فتحصنوا في حصونهم، فسار إليهم رسول الله ﷺ ولواءه بيد عمه حمزة ﵁، واستخلف على المدينة أبا لبابة، وحاصرهم خمس عشرة ليلة أشد الحصار، وكانوا أربع مئة حاسر، وثلاث مئة دارع «١» ، حتى نزلوا على حكمه.
قال ابن إسحاق: (فقام عبد الله بن أبيّ ابن سلول حين أمكن الله رسوله منهم، فقال: يا محمّد؛ أحسن في مواليّ وكانوا حلفاء الخزرج- فأبطأ عليه رسول الله ﷺ ، فقال: يا محمّد؛ أحسن في مواليّ فأعرض عنه، فأدخل يده في جيب درع رسول الله ﷺ ، فقال له رسول الله ﷺ : «أرسلني» وغضب رسول الله ﷺ ، حتى رأوا لوجهه ظلالا «٢» ، قال: «ويحك! أرسلني» قال: لا والله لا أرسلك حتى تحسن في مواليّ أربع مئة حاسر وثلاث مئة دارع قد منعوني من الأحمر والأسود، تحصدهم في غداة واحدة، إنّي والله امرؤ أخشى الدوائر، فقال رسول الله ﷺ : «هم لك» ) .
стр. 212
لو آمنت من اليهود كلّها ... زهاء عشرة اهتدوا لأجلها
إصرار اليهود على الكفر، وعداوة المسلمين:
(لو آمنت) برسول الله، وبما جاء به من عند الله (من اليهود كلّها) بالمدينة (زهاء) بضم الزاي؛ أي: قدر (عشرة) بسكون الشّين للوزن؛ أي: من رؤسائهم، أو من أحبارهم، كما قاله الإمام النووي في «شرحه صحيح مسلم» ، وإلّا.. فإنّه آمن من اليهود أكثر من هذا العدد على عهده ﵊ (اهتدوا) أي: اهتدى كل اليهود إلى الدخول في دين الله (لأجلها) أي: العشرة المذكورين.
يشير الناظم بهذا إلى ما رواه الشيخان- واللفظ للبخاري- عن أبي هريرة مرفوعا: «لو آمن بي عشرة من اليهود.. لآمن بي اليهود» .
قال الحافظ ابن حجر في «فتح الباري» نقلا عمّا أخرجه ابن سعد في «شرف المصطفى» : (قال كعب: هم الذين سمّاهم الله في سورة المائدة، فعلى هذا فالمراد عشرة مختصة، وإلّا.. فقد آمن به أكثر من عشرة، ثمّ قال: والّذي يظهر أنّهم الذين كانوا حينئذ رؤساء في اليهود، ومن عداهم كان تبعا لهم، فلم يسلم منهم إلّا القليل، كعبد الله بن سلام ﵁.
وكان من المشهورين بالرياسة في اليهود عند قدوم النّبيّ ﷺ المدينة من بني النضير: أبو ياسر بن أخطب، وأخوه حييّ بن أخطب، وكعب بن الأشرف، ورافع بن أبي الحقيق.
стр. 213
ومن بني قينقاع: عبد الله بن حنيف، وفنحاص، ورفاعة بن زيد.
ومن بني قريظة: الزّبير بن باطا، وكعب بن أسد، وشمويل بن زيد، فهؤلاء لم يثبت إسلام أحد منهم، وكان كل واحد منهم رئيسا في اليهود، ولو أسلم.. لاتّبعه جماعة منهم، فيحتمل أن يكونوا المراد.
وقد روى أبو نعيم في «الدلائل» من وجه آخر الحديث بلفظ: «لو آمن بي الزّبير بن باطا، وذووه من رؤساء يهود..
لأسلموا كلهم» اهـ منه
ثمّ قال: وأخرج يحيى بن سلام في «تفسيره» من وجه آخر عن محمّد بن سيرين، عن أبي هريرة هذا الحديث فقال:
(قال كعب: إنّما الحديث اثنا عشر؛ لقول الله تعالى:
وَبَعَثْنا مِنْهُمُ اثْنَيْ عَشَرَ نَقِيباً، فسكت أبو هريرة، قال ابن سيرين: أبو هريرة عندنا أولى من كعب، قال يحيى بن سلام: وكعب أيضا صدوق؛ لأنّ المعنى عشرة بعد الاثنين، وهما عبد الله بن سلام، ومخيريق كذا قاله) اهـ
فساد طبيعة اليهود، وإفسادهم، ووعيد الله لهم:
والحاصل:
أنّ رسول الله ﵊ أفادنا بذلك اليأس من إيمان اليهود كلهم، وأنّه لم يبلغ من آمن منهم؛ أي: من
стр. 214
عادوا للافساد فعاد الله ... وقينقاع العمّه العزاه
رؤسائهم مبلغ العشرة، وقد عرف من عادة اليهود في معاملتهم المكر، ونقض العهد، والإصرار على العناد والباطل، وتحريف ما أنزل الله على أنبيائهم ورسلهم، وتكذيب الأنبياء صلى الله عليهم وسلم، وقتلهم بغير حق، والإفساد في الأرض، كما قال الناظم:
(عادوا للافساد) بمقتضى اتصافهم بهذه الصفات الذميمة فأصرّوا على الكفر، وإظهار آثاره؛ فلذلك: عاملهم الله تعالى بالمثل، بمقتضى العدل، كما قال الناظم:
(فعاد الله) مشيرا إلى قوله تعالى في (سورة الإسراء) :
وَقَضَيْنا إِلى بَنِي إِسْرائِيلَ فِي الْكِتابِ لَتُفْسِدُنَّ فِي الْأَرْضِ مَرَّتَيْنِ وَلَتَعْلُنَّ عُلُوًّا كَبِيراً. فَإِذا جاءَ وَعْدُ أُولاهُما بَعَثْنا عَلَيْكُمْ عِباداً لَنا أُولِي بَأْسٍ شَدِيدٍ فَجاسُوا خِلالَ الدِّيارِ وَكانَ وَعْداً مَفْعُولًا. ثُمَّ رَدَدْنا لَكُمُ الْكَرَّةَ عَلَيْهِمْ وَأَمْدَدْناكُمْ بِأَمْوالٍ وَبَنِينَ وَجَعَلْناكُمْ أَكْثَرَ نَفِيراً. إِنْ أَحْسَنْتُمْ أَحْسَنْتُمْ لِأَنْفُسِكُمْ وَإِنْ أَسَأْتُمْ فَلَها فَإِذا جاءَ وَعْدُ الْآخِرَةِ لِيَسُوؤُا وُجُوهَكُمْ وَلِيَدْخُلُوا الْمَسْجِدَ كَما دَخَلُوهُ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَلِيُتَبِّرُوا ما عَلَوْا تَتْبِيراً. عَسى رَبُّكُمْ أَنْ يَرْحَمَكُمْ وَإِنْ عُدْتُمْ عُدْنا وَجَعَلْنا جَهَنَّمَ لِلْكافِرِينَ حَصِيراً.
قال الحافظ عماد الدين إسماعيل بن كثير في تفسير هذه الآيات: (يخبر تعالى: أنّه قضى إلى بني إسرائيل في الكتاب؛ أي: تقدم إليهم، وأخبرهم في الكتاب الذي أنزله عليهم، أنّهم سيفسدون في الأرض مرتين، ويعلون علوّا
стр. 215
كبيرا؛ أي: يتجبّرون ويطغون ويفجرون على الناس.
وقوله: فَإِذا جاءَ وَعْدُ أُولاهُما أي: أولى الإفسادتين بَعَثْنا عَلَيْكُمْ عِباداً لَنا أُولِي بَأْسٍ شَدِيدٍ أي: سلّطنا عليكم جندا من خلقنا اولي بأس شديد؛ أي: قوة وعدّة، وسلطة شديدة، فَجاسُوا خِلالَ الدِّيارِ أي: تملّكوا بلادكم، وسلكوا خلال بيوتكم؛ أي: بينها ووسطها، وانصرفوا ذاهبين وجائين، لا يخافون أحدا، وكان وعدا مفعولا.
