . وفي كتاب أقضية رسول الله ﷺ : من مصنف ابن أبي شيبة، عن جابر قال: قضى رسول الله ﷺ في امرأة من الأنصار أعطاها ابنها حديقة من نخل فماتت، فقال ابنها: إنما أعطيتها حياتها وله أخوة، فقال النبيّ ﷺ : «هي لها حياتها وموتها» قال: فإني كنت تصدقت بها عليها. قال: «فذلك أبعد لك» «٧» .

стр. 100

وفي الموطأ والبخاري ومسلم عن النعمان بن بشير: أن أباه أتى به إلى رسول الله ﷺ يشهده على عبد وهبه له، فقال: يا رسول الله إني نحلت ابني غلاما كان لي. فقال رسول الله ﷺ : «أكلّ ولدك» وفي حديث يونس ومعمر «أكل بنيك» - ذكره مسلم- «نحلته مثل هذا؟» . قال: لا، فقال رسول الله ﷺ : «فارتجعه» «١» . وفي كتاب مسلم: «اتقوا الله، واعدلوا في أولادكم» «٢» . وكانت أم النعمان: عمرة ابنة رواحة قالت لبشير: أشهد رسول الله ﷺ على هبتك، وكان قد لواها سنة، ثم وهبه لها فقالت: لا أرضى حتى تشهد رسول الله ﷺ . فقال رسول الله ﷺ : «لا أشهد على جور» «٣» . وهذا أصل في حيازة الأب لابنه الصغير، وأما إذا وهب أو تصدق على ابنه الكبير، أو على أجنبي فلا بد من قبض الموهوب له أو التصدق عليه. والأصل في ذلك قول أبي بكر الصديق لعائشة: لو كنت حزتيه كان لك، وإنما هو اليوم مال وارث «٤» . وقول النبيّ ﷺ لما نزلت ألهاكم التكاثر قال رسول الله ﷺ : «يقول ابن آدم: مالي مالي، وهل لك من مالك إلا ما أكلت فأفنيت، أو لبست فأبليت، أو تصدقت فأمضيت» «٥» ، فقد شرط رسول الله ﷺ في الصدقة الإمضاء. والإمضاء هو: الإقباض كالعارية والسلف لا يتم ذلك إلا بالقبض وكالوصية لا تتم إلا بموت الموصي. وفي مصنف عبد الرزاق عن طاوس قال: وهب رجل هبة للنبيّ ﷺ فأثابه، فلم يرض فزاده قال: لا أحسبه قال ذلك إلا ثلاث مرات، فلم يرض فقال النبيّ ﷺ : «لقد هممت ألاأقبل هبة» وربما قال معمر: «ألاأقبل إلا من قرشي، وأنصاري، أو ثقفي» «٦» . وفي حديث أبي هريرة «أو دوسي» «٧» . وفي الدلائل للأصيلي أهدي لرسول الله ﷺ لقحة، فأثابه بست بكرات فلم يرض، وذكر الحديث في البخاري حدثنا عبد الله بن يوسف، عن عبد الله بن وهب، عن يونس، عن ابن شهاب، عن أنس بن مالك قال: لما قدم المهاجرون المدينة من مكة وليس بأيديهم شيء،

