وبين قتلهم فمالوا للفدا ... لأنّه على القتال عضدا
وأنّه أدّى إلى الشّهادة ... وهي قصارى الفوز والسّعادة
نون التوكيد (وبين قتلهم) أي: الأسرى، والمخيّر لهم النّبيّ ﷺ بأمر جبريل ﵇، كما روى الترمذي والنّسائي وابن حبّان والحاكم بإسناد صحيح عن عليّ ﵁ قال: (جاء جبريل إلى النّبيّ ﷺ يوم بدر، فقال: خيّر أصحابك في الأسرى، إن شاؤوا القتل، وإن شاؤوا الفداء على أن يقتل منهم عاما مقبلا مثلهم قالوا: الفداء، ويقتل منا) .
ورواه ابن سعد من مرسل عبيدة فقالوا: (بل نفاديهم، فنتقوى به عليهم، ويدخل قابلا منا الجنة سبعون) .
(فمالوا للفدا) أي: لقبول الفداء منهم (لأنّه) أي:
الفداء عضد (على القتال) فهو متعلق بقوله: (عضدا) المبني للفاعل بمعنى: أعان.
(وأنّه) أي: الفداء (أدى) أي: أوصل (إلى) الظفر ب (الشهادة) في سبيل الله تعالى (وهي) أي: الشهادة (قصارى) بضم القاف؛ أي: غاية (الفوز والسعادة) .
ولما اختاروا الفداء استشهد منهم في العام القابل وهو عام أحد، سبعون رجلا.
ثمّ أراد أن يبين مقدار ما كان به الفداء من المال فقال:
стр. 177
وهو بقدر وسعهم والمملق ... من خطّه عشرة يحذّق
ومن مشاهير الأسارى عمرو ... نجل أبي سفيان ثمّ الصّهر
(وهو) أي: الفداء (بقدر وسعهم) أي: طاقة الأسرى، أربعة آلاف درهم، كأبي وداعة، وأبي عزيز، إلى ثلاثة، إلى ألفين، إلى ألف (والمملق) بميمين على صيغة اسم الفاعل، من أملق بمعنى: افتقر؛ أي: والفقير، وقد عرف الخطّ (من خطه) يتعلق بقوله: (يحذق) وقوله:
(عشرة) بالنصب معمول لقوله: (يحذق) بالبناء للفاعل؛ والمعنى: أن من لم يكن عنده مال يفادي به نفسه، علّم عشرة من غلمان أهل المدينة الخطّ، فإذا حذقوا، وتعلّموا.. كان ذلك فداءه؛ لأنّ أهل مكة كانوا يكتبون، وأهل المدينة لا يكتبون، فممّن تعلم الكتابة يومئذ سيدنا زيد بن ثابت ﵁ في جماعة من غلمان الأنصار.
واعلم: أنّ جملة من أخذ أسيرا من المشركين ببدر سبعون رجلا، كما أنّ من هلك منهم سبعون، كما في «صحيح البخاري» من حديث البراء بن عازب.
واقتصر الناظم على ذكر المشهورين من الأسرى فقال:
من مشاهير أسرى قريش:
عمرو بن أبي سفيان:
(ومن مشاهير الأسارى) : (عمرو نجل) أي: ابن (أبي سفيان) صخر بن حرب.
قال ابن إسحاق: (وكانت أمه بنت عقبة بن أبي معيط) .
стр. 178
قال ابن هشام: (بل كانت أمه أخت أبي معيط، وكان الذي أسره عليّا بن أبي طالب) .
قال ابن إسحاق: (وحدّثني عبد الله بن أبي بكر قال:
فقيل لأبي سفيان: افد عمرا ابنك، قال: أيجتمع عليّ دمي ومالي؟ قتلوا حنظلة، وأفدي عمرا، دعوه في أيديهم يمسكوه ما بدا لهم. قال: فبينما هو كذلك محبوس بالمدينة إذ خرج سعد بن النعمان بن أكّال أخو بني عمرو بن عوف، ثمّ أحد بني معاوية معتمرا، وكان مسلما في غنم له بالنّقيع «١» ، فخرج من هنا لك معتمرا، ولم يظن أنّه يحبس بمكّة إذا جاء معتمرا، وقد كان عهد قريش أنّ قريشا لا يعرضون لأحد جاء حاجّا أو معتمرا إلّا بخير، فعدا عليه أبو سفيان بن حرب بمكة، فحبسه بابنه عمرو، وقال في ذلك:
أرهط بن أكّال أجيبوا دعاءه ... تعاقدتم لا تسلموا السيد الكهلا
فإنّ بني عمرو لئام أذلّة ... لئن لم يفكّوا عن أسيرهم الكبلا
قال فأجابه حسّان بن ثابت يقول:
لو كان سعد يوم مكّة مطلقا ... لأكثر فيكم قبل أن يؤسر القتلا
стр. 179
والعمّ وابنا أخويه وهما ... عقيل نوفل وبعد أسلما
بعضب حسام أو بصفراء نبعة ... تحنّ إذا ما أنبضت تحفز النبلا
قال: ومشى بنو عمرو بن عوف إلى رسول الله ﷺ فأخبروه خبره، وسألوه أن يعطيهم عمرو بن أبي سفيان فيفكّوا به صاحبهم، فأعطاههم النّبيّ ﷺ ، فبعثوا به إلى أبي سفيان، فخلّى سبيل سعد) .
قال في «روض النّهاة» : (وليس لعمرو بن أبي سفيان عقب، ولم ير له ذكر بعد هذا بإسلام ولا بغيره) .
وقوله: (ثم الصّهر) أي: للنّبي ﷺ بنكاحه أخته أم حبيبة بنت أبي سفيان، فهو معطوف على قوله نجل.
العباس بن عبد المطّلب:
(و) من مشاهير الأسارى (العمّ) للنبيّ ﷺ سيدنا العباس بن عبد المطّلب، أسره أبو اليسر، بفتح التحتية والسين المهملة، وبالراء، كما ضبطه الحافظ في «الفتح» ، واسمه كعب بن عمرو الأنصاريّ السّلمي بفتحتين.
قال في «المواهب» : (روى الطبراني والبزار من حديث أبي اليسر: وقيل: للعباس بن عبد المطّلب وكان جسيما، كيف أسرك أبو اليسر وهو دميم، ولو شئت.. لجعلته في
стр. 180
كفك؟ فقال: ما هو إلّا أن لقيته، فظهر في عيني كالخندمة، وهي بالخاء المعجمة: جبل من جبال مكة) .
قال في «روض النّهاة» : (واختلف في وقت إسلامه، فقيل: بدر؛ وذلك أنّ النّبيّ ﷺ قال: «افد نفسك» فقال: ليس لي مال أفدي به نفسي، فقال: «الذهب الذي تركته عند أم الفضل، وقلت لها: كيت وكيت» فقال:
أشهد أنّك رسول الله، والله ما حضرنا إلّا الله) .
هلاك أبي لهب بالعدسة:
وفي خبر أبي رافع مع أبي لهب دليل على تقدم إسلامه على بدر، وهو ما رواه ابن إسحاق عن أبي رافع مولى رسول الله ﷺ ، قال: (كنت غلاما للعباس بن عبد المطلب، وكان الإسلام قد دخلنا أهل البيت، فأسلم العباس، وأسلمت أم الفضل، وأسلمت، وكان العباس يهاب قومه، ويكره خلافهم، وكان يكتم إسلامه، وكان ذا مال كثير متفرق في قومه، وكان أبو لهب قد تخلّف عن بدر، فبعث مكانه العاص بن هشام بن المغيرة، وكذلك كانوا صنعوا، لم يتخلف منهم رجل، إلّا بعث مكانه رجلا.
فلمّا جاء الخبر عن مصاب أصحاب بدر من قريش.. كبته الله وأخزاه، ووجدنا في أنفسنا قوة وعزّا، قال: وكنت رجلا ضعيفا، وكنت أعمل الأقداح، أنحتها في حجرة زمزم، فوالله إنّي لجالس فيها أنحت أقداحي، وعندي أم الفضل جالسة،
стр. 181
وقد سرّنا ما جاءنا من الخبر.. إذ أقبل أبو لهب يجرّ رجليه بشرّ، حتى جلس على طنب الحجرة «١» فكان ظهره إلى ظهري.