واختلفوا في هؤلاء المسلّطين عليهم: فقيل: جالوت وجنوده، سلّط عليهم أولا، ثمّ اديلوا عليه بعد ذلك، وقتل داود جالوت؛ ولهذا قال: ثُمَّ رَدَدْنا لَكُمُ الْكَرَّةَ عَلَيْهِمْ وقيل: سنحاريب وجنوده، وقيل: بختنصّر ملك بابل، ثم قال: إِنْ أَحْسَنْتُمْ أَحْسَنْتُمْ لِأَنْفُسِكُمْ وَإِنْ أَسَأْتُمْ فَلَها أي:
فعليها، كما قال تعالى: مَنْ عَمِلَ صالِحاً فَلِنَفْسِهِ وَمَنْ أَساءَ فَعَلَيْها وقوله: فَإِذا جاءَ وَعْدُ الْآخِرَةِ أي: الكرّة الآخرة؛ أي: إذا أفسدتم الكرّة الثّانية، وجاء أعداؤكم لِيَسُوؤُا وُجُوهَكُمْ أي يهينوكم، ويقهروكم، وَلِيَدْخُلُوا الْمَسْجِدَ أي: بيت المقدس كَما دَخَلُوهُ أَوَّلَ مَرَّةٍ أي: في التي جاسوا فيها خلال الديار وَلِيُتَبِّرُوا أي: يدمّروا ويخرّبوا ما عَلَوْا أي ما ظهروا عليه تَتْبِيراً* عَسى رَبُّكُمْ أَنْ يَرْحَمَكُمْ فيصرفهم عنكم وَإِنْ عُدْتُمْ عُدْنا أي: متى عدتم إلى الإفساد عدنا إلى الإدالة عليكم في الدنيا، مع ما ندّخره لكم في الآخرة
стр. 216
أوّل من غدر من يهودا ... وابن أبيّ سأل القرودا
من العذاب والنكال؛ ولهذا قال: وَجَعَلْنا جَهَنَّمَ لِلْكافِرِينَ حَصِيراً أي: مستقرّا، محصرا، وسجنا لا محيد لهم عنه.
قال قتادة: قد عاد بنو إسرائيل، فسلّط الله عليهم هذا الحيّ، محمّدا ﷺ وأصحابه، يأخذون منهم الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وَهُمْ صاغِرُونَ) اهـ
بنو قينقاع أول من غدر من اليهود:
(وقينقاع) من يهود المدينة (العمّه) بضم العين وتشديد الميم المفتوحة، جمع عمه: بكسر الميم المخففة وعامه، وهو المتحيّر في أودية الضلال، لا يعرف له جهة (العزاه) جمع عزه بالكسر وككتف: اللئيم، صفة ثانية لقينقاع الواقع مبتدأ، وخبره قوله: (أوّل من غدر من يهودا) وذلك بعد كتاب النّبيّ ﷺ الذي كتبه بينه وبينهم، يؤمنهم فيه على أنفسهم وأهليهم وأموالهم، وقوله ﵊ لهم وهم مجتمعون بسوق بني قينقاع كما تقدم:
«يا معشر يهود؛ احذروا من الله مثل ما نزل بقريش من النّقمة، وأسلموا، فإنّكم قد عرفتم أنّي نبيّ مرسل، تجدون ذلك في كتابكم وعهد الله إليكم» وإجابتهم بما تقدم ذكره عنهم قبّحهم الله.
قال الحافظ اليعمري في «عيون الأثر» عن ابن إسحاق:
(فحدّثني مولى لآل زيد بن ثابت، عن سعيد بن جبير، أو عن عكرمة، عن ابن عباس قال: ما نزل هؤلاء الآيات إلّا فيهم:
стр. 217
نبيّنا وهم أسارى سطوته ... فأطلقوا وطردوا من طيبته
قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا سَتُغْلَبُونَ وَتُحْشَرُونَ إِلى جَهَنَّمَ وَبِئْسَ الْمِهادُ. قَدْ كانَ لَكُمْ آيَةٌ فِي فِئَتَيْنِ الْتَقَتا أي: أصحاب بدر من أصحاب رسول الله ﷺ وقريش فِئَةٌ تُقاتِلُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَأُخْرى كافِرَةٌ يَرَوْنَهُمْ مِثْلَيْهِمْ رَأْيَ الْعَيْنِ وَاللَّهُ يُؤَيِّدُ بِنَصْرِهِ مَنْ يَشاءُ إِنَّ فِي ذلِكَ لَعِبْرَةً لِأُولِي الْأَبْصارِ.
قال: وحدّثني عاصم بن عمر بن قتادة: أنّهم كانوا أول يهود نقضوا ما بينهم وبين رسول الله ﷺ ، وحاربوا فيما بين بدر وأحد، فحاصرهم رسول الله ﷺ حتّى نزلوا على حكمه) اهـ
إلحاح رئيس المنافقين في إطلاق بني قينقاع:
(و) عبد الله (ابن أبيّ) ابن سلول- هذه أمه، وأبوه أبيّ، ولذلك يكتب (ابن سلول) بالألف وإن كان بين علمين؛ لأنّ سلول لم يكن أبا لأبيّ، كما قرّر ذلك في محله- (سأل القرودا) أي: سأل عبد الله المذكور لأجل القرود إخوانه بني قينقاع، سمّاهم قرودا جمع قرد؛ لأنّه أخسّ الحيوانات وأقبحها؛ أو لأنّ طائفة من بني إسرائيل إخوانهم مسخوا قردة، قال تعالى: فَقُلْنا لَهُمْ كُونُوا قِرَدَةً خاسِئِينَ، وَجَعَلَ مِنْهُمُ الْقِرَدَةَ وَالْخَنازِيرَ.
(نبيّنا) ﷺ مفعول سأل (وهم) أي:
والحال أنّ أولئك اليهود (أسارى) بضم الهمزة، جمع أسير (سطوته) وقهره؛ أي: سأله أن يطلقهم له من الأسر، وكان
стр. 218
عرف من عاداته ﷺ : أنّه لا يسأل شيئا إلّا أعطاه (فأطلقوا وطردوا من طيبته) إلى أذرعات، وقال ﵊: «خلّوهم له، لعنهم الله ولعنه معهم» وتركهم من القتل، وأمر أن يجلوا من المدينة، وتولى ذلك عبادة بن الصامت، فلحقوا بأذرعات، فما كان أقل بقاءهم بها.
فائدة: طيبة: اسم من أسماء المدينة المنوّرة ،
سميت بذلك لكمال المناسبة بين الاسم والمسمّى، وقد أخبر ﵊ بأنّه ينصع طيبها وتنفي الخبث كما ينفي الكير خبث الحديد، والمشاهدة لمن نوّر الله بصيرته أكبر شاهد على ذلك، ولقد صدق والله القائل حيث يقول:
بطيبة عرّج إنّ بين قبابها ... حبيبا لأدواء القلوب طبيب
إذا لم تطب في طيبة عند طيب ... به طيبة طابت فأين تطيب؟
عزاه أبو سالم العياشي في «رحلته» إلى الشيخ إبراهيم بن الشيخ خير الدين، من علماء المدينة المنوّرة الذين أخذ عنهم، قال العياشي: وقد تطفلت عليه في ذلك فقلت:
بطيبة طاب الطيّبون لطيبها ... بأطيب طيب طيّب لمطيّب
стр. 219
وفي بعض الأخبار عن كعب الأحبار قال: (إنّا نجد في التوراة: يقول الله للمدينة: «يا طيبة، يا طابة، يا مسكينة؛ لا تقبلي الكنوز، ارفعي أجاجيرك على أجاجير القرى» ) «١» .
وكانت تسمى قبل ذلك بيثرب، اسم رجل من العماليق أول ما نزلها؛ ولما في هذا الاسم من التثريب نهى الشارع عن هذه التسمية؛ إذ لا يليق بها ذلك.
