← Сира

Сира · id 9772

إنارة الدجى في مغازي خير الورى صلى الله عليه وآله وسلم

حسن بن محمد مشاط

Полный текст (820 стр.). Показаны 281–320 · переход к 286.

стр. 281

فعاودوه وتساقطوا عليه ... ونهضوا للشّعب إذ أووا إليه سيد (الشعرا) المجموعين في قول الحافظ السيوطي: وشعراء المصطفى ذوو الشان ... ابن رواحة وكعب حسّان والمراد: الشعراء المشهورون، وإلّا.. فكم له ﷺ من شاعر يمدحه وينافح عنه من أصحابه. روى الطبرانيّ برجال ثقات عن كعب: (لما كان يوم أحد، وصرنا إلى الشّعب.. كنت أول من عرف رسول الله ﷺ ، فقلت: هذا رسول الله، فأشار إليّ بيده: أن اسكت، ثمّ ألبسني لأمته، ولبس لأمتي، فقد ضربت حتى جرحت عشرين جراحة، أو قال: بضعا وعشرين، كل من يضربني يحسبني رسول الله ﷺ . عودتهم للرسول ﷺ : (ف) لمّا سمع الصحب الكرام ذلك (عاودوه) أي: النّبيّ ﷺ مسرعين (وتساقطوا) أي: تتابعوا

стр. 282

فبايعوا على الممات المجتبى ... صلّى عليه الله ما هبّ الصّبا وبعد ما اطمأنّ في الشّعب علت ... عالية من فوقهم فأنزلت في وقوعهم (عليه) لكثرتهم، فلم يكن التتابع توانيا منهم (ونهضوا) معه ﷺ (للشّعب) لينظر حال الناس، هو بكسر الشين: الطريق في الجبل (إذ أووا) أي: التجأوا (إليه) ﷺ . (فبايعوا على الممات المجتبى) أي: المختار (صلّى عليه الله) وسلّم (ما هبّ) ريح (الصّبا) وهي ريح النصر. قال اليعمريّ في «العيون» : (لما عرف المسلمون رسول الله ﷺ .. نهضوا به، ونهض معهم نحو الشّعب، معه أبو بكر، وعمر، وعليّ، وطلحة، والزّبير، والحارث بن الصّمة، ورهط من المسلمين، وقال موسى بن عقبة: بايعوه على الموت) . (وبعد ما اطمأنّ) رسول الله ﷺ (في الشّعب) معه أولئك النفر (علت عالية) جماعة من مشركي قريش الجبل (من فوقهم) فقال ﷺ : «اللهمّ؛ إنّه لا ينبغي لهم أن يعلونا» (فأنزلت) الجماعة العالية من الجبل لما قاتلهم عمر بن الخطاب، ورهط من المهاجرين. قال اليعمريّ: (ونهض رسول الله ﷺ إلى صخرة من الجبل ليعلوها، وقد كان

стр. 283

صلّى بهم وقعدوا وقعدا ... ظهرا لما من الجراح أجهدا بدّن «١» رسول الله ﷺ ، وظاهر بين درعين، فلمّا ذهب لينهض.. لم يستطع، فجلس تحته طلحة بن عبيد الله، فنهض به حتى استوى عليها) . قال ابن إسحاق: (فقال رسول الله ﷺ ، كما حدّثني يحيى بن عباد بن عبد الله بن الزّبير، عن أبيه عن عبد الله، عن الزّبير قال سمعت رسول الله ﷺ يقول يومئذ: «أوجب طلحة» «٢» حين صنع برسول الله ﷺ ما صنع) . قال ابن هشام: (وبلغني عن عكرمة عن ابن عباس: أنّ رسول الله ﷺ لم يبلغ الدرجة المبنيّة في الشّعب) . (صلّى) رسول الله ﷺ (بهم) أي: بالصحابة (وقعدوا) متابعة، أو من الجراح التي أصابتهم (وقعدا) ﵊ (ظهرا) معمول لقوله: (صلّى) ، (لما) أي: للجراح التي أجهدته، وشقت عليه، فقوله: (من الجراح) بيان لما (أجهدا) . قال ابن هشام: (وصلّى النّبيّ ﷺ الظهر يومئذ قاعدا، من الجراح التي أصابته، وصلّى المسلمون خلفه قعودا) .

стр. 284

واستبدلت هند من اللآلي ... قلائدا من آنف الرّجال وطوّقت وحشيّها الفريدا ... وأدبرت تردّد النّشيدا تمثيل هند بنت عتبة بالشهداء: (واستبدلت هند) بنت عتبة بن ربيعة المتقدم في بدر «١» (من اللآلي) جمع لؤلؤة: الدر (قلائدا) : جمع قلادة، وهي ما يجعل في العنق؛ يعني: أنّها جعلت (من آنف الرجال) قلائد بدلا من اللآلي، وآنف على أفعل: جمع أنف. قال ابن إسحاق: (ووقفت هند بنت عتبة والنسوة اللاتي معها يمثّلن بالقتلى من أصحاب رسول الله ﷺ يجدعن: أي يقطعن الآذان، والأنوف حتى اتخذت هند من آذان الرجال وآنفهم خدما «٢» وقلائد، وأعطت خدمها وقلائدها وقرطها وحشيا كما قال: (وطوقت وحشيّها الفريدا) ، وهو الدر إذا نظم وفصّل بغيره، أي: ألبسته الفريد، وجعلته طوقا في عنقه، وأضيف إليها، إمّا لأنّه لبني عبد مناف، وهي من رؤسائهم يومئذ بمكّة، أو لرضاها عنه يومئذ حتّى جعلته كالابن، أو لغير ذلك.