فبينما هو جالس؛ إذ قال الناس: هذا أبو سفيان واسمه: المغيرة بن الحارث بن عبد المطّلب- قد قدم، قال: فقال له أبو لهب: هلمّ إلي، فعندك لعمري الخبر، قال: فجلس إليه والناس قيام عليه، فقال يا ابن أخي:
أخبرني كيف كان أمر الناس؟ قال: والله ما هو إلّا أن لقينا القوم، فمنحناهم أكتافنا، يقتلوننا كيف شاؤوا، ويأسروننا كيف شاؤوا، وأيم الله مع ذلك ما لمت الناس.
لقينا رجال بيض، على خيل بلق بين السماء والأرض، والله ما تليق «٢» شيئا، ولا يقوم لها شيء.
قال أبو رافع: فرفعت طنب الحجرة بيدي، ثمّ قلت:
تلك والله الملائكة، قال: فرفع أبو لهب يده، فضرب بها وجهي ضربة شديدة.
قال: وثاورته «٣» ، فاحتملني وضرب بي الأرض، ثمّ برك عليّ يضربني، وكنت رجلا ضعيفا، فقامت أم الفضل إلى عمود من عمد الحجرة، فأخذته، فضربته به ضربة،
стр. 182
فلعت «١» في رأسه شجّة منكرة، وقالت: استضعفته أن غاب عنه سيده، فقام مولّيا ذليلا، فوالله ما عاش إلّا سبع ليال حتى رماه الله بالعدسة «٢» فقتلته) اهـ
وبقي بعد موته ثلاثا لا تقرب جنازته؛ لأنّ قريشا تتشاءم بالعدسة، كما تتشاءم بالطاعون، فلمّا خاف بنوه السّبة- أي:
العار-.. حفروا له، ودفنوا جنازته بعود في حفرته، وقذفوه بالحجارة من بعيد حتّى واروه.
ويروى عن عائشة أم المؤمنين ﵂: أنّها كانت لا تمرّ على مكان أبي لهب هذا، إلّا نشرت ثوبها حتى تجوز.
توفي العباس بالمدينة سنة (٣٢) وجزع عليه ابنه سيدنا عبد الله ﵄، حتى دخل عليه أعرابي فأنشده:
اصبر نكن بك صابرين فإنّما ... صبر الرعية بعد صبر الراس
خير من العباس صبرك بعده ... والله خير منك للعباس
فكان أجمل عزاء.
عقيل بن أبي طالب ونوفل بن الحارث:
(و) من مشاهير الأسرى (ابنا أخويه) أي: العباس
стр. 183
(وهما عقيل) بفتح العين «١» وترك التنوين للوزن، وهو ابن أبي طالب، أخو علي، وجعفر، وكان الأسنّ «٢» ، يكنى عقيل: أبا يزيد، قال له ﷺ : «يا أبا يزيد؛ إنّي أحبك حبّين: حبّا لقرابتك مني، وحبّا لما أعرف من حب عمي إياك» .
قال الحافظ في «الإصابة» : (وفي «تاريخ البخاري» الأصغر بسند صحيح: أنّه مات في أول خلافة يزيد قبل الحرّة) .
(نوفل) أي: ونوفل بن الحارث بن عبد المطّلب بن هاشم بن عبد مناف، يكنى: أبا الحارث (وبعد) أي: بعد بدر (أسلما) أي: عقيل، ونوفل.
أمّا عقيل.. فإنّه أسلم عام الفتح، كما قاله في «الإصابة» وضعّف القول بأنّه أسلم بعد الحديبية، وهاجر في أوّل سنة ثمان.
وأمّا نوفل: فذكر في «الإستيعاب» : (أنّه أسلم وهاجر يوم الخندق) وقيل: أسلم يوم فدى نفسه.
واختلفوا أيضا في فدائه، فقيل: فداه العباس، وقيل:
فدى نفسه؛ وذلك: أنّ رسول الله ﷺ : قال
стр. 184
وخالد أخو أبي جهل وقد ... أسلم أيضا وسهيل الأسد
له «افد نفسك» قال: ما لي شيء أفتدي به، قال: «افد نفسك برماحك التي بجدّة» فقال: والله؛ ما علم أحد أنّ لي بجدة رماحا غيري بعد الله، أشهد أنّك رسول الله، ففدى نفسه بها، وكانت ألف رمح. ذكره الحافظ أبو عمر في «الإستيعاب» عن ابن سعد، وهذا ممّا يقوّي القول بأنّه أسر وفدى نفسه.
توفّي بالمدينة في داره بها سنة خمس عشرة، في خلافة عمر، وصلّى عليه عمر بعد أن مشى معه إلى البقيع، ووقف على قبره حتى دفن ﵁.
خالد بن هشام المخزومي، وسهيل بن عمرو العامري:
(و) من مشاهير الأسرى ببدر (خالد أخو أبي جهل) إذ ذاك، وقد قطع الإسلام تلك الأخوّة، فإنّه أسلم كما قال:
(وقد أسلم أيضا) مثل سابقيه، وهو ابن هشام بن المغيرة بن عبد الله بن عمرو بن مخزوم القرشيّ المخزوميّ، قال الحافظ ابن عبد البرّ: (ذكره بعضهم في المؤلّفة قلوبهم) ، ثم قال:
(وفيه نظر) .
(وسهيل) - بالتصغير- ابن عمرو بن عبد شمس بن عبد ودّ بن نضر بن مالك بن حسل بن عامر بن لؤي العامريّ، خطيب قريش (الأسد) أي: كالأسد في الشجاعة، فهو تشبيه بليغ، حذف منه الأداة، ووجه الشبه، أو هو الأسدّ، بتشديد
стр. 185
الدال؛ أي: قولا «١» ، والذي أسر سهيلا مالك بن الدّخشم، أخو بني سالم بن عوف، فقال في ذلك:
أسرت سهيلا فلا أبتغي ... أسيرا به من جميع الأمم
وخندف تعلم أنّ الفتى ... فتاها سهيل إذا يظّلم
ضربت بذي الشفر حتى انثنى ... وأكرهت نفسي على ذي العلم
стр. 186
ومكرز ركز في مركزه ... حتّى أتى فداؤه لعزّه
قال ابن إسحاق: (وكان سهيل رجلا أعلم «١» من شفته السفلى) .
(و) لما أسر سهيل.. قدم (مكرز) - بكسر الميم «٢» وفتح الراء- ابن حفص بن الأخيف- في فداء سهيل، فلمّا قاولهم فيه مكرز، وانتهى إلى رضاهم.. قالوا: هات الذي لنا، قال: اجعلوا رجلي مكان رجله، وخلوا سبيله حتى يبعث إليكم بفدائه، فخلوا سبيل سهيل، و (ركز) مكرز (في مركزه) بفتح الميم وإسكان الراء؛ أي: وضع مكرز نفسه في موضع سهيل في القيد (حتى أتى فداؤه) أي: فداء سهيل، وإنّما فعل ذلك مكرز بسهيل (لعزه) أي: سهيل عندهم.
قال في «روض النّهاة» : (ومكرز هذا هو العامري الذي بعثه أهل مكة يوم الحديبية إلى رسول الله ﷺ ، فلمّا رآه.. قال: «أتاكم رجل فاجر، فلم يغن شيئا» فبعثوا سهيلا، فلمّا رآه ﷺ .. قال: «سهّل الله لكم من أمركم» ، ولم نجد لمكرز إسلاما، ولا ذكرا في الصحابة، إلّا أنّ صاحب «نور النّبراس» ذكر: أنّ ابن حبّان ذكر له صحبة) .
قلت: وكذلك ذكر الحافظ ابن حجر في «الإصابة» عن
стр. 187
وابن أبيّ وأبو وداعه ... أوّل مفديّ من الرّباعة
ابن حبان: (أنّه ذكره في الصحابة) والله تعالى أعلم.