وأمّا قوله تعالى في (سورة الأحزاب) : وَإِذْ قالَتْ طائِفَةٌ مِنْهُمْ يا أَهْلَ يَثْرِبَ لا مُقامَ لَكُمْ.. فذلك حكاية عن طائفة من المنافقين قالت: يا أهل يثرب؛ لا مقام لكم، فنبه بما حكى عنهم، أنّهم قد رغبوا عن اسم سمّاها الله به، وأبوا إلّا ما كانوا عليه في جاهليتهم، والله تعالى سمّاها المدينة، فقال غير حاك عن أحد: ما كانَ لِأَهْلِ الْمَدِينَةِ وَمَنْ حَوْلَهُمْ مِنَ الْأَعْرابِ الآية.
وقد ذكر العلّامة البركة العارف بالله ، الشيخ محمّد بن عبد رب النبيّ الأنصاري القشاشيّ كثيرا من أسماء المدينة، في مؤلّفه المسمى «الدرّة الثمينة فيما لزائر المدينة» فانظره.
стр. 220
ومنهم الشّاهد عبد الله ... نجل سلام العظيم الجاه
إسلام عبد الله بن سلام:
(ومنهم) من يهود بني قينقاع (الشاهد) المعنيّ في الآية الآتية (عبد الله نجل) أي: (سلام) بتخفيف اللام، ابن الحارث الإسرائيلي، ثمّ الأنصاريّ الخزرجيّ (العظيم الجاه) والقدر.
قال الإمام النوويّ في «التهذيب» : (وهو من ولد يوسف بن يعقوب بن إسحاق بن إبراهيم الخليل ﷺ ، وكان اسمه في الجاهلية حصينا، فسماه رسول الله ﷺ : عبد الله، أسلم أول قدوم رسول الله ﷺ ، وذلك: أنّه لمّا بلغه مقدم النّبيّ ﷺ المدينة.. أتاه يسأله عن أشياء، فقال: إنّي سائلك عن ثلاث لا يعلمهنّ إلّا نبيّ: ما أول أشراط الساعة؟ وما أول طعام يأكله أهل الجنة؟ وما بال الولد ينزع إلى أبيه، أو إلى أمّه؟ قال: «أخبرني بها جبريل آنفا» قال ابن سلام: ذلك عدوّ اليهود من الملائكة، قال: «أمّا أول أشراط الساعة:
فنار تحشرهم من المشرق إلى المغرب، وأمّا أول طعام يأكله أهل الجنة: فزائد كبد الحوت، وأمّا الولد: فإذا سبق ماء الرجل ماء المرأة.. نزع الولد «١» ، وإذا سبق ماء المرأة ماء الرجل.. نزعت الولد» قال: أشهد أن لا إله إلّا الله، وأنّك رسول الله، قال: يا رسول الله؛ إنّ اليهود قوم
стр. 221
بهت «١» ، فاسألهم عني قبل أن يعلموا بإسلامي، فجاءت اليهود، فقال النبي ﷺ : «أيّ رجل عبد الله بن سلام فيكم؟» قالوا؛ خيرنا، وابن خيرنا، وأفضلنا وابن أفضلنا، فقال النّبيّ ﷺ :
«أرأيتم إن أسلم عبد الله بن سلام؟» قالوا: أعاذه الله من ذلك، فأعاد عليهم، فقالوا: مثل ذلك. فخرج إليهم عبد الله فقال: أشهد أن لا إله إلّا الله، وأنّ محمّدا رسول الله.
قالوا: شرّنا وابن شرّنا، وتنقّصوه، قال: هذا ما كنت أخاف يا رسول الله) هكذا رواه الإمام البخاريّ في «صحيحه» في (باب هجرته ﵊ وأصحابه إلى المدينة) .
ووصفه الناظم بعظم الجاه والمنزلة؛ لأنّه كان كذلك في قومه، وبعد إسلامه عند المسلمين أيضا، ونزل في فضله قوله تعالى: قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ كانَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَكَفَرْتُمْ بِهِ وَشَهِدَ شاهِدٌ مِنْ بَنِي إِسْرائِيلَ عَلى مِثْلِهِ فَآمَنَ وَاسْتَكْبَرْتُمْ إِنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ، وقوله تعالى: قُلْ كَفى بِاللَّهِ شَهِيداً بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ وَمَنْ عِنْدَهُ عِلْمُ الْكِتابِ.
قال في «التهذيب» : (روي له عن رسول الله ﷺ خمسة وعشرون حديثا، اتفقا على حديث، وانفرد البخاريّ بآخر، روى عنه ابناه محمّد، ويوسف، وروى عنه
стр. 222
فغزوة السّويق في إثر أبي ... سفيان أن حرّق نخل يثرب
أيضا أبو هريرة، وأنس، وعبد الله بن مغفّل المزني، وكذا جماعات من التابعين، وشهد مع عمر بن الخطاب ﵁ فتح بيت المقدس والجابية.
روينا في صحيحي «البخاريّ» و «مسلم» عن سعد بن أبي وقاص ﵁: ما سمعت رسول الله ﷺ يقول لحيّ يمشي على الأرض: «إنّه من أهل الجنة» إلّا لعبد الله بن سلام، قال: وفيه نزلت وَشَهِدَ شاهِدٌ مِنْ بَنِي إِسْرائِيلَ عَلى مِثْلِهِ الآية.
وتوفي سنة (٤٣) بالمدينة المنوّرة، ومناقبه كثيرة مشهورة) .
(٨) غزوة السويق
السويق: هو قمح أو شعير يقلى، ثم يطحن، فيتزود به ملتوتا بماء أو سمن أو عسل، سميت الغزوة بذلك لما سيأتي، وكانت في ذي الحجة، يوم الأحد لخمس خلون منها، على رأس اثنين وعشرين شهرا من الهجرة، فهي بعد غزوة بني قينقاع؛ فلذلك قال: (فغزوة السويق) .
خرج ﷺ في مئتين من المهاجرين والأنصار (في إثر) بكسر الهمزة (أبي سفيان) ومعه مئتان من قريش، واستخلف على المدينة أبا لبابة بشير بن عبد المنذر
стр. 223
وغال نفسين وكان آلى ... لا يقرب النّساء أو ينالا
(أن) بفتح الهمزة؛ أي: لأجل أنّه (حرق) بالتخفيف للراء، وبالتشديد مبالغة، وضميره يعود على أبي سفيان (نخل يثرب، وغال) أي: قتل (نفسين) على حين غفلة، أحدهما: معبد بن عمرو من الأنصار، كما حكاه الشاميّ عن «الإمتاع» ، ولما فعل ذلك أبو سفيان.. رأى أن قد انحلت يمينه (وكان آلى) من الإيلاء؛ أي: حلف أنّه (لا يقرب النساء) كناية عن عدم وطئهنّ (أو) أي: حتى (ينالا) غرضه من الأخذ بثأر المشركين الذين قتلوا ببدر، والألف للإطلاق.
وهذا الذي في النظم لازم قول أبي سفيان، كما في «ابن إسحاق» قال: (لما رجع أبو سفيان إلى مكّة، ورجع فلّ «١» قريش من بدر.. نذر ألّا يمس رأسه ماء من جنابة حتى يغزو محمّدا ﷺ ، فخرج في مئتي راكب من قريش، ليبرّ يمينه، فسلك النجديّة حتى نزل بصدر قناة «٢» ، إلى جبل يقال له: نيب «٣» من المدينة على بريد أو نحوه، ثمّ
стр. 224
وكان يلقي جرب السّويق ... مخافة اللّحوق في الطّريق
خرج من الليل حتى أتى بني النضير تحت الليل، فأتى حييّ بن أخطب، فضرب عليه بابه فخافه، ولم يفتح له الباب، فانصرف عنه إلى سلّام بن مشكم، وكان سيّد بني النضير في زمانه ذلك، وصاحب كنزهم، فاستأذن عليه، فأذن له، فقراه وسقاه، وبطن له من خبر الناس، ثم خرج في عقب ليلته حتى أتى أصحابه، فبعث رجالا من قريش إلى المدينة، فأتوا ناحية منهم يقال لها: العريض «١» ، فحرقوا في أصوار «٢» من نخل بها ووجدوا بها رجلا من الأنصار، وحليفا له في حرث لهما، فقتلوهما، ثمّ انصرفوا راجعين، ونذر «٣» بهم الناس؛ أي: علموا فخرج رسول الله ﷺ في طلبهم) .