стр. 285

نحن جزيناكم بيوم بدر ... والحرب بعد الحرب ذات سعر ما كان عن عتبة لي من صبر ... ولا أخي وعمّه وبكر (وأدبرت تردّد النشيدا) بأعلى صوتها، وتقول: (نحن جزيناكم بيوم بدر ... والحرب بعد الحرب ذات سعر «١» ما كان عن عتبة لي من صبر ... ولا أخي وعمّه وبكر «٢» ) وبعده: شفيت نفسي وقضيت نذري ... شفيت وحشيّ غليل صدري «٣» فشكر وحشيّ عليّ عمري ... حتى ترمّ أعظمي في قبري «٤» قال في «روض النّهاة» : (ليس بكرها حنظلة بن أبي سفيان، ولا قيس بن الفاكه، كما يزعم بعض الجهلة؛ لأنّ حنظلة أمه صفية بنت أبي العاص عمة عثمان، وأمّا قيس بن الفاكه.. فأمه أم عثمان بنت عم أبيه الفاكه، وهند أول ما ولدت من الرجال: أبان بن حفص بن المغيرة، لكن

стр. 286

لم نقف على أنّه قتل يوم بدر، ولا على نفيه عنه) اهـ وأجابتها هند بنت أثاثة بن عبّاد بن المطلب المطلبية، أخت مسطح بقولها: خزيت «١» في بدر وبعد بدر ... يا بنت وقاع عظيم الكفر صبّحك الله غداة الفجر ... ملهاشميين «٢» الطوال الزّهر بكل قطّاع «٣» حسام يفري ... حمزة ليثي وعليّ صقري إذ رام شيب وأبوك غدري ... فخضبا منه ضواحي النحر «٤» ونذرك السّوء فشرّ نذر قال في «شرح المواهب» : (قال الحافظ أبو الرّبيع في «الإكتفاء» : هذا قول هند والكفر يحنقها، والوتر يقلقها،

стр. 287

كلا المجدّع وسعد المفتدى ... سأل ربّ العرش منهم أسدا والحزن يحرقها، والشيطان ينطقها، ثمّ إنّ الله هداها إلى الإسلام، وعبادة الله، وترك الأصنام، أخذ بحجزتها عن سوء النار، ودلّها على دار السلام، فصلحت حالها، وتبدّلت أقوالها، حتّى قالت له ﷺ : والله يا رسول الله؛ ما كان على أهل الأرض أهل خباء أحبّ إليّ أن يذلوا من أهل خبائك، وما أصبح اليوم أهل خباء أحبّ إليّ أن يعزّوا من أهل خبائك، فالحمد لله الذي هدانا برسوله أجمعين) . استشهاد عبد الله بن جحش كما سأل ربه: (كلا المجدّع) بصيغة اسم المفعول في الأصل: المقطوع الأذن، أو الأنف، أو هما، أو اليد، أو الشفة، والمراد به هنا: سيدنا عبد الله بن جحش «١» ؛ فإنّه قطع في هذا

стр. 288

اليوم أنفه وأذناه في سبيل الله تعالى (وسعد) بالجر معطوف على (المجدّع) الواقع مضافا إليه، وهو سيدنا سعد بن أبي وقاص (المفتدى) أي: الذي افتداه النّبيّ ﷺ بأبويه، ولم يفد بهما غيره، قيل: والزّبير يوم الخندق. وفاعل قوله: (سأل) عائد على كلا الواقع مبتدأ، خبره جملة سأل (ربّ العرش) (منهم أسدا) أي: رجلا شجاعا يقاتل كل منهما في سبيله تعالى. وذلك ما حدّث به سعد: أنّه لقي يوم أحد أوّل النهار عبد الله بن جحش، فخلا به، وقال له عبد الله: يا سعد؛ هلمّ فلندع الله، وليذكر كل منا حاجته في دعائه، وليؤمّن الآخر، قال سعد: فدعوت الله أنّي ألقى فارسا شديدا بأسه، شديدا حرده «١» فأقتله، وآخذ سلبه، فقال: اللهمّ؛ آمين، ثمّ استقبل عبد الله القبلة، ورفع يديه إلى السّماء، وقال: اللهمّ؛ لقّني فارسا شديدا بأسه، شديدا حرده، يقتلني ويجدع أنفي وأذني، فإذا لقيتك غدا تقول لي: يا عبد الله؛ فيم جدع أنفك؟ فأقول: فيك وفي رسولك، فتقول: صدقت، قل يا سعد: آمين، قال: فقلت: آمين، ثمّ مررت به آخر النهار قتيلا مجدوع الأنف والأذنين، وإنّ أنفه وأذنيه معلّقتان في خيط، ولقيت أنا فلانا من المشركين، فقتلته، وأخذت سلبه.