عبد الله بن أبيّ بن خلف، وأبو وداعة السهمي:
(و) من الأسرى عبد الله (ابن أبيّ) بن خلف بن حذافة القرشيّ الجمحيّ، أسلم عام الفتح، وقتل يوم الجمل، ﵁.
(و) منهم الحارث (أبو وداعة) ابن ضبيرة السّهمي، ولما أسر.. قال رسول الله ﷺ : «إنّ له بمكة ابنا كيّسا، تاجرا، ذا مال، وكأنّكم به قد جاء في طلب فداء أبيه» .
ولمّا قالت قريش: لا تعجلوا بفداء أسراكم، لا يأرب»
عليكم محمّد وأصحابه، قال المطّلب بن أبي وداعة- وهو الذي كان رسول الله ﷺ عنى-: صدقتم لا تعجلوا، وانسلّ من الليل، وقدم المدينة، وأخذ أباه بأربعة آلاف درهم، فانطلق به، فكان أول أسير فدي، كما قال:
(أوّل مفدي) وهو خبر مبتدأ مقدر، كما علم من التقرير، ويصح أن يكون خبر قوله: (وأبو وداعه) ، (من الرّباعه) بكسر الراء؛ أي: من أسارى بدر.
قال السّهيلي (أسلم هو وابنه المطّلب بن أبي وداعة يوم فتح مكّة) .
стр. 188
وخالد بن الأعلم الّذي افتخر ... فكان قبل كلّ هوهة عجر
ومن مشاهير الممات حنظله ... منبّه وصنوه وابنان له
خالد بن الأعلم الخزاعي:
(و) منهم: (خالد بن الأعلم) الخزاعيّ، ويقال:
العقيليّ، كما قال ابن هشام (الذي افتخر) يوم بدر بقوله:
ولسنا على الأعقاب تدمى كلومنا ... ولكن على أقدمنا تقطر الدّما
(فكان) خالد (قبل كل هوهة) بضم الهاء الأولى وفتح الثّانية بمعنى: جبان، يتعلق بقوله: (عجر) أي: ثنى عنقه، وفرّ سريعا قبل كل جبان، قتل يوم أحد كافرا، كما في «روض النّهاة» وغيره.
مشاهير من القتلى من مشركي قريش:
ثمّ لما فرغ من مشاهير الأسرى ببدر، وهم تسعة حسبما ذكر.. شرع في ذكر مشاهير القتلى من المشركين، فقال:
(ومن مشاهير الممات) بضم الميم من أمات يميت؛ أي: القتلى، والألف واللام للجنس، لا للاستغراق؛ لأنّه لم يستوعب مشاهيرهم (حنظلة) ابن أبي سفيان، قتله زيد بن حارثة مولى رسول الله ﷺ ، فيما ذكره ابن هشام واليعمري، وكذا (منبّه) بصيغة اسم الفاعل المضاعف وهو: ابن الحجاج بن عامر بن حذيفة، من بني سهم بن عمرو، قتله أبو اليسر أخو بني سلمة (و) كذا (صنوه) أي:
стр. 189
وهم نبيه حارث والعاصي ... أحد رهط غير ذي خلاص
من مكّة لكونه مستضعفا ... في زعمه ويوم بدر زحفا
مع قريش وتوفّت ظالمي ... أنفسهم ملائك الملاحم
شقيق منبّه (وابنان له) أي: لمنبّه، ثمّ بيّن أسماء الثلاثة على طريق اللف والنشر المرتب فقال:
(وهم) أي: صنوه وأبناء (نبيه) بالتصغير، ابن الحجاج، وأمه وأم منبه: أروى بنت عميلة، الذي قتله سيدنا حمزة بن عبد المطّلب وسعد بن أبي وقّاص، اشتركا فيه، فيما قاله ابن هشام. قال في «روض النّهاة» : (كان منبه ونبيه من المطعمين في الطريق إلى بدر) و (حارث) بن منبه بن الحجاج، قتله صهيب بن سنان.
المستضعفون بمكة في زعمهم الكاذب:
(والعاصي) بن منبه بن الحجاج، قتله علي بن أبي طالب، فيما قاله ابن هشام (أحد) بالرفع خبر مبتدأ مقدّر؛ أي: والعاصي المذكور أحد (رهط) بالتنوين: هو ما دون العشرة من الرجال، وما فيهم امرأة، كما في «القاموس» (غير ذي خلاص) أي: نجاة (من) أهل (مكة) بالتنوين للوزن (لكونه) أي: ذلك الأحد (مستضعفا في زعمه، و) الحال أنّه (يوم بدر زحفا، مع قريش) لقتال النّبيّ ﷺ .
وقوله: (وتوفّت ظالمي أنفسهم ملائك الملاحم) جمع
стр. 190
وهم عليّ بن أميّة الرّدي ... والحارث بن زمعة بن الأسود
ملحمة؛ أي: الحرب، يشير إلى قوله تعالى: إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ الْمَلائِكَةُ ظالِمِي أَنْفُسِهِمْ قالُوا فِيمَ كُنْتُمْ قالُوا كُنَّا مُسْتَضْعَفِينَ فِي الْأَرْضِ قالُوا أَلَمْ تَكُنْ أَرْضُ اللَّهِ واسِعَةً فَتُهاجِرُوا فِيها فَأُولئِكَ مَأْواهُمْ جَهَنَّمُ وَساءَتْ مَصِيراً. إِلَّا الْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجالِ وَالنِّساءِ وَالْوِلْدانِ لا يَسْتَطِيعُونَ حِيلَةً وَلا يَهْتَدُونَ سَبِيلًا. فَأُولئِكَ عَسَى اللَّهُ أَنْ يَعْفُوَ عَنْهُمْ وَكانَ اللَّهُ عَفُوًّا غَفُوراً.
قال الحافظ السيوطي: (نزلت في جماعة أسلموا، ولم يهاجروا، فقتلوا يوم بدر مع الكفار) اهـ
مقتل علي بن أميّة، وأميّة بن خلف:
ثمّ أراد إتمام عدّ المستضعفين في زعمهم، وهم أربعة سوى العاصي، فقال:
(وهم عليّ بن أميّة) بن خلف بن وهب بن حذافة بن جمح (الردي) أي: الهالك بالموت على الكفر، والعياذ بالله تعالى؛ فإنّه قتل يوم بدر مع أبيه كافرين.
قال ابن إسحاق: (حدّثني يحيى بن عباد وعبد الله بن أبي بكر وغيرهما، عن عبد الرّحمن بن عوف قال: كان أميّة بن خلف لي صديقا بمكة، وكان اسمي عبد عمرو، فتسميت حين أسلمت عبد الرّحمن، فكان يلقاني ونحن بمكة، فيقول: يا عبد عمرو؛ أرغبت عن اسم سمّاكه أبواك؟ فأقول: نعم، فيقول: فإنّي لا أعرف الرّحمن،
стр. 191
فاجعل بيني وبينك شيئا أدعوك به، أمّا أنت.. فلا تجيبني باسمك الأوّل، وأمّا أنا.. فلا أدعوك بما لا أعرف.
قال: وكان إذا دعاني: يا عبد عمرو.. لم أجبه، قال:
فقلت له: يا أبا عليّ؛ اجعل ما شئت، قال: فأنت عبد الإله، قال: فقلت: نعم، قال: فكنت إذا مررت به.. قال: يا عبد الإله، فأجيبه، فأتحدث معه، حتى إذا كان يوم بدر مررت به وهو واقف مع ابنه عليّ، وهو آخذ بيده، قال: ومعي أدراع لي قد استلبتها، فأنا أحملها، فلمّا رآني.. قال: يا عبد عمرو، فلم أجبه، فقال: يا عبد الإله، فقلت: نعم، قال: هل لك فيّ؟ فأنا خير لك من هذه الأدرع التي معك. قال: قلت: نعم، ها الله ذا، قال:
فطرحت الأدراع من يدي، وأخذت بيده وبيد ابنه، وهو يقول: ما رأيت كاليوم قط! أما لكم حاجة في اللبن؟ ثمّ خرجت أمشي بهما) .
