ومرّ في طريقه بالحاثي ... في أوجه القوم وكان راثي
الطبقات-: وفي رواية ابن وهب: فقام عمر بن الخطاب فقال: يا رسول الله؛ كنت نهيتنا عن التطيّر، فقال رسول الله ﷺ : «ما تطيرت، ولكني آثرت الاسم الحسن» أو كما قال ﷺ .
ما كان من المنافق مربع بن قيظي حين سلك النبي ﷺ حائطه:
(ومرّ) ﷺ (في طريقه) إلى أحد (بالحاثي) أي: الرامي التراب (في أوجه القوم) المسلمين؛ وذلك: أنّه ﷺ قال لأصحابه: «من رجل يخرج بنا على القوم من كثب- أي: من طريق قريب- لا يمر بنا عليهم؟» فقال أبو خيثمة أخو بني حارثة بن الحارث: أنا يا رسول الله، فنفذ به في حرّة بني حارثة، وبين أموالهم، حتّى سلك في حائط لمربع بن قيظيّ، وكان رجلا منافقا أعمى البصر؛ فلمّا سمع صوت رسول الله ﷺ ومن معه من المسلمين.. قام يحثي في وجوههم التراب ويقول:
إن كنت رسول الله فإنّي لا أحلّ لك أن تدخل حائطي.
قال ابن إسحاق: وقد ذكر لي: أنّه أخذ حفنة من تراب في يده، ثمّ قال: والله لو أنّي أعلم أنّي لا أصيب بها غيرك يا محمّد.. لضربت بها وجهك، فابتدره القوم ليقتلوه، فقال رسول الله ﷺ : «لا تقتلوه، فهذا الأعمى أعمى القلب، أعمى البصر» وقد بدر إليه سعد بن زيد أخو بني عبد الأشهل قبل نهي رسول الله ﷺ فضربه بالقوس في رأسه فشجّه، (وكان) بهذه الفعلة الشنيعة
стр. 247
أجاز أبناءيه واستصغرا ... من دونهم والجيش ذالا انبرى
(راثي) أي: أحمق ووقف به على لغة ربيعة.
ومضى رسول الله ﷺ حتى نزل الشّعب من أحد، في عدوة الوادي إلى الجبل، فجعل ظهره وعسكره إلى أحد، واستقبل المدينة وجعل جبل عينين- وهو جبل الرماة- على يساره.
إجازته ﷺ أبناء خمس عشرة وردّه من دونهم:
(أجاز) ﷺ في الخروج لميدان القتال في أحد (أبناءيه) أي: أبناء خمس عشرة سنة؛ لما عرضوا عليه (واستصغرا) بألف الإطلاق (من دونهم) في السن، وردّهم؛ لأنّه لم يرهم بلغوا، منهم: أسامة بن زيد، وعبد الله بن عمر، وزيد بن ثابت، وأبو سعيد الخدري، وأسيد بن ظهير، وعرابة بن أوس «١» ، والبراء بن عازب، وزيد بن أرقم، وسعد بن حبتة «٢» ، وزيد بن جارية، ورافع بن خديج.
стр. 248
وقال من يأخذ هذا السّيفا ... بحقّه فناله واستوفى
ثمّ أجاز رافعا لما قيل له: إنّه رام، فقال سمرة بن جندب الفزاري لزوج أمه- مري بن سنان- أجاز رافعا وردّني وأنا أصرعه، فأعلمه ﷺ ، فقال: تصارعا، فصرع سمرة رافعا، فأجازه (والجيش) أي: جيش المسلمين المخلصين (ذالا) أي: سبع مئة (انبرى) أي: اعترض.
أمّا المشركون.. فثلاثة آلاف رجل كما تقدم، وتلك صورة من إيمان الصحابة الصادق، وبطولتهم الحقّة حيث نافسوا بأنفسهم، وأرواحهم، وتسابقوا إلى ميدان القتال، وهم في هذه السن الصغيرة رضوان الله عليهم وجعلنا من محبيهم وحزبهم، آمين.
إعطاء الرسول ﷺ السيف لأبي دجانة:
(وقال) ﷺ لأصحابه وقد أخذ سيفا:
(من يأخذ هذا السيفا بحقّه) «١» فقام إليه رجال، من أبطال المسلمين كل واحد يريد أن يأخذه منهم غمير والزّبير، فأمسكه عنهم، حتى قام إليه أبو دجانة، فقال: وما حقه
стр. 249
أبو دجانة وخال إذ مشى ... ومشيه من بغضه جلّ حشا
يا رسول الله، قال: «أن تضرب به في وجه العدو حتى ينحني» فقال: أنا آخذه بحقه يا رسول الله (فناله واستوفى أبو دجانة) سماك ابن خرشة الأنصاريّ الساعديّ، المتفق على شهوده بدرا؛ فإنّه كان رجلا شجاعا «١» (وخال) أي: تكبّر (إذ مشى) في ميدان القتال، (ومشيه من بغضه) أي: الله عزّ و (جلّ حشا) هذا الموطن؛ فإنّ الله لا يبغض هذه المشية فيه؛ لدلالتها على احتقار العدوّ، وعدم الاكتراث به، وحشا: لغة في حاشا.
قال الزّبير بن العوام: وجدت في نفسي حين سألت رسول الله ﷺ السيف فمنعنيه، وأعطاه أبا دجانة وقلت: أنا ابن صفية عمته، ومن قريش، وقد قمت إليه، وسألته إياه قبله، فأعطاه أبا دجانة وتركني، فقلت:
والله لأنظرنّ ما يصنع أبو دجانة، فاتبعته، فأخذ عصابة له حمراء، قال في «المواهب» : مكتوب في أحد طرفيها:
نصر من الله وفتح قريب، وفي طرفها الآخر: الجبانة في الحرب عار، ومن فرّ لم ينج من النار، فعصب بها رأسه، فقالت الأنصار: أخرج عصابة الموت، فخرج وهو يقول:
стр. 250
أنا الذي عاهدني خليلي ... ونحن بالسفح لدى النخيل
أن لا أقوم الدهر في الكيّول «١» ... أضرب بسيف الله والرسول
قال ابن إسحاق: (فجعل لا يلقى أحدا من المشركين إلّا قتله، وكان في المشركين رجل لا يدع لنا جريحا إلّا ذفّف «٢» عليه، فجعل كل واحد منهما يدنو من صاحبه، فدعوت الله أن يجمع بينهما، فالتقيا فاختلفا ضربتين، فضرب المشرك أبا دجانة، فاتّقاه بدرقته، فعضت بسيفه «٣» ، فضربه أبو دجانة فقتله، ثمّ رأيته قد حمل السيف على مفرق رأس هند، ثمّ عدل السيف عنها؛ يعني: إكراما لسيف رسول الله أن يضرب به امرأة) .
قال الزّبير فقلت: الله ورسوله أعلم.
وبدأت نار الحرب تشتعل وأوّل من أشبّها أبو عامر الفاسق «٤» .