стр. 289

أمّا المجدّع فللشّهاده ... وسعد الفتك به أراده وإذ أبو رهم الغفاريّ نحر ... بريقه في الحين قام مستمر وإلى ذلك أشار بقوله: (أمّا المجدع فللشهادة) كان سؤاله، فظفر بها (و) أمّا (سعد) فأراد (الفتك به) فهو مفعول لفعل مقدر يفسره قوله: (أراده) . والفتك: هو ارتكاب ما همّ من الأمر، وانتهاز الفرصة بالقتل، وهو المراد هنا، وهذا ليس من تمنّي الموت المنهي عنه، وإنّما يكون المنهي عنه لضرّ نزل به، وقاتل عبد الله كما في «الإصابة» أبو الحكم ابن الأخنس بن شريق لعنه الله تعالى وقد قتل يومئذ والحمد لله، وكانت سنّ سيدنا عبد الله بن جحش يومئذ بضعا وأربعين سنة، ودفن مع خاله سيدنا حمزة بن عبد المطلب في قبر واحد ﵄. (وإذ أبو رهم) بضم الراء مع إسكان الهاء، وهو سيدنا كلثوم بن الحصين (الغفاري نحر) بالبناء للمفعول؛ أي: أصابه سهم في نحره. (بريقه) ﷺ ، وهو يتعلق بقوله: قام (في الحين) أي: في وقته (قام مستمر) أي: قام مستمرا بالبرء في حين بصق عليه ﷺ ، وأبو رهم هذا هو الذي استخلفه ﷺ على المدينة لمّا توجه إلى فتح مكّة، هو ممّن بايع تحت الشجرة.

стр. 290

واستشهد اللّذان قد تخلّفا ... لكبر فلحقا وزحفا هما حسيل اليماني أسلمه ... حذيفة إذ أهلكته المسلمه استشهاد حسيل بن جابر اليماني: (واستشهد) بالبناء للفاعل؛ أي: طلب الشهادة (اللذان قد تخلّفا) أي: قعدا عن الخروج ابتداء مع النّبيّ ﷺ (لكبر) بكسر الكاف وفتح الباء (فلحقا) أي: بالنّبيّ ﷺ (وزحفا) أي: قاتلا، والزحف الدنو من القتال. و (هما) سيدنا (حسيل) بالتصغير، ابن جابر بن عمرو بن ربيعة بن جروة (اليماني) سمي بذلك لأنّه أصاب دما في قومه، فهرب إلى المدينة، فحالف بني عبد الأشهل، فسمي به لمحالفته اليمانية، وهم الأنصار (أسلمه) أي: أعطاه ابنه (حذيفة) «١» للمسلمين؛ يعني: ردّ ديّته ولم يقبلها

стр. 291

وثابت بن وقش المستشهد ... أخوه وابناه وكلّ وتد من المسلمين (إذ أهلكته المسلمة) خطأ، اختلفت عليه أسيافهم، يظنونه من المشركين، وكان الذي قتله خطأ سيدنا عتبة بن مسعود «١» ﵁. تنبيه: وقع في «شرح مسلم» للأبّي عن القرطبي: أنّ صاحب هذه القصة عبد الله بن عمرو بن حرام، وأنّه قتله المسلمون خطأ، وهو وهم؛ فلذا اقتضى التنبيه عليه، والله أعلم. استشهاد ثابت بن وقش، وأخيه رفاعة، وابنيه الأصيرم، وسلمة: (وثابت بن وقش) بالرفع، معطوف على حسيل، قال ابن إسحاق: (حدّثني عاصم بن عمر بن قتادة، عن محمود بن لبيد، قال: لمّا خرج رسول الله ﷺ إلى أحد.. رفع حسيل بن جابر اليماني أبو حذيفة بن اليمان، وثابت بن وقش في الآطام، مع النساء والصبيان،

стр. 292

فقال أحدهما لصاحبه وهما شيخان: لا أبا لك! ما ننتظر؟! فوالله إن بقي لواحد منا من عمره إلّا ظمء حمار «١» ، إنّما نحن هامة اليوم أو غد، أفلا نأخذ أسيافنا، ثمّ نلحق برسول الله ﷺ ، لعلّ الله يرزقنا شهادة مع رسول الله ﷺ ، فأخذا أسيافهما، ثمّ خرجا، حتى دخلا في الناس، ولم يعلم بهما. فأمّا ثابت بن وقش.. فقتله المشركون، وأمّا حسيل بن جابر.. فاختلفت عليه أسياف المسلمين، فقتلوه ولا يعرفونه، فقال حذيفة: أبي والله! فقالوا: والله إن عرفناه! وصدقوا. قال حذيفة: يغفر الله لكم والله أرحم الراحمين. فأراد رسول الله ﷺ أن يديه، فتصدّق حذيفة بديته على المسلمين. فزاده ذلك عند رسول الله ﷺ خيرا. وقوله: (المستشهد) بالرفع: صفة لثابت (أخوه) رفاعة بن وقش، فإنّه استشهد يوم أحد (وابناه) أي: ثابت، وهما: عمرو بن ثابت بن وقش الملقب بالأصيرم، المتقدم خبره، وسلمة بن ثابت رضي الله تعالى عنهم، ونفعنا بحبهم، (وكلّ) من المذكورين (وتد) بفتحتين، شبههم بالجبال، التي هي أوتاد الأرض، تشبيها بليغا، لشرفهم في قومهم، وفضلهم في الإسلام.

