فطرح ابنه الهزبر عكرمه ... عاتقه وجرّه في الملحمه
ألصق خير مرسل فالتصقا ... عاتقه لمّا عليه بصقا
هشام الطموح) أي: الجموح الراكب هواه لغيّه؛ وذلك أنّ معاذا قال: رأيت أبا جهل وقد أحاطوا به وهم يقولون:
أبو الحكم لا يخلص إليه، فلمّا سمعتها.. عمدت نحوه، وحملت عليه، فضربته ضربة أطنّت قدمه بنصف ساقه، فوالله ما أشبّهها حين طاحت إلّا بالنواة تطيح من تحت مرضحة «١» النوى حين يضرب بها.
(ف) بسبب ذلك ضرب معاذا عكرمة بن أبي جهل على عاتقه كما قال: (طرح ابنه الهزبر) بفتح الزاي، وإسكان الباء هنا، وفيه إسكان الزاي وفتح الباء، وهو الأسد، (عكرمه) وقد أسلم عام الفتح ﵁، وما أحسن تعبير الناظم في جانب الابن الذي أسلم بعد بالهزبر، وأبيه الذي مات كافرا بالطموح (عاتقه) : هو ما بين المنكب والعنق وهو موضع الرداء، (وجرّه) أي: جر معاذ عاتق نفسه (في الملحمه) الوقعة العظيمة في الفتنة، والمراد هنا ساحة القتال.
(ألصق خير مرسل) ﷺ عاتقه في مكانه (فالتصقا) بألف الإطلاق؛ وفاء له (عاتقه) وقوله: (لما عليه بصقا) بتخفيف الميم على أنّ ما مصدرية؛ أي: لبصوقه عليه، أو بتشديدها، على أنّ لمّا حينية؛ أي: فالتصق حين
стр. 142
بصق عليه؛ أي: أخرج ريقه، ورمى به، قال معاذ:
وضربني ابنه عكرمة على عاتقي، فطرح يدي، فتعلقت بجلدة من جنبي، وأجهضني؛ أي: شغلني القتال عنها، فلقد قاتلت عامة يومي، وإنّي لأسحبها خلفي، فلمّا آذتني وضعت عليها قدمي، ثمّ تمطيت بها عليها، حتى طرحتها.
قال في «المواهب» : (وجاء معاذ بن عمرو يحمل يده ضربه عليها عكرمة- إلى رسول الله ﷺ ، كما ذكره القاضي عياض عن ابن وهب، فبصق ﵊ عليها، فلصقت) .
تنبيه:
ما ذكره الناظم تبع فيه أصله اليعمريّ، وعليه جرى القسطلاني كما رأيت، قال الزرقاني: (وانتقده- يعني اليعمري- محشّيه البرهان، بأنّ الذي في «الشفاء» معوذ بن عفراء. قلت: ينبغي اعتماد ما في «الصحيحين» من حديث أبي سليمان التيمي، عن أنس ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «من ينظر ماذا صنع أبو جهل؟» قال ابن مسعود: أنا يا رسول الله، فانطلق فوجده قد ضربه ابنا عفراء حتى برد، قال: فأخذ بلحيته، قال: فقلت: أنت أبو جهل؟ فقال: وهل فوق رجل قتلتموه؟! أو قال: قتله قومه، وكذلك ردّه محشيه، بأنّ القاطع لها أبو جهل) .
стр. 143
فرعون الامّة النّبيّ عرّفا ... بجحشه ركبته إذا اختفى
قال الزرقاني: (نعم؛ روى ابن إسحاق، ومن طريقه الحاكم عن ابن عباس قال: قال معاذ بن عمرو بن الجموح أخو بني سلمة: سمعتهم يقولون وأبو جهل في مثل الحرجة «١» : أبو جهل لا يخلص إليه، فجعلته من شأني، فصمدت نحوه، فلمّا أمكنني.. حملت عليه، فضربته ضربة أطنّت قدمه بنصف ساقه، قال: فوالله ما شبّهتها حين طاحت إلّا بالنواة تطيح من تحت مرضحة النوى حين يضرب بها، قال: وضربني ابنه عكرمة على عاتقي، فضرب يدي، فتعلقت بجلدة من جنبي، وأجهضني القتال عنه، فلقد قاتلت عامّة يومي وإنّي لأسحبها خلفي، فلمّا آذتني.. وضعت عليها قدمي ثمّ تمطّيت عليها حتى طرحتها، قال ابن إسحاق: ثمّ عاش بعد ذلك حتى كان زمن عثمان ﵁، ولم يذكر في حديثه هذا أنّه أتى بها المصطفى، فتوهم اليعمريّ، وتبعه القسطلاني: أنّ كلام القاضي فيه توهم؛ لأنّها قصة أخرى كما علم) .
(فرعون) هذه (الأمّة) وهو أبو جهل، لقّبه النّبيّ ﷺ بذلك جاء عنه ﷺ قال: هذا فرعون هذه الأمّة: عزاه ابن كثير في «البداية» لأبي داود والنّسائي من حديث طويل، وقال اليعمريّ في «العيون» :
(روينا عن ابن عائذ: حدّثنا الوليد، قال حدّثني خليد، عن
стр. 144
بين الهوالك وكلّم النّبي ... جثثهم موبّخا للخشب
قتادة: أنّه سمعه يحدث: أنّ رسول الله ﷺ قال: «إنّ لكل أمّة فرعونا، وإنّ فرعون هذه الأمّة أبو جهل، قتله الله شر قتلة، قتله ابنا عفراء، وقتلته الملائكة، وذففه ابن مسعود» يعني: أجهز عليه) .
وقوله: (فرعون) مبتدأ وقوله: (النبيّ) مبتدأ ثان، خبره (عرفا) أي: بينه للصّحب الكرام لما أمر أن يلتمس أبو جهل في القتلى (بجحشه) بتقديم الجيم على الحاء؛ أي: بخدش النّبيّ ﷺ (ركبته) أي: ركبة أبي جهل (إذا اختفى بين الهوالك) .
قال في «السيرة الهشامية» : (وقال رسول الله ﷺ للصحب الكرام، فيما بلغني: «انظروا إن خفي عليكم- يعني أبا جهل- في القتلى، إلى أثر جرح في ركبته؛ فإنّي ازدحمت يوما أنا وهو على مأدبة لعبد الله بن جدعان ونحن غلامان، وكنت أشفّ منه بيسير، فدفعته، فوقع على ركبتيه، فجحشته في إحداهما جحشا لم يزل أثره به» ، قال عبد الله بن مسعود ﵁: فوجدته بآخر رمق، فعرفته، فوضعت رجلي على عنقه، قال: وقد كان ضبث»
بي مرة بمكة، فآذاني ولكزني، ثمّ قلت له: هل أخزاك الله؟
قال: وبماذا أخزاني؟ أعمد «٢» من رجل قتلتموه؟ أخبرني
стр. 145
لمن الدبرة اليوم؟ قلت: لله ورسوله) .
قال ابن إسحاق: (وزعم رجال من بني مخزوم: أنّ ابن مسعود كان يقول: ثمّ احتززت رأسه، ثمّ جئت به رسول الله ﷺ ، فقلت: يا رسول الله؛ هذا رأس عدوّ الله أبي جهل، قال: فقال رسول الله ﷺ :
«آلله الذي لا إله غيره؟» قال: وكانت يمين رسول الله ﷺ ، قال: قلت: نعم، والله الذي لا إله غيره، ثمّ ألقيت رأسه بين يدي رسول الله ﷺ ، فحمد الله تعالى) .