قال في «الإمتاع» : (طلع في خمسين من قومه مع عبدان
стр. 251
واستأصلوا أهل اللّوا فانهزموا ... وشمّرت عن سوقهنّ الحرم
قريش فنادى يا للأوس أنا أبو عامر، فقالوا له لا مرحبا بك ولا أهلا يا فاسق: فقال لقد أصاب قومي بعدي شر، فتراموا بالحجارة ساعة حتى ولّى) اهـ
استئصال أهل اللواء من المشركين:
ودعا أهل اللواء إلى المبارزة، فاستأصلهم المسلمون كما قال الناظم:
(واستأصلوا أهل اللّوا فانهزموا) أي: أتى المسلمون على جميع أهل اللواء قتلا، وهم آل أبي طلحة بن عبد العزّى بن عثمان بن عبد الدار، واللواء: أحد الخمسة التي أتحف بها قصيّ ابنه الكبير عبد الدار لمّا لم تبلغ همّته همّتهم، قال الناظم في «عمود النسب» :
حجابة سقاية رفاده ... لواء النّدوة بالقلاده
أتحف عبد الدار إذ رآه ... دون مدى إخوته مداه
تحريض أبي سفيان قريشا على الحرب:
قال في «روض النّهاة» : (لمّا ورد المشركون أحدا..
قام أبو سفيان، فحرّض الناس، فقال: يا بني عبد الدار؛ إنّكم قد وليتم لواءنا يوم بدر، فأصابنا ما قد رأيتم وإنّما يؤتى الناس من قبل راياتهم، إذا زالت.. زالوا، فإمّا أن تكفونا
стр. 252
لواءنا، وإمّا أن تخلوا بيننا وبينه.. فنكفيكموه، فهمّوا به وتوعّدوه، وقالوا: نحن نسلم إليك لواءنا؟! ستعلم غدا إذا التقينا ما نصنع! وذلك ما أراده أبو سفيان) .
تحريض هند والنسوة قريشا على الحرب:
فلمّا التقى الناس.. قامت هند بنت عتبة في النسوة اللاتي معها، وأخذن الدفوف يضربن بها خلف الرجال، فقالت هند:
ويها بني عبد الدار ... ويها حماة الأديار
ضربا بكلّ بتّار
وقالت:
إن تقبلوا نعانق ... ونفرش النّمارق
أو تدبروا نفارق ... فراق غير وامق
فاقتتل الناس، وحميت الحرب، والرماة يرشقون «١» خيل المشركين، كما أمرهم ﷺ ، يردونها هوارب، فصاح طلحة بن أبي طلحة صاحب اللواء: من يبارز؟ فقام إليه عليّ فقتله، وهو كبش الكتيبة- أي: رئيسها-
стр. 253
مولولات إثرهم ورغبا ... في المغنم الرّماة حين استلبا
ثمّ حمل اللواء أخوه عثمان «١» ، فحمل عليه حمزة، فقطع جناحه، حتى انتهى إلى مؤتزره، وبدا سحره، ثمّ حمله أبو سعد أخوهما، فقتله سعد بن أبي وقاص، ثم حمله مسافع بن طلحة بن أبي طلحة فقتله عاصم بن ثابت. ثمّ حمله الحارث أخوه، فقتله عاصم أيضا. ثمّ حمله كلاب أخوهما، فقتله الزّبير، ثمّ حمله الجلاس أخوهم، فقتله طلحة بن عبيد الله، ثمّ حمله أرطاة بن شرحبيل بن هاشم بن عبد مناف، فقتله عليّ، ثمّ حمله شريح بن قارظ، فلا يدرى من قتله. ثمّ حمله غلام اسمه صؤاب، فقيل: قتله عليّ، وقيل: سعد بن أبي وقّاص، وقيل: قزمان العبسيّ، وهو أثبت الأقاويل «٢» . فهؤلاء عشرة.
(وشمّرت) أي: رفعت (عن سوقهنّ) جمع ساق:
ما بين الكعب إلى الرّكبة (الحرم) بضم ففتح: جمع حرمة، وهي ما يحمى ويقاتل عليه، والمراد به هنا: نساء قريش:
هند وصواحباتها الخارجات؛ لئلّا يفرّ الناس.
(مولولات) أي: فعلن ذلك حال كونهنّ داعيات بالويل، وهو حلول الشر للجد في الهروب (إثرهم) أي:
خلف رجالهنّ الفارين. ولما كانت تلك الهزيمة عليهم، بقتل
стр. 254
حاملي لوائهم.. بقي اللواء ملقى في الأرض لا يلتفت إليه.
ثمّ أخذته عمرة بنت علقمة الحارثية «١» ، ورفعته لهم، فاستداروا به، واجتمعوا عنده، وفي ذلك يعيّرهم سيدنا حسان ﵁ بقوله:
ولي البأس منكم إذ رحلتم ... أسرة من بني قصيّ صميم
عمرة تحمل اللواء وطارت ... في رعاع «٢» من القنا مخزوم
لم تطق حمله العواتق منكم ... إنّما يحمل اللواء النجوم
اشتغال الرماة بالغنائم عن الحرب:
ثمّ تبعهم المسلمون حتى أزالوهم، ووقفوا ينتهبون العسكر، ويأخذون ما فيه من الغنائم، واشتغلوا عن الحرب (ورغبا في المغنم) بفتح الميم الأولى؛ أي: في أخذ الغنمية (الرماة) جمع رام بالنبل وهم الخمسون الذين أمرهم الرسول ﵊ أن يثبتوا في مركزهم على جبل عينين، وأميرهم عبد الله بن جبير (حين استلبا) بالبناء للمفعول؛ أي: أخذ اللواء من أيدي المشركين، وبقي ملقى بالأرض، حتّى أخذته عمرة الحارثية.
стр. 255
وخالف الرّماة أمر المصطفى ... بالصّبر والثّبات خلف الحنفا
فتركوا ظهورهم لخالد ... فكرّ راجعا بكلّ حارد
(وخالف الرماة) أي: أكثرهم (أمر المصطفى) ﷺ (بالصبر) في موطن الحرب، (والثبات خلف الحنفا) المجاهدين، وقال ﵊: «إن رأيتمونا تخطّفنا الطير فلا تبرحوا من مكانكم هذا، حتى أرسل إليكم، وإن رأيتمونا هزمنا القوم وأوطأناهم، فلا تبرحوا حتّى أرسل إليكم» لكن رئيس الرماة عبد الله بن جبير في أقل من عشرة من أصحابه لم يخالف، بل ذكّرهم أمره ﷺ بالصبر والثبات فقالوا: لم يرد رسول الله ﷺ هذا، وقد انهزم المشركون، فما بقاؤنا هنا؟ فانطلقوا يتبعون العسكر، وينتهبون معهم، وأخلوا الجبل، حتى كان من شؤم المخالفة له ﷺ في أمره ما أشار له الناظم بقوله:
حملة خالد على من بقي من الرّماة:
(فتركوا) أي: المسلمون (ظهورهم لخالد) بن الوليد، وقد أسلم ﵁ بعد الحديبية مرجع النبي ﷺ منها (فكرّ) بتشديد الراء، يتعدّى بعلى، بمعنى عطف، وبعن: بمعنى رجع، فقوله: (راجعا) حال مؤكدة على الثّاني، والمعنى: أنّه لما نظر خالد بن الوليد إلى خلاء الجبل من الرّماة، وقلة أهله.. كرّ بالخيل (بكل) رجل (حارد) أي: غضبان، فحملوا على من بقي من الرماة
стр. 256
وحالت الرّيح ودارت الرّحى ... وذاق من خالفه ما اجترحا
فقتلوهم، وقتلوا أميرهم عبد الله بن جبير، وانتقضت صفوف المسلمين.