(وكان) أبو سفيان حين انصرف راجعا لمكّة (يلقي) أي: يطرح بالأرض (جرب السويق) بضمّتين: جمع جراب ككتاب وكتب: الوعاء، وكان ذلك عامة أزوادهم؛ وإنّما فعل ذلك (مخافة) أي: لأجل خوف (اللحوق) أي: أن يلحقه (في الطريق) من نصر بالرعب ﷺ ، فأخذها المسلمون.
стр. 225
فسمّيت بذاك ثمّ بعدها ... قرقرة الكدر لقوم عندها
(فسمّيت) الغزوة من أجل هذا (بذاك) أي: بغزوة السّويق، فرجع ﷺ إلى المدينة وصلّى صلاة الأضحى بالمصلّى، وضحّى، وهو أول عيد ضحّى فيه النّبيّ ﷺ ، وكانت غيبته خمسة أيام، وقال المسلمون حين رجعوا: يا رسول الله؛ أتطمع أن تكون لنا غزوة؟ قال: «نعم» .
(٩) غزوة ذي قرقرة
بفتح القافين، وحكي ضمها، قال الدميريّ، كما في «شرح المواهب» : والمعروف فتحهما، قال ابن سعد:
ويقال: قرارة الكدر. وفي «الصّحاح» : قراقر، بضم القاف: اسم ماء، ومنه: غزاة قراقر، ففيها ثلاثة أوجه.
كانت في نصف المحرم، على رأس ثلاثة وعشرين شهرا من مهاجره، كما ذكره في «العيون» عن ابن سعد؛ فهي بعد غزوة السّويق؛ فلذا قال الناظم: (ثمّ بعدها قرقرة الكدر) وبهذا ترجمها اليعمريّ في «العيون» والسهيليّ.
والقرقرة: أرض ملساء، والكدر: طير في ألوانها كدرة، عرف بها ذلك الموضع الذي هو قرقرة؛ لاستقرار هذه الطيور به، ويقال: قرقرة الكدر: ماء لبني سليم، وغطفان، وهم المراد بالقوم في قوله: (لقوم عندها) .
стр. 226
قال في «العيون» : (ولمّا بلغه ﷺ أنّ بهذا الموضع جمعا من بني سليم، وغطفان.. استخلف على المدينة سيدنا عبد الله بن أم مكتوم ﵁، وسار إليهم، وحمل لواءه ﷺ علي بن أبي طالب، فلم يجد في المحالّ «١» أحدا، وأرسل نفرا من أصحابه في أعلى الوادي، واستقبلهم رسول الله ﷺ في بطن الوادي، فوجد رعاء «٢» ، منهم غلام يقال له: يسار، فسأله عن الناس فقال: لا علم لي بهم، إنّما أورد الخمس «٣» ، وهذا يوم ربعي، والناس قد ارتفعوا في المياه؛ ونحن عزاب في الغنم.
فانصرف رسول الله ﷺ وقد ظفر بالنّعم، فانحدر به إلى المدينة، واقتسموا غنائمهم بصرار «٤» ، على ثلاثة أميال من المدينة. وكانت النعم خمسمئة بعير، فأخرج خمسه، وقسم أربعة أخماسه على المسلمين، فأصاب كلّ رجل منهم بعيران، وكانوا مئتي رجل، وصار يسار في سهم
стр. 227
النّبيّ ﷺ ، فأعتقه؛ وذلك أنّه رآه يصلّي، وغاب رسول الله ﷺ خمس عشرة ليلة) .
قال السّهيلي: (وقد كان عمر بن الخطاب ﵁ يذكر مسيره مع رسول الله ﷺ في تلك الغزوة، فقال لعمران بن سوادة، حين قال له: إن رعيتك تشكو منك عنف السّياق، وقهر الرعية، فذقّن على الدّرة «١» وجعل يمسح سيورها، ثمّ قال: قد كنت زميل رسول الله ﷺ في قرقرة الكدر، فكنت أرتع فأشبع «٢» ، وأسقي فأروي، وأكثر النّجر «٣» ، وأقلّ الضرب، وأردّ العنود «٤» ، وأزجر العروض، وأضم اللّفوت «٥» ، وأشهر بالعصا، وأضرب باليد، ولولا ذلك.. لأغدرت فتركت «٦» ) يذكر حسن سياسته فيما ولي من ذلك.
стр. 228
وبعدها ذو أمر وغطفان ... كلاهما تدعى به وتستبان
لغطفان وجموع ثعلبه ... جمعها دعثور صاحب الظّبه
(١٠) غزوة ذي أمر وغطفان
بفتح الهمزة والميم، وشدّ الراء: موضع من ديار غطفان، قاله ابن الأثير، وغطفان، بفتح المعجمة، والطاء المهملة: قبيلة من مضر، قال الزّرقاني: (أضيفت لها الغزوة؛ لأنّ بني ثعلبة الذين قصدهم من غطفان) .
قال في «المواهب» : (وسمّاها الحاكم: غزوة أنمار، وهي بناحية نجد، وكانت لاثنتي عشرة ليلة مضت من ربيع الأوّل، على رأس خمسة وعشرين شهرا من الهجرة) فهي بعد غزوة قرقرة الكدر.
فلذا قال: (وبعدها ذو أمر) بتخفيف الراء للوزن (وغطفان كلاهما) أي: الاسمين (تدعى) بالبناء للمفعول؛ أي: تسمى (به) هذه الغزوة (وتستبان) أي: تعرف.
(لغطفان) يتعلق بقوله بعد: (جمعها) ، وقوله:
(وجموع ثعلبة) بن سعد بن خصفة أخي غطفان بن سعد، مبتدأ خبره جملة: (جمعها دعثور) بضم الدال وسكون العين المهملتين، وهو ابن الحارث الغطفاني المحاربيّ (صاحب الظّبة) بوزن ثبة: حدّ السيف، ويشير بهذا إلى سببها.
سبب هذه الغزوة:
وهو: أنّ دعثورا جمع الجموع من بني ثعلبة، يريدون أن
стр. 229
وهو الّذي وجد خير مرسل ... يجفّ ثوبين له بمعزل
يصيبوا من أطراف بلاده ﷺ ، فلمّا علم ذلك.. ندب ﷺ المسلمين، فخرج في أربع مئة وخمسين رجلا، ومعهم أفراس، واستخلف على المدينة عثمان بن عفان ﵁ فلمّا سمعوا بمهبطه ﷺ .. هربوا في رؤوس الجبال، فأصابوا رجلا منهم من بني ثعلبة اسمه: جبّار «١» ، وبالجيم وشدّ الموحدة، فأدخله الصحابة على رسول الله ﷺ فأخبره من خبر القوم، وقال: لن يلاقوك، ولما سمعوا بمسيرك إليهم..
هربوا في رؤوس الجبال، وأنا سائر معك، فدعاه إلى الإسلام، فأسلم، وضمّه إلى بلال ليعلّمه الشرائع.
إسلام دعثور بن الحارث:
(وهو) أي: دعثور (الذي وجد خير مرسل) ﷺ (يجف) بكسر الجيم؛ أي: ييبّس على شجرة (ثوبين له بمعزل) أي: بموضع بعيد عن أصحابه لمطر أصابهم، واضطجع ﷺ تحت الشجرة، وذهب كل من المسلمين في شأنه، وقد كان المشركون بمرأى من رسول الله ﷺ ، فقالوا لدعثور- وكان فيهم شجاعا-: قد انفرد محمّد، فعليك به، فأقبل ومعه الظّبة.
стр. 230
فسلّها وقال من يمنعكا ... فصدّه جبريل عمّا انتهكا
وفيه أو في غورث أو النّضير ... إِذْ هَمَّ قَوْمٌ أنزلت على البشير
(فسلّها وقال من يمنعكا) مني اليوم؟ فقال ﷺ : «الله» (فصدّه) أي: منعه (جبريل عمّا) أي:
الحرمة التي (انتهكا) أي: أراد أن ينتهكها، بأن دفع في صدره، فوقع السيف من يده، فأخذه ﷺ فقال: «من يمنعك مني؟» قال: لا أحد، وأنا أشهد أن لا إله إلّا الله، وأنّك رسول الله.