стр. 101

وكانت الأنصار أهل الأرض والعقار فقاسمهم الأنصار على أن يعطوهم ثمار أموالهم كلّ عام ويكفوهم العمل والمؤنة، وكانت أمه أمّ أنس بن مالك أم سليم وكانت أم عبد الله بن أبي طلحة، فكانت أعطت أم أنس رسول الله ﷺ عذاقا فأعطاهنّ رسول الله ﷺ أم أيمن مولاته أم أسامة بن زيد. قال ابن شهاب: فأخبرني أنس بن مالك: أن النبيّ ﷺ لما فرغ من قتال أهل خيبر، وانصرف إلى المدينة رد المهاجرون إلى الأنصار منائحهم التي كانوا منحوهم من ثمارهم، فردّ النبيّ ﷺ إلى أمه يعني أم أنس بن مالك عذاقها وأعطى رسول الله ﷺ أم أيمن مكانهن من حائطه رواه مسلم أيضا، وزاد أنه أعطاها عشرة أمثاله أو قريبا من عشرة أمثاله «١» . قال ابن شهاب: وكان من شأن أم أيمن أم أسامة بن زيد أنها كانت وصيفة لعبد الله بن عبد المطلب وكانت من الحبشة فلما ولدت آمنة رسول الله ﷺ بعدما توفي أبوه، فكانت أم أيمن تحضنه حتى كبر رسول الله ﷺ فأعتقها، ثم أنكحها زيد بن حارثة، ثم توفيت بعد ما توفي رسول الله ﷺ بخمسة أشهر. قال الواقدي: واسمها بركة ولم يرو هذا الحديث عن الزهري أحد إلا يونس. وقع هذا في طرة كتاب الأصيلي في الموطأ: عن جابر بن عبد الله أن رسول الله ﷺ قال: «أيما رجل أعمر عمرى «٢» له ولعقبه فإنها للذي يعطاها لا ترجع إلى الذي أعطاها أبدا لأنه أعطى عطاء وقعت فيه المواريث» «٣» . وفي كتاب مسلم عن جابر من رواية يحيى، عن مالك، ولم يذكر أبدا. وفيه عن يحيى ومحمد وصح عن الليث، عن ابن سهل، عن أبي سلمة، عن جابر بن عبد الله أنه قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «من أعمر رجلا عمرى له ولعقبه فقد قطع قوله حقه فيها، وهي لمن أعمر وعقبه» «٤» . وفي حديث آخر عن إسحاق بن إبراهيم، وعبد بن حميد، واللفظ لعبد قالا: أخبرنا عبد الرزاق، عن معمر، عن الزهري، عن أبي سلمة، عن جابر، قال: إنما العمرى التي أجازها رسول الله ﷺ أن تقول هي لك ولعقبك، فأما إذا قال: هي لك ما عشت فإنها ترجع إلى صاحبها «٥» .

стр. 102

قال معمر: وكان الزهري يفتي به، وروى أبو سلمة عن جابر قال: «قضى رسول الله ﷺ فيمن أعمر عمرى له ولعقبه فهى له بتلة «١» لا يجوز للمعطى فيها شرط ولا ثنيا» . قال أبو سلمة: لأنه أعطى عطاء وقعت فيه المواريث، فقطعت المواريث شرطه «٢» . وفي حديث آخر عن جابر قال: قال رسول الله ﷺ : «العمرى لمن وهبت له» «٣» . قال ابن أبي زيد: ومعنى قول النبيّ ﷺ : «لا ترجع إلى الذي أعطاها» إنما ذلك ما بقي أحد من عقب المعمر، فإذا انقرضوا رجعت العمرى إلى صاحبها. وقوله ﵇: «فإنها للذي يعطاها» يعني: النفع، لا الأصل، ودل ذلك أنه ليس كوارث الأصل أن الزوجة لا تدخل فيه، ولا من ليس من العقب المعروف، وعمرتك إنما هو مأخوذ من العمر، ولا فرق بين أجل مضروب وعمر مشترط. وبهذا جرى العمل بالمدينة، وبه أخذ مالك انتهى قول ابن أبي زيد. وتأوّل الشافعي وغيره الحديث المذكور أن العمرى إذا كانت للمعمر ولعقبه أنها لا ترجع إلى المعمر وإن انقرض المعمر وعقبه وليس ذلك في الحديث مكتوبا. وقد روي عن أبي حنيفة والشافعي وسفيان الثوري، وأحمد بن حنبل: أن العمرى كالهبة، وهي ملك لمن أعمرها كانت معقبة أو لم تكن شرط المعمّر أن ترجع إليه أو لم يشترط، وشرطه باطل لا ترجع إليه أبدا ويبيعها المعمّر إن شاء كسائر ماله. فصح في العمرى ثلاثة أقوال: قول أبي حنيفة، والشافعي، ومالك، ومن ذكر معهم. كما قضى طارق بشهادة جابر والثالث من فرق بين المعقبة وحياة المعمر خاصة فقال في المعقبة: لا ترجع أبدا إلى المعمر، وإذا لم تكن معقبة ترجع إليه إذا مات المعمر، والله أعلم بما أراد نبيه ﷺ ، إلا أن في كتاب مسلم عن جابر أيضا قال: أعمرت امرأة بالمدينة حائطا لها ابنا لها ثم توفّي وتوفيت بعده، وتركت ولدا، وله أخوة بنون للمعمرة، فقال ولد المعمرة: رجع الحائط إلينا، وقال بنو المعمر: بل كان لأبينا حياته وبعد موته، فاختصموا إلى طارق- مولى عثمان- فدعا جابرا فشهد على رسول الله ﷺ أنه حكم بالعمرى لصاحبها، فقضى بذلك طارق، ثم كتب إلى عبد الملك فأخبره ذلك، وأخبره بشهادة جابر، فقال عبد الملك: صدق جابر فأمضى ذلك طارق. وإن ذلك الحائط لبني المعمر حتى اليوم. وليس في هذا الحديث أنها أعمرت ابنها وعقبه كما وقع في الأحاديث المتقدمة «٤» .