شؤم مخالفة أمر الرسول ﷺ :
(وحالت الريح) قلت: يصح قراءته بالجيم المعجمة، من الإجالة بمعنى الإدارة، والمراد بالريح: القوة؛ أي:
ودارت القوة للعدوّ على المسلمين بشؤم المخالفة، ويصح قراءته بالحاء المهملة؛ أي: حالت الريح، وتغيرت إلى دبور، بعد أن كانت صبا، والله أعلم (ودارت الرحى) أي:
رحى الحرب.
قال في «روض النّهاة» : (إن أراد بها حومة الحرب..
فحسّية، وإن أراد الرحى المعروفة.. فاستعارة عن انقلابها إلى الهزيمة، إكراما وتمحيصا للمسلمين، أكرم الله تعالى من أكرم منهم بالشهادة) .
روى الإمام أحمد والحاكم عن ابن عباس: أنّهم لما رجعوا.. اختلطوا بالمشركين، والتبس العسكران، فلم يتميزوا؛ أي: حتى صاروا يقاتلون من غير شعارهم الذي هو: (أمت أمت) فوقع القتل في المسلمين بعضهم في بعض (وذاق من خالفه) ﷺ عاقبة (ما اجترحا) أي: اكتسب من المخالفة.
стр. 257
وصرخ الصّارخ أن مات النّبي ... فارتهبوا لذاك كلّ الرّهب
وقال إذ ذلك: «لو كان لنا» ... من دهش قائلهم فافتتنا
(وصرخ) أي: صاح (الصارخ) إبليس اللعين وقد تصور في صورة جعال بن سراقة (أن مات النّبي) ﷺ ؛ ليرهب بذلك المؤمنين (فارتهبوا لذاك) الخبر المشؤوم (كل الرّهب) الخوف، وقيل: إنّ الصارخ هو عبد الله بن قميئة بوزن سفينة، لما قتل مصعب بن عمير، فظنه رسول الله ﷺ ؛ لأنّه كان يشبهه إذا لبس اللأمة، فصاح: أن قتلت محمّدا.
قال موسى بن عقبة: ولما فقد ﵊ قال رجل منهم: إنّ رسول الله ﷺ قد قتل، فارجعوا إلى قومكم؛ ليؤمّنوكم قبل أن يأتوكم فيقتلوكم، فإنّهم داخلوا البيوت.
وقال آخرون: إن كان رسول الله ﷺ قتل، أفلا تقاتلون على دينكم، وعلى ما كان عليه نبيّكم، حتى تلقوا الله شهداء؟ منهم أنس «١» بن مالك، شهد له بهذه المقالة عند النّبيّ ﷺ سعد بن معاذ.
(وقال إذ ذلك) أي: وقت صرخ الصارخ: أن مات النّبيّ ﷺ : (لو كان لنا) من الأمر شيء ما قتلنا
стр. 258
ونجل مطعم جبير إذ قتل ... حمزة عمّه طعيمة احتفل
لقتله بأن عليه ذمّرا ... وحشيّه يومئذ وحرّرا
ههنا، قولا صادرا (من دهش) وتحيّر، وفاعل قال:
(قائلهم) معتّب بن قشير، وكان يرمى بالنفاق، وقيل: كان منافقا (فافتتنا) أي: وقع في الفتنة بتلك المقالة، وقيل: لم يكن منافقا؛ لأنّه شهد بدرا، ولم يشهدها منافق.
استشهاد سيدنا حمزة:
(ونجل مطعم) بن عدي بن نوفل بن عبد مناف (جبير) بدل من نجل (إذ قتل حمزة) بن عبد المطلب، فاعل قتل، والمفعول (عمّه طعيمة) بن عديّ؛ يعني: أنّ حمزة عم النّبيّ ﷺ ، لما قتل ببدر طعيمة عم جبير..
(احتفل) أي: تهيّأ نجل مطعم (لقتله) أي: حمزة، وذلك (بأن عليه) يتعلق بقوله: (ذمّرا) بألف الإطلاق؛ أي: بأن حضّ عليه (وحشيّه) غلامه المدعو وحشيا بن حرب الحبشيّ؛ فلذلك أضافه إلى ضميره (يومئذ) أي: يوم أحد (وحرّرا) أي: جعله حرّا إن هو قتله.
روى الإمام البخاريّ في «صحيحه» بسنده إلى جعفر بن عمرو بن أميّة الضمريّ قال: (خرجت مع عبيد الله بن عدي بن الخيار، فلمّا قدمنا حمص.. قال عبيد الله بن عدي:
هل لك في وحشيّ نسأله عن قتل حمزة؟ قلت: نعم، وكان وحشيّ يسكن حمص، فسألنا عنه، فقيل لنا: هو ذاك في ظل
стр. 259
قصره، كأنّه حميت «١» ، قال: فجئنا حتى وقفنا عليه بيسير، فسلّمنا، فردّ السلام، قال: وعبيد الله معتجر «٢» بعمامته، ما يرى وحشيّ إلّا عينيه ورجليه، فقال عبيد الله: يا وحشيّ؛ أتعرفني؟ قال: فنظر إليه، ثمّ قال: لا والله، إلّا أنّي أعلم:
أن عديّ بن الخيار تزوج امرأة يقال لها: أمّ قتال بنت أبي العيص، فولدت له غلاما بمكة، فكنت أسترضع له، فحملت ذلك الغلام مع أمّه، فلكأنّي إذ نظرت إلى قدميك..
نظرت إليه «٣» قال: فكشف عبيد الله عن وجهه، ثمّ قال: ألا تخبرنا بقتل حمزة؟ قال: نعم.
إنّ حمزة قتل طعيمة بن عديّ بن الخيار ببدر، فقال لي مولاي جبير بن مطعم: إن قتلت حمزة بعمّي.. فأنت حرّ، قال: فلمّا أن خرج الناس عام عينين- وعينين: جبل بحيال «٤» أحد، بينه وبينه واد- خرجت مع الناس إلى القتال، فلمّا اصطفوا للقتال.. خرج سباع- يعني ابن عبد العزّى الخزاعيّ ثم الغبشانيّ- فقال: هل من مبارز؟ فخرج إليه حمزة بن عبد المطلب، فقال: يا سباع؛ يا ابن أم أنمار، مقطعة
стр. 260
البظور «١» ، أتحادّ الله ورسوله ﷺ ، قال: ثمّ شدّ عليه، فكان كأمس الذاهب.
قال: وكمنت لحمزة تحت صخرة، فلمّا دنا مني.. رميته بحربتي، فأضعها في ثنّته- يعني عانته- حتى خرجت من بين وركيه؛ قال: فكان ذلك آخر العهد به، فلمّا رجع الناس..
رجعت معهم، فأقمت بمكة حتى فشا فيها الإسلام. ثمّ خرجت إلى الطائف، فأرسلوا إلى رسول الله ﷺ رسولا، فقيل لي: إنّه لا يهيج الرّسل، قال: فخرجت معهم، حتى قدمت على رسول الله ﷺ ، فلمّا رآني.. قال: «أنت وحشيّ؟» قلت: نعم، قال: «أنت قتلت حمزة؟» قلت: قد كان من الأمر ما قد بلغك، قال ﵊: «فهل تستطيع أن تغيّب وجهك عني؟» قال: فخرجت.