طرح قتلى المشركين في القليب ونداؤهم:
(و) لما ألقى النّبيّ ﷺ قتلى المشركين في القليب (كلّم النّبيّ) ﷺ (جثثهم) : جمع جثة، وهو الشخص (موبّخا) أي: ملوّما (ل) - لمشركين المشبّهين با (لخشب) تشبيها بليغا في عدم النفع، وهو بضمّتين جمع خشبة، وفي التنزيل في صفة المنافقين: كَأَنَّهُمْ خُشُبٌ مُسَنَّدَةٌ، وفي الحديث في صفتهم أيضا: «خشب بالليل، صخب بالنهار» أراد أنّهم ينامون الليل لا يصلون، كأنّ جثثهم خشب مطروحة.
стр. 146
وأشار الناظم رحمه الله تعالى إلى ما ذكره الحافظ اليعمريّ في «العيون» قال: (روينا عن ابن عائذ، أخبرني الوليد بن مسلم، أخبرني سعيد بن بشير، عن قتادة، عن أنس بن مالك، عن أبي طلحة: أنّ رسول الله ﷺ كان إذا ظهر على قوم أقام بالعرصة «١» ثلاثا، فلمّا كان يوم بدر..
أقام ثلاثا، وألقى بضعة وعشرين رجلا من صناديد قريش في طويّ من أطواء بدر، ثمّ أمر براحلته، فشدّ عليها رحلها، فقلنا: إنّه منطلق لحاجة، حتّى وقف على شفى الرّكي، فجعل يقول: «يا فلان بن فلان؛ ويا فلان بن فلان ... » )
الحديث.
قال العبد الضعيف: وتمامه: «هل وجدتم ما وعدكم الله ورسوله حقا؟ فإنّي وجدت ما وعدني الله حقا» فقال عمر ﵁: يا رسول الله؛ كيف تكلم أجسادا لا أرواح فيها؟ فقال: «ما أنتم بأسمع لما أقول منهم، غير أنّهم لا يستطيعون أن يردّوا شيئا» .
قال الحافظ اليعمريّ: (روينا من طريق مالك بن سليمان الهرويّ قال: حدّثنا معمر، عن حميد الطويل، عن أنس، وفي آخره قال قتادة: أحياهم الله حتى سمعوا كلام رسول الله ﷺ ، توبيخا لهم) .
стр. 147
هذا حمل لهذا الخبر على ظاهره، وقد روينا عن عائشة ﵁: أنّها تأوّلت ذلك، وقالت: إنّما أراد النّبيّ ﷺ : أنّهم الآن ليعلمون أنّ الذي أقول لهم هو الحق، ثمّ قرأت: إِنَّكَ لا تُسْمِعُ الْمَوْتى الآية.
قال السهيليّ في «الروض» : (وعائشة لم تحضر- يعني بدرا- وغيرها ممّن حضر أحفظ للفظه ﵊، وقد قالوا له يا رسول الله؛ أتخاطب قوما قد جيّفوا، أو جيفوا؟ فقال: «ما أنتم بأسمع لما أقول منهم» وإذا جاز أن يكونوا في تلك الحال عالمين.. جاز أن يكونوا سامعين: إمّا بآذان رؤوسهم، إذا قلنا: إنّ الروح يعاد إلى الجسد، أو إلى بعض الجسد عند المسألة، وهو قول الأكثرين من أهل السنة.
وإمّا بأذن القلب، أو الروح، على مذهب من يقول بتوجه السؤال إلى الروح، من غير رجوع منه إلى الجسد أو بعضه.
وقد روي أنّ عائشة احتجّت بقوله الله تعالى: وَما أَنْتَ بِمُسْمِعٍ مَنْ فِي الْقُبُورِ، وهذه الآية كقوله تعالى: أَفَأَنْتَ تُسْمِعُ الصُّمَّ أَوْ تَهْدِي الْعُمْيَ أي: أنّ الله تعالى هو الذي يهدي، ويوفّق، ويوصل الموعظة إلى آذان القلوب لا أنت.
وجعل الكفار أمواتا، وصمّا على جهة التشبيه بالأموات، وبالصم، فالله هو الذي يسمعهم على الحقيقة إذا شاء، لا نبيّه، ولا أحد؛ فإذن لا تعلق بالآية من وجهين:
أحدهما: أنّها نزلت في دعاء الكفار إلى الإيمان.
стр. 148
وعاين النّاس المصارع الّتي ... أخبرهم بها مقيم الملّة
والآخر: أنّه إنّما نفى عن نبيه أن يكون هو المسمع لهم، وصدق الله؛ فإنّه لا يسمعهم إذا شاء إلّا هو، ويفعل ما شاء، وهو على كل شيء قدير) اهـ
إخبار الرسول بمصارع المشركين بأسمائهم قبل القتال:
(وعاين) أي: أبصر (الناس) أي: الصحب الكرام (المصارع) جمع مصرع، وهو موضع الصرع؛ أي:
الطرح.
قال في «المصباح» : الصريع من الأغصان: ما تهدّل وسقط إلى الأرض، ومنه قيل للقتيل: صريع، والجمع:
صرعى.
والمعنى: وأبصر المسلمون مواضع صرع الكفار (التي أخبرهم بها) أي: بالمصارع (مقيم الملة) ﷺ .
قال في «المواهب» : (وفي «الطبراني» عن أنس ﵁ قال: أنشأ عمر بن الخطاب يحدّثنا عن أهل بدر فقال: إنّ رسول الله ﷺ كان يرينا مصارع أهل بدر بالأمس من بدر: يقول: «هذا مصرع فلان غدا إن شاء الله تعالى» قال عمر: فو الذي بعثه بالحقّ؛ ما أخطؤوا الحدود التي حدّها ﷺ حتى انتهى إليهم، فقال:
«يا فلان بن فلان؛ ويا فلان بن فلان؛ هل وجدتم ما وعدكم الله حقا؟ فإنّي وجدت ما وعدني الله حقا» ) .
стр. 149
فحقّق الله له ما وعدا ... وأوهن الكفر وأيّد الهدى
قال العبد الضعيف: وحملت الناس فيما ذكر على الصحب الكرام، على معنى أنّ ما أخبرهم به رسول الله ﷺ الصادق الأمين في شأن كفار قريش هو حق، وآمن به الصحب، وبمشاهدة ذلك قد ازداد الإيمان عيانا، والبيان بيانا، فهو من باب (عين اليقن) وفيه علم من أعلام النبوّة باهر.
نصر الله الموعود للمؤمنين:
(فحقق الله له) أي: لنبيّه ﷺ (ما وعدا) أي: الذي وعده من النصر على أعدائه؛ حيث أذن له في الجهاد بقوله : أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا وَإِنَّ اللَّهَ عَلى نَصْرِهِمْ لَقَدِيرٌ «١» ، وقول الله تعالى: كانَ حَقًّا عَلَيْنا نَصْرُ الْمُؤْمِنِينَ
، وقوله تعالى: وَلَقَدْ سَبَقَتْ كَلِمَتُنا لِعِبادِنَا الْمُرْسَلِينَ. إِنَّهُمْ لَهُمُ الْمَنْصُورُونَ. وَإِنَّ جُنْدَنا لَهُمُ الْغالِبُونَ، ومن إظهار دينه على الدين كله بقوله تعالى: هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَكَفى بِاللَّهِ شَهِيداً.
стр. 150
لهم من الله كتاب سابق ... لذاك ما شهدها منافق
(وأوهن) أي: أضعف (الكفر) بقتل أئمّته؛ فإنّ غالب قتلى بدر من المشركين: صناديدهم، ورؤساؤهم (وأيد) أي: قوّى (الهدى) : وهو دين الإسلام، بتأييد أهله، فهم عند الله من الأبرار، وقد قال ﷺ في حارثة بن سراقة الأنصاري وقد أصيب يوم بدر: «إنّه في جنة الفردوس» .