стр. 103

وقد تقدم عن جابر أنه قال: إذا قال هي لك ما عشت فإنما ترجع إلى صاحبها الذي أعمرها. وفي رواية مسدد عن يحيى عن سفيان عن حميد الأعرج عن محمد بن إبراهيم التيمي عن جابر: أن رجلا من الأنصار أعطى أمه حديقة له حياتها فماتت، وذكر الحديث كما ذكره مسلم وهذا يقوي مذهب مالك «١» . «حكم رسول الله ﷺ » في المشبهات في الموطأ والبخاري ومسلم عن عائشة زوج النبيّ ﷺ أنها قالت: كان عتبة بن أبي وقاص عهد إلى أخيه سعد بن أبي وقاص: أن ابن وليدة زمعة مني فاقبضه إليك. قالت: فلما كان عام الفتح أخذه سعد وقال: ابن أخي- قد كان عهد إليّ فيه- فقام عبد بن زمعة وقال: أخي وابن وليدة أبي، ولد على فراشه. فتساوقا إلى رسول الله ﷺ فقال سعد: يا رسول الله ابن أخي، وقد كان عهد إليّ فيه. وقال عبد بن زمعة: أخي وابن وليدة أبي ولد على فراشه. فقال رسول الله ﷺ : «هو لك يا عبد بن زمعة» ، ثم قال رسول الله ﷺ : «الولد للفراش وللعاهر الحجر» . ثم قال رسول الله ﷺ لسودة بنت زمعة: «أحتجبي منه» لما رأى من شبهه بعتبة بن أبي وقاص، قالت: فما رآها حتى لقي الله «٢» . وكانت سودة زوج النبيّ ﷺ لم يذكر مالك هذا في الموطأ. في هذا الحديث من الفقه: إنفاذ وصية الكافر لأن عتبة مات كافرا، وذلك أنه هو الذي. كسر رباعيته ﷺ في يوم أحد، فدعا النبيّ ﷺ ألايحول عليه الحول حتى يموت كافرا، فما حال عليه الحول حتى مات كافرا. ذكره عبد الرزاق في مصنفه، وكذلك ذكر ابن أبي حثمة: أنه مات كافرا. وفيه: استلحاق الأخ، وفي ذلك اختلاف ولا خلاف في استلحاق الابن وفيه حجة المالك في الحكم بقطع الذرايع لأن قطع الذرايع أن يمنع من المباح لئلا يوقع في الحرام، ومثل قول الله : وَلا يَضْرِبْنَ بِأَرْجُلِهِنَّ لِيُعْلَمَ ما يُخْفِينَ مِنْ زِينَتِهِنَّ [النّور: الاية ٣١] . ومثل نهيه تعالى المؤمنين أن يقولوا للنبي ﷺ : «راعنا» ، وهم لا يريدون الإذاية للنبي ﷺ ، فنهاهم الله عن ذلك بسبب قول اليهود للنبيّ ﷺ : راعنا يريدون بذلك: يا أرعن. ومثل هذا نهى الله أهل السبت عن الصيد فيه، فأخذ بعضهم حيتانا في غير السبت فجعل كصيدهم في السبت وعذبوا على ذلك.