فلمّا قبض رسول الله ﷺ ، فخرج مسيلمة الكذّاب، قلت: لأخرجنّ إلى مسيلمة، لعلّي أقتله، فأكافىء به حمزة، قال: فخرجت مع الناس، فكان من أمره ما كان، فإذا رجل في ثلمة جدار، كأنّه جمل أورق «٢» ، ثائر الرأس، قال: فرميته بحربتي، فأضعها بين ثدييه، حتى خرجت من
стр. 261
ودقّه في شدقه ابن حرب ... فقال «ذق عقق» أي ذق حربي
أبلى بلاء حسنا قزمان ... على الحفاظ فله الخسران
بين كتفيه، قال: ووثب إليه رجل «١» من الأنصار، فضربه بالسيف على هامته) اهـ
قال ابن هشام: (فبلغني: أنّ وحشيّا لم يزل يحدّ في الخمر، حتى خلع من الديوان، فكان عمر بن الخطاب يقول: قد قلت: إنّ الله لم يكن ليدع قاتل حمزة) .
استنكار فعلة أبي سفيان بحمزة بعد استشهاده:
(و) بعد ما قتل وحشيّ سيدنا حمزة ﵁ (دقّه في شدقه) أي: جانب فمه بزجّ رمحه أبو سفيان صخر (بن حرب فقال: ذق عقق) بوزن عمر، وهو فاعل العقوق، ضد البر؛ أي: ذق يا عاق جزاء فعلك؛ فلذا قال: (أي: ذق حربي) .
قال ابن إسحاق: (إنّ سيد الأحابيش الحليس بن زبّان مرّ بأبي سفيان وهو يضرب بزج لرمح في شدق سيدنا حمزة، ويقول: ذق عقق، فقال الحليس: يا بني كنانة؛ هذا سيد قريش يصنع بابن عمه ما ترون لحما، فقال: ويحك! اكتمها عني، فإنّها كانت زلّة.
مقتل قزمان العبسي منافقا كما أخبر الرسول ﷺ بذلك:
(أبلى) بالبناء للفاعل؛ أي: اختبر نفسه في الحرب (بلاء) أي: اختبارا (حسنا قزمان) بضم القاف ابن الحارث
стр. 262
وعكسه الأصيرم المخردل ... ليس له غير القتال عمل
العبسي، حليف الأنصار، فقد قتل في ذلك اليوم سبعة أو ثمانية من المشركين، ووصف البلاء بالحسن باعتبار ما يؤول إليه من الظفر والغنيمة أو الشهادة، لكن لم يتم ذلك لقزمان؛ لأنّه إنّما كان يقاتل (على الحفاظ) بكسر الحاء المهملة؛ أي: الحمية، والذب عن المحارم؛ فلذلك قال الناظم:
(فله الخسران) فهو من أهل النار، كما أخبر بذلك ﵊.
وجاء في قزمان هذا قوله ﷺ : «إنّ الله ليؤيد هذا الدين بالرجل الفاجر» ولما قتل ذلك العدد.. هنّىء به فقال: كلا، إن قاتلت إلّا عن أحساب قومي، فلمّا آذته الجراحات.. عمد إلى نفسه فقتلها، فجاء رجل إلى النّبيّ ﷺ كان شقّ عليه قول النّبيّ ﷺ : «إنّ قزمان من أهل النار» مع ما يرى من فعله، فقال: أشهد أنّك رسول الله، قال: «وما ذاك؟» قال:
الذي قلت لنا: «إنّه من أهل النار» قتل نفسه.
استشهاد أصيرم بني عبد الأشهل:
(وعكسه) أي: عكس قزمان عمرو بن ثابت بن وقش بن عبد الأشهل (الأصيرم) بالتصغير، المقاتل في سبيل الله لا حمية، فإنّه لما خرج إلى أحد.. وقع الإسلام في قلبه، فجاء النّبيّ ﷺ ، فقال: يا رسول الله؛ أسلم أم أقاتل؟ فقال: «أسلم وقاتل» فأسلم، وأخذ سلاحه،
стр. 263
وقاتل حتى أثبتته الجراحات، فبينما رجال من بني عبد الأشهل يلتمسون قتلاهم في المعركة.. إذا هم به، فقالوا: والله إنّ هذا للأصيرم، ما جاء به؟ لقد تركناه وإنّه لمنكر لهذا الحديث.
فسألوه: ما جاء بك يا عمرو هنا؟ أحدبا على قومك، أم رغبة في الإسلام؟ قال: بل رغبة في الإسلام، آمنت بالله وبرسوله، وأسلمت، ثمّ أخذت سيفي، فغدوت مع رسول الله ﷺ ، ثم قاتلت حتى أصابني ما أصابني، ثمّ لم يلبث أن مات في أيديهم، فذكروه لرسول الله ﷺ فقال: «إنّه من أهل الجنة» .
(المخردل) بالخاء المعجمة والدال المهملة؛ أي:
المقطع لحمه في الله (ليس له غير القتال) في سبيل الله (عمل) من أعمال الإيمان، فدخل الجنة بمجرد الإيمان، ومن ثمّ كان أبو هريرة يقول: حدّثوني عن رجل دخل الجنة لم يصلّ قطّ، فإذا لم يعرفه الناس قال: أصيرم بني عبد الأشهل.
ثبات رسول الله ﷺ والثابتون معه:
ولمّا انكشف المسلمون بسبب مخالفة أمره ﷺ .. ثبت ﷺ بإجماع، فروى البيهقي عن المقداد: (فو الّذي بعثه بالحق؛ ما زالت قدمه شبرا واحدا، وإنّه لفي وجه العدوّ، تفيء إليه طائفة من أصحابه مرة،
стр. 264
وثبتت مع النّبيّ اثنا عشر ... بين مهاجر وبين من نصر
منهم أبو دجانة وابن أبي ... وقّاص الّذي افتداه بالأب
وتفترق مرة، فربّما رأيته قائما يرمي عن قوسه، ويرمي بالحجر، حتى انحازوا عنه) .
(وثبتت مع النّبي اثنا عشر) رجلا، ولا ثبوت الجبال الرواسي (بين مهاجر وبين من نصر) من الكماة الأشاوس لحديث البراء في «البخاريّ» : (لم يبق مع النّبيّ ﷺ غير اثني عشر رجلا) .
(منهم أبو دجانة) سماك بن خرشة المتقدم؛ فإنّه ترّس بنفسه دونه ﷺ ، يقع النّبل في ظهره وهو منحن عليه، حتى كثر فيه النّبل. (و) سعد (بن أبي وقّاص) بن أهيب بن عبد مناف «١» (الذي افتداه)
стр. 265
وطلحة وفيه شلّت يده ... إذ اتّقى النّبل بها يصمده
رسول الله ﷺ (بالأب) ففي «صحيح البخاريّ» بسنده إلى عبد الله بن شدّاد قال: سمعت عليّا يقول: ما سمعت النّبيّ ﷺ جمع أبويه لأحد إلّا لسعد بن مالك، فإنّي سمعته يقول يوم أحد: «يا سعد؛ ارم، فداك أبي وأمي» .