وذكر البخاري بسنده إلى معاذ بن رفاعة بن رافع الزرقيّ عن أبيه- وكان أبوه من أهل بدر- قال: (جاء جبريل فقال:
ما تعدّون أهل بدر فيكم؟ قال: «من أفضل المسلمين» أو كلمة نحوها، قال: وكذلك من شهد بدرا من الملائكة) وهذا مع قلة المسلمين وكثرة المشركين، مع ما كانوا فيه من سوابغ الحديد والعدّة الكاملة والخيل المسوّمة.
قال في «المواهب» : (أعزّ الله تعالى بيوم بدر رسوله، وأظهر وحيه، وتنزيله، وبيّض الله وجه النّبي وقبيله، وأخزى الشيطان وجيله) ؛ ولهذا قال الناظم رحمه الله تعالى:
المغفرة لأهل بدر:
(لهم) أي: للصحابة الذين شهدوا بدرا (من الله كتاب) أي: قدر قدّره الله لهم (سابق) في أزله على سعادتهم.. حتى قال ﷺ لسيدنا عمر ﵁ حين كتب حاطب بن أبي بلتعة كتابا إلى قريش، وبعثه مع سارة قينة صيفي بن هاشم يخبرهم: أنّ النّبيّ ﷺ يريد
стр. 151
غزوهم، فبعث ﷺ إلى حاطب، فاعتذر، فقال عمر: دعني يا رسول الله أضرب عنقه، فقد نافق-:
«يا عمر «١» ؛ إنّه قد شهد بدرا، وما يدريك لعلّ الله اطّلع على أهل بدر فقال لهم: اعملوا ما شئتم؛ فقد غفرت لكم» .
وروى الإمام أحمد وأبو داود من حديث أبي هريرة ﵁ بلفظ: «إنّ الله اطّلع على أهل بدر فقال:
اعملوا ما شئتم؛ فقد غفرت لكم» .
واعلم: أنّه ليس في ذلك الترخيص لهم في فعل المعاصي، بل المعاصي إذا أتوها.. فهي معاص في حكم الشرع، لا مباحات، ولكن لا يترتب عليها العقاب في الآخرة بل في الدنيا، فقد ثبت في مسند الإمام أحمد من حديث جابر: «لن يدخل النار رجل شهد بدرا، والحديبية» فهم ناجون في حكم الآخرة، ولا دلالة في الحديث على أنّه لا يقام عليهم الحد؛ فقد أقام ﵊ الحدّ على مسطح، وهو بدريّ، وعمر بن الخطاب على قدامة بن مظعون الحد لما شرب الخمر.
لطيفة:
اقتبس الحديث المذكور بعض الأدباء فقال في محبوب يسمّى بدرا:
يا بدر أهلك جاروا ... وعلموك التّجرّي
стр. 152
وقبّحوا لك وصلي ... وزيّنوا لك هجري
فليفعلوا ما أرادوا ... فإنّهم أهل بدر
(لذاك) أي: لأجل ما ذكر من الكتاب الذي كتبه الله، وقدّره لمن شهد بدرا (ما شهدها) أي: الغزوة رجل (منافق) : وهو من أظهر الإيمان وأسرّ الكفر؛ لئلّا يدخل في صفتهم الخطيرة.
قال في «روض النّهاة» : (واعتذر عن ثعلبة بن حاطب، ومعتّب بن قشير، والحارث بن سويد، بأنّهم شهدوا بدرا، وخرج معهم يومئذ رجلان من الأنصار: حبيب «١» بن إساف، وآخر لم يسمّ وهما لم يسلما قبل، فقال لهم النّبيّ ﷺ : «أسلمتما؟» قالا: لا، قال: «فأين تريدان؟» قالا: نقاتل مع قومنا، قال: «إنّا لا نستعين بمشرك، فإمّا أن تسلما، وإمّا أن ترجعا إلى بلدكما» فأسلما، وشهدا بدرا، ﵄ .
قلت: وفي حديث حارثة- الآتي ذكره في المستشهدين من الأنصار في هذا اليوم- ما ينبّه على عظيم فضل من شهد بدرا؛ فإنّ حارثة هذا كان في النظّارة من بعيد، ولم يكن في
стр. 153
يوم له ما بعده في الكفر ... وقد أتى منوّها في الذّكر
بأنّه العذاب واللّزام ... وأنّه البطش والانتقام
ساحة القتال، ولا في حومة الوغى، أصابه سهم غرب، وهو يشرب من الحوض، ثمّ مع هذا أخبر ﷺ لمّا جاءته أمه ولهة من قتله، لا تدري مصيره- بأنّه في جنة الفردوس، ومعلوم أنّه أعلى الجنة، ومنه تفجر أنهارها، وقد أمر ﷺ أمته إذا سألوا الله تعالى الجنة.. أن يسألوه الفردوس الأعلى، فإذا كان من في النظارة يعدّ له هذا الجزاء العظيم، فما بالك بمن كان في نحر العدوّ، وهم على ثلاثة أضعافهم؟!
و (سهم غرب) أي: لا يعرف راميه، يقال: سهم غرب، بفتح الراء وسكونها، وبالإضافة وغير الإضافة، انظر «النهاية» لابن الأثير.
يوم بدر أذلّ الله فيه الشرك وأعزّ الإسلام:
(يوم) أي: يوم بدر يوم كائن (له ما بعده في الكفر) يقال: أمر له ما بعده؛ أي: تبع، وكذلك يوم بدر، كل ما وقع في إذلال الكفر بعده تبع له (وقد أتى) أي: يوم بدر (منوّها) مرفوعا (في الذكر) المنزل من عنده تعالى.
(بأنّه العذاب) قال تعالى: وَلَنُذِيقَنَّهُمْ مِنَ الْعَذابِ الْأَدْنى عذاب الدنيا بالقتل، والأسر، والجدب سنين،
стр. 154
وأنّه الفرقان بين الكفر ... والحقّ والنّصر سجيس الدّهر
في الأجر والمغنم قسّم النّبي ... لنفر عن الزّحاف غيّب
والأمراض دُونَ الْعَذابِ الْأَكْبَرِ عذاب الآخرة لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ.
(و) أنّه (اللزام) قال تعالى: قُلْ ما يَعْبَؤُا بِكُمْ رَبِّي لَوْلا دُعاؤُكُمْ فَقَدْ كَذَّبْتُمْ فَسَوْفَ يَكُونُ لِزاماً، وأكثر العلماء على أنّه يوم بدر، وقيل: عذاب الآخرة، (وأنّه البطش والانتقام) قال تعالى: يَوْمَ نَبْطِشُ الْبَطْشَةَ الْكُبْرى إِنَّا مُنْتَقِمُونَ.
(وأنّه الفرقان بين الكفر و) بين (الحقّ) في قوله تعالى:
وَما أَنْزَلْنا عَلى عَبْدِنا يَوْمَ الْفُرْقانِ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعانِ.
قال ابن كثير: (يوم بدر يوم الفرقان) .
قال في «شرح المواهب» : (قاله ابن عباس، رواه ابن جرير، وابن المنذر، وصححه الحاكم (و) أنّه (النصر) لقوله تعالى: لَقَدْ نَصَرَكُمُ اللَّهُ فِي مَواطِنَ كَثِيرَةٍ، وأعظمها يوم بدر، وقوله (سجيس الدهر) - بفتح السين وبعدها جيم مكسورة وياء معجمة- أي: أبد الدهر.