قال ابن إسحاق: (حدّثني عبد الواحد بن أبي عون عن سعد بن إبراهيم، عن أبيه عن عبد الرّحمن بن عوف قال: قال لي أميّة بن خلف وأنا بينه وبين ابنه آخذا بأيديهما:
يا عبد الإله؛ من الرجل منكم المعلم بريشة نعامة في صدره؟
قال: قلت: حمزة، قال: ذاك الذي فعل بنا الأفاعيل، قال عبد الرّحمن: فوالله إنّي لأقودهما إذ رآه بلال معي، وكان هو الذي يعذّب بلالا بمكة على الإسلام، فلمّا رآه.. قال: رأس
стр. 192
الكفر أميّة بن خلف، لا نجوت إن نجا، قال: قلت: أي بلال؛ أبأسيري، قال: لا نجوت إن نجا، قال: ثمّ صرخ بأعلى صوته: يا أنصار الله؛ رأس الكفر أميّة بن خلف، لا نجوت إن نجا، فأحاطوا بنا، حتى جعلونا في مثل المسكة «١» ، فأنا أذبّ عنه قال: فأخلف رجل السيف، فضرب رجل ابنه فوقع، وصاح أميّة صيحة ما سمعت بمثلها قطّ، قال: قلت: انج بنفسك ولا نجاء به، فو الله ما أغني عنك شيئا، قال: فهبروهما بأسيافهم، حتى فرغوا منهما قال: فكان عبد الرّحمن يقول: يرحم الله بلالا، فجعني بأدراعي وبأسيريّ) .
وهكذا رواه البخاريّ في «صحيحه» قريبا من هذا السياق.
مقتل الحارث بن زمعة:
(والحارث بن زمعة بن الأسود) بن المطّلب بن أسد، وزمعة أبوه، ويكنى: أبا حكيمة، قتل هو وأخوه عقيل بن الأسود يومئذ، والأسود أحد المستهزئين، وأصابه في الدنيا ما أشار له العارف البوصيري بقوله:
فدهى الأسود بن مطّلب أيّ ... عمى ميّت به الأحياء
стр. 193
فإنّه دعا عليه رسول الله ﷺ : أن يعمي الله بصره، ويثكله ولده. فخرج الأسود يستقبل ولده زمعة، فبينا هو قاعد بظل شجرة جعل جبريل يضرب عينيه بورقة من ورقها، أو بشوكة منها، فاستغاث بغلامه فقال: لا أحد يصنع بك شيئا غير نفسك، فهلك من ذلك.
نواح الأسود بن المطّلب على بنيه:
قال ابن إسحاق: (حدّثني يحيى بن عبّاد بن عبد الله بن الزّبير، عن أبيه عبّاد قال: ناحت قريش على قتلاهم، ثمّ قالوا: لا تفعلوا، فيبلغ محمّدا وأصحابه، فيشمتوا بكم، ولا تبعثوا في أسراكم حتى تستأنوا بهم، لا يأرب عليكم محمّد وأصحابه في الفداء) .
قال ابن إسحاق: (وكان الأسود بن المطّلب قد أصيب له ثلاثة من ولده: زمعة بن الأسود، وعقيل بن الأسود، والحارث بن زمعة، وكان يحب أن يبكي على بنيه، فبينما هو كذلك إذ سمع نائحة من الليل، فقال لغلام له وقد ذهب بصره: انظر هل أحلّ النحب؟ هل بكت قريش على قتلاها؟
لعلّي أبكي على أبي حكيمة- يعني زمعة- فإنّ جوفي قد احترق، قال: فلمّا رجع إليه الغلام.. قال: إنّما هي امرأة تبكي على بعير لها أضلّته، فذاك حين يقول الأسود:
أتبكي أن يضلّ لها بعير ... ويمنعها من النوم السّهود
стр. 194
فلا تبكي على بكر ولكن ... على بدر تقاصرت الجدود
على بدر سراة بني هصيص ... ومخزوم ورهط أبي الوليد
وبكّي إذ بكيت على عقيل ... وبكّي حارثا أسد الأسود
وبكّيهم ولا تسمي جميعا ... وما لأبي حكيمة من نديد
ألا قد ساد بعدهم رجال ... ولولا يوم بدر لم يسودوا)
إسلام عمير بن وهب:
قال في «الإمتاع» : (وناحت قريش على قتلاها بمكّة شهرا، وجزّ النساء شعورهنّ، وجعل صفوان بن أميّة لعمير بن وهب إن قتل رسول الله ﷺ أن يتحمل بديته، ويقوم بعياله، وحمله على بعير، وجهّزه، فقدم عمير المدينة، ودخل المسجد متقلّدا سيفه يريد رسول الله ﷺ ، فأدخله عمر بن الخطّاب ﵁ على رسول الله ﷺ فقال:
«ما أقدمك يا عمير؟» قال: قدمت في أسير عندكم تقاربونا فيه، قال: «فما بال السيف؟» قال: قبحها الله من سيوف! وهل أغنت من شيء؟ إنّما أنسيته حين نزلت، وهو في
стр. 195
وابنان للفاكهي والوليد ... وأين هم من ابنه المجيد
رقبتي، فقال: «أصدق، ما أقدمك يا عمير؟» قال:
ما قدمت إلّا في أسيري، قال: «فما شرطت لصفوان في الحجر؟» ففزع عمير، فقال: ماذا شرطت؟! قال له:
«تحملت له بقتلي على أن يقضي دينك، ويعول عيالك، والله حائل بينك وبين ذلك» قال عمير: أشهد أنّك رسول الله، وإنّك صادق، وأسلم، فقال ﷺ : «علّموا أخاكم القرآن، وأطلقوا له أسيره» فعاد عمير إلى مكّة يدعو الناس إلى الإسلام، فأسلم بشر كثير) .
(وابنان) أحدهما (للفاكهي) وهو أبو قيس بن الفاكه بن المغيرة بن عبد الله بن عمرو بن مخزوم (و) الآخر ل (الوليد) وهو أبو قيس بن الوليد بن المغيرة بن عبد الله بن عمرو بن مخزوم.
فهؤلاء الخمسة قتلوا ببدر، ونزل فيهم من القرآن، كما ذكره ابن هشام: إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ الْمَلائِكَةُ ظالِمِي أَنْفُسِهِمْ قالُوا فِيمَ كُنْتُمْ قالُوا كُنَّا مُسْتَضْعَفِينَ فِي الْأَرْضِ قالُوا أَلَمْ تَكُنْ أَرْضُ اللَّهِ واسِعَةً فَتُهاجِرُوا فِيها فَأُولئِكَ مَأْواهُمْ جَهَنَّمُ وَساءَتْ مَصِيراً وذلك: أنّهم كانوا أسلموا ورسول الله ﷺ بمكّة، فلمّا هاجر رسول الله ﷺ .. حبسهم آباؤهم وعشائرهم بمكة، وفتنوهم فافتتنوا، ثم ساروا مع قومهم إلى بدر، فأصيبوا جميعا.
قال في «حاشية الجلالين» : (وهل ماتوا عصاة، أو
стр. 196
سميّه وأخوي فرعونا ... شقيق او للأمّ ذاقا الهونا
كفارا؟ خلاف؛ لأنّ الهجرة كانت ركنا أو شرطا، قال الله تعالى: وَالَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يُهاجِرُوا ما لَكُمْ مِنْ وَلايَتِهِمْ مِنْ شَيْءٍ حَتَّى يُهاجِرُوا وهذا كان قبل الفتح، ثم نسخ بعده، والقاتل لهؤلاء الملائكة؛ لعلمهم بأنّ الله لم يقبل منهم الإسلام؛ لفقد شرطه وهو الهجرة، مع قدرتهم عليها، وليس التخلّف من أجل صيانة المال، والعيال عذرا، والمتبادر من ذلك أنّهم ماتوا كفارا) .