(و) منهم (طلحة) بن عبيد الله الجواد بنفسه، الفياض بماله، من قضى نحبه، وأرضى ربه، ففي الصحيح بسنده إلى قيس قال: رأيت يد طلحة شلّاء، وقى بها النّبيّ ﷺ يوم أحد؛ فقد قاتل عن رسول الله ﷺ قتالا شديدا حين أحدق به المشركون من كل ناحية، وصار يذبّ بالسيف من بين يديه ومن ورائه، وعن يمينه، وعن شماله، يدور حوله، ويترّس بنفسه دون رسول الله ﷺ ، وإن هو إلّا جنة بنفسه عن رسول الله حتى انكشفوا (وفيه) أي: النّبيّ ﷺ (شلّت يده) بالبناء للفاعل والمفعول: أصابها الشلل، وهو فساد اليد (إذ اتّقى) أي: لأنّ طلحة كان اتقى (النبل) والسهام (بها) أي: بيده
стр. 266
وتحته جلس أن جهضه ... درعاه والجراح فاستنهضه
حال كون النبل (يصمده) بضم الميم؛ أي: يقصد النّبيّ ﷺ .
(وتحته) ﷺ (جلس) أي: طلحة، فرفعه حتى استوى على الصخرة (أن جهضه درعاه) أي: غلبه عن الصعود درعاه، وكان ظاهر ﵊ بين درعين (و) غلبته (الجراح) التي أصابته ذلك اليوم عن الصعود (فاستنهضه) أي: أراد منه بذلك الفعل: أن ينهض ﵊، ويقوى على الصعود.
وفي طلحة يقول سيدنا أبو بكر ﵁:
حمى نبيّ الهدى والخيل تتبعه ... حتى إذا ما التقوا حامى على الدّين
صبرا على الطعن إذ ولّت جماعتهم ... والناس ما بين مهزوم ومفتون
يا طلحة بن عبيد الله قد وجبت ... لك الجنان وكم زوّجت من عين
يشير بقوله: (يا طلحة بن عبيد الله قد وجبت) إلى قوله ﷺ لطلحة في ذلك اليوم: «أوجب طلحة» أي: أحدث أمرا يستوجب به الجنة، قالوا: وكان لطلحة يومئذ المقام المحمود.
وفي هذا اليوم سمّاه طلحة الخير؛ رضي الله تعالى عنه، قال في «الهمزية» :
стр. 267
والعمران وعليّ وعفا ... إلهنا عن الّذي منهم هفا
وثبتت نسيبة المبايعه ... قبل وعن خير الورى مدافعه
طلحة الخير المرتضيه رفيقا ... واحدا يوم فرّت الرّفقاء
فقد كان ﵁ أعظم الناس غناء ودفاعا عن رسول الله ﷺ .
(و) ثبت معه ﷺ (العمران) : أبو بكر وعمر (وعليّ) بن أبي طالب (وعفا إلهنا) بقوله تعالى:
إِنَّ الَّذِينَ تَوَلَّوْا مِنْكُمْ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعانِ إِنَّمَا اسْتَزَلَّهُمُ الشَّيْطانُ بِبَعْضِ ما كَسَبُوا وَلَقَدْ عَفَا اللَّهُ عَنْهُمْ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ حَلِيمٌ (عن الذي منهم هفا) أي: زلّ، يقال: هفا الرجل: زل، وهي الهفوة، للزلة والسقطة، ومنه لكل عالم هفوة، والإنسان كثير الهفوات، والزلّة في قول المؤمنين الذين جالوا يومئذ: لَوْ كانَ لَنا مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ ما قُتِلْنا هاهُنا وأولى بالعفو من لم يقل، وهذا بناء على ما قيل: إنّ الآية نزلت في جميع المؤمنين الذين جالوا، وقيل: نزلت في الذين جالوا دون الذين قالوا تلك المقالة، كعثمان بن عفان، وسعد بن عثمان، وعقبة بن عثمان من بني زريق، وعليه فهفا: بمعنى أسرع.
قال في «القاموس» : هفا يهفو هفوا وهفوة: أسرع وخفّ.
(وثبتت) مع النّبيّ ﷺ (نسيبة) بالتكبير، كما ضبطه غير واحد، وهي أم عمارة بنت كعب
стр. 268
المازنية «١» (المبايعة) رسول الله ﷺ مع زوجها زيد بن عاصم (قبل) أي: قبل أحد، وذلك بالعقبة الثانية، ولم يشهدها من النساء إلّا هي وأختها، كما قاله في «الإصابة» .
(وعن خير الورى مدافعه) بالسيف ضربا، والقوس رميا، دفاع الكماة الأبطال ﵂، فإنّها قالت:
خرجت أوّل النهار، حتى انتهيت إلى رسول الله ﷺ ، فقمت أباشر القتال، وأذبّ عنه ﷺ بالسيف، وأرمي عن القوس، حتى خلصت- أي: وصلت- الجراح إليّ، أصابني ابن قمئة أقمأه الله، لما ولّى الناس عن رسول الله ﷺ .. أقبل يقول: دلّوني على محمد، فلا نجوت إن نجا، قالت: فاعترضت له أنا ومصعب بن عمير وأناس ممّن ثبت مع رسول الله ﷺ فضربني هذه الضربة، ولكن ضربته على ذلك ثلاث ضربات، ولكن عدوّ الله كان عليه درعان.
قالت أم سعد بنت سعد بن الرّبيع: فرأيت على عاتقها
стр. 269
وجرحت فيه وشلّت يدها ... وللتّبرّك الورى تقصدها
في حفرة وقع خير مرسل ... فناشه طلحة والصّهر علي
جرحا أجوف له غور، وكان معها يقاتل ابناها، عبد الله وحبيب ابنا زيد بن عاصم، قال ﵊ لابنها عبد الله: «بارك الله عليكم من أهل بيت، مقام أمك خير من مقام فلان وفلان، ومقام ربيبك- يعني غزية بن عمرو زوج أمه- خير من مقام فلان وفلان، ومقامك خير من مقام فلان وفلان رحمكم الله أهل بيت» .
قالت أم عمارة: ادع الله أن نرافقك في الجنة، قال:
«اللهمّ؛ اجعلهم رفقائي في الجنة» . قالت: ما أبالي ما أصابني من الدنيا أو جرحت.
(وجرحت فيه) أي: في دفاعها ذلك المحمود اثني عشر جرحا، ما بين طعنة برمح، وضربة بسيف (وشلّت) أي:
يبست (يدها) وعاشت بعد ذلك دهرا يقصدها الناس تبرّكا، كما قال (وللتبرّك الورى تقصدها) من مسافة بعيدة، فتمسح يدها الشّلاء على العليل، وتدعو له، فيشفيه الله تعالى.
ما لقيه الرسول ﷺ يوم أحد:
(في حفرة) من الحفر التي حفرها أبو عامر الفاسق ليقع فيها المسلمون وهم لا يعلمون (وقع خير مرسل) ﷺ (فناشه) أي: تناوله (طلحة) بن عبيد الله التيميّ السابق (والصّهر علي) بن أبي طالب ﵄، فأخذ
стр. 270
إذ عتبة هشّ رباعيته ... وشقّ من شقوته شفته
عليّ بيده، واحتضنه طلحة حتى استوى قائما.
(إذ عتبة) أي: وقع ﷺ في حفرة حين عتبة بن أبي وقاص (هشّ) أي: ضرب فكسر (رباعيته) بفتح الراء وتخفيف الياء، السن التي بين الثنيّة والناب؛ لأنّه رماه بأربعة أحجار، فكسر حجر منها رباعيته اليمنى السفلى، كما في رواية ابن هشام.
قال في «شرح المواهب» : (والمراد: أنّها كسرت فذهب منها فلقة، ولم تقع من أصلها، قاله في «الفتح» ) .
(وشق) عتبة (من شقوته) مثلث الشين؛ أي: من شقائه (شفته) ﷺ السفلى.