стр. 104

فكذلك حكم النبيّ ﷺ لسودة: أن ابن زمعة أخوها إذ ولد على فراش أبيها، وجعله أجنبيا في ألايراها فحكم بحكمين: حكم في الظاهر، وحكم في الباطن، واتبع الشافعي في ذلك إبطال الحكم بقطع الذرايع، وأن يكون حكما واحدا حتى قال: إن للرجل أن يمنع زوجته من رؤية أخيها. وأن قول النبيّ ﷺ : «احتجبي عنه» إنما هو على وجه التنزه والاختيار، وهذا خلاف لما أمر به رسول الله ﷺ عائشة في أفلج أخي ابن القعيس، إذ قال لها: «إنه عمّك فليلج عليك» «١» ، وكان عمها من الرضاعة، فكيف أن يمنع المرأة من رؤية أخيها. وأدخل البخاري هذا الحديث في باب تفسير المشبهات مع الحديث: «دع ما يريبك إلى مالا يريبك» «٢» . وهو أيضا يقوي مذهب مالك، ويخالف قول الشافعي. وقول النبيّ ﷺ : «وللعاهر الحجر» يعني: نفي الولد عن الزاني، وأنه لا شيء له فيه، ولا ينسب إليه. كقول العرب: بفمك الحجر. أي: لا شيء لك. وقال الداودي: للعاهر الحجر: يعني الرجم للزاني المحصن، ومذهب الشافعي أن الحرام لا يحرّم الحلال، وكذلك قال: إن أمر النبيّ ﷺ لسودة بالاحتجاب تنزه واختيار، ومذهب أبي حنيفة أن الزنا يحرم- واختلف في ذلك قول مالك- فمرة قال: إن الحرام لا يحرّم الحلال، ومرة قال: إنه يحرّم، والأغلب من مذهبه ومذهب أصحابه أنه لا يحرّم. «حكم رسول الله ﷺ » في العتق والوصية بالقرعة وحكم ذات الزوج والتدبير وأمهات الأولاد والكتابة في مصنف عبد الرزاق عن علي بن أبي طالب قال: شهدت رسول الله ﷺ يقضي بالدين قبل الوصية، وأنتم تقولون: من بعد وصية يوصي بها أو دين «٣» . ولا خلاف بين العلماء أن الدين قبل الوصية. في الموطأ وغيره عن الحسن، وعن محمد بن سيرين: أن رجلا في زمان رسول الله ﷺ أعتق عبيدا له ستة عند موته، فأسهم رسول الله ﷺ بينهم فأعتق ثلث تلك العبيد «٤» .