المستضعفون بمكّة حقا ﵃:
(وأين هم) أي: هؤلاء الخمسة المستضعفون بالزعم الكاذب (من ابنه) أي: الوليد (المجيد سميّه) أي: الموافق له في الاسم، وهو الوليد بن الوليد بن المغيرة بن عبد الله بن عمرو بن مخزوم، المستضعف حقا، أخو خالد بن الوليد، حضر بدرا مع المشركين فأسر، فافتداه أخواه هشام وخالد، ولمّا أسلم.. حبسه أخواله، فكان النّبيّ ﷺ يدعو له في القنوت، كما ثبت في الصحيح، ثمّ أفلت من أسرهم، ولحق بالنّبيّ ﷺ في عمرة القضية.
قال الحافظ: ذكر الزّبير بن بكار عن محمّد بن الضحّاك، عن أبيه: لما هاجر الوليد بن الوليد.. قالت أمّه:
قد هاجر الوليد ربع الساقه ... فاشتر منها جملا وناقه
واسم بنفس نحوهم توّاقه
стр. 197
سلمة عيّاش المستضعفين ... قنت لاستنقاذهم طه الأمين
وفي شعرها إشعار بأنّها أسلمت.
(وأخوي) بالتّثنية مجرورا بالعطف على (ابن) أي:
وأين أولئك الذين توفتهم الملائكة ظالمي أنفسهم من ابن الوليد ومن أخوي (فرعون) أبي جهل شقيقه، وهو سلمة بن هشام، ولأمه وهو: عياش بن أبي ربيعة؟ وهذا مراده بقوله:
(شقيق أو للأم ذاقا) أي: الأخوان (الهونا) بضم الهاء:
الهوان من مشركي مكّة.
وقوله: (سلمة) و (عياش) يعود على قوله: (شقيق أو للأم) ، على سبيل اللف والنشر المرتب، ثم وصف الثلاثة الوليد وسلمة وعياشا بقوله: (المستضعفين) أي: حقا فلأجل ذلك (قنت لاستنقاذهم) أي: خلوصهم من أيدي المشركين (طه) ﵊ (الأمين) فكان يقول:
«اللهمّ؛ أنج الوليد بن الوليد، وسلمة بن هشام، وعياش بن أبي ربيعة.
وفي «صحيح البخاري» بسنده إلى أبي هريرة: بينا رسول الله ﷺ يصلّي العشاء إذ قال: «سمع الله لمن حمده» ثمّ قال قبل أن يسجد: «اللهمّ؛ أنج عياش بن أبي ربيعة، اللهمّ؛ أنج سلمة بن هشام، اللهمّ؛ أنج الوليد بن الوليد، اللهمّ؛ أنج المستضعفين من المؤمنين، اللهمّ؛ اشدد وطأتك على مضر، اللهمّ؛ اجعلها عليهم سنين كسني يوسف» .
стр. 198
أمّا الوليد.. فإنّه أفلت من أسرهم، ولحق بالنّبي ﷺ في عمرة القضية، ويقال: إنّه مشى على رجليه لما هرب وطلبوه، فلم يدركوه، ويقال: إنّه مات ببئر أبي عتبة على ميل من المدينة المنورة قبل أن يدخل المدينة، ذكر هذا في «الإصابة» .
وأمّا سلمة.. فقال ابن عبد البرّ: (ذكر الواقديّ: أنّه لما لحق بالنّبيّ ﷺ بالمدينة- وذلك بعد الخندق- قالت له أمّه ضباعة بنت عامر بن قرط بن سلمة بن بشير:
لا همّ ربّ الكعبة المحرّمه ... أظهر على كلّ عدوّ سلمه
له يدان في الأمور المبهمه ... كفّ بها يعطي، وكفّ منعمه
فلم يزل سلمة مع النّبيّ ﷺ .. إلى أن توفّي رسول الله ﷺ ، فخرج مع المسلمين إلى الشام حين بعث أبو بكر ﵁ الجيوش لقتال الروم، فقتل سلمة شهيدا بمرج الصّفّر، في المحرم، سنة أربع عشرة، وذلك في أوّل خلافة عمر ﵁ .
وأمّا عيّاش بن أبي ربيعة.. فقال في «روض النّهاة» :
(لمّا أفلت الوليد منهم.. دخل مكّة ليلا، فلم يزل يتجسّس الأخبار عن صاحبيه عياش وسلمة بن هشام.. حتى لقي امرأة تحمل طعاما، فقال: أين تريدين يا أمة الله؟ قالت: أريد
стр. 199
واستشهدت ستّ من المهاجرين ... عبيدة المذكور في المبارزين
هذين المعذّبين- تعني عياشا وسلمة- فتبعها حتى عرف مكانهما، فأخرجهما من الحبس، فكسر القيد) .
وذكر الحافظ أبو عمر عن ابن سعد: أنّ عيّاشا قتل يوم اليرموك.
تنبيه:
الأصح- كما يستفاد من «الإستيعاب» وغيره-: أنّ أم سلمة بن هشام، ضباعة بنت عامر بن قرط بن قيس، من بني عامر بن صعصعة القائلة:
اليوم يبدو بعضه أو كلّه ... وما بدا منه فلا أحلّه
.. لا أمّ أبي جهل أسماء بنت مخرمة.
فعليه: لا يكون سلمة شقيقا لفرعون الأمة أبي جهل، ويتأيد بما في بعض نسخ النظم الصحيحة، من قوله: (للأب أو للأم ذاقا الهونا) .
شهداء بدر من المهاجرين والأنصار:
ثمّ لما كان جملة من استشهد يوم بدر أربعة عشر رجلا..
أراد أن يبيّن عدد المهاجرين منهم، وعدد الأنصار ﵃ أجمعين فقال:
(واستشهدت ستّ من المهاجرين) الأول: (عبيدة) بن الحارث بن المطّلب (المذكور في) عدد الثلاث (المبارزين)
стр. 200
ثمّ عمير بن أبي وقّاص ... وابن البكير عاقل ألشّاصي
وذو الشّمالين ومهجع عمر ... صفوان بيضاء الّذي بها اشتهر
لثلاثة من قريش أبناء عمهم، ضربه عتبة بن ربيعة، فقطع رجله، فمات بالصفراء.
(ثمّ) الثّاني: (عمير) بالتصغير (بن أبي وقاص) بن أهيب بن عبد مناف بن زهرة، ذكر الواقديّ كما في «الروض» : (أنّ النّبيّ ﷺ كان قد ردّه في ذلك اليوم؛ لأنّه استصغره، فبكى عمير، فلمّا رأى النّبيّ ﷺ بكاءه.. أذن له في الخروج معه، فقتل وهو ابن ستّ عشرة سنة، قتله العاص بن سعيد) .
(و) الثّالث: (ابن البكير) بوزن الزّبير، واسمه:
(عاقل) والبكير: هو ابن عبد ياليل الليثي، حليف بني عديّ بن كعب، وكان عاقل من السابقين الأوّلين.
قال الحافظ: (شهد بدرا هو وإخوته إياس، وخالد، وعامر، واستشهد عاقل ببدر) قاله موسى بن عقبة، وابن إسحاق، وغيرهما.
وقوله: (الشاصي) أي: الميت، يقال: شصى الميت شصيّا: ارتفعت يداه ورجلاه.
(و) الرابع: (ذو الشمالين) عمير بن عبد عمرو بن نضلة الخزاعي، حليف بني زهرة، وهو غير ذي اليدين الخرباق بن عبد عمرو السّلمي، صاحب حديث: (أقصرت
стр. 201
واثنان للأوس ابن عبد المنذر ... مبشّر سعد ابن خيثم الجري
الصلاة؟) ؛ لأنّ ذا الشمالين استشهد ببدر، وحديث السهو حضره أبو هريرة، وإسلامه تأخر عن بدر بست سنين.
(و) الخامس: (مهجع) بوزن منبر مولى عمر بن الخطاب؛ فلذا أضافه إلى قوله: (عمر) .
قال ابن إسحاق: (وقد رمي مهجع مولى عمر بن الخطاب بسهم فقتل، فكان أول قتيل من المسلمين، ﵁ .
وقال السهيلي: (أول قتيل من المسلمين حارثة بن سراقة) .