روى ابن إسحاق عن سعد بن أبي وقاص: ما حرصت على قتل رجل قطّ حرصي على قتل أخي عتبة لما صنع برسول الله ﷺ ، ولقد كفاني منه قول رسول الله ﷺ : «اشتدّ غضب الله على من دمّى وجه رسوله» .
واعلم: أنّه ليس في شيء من الآثار ما يدل على إسلامه، بل فيها ما يصرح بموته على الكفر، قاله في «شرح المواهب» .
قال السهيلي في «الروض» : (لم يولد من نسله ولد فيبلغ الحلم إلّا وهو أبخر، أي منتن الفم، أو أهتم، أي
стр. 271
وشجّه ابن قمئة وابن شهاب ... صلّى عليه الله ما سحّ سحاب
مكسور الثنايا من أصلها، يعرف ذلك في عقبه) اهـ
قلت: وهذا من شؤم الآباء على الأبناء، نسأل الله السلامة والعافية بمنّه وكرمه.
(وشجه) ﵊ عبد الله (بن قمئة) ويقال: ابن قميئة، في وجنته، فدخلت فيها حلقتان من المغفر، وقال حين ذاك: خذها وأنا ابن قمئة، فقال ﷺ : «أقمأك الله» أي: أذلّك وصغّرك «١» .
(و) عبد الله (ابن شهاب) الزّهريّ، وقد أسلم بعد ذلك ﵁، وهو جدّ الإمام محمّد بن مسلم بن عبد الله بن عبيد الله بن شهاب الزّهري، شيخ الإمام مالك، قيل له:
أكان جدك عبد الله شهد بدرا؟ فقال: نعم، ولكن في الجانب الآخر، وأخو عبد الله هذا عبد الله الأكبر من مهاجرة الحبشة، ومات بمكة قبل الهجرة ﵁.
قال في «الهمزية» معربا أنّ هذه الشجة زادته حسنا وجمالا على حسنه وجماله:
مظهر شجّة الجبين على البر ... ء كما أظهر الهلال البراء
стр. 272
وازدرد الدّمّ أبو الخدريّ ... وانتزع الحلقة في النّبيّ
ستر الحسن منه بالحسن فاعجب ... لجمال له الجمال وقاء
فهو كالزّهر لاح من سجف ... الأكمام والعود شقّ عنه اللّحاء
وقال سيدنا حسان ﵁، في وصف جبينه الشريف وأحسن:
متى يبد في الداجي البهيم جبينه ... يلح مثل مصباح الدّجى المتوقد
فمن كان أو من قد يكون كأحمد ... نظاما لحقّ أو نكالا لملحد
(صلّى عليه الله) وسلّم (ما سحّ) صبّ (سحاب) بالمطر، واتصلت عيون بنظر، والمقصود: الدعاء المستمر.
(وازدرد) أي: ابتلع (الدم) من رسول الله ﷺ ؛ أي: دم جراحاته مالك بن سنان ﵁، وهو (أبو) أبي سعيد (الخدريّ) وحين امتصه قال ﵊: «من مسّ دمي دمه لم تصبه النار» .
وفيه من الفقه أنّ دم رسول الله ﷺ يخالف غيره من الدماء في التحريم، وأنّ دمه طاهر، حيث لم يغسل منه فمه، ولم يأمره بذلك.
стр. 273
أبو عبيدة فكان أثر ما ... بساقط الثّنيّتين أعلما
بملء درقة من المهراس ... جاء ليشرب شفيع النّاس
(وانتزع الحلقة) من المغفر (في) جرح (النّبيّ) ﷺ الذي جرحه ابن قمئة، وهما حلقتان، وفاعل انتزع هو قوله: (أبو عبيدة) عامر بن الجراح انتزع إحداهما، فسقطت ثنيته، ثمّ انتزع الأخرى، فسقطت ثنيته الأخرى (فكان) أبو عبيدة (أثرما) بفتح الهمزة وهو ساقط الثنيتين أو إحداهما، والرّباعيات، وهو هنا ساقط الثنيتين، فلذلك قال: (بساقط الثنيتين) والباء سببية.
وقوله: (أعلما) خبر بعد خبر لكان.
والأعلم كأحمر: الرجل المشقوق الشفة العليا، ومؤنثه علماء، ويقابله الأفلح، وهو: مشقوق الشفة السفلى، قال العلّامة الزمخشري في أبيات:
ومذ أفلح الجهّال أيقنت أنّني ... أنا الميم والأيام أفلح أعلم
(بملء درقة) بالتحريك وقد تسكن الراء كما هنا:
الجحفة «١» (من المهراس) بيان لقوله: (بملء) المتعلق بقوله: (جاء) والمهراس، بكسر الميم: صخرة منقورة تمسك الماء فيتوضّأ منه، شبه بالمهراس الذي هو الهاون، قال السّهيليّ: (وهم المبرّد، فجعل المهراس اسما علما
стр. 274
حيدرة فعافه ورحضا ... عن وجهه الدّمّ ففاز بالرّضا
للمهراس الذي بأحد خاصة، وإنّما هو اسم لكل حجر نقر، فأمسك الماء) .
يعني: أنّه لما انتهى رسول الله ﷺ إلى فم الشّعب.. جاء بالماء الذي ملأ به الدرقة (ليشرب شفيع الناس) ﷺ منه (حيدرة) لقب لسيدنا علي ﵁، وهو فاعل لجاء، فلمّا جاء به.. وجد له ريحا (فعافه) أي: كرهه ولم يشرب منه (ورحضا) بالحاء المهملة المفتوحة: أي غسل (عن وجهه) الشريف (الدم) وصبّ على رأسه (ففاز) سيدنا علي ﵁ (بالرضا) من الله تعالى، ومن رسوله ﷺ .
قال في «شرح المواهب» : (وهذا وقع قبل انصراف الكفار من عليّ وحده، ثمّ لمّا انصرفوا- كما في رواية الطبراني- أتت السيدة فاطمة ﵂ فجعلت تغسل، وعلي يسكب، وهو ﷺ يقول: «اشتدّ غضب الله على من دمّى وجه نبيه» رواه البخاريّ) .
قال في «روض النّهاة» : (إنّ عليّا وفاطمة ﵄ كانا يغسلان الدم، ويزداد سيلانا، فعمدت السيدة فاطمة ﵂ إلى حصير فأحرقته، ووضعته في الجرح، فرقأ الدم، وأعطاها رسول الله ﷺ يومئذ سيفه، وقال: «اغسلي يا بنيّة هذا، فقد والله صدقني
стр. 275
اليوم «١» » ثمّ ناولها عليّ سيفه، وقال: وهذا فاغسليه، فقد صدقني. فقال رسول الله ﷺ : «إن كنت أحسنت القتال، فقد أحسنه معك عاصم بن ثابت، وأبو دجانة، والحارث بن الصّمة، وسهيل بن حنيف» وقال ﵁:
أفاطم هاء السّيف غير ذميم ... فلست برعديد ولا بلئيم
وهبّت يومئذ ريح سمعوا فيها قائلا يقول:
لا سيف إلّا ذو الفقا ... ر ولا فتى إلّا عليّ
ومرّ رسول الله ﷺ بامرأة من بني النجار، ثمّ من بني دينار وقد أصيب زوجها وأخوها وأبوها مع رسول الله ﷺ يومئذ، فلمّا نعوا إليها..