الثمانية المتخلّفون عن شهود بدر لعذر:
ثمّ أراد الناظم رحمه الله تعالى أن يذكر بعض من تخلّف عن حضور بدر لعذر قام به، ولولاه لما غابوا، فكانوا كمن حضرها؛ ولذلك أسهم لهم النّبيّ ﷺ فقال:
(في الأجر) أي: ثواب من شهد بدرا (و) في
стр. 155
لطلحة ولسعيد أرسلا ... للرّكب ينظران أين نزلا
(المغنم) أي: الغنيمة، والجار والمجرور متعلق بقوله:
(قسّم النّبيّ) ﷺ (لنفر) هو في الأصل من ثلاثة لعشرة، والذين ذكرهم في النظم ثمانية (عن الزحاف) بكسر الزاي المعجمة: الدنوّ من القتال، أو القتال نفسه، وهو متعلق بقوله: (غيّب) بضم الغين المعجمة، وتشديد الياء المفتوحة الواقع نعتا للنفر؛ أي: قسّم النّبيّ ﷺ لنفر غيب عن القتال لعذر كما تقدم؛ فلأجل ذلك أسهم لهم ﷺ ، وأخبرهم بثبوت الأجر لهم، ففي «الحلبية» : أنّ النّبيّ ﷺ أسهم لكلّ، وصار كل من أسهم له يقول: وأجري يا رسول الله؟ فيقول:
«وأجرك» .
ثمّ أراد أن يذكر أسماء أولئك، مع بيان أعذارهم فقال:
(لطلحة) : هو ابن عبيد الله بن عثمان بن عمر بن كعب بن سعد بن تيم القرشي التيمي، أحد العشرة المشهود لهم بالجنة، وأحد السابقين «١» (ولسعيد) : وهو ابن زيد بن
стр. 156
عمرو بن نفيل بن عبد العزّى بن رياح بن عبد الله بن قرط بن رزاح- براء مفتوحة، ثمّ زاي وحاء مهملة- ابن عديّ بن كعب «١» ، وهذا كسابقه، بدل من قوله: (لنفر) .
ثمّ بيّن سبب ذلك، وهو عذر تخلّفهم عن شهود بدر، بقوله: (أرسلا) والألف للإطلاق، مبينا للفاعل، وهو في قوة العلة لما قبله (للركب) والمراد به: عير أبي سفيان؛ أي: إنّما قسم النّبيّ ﷺ لهما؛ لأنّه أرسلهما لركب أبي سفيان «٢» (ينظران أين نزلا) أي: الركب.
قال ابن إسحاق: قدم طلحة من الشام بعد أن رجع رسول الله ﷺ من بدر، فكلّمه، فضرب له بسهمه، فقال: وأجري يا رسول الله؟ قال: «وأجرك» ، وكذا قال ابن إسحاق في سعيد: «إنّه قدم من الشام بعد قدومه ﷺ من بدر، فكلّمه، فضرب له رسول الله ﷺ بسهمه، فقال: وأجري يا رسول الله قال: «وأجرك» .
وقال الحافظ ابن عبد البر في «الإستيعاب» : (عن
стр. 157
ولابن عفّان ولابن الصّمّة ... وابن جبير كسرا عن همّة
الواقدي بعث رسول الله ﷺ قبل أن يخرج من المدينة إلى بدر طلحة بن عبيد الله، وسعيد بن زيد إلى طريق الشام يتجسسان الأخبار، ثمّ رجعا إلى المدينة فقدماها يوم وقعة بدر) .
ثمّ عطف على قوله: (لطلحة) قوله:
(ولابن عفان) وما بعده؛ أي: قسم النّبيّ ﷺ في الأجر والمغنم لسيدنا عثمان بن عفان بن أبي العاص بن أميّة ابن عبد شمس بن عبد مناف «١» ؛ لأنّه تخلّف على رقية ابنته ﷺ ، وكانت مريضة.
قال في «الحلبية» : (وقيل: إنّه كان مريضا بالجدريّ)
стр. 158
أي: ولا مانع من وجود الأمرين، وقد قال ﷺ : «إنّ لك لأجر رجل وسهمه» .
(ول) لحارث (بن الصمّة) بكسر الصاد المهملة مع تشديد الميم، ابن عمرو بن عتيك الأنصاريّ، ثمّ النّجّاري، والد أبي جهيم، آخى النّبيّ ﷺ بينه وبين سيدنا صهيب، واستشهد ببئر معونة ذكره الحافظ في «الإصابة» .
(و) لخوّات بتشديد الواو (ابن جبير) بالتصغير ابن النعمان بن أميّة بن امرئ القيس الأوسيّ البكري، أخي عبد الله بن جبير، وخوّات هذا هو صاحب ذات النحيين في الجاهلية، وهي امرأة من بني تيم الله اسمها خولة، يروى: أنّ النّبيّ ﷺ سأله عنها، فتبسّم، فقال:
يا رسول الله؛ قد رزق الله خيرا، وأعوذ بالله من الحور بعد الكور، قيل: إنّه مرّ في الجاهلية بنسوة فأعجبه حسنهنّ، فسألهنّ أن يفتلن قيدا لبعير له، زعم أنّه شارد، فجلس إليهنّ، فمرّ به رسول الله ﷺ فأعرض عنه، فلمّا أسلم.. سأله عن ذلك البعير الشارد وهو يبتسم، فقال خوّات: قيده الإسلام يا رسول الله.
قال في «روض النّهاة» : (وفي قصته مع خولة يقول:
فشدّت على النّحيين كفّا ضعينة ... فأعجلتها، والفتك من فعلاتي
стр. 159
وابن عديّ عاصم العجلاني ... خلّفه خير بني عدنان
على العوالي وعلى المدينه ... أبا لبابة الرّبيط الزّينه
وفيها المثل: (أشغل من ذات النحيين) توفي سنة أربعين، وهو ابن إحدى وسبعين سنة.
وأشار الناظم إلى عذر تخلفهما عن بدر فقال: (كسرا) بالبناء للمفعول؛ أي: أصاب رجليهما كسر (عن همة) صادقة لحضور بدر؛ فلذلك ضرب النّبيّ ﷺ سهما لكل واحد منهما.
(وابن عدي) واسمه (عاصم) وعدي هو: ابن الجدّ بن العجلان، فهو منسوب لجده، كما قال: (العجلاني) حليف الأنصار «١» ، وجملة (خلّفه خير بني عدنان) ﷺ خبر عن المبتدأ، الذي هو (ابن عدي) ويتعلق بخلّفه قوله: (على العوالي) وردّه إليها من الروحاء؛ لسبب ذكره موسى بن عقبة وغيره، كما في «الروض الأنف» : (أنّ رسول الله ﷺ بلغه شيء عن أهل مسجد الضّرار، وكان قد استخلفه على قباء والعالية، فردّه لينظر في ذلك، وضرب له بسهمه مع أهل بدر) .
قلت: هكذا قالوا، ولم يكن إذ ذاك مسجد الضّرار، وإنّما كان سنة تسع عند خروجه ﷺ لتبوك،
стр. 160
فيحتمل أن يكون استخلافه ﵊ على أهل قباء والعالية من المدينة لشيء بلغه عنهم؛ ولذلك عدّ من البدريين وضرب له بسهم وهو المعتمد، كما ذكره الحافظ في «الإصابة» أمّا ذكر مسجد الضرار.. فلا معنى له هنا.
(و) خلف (على المدينة) المنوّرة بأنواره ﵊ واليا (أبا لبابة) بشير بن عبد المنذر «١» ، وكان رده من الروحاء على المشهور، وإنّما قلنا: (واليا) لأنّه استعمل على الصّلاة في المدينة ابن أم مكتوم، وقوله: (الربيط) أي: لنفسه بالسارية؛ وذلك: لما طلبه بنو قريظة في حصار النّبيّ ﷺ إياهم، وسألوه عمّا يكون إذا نزلوا على حكمه، فأشار لهم بيده للذبح، فخرج من عندهم نادما، فربط نفسه بسارية من سواري المسجد.. حتّى تاب الله تعالى عليه، وحلّه رسول الله ﷺ من السارية.