والسادس: (صفوان بيضاء) بحذف حرف العطف (الذي بها) أي: بيضاء أمّه؛ أي: بالنسبة إليها، يتعلق بقوله: (اشتهر) فقيل: صفوان بن بيضاء؛ يعني: إنّما نسب لأمّه لذلك، لا لكونه لا يعرف له أب، وإلّا.. فأبوه كما في «الإستيعاب» - وهب بن ربيعة، وأخواه سهل وسهيل ابنا وهب، المعروفون ببني البيضاء، أمّا سهيل..
فهاجر الهجرة الأولى إلى الحبشة، وشهد بدرا مع صفوان، وأمّا سهل.. فتأخّر إسلامه عن بدر، واسم أمهم البيضاء دعد.
(واثنان) ممّن شهد بدرا منسوبان (للأوس) :
الأوّل: (ابن عبد المنذر) واسمه: (مبشر) من بني عمرو بن عوف.
стр. 202
وستّة الخزرج هم يزيد ... عوف معوّذ أخوه الصّيد
والثاني: (سعد بن خيثم) «١» بوزن جعفر، من بني عمرو بن عوف أيضا، وحذفت التاء من خيثم للضرورة (الجري) الشجاع، تتميم حذفت منه الهمزة للوزن.
(وستة الخزرج هم يزيد) بن الحارث بن قيس بن مالك بن أحمر بن حارثة بن ثعلبة بن كعب بن الحارث بن الخزرج، قتله طعيمة بن عدي، والثّاني منهم: (عوف) .
والثّالث: (معوذ) بفتح الواو المشددة (أخوه) لأنّهما ابنا الحارث بن رفاعة بن الحارث بن سواد بن مالك بن غنم بن مالك بن النجار، وأخوه معاذ أيضا، قال أبو عمر: (وسمى بعضهم عوفا عوذا بالذال، وعوف أكثر) كذا قال، وذكر في «الإصابة» عن ابن إسحاق: (حدّثني عاصم بن عمر بن قتادة، قال: لمّا التقى الناس يوم بدر، قال عوف بن عفراء:
يا رسول الله؛ ما يضحك الربّ من عبده؟ قال: «أن يراه قد غمس يده في العدوّ حاسرا» فنزع عوف درعه، وتقدم فقاتل، حتى قتل شهيدا، ﵁ .
وقوله: (الصّيد) جمع أصيد: وهو اسم من أسماء السبع، شبههم به لشجاعتهم.
стр. 203
حارثة وابن المعلّى رافع ... ثمّ عمير بن الحمام النّازع
والرابع: (حارثة) بن سراقة بن الحارث بن عديّ بن مالك بن عامر بن غنم بن عديّ بن النجار. قال في «الإستيعاب» : (رماه حبان بن العرقة بسهم، وهو يشرب من الحوض، وكان خرج نظارا، فأصاب حنجرته فمات وجاءت أمه الرّبيع- بالتصغير- بنت النضر، عمة أنس بن مالك فقالت: يا رسول الله؛ قد علمت موضع حارثة مني، فإن يكن في الجنة.. أصبر، وأحتسب، وإن يكن غير ذلك..
فسترى ما أصنع، فقال: «أو جنّة واحدة هي؟! إنّما هي جنات، وإنّ ابنك فيها لفي الفردوس» ) .
قال الناظم في «عمود النسب» :
حارثة البرّ «١» رأى جبريلا ... مع النبيّ ووعى ترتيلا
стр. 204
في جنة الخلد له النبيّ ... وهكذا سميّه الأبيّ
حارثة القتيل بعد مهجع ... وأمّه عليه ذات جزع
(و) الخامس: (ابن المعلّى) بن لوذان بن حارثة بن عديّ بن زيد بن ثعلبة بن زيد مناة بن حبيب بن عبد بن حارثة بن مالك بن عضب بن جشم بن الخزرج، واسمه:
(رافع) قتله عكرمة.
(ثمّ) السادس: (عمير) بالتصغير (بن الحمام) بوزن غراب، كما في «الإصابة» وبوزن سحاب كما في «روض النهاة» والميم مخففة على كل، وهو ابن الجموح بن زيد بن حرام بن كعب بن غنم بن كعب بن سلمة الأنصاريّ، السلمي، قتله خالد بن الأعلم.
قال ابن إسحاق: (قال رسول الله ﷺ :
«والذي نفسي بيده، لا يقاتلهم اليوم رجل فيقتل صابرا، محتسبا، مقبلا غير مدبر.. إلّا أدخله الله الجنة» فقال عمير أخو بني سلمة وفي يده تمرات يأكلهنّ: بخ بخ، فما بيني وبين أن أدخل الجنة إلّا أن يقتلني هؤلاء، فقذف التمر من يده، وأخذ سيفه، فقاتل حتى قتل وهو يقول:
ركضا إلى الله بغير زاد ... إلّا التّقى وعمل المعاد
والصبر في الله على الجهاد»
стр. 205
لربّه وهو يقول أفما ... بيني وبين جنّة إلّا الحما
وإلى هذا أشار بقوله: (النازع) أي: المشتاق (لربه) (وهو يقول: أفما بيني وبين جنة إلّا الحما) بكسر الحاء؛ أي: الموت.
تنبيه:
في حديث «الصحيحين» : أنّ هذه القصة كانت أيضا يوم أحد، لكن لم يسمّ فيها عمير ولا غيره، فالله أعلم، كذا في «الروض» للسهيلي، قال في «الفتح» : (الذي يظهر أنّهما قصتان وقعتا لرجلين) والله أعلم.
تكملة:
علم ممّا تقدم: أنّ عدد الشهداء البدريّين أربعة عشر، واقتصر الناظم عليهم، ولم يذكر أسماء من حضر بدرا، غير من استشهد فيها، وقد استوفى ذلك كلّه اليعمريّ في «العيون» ومن قبله ابن إسحاق، وسرد أسماء من شهدها من المهاجرين، ثمّ من الأنصار ثمّ قال: فجميع من شهد بدرا من المهاجرين والأنصار من شهدها، ومن ضرب له بسهمه وأجره ثلاث مئة رجل وأربعة عشر رجلا، من المهاجرين ثلاثة وثمانون، ومن الأوس أحد وستون، ومن الخزرج مئة وسبعون رجلا، وقد سردهم الحافظ ابن كثير في «البداية» مبتدأ بسيدهم وسيد ولد آدم سيدنا محمّد ﷺ مرتبا على حروف المعجم فانظره.
стр. 206
التبشير بنصر الله للمؤمنين وهزيمة المشركين:
ولما فرغ المسلمون من بدر.. قدم زيد بن حارثة، وعبد الله بن رواحة ﵄ إلى المدينة مبشّرين بسلامة رسول الله ﷺ ، ونصره، وهزيمة المشركين، فتلقى الناس بالروحاء «١» رسول الله ﷺ مهنّئين له بالفتح والنصر، فدخلها منصورا، مؤيّدا، مظفرا، أعلى الله كلمته، ومكّن له، وذلك من ثنيّة الوداع يوم الأربعاء، الثّاني والعشرين من رمضان، وتلقاه الولائد بالدفوف ينشدن:
طلع البدر علينا ... من ثنيّات الوداع
وجب الشكر علينا ... ما دعا لله داع
وتهيّأ لسيدنا عمير بن عدي الأنصاري الخطمي أن يفي بنذره فقد ذكر المقريزي في «إمتاع الأسماع» : (إنّ عصماء بنت مروان كانت تؤذي رسول الله ﷺ ، وتحرض على النّبيّ ﷺ ، فنذر عمير بن عدي: لئن ردّ الله رسول الله ﷺ من بدر إلى المدينة.. ليقتلنّها، فلمّا رجع رسول الله ﷺ
стр. 207
من بدر إلى المدينة جاءها عمير ليلا حتى دخل عليها بيتها، وحولها نفر من ولدها نيام منهم من ترضعه في صدرها، فجسّها بيده، وكان ضرير البصر، ونحّى الصبي عنها ووضع سيفه على صدرها حتى أنفذه من ظهرها، وأتى وصلّى الصبح مع النّبيّ ﷺ ، فلمّا انصرف.. نظر إليه وقال: «أقتلت ابنة مروان؟» قال: نعم يا رسول الله، قال:
«نصرت الله ورسوله يا عمير» فقال: هل عليّ شيء من شأنها يا رسول الله؟ فقال: «لا ينتطح فيها عنزان «١» » فكانت هذه الكلمة أول ما سمعت من رسول الله ﷺ ، وقال لأصحابه: «إذا أحببتم أن تنظروا إلى رجل نصر الله ورسوله بالغيب.. فانظروا إلى عمير بن عدي» فقال عمر بن الخطاب ﵁: انظروا إلى هذا الأعمى الذي تشرّى «٢» في طاعة الله تعالى، فقال رسول الله ﷺ :
«لا تقل الأعمى، ولكنه البصير» فلمّا رجع عمير.. وجد بنيها في جماعة يدفنونها، فقالوا: يا عمير؛ أنت قتلتها؟
قال: نعم، فكيدوني جميعا ثمّ لا تنظرون، فوالّذي نفسي بيده؛ لو قلتم بأجمعكم ما قالت.. لضربتكم بسيفي هذا حتى أموت أو أقتلكم، فيومئذ ظهر الإسلام في بني خطمة) .