стр. 293

وابن الرّبيع سعد اللّذ سألا ... نبيّنا عنه فألفي على شفا الشّهادة فأرسل الرّضا ... إلى النّبيّ بالسّلام والرّضا استشهاد سعد بن الرّبيع: (و) استشهد (ابن الرّبيع) بن عمرو بن أبي زهير بن مالك بن امرئ القيس بن مالك الأغرّ بن ثعلبة بن كعب بن الحارث، واسمه (سعد، اللذ سألا نبيّنا) ﷺ (عنه) يوم أحد بعد إسفارهم عن المعركة، فقال: «من رجل ينظر لي ما فعل سعد بن الرّبيع، أفي الأحياء هو أم في الأموات؟» فقال رجل: أنا يا رسول الله، قيل: هو أبيّ بن كعب، وقيل: محمّد بن مسلمة، فنادى في الأموات فلم يجبه، إلى أن قال: يا سعد؛ إنّ النّبيّ ﷺ بعثني أنظر له ما صنعت؟ أفي الأحياء أنت أم في الأموات؟ قال: فأجابني بصوت ضعيف: أنا في الأموات، فأبلغ رسول الله ﷺ عنّي السّلام، وقل له إنّ سعد بن الرّبيع يقول لك: جزاك الله عنّا خير ما جزى نبيّا عن أمّته، وأبلغ قومك عنّي السلام، وقل لهم: إنّ سعد بن الرّبيع يقول لكم: لا عذر لكم عند الله إن يخلص إلى نبيّكم وفيكم عين تطرف، ثمّ قال: فلم أبرح حتى مات، فجئت رسول الله ﷺ ، فأخبرته خبره، وهذا ما أشار له بقوله: (فألفي) أي: فوجد (على شفا) أي: على طرف (الشهادة) وشفا كل شيء: حرفه، وطرفه، يقال للرجل عند موته: ما بقي منه إلّا شفا (فأرسل الرضا) أي: المرضيّ

стр. 294

وذو الوصايا الجمّ للبشير ... وهو مخيريق بني النّضير عند الله، وعند رسول الله ﷺ ، وهو سيدنا سعد، وهو فاعل (أرسل) . (إلى النّبيّ بالسلام والرّضا) عنه، ودفن هو وابن عمه خارجة بن زيد في قبر واحد، ﵄، وعنّا بهما، وجمعنا بهما في دار كرامته، من غير سابقة عذاب، بمنّه وكرمه، آمين. استشهاد مخيريق من بني النّضير: (و) استشهد (ذو الوصايا الجم) بضم الجيم جمع جمّ بفتحها؛ أي: الوصايا الكثيرة (للبشير) ﷺ (وهو مخيريق) ﵁، ونفعنا به، وهو من (بني النضير) كان حبرا، كثير المال، وكان يعرف رسول الله ﷺ بصفته، وغلب عليه إلف دينه، فلم يزل على ذلك، حتّى إذا كان يوم أحد يوم السبت.. قال: والله يا معشر يهود؛ إنّكم لتعلمون أنّ نصر محمّد عليكم لحقّ، قالوا: إنّ اليوم يوم السبت، قال: لا سبت لكم، ثمّ أخذ سلاحه، فخرج حتّى أتى رسول الله ﷺ ، وأصحابه بأحد، وعهد إلى من وراءه من قومه: إن قتلت فمالي لمحمّد يصنع فيه ما أراه الله، فلمّا اقتتل الناس.. قاتل حتّى قتل، فكان رسول الله ﷺ يقول: «مخيريق خير يهود» .

стр. 295

ومصعب شمّاس والمجدّع ... بحمزة المهاجرون أربع فقبض رسول الله ﷺ أمواله، فعامة صدقاته ﷺ بالمدينة منها؛ لأنّه ﷺ حين انصرف منها جعلها أوقافا، وهي أوّل حبس حبس في الإسلام، وكانت سبع حوائط، أسماؤها في «الإصابة» في ترجمته، وهذا أحد الأدلة الكثيرة على مشروعية الوقف في الإسلام، خلافا لبعض علماء العصر ممّن يريد حلّ الأوقاف الإسلامية اتباعا للهوى، هدانا الله وإياهم إلى الصراط المستقيم. قال في «روض النّهاة» : (ولم تزد الكتب في نسب مخيريق على كونه من بني النّضير) . استشهاد مصعب بن عمير وشماس المخزومي: (ومصعب) بن عمير المتقدم، و (شمّاس) هو ابن عثمان الشريد المخزومي «١» (والمجدّع) عبد الله بن جحش

стр. 296

المتقدم أيضا، (بحمزة) أي: مع حمزة بن عبد المطّلب بن هاشم بن عبد مناف «١» ، ووصفهم بقوله: (المهاجرون) وأخبر عن الأسماء المذكورة بقوله (أربع) ، أي ممّن استشهد في وقعة أحد من المهاجرين وبقية السبعين من الأنصار.

стр. 297

حنظلة الغسيل نجل الفاسق ... زوج جميلة ابنة المنافق أجنب منها فاستخفّه القتال ... عن شقّه أو عن جميع الاغتسال استشهاد حنظلة غسيل الملائكة: وممّن استشهد بأحد أيضا: (حنظلة) الملقب ب (الغسيل) لما سيأتي (نجل) أي: ابن أبي عامر (الفاسق) بتلقيب النّبيّ ﷺ ، وكان قبل يسمّى الراهب (زوج جميلة ابنة) عبد الله بن أبيّ، (المنافق أجنب منها) أي: أمنى من زوجته جميلة، لما ابتنى بها تلك الليلة، فأراد الاغتسال (فاستخفه القتال عن) غسل (شقه) على أنّه اغتسل، وبقي شقّه (أو عن جميع الاغتسال) على أنّه لم يغسل شيئا، فأو لتنويع الخلاف. قال في «روض النّهاة» : (وكانت زوجه جميلة رأت تلك الليلة في النوم كأنّ بابا من السماء قد فتح له، فدخله وأغلق دونه، فعلمت أنّه ميّت، فدعت رجالا من قومها حين أصبحت، فأشهدتهم على الدخول بها، خشية أن يكون في ذلك نزاع، وقال رسول الله ﷺ : «إنّ صاحبكم لتغسله الملائكة» وفي رواية: «رأيت الملائكة تغسله في صحاف الفضة، بماء المزن، بين السماء والأرض» فسئلت، فقالت: خرج وهو جنب حين سمع الهاتفة، والتمس في القتلى، فوجدوه ورأسه يقطر ماء، وليس بقربه ماء، تصديقا لقوله ﵊. وفي هذا القول متعلّق لمن قال من الفقهاء: إنّ الشهيد