стр. 105

قال مالك: وقد بلغني أنه لم يكن لذلك الرجل مال غيرهم. وهذا الحديث مسند في غير الموطأ عن الحسن وابن سيرين عن عمران بن حصين، وقال فيه: فغضب رسول الله ﷺ من ذلك وقال: «لقد هممت ألاأصلي عليه» . وفي مصنف عبد الرزاق فقال رسول الله ﷺ : «لو أدركته ما دفن مع المسلمين» ، فأقرع بينهم فأعتق اثنين، واسترقّ أربعة «١» . وفي حديث آخر: أنّ امرأة من الأنصار أعتقت ستة أعبد، فدعا رسول الله ﷺ بستة أقداح، فأقرع بينهم، فأعتق اثنين «٢» . وفي غير المصنف أن النبيّ ﷺ جزأهم ثلاثة أجزاء اعتق اثنين، وأرقّ أربعة «٣» . قال إسماعيل: وهذا يدل أن النبيّ ﷺ قوّمهم. وقال سليمان بن موسى: لم يبلغني أن النبيّ ﷺ قوّمهم فإن صح قول سليمان فمعناه أن قيمتهم كانت سواء وإلا فلا بد من التقويم لئلا يزاد على الثلث. ويسند أيضا الحديث الأول عن محمد بن سيرين عن أبي هريرة في كتاب مسلم عن عمران بن حصين. في هذا الحديث من الفقه: إنفاذ الوصية بالثلث، وفيه العتق بالقرعة، وفيه أن من عال على الثلث صرف إلى الثلث. وفيه أن بتل العتق في المرض كالوصية، وفيه أن الحاكم يقوّم بنفسه ما كان بحضرته ولا يوليه غيره. وفيه: أن يحكم بين الرجل وعبده فيما يدعو إليه العبد من حقوقه على سيده. وفيه إجازة الوصية بالثلث لغير القرابة، بخلاف ما روي عن طاوس وغيره: أن من أوصى لغير قرابته ولم يوص لهم لم تبطل وصيته. وقالت طائفة: من أوصى لغير قرابته أعطي ثلث الوصية لقرابته. في مصنف عبد الرزاق عن عكرمة: «قضى رسول الله ﷺ ألاوصية لوارث، ولا يجوز لامرأة في مالها شيء إلا بأذن زوجها» «٤» .

стр. 106

وفي رواية عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده عن النبيّ ﷺ أنه باع مدبرا لرجل. وفي حديث آخر لمسلم: لم يكن له مال غيره. وفي كتاب ابن شعبان عن جابر قال: أعتق رجل من الأنصار غلاما له عن دبر وكان محتاجا وكان عليه دين، فباعه رسول الله ﷺ بثمانمائة درهم، فأعطاه وقال: «اقض دينك وأنفق على عيالك» «١» . وتأول مالك وغيره أن الحديث الأول هو أصح. إن النبيّ ﷺ أنه باع المدبر بعد موت الذي دبّره أو في حياته لدين عليه قبل التدبير. قال ابن أبي زيد: حديث جابر يدل على أن النبيّ ﷺ إنما باع المدبر في دين لأن النبيّ ﷺ دعا به، فقال: «من يشتره؟» فلما بطل أن النبيّ ﷺ لم يبعه لغير معنى لم يبق إلا أنه حكم وأنه لينفذ مالزم. وقد روي عن جابر أنه قال: لم يكن له مال غيره، فمات. فقال النبيّ ﷺ : «من يشتره؟» واختلف فيه. عن جابر فروي أنه أعتق رجل، وروي أنه دبر. وفي مختصر ابن أبي زيد: روى الخدري أنهم لما أصابوا سبيا يوم أوطاس قالوا: يا رسول الله ما ترى في العزل فإنا نحب الثمن. دليل أنها إذا ولدت بطل الثمن. وهذا دليل بيّن مع ما روي أن النبيّ ﷺ قال في أم إبراهيم: «أعتقها ولدها» «٢» . وفي الواضحة عن ابن المسيب: أن رسول الله ﷺ أمر بعتق أمهات الأولاد وقال: «لا يجعلن في وصية، ولا دين» . قال مسلم: قلت لسعيد بن المسيب: كيف كان رأي عمر في عتق أمهات الأولاد؟ قال: ليس عمر أعتقهن، وإنما أمر بعتقهن رسول الله ﷺ ، «وألايخرجن في ثلث، ولا يبعن في دين» «٣» . وفي كتاب رجال الموطأ للبرقي عن سعيد بن عبد العزيز: أن مارية أم إبراهيم اعتدت ثلاثة أشهر. قال البرقي: وتوفيت سنة ست عشرة. وفي الحديث الثابت: أن بريرة دخلت على عائشة تستعينها شيئا. وفي حديث آخر في البخاري: جاءت تستعينها وعليها خمس أواق نجّمت في خمس سنين «٤» . وجميع الأحاديث عن عروة عن عائشة إلا حديثا واحدا عن عمرة عن عائشة.