стр. 208
فلسليم فلقينقاع ... المتصدّين إلى القراع
(٦) غزوة بني سليم
(ف) بعد أن انتهى ﷺ والصحب الكرام من بدر بسبع ليال، كما جزم به ابن إسحاق.. خرج (لسليم) بضم المهملة، وفتح اللام، في مئتي رجل؛ لما بلغه ﷺ : أنّ جمعا من بني سليم وغطفان، بماء يقال له:
(الكدر) بضم الكاف وسكون المهملة، فأقام عليه- ﵊ ثلاثا، فلم يلق كيدا، وكانت غيبته ﷺ خمس عشرة ليلة، واستخلف على المدينة سباع بن عرفطة، وحمل اللّواء علي بن أبي طالب.
تنبيه:
جعل الناظم غزوة بني سليم غير غزوة قرقرة الكدر؛ لما سيأتي فهما غزوتان، تبعا لأصله «العيون» وجعلهما صاحب «المواهب» غزوة واحدة، وتبعه تلميذه الشامي.
(٧) غزوة بني قينقاع
(ف) - بعدها خرج ﷺ يوم السبت في نصف شوال على رأس عشرين شهرا من الهجرة (ل) قتال بني (قينقاع) بفتح القافين وسكون التحتية وتثليث النون، والضم أشهر: بطن من يهود المدينة، وهم رهط سيدنا عبد الله بن
стр. 209
هم كشفوا إزارها عن مسلمه ... فهاج حرب بينهم والمسلمه
سلام ﵁، قال السمهودي في «الوفاء» : (منازلهم عند جسر بطحان ممّا يلي العالية، ولهم شجاعة) ولذا وصفهم بقوله: (المتصدّين) أي: المتعرضين (إلى القراع) بكسر القاف؛ أي: المقارعة والمضاربة.
قال في «القاموس» : (قرع رأسه بالعصا: ضربه) .
سبب هذه الغزوة:
وسبب ذلك: نقضهم العهد الذي كان بينهم وبين رسول الله ﷺ ؛ فقد روى ابن هشام: (أنّ امرأة من العرب قدمت بجلب لها من إبل، وغنم، وغيرهما فباعته بسوق بني قينقاع، وجلست إلى صائغ يهوديّ بها، فجعلوا يريدونها على كشف وجهها، فأبت، فعمد الصائغ إلى طرف ثوبها، فعقده إلى ظهرها، فلمّا قامت.. انكشفت سوءتها، فضحكوا بها، فصاحت، فوثب رجل من المسلمين على الصائغ فقتله، وكان يهوديا، فشدّت اليهود على المسلم فقتلوه، فاستصرخ أهل المسلم على اليهود، فغضب المسلمون، فوقع الشرّ بينهم وبين بني قينقاع) .
وهذا هو مراد الناظم بقوله: (هم) أي: يهود بني قينقاع (كشفوا إزارها) أي: المسلمة، فالضمير يعود على المجرور في قوله: (عن) امرأة (مسلمة) المتعلّق مع جاره بقوله:
(كشفوا) .
стр. 210
(فهاج حرب بينهم) أي: اليهود (و) بين (المسلمة) أي: المسلمين، وعند ذلك قال ﷺ «ما على هذا أقررناهم» .
براءة عبادة بن الصامت من حلفهم:
وتبرّأ عبادة بن الصامت من حلفهم، وكان أحد بني عمرو بن عوف لهم من حلفه، مثل الذي لهم من عبد الله بن أبيّ، فخلفهم إلى رسول الله ﷺ وقال: يا رسول الله؛ أتولّى الله ورسوله، وأبرأ من حلف هؤلاء الكفار، وتشبّث به عبد الله بن أبيّ ابن سلول، وقام دونهم، وفيه نزلت: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا الْيَهُودَ وَالنَّصارى أَوْلِياءَ بَعْضُهُمْ أَوْلِياءُ بَعْضٍ وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ إِنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ* فَتَرَى الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ يُسارِعُونَ فِيهِمْ يَقُولُونَ نَخْشى أَنْ تُصِيبَنا دائِرَةٌ فَعَسَى اللَّهُ أَنْ يَأْتِيَ بِالْفَتْحِ أَوْ أَمْرٍ مِنْ عِنْدِهِ فَيُصْبِحُوا عَلى ما أَسَرُّوا فِي أَنْفُسِهِمْ نادِمِينَ إلى فَإِنَّ حِزْبَ اللَّهِ هُمُ الْغالِبُونَ.
فجمعهم ﷺ ، وقال لهم: «يا معشر يهود؛ احذروا من الله مثل ما أنزل بقريش من النقمة- أي:
ببدر- وأسلموا؛ فإنّكم قد عرفتم أنّي نبيّ مرسل، تجدون ذلك في كتابكم، وعهد الله تعالى إليكم» قالوا: يا محمّد؛ إنّك ترى أنا مثل قومك، ولا يغرّنّك أنّك لقيت قوما لا علم لهم بالحرب، فأصبت منهم فرصة، إنّا والله لو حاربناك لتعلمنّ أنا نحن الناس.
стр. 211
فتحصنوا في حصونهم، فسار إليهم رسول الله ﷺ ولواءه بيد عمه حمزة ﵁، واستخلف على المدينة أبا لبابة، وحاصرهم خمس عشرة ليلة أشد الحصار، وكانوا أربع مئة حاسر، وثلاث مئة دارع «١» ، حتى نزلوا على حكمه.
قال ابن إسحاق: (فقام عبد الله بن أبيّ ابن سلول حين أمكن الله رسوله منهم، فقال: يا محمّد؛ أحسن في مواليّ وكانوا حلفاء الخزرج- فأبطأ عليه رسول الله ﷺ ، فقال: يا محمّد؛ أحسن في مواليّ فأعرض عنه، فأدخل يده في جيب درع رسول الله ﷺ ، فقال له رسول الله ﷺ : «أرسلني» وغضب رسول الله ﷺ ، حتى رأوا لوجهه ظلالا «٢» ، قال: «ويحك! أرسلني» قال: لا والله لا أرسلك حتى تحسن في مواليّ أربع مئة حاسر وثلاث مئة دارع قد منعوني من الأحمر والأسود، تحصدهم في غداة واحدة، إنّي والله امرؤ أخشى الدوائر، فقال رسول الله ﷺ : «هم لك» ) .
стр. 212
لو آمنت من اليهود كلّها ... زهاء عشرة اهتدوا لأجلها
إصرار اليهود على الكفر، وعداوة المسلمين:
(لو آمنت) برسول الله، وبما جاء به من عند الله (من اليهود كلّها) بالمدينة (زهاء) بضم الزاي؛ أي: قدر (عشرة) بسكون الشّين للوزن؛ أي: من رؤسائهم، أو من أحبارهم، كما قاله الإمام النووي في «شرحه صحيح مسلم» ، وإلّا.. فإنّه آمن من اليهود أكثر من هذا العدد على عهده ﵊ (اهتدوا) أي: اهتدى كل اليهود إلى الدخول في دين الله (لأجلها) أي: العشرة المذكورين.