وسيأتي ذلك مفصلا إن شاء الله تعالى في غزوة بني قريظة، ووصفه بقوله: (الزينة) أي: لقومه؛ لخصاله الحميدة الجميلة.
стр. 161
ثامنهم ردّ من الرّوحاء ... وهو ابن حاطب إلى قباء
(ثامنهم) أي: من تخلف عن بدر لعذر، فضرب له النبي ﷺ بسهم (ردّ من الرّوحاء) إلى قباء، فقوله: (وهو ابن حاطب) جملة معترضة أتى بها لبيان تعيين الثامن، وهو الحارث بن حاطب بن عمرو الأوسي، أخو ثعلبة.
قال في «الإستيعاب» : (ردّ رسول الله ﷺ الحارث بن حاطب، حين توجّه إلى بدر من الروحاء في شيء أمره به في بني عمرو بن عوف، وضرب له بسهمه، وأجره، فكان كمن شهدها) .
وقوله: (إلى قباء) يتعلق بقوله: (ردّ) وقباء وحراء فيهما ما أشار له بعضهم:
حرا وقبا أنّثهما ذكّرنهما ... ومدّ أو اقصر واصرفن وامنع الصّرفا
وقباء: قرية بني عمرو بن عوف، ومسجدها الذي مدحه الله ومدح أهله بقوله : لَمَسْجِدٌ أُسِّسَ عَلَى التَّقْوى مِنْ أَوَّلِ يَوْمٍ أَحَقُّ أَنْ تَقُومَ فِيهِ فِيهِ رِجالٌ يُحِبُّونَ أَنْ يَتَطَهَّرُوا وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُطَّهِّرِينَ أسسه ﷺ لبني عمرو أول يوم قدم المدينة، كان هو أوّل من وضع حجرا في قبلته، فجاء أبو بكر بحجر، ثمّ وضعه، ثمّ جاء عمر بآخر، فوضعه إلى حجر أبي بكر، فأخذ الناس في البنيان.
تنبيه:
زاد الحافظ ابن كثير في «البداية» على ما ذكره الناظم،
стр. 162
وابن عمير مصعب مرّ على ... شقيقه مستأسرا للفضلا
ممّن تخلف عن بدر، وضرب له النّبي ﷺ بسهم وأجر:
أبا الصبّاح بن ثابت قال: (خرج مع رسول الله ﷺ ، فأصاب ساقه نصيل حجر «١» ، فرجع وضرب له بسهمه وأجره) .
وسعدا أبا مالك، قال في «البداية» عن الواقديّ:
(تجهز سعد ليخرج فمات، وقيل: إنّه مات بالرّوحاء، فضرب له بسهمه وأجره) .
ثمّ أراد الناظم أن يذكر بعض من أصيب بالأسر من كفار قريش فقال:
بعض الأسرى من قريش:
أسر أبي عزيز بن عمير:
(وابن عمير) بالتصغير (مصعب) «٢» ، وعمير: هو ابن
стр. 163
فحضّهم أن شدّدوا إنّ له ... أمّا مليّة تفكّ كبله
عبد مناف بن عبد الدار بن قصيّ (مرّ على) أخيه (شقيقه) أبي عزيز، واسمه زرارة، فيما قاله ابن الأثير في «أسد الغابة» وكان لهما أخ آخر لأبويهما، وهو أبو الرّوم بن عمير، وغلط من جعله ممّن قتل يوم أحد كافرا؛ ذاك أبو عزة، كما سيأتي في موضعه إن شاء الله تعالى (مستأسرا) : بفتح السين الثّانية؛ أي: مرّ عليه حال كونه أسيرا (للفضلا) من الصحابة، ولم يؤسر من بني عبد الدار إلّا هو، قاله في «روض النّهاة» .
(فحضهم) أي: فحثّ مصعب الفضلاء ب (أن شدّدوا) عليه في الوثاق (إنّ له أمّا ملية) بتشديد الياء المفتوحة؛ أي:
стр. 164
موسرة (تفك كبله) أي: تطلقه من قيده؛ بأن تعطي فداءه.
وصية رسول الله ﷺ بإكرام الأسرى:
قال ابن إسحاق: (وحدّث نبيه بن وهب أخو بني عبد الدار: أنّ رسول الله ﷺ حين أقبل بالأسارى.. فرّقهم بين أصحابه، وقال: «استوصوا بهم خيرا» ، قال: وكان أبو عزيز بن عمير بن هاشم أخو مصعب بن عمير لأبيه وأمه في الأسرى، فقال أبو عزيز: مرّ بي أخي مصعب بن عمير ورجل من الأنصار يأسرني، فقال:
شدّ يدك به؛ فإنّ أمّه ذات متاع؛ لعلّها تفديه منك، قال أبو عزيز: فكنت في رهط من الأنصار حين أقبلوا بي من بدر، فكانوا إذا قدموا غداءهم وعشاءهم.. خصّوني بالخبز، وأكلوا التمر؛ لوصية رسول الله ﷺ إياهم بنا، ما تقع في يد رجل منهم كسرة خبز إلّا نفحني بها، فأستحي، فأردّها على أحدهم، فيردّها عليّ ما يمسها) .
قال ابن هشام: (وكان أبو عزيز هذا صاحب لواء المشركين ببدر بعد النضر بن الحارث، ولما قال أخوه مصعب لأبي اليسر- وهو الذي أسره- ما قال.. قال له أبو عزيز: يا أخي؛ هذه وصاتك بي؟! فقال له مصعب: إنّه أخي دونك، فسألت أمّه عن أغلى ما فدي به قرشيّ، فقيل لها: أربعة آلاف درهم، فبعثت بأربعة آلاف درهم، ففدته بها) .
стр. 165
وابن الرّبيع صهر هادي الأمّة ... إذ في فداه زينب أرسلت
فائدة:
ذكر أبو عمر: (أنّ أبا عزيز هذا أسلم، وصحب النّبيّ ﷺ ، وله منه سماع، وردّ على من قال: قتل يوم أحد كافرا، بأنّ ابن إسحاق عدّ من قتل من الكفار من بني عبد الدار أحد عشر رجلا، ليس فيهم أبو عزيز، وإنّما فيهم أبو يزيد بن عمير.
نأسر أبي العاصي بن الرّبيع ثمّ فكّه:
(و) أبو العاصي (ابن الرّبيع) بن عبد العزّى بن عبد شمس بن عبد مناف «١» ، وهو مبتدأ، وخبره: (سرّحه) الآتي (صهر) أي: زوج بنت (هادي الأمّة) صلى الله عليه
стр. 166
بعقدها الّذي به أهدتها ... له خديجة وزفّفتها
سرّحه بعقدها وعهدا ... إليه أن يردّها له غدا
وسلم، وهي زينب، والصهر يطلق أيضا على زوج الأخت، كما في «القاموس» واشتقاقه من صهر الشيء بالشيء يصهره:
إذا ألصقه به، ومنه- كما في «روض النّهاة» - ما في حديث بناء النّبيّ ﷺ مسجد قباء: (كان ﷺ يأتي بالحجر قد صهره إلى بطنه، فيأتي الرجل يريد أن يقلبه فلا يستطيع) .
(إذ) ظرفية (في فداه) يتعلق بأرسلت، وقوله:
(زينب) مبتدأ، خبره: (أرسلت بعقدها) هي القلادة (الذي به) أي: بالعقد (أهدتها) أي: أهدت زينب (له) أي: لابن الرّبيع (خديجة) بنت خويلد بن أسد بن عبد العزّى، وهو فاعل أهدتها (وزفّفتها) عطف تفسير.