قال في شرح «المواهب» : (وزاد ابن فتحون في الذيل: فأعطاه ﷺ سيفه، ثمّ أقبل بوجهه فقال: أما والله لأنت خير مني، فقال ﷺ :
«أنا أحق بذلك منك» ثمّ أتى قومه، فقالوا له: مالك ويلك! فقال: نظرت إلى رجل طويل أبيض، قد دفع في صدري، فوقعت لظهري، فعرفت أنّه ملك، وشهدت أنّ محمّدا رسول الله، لا أكثر عليه جمعا، فدعاهم إلى الإسلام) .
(وفيه) أي: في دعثور، على ما ذكره الواقديّ وابن سعد وطائفة (أو في غورث أو) في (النّضير) قاله قتادة ومجاهد، ف (أو) لتنويع الخلاف آية: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ (إِذْ هَمَّ قَوْمٌ) أَنْ يَبْسُطُوا إِلَيْكُمْ أَيْدِيَهُمْ
أي: بالقتل، والإهلاك فَكَفَّ أَيْدِيَهُمْ عَنْكُمْ وَاتَّقُوا اللَّهَ وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ (أنزلت على البشير) ﷺ .
стр. 231
وبعدها غزوة بحران إلى ... أمّ القرى أو لسليم الجهلا
وقيل كما في «شرح المواهب» : (أنزلت والمصطفى ﷺ بعسفان لما أراد المشركون الفتك بالمسلمين، وهم في الصلاة، فأنزل الله صلاة الخوف قال القشيريّ: وقد تنزل الآية في قصة، ثمّ تنزل في أخرى، لادّكار ما سبق) .
ثمّ أقبل رسول الله ﷺ إلى المدينة ولم يلق حربا.
(١١) غزوة بحران
بضم الموحّدة، وسكون المهملة، فراء، فألف، فنون، على المشهور، وهو موضع بناحية الفرع، بضمتين «١» ، من المدينة، وفيها عينان يقال لهما: الرّبض والنجف، تسقيان عشرين ألف نخلة، كانت لحمزة بن عبد الله بن الزّبير، وكانت هذه الغزوة في السنة الثّالثة، لستّ خلون من جمادى الأولى على رأس سبعة وعشرين شهرا من الهجرة، كما قال ابن سعد.
وقال الناظم: (وبعدها) أي: ذي أمرّ (غزوة بحران) بالتنوين؛ لأنّه مصروف، فخرج ﷺ في ثلاث مئة من أصحابه الكرام بعد أن استعمل على المدينة ابن
стр. 232
أم مكتوم (إلى أمّ القرى) يريد قريشا عند ابن إسحاق (أو لسليم) يريدها عند غيره، وتسمى: غزوة بني سليم أيضا، بضم السين، وفتح اللام، قال في «شرح المواهب» : (لأنّ الذين اجتمعوا، وبلغ خبرهم النّبيّ ﷺ منهم) ف (أو) في كلام الناظم لتنويع الخلاف.
ولمّا سار ﷺ إليهم.. وجدهم تفرّقوا في مياههم، فرجع ولم يلق كيدا، وكانت غيبته عشر ليال، ووصفهم بقوله: (الجهلا) لعدم إسلامهم إذ ذاك، ثم وفّقوا للإسلام بعد، حتى كانوا من أكثر العرب إسلاما، وحتى غزت مكة ألف أو تسع مئة منهم، مع النّبيّ ﷺ ، قاله في «روض النّهاة» .
(١٢) غزوة أحد
بضم الهمزة والحاء، وبالدال المهملة، مصروف، وأحد: جبل مشهور بالمدينة، سمّي بذلك لتوحده وانقطاعه عن جبال أخر هناك، قال فيه ﷺ ، كما أخرجه الشيخان: «أحد جبل يحبّنا ونحبّه» وهذه المحبة حقيقية؛ فقد خاطبه ﷺ مخاطبة من يعقل، فقال لما اضطرب: «اسكن أحد؛ فإنّما عليك نبيّ، وصدّيق، وشهيدان» فوضع الله الحب فيه، كما وضع التسبيح
стр. 233
فأحد بربح عير صخر ... تأهّبوا ليتروا من بدر
في الجبال مع داوود، وكما وضع الخشية في الحجارة التي قال فيها: وَإِنَّ مِنْها لَما يَهْبِطُ مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ وكما حنّ الجذع لمفارقته ﷺ ، حتى سمع الناس حنينه، فلا ينكر وصف الجماد بحب الأنبياء، وقد سلّم عليه الشجر والحجر، وسبّحت الحصاة في يده الشريفة، وكلّمه الذراع، إلى غير ذلك.
وكانت عند هذا الجبل هذه الوقعة سنة ثلاث من الهجرة في شوال، يوم السبت، لإحدى عشرة ليلة خلت منه على رأس اثنين وثلاثين شهرا من الهجرة؛ فلذلك قال: (فأحد) أي:
بعد بحران غزوة أحد. (بربح) بكسر الراء، يتعلق بقوله:
(تأهّبوا) وهو مضاف إلى (عير) بكسر العين، والمراد:
التجارة التي تحملها العير، وأضيف ذلك إلى أبي سفيان (صخر) بن حرب؛ لأنّه المقدّم فيهم إذ ذاك (تأهبوا) أي:
أعدّوا ذلك الربح (ليتروا) أي: ليأخذوا بثأرهم (من بدر) .
سبب هذه الغزوة:
وحاصل ما أشار إليه الناظم من سبب هذه الغزوة:
ما ذكره ابن إسحاق بزيادة توضيح: أنّ قريشا لما رجعوا من بدر إلى مكّة وقد أصيب أصحاب القليب، ورجع أبو سفيان بعيره.. لم يكن شغلها الشاغل إلّا الأخذ بالثأر من المسلمين:
فأبو سفيان ينذر أن لا يمس طيبا، ولا يمس رأسه ماء من
стр. 234
جنابة حتى يغزو محمّدا، وينال من المسلمين ما يشفي غليله، ويجهد أن يرسل البعوث والرسل تسير في بطحاء مكّة ونواحيها؛ للتحريض على مؤازرته ونصرته.
وعبد الله بن أبي ربيعة، وعكرمة بن أبي جهل، في جماعة ممّن قتل آباؤهم وإخوانهم وأبناؤهم يوم بدر يحثّون إخوانهم على ذلك ويقولون: يا معشر قريش؛ إنّ محمّدا قد وتركم، وقتل خياركم، فأعينونا بهذا المال على حربه ويعنون عير أبي سفيان، أو من كانت له في تلك العير تجارة «١» - لعلّنا ندرك منه ثأرنا، فأجابوا لذلك، فباعوها، وكانت ألف بعير، والمال خمسون ألف دينار «٢» .
وأمضت سنة كاملة تعدّ خيلها ورجلها، وقضّها وقضيضها، وجدّها وحديدها، ومن يتبعها من بني كنانة وتهامة، وفيهم أنزل الله تعالى: إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا يُنْفِقُونَ أَمْوالَهُمْ لِيَصُدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ فَسَيُنْفِقُونَها ثُمَّ تَكُونُ عَلَيْهِمْ حَسْرَةً ثُمَّ يُغْلَبُونَ.
فاجتمعت قريش، ومن حالفها لحرب رسول الله ﷺ في شوال من السنة الثّالثة، وكان سيدنا العباس بمكّة على علم تام من هذه الحركات لقريش، فكتب كتابا يخبر
стр. 235
وخرجوا ب (يه) ظعن وهم ... جيم ألوف والخيول لهم
راء وما للمسلمين فرس ... وفي زروع قيلة إحتبسوا
رسول الله ﷺ بخبرهم مع رجل من بني غفار، وشرط عليه أن يأتي المدينة في ثلاثة أيام بلياليها، فقدم عليه وهو بقباء، فقرأه عليه أبيّ بن كعب، واستكتم أبيّا، ونزل ﷺ على سعد بن الرّبيع، فأخبره بكتاب العباس، فقال: «والله؛ إنّي لأرجو أن يكون خيرا، فاستكتمه» .