قالت: فما فعل رسول الله ﷺ ؟ قالوا: خيرا يا أمّ فلان، هو بحمد الله كما تحبّين، قالت: أرونيه حتى أنظر إليه، فأشير لها إليه، حتى إذا رأته.. قالت: كلّ مصيبة بعدك جلل؛ أي: حقيرة.
قلت: ومن هذا تعرف مقدار ما يحمل الأصحاب الكرام من محبة صادقة لرسول الله ﷺ لا فرق بين
стр. 276
صغير وكبير، ورجل وامرأة.
وإليك حادثة أخرى من هذا الطراز تزداد بها حبا، ويقينا، وإيمانا وعقيدة في شأن هؤلاء السادة الأبطال العظام الذين يفخر بهم الإسلام.
يقول العلّامة المقريزي في «الإمتاع» : (خرج عمرو بن الجموح وهو أعرج إلى أحد وهو يقول: اللهمّ؛ لا تردّني إلى أهلي، فقتل شهيدا، واستشهد ابنه خلاد وعبد الله بن عمرو بن حرام الخزرجي، فحملتهم هند بنت عمرو بن حرام زوجة عمرو بن الجموح على بعير لها تريد بهم المدينة، فلقيتها عائشة ﵂ وقد خرجت عائشة في نسوة تستروح الخبر، ولم يضرب الحجاب يومئذ.
فقالت لها: عندك الخبر، فما وراءك، أمّا رسول الله..
فصالح، وكل مصيبة بعده جلل، واتخذ الله من المؤمنين شهداء، وردّ الله الذين كفروا بغيظهم لم ينالوا خيرا، وكفى الله المؤمنين القتال، وكان الله قويا عزيزا، قالت عائشة: من هؤلاء؟ قالت: أخي وابن خلاد وزوجي عمرو بن الجموح، قالت: فأين تذهبين بهم؟ قالت: إلى المدينة أقبرهم فيها، ثم قالت: حل- تزجر بعيرها- فبرك. فقالت عائشة: لما عليه، قالت: ما ذاك به، لربما حمل ما يحمل البعيران، ولكني أراه لغير ذلك، وزجرته فقام، فوجّهته راجعة إلى أحد، فأسرع.
فرجعت إلى النّبيّ ﷺ فأخبرته بذلك،
стр. 277
فقال: «إنّ الجمل مأمور، هل قال عمرو شيئا؟» قالت: إنّ عمرا لما وجه إلى أحد.. قال: اللهمّ؛ لا تردّني إلى أهلي خزيان، وارزقني الشهادة، فقال رسول الله ﷺ : «فلذلك الجمل لا يمضي، إن منكم يا معشر الأنصار من لو أقسم على الله.. لأبرّه، منهم: عمرو بن الجموح، يا هند؛ ما زالت الملائكة مظلة على أخيك من لدن قتل إلى الساعة، ينظرون أين يدفن» ، ثمّ مكث ﵊ حتى قبرهم، ثمّ قال: «يا هند؛ قد ترافقوا في الجنة عمرو بن الجموح وابنك خلاد وأخوك عبد الله» قالت:
يا رسول الله؛ ادع الله أن يجعلني معهم) اهـ
وهذه الحوادث مشهورة في كتب السير الصحيحة، وفيها برهان واضح على كمال إيمان هؤلاء الأصحاب الكرام، ومنهم تلك المرأة التي أصيبت بزوجها عميد أسرتها، وابنها فلذة كبدها، وأخيها في يوم واحد، مبتهجة قائلة: كل مصيبة دونك يا رسول الله جلل.
نعم؛ صدقت، وصدقوا؛ لأنّهم أخبروا بأمر واقعي تكنه صدورهم وتعرب عنه ألسنتهم، وهذا العمل الخالد المبرور منهم قلّ من جل، ممّا يعبر عن محبتهم الصادقة وإيمانهم الكامل، وحسبهم شرفا ثناء الله عليهم في الكتاب القديم قبل بروزهم إلى هذا الوجود، فجدير بنا أن نتّخذ لهم من سويداء قلوبنا محلا نجعلهم فيه، ونتّخذ لنا من أمثال هذه الحوادث
стр. 278
قتادة ذو العين ردّها النّبي ... بقوسه وقد تشظّظت حبي
درسا نقتدي بهم فيه؛ حتى ننال سعادة الدارين بشرف هذا الحب الخالص، وجدير بأبنائنا وشبابنا أن يتخذوا من سيرة الرسول العطرة وأصحابه الكرام ما يجعلونه سميرهم في هذه الحياة.
بلاء قتادة والمعجزة في حادثة عينه:
(قتادة) أي: ممّن ثبت قتادة بن النعمان بن زيد الأوسيّ «١» (ذو العين) التي أصيبت يوم أحد، فوقعت على وجنته، فأتى بها النّبيّ ﷺ ، فقال له: «إن شئت صبرت، ولك الجنة، وإن شئت رددتها ودعوت الله لك، فلم تفقد منها شيئا» فقال: يا رسول الله؛ إنّ الجنة لجزاء جميل، وعطاء جليل، ولكني رجل مبتلى بحب النساء، وأخاف أن يقلن أعور، فلا يردنني، ولكن تردّها وتسأل الله لي الجنة، فقال: «أفعل يا قتادة» ، ف (ردها النّبي) ﷺ ، بأن أخذها بيده الشريفة، وردها إلى موضعها، وقال: «اللهمّ اكسه جمالا» .
وروى الطبرانيّ وأبو نعيم عن قتادة: (كنت أتّقي السهام بوجهي دون وجهه ﷺ ، فكان آخرها سهما ندرت منه حدقتي، فأخذتها بيدي، وسعيت إلى رسول الله
стр. 279
صلى الله عليه وسلم، فلمّا رآها في كفّي.. دمعت عيناه، فقال: «اللهمّ؛ ق قتادة كما وقى وجه نبيّك، فاجعلها أحسن عينيه، وأحدّهما نظرا» فكانت كذلك) .
قال البرهان في «النور» : (روى الأصمعيّ عن أبي معشر قال: قدم على عمر بن عبد العزيز رجل من ولد قتادة، فقال ممّن الرجل؟ فقال:
أنا ابن الذي سالت على الخدّ عينه ... فردّت بكف المصطفى أحسن الرّدّ
فعادت كما كانت لأول أمرها ... فيا حسن ما عين ويا حسن ما خدّ
فقال عمر:
تلك المكارم لا قعبان من لبن ... شيبا بماء فعادا بعد أبوالا
وفي رواية: فقال عمر: بمثل هذا فليتوسل المتوسلون.
ووصله وأحسن جائزته) .
وقال البوصيريّ يصف راحته الكريمة ﵊:
وأعادت على قتادة عينا ... فهي حتى مماته النجلاء
وقد تضمنت هذه معجزة له ﵊، ومزية لسيدنا قتادة، وأشار لمزية له أخرى بقوله: (بقوسه) أي:
стр. 280
أوّل من عرفه فبشّرا ... به ابن مالك قريع الشّعرا
بقوس النّبيّ ﷺ ، وهو يتعلق بقوله:
(حبي) .
(وقد) أي: والحال أنّها قد (تشظّظت) بالبناء للفاعل؛ أي: تفرقت (حبي) أي: أعطي قتادة بلا جزاء.