(سرّحه) أي: أطلقه ﷺ من الأسر (بعقدها) أي: مع عقدها ذلك، وبعث العقد لصاحبته (وعهدا إليه) أي: أخذ رسول الله ﷺ العهد على أبي العاص بن الرّبيع إذا وصل هو مكة (أن يردها له) بالمدينة المنوّرة (غدا) .
وحاصل معنى ما أشار إليه في هذه الأبيات: أنّ أبا العاصي بن الرّبيع صهر هادي الخلق إلى الملة الحنيفية ﷺ ، وزوج ابنته زينب بإشارة خالته خديجة، وكانت تعدّه بمنزلة ولدها، وكان صلى الله عليه وسلم
стр. 167
فردّها وبعد ذاك تجرا ... لنفسه وساكني أمّ القرى
لا يخالفها قبل أن ينزل عليه الوحي، فزوّجه، فلمّا أكرم الله تعالى رسوله ﷺ بنبوّته.. آمنت به خديجة وبناته، وثبت أبو العاصي على شركه.. حتّى هاجر رسول الله ﷺ ، فلمّا سارت قريش إلى بدر.. سار معهم أبو العاصي، فأصيب في الأسرى، فكان في المدينة عند رسول الله ﷺ .
ولمّا بعث أهل مكة في فداء أسراهم.. بعثت زينب في فدائه بمال، وبعثت فيه بقلادة لها، كانت أمها خديجة أدخلتها بها على أبي العاص حين بنى بها، قالت: فلمّا رآها رسول الله ﷺ .. رقّ لها رقّة شديدة، وقال: «إن رأيتم أن تطلقوا لها أسيرها، وتردّوا عليها عقدها.. فافعلوا» قالوا: نعم يا رسول الله، فأطلقوه، وردّوا عليها الذي لها، وكان ﷺ قد أخذ عليه العهد أن يخلي سبيل زينب، ويردّها إليه.
(فردّها) إليه، قال ابن إسحاق: (وقد بعث رسول الله ﷺ زيد بن حارثة ورجلا من الأنصار، وقال:
«كونا ببطن يأجج؛ حتى تمر بكما زينب، فتصحباها حتى تأتياني بها» فخرجا إلى مكانهما، وذلك بعد بدر بشهر، فلمّا قدم أبو العاصي مكة.. أمرها باللحوق بأبيها، فخرج بها حموها أخو زوجها كنانة بن الرّبيع.. حتى أسلمها إلى زيد بن حارثة وصاحبه، فقدما بها على رسول الله ﷺ .
стр. 168
فانتهب الأصحاب عير القلّب ... فجاء واستجار بابنة النّبي
فصرّحت ولم تجمجم البتول ... بأن أجارته وأمضاه الرّسول
(وبعد ذاك) أي: المذكور من إطلاقه من الأسر، ورد زينب إليه ﷺ (تجرا) : بفتح الجيم، من باب نصر؛ أي: خرج تاجرا إلى الشام، وذلك قبيل الفتح، كما قاله ابن إسحاق، وكان رجلا مأمونا، فخرج بمال له، وأموال لرجال من قريش أبضعوها معه كما قال: (لنفسه وساكني أمّ القرى) أي: مكة، ولما رجع من تجارته وأقبل قافلا.. لقيته سريّة «١» لرسول الله ﷺ .
(فانتهب) أي: غنم (الأصحاب عير) الرجل (القلّب) : بفتح اللام المشدّدة بعد القاف المضمومة؛ أي:
المحتال البصير بتقليب الأمور، والمراد به أبو العاصي.
استجارته بزينب بنت الرسول ﷺ وإجارتها له:
(فجاء) أبو العاصي في الليل حتى دخل على زينب بنت الرسول ﷺ (واستجار) أي: طلب الجوار (بابنة النّبيّ) ﷺ ورضي الله عنها، (فصرحت ولم تجمجم) أي: لم تتكلم بكلام خفيّ، بل
стр. 169
فردّ ماله عليه أجمع ... تلك الصّهارة بها يستشفع
صرحت- بالحاء المهملة- (البتول) المراد بها زينب ﵂؛ لأنّها منقطعة عن الدنيا إلى الله ، وقوله: (بأن أجارته) يتعلق بصرحت؛ أي: صرحت، ونادت في الناس حين خرج رسول الله ﷺ إلى الصبح: أيّها الناس؛ إنّي قد أجرت أبا العاص بن الرّبيع (وأمضاه) أي:
ما أجارت فيه (الرسول) الأعظم ﷺ .
قال ابن إسحاق: (لما سلّم رسول الله ﷺ من الصلاة.. أقبل على الناس فقال: «أيّها الناس؛ هل سمعتم ما سمعت؟» قالوا: نعم، قال: «أما والذي نفس محمّد بيده؛ ما علمت بشيء من ذلك حتى سمعت ما سمعتم، إنّه يجير على المسلمين أدناهم» ) .
(فردّ) بالبناء للمفعول (ماله عليه) أي: رد النّبيّ ﷺ على أبي العاص ماله (أجمع تلك الصهارة) التي بينه وبين أبي العاصي بزينب (بها يستشفع) .
قال ابن إسحاق: (وحدّثني عبد الله بن أبي بكر: أنّ رسول الله ﷺ بعث إلى السرية الذين أصابوا مال أبي العاصي فقال: «إنّ هذا الرجل منا حيث قد علمتم، وقد أصبتم له مالا، فإن تحسنوا وتردوا عليه المال الذي له..
فإنّا نحب ذلك، وإن أبيتم.. فهو فيء الله الذي أفاء عليكم، فأنتم أحقّ به» قالوا: يا رسول الله؛ بل نرده عليه، حتّى إنّ الرجل ليأتي بالدلو، ويأتي الرجل بالشّنة والإداوة، حتّى إنّ
стр. 170
أوصى به من حيث الاكرام ابنته ... لكن نهاها أن تكون بعلته
أحدهم ليأتي بالشّظاظ «١» .. حتى ردوا عليه ماله بأسره، لا يفقد منه شيئا) .
لطيفة:
لما كان أبو العاصي تاجرا بالشام قال في زينب:
ذكرت زينب بالأجزاع من إضما ... فقلت سقيا لشخص يسكن الحرما
بنت الأمين جزاه الله صالحة ... وكلّ بعل سيثني بالذي علما
حال أبي العاص مع زينب قبل إسلامه:
ثمّ أراد الناظم أن يبين حال أبي العاصي إذ ذاك مع ابنته ﷺ فقال: (أوصى) رسول الله ﷺ (به من حيث الاكرام) لمثواه (ابنته) زينب؛ لأنّهم أهل الإكرام، ولما سبق بينهما من الزوجية الموجبة لمراعاة الفضل والاحترام، وقد قال تعالى في التي لم يدخل بها الزوج: وَلا تَنْسَوُا الْفَضْلَ بَيْنَكُمْ.
(لكن نهاها) أي: زينب رسول الله ﷺ ، (أن تكون) زينب (بعلته) أي: زوجة لأبي العاصي بن الرّبيع.
стр. 171
وما ارتضى من بعد إسلام ابنته ... وكفره بقاءها في عصمته
لو أنّه يحلّ أو يحرّم ... بمكّة عنها الحليل يحسم
(و) هو ﷺ (ما ارتضى من بعد إسلام ابنته) زينب (وكفره) أي: أبي العاصي (بقاءها) بالنصب معمول ل (ارتضى) ، وقوله: (في عصمته) متعلق ببقائها؛ أي: وما ارتضى بقاء زينب؛ لأنّها لا تحل له لأنّها مسلمة نشأت في بيت النبوة، قال تعالى: لا هُنَّ حِلٌّ لَهُمْ وَلا هُمْ يَحِلُّونَ لَهُنَّ، وما وقع في «تفسير القرطبي» في (سورة الممتحنة) ممّا يخالف ما ذكر.. غير صحيح أو هو مدسوس عليه، وكان الواجب على صاحب التعليق التنبيه عليه.