العدد والكراع في الجيشين:
(وخرجوا) أي: المشركون (ب «يه» ) أي: بهذا العدد المشار إليه، بالياء والهاء»
، وذلك خمسة عشر من النساء، وهو المعنيّ بقوله: (ظعن) : جمع ظعينة، يقال للهودج، وللمرأة ما دامت فيه، وإنما خرجوا بهنّ التماس الحفيظة «٢» ، وأن لا يفرّوا (و) أمّا (هم) أي: الرجال من قريش ف (جيم ألوف) أي: ثلاثة آلاف عددهم، كما جزم به ابن إسحاق، وتبعه اليعمري، فيهم مئتا دارع، (والخيول) :
جمع خيل لجماعة الأفراس، ولا واحد له من لفظه، (لهم) أي: لقريش (راء) أي: مئتان (و) الحال أنّه (ما) أي:
ليس (للمسلمين فرس) واحد، وقد جزم موسى بن عقبة
стр. 236
وقيل: فيهم فرس تحت أبي ... بردة النّدب وأخرى للنّبي
وقد رأى في نومه خير الأمم ... أن كان في ذباب سيفه ثلم
بذلك، كما في «الفتح» وأمّا عدد من خرج معه ﷺ فألف رجل، كما عند ابن إسحاق (وفي زروع) يتعلق بقوله: (احتبسوا) وهو مضاف إلى (قيلة) وهي أم الأوس والخزرج.
قال الناظم في «عمود النسب» :
أوس وخزرج هم الأنصار ... وقيلة أمّهم واختاروا
(إحتبسوا وقيل فيهم) أي: المسلمين (فرس تحت أبي بردة) هانئ بن نيار (النّدب) أي: الظريف النجيب (و) فرس (أخرى للنّبيّ) ﷺ .
قال الحافظ في «الفتح» : (وقع في «الهدي» : أنّه كان معهم خمسون فرسا، وهو غلط بيّن، وقد جزم موسى بن عقبة بأنّه لم يكن معهم في أحد شيء من الخيل، ووقع عند الواقديّ: كان معهم فرس له ﵊، وفرس لأبي بردة) .
رؤيا رسول الله ﷺ وتأويلها:
(وقد رأى) قبل هذه الوقعة ليلة الجمعة، كما عند عقبة وابن عائذ (في نومه) رؤيا (خير الأمم) ﷺ ، ورؤياه حق لا يتسلط عليها شيطان، وهي: (أن)
стр. 237
وأنّه أدخل في درع يده ... وبقرا يذبح أيضا وجده
فالثّلم ألعمّ وأمّا البقر ... يذبح فهو النّفر المعفّر
من صحبه ودرعه الحصينه ... أدخل فيها يده المدينه
بفتح الهمزة مخففة من الثقيلة؛ أي: أنّه (كان في ذباب) بضم الذال المعجمة: طرف (سيفه) أو حده (ثلم) : كسر، وهو من باب ضرب، وفرح.
قال في «روض النّهاة» : (وهذا السيف هو ذو الفقار بالفتح، سيف العاص بن منبّه، الذي سلب منه يوم بدر، وكان هو والصّمصامة سيف عمرو بن معد يكرب من حديدة وجدت في أساس الكعبة، ثمّ أعطاه ﷺ عليّا ﵁ .
(و) رأى في منامه هذا أيضا: (أنّه أدخل في درع) حصينة (يده) الشريفة (وبقرا يذبح أيضا وجده) ﷺ في منامه هذا.
إذا سمعت ما تلوته عليك من الرؤيا، وأردت تعبيرها حقا (فالثّلم) الذي رآه في السيف: (العم) فكان سيدنا حمزة بن عبد المطّلب استشهد فيها (وأمّا البقر يذبح فهو النّفر) من أصحابه ﷺ يقتلون، ووصفهم بقوله:
(المعفّر) وهو المضروب بالعفر، وهو ظاهر التراب (من صحبه) بيان للنفر، وهو عدة رجال، من ثلاثة إلى عشرة، ففيه مسامحة (ودرعه الحصينة) أي: المحكمة التي (أدخل فيها يده) هي (المدينة) المنوّرة.
стр. 238
قال في «شرح المواهب» : (ووجه التأويل: أنهم كانوا أشبكوا المدينة بالبنيان من كل ناحية، وجعلوا فيها الآطام والحصون، فهي حصن) .
وهذا المذكور في النظم من المرفوع، قال ابن هشام:
(وحدّثني بعض أهل العلم: أنّ رسول الله ﷺ قال: رأيت بقرا لي تذبح، قال: فأمّا البقر.. فهي ناس من أصحابي يقتلون، وأمّا الثلم الذي رأيت في ذباب سيفي.. فهو رجل من أهل بيتي يقتل) .
استشارة الرسول ﷺ أصحابه في الخروج أو البقاء بالمدينة:
قال ابن إسحاق: (قال: - أي: الرسول ﷺ : فإن رأيتم أن تقيموا بالمدينة وتدعوهم حيث نزلوا، فإن أقاموا أقاموا بشر مقام، وإن هم دخلوا علينا قاتلناهم فيها.
وكان رأي عبد الله بن أبيّ ابن سلول مع رأي رسول الله ﷺ ، يرى ألّا يخرج إليهم، وكان رسول الله ﷺ يكره الخروج، فقال رجل من المسلمين ممّن أكرم الله بالشهادة يوم أحد، وغيره ممّن كان فاته بدر:
يا رسول الله؛ اخرج بنا إلى أعدائنا؛ لا يرون أنّا جبنّا عنهم وضعفنا، فقال عبد الله بن أبيّ: يا رسول الله؛ أقم بالمدينة، لا تخرج إليهم، فو الله ما خرجنا منها إلى عدوّ لنا قطّ إلّا أصاب منا، ولا دخلها علينا إلّا أصبنا منه، فدعهم
стр. 239
واستكرهوا خير الورى فأخرجوه ... وبعد ما استلأم فيها استثبطوه
يا رسول الله، فإن أقاموا.. أقاموا بشرّ محبس، وإن دخلوا.. قاتلهم الرجال في وجوههم، ورماهم النساء والصبيان بالحجارة من فوقهم، وإن رجعوا رجعوا خائبين كما جاؤوا.
فلما يزل الناس برسول الله ﷺ ، الذين كان من أمرهم حبّ لقاء القوم.. حتى دخل رسول الله ﷺ بيته ومعه صاحباه أبو بكر وعمر ﵄، ورأى الخروج، فعمّماه، وألبساه، وصفّ الناس ما بين حجرته إلى منبره، ينتظرون خروجه ﵊، وذلك يوم الجمعة حين فرغ من الصلاة) .
عزم الرسول ﷺ على القتال:
وخرج عليهم عازما على القتال، لابسا لأمته، وقد ندم الناس وقالوا: استكرهنا رسول الله ﷺ ولم يكن لنا ذلك، فلمّا خرج عليهم ﷺ ..
قالوا: يا رسول الله؛ استكرهناك، ولم يكن لنا ذلك، فإن شئت.. فاقعد، فقال ﷺ : «ما ينبغي لنبيّ إذا لبس لأمته أن يضعها حتى يقاتل» .
واللأمة بالهمزة وقد تترك تخفيفا، وجمعه لأم، كتمرة وتمر: هي الدرع، أو السلاح، أو أداة الحرب.
وإلى هذه الإشارة بقوله: (واستكرهوا) أي: أكرهوا، فالسين زائدة للتأكيد (خير الورى) ﷺ على
стр. 240
الخروج إلى العدوّ بقولهم المتقدم: اخرج بنا إلى عدونا، والناس بين راغب في الشهادة، آسف على فوات بدر (فأخرجوه) ﷺ من بيته وقد لبس اللأمة (وبعد ما استلأم) أي: لبس لأمته، أي: أداة الحرب (فيها) أي: المدينة (استثبطوه) أي: طلبوا لبثه بالمدينة على رأيه الأوّل ﷺ ، وقالوا ما تقدم ذكره.