стр. 107

وفي الموطأ والبخاري فقالت عائشة: إن أحبّ أهلك أن أعدّها لهم ويكون لي ولاؤك فعلت. فذهبت بريرة إلى أهلها فقالت ذلك لهم، فأبوا عليها، فجاءت من عند أهلها ورسول الله ﷺ قاعد فقالت لعائشة: إني قد عرضت ذلك عليهم فأبوا إلا على أن يكون الولاء لهم. فسمع ذلك رسول الله ﷺ إذ أخبرته عائشة فقال رسول الله ﷺ : «خذيها واشترطي لهم الولاء، فإنما الولاء لمن أعتق» ، ففعلت عائشة، ثم قام رسول الله ﷺ في الناس فحمد الله وأثنى عليه، ثم قال: «أما بعد: فما بال رجال يشترطون شروطا ليست في كتاب الله! كلّ شرط ليس في كتاب الله- وفي حديث آخر في الموطأ: ما كان من شرط ليس في كتاب الله- فهو باطل، وإن كان مائة شرط. قضاء الله أحق وشرط الله أوثق، وإنما الولاء لمن أعتق» «١» . معنى قول النبيّ ﷺ : «كل شرط ليس في كتاب الله» أي: خالف كتاب الله، ومعنى قوله لعائشة: «اشترطي لهم الولاء» أي: اشترطي عليهم الولاء. قال الله : أُولئِكَ لَهُمُ اللَّعْنَةُ وَلَهُمْ سُوءُ الدَّارِ [الرّعد: الاية ٢٥] . أي عليهم. وقد تقدم ما فيه من السنن في الأمة تعتق تحت زوج في كتاب الطلاق وإنما اشترتها عائشة بعد أن عجزت عن كتابتها. قاله مطرف وغيره. وفي كتاب ابن شعبان: أول مكاتب في الإسلام كان سلمان الفارسي كاتب أهله على مائة ودية «٢» نجّمها لهم فقال رسول الله ﷺ : «إذا غرستها فاذنّي» ، فلما غرسها آذنه، فدعا له فيها فلم تمت منها ودية واحدة «٣» . وقد قيل إن أول مكاتب في الإسلام كان يكنى: أبا مؤمّل، فقال رسول الله ﷺ : «أعينوا أبا مؤمل» فأعين فقضى كتابته، وفضلت عنده فضلة فاستفتى رسول الله ﷺ فقال: «أنفقها في سبيل الله» . «حكم رسول الله ﷺ » في عتق من مثّل به أو لطم وجهه في المدوّنة عن عبد الله بن عمرو بن العاص أنه قال: كان لزنباغ عبد يسمى: سندرا، أو ابن سندر، فوجده يقبّل جارية له فأخذه وجدع أذنه وأنفه، فأتى إلى رسول الله ﷺ فأرسل إلى زنباغ فقال: «لا تحملوهم ما لا يطيقون، وأطعموهم مما تأكلون، واكسوهم مما تلبسون، وما