стр. 298

وقال صخر إذ رآه قتله ... شدّادهم حنظلة بحنظله واستشهد الأعرج عمرو بن الجموح ... وعن حياة المصطفى أبا الفتوح يغسل إذا كان جنبا، ومنهم من قال: لا يغسل كسائر الشهداء؛ لأنّ التكليف سقط عنهم بالموت. وحملت جميلة تلك الليلة بعبد الله بن حنظلة، إمام أهل المدينة لما خلعوا اليزيد، فكانت عليهم وقعة الحرّة) . (وقال) أبو سفيان (صخر) بن حرب (إذ رآه) أي: رأى حنظلة المقتول: قد (قتله) أي: حنظلة، وفاعل (قتله) (شدّادهم) أي: قريش، وهو شداد بن أبي نعيم بن الأسود بن شعوب الليثي، حليف العباس بن عبد المطلب، وكان حنظلة بن أبي سفيان قتله المسلمون ببدر: (حنظلة بحنظلة) بالرفع؛ أي: حنظلة هذا، مقتول بحنظلة بن أبي سفيان. أو بالنصب؛ أي: قتلنا حنظلة بحنظلة. والذي قتل حنظلة بن أبي سفيان زيد بن حارثة في يوم بدر، هذا هو الصواب، خلافا لمن قال: إنّ القاتل له هو حنظلة الغسيل: لأنّ الغسيل لم يشهد بدرا. استشهاد عمرو بن الجموح: (واستشهد) بالبناء للمفعول على الأكثر؛ أي: طلب الشهادة فنالها (الأعرج) هو كما في «القاموس» : من أصابه شيء في رجله، يقال: عرج كجلس، أو يثلث إذا كان غير خلقة، وإذا كان خلقة فهو كفرح، ومشية العرجان محركة.

стр. 299

والمراد هنا سيدنا (عمرو بن الجموح) بفتح الجيم، وتخفيف الميم، ابن زيد بن حرام بن كعب بن غنم بن سلمة الأنصاريّ، وإنّما ذكره الناظم بصفة العرج؛ لأنّها صفة مانعة له عن الخروج، ويعذر عن الجهاد من اتّصف بها، ولكن حمله على الخروج قوة إيمانه وعظيم إيقانه ﵁ ونفعنا به. وكان شديد العرج، ولما عرف بنوه منه ذلك.. أرادوا حبسه، فشكاهم إلى رسول الله ﷺ ، فقال: «أمّا أنت فقد عذرك الله» ثمّ قال لبنيه: «ما عليكم ألّا تمنعوه؛ لعلّ الله يرزقه الشهادة» فأخذ سلاحه، وأقبل على القبلة وقال: اللهمّ؛ ارزقني الشهادة، ولا تردّني إلى أهلي خائبا، فلمّا انكشف المسلمون.. حمل هو وابنه خلّاد فقتلا ﵄، وجمعنا بهما في دار كرامته، بمنّه وكرمه. وقال ﷺ : «إنّ منكم من لو أقسم على الله.. لأبرّه، منهم عمرو بن الجموح، ولقد رأيته يطأ في الجنة بعرجته» . ولمّا استشهد.. حمله أهله على بعيره، فاستصعب عليهم، فكلّما وجهوه إلى جهة.. سارع إليها، إلّا جهة المدينة، فكلّما وجهوه إليها.. امتنع، فذكروا قوله: اللهمّ؛ لا تردني، فدفنوه في مصرعه مع ابن عمه عبد الله في قبر واحد.

стр. 300

روى الإمام مالك في «موطئه» : (أنّ عمرو بن الجموح وعبد الله بن عمرو الأنصاريين السّلميّين كان قد حفر السيل قبرهما، وكان قبرهما ممّا يلي السيل، وكانا في قبر واحد، وهما ممّن استشهد يوم أحد، فحفر عنهما، ليغير من مكانهما فوجدا لم يتغيرا، كأنّهما ماتا بالأمس، وكان أحدهما قد جرح، فوضع يده على جرحه، فدفن وهو كذلك، فأميطت يده عن جرحه، ثمّ أرسلت فرجعت كما كانت، وكان بين أحد وبين يوم حفر عنهما ست وأربعون سنة) . لطيفة: قال في «شرح الموطأ» : (روى البخاريّ في «الأدب المفرد» وأبو الشيخ، وأبو نعيم عن جابر، قال لنا رسول الله ﷺ : «من سيدكم يا بني سلمة؟» قالوا: الجد بن قيس، على أنا نبخله، فقال بيده هكذا، ومدّ يده: «وأيّ داء أدوى من البخل؟! بل سيدكم الأبيض الجعد عمرو بن الجموح» . قلت: قال شيخنا الشريف سيدي أحمد المأمون البلغيثي رحمه الله تعالى في «شرح الابتهاج» : وقال رسول الله والحقّ قوله ... لمن قال منا من تعدّون سيّدا فقلنا له الجدّ بن قيس على التي ... نبخّله فيها، ولو كان سيّدا