قال في «شرح المواهب» : (فإن قيل: لم عدل ﷺ عن رأيه الذي لا أسدّ منه، وقد وافقه عليه أكابر المهاجرين والأنصار، وابن أبيّ- وإن كان منافقا لكنه من الكبار المجرّبين للأمور؛ لذا أحضره ﷺ واستشاره- إلى رأي «١» هؤلاء الأحداث؟
قلت: لأنّه ﷺ مأمور بالجهاد، خصوصا وقد فجأهم العدوّ، فلمّا رأى تصميم أولئك على الخروج لا سيّما وقد وافقهم بعض الأكابر من المهاجرين: كحمزة، والأنصار: كابن عبادة.. ترجح عنده موافقة رأيهم، وإن كرهه ابتداء؛ ليقضي الله أمرا كان مفعولا، وهذا ما ظهر لي ولم أره لأحد) اهـ
قال العبد الضعيف كان الله له: ويمكن أن يقال في الجواب: إنّ المسألة لم يكن فيها وحي من الله تعالى يتبع، بل كان الأمر فيه إلى اجتهاده ﷺ ، قد أعلمه الله
стр. 241
فراح نحو أحد وابتكرا ... وخام عنه ابن أبيّ وامترا
تعالى بمقتضى تلك الرؤيا، من استشهاد بعض أصحابه، وما يصيبهم من التمحيص في ذلك اليوم، وكان ذلك مرتبا على الخروج إلى العدوّ. وهذا ما ظهر، والعلم عند الله تعالى.
(فراح) أي: ذهب ﷺ بعد الزوال وصلاة الجمعة، ولبس لأمته (نحو) أي: جهة جبل (أحد، وابتكرا) أي: سار بكرة، ومعه ﷺ ألف من أصحابه، وعقد ثلاثة ألوية:
لواء للأوس، بيد أسيد بن الحضير، ولواء للخزرج بيد الحباب بن المنذر، ولواء المهاجرين، بيد مصعب بن عمير.
واستعمل على المدينة ابن أم مكتوم ﵁ على الصلاة بالناس.
ثمّ ركب فرسه، وتقلد القوس، والمسلمون عليهم السلاح، وخرج السعدان يعدوان أمامه، والناس عن يمينه، وعن شماله، حتى انتهى إلى رأس الثّنيّة، حتى إذا كان بالشيخين «١» .. التفت فنظر إلى كتيبة خشناء لها زجل فقال:
«ما هذه؟» فقالوا: هؤلاء حلفاء ابن أبيّ من يهود، فقال:
«لا نستنصر بأهل الشرك على أهل الشرك» .
стр. 242
قال في «الإمتاع» : (ولبس ﵊ من الشيخين درعا واحدة حتى انتهى إلى أحد فلبس درعا أخرى، ومغفرا، وبيضة فوق المغفر، ولمّا نهض ﵊ من الشيخين.. زحف المشركون على تعبئة، وقد ترأس فيهم أبو سفيان لقتل أكابرهم ببدر، ووافى ﵊ أحدا وقد حانت الصلاة وهو يرى المشركين فأذّن بلال وأقام، فصلّى ﵊ بأصحابه الصبح صفوفا) .
انخزال المنافقين:
وانخزل ابن أبيّ عن المسلمين بثلث الناس كما قال الناظم:
(وخام) أي: نكص، ورجع (عنه) ﷺ عبد الله (ابن أبيّ) ابن سلول في ثلاث مئة من قومه المنافقين (وامترا) أي: شكّ، وقال: أطاعهم وعصاني، علام نقتل أنفسنا؟! فاتبعهم عبد الله بن عمرو بن حرام ﵁ وكان خزرجيا كابن أبيّ- فقال: يا قوم؛ أذكركم الله ألّا تخذلوا قومكم ونبيّكم بعد ما حصر من عدوّهم، فقالوا: لو نعلم أنّكم تقاتلون.. لما أسلمناكم، ولكنّا لا نرى أنّه يكون قتال، فلمّا أبوا.. قال: أبعدكم الله أعداء الله، فسيغني الله عنكم نبيه.
فلمّا انخزل ابن أبيّ بمن معه.. سقط في أيدي طائفتين من المسلمين، وهمّا أن يقتتلا، وهما بنو حارثة من الخزرج،
стр. 243
واستلّ سيف رجل ذبّ فرس ... فقال شم سيفك والحرب افترس
وبنو سلمة من الأوس، وفي الصحيح عن جابر: نزلت هذه الآية فينا: إِذْ هَمَّتْ طائِفَتانِ مِنْكُمْ أَنْ تَفْشَلا وَاللَّهُ وَلِيُّهُما وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ بني سلمة، وبني حارثة، وما أحبّ أنّها لم تنزل، والله يقول: وَاللَّهُ وَلِيُّهُما.
قال الحافظ: أي: أنّ الآية، وإن كان في ظاهرها غضّ منهم.. لكن في آخرها غاية الشرف لهم، فبقي مع رسول الله ﷺ سبع مئة وجعل أحدا خلف ظهره، واستقبل المدينة المنوّرة.
تفاؤله ﷺ :
(واستلّ سيف رجل) بالنصب مفعول ل (استل) ، مقدم على فاعله الذي هو (ذبّ) أي: دفع (فرس) بذنبه؛ يعني:
أنّه من عادة الفرس أن يذب بذنبه ما يؤذيه، وكان رجل من الصحابة حاملا سيفه في غمده، فدفع الفرس بذنبه السيف، فأخرجه من غمده (فقال) عند ذلك ﷺ للرجل: (شم سيفك) أمر من شام يشيم: إذا سلّه أو أغمده، والمراد هنا الثّاني (والحرب) أي: القتال، بالنصب معمول مقدم لقوله: (افترس) بمعنى: تفرّس «١» ، وفاعله النّبيّ ﷺ .
стр. 244
وكان لا يعتاف إلّا أنّه ... يعجبه الفأل إذا عنّ له
قال ابن إسحاق: (ومضى رسول الله ﵌.. حتى سلك في حرّة بني حارثة، فذبّ فرس بذنبه، فأصاب كلّاب «١» سيف فاستلّه، فقال ﷺ وكان يحب الفأل ولا يعتاف «٢» - لصاحب السيف: «شم سيفك؛ فإنّي أرى السيوف اليوم ستسل» ) وفي هذا دليل ظاهر للقول بأنّ معهم فرسا، ولم يكن هذا منه ﵊ تطيّرا، كيف وقد نهى عن الطّيرة؟! فلذلك قال الناظم:
(وكان) ﷺ (لا يعتاف) من العيف؛ أي: لا يتشاءم، يقال: عفت الطير، واعتفتها عيافة، واعتيافا، قاله السّهيليّ.
(إلّا أنّه يعجبه الفأل) الحسن (إذا عنّ) أي: عرض (له) .
ذكر السهيليّ في «الروض الأنف» : (أنّه ﷺ مرّ في غزوة بدر بجبلين، فسأل عن اسميهما؟ فقيل له: أحدهما اسمه مسلح، والآخر اسمه مخرىء «٣» فعدل عن طريقهما، وقال: ليس هذا من باب الطّيرة التي نهى عنها رسول الله ﷺ ، ولكن من باب كراهة الاسم
стр. 245
القبيح، فقد كان ﵊ يكتب إلى أمرائه: إذا أبردتم لي بريدا فاجعلوه حسن الوجه، حسن الاسم، ذكره البزّار من طريق بريدة) .
قلت: وذكر الحافظ ابن عبد البرّ في «الإستيعاب» بسنده إلى عبد الله بن بريدة، عن أبيه قال: كان النّبيّ ﷺ لا يتطيّر، ولكن يتفاءل، فركب بريدة في سبعين راكبا من أهل بيته من بني سهم، فتلقّى النّبيّ ﷺ فقال له نبيّ الله ﷺ : «من أنت؟» قال: أنا بريدة، فالتفت إلى أبي بكر، فقال: «يا أبا بكر؛ برد أمرنا وصلح» قال: ثمّ قال لي: «ممّن أنت؟» قلت: من أسلم، قال لأبي بكر: «سلمنا» . ثمّ قال لي: «من بني من؟» قلت: من بني سهم، قال: «خرج سهمك» .