فإن قيل: إذا كان الأمر كذلك.. فلم لم يفرق بينهما ﷺ يوم كان بمكة؟ قلنا: أجاب عنه الناظم بقوله:
(لو أنّه) أي: رسول الله ﷺ (يحل أو يحرّم بمكة) يعني: لو أنّه يطاع بمكة فيما يأمر به من الحلال، وينهى عنه من الحرام (عنها) أي: عن زينب، متعلق بيحسم (الحليل) مفعول مقدم لقوله: (يحسم) بكسر السين؛ أي: عنها الحليل أبا العاصي، لكن لمّا منّ عليه رسول الله ﷺ بالإطلاق من الأسر بلا فداء.. عهد إليه أن يخلّي سبيل ابنته إليه، وقد فعل.
قال ابن إسحاق: (وكان رسول الله ﷺ لا يحلّ بمكّة ولا يحرّم، مغلوبا على أمره، وكان الإسلام قد فرق بين زينب ابنة رسول الله ﷺ وبين
стр. 172
وسئل الإيمان كي يحوزا ... مال قريش وبه يفوزا
فهاب أن يبدأ بالخيانه ... إيمانه ويدع الأمانه
فردّها لأهلها وأسلما ... وآب إذ إلى قريش أسلما
أبي العاصي، وكان لا يقدر على أن يفرّق بينهما) .
قال في «البداية» : (قلت: إنّما حرّم الله المسلمات على المشركين عام الحديبية سنة ست من الهجرة) .
أمانة أبي العاصي وشرفه وإسلامه:
(وسئل) أبو العاصي (الإيمان) بالله ورسوله (كي يحوزا مال قريش) الذي معه وقوله: (وبه) يتعلق بقوله: (يفوزا) بالنصب، معطوف على يحوزا؛ أي: كي يفوز بالمال.
(فهاب) أبو العاص (أن يبدأ بالخيانة) هي ضد الأمانة (إيمانه ويدع) أي: يترك (الأمانة) ولو من مشرك.
قال ابن هشام: (وحدّثني أبو عبيدة: أنّ أبا العاصي بن الرّبيع لما قدم من الشام، ومعه أموال المشركين.. قيل له:
هل لك أن تسلم وتأخذ هذه الأموال؛ فإنّها أموال المشركين؟
فقال أبو العاصي، بئس ما أبدأ به إسلامي، أن أخون أمانتي) .
(فردها) أي: الأمانة، وهي الأموال (لأهلها) قريش، قال: (يا معشر قريش؛ هل بقي لأحد منكم مال لم يأخذه؟
قالوا: لا، فجزاك الله خيرا، فقد وجدناك وفيّا كريما، قال:
فأنا أشهد أن لا إله إلّا الله، وأنّ محمّدا عبده ورسوله، والله ما منعني من الإسلام عنده إلّا تخوّف أن تظنوا أنّي إنّما أردت
стр. 173
فردّها إليه خير مرسل ... بالعقد الاوّل على القول الجلي
أن آكل أموالكم، فلمّا أدّاها الله إليكم وفرغت منها..
أسلمت) .
فقوله: (وأسلما) أي: دخل في الإسلام قبل الفتح سنة ثمان، كما قال ابن كثير (وآب) أي: رجع إلى النّبيّ ﷺ معلنا إسلامه (إذ إلى قريش) يتعلق بقوله:
(أسلما) بمعنى: أعطى أمانتهم؛ أي: ورجع إلى المدينة لما أعطى قريشا أموالهم.
رد زوجه زينب إليه:
(ف) لمّا ردّ أبو العاصي إلى قريش أموالهم، وقد مسلما على رسول الله ﷺ (ردّها) أي: زوجه زينب (إليه) أي: أبي العاصي (خير مرسل) ﵊ من الإله العلي (بالعقد) الصحيح (الأول) لم يجدد نكاحا لها (على القول الجلي) أي: الظاهر الذي رواه ابن إسحاق عن داوود بن الحصين عن عكرمة عن ابن عباس «١» : (أنّ النّبيّ ﷺ ردّ زينب على أبي العاصي على النكاح الأول، ولم يحدث شيئا بعد ست سنين) .
قال السّهيلي: (ويعارض هذا ما رواه عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده «٢» : «أنّ النّبيّ ﷺ ردّها عليه
стр. 174
وأمّه هالة أخت صهرته ... والمصطفى رضي عن صهارته
بنكاح جديد» وهذا الحديث هو الذي عليه العمل، وإن كان حديث داوود بن الحصين أصح إسنادا عند أهل الحديث، ولكن لم يقل به أحد من الفقهاء فيما علمت؛ لأنّ الإسلام كان فرّق بينهما، قال تعالى: لا هُنَّ حِلٌّ لَهُمْ وَلا هُمْ يَحِلُّونَ لَهُنَّ ومن جمع بين الحديثين قال في حديث ابن عباس: معنى: ردها عليه على النكاح الأوّل؛ أي: على مثل النكاح الأول في الصّداق والحباء، لم يحدث زيادة على ذلك من شرط ولا غيره) اهـ
ثمّ أراد أن يبين نسبة أبي العاصي لأمّنا خديجة ﵂ فقال:
(وأمه) أي: أم أبي العاص المذكور (هالة) بنت خويلد بن أسد بن عبد العزّى بن قصيّ (أخت صهرته) أمنا خديجة من أبيها وأمها واسم أمّ خديجة ﵂ فاطمة بنت زائدة بن الأصم.
قال ابن منده: (روت عائشة عنها حرفا في حديث) كذا اختصر.
قال الحافظ: (وكأنّه أشار إلى ما أخرجه البخاري في «الصحيح» من طريق علي بن مسهر، عن هشام بن عروة،
стр. 175
والمسلمون خيّروا بين الفدا ... وقدرهم في قابل يستشهدا
عن أبيه، عن عائشة قالت: (استأذنت هالة بنت خويلد أخت خديجة على رسول الله ﷺ ، فعرف استئذان خديجة، فارتاع لذلك، وقال: «اللهمّ هالة «١» » ففزعت.
فقلت: ما تذكر من عجوز من عجائز قريش..) الحديث.
وأصل الحديث في «الصحيحين» من غير ذكر هالة.
(والمصطفى) ﵊ (رضي عن صهارته) فقال: «حدّثني فصدقني، ووعدني فوفى لي» وذلك حين خطب عليّ بنت أبي جهل، وفي هذه الخطبة قال ﷺ : «لا تجتمع بنت نبي الله وبنت عدوّ الله مكانا واحدا» .
قال في «الفتح» : (أخذ منه عدم جواز التزوج على بنت النبيّ، بخلاف التسرّي؛ لأنّ عليّا ﵁ وطئ جارية من الخمس في بعض سراياه) .
فداء أسرى بدر:
ثمّ أراد الناظم أن يشرح الكلام على الفداء فقال:
(والمسلمون) والمراد بهم: أصحاب رسول الله ﷺ البدريون (خيّروا) بالبناء للمفعول (بين) أخذ (الفدا) من الأسرى (و) لكن (قدرهم) عددهم، وهو سبعون (في قابل) عام مقبل (يستشهدا) بالألف المنقلبة عن
стр. 176
وبين قتلهم فمالوا للفدا ... لأنّه على القتال عضدا
وأنّه أدّى إلى الشّهادة ... وهي قصارى الفوز والسّعادة
نون التوكيد (وبين قتلهم) أي: الأسرى، والمخيّر لهم النّبيّ ﷺ بأمر جبريل ﵇، كما روى الترمذي والنّسائي وابن حبّان والحاكم بإسناد صحيح عن عليّ ﵁ قال: (جاء جبريل إلى النّبيّ ﷺ يوم بدر، فقال: خيّر أصحابك في الأسرى، إن شاؤوا القتل، وإن شاؤوا الفداء على أن يقتل منهم عاما مقبلا مثلهم قالوا: الفداء، ويقتل منا) .