стр. 301

سأل صخر وانثنى يغرّد ... موعدكم بدر وقال الموعد فسوّد عمرو بن الجموح لجوده ... وحقّ لعمرو بالندى أن يسوّدا فتى ما تخطى خطة لدنيّة ... ولا مدّ في يوم إلى سوءة يدا إذا جاءه الرّكبان أنفق ماله ... وقال خذوه إنّه عائد غدا فلو كنت يا جدّ بن قيس على التي ... على مثلها عمرو لكنت المسوّدا سؤال أبي سفيان عمر بن الخطاب عن حياة الرسول ﷺ وتوعّده: (وعن حياة المصطفى) يتعلق بقوله: (سأل) ومفعول (سأل) (أبا الفتوح) والمراد: به سيدنا عمر بن الخطاب، قال ذلك فيه لكثرة فتوحاته. يعني: (سأل) أبو سفيان (صخر) عمر بن الخطاب عن حياته ﷺ فقال: أنشدك الله يا عمر؛ هل قتلنا محمّدا؟! وكان قال ابن قمئة: إنّي قتلت محمّدا، قال عمر: اللهمّ لا، وإنّه الآن يسمع كلامك، قال: أنت أصدق عندي من ابن قمئة وأبرّ، ثمّ نادى أبو سفيان: إنّه كان في قتلاكم مثل، والله ما رضيت به، ولا سخطت، ولا نهيت ولا أمرت. ولما انصرف.. نادى: إنّ موعدكم بدر العام القابل، فقال رسول الله ﷺ لرجل من أصحابه قل:

стр. 302

وارتقبوا إن يجنبوا فهم قفل ... أو يسرجوا فهم لطيبة نسل «نعم، هو بيننا وبينكم موعد» . وإلى هذا أشار بقوله: (وانثنى) أي: وانعطف أبو سفيان (يغرّد) أي: يرفع صوته طربا قائلا: (موعدكم) للقتال في العام القابل (بدر وقال) من الرسول ﷺ القائل: «هو بيننا وبينكم (الموعد) » فكان ذلك الموعد لرسول الله ﷺ فألا حسنا، وفيه الخير. وسيأتي الكلام إن شاء الله تعالى على غزوة بدر هذه، والله أعلم. تعرف مقصد جيش المشركين: (وارتقبوا) أي: أشرف المسلمون للنظر في جيش العدوّ هل يريد مكة أو الرجوع إلى المدينة المنوّرة؟! ف (إن) بكسر الهمزة (يجنبوا) بفتح الياء المثنّاة؛ أي: يقودوا الخيل (فهم) أي: الكفار (قفل) بالتحريك: اسم جمع لقافل؛ أي: راجعون عن طيبة إلى مكة. (أو) إن (يسرجوا) الخيل؛ أي: يجعلوا السروج عليها (فهم لطيبة نسل) بضمتين؛ أي: مسرعون؛ وذلك بأمر النّبيّ ﷺ لعليّ بن ابي طالب، أو لسعد بن أبي وقّاص؛ فإنّه قال له: «اخرج في آثار القوم، فانظر ماذا يصنعون؟ - أي: ما يريدون؟ - فإن كانوا جنبوا الخيل- أي:

стр. 303

وبأبيّ مرّ بعد ابن عمر ... وهو الّذي رماه خالق البشر جعلوها منقادة بجانبهم- وامتطوا الإبل- أي: ركبوا مطاها، وظهورها- فإنهم يريدون مكة، وإن ركبوا الخيل وساقوا الإبل.. فإنهم يريدون المدينة، والذي نفسي بيده، لئن أرادوها.. لأسيرنّ إليهم، ثمّ لأناجزنّهم فيها» قال علي، أو سعد: فخرجت في آثارهم أنظر ماذا يصنعون؟ فجنبوا الخيل، وامتطوا الإبل، وتوجهوا إلى مكّة، بعد ما تشاوروا في نهب المدينة، فأشار عليهم صفوان أن لا تفعلوا، فإنّكم لا تدرون ما يغشاهم. ثمّ فرغ الناس لقتلاهم فهناك قال النّبيّ ﷺ : «من رجل ينظر لنا ما فعل سعد بن الرّبيع ... » الحديث، وقد تقدم. مقتل أبيّ بن خلف لعنه الله: (وبأبيّ) يتعلق بقوله: (مرّ) أي: مر بأبيّ بن خلف الجمحيّ (بعد) أي: بعد وقعة أحد، سيدنا عبد الله (بن عمر) ﵁ (وهو) أي؛ أبيّ (الذي رماه) حقيقة (خالق البشر) جلّت قدرته، وكان في الرّمية حتفه، قال تعالى: وَما رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلكِنَّ اللَّهَ رَمى، وفي ذلك نزلت، وقيل: في القبضة التي رمى النّبيّ ﷺ بها المشركين يوم بدر. وكان من حديث أبيّ: أنّ النّبيّ ﷺ كان إذا لقيه بمكّة يقول: يا محمّد؛ إنّ عندي العوذ- يعني فرسا-