стр. 108

كرهتم فبيعوا، وما رضيتم فأمسكوا، ولا تعذبوا خلق الله» . ثم قال رسول الله ﷺ : «من مثّل به، أو أحرق بالنار فهو حر، وهو مولى لله ورسوله» . فأعتقه رسول الله ﷺ . فقال: يا رسول الله أوص بي فقال: «أوصي بك كل مسلم» «١» . وفي كتاب مسلم عن سويد بن مقرن: أن جارية له لطمها إنسان، فقال له سويد: أما علمت أن الصورة محرّمة، لقد رأيتني وإني لسابع أخوة لي مع رسول الله ﷺ وما لنا غير خادم واحد، فعمد أحدنا فلطمه فأمرنا رسول الله ﷺ أن نعتقه. وذكر الحديث «٢» . وزاد في حديث آخر: أنهم قالوا: يا رسول الله ليس لنا غيره، قال: «استخدموه فإذا استمتعتم به فخلوا سبيله» «٣» ، وقال عبد الله ابن عمر: قال رسول الله ﷺ : «من ضرب غلاما له حدا لم يأته، أو لطمه فإن كفارته أن يعتقه» «٤» . «حكم رسول الله ﷺ » في اللقطة في الموطأ والبخاري ومسلم: أن رجلا جاء إلى النبيّ ﷺ فسأله عن اللقطة فقال: «إعرف عفاصها ووكاءها ثم عرّفها سنة، فإن جاء صاحبها، وإلا فشأنك بها» . قال فضالّة: والغنم؟ قال: «لك أو لأخيك أو للذئب» ، وفي غير الكتب «فردّ على أخيك ضالته» . قال فضالة: الإبل، قال في البخاري ومسلم: فغضب رسول الله ﷺ حتى احمرت وجنتاه، أو احمر وجهه. وفي حديث: فتغير وجهه وقال: «ما لك ولها معها سقاؤها وحذاؤها، ترد الماء، وتأكل الشجر حتى يلقاها ربها» «٥» . ذكر ابن عبد البر هذه الزيادة من غير رواية مالك: «فردّ على أخيك ضالته» . قال الطحاوي: ولم يوافق مالكا أحد من العلماء على قوله في الشاة الضالة إن أكلها لم يضمنها إذا وجدها في موضع مخوف. قال: واحتجاجه بقول النبيّ ﷺ : «هي لك أو لأخيك أو للذئب» لا معنى له، لأن قوله لك لم يرد به التمليك لأن الذئب يأكلها على ملك صاحبها. وفي البخاري ومسلم عن سويد بن غفلة قال: لقيت أبيّ بن كعب فقال: وجدت صرّة فيها مائة دينار فأتيت بها النبيّ ﷺ فقال «عرّفها حولا» ، فعرّفتها فلم أجد من يعرفها، ثم أتيته بها فقال: «احفظ وعاءها وعددها ووكاءها، فإن جاء صاحبها وإلا فاستمتع بها» ، فاستمتعت بها

стр. 109

فلقيته بعد بمكة فقال: لا أدري بعد ثلاثة أحوال أو حولا واحدا «١» . وفي البخاري ومسلم عن أبي هريرة قال: لما فتح الله على رسوله مكة قام في الناس خطيبا: فحمد الله وأثنى عليه، ثم قال: «إن الله حبس عن مكة الفيل- هكذا في البخاري في رواية الأصيلي- وفي رواية القابسي: القتل، وسلط عليها رسوله والمؤمنين، وإنها لم تحل لأحد قبلي، وإنما أحلت لي ساعة من نهار، وإنها لن تحل لأحد بعدي، ولا ينفّر صيدها، ولا يعضد شجرها» . وفي حديث آخر: «ولا يعضد عضاهها» . وفي آخر: «لا يختلى شوكها، ولا تحلّ لقطتها» . وفي آخر: «لا تحل ساقطتها إلا لمنشد» . وفي آخر: «إلا لمعرّف، ومن قتل له قتيل فهو بخير النظرين إما أن يفدي وإما أن يقيد» ، فقال العباس: إلا الإذخر فإنه لقبورنا وصاغتنا «٢» . وفي حديث أبي هريرة لقبورنا وبيوتنا، فقال رسول الله ﷺ : «إلا الإذخر» ، فقام أبو شاه رجل من أهل اليمن فقال: أكتب لي يا رسول الله. قال: فكتب له هذه الخطبة التي سمعها من رسول الله ﷺ «٣» . «حكم رسول الله ﷺ » فيمن قال حائطي صدقة في سبيل الله إنه على الأقارب وتوقيف مال الغائب والتوكيل على القسمة في الموطأ والبخاري ومسلم عن أنس قال: كان أبو طلحة أكثر أنصاري بالمدينة مالا من نخل، وكان أحب أمواله إليه: بيرحاء، وكانت مستقبلة المسجد، وكان رسول الله ﷺ يدخلها ويشرب من ماء فيها طيّب. قال أنس: فلما نزلت هذه الاية: لَنْ تَنالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ [آل عمران: الاية ٩٢] . قام أبو طلحة إلى رسول الله ﷺ فقال: يا رسول الله إن الله يقول في كتابه لَنْ تَنالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ [آل عمران: الاية ٩٢] . وإن أحب أموالي إلى بيرحاء، وإنها صدقة لله أرجو برّها وذخرها عند الله فضعها يا رسول الله حيث شئت. قال: فقال رسول الله ﷺ : «بخ ذلك مال رابح- ويروى رابح- ذلك مال رائح قد سمعت ما قلت فيها وإني أرى أن تجعلها في الأقربين» . فقال أبو طلحة: أفعل يا رسول الله فقسمها أبو طلحة في أقاربه وبني عمه «٤» . وفي حديث آخر للبخاري: «إجعلها لفقراء قرابتك» . قال أنس: فجعلها لحسّان بن