يشير الناظم بهذا إلى ما رواه الشيخان- واللفظ للبخاري- عن أبي هريرة مرفوعا: «لو آمن بي عشرة من اليهود.. لآمن بي اليهود» .
قال الحافظ ابن حجر في «فتح الباري» نقلا عمّا أخرجه ابن سعد في «شرف المصطفى» : (قال كعب: هم الذين سمّاهم الله في سورة المائدة، فعلى هذا فالمراد عشرة مختصة، وإلّا.. فقد آمن به أكثر من عشرة، ثمّ قال: والّذي يظهر أنّهم الذين كانوا حينئذ رؤساء في اليهود، ومن عداهم كان تبعا لهم، فلم يسلم منهم إلّا القليل، كعبد الله بن سلام ﵁.
وكان من المشهورين بالرياسة في اليهود عند قدوم النّبيّ ﷺ المدينة من بني النضير: أبو ياسر بن أخطب، وأخوه حييّ بن أخطب، وكعب بن الأشرف، ورافع بن أبي الحقيق.
стр. 213
ومن بني قينقاع: عبد الله بن حنيف، وفنحاص، ورفاعة بن زيد.
ومن بني قريظة: الزّبير بن باطا، وكعب بن أسد، وشمويل بن زيد، فهؤلاء لم يثبت إسلام أحد منهم، وكان كل واحد منهم رئيسا في اليهود، ولو أسلم.. لاتّبعه جماعة منهم، فيحتمل أن يكونوا المراد.
وقد روى أبو نعيم في «الدلائل» من وجه آخر الحديث بلفظ: «لو آمن بي الزّبير بن باطا، وذووه من رؤساء يهود..
لأسلموا كلهم» اهـ منه
ثمّ قال: وأخرج يحيى بن سلام في «تفسيره» من وجه آخر عن محمّد بن سيرين، عن أبي هريرة هذا الحديث فقال:
(قال كعب: إنّما الحديث اثنا عشر؛ لقول الله تعالى:
وَبَعَثْنا مِنْهُمُ اثْنَيْ عَشَرَ نَقِيباً، فسكت أبو هريرة، قال ابن سيرين: أبو هريرة عندنا أولى من كعب، قال يحيى بن سلام: وكعب أيضا صدوق؛ لأنّ المعنى عشرة بعد الاثنين، وهما عبد الله بن سلام، ومخيريق كذا قاله) اهـ
فساد طبيعة اليهود، وإفسادهم، ووعيد الله لهم:
والحاصل:
أنّ رسول الله ﵊ أفادنا بذلك اليأس من إيمان اليهود كلهم، وأنّه لم يبلغ من آمن منهم؛ أي: من
стр. 214
عادوا للافساد فعاد الله ... وقينقاع العمّه العزاه
رؤسائهم مبلغ العشرة، وقد عرف من عادة اليهود في معاملتهم المكر، ونقض العهد، والإصرار على العناد والباطل، وتحريف ما أنزل الله على أنبيائهم ورسلهم، وتكذيب الأنبياء صلى الله عليهم وسلم، وقتلهم بغير حق، والإفساد في الأرض، كما قال الناظم:
(عادوا للافساد) بمقتضى اتصافهم بهذه الصفات الذميمة فأصرّوا على الكفر، وإظهار آثاره؛ فلذلك: عاملهم الله تعالى بالمثل، بمقتضى العدل، كما قال الناظم:
(فعاد الله) مشيرا إلى قوله تعالى في (سورة الإسراء) :
وَقَضَيْنا إِلى بَنِي إِسْرائِيلَ فِي الْكِتابِ لَتُفْسِدُنَّ فِي الْأَرْضِ مَرَّتَيْنِ وَلَتَعْلُنَّ عُلُوًّا كَبِيراً. فَإِذا جاءَ وَعْدُ أُولاهُما بَعَثْنا عَلَيْكُمْ عِباداً لَنا أُولِي بَأْسٍ شَدِيدٍ فَجاسُوا خِلالَ الدِّيارِ وَكانَ وَعْداً مَفْعُولًا. ثُمَّ رَدَدْنا لَكُمُ الْكَرَّةَ عَلَيْهِمْ وَأَمْدَدْناكُمْ بِأَمْوالٍ وَبَنِينَ وَجَعَلْناكُمْ أَكْثَرَ نَفِيراً. إِنْ أَحْسَنْتُمْ أَحْسَنْتُمْ لِأَنْفُسِكُمْ وَإِنْ أَسَأْتُمْ فَلَها فَإِذا جاءَ وَعْدُ الْآخِرَةِ لِيَسُوؤُا وُجُوهَكُمْ وَلِيَدْخُلُوا الْمَسْجِدَ كَما دَخَلُوهُ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَلِيُتَبِّرُوا ما عَلَوْا تَتْبِيراً. عَسى رَبُّكُمْ أَنْ يَرْحَمَكُمْ وَإِنْ عُدْتُمْ عُدْنا وَجَعَلْنا جَهَنَّمَ لِلْكافِرِينَ حَصِيراً.
قال الحافظ عماد الدين إسماعيل بن كثير في تفسير هذه الآيات: (يخبر تعالى: أنّه قضى إلى بني إسرائيل في الكتاب؛ أي: تقدم إليهم، وأخبرهم في الكتاب الذي أنزله عليهم، أنّهم سيفسدون في الأرض مرتين، ويعلون علوّا
стр. 215
كبيرا؛ أي: يتجبّرون ويطغون ويفجرون على الناس.
وقوله: فَإِذا جاءَ وَعْدُ أُولاهُما أي: أولى الإفسادتين بَعَثْنا عَلَيْكُمْ عِباداً لَنا أُولِي بَأْسٍ شَدِيدٍ أي: سلّطنا عليكم جندا من خلقنا اولي بأس شديد؛ أي: قوة وعدّة، وسلطة شديدة، فَجاسُوا خِلالَ الدِّيارِ أي: تملّكوا بلادكم، وسلكوا خلال بيوتكم؛ أي: بينها ووسطها، وانصرفوا ذاهبين وجائين، لا يخافون أحدا، وكان وعدا مفعولا.
واختلفوا في هؤلاء المسلّطين عليهم: فقيل: جالوت وجنوده، سلّط عليهم أولا، ثمّ اديلوا عليه بعد ذلك، وقتل داود جالوت؛ ولهذا قال: ثُمَّ رَدَدْنا لَكُمُ الْكَرَّةَ عَلَيْهِمْ وقيل: سنحاريب وجنوده، وقيل: بختنصّر ملك بابل، ثم قال: إِنْ أَحْسَنْتُمْ أَحْسَنْتُمْ لِأَنْفُسِكُمْ وَإِنْ أَسَأْتُمْ فَلَها أي:
فعليها، كما قال تعالى: مَنْ عَمِلَ صالِحاً فَلِنَفْسِهِ وَمَنْ أَساءَ فَعَلَيْها وقوله: فَإِذا جاءَ وَعْدُ الْآخِرَةِ أي: الكرّة الآخرة؛ أي: إذا أفسدتم الكرّة الثّانية، وجاء أعداؤكم لِيَسُوؤُا وُجُوهَكُمْ أي يهينوكم، ويقهروكم، وَلِيَدْخُلُوا الْمَسْجِدَ أي: بيت المقدس كَما دَخَلُوهُ أَوَّلَ مَرَّةٍ أي: في التي جاسوا فيها خلال الديار وَلِيُتَبِّرُوا أي: يدمّروا ويخرّبوا ما عَلَوْا أي ما ظهروا عليه تَتْبِيراً* عَسى رَبُّكُمْ أَنْ يَرْحَمَكُمْ فيصرفهم عنكم وَإِنْ عُدْتُمْ عُدْنا أي: متى عدتم إلى الإفساد عدنا إلى الإدالة عليكم في الدنيا، مع ما ندّخره لكم في الآخرة