وقال الإمام مالك في «الموطأ» : عن يحيى بن سعيد، قال ﷺ في لقحة: «من يحلب هذه؟» فقام رجل فقال: أنا، فقال له: «ما اسمك؟» قال: مرّة، فقال له رسول الله ﷺ : «اجلس» ، ثمّ قال:
«من يحلب هذه؟» فقام رجل فقال: أنا، فقال له:
«ما اسمك؟» قال: حرب، قال: «اجلس» ثمّ قال:
«من يحلب هذه؟» فقام آخر، فقال: «ما اسمك؟» قال:
يعيش، فقال له رسول الله ﷺ : «احلب» .
قال الشمس الشامي- لما ذكر نحو ذلك عن ابن سعد في
стр. 246
ومرّ في طريقه بالحاثي ... في أوجه القوم وكان راثي
الطبقات-: وفي رواية ابن وهب: فقام عمر بن الخطاب فقال: يا رسول الله؛ كنت نهيتنا عن التطيّر، فقال رسول الله ﷺ : «ما تطيرت، ولكني آثرت الاسم الحسن» أو كما قال ﷺ .
ما كان من المنافق مربع بن قيظي حين سلك النبي ﷺ حائطه:
(ومرّ) ﷺ (في طريقه) إلى أحد (بالحاثي) أي: الرامي التراب (في أوجه القوم) المسلمين؛ وذلك: أنّه ﷺ قال لأصحابه: «من رجل يخرج بنا على القوم من كثب- أي: من طريق قريب- لا يمر بنا عليهم؟» فقال أبو خيثمة أخو بني حارثة بن الحارث: أنا يا رسول الله، فنفذ به في حرّة بني حارثة، وبين أموالهم، حتّى سلك في حائط لمربع بن قيظيّ، وكان رجلا منافقا أعمى البصر؛ فلمّا سمع صوت رسول الله ﷺ ومن معه من المسلمين.. قام يحثي في وجوههم التراب ويقول:
إن كنت رسول الله فإنّي لا أحلّ لك أن تدخل حائطي.
قال ابن إسحاق: وقد ذكر لي: أنّه أخذ حفنة من تراب في يده، ثمّ قال: والله لو أنّي أعلم أنّي لا أصيب بها غيرك يا محمّد.. لضربت بها وجهك، فابتدره القوم ليقتلوه، فقال رسول الله ﷺ : «لا تقتلوه، فهذا الأعمى أعمى القلب، أعمى البصر» وقد بدر إليه سعد بن زيد أخو بني عبد الأشهل قبل نهي رسول الله ﷺ فضربه بالقوس في رأسه فشجّه، (وكان) بهذه الفعلة الشنيعة
стр. 247
أجاز أبناءيه واستصغرا ... من دونهم والجيش ذالا انبرى
(راثي) أي: أحمق ووقف به على لغة ربيعة.
ومضى رسول الله ﷺ حتى نزل الشّعب من أحد، في عدوة الوادي إلى الجبل، فجعل ظهره وعسكره إلى أحد، واستقبل المدينة وجعل جبل عينين- وهو جبل الرماة- على يساره.
إجازته ﷺ أبناء خمس عشرة وردّه من دونهم:
(أجاز) ﷺ في الخروج لميدان القتال في أحد (أبناءيه) أي: أبناء خمس عشرة سنة؛ لما عرضوا عليه (واستصغرا) بألف الإطلاق (من دونهم) في السن، وردّهم؛ لأنّه لم يرهم بلغوا، منهم: أسامة بن زيد، وعبد الله بن عمر، وزيد بن ثابت، وأبو سعيد الخدري، وأسيد بن ظهير، وعرابة بن أوس «١» ، والبراء بن عازب، وزيد بن أرقم، وسعد بن حبتة «٢» ، وزيد بن جارية، ورافع بن خديج.
стр. 248
وقال من يأخذ هذا السّيفا ... بحقّه فناله واستوفى
ثمّ أجاز رافعا لما قيل له: إنّه رام، فقال سمرة بن جندب الفزاري لزوج أمه- مري بن سنان- أجاز رافعا وردّني وأنا أصرعه، فأعلمه ﷺ ، فقال: تصارعا، فصرع سمرة رافعا، فأجازه (والجيش) أي: جيش المسلمين المخلصين (ذالا) أي: سبع مئة (انبرى) أي: اعترض.
أمّا المشركون.. فثلاثة آلاف رجل كما تقدم، وتلك صورة من إيمان الصحابة الصادق، وبطولتهم الحقّة حيث نافسوا بأنفسهم، وأرواحهم، وتسابقوا إلى ميدان القتال، وهم في هذه السن الصغيرة رضوان الله عليهم وجعلنا من محبيهم وحزبهم، آمين.
إعطاء الرسول ﷺ السيف لأبي دجانة:
(وقال) ﷺ لأصحابه وقد أخذ سيفا:
(من يأخذ هذا السيفا بحقّه) «١» فقام إليه رجال، من أبطال المسلمين كل واحد يريد أن يأخذه منهم غمير والزّبير، فأمسكه عنهم، حتى قام إليه أبو دجانة، فقال: وما حقه
стр. 249
أبو دجانة وخال إذ مشى ... ومشيه من بغضه جلّ حشا
يا رسول الله، قال: «أن تضرب به في وجه العدو حتى ينحني» فقال: أنا آخذه بحقه يا رسول الله (فناله واستوفى أبو دجانة) سماك ابن خرشة الأنصاريّ الساعديّ، المتفق على شهوده بدرا؛ فإنّه كان رجلا شجاعا «١» (وخال) أي: تكبّر (إذ مشى) في ميدان القتال، (ومشيه من بغضه) أي: الله عزّ و (جلّ حشا) هذا الموطن؛ فإنّ الله لا يبغض هذه المشية فيه؛ لدلالتها على احتقار العدوّ، وعدم الاكتراث به، وحشا: لغة في حاشا.
قال الزّبير بن العوام: وجدت في نفسي حين سألت رسول الله ﷺ السيف فمنعنيه، وأعطاه أبا دجانة وقلت: أنا ابن صفية عمته، ومن قريش، وقد قمت إليه، وسألته إياه قبله، فأعطاه أبا دجانة وتركني، فقلت:
والله لأنظرنّ ما يصنع أبو دجانة، فاتبعته، فأخذ عصابة له حمراء، قال في «المواهب» : مكتوب في أحد طرفيها:
نصر من الله وفتح قريب، وفي طرفها الآخر: الجبانة في الحرب عار، ومن فرّ لم ينج من النار، فعصب بها رأسه، فقالت الأنصار: أخرج عصابة الموت، فخرج وهو يقول:
стр. 250
أنا الذي عاهدني خليلي ... ونحن بالسفح لدى النخيل
أن لا أقوم الدهر في الكيّول «١» ... أضرب بسيف الله والرسول
قال ابن إسحاق: (فجعل لا يلقى أحدا من المشركين إلّا قتله، وكان في المشركين رجل لا يدع لنا جريحا إلّا ذفّف «٢» عليه، فجعل كل واحد منهما يدنو من صاحبه، فدعوت الله أن يجمع بينهما، فالتقيا فاختلفا ضربتين، فضرب المشرك أبا دجانة، فاتّقاه بدرقته، فعضت بسيفه «٣» ، فضربه أبو دجانة فقتله، ثمّ رأيته قد حمل السيف على مفرق رأس هند، ثمّ عدل السيف عنها؛ يعني: إكراما لسيف رسول الله أن يضرب به امرأة) .
قال الزّبير فقلت: الله ورسوله أعلم.
وبدأت نار الحرب تشتعل وأوّل من أشبّها أبو عامر الفاسق «٤» .
قال في «الإمتاع» : (طلع في خمسين من قومه مع عبدان