ورواه ابن سعد من مرسل عبيدة فقالوا: (بل نفاديهم، فنتقوى به عليهم، ويدخل قابلا منا الجنة سبعون) .
(فمالوا للفدا) أي: لقبول الفداء منهم (لأنّه) أي:
الفداء عضد (على القتال) فهو متعلق بقوله: (عضدا) المبني للفاعل بمعنى: أعان.
(وأنّه) أي: الفداء (أدى) أي: أوصل (إلى) الظفر ب (الشهادة) في سبيل الله تعالى (وهي) أي: الشهادة (قصارى) بضم القاف؛ أي: غاية (الفوز والسعادة) .
ولما اختاروا الفداء استشهد منهم في العام القابل وهو عام أحد، سبعون رجلا.
ثمّ أراد أن يبين مقدار ما كان به الفداء من المال فقال:
стр. 177
وهو بقدر وسعهم والمملق ... من خطّه عشرة يحذّق
ومن مشاهير الأسارى عمرو ... نجل أبي سفيان ثمّ الصّهر
(وهو) أي: الفداء (بقدر وسعهم) أي: طاقة الأسرى، أربعة آلاف درهم، كأبي وداعة، وأبي عزيز، إلى ثلاثة، إلى ألفين، إلى ألف (والمملق) بميمين على صيغة اسم الفاعل، من أملق بمعنى: افتقر؛ أي: والفقير، وقد عرف الخطّ (من خطه) يتعلق بقوله: (يحذق) وقوله:
(عشرة) بالنصب معمول لقوله: (يحذق) بالبناء للفاعل؛ والمعنى: أن من لم يكن عنده مال يفادي به نفسه، علّم عشرة من غلمان أهل المدينة الخطّ، فإذا حذقوا، وتعلّموا.. كان ذلك فداءه؛ لأنّ أهل مكة كانوا يكتبون، وأهل المدينة لا يكتبون، فممّن تعلم الكتابة يومئذ سيدنا زيد بن ثابت ﵁ في جماعة من غلمان الأنصار.
واعلم: أنّ جملة من أخذ أسيرا من المشركين ببدر سبعون رجلا، كما أنّ من هلك منهم سبعون، كما في «صحيح البخاري» من حديث البراء بن عازب.
واقتصر الناظم على ذكر المشهورين من الأسرى فقال:
من مشاهير أسرى قريش:
عمرو بن أبي سفيان:
(ومن مشاهير الأسارى) : (عمرو نجل) أي: ابن (أبي سفيان) صخر بن حرب.
قال ابن إسحاق: (وكانت أمه بنت عقبة بن أبي معيط) .
стр. 178
قال ابن هشام: (بل كانت أمه أخت أبي معيط، وكان الذي أسره عليّا بن أبي طالب) .
قال ابن إسحاق: (وحدّثني عبد الله بن أبي بكر قال:
فقيل لأبي سفيان: افد عمرا ابنك، قال: أيجتمع عليّ دمي ومالي؟ قتلوا حنظلة، وأفدي عمرا، دعوه في أيديهم يمسكوه ما بدا لهم. قال: فبينما هو كذلك محبوس بالمدينة إذ خرج سعد بن النعمان بن أكّال أخو بني عمرو بن عوف، ثمّ أحد بني معاوية معتمرا، وكان مسلما في غنم له بالنّقيع «١» ، فخرج من هنا لك معتمرا، ولم يظن أنّه يحبس بمكّة إذا جاء معتمرا، وقد كان عهد قريش أنّ قريشا لا يعرضون لأحد جاء حاجّا أو معتمرا إلّا بخير، فعدا عليه أبو سفيان بن حرب بمكة، فحبسه بابنه عمرو، وقال في ذلك:
أرهط بن أكّال أجيبوا دعاءه ... تعاقدتم لا تسلموا السيد الكهلا
فإنّ بني عمرو لئام أذلّة ... لئن لم يفكّوا عن أسيرهم الكبلا
قال فأجابه حسّان بن ثابت يقول:
لو كان سعد يوم مكّة مطلقا ... لأكثر فيكم قبل أن يؤسر القتلا
стр. 179
والعمّ وابنا أخويه وهما ... عقيل نوفل وبعد أسلما
بعضب حسام أو بصفراء نبعة ... تحنّ إذا ما أنبضت تحفز النبلا
قال: ومشى بنو عمرو بن عوف إلى رسول الله ﷺ فأخبروه خبره، وسألوه أن يعطيهم عمرو بن أبي سفيان فيفكّوا به صاحبهم، فأعطاههم النّبيّ ﷺ ، فبعثوا به إلى أبي سفيان، فخلّى سبيل سعد) .
قال في «روض النّهاة» : (وليس لعمرو بن أبي سفيان عقب، ولم ير له ذكر بعد هذا بإسلام ولا بغيره) .
وقوله: (ثم الصّهر) أي: للنّبي ﷺ بنكاحه أخته أم حبيبة بنت أبي سفيان، فهو معطوف على قوله نجل.
العباس بن عبد المطّلب:
(و) من مشاهير الأسارى (العمّ) للنبيّ ﷺ سيدنا العباس بن عبد المطّلب، أسره أبو اليسر، بفتح التحتية والسين المهملة، وبالراء، كما ضبطه الحافظ في «الفتح» ، واسمه كعب بن عمرو الأنصاريّ السّلمي بفتحتين.
قال في «المواهب» : (روى الطبراني والبزار من حديث أبي اليسر: وقيل: للعباس بن عبد المطّلب وكان جسيما، كيف أسرك أبو اليسر وهو دميم، ولو شئت.. لجعلته في
стр. 180
كفك؟ فقال: ما هو إلّا أن لقيته، فظهر في عيني كالخندمة، وهي بالخاء المعجمة: جبل من جبال مكة) .
قال في «روض النّهاة» : (واختلف في وقت إسلامه، فقيل: بدر؛ وذلك أنّ النّبيّ ﷺ قال: «افد نفسك» فقال: ليس لي مال أفدي به نفسي، فقال: «الذهب الذي تركته عند أم الفضل، وقلت لها: كيت وكيت» فقال:
أشهد أنّك رسول الله، والله ما حضرنا إلّا الله) .
هلاك أبي لهب بالعدسة:
وفي خبر أبي رافع مع أبي لهب دليل على تقدم إسلامه على بدر، وهو ما رواه ابن إسحاق عن أبي رافع مولى رسول الله ﷺ ، قال: (كنت غلاما للعباس بن عبد المطلب، وكان الإسلام قد دخلنا أهل البيت، فأسلم العباس، وأسلمت أم الفضل، وأسلمت، وكان العباس يهاب قومه، ويكره خلافهم، وكان يكتم إسلامه، وكان ذا مال كثير متفرق في قومه، وكان أبو لهب قد تخلّف عن بدر، فبعث مكانه العاص بن هشام بن المغيرة، وكذلك كانوا صنعوا، لم يتخلف منهم رجل، إلّا بعث مكانه رجلا.
فلمّا جاء الخبر عن مصاب أصحاب بدر من قريش.. كبته الله وأخزاه، ووجدنا في أنفسنا قوة وعزّا، قال: وكنت رجلا ضعيفا، وكنت أعمل الأقداح، أنحتها في حجرة زمزم، فوالله إنّي لجالس فيها أنحت أقداحي، وعندي أم الفضل جالسة،