стр. 304

أعلفه كل يوم فرقا من ذرة أقتلك عليه، فيقول له النّبيّ ﷺ : «بل، أنا أقتلك إن شاء الله» فلمّا انحاز المسلمون عن النّبيّ ﷺ وكان يقيه مصعب بن عمير فقتله ابن قمئة.. جاء أبيّ وهو يقول: أين محمّد؟ لا نجوت إن نجا، فاعترضه رجال من المسلمين، فأمر النّبيّ ﷺ أن يخلّوا طريقه. قال الزّبير: وكان معي حربة، فأخذها مني «١» رسول الله ﷺ ، فانتفض بها انتفاضة تطايرنا عنه تطاير الشّعراء- وهي ذباب صغير له لدغ- عن ظهر البعير إذا انتفض، فأبصر رسول الله ﷺ ترقوة أبيّ بين سابغة الدرع والبيضة؛ فطعنه فيها، فوقع عن فرسه صريعا، ولم يخرج من طعنته دم، فأدركه المشركون وارتثّوه «٢» وله خوار، وهو يقول: قتلني والله محمّد، قالوا: ذهب والله فؤادك، والله ما بك من بأس، فقال: إنّه قد كان قال لي بمكّة: أنا أقتلك، والله لو بصق علي.. لقتلني، فقفلوا به نحو مكّة وهو يقول: والذي نفسي بيده، لو أنّ الذي بي بأهل المجاز.. لماتوا أجمعون، ومات عدوّ الله بسرف- ككتف- موضع قريب من التنعيم، وظهر بهذا أنّ قوله: (وهو الذي رماه خالق البشر) جملة معترضة بين قوله: (مرّ بعد ابن

стр. 305

مسلسلا صديان فاستسقاه ... والسّقي عنه ملك نهاه ومرّ أيضا بأبي جهل لدى ... بدر به أضرّ لاعج الصّدى عمر) وبين الحال، وهو قوله: (مسلسلا) أي: مجعولا فيه السلسلة من الحديد، وحال كونه (صديان) أي: عطشان (فاستسقاه) أي: طلب منه السقي، (والسقي عنه) متعلق بقوله: (نهاه) الواقع خبرا لقوله: (ملك) بفتح اللام، من الملائكة لم يعيّن (نهاه) فقال لابن عمر: لا تسقه؛ فإنّه كافر. (ومرّ) سيدنا عبد الله بن عمر (أيضا بأبي جهل لدى) أي: عند (بدر به) يتعلق بقوله: (أضر لاعج) هو مضاف إلى (الصّدى) بفتح الصاد؛ أي: العطش، من إضافة الصفة إلى الموصوف؛ أي: الصدى اللاعج؛ أي: المحرق، قال في «القاموس» : لعج الجلد: أحرقه، والبدن ألمه. أشار ﵀ في هذه الأبيات إلى ما ذكره الثعالبيّ عند قوله تعالى: فَلَنُذِيقَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا عَذاباً شَدِيداً بسنده إلى عبد الله بن عمر، والزرقاني في «شرح الموطأ» عند حديث: (الواحد شيطان) . قال الثعالبيّ: قال أبو عمر في كتاب «التمهيد» مسندا إلى سالم بن عبد الله، عن أبيه قال: خرجت مرة فمررت بقبر من قبور الجاهلية، فإذا رجل قد خرج من القبر يتأجّج نارا، في عنقه سلسلة، ومعي إداوة من ماء، فلمّا رآني.. قال: يا عبد الله؛ اسقني، قال: فقلت: عرفني فدعاني باسمي،

стр. 306

أو كلمة تقولها العرب: يا عبد الله- إذ خرج على إثره رجل من القبر، فقال: يا عبد الله؛ لا تسقه؛ فإنّه كافر، ثمّ أخذ السلسلة، فاجتذبه فأدخله القبر. قال: ثمّ أضافني الليل إلى بيت عجوز إلى جانبها قبر، فسمعت من القبر صوتا يقول: بول وما بول، شنّ وما شن؟ فقلت للعجوز: ما هذا؟ قالت: كان زوجا لي، وكان إذا بال لم يتّق البول، وكنت أقول له: ويحك! إنّ الجمل إذا بال.. تفاجّ، وكان يأبى، فهو ينادي من يوم ما مات: بول وما بول؟ قلت: فما الشن؟ قالت: جاء رجل عطشان، فقال: اسقني، فقال: دونك الشنّ، فإذا ليس فيه شيء، فخرّ الرجل ميتا، وهو ينادي منذ مات: شنّ وما شن. فلمّا قدمت على رسول الله ﷺ .. أخبرته، فنهى أن يسافر الرجل وحده. قال أبو عمر: هذا الحديث في إسناده مجهولون، ولم نورده للاحتجاج به، ولكن للاعتبار، وما لم يكن حكم، فقد تسامح الناس في روايته عن الضعفاء. وذكر الثعالبيّ أيضا عن الوائليّ نحوه، وزاد: أنّ الرجل الأول هو أبو جهل، قال الثعالبي: (وذكرنا الحكاية الأولى عن الوائلي في (سورة اقرأ) بغير هذا السند، وأنّ الرجل الأول هو أبو جهل) اهـ

стр. 307

العبرة فيما أصاب المسلمين بأحد: إذا علمت ما شرحناه لك في قصة أحد.. فليكن على بالك أنّ في القصة وما اشتملت عليه ممّا أصيب به المسلمون يوم أحد، فوائد وحكما ربانية، ودلائل نبوية: منها: تعريفهم سوء عاقبة المخالفة، وشؤم ارتكاب النهي، لمّا ترك الرّماة موضعهم الذي أمر به المصطفى ﷺ أن لا يفارقوه. ومنها: أنّهم لو انتصروا دائما.. دخل في المسلمين من ليس منهم، ولم يتميز الصادق من غيره، ولو انكسروا دائما.. لم يحصل المقصود من البعثة، فاقتضت الحكمة الجمع بين الأمرين؛ ليتميز الصادق من الكاذب، فلمّا وقع ذلك.. ظهر أهل النفاق، فعرف المسلمون: أنّ لهم عدوّا في ديارهم، فتحرّزوا منهم، وكانت العاقبة على كل حال للمؤمنين. ومنها: أنّ في تأخير النصر في بعض المواطن هضما للنفوس، فلمّا ابتلي المؤمنون.. صبروا، وجزع المنافقون. ومنها: أنّ الله هيّأ لعباده المؤمنين منازل في دار كرامته، لا تبلغها أعمالهم، فقيّض لهم أسباب الابتلاء والمحن؛ ليصلوا إليها. ومنها: أنّ الشهادة من أعلى مراتب الأولياء، فساقها الله تعالى إليهم.