قال ابن إسحاق: «وحدّثني عاصم بن عمرو بن قتادة:
أنّ رسول الله ﷺ رمى عن قوسه حتى اندقت سيتها «١» ، فأخذها قتادة بن النعمان فكانت عنده» .
فائدة:
قال في «الحلبية» : (هذا القوس هو الذي أخذه رسول الله ﷺ من سلاح بني قينقاع لما أجلاهم عن المدينة، ويسمى: الكتوم؛ لأنّه لا يسمع له صوت إذا رمي به) .
أوّل من بشر المسلمين بحياته ﷺ :
(أوّل من عرفه) ﷺ بعد التحدث بقتله، وخفائه عن أعينهم، (فبشّرا به) مناديا بأعلى صوته: يا معشر المسلمين؛ هذا رسول الله ﷺ .. هو كعب (ابن مالك) الخزرجيّ السّلمي، العقبيّ «٢» (قريع) أي:
стр. 281
فعاودوه وتساقطوا عليه ... ونهضوا للشّعب إذ أووا إليه
سيد (الشعرا) المجموعين في قول الحافظ السيوطي:
وشعراء المصطفى ذوو الشان ... ابن رواحة وكعب حسّان
والمراد: الشعراء المشهورون، وإلّا.. فكم له ﷺ من شاعر يمدحه وينافح عنه من أصحابه.
روى الطبرانيّ برجال ثقات عن كعب: (لما كان يوم أحد، وصرنا إلى الشّعب.. كنت أول من عرف رسول الله ﷺ ، فقلت: هذا رسول الله، فأشار إليّ بيده: أن اسكت، ثمّ ألبسني لأمته، ولبس لأمتي، فقد ضربت حتى جرحت عشرين جراحة، أو قال: بضعا وعشرين، كل من يضربني يحسبني رسول الله ﷺ .
عودتهم للرسول ﷺ :
(ف) لمّا سمع الصحب الكرام ذلك (عاودوه) أي:
النّبيّ ﷺ مسرعين (وتساقطوا) أي: تتابعوا
стр. 282
فبايعوا على الممات المجتبى ... صلّى عليه الله ما هبّ الصّبا
وبعد ما اطمأنّ في الشّعب علت ... عالية من فوقهم فأنزلت
في وقوعهم (عليه) لكثرتهم، فلم يكن التتابع توانيا منهم (ونهضوا) معه ﷺ (للشّعب) لينظر حال الناس، هو بكسر الشين: الطريق في الجبل (إذ أووا) أي:
التجأوا (إليه) ﷺ .
(فبايعوا على الممات المجتبى) أي: المختار (صلّى عليه الله) وسلّم (ما هبّ) ريح (الصّبا) وهي ريح النصر.
قال اليعمريّ في «العيون» : (لما عرف المسلمون رسول الله ﷺ .. نهضوا به، ونهض معهم نحو الشّعب، معه أبو بكر، وعمر، وعليّ، وطلحة، والزّبير، والحارث بن الصّمة، ورهط من المسلمين، وقال موسى بن عقبة: بايعوه على الموت) .
(وبعد ما اطمأنّ) رسول الله ﷺ (في الشّعب) معه أولئك النفر (علت عالية) جماعة من مشركي قريش الجبل (من فوقهم) فقال ﷺ :
«اللهمّ؛ إنّه لا ينبغي لهم أن يعلونا» (فأنزلت) الجماعة العالية من الجبل لما قاتلهم عمر بن الخطاب، ورهط من المهاجرين.
قال اليعمريّ: (ونهض رسول الله ﷺ إلى صخرة من الجبل ليعلوها، وقد كان
стр. 283
صلّى بهم وقعدوا وقعدا ... ظهرا لما من الجراح أجهدا
بدّن «١» رسول الله ﷺ ، وظاهر بين درعين، فلمّا ذهب لينهض.. لم يستطع، فجلس تحته طلحة بن عبيد الله، فنهض به حتى استوى عليها) .
قال ابن إسحاق: (فقال رسول الله ﷺ ، كما حدّثني يحيى بن عباد بن عبد الله بن الزّبير، عن أبيه عن عبد الله، عن الزّبير قال سمعت رسول الله ﷺ يقول يومئذ: «أوجب طلحة» «٢» حين صنع برسول الله ﷺ ما صنع) .
قال ابن هشام: (وبلغني عن عكرمة عن ابن عباس: أنّ رسول الله ﷺ لم يبلغ الدرجة المبنيّة في الشّعب) .
(صلّى) رسول الله ﷺ (بهم) أي:
بالصحابة (وقعدوا) متابعة، أو من الجراح التي أصابتهم (وقعدا) ﵊ (ظهرا) معمول لقوله:
(صلّى) ، (لما) أي: للجراح التي أجهدته، وشقت عليه، فقوله: (من الجراح) بيان لما (أجهدا) .
قال ابن هشام: (وصلّى النّبيّ ﷺ الظهر يومئذ قاعدا، من الجراح التي أصابته، وصلّى المسلمون خلفه قعودا) .
стр. 284
واستبدلت هند من اللآلي ... قلائدا من آنف الرّجال
وطوّقت وحشيّها الفريدا ... وأدبرت تردّد النّشيدا
تمثيل هند بنت عتبة بالشهداء:
(واستبدلت هند) بنت عتبة بن ربيعة المتقدم في بدر «١» (من اللآلي) جمع لؤلؤة: الدر (قلائدا) : جمع قلادة، وهي ما يجعل في العنق؛ يعني: أنّها جعلت (من آنف الرجال) قلائد بدلا من اللآلي، وآنف على أفعل: جمع أنف.
قال ابن إسحاق: (ووقفت هند بنت عتبة والنسوة اللاتي معها يمثّلن بالقتلى من أصحاب رسول الله ﷺ يجدعن: أي يقطعن الآذان، والأنوف حتى اتخذت هند من آذان الرجال وآنفهم خدما «٢» وقلائد، وأعطت خدمها وقلائدها وقرطها وحشيا كما قال: (وطوقت وحشيّها الفريدا) ، وهو الدر إذا نظم وفصّل بغيره، أي: ألبسته الفريد، وجعلته طوقا في عنقه، وأضيف إليها، إمّا لأنّه لبني عبد مناف، وهي من رؤسائهم يومئذ بمكّة، أو لرضاها عنه يومئذ حتّى جعلته كالابن، أو لغير ذلك.
стр. 285
نحن جزيناكم بيوم بدر ... والحرب بعد الحرب ذات سعر
ما كان عن عتبة لي من صبر ... ولا أخي وعمّه وبكر
(وأدبرت تردّد النشيدا) بأعلى صوتها، وتقول:
(نحن جزيناكم بيوم بدر ... والحرب بعد الحرب ذات سعر «١»
ما كان عن عتبة لي من صبر ... ولا أخي وعمّه وبكر «٢» )
وبعده:
شفيت نفسي وقضيت نذري ... شفيت وحشيّ غليل صدري «٣»
فشكر وحشيّ عليّ عمري ... حتى ترمّ أعظمي في قبري «٤»
قال في «روض النّهاة» : (ليس بكرها حنظلة بن أبي سفيان، ولا قيس بن الفاكه، كما يزعم بعض الجهلة؛ لأنّ حنظلة أمه صفية بنت أبي العاص عمة عثمان، وأمّا قيس بن الفاكه.. فأمه أم عثمان بنت عم أبيه الفاكه، وهند أول ما ولدت من الرجال: أبان بن حفص بن المغيرة، لكن