стр. 110

ثابت، وأبيّ بن كعب، وكانا أقرب إليه مني «١» . وفيه من الفقه أن من قال داري صدقة ولم يبين: للفقراء أو غيرهم فهو جائز ويضعها في الأقربين أو حيث أراد. وقال بعضهم: لا يجوز حتى يبيّن لمن، والأول أصح. وفيه إذا تصدق بأرض ولم يبيّن الحد فهي جائزة إذا كانت مشهورة وهذا كله في البخاري. في موطأ مالك عن يحيى بن سعيد أنه قال: أخبرني محمد بن إبراهيم بن الحارث التيمي عن عمر بن طلحة عن عبيد الله بن عمير بن سلمة الضمري عن البهزي واسمه زيد بن كعب أن رسول الله ﷺ خرج يريد مكة وهو محرم حتى إذا كان بالروحاء إذا حمار وحشي عقير، فذكر ذلك لرسول الله ﷺ فقال: «دعوه فإنه يوشك أن يأتي صاحبه» ، فجاء البهزي- وهو صاحبه- إلى رسول الله ﷺ شأنكم بهذا الحمار. فأمر رسول الله ﷺ أبا بكر فقسمه بين الرفاق ثم مضى حتى إذا كان بالأثابة بين الرويبة والعرج إذا ظبي واقف في ظل وفيه سهم فزعم أن رسول الله ﷺ أمر رجلا يقف عنده لا يريبه أحد من الناس حتى يجاوزه «٢» . فيه من الفقه: إباحة أكل الصيد للمحرم إذا لم يصدّ من أجله وهبة المشاع، بخلاف قول أبي حنيفة، وابن أبي ليلى، وفضل أبي بكر- ﵁ على جميع الصحابة، وحرز مال الغائب والتوكيل على القسمة، وقبول الإمام الهدية. «حكم رسول الله ﷺ » في الودائع والأمانات في أحكام ابن زياد أن رسول الله ﷺ قال: «ليس على أمين غرم» «٣» . وقال أهل العلم: إلا أن يعدي. وفي غير الأحكام: إن رسول الله ﷺ قال: «على كل يد رد ما قبضت» «٤» ، وتأول ذلك بعض العلماء: أن الأمانة تضمن لقول النبيّ ﷺ على كل يد قيم، ولقول الله : إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَماناتِ إِلى أَهْلِها [النّساء: الاية ٥٨] . وذكر ابن سلام وغيره: أن هذه الاية نزلت في ولاية الكعبة إذ طلب العباس من النبيّ ﷺ
следующие страницы →