стр. 308

وبعدها غزوة حمراء الأسد ... كانت لإرهاب صبيحة أحد ومنها: أنّه تعالى أراد إهلاك أعدائه، فقيّض لهم الأسباب التي يستوجبون بها ذلك، من كفرهم، وبغيهم، وطغيانهم في أذى أوليائه، فمحّص بذلك ذنوب المؤمنين، ومحق بذلك الكافرين، إلى غير ذلك من الفوائد التي يعلمها الله ﵎. (١٣) غزوة حمراء الأسد (وبعدها) أي: بعد غزوة أحد (غزوة حمراء الأسد) قال المناوي: تأنيث أحمر مضافة إلى الأسد: موضع على ثمانية أميال من المدينة، عن يسار الطريق إذا أردت ذا الحليفة. سبب هذه الغزوة: وأشار الناظم إلى سببها بقوله: (كانت لإرهاب) أي: تخويف للعدو؛ ليبلغهم: أنّه خرج في طلبهم؛ ليظنوا بالمسلمين قوة، وأنّ الذي أصابهم لم يوهنهم عن عدوّهم (صبيحة أحد) فكانت يوم الأحد لست عشر ليلة مضت من شوال، على رأس اثنين وثلاثين شهرا من الهجرة. قلت: وهذا الذي ذكره تبع فيه ابن إسحاق، وقال موسى بن عقبة وغيره، كما في «السيرة الشامية» وغيرها في

стр. 309

وأمر النّبيّ أن لا يخرجا ... إلّا الّذي بالأمس كان خرجا سببها: (أنّ رسول الله ﷺ بلغه: أنّ أبا سفيان وأكثر من معه يريدون أن يرجعوا؛ ليستأصلوا من بقي من أصحاب رسول الله ﷺ ، فعند ذلك حثّ رسول الله ﷺ الناس على الخروج في طلب العدوّ، ويؤيد هذا ما رواه النسائي والطبراني بإسناد صحيح عن ابن عباس ﵁ قال: (لمّا رجع المشركون من أحد قالوا: لا محمّدا قتلتم، ولا الكواعب أردفتم، بئس ما صنعتم، ارجعوا، فسمع بذلك رسول الله ﷺ ، فندب المسلمين، فانتدبوا، فخرج بهم.. حتى بلغ حمراء الأسد، فأنزل الله : الَّذِينَ اسْتَجابُوا لِلَّهِ وَالرَّسُولِ مِنْ بَعْدِ ما أَصابَهُمُ الْقَرْحُ لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا مِنْهُمْ وَاتَّقَوْا أَجْرٌ عَظِيمٌ وخرج ﷺ وهو مجروح، وفي وجهه أثر الحلقتين، ورباعيته مكسورة، وشفته السفلى مشقوقة، وركبتاه مجروحتان من وقعة الحفيرة، وأمر أن لا يخرج إلّا من خرج معه يوم أحد) . كما قال الناظم: (وأمر النبيّ أن لا يخرجا ... إلّا الذي بالأمس كان خرجا) وفي «البداية» : (أنّه ﷺ قال: «لا ينطلقنّ معي إلّا من شهد القتال» والذين شهدوه في أحد سبع مئة، قتل منهم سبعون، وخرج الباقون إلى حمراء

стр. 310

ولابن عبد الله جابر سمح ... بالغزو إذ لأخواته جنح بالأمس، إذ قال أبوه يا بنيّ ... ما كنت أؤثرك بالغزو عليّ الأسد، وأذن رسول الله ﷺ لجابر بن عبد الله بن عمرو بن حرام، حين ذكر أنّ أباه أمره بالمقام في المدينة على أخواته التسع) وإليه أشار بقوله: (ولابن عبد الله جابر سمح) رسول الله ﷺ (بالغزو إذ لأخواته) يتعلق بقوله: (جنح) أي: مال لهنّ (بالأمس) في غزوة أحد، (إذ قال أبوه) عبد الله بن عمرو بن حرام: (يا بنيّ ما كنت أوثرك) أي: أقدمك (بالغزو عليّ) . قال في «الإمتاع» : (ولمّا صلّى الصبح يوم الأحد صبيحة أحد ومعه ﵊ وجوه الأوس والخزرج، وقد باتوا في المسجد على بابه.. أمر بلالا فنادى: إنّ رسول الله يأمركم بطلب عدوّكم، ولا يخرج معنا إلّا من شهد القتال بالأمس، فخرج سعد بن معاذ إلى داره يأمر قومه بالمسير وكلهم جريح، فقال: إنّ رسول الله يأمركم أن تطلبوا عدوّكم، فقال أسيد بن حضير وبه سبع جراحات يريد أن يداويها: سمعا وطاعة لله ولرسوله، وأخذ سلاحه، ولم يعرّج على دواء، ولحق برسول الله ﷺ ، وجاء سعد بن عبادة قومه، وجاء أبو قتادة إلى طائفته، فبادروا جميعا وخرج من بني سلمة أربعون جريحا، بالطفيل بن النعمان ثلاثة عشر جرحا، وبخراش بن الصّمة عشرة جراحات

стр. 311

حتى وافوا رسول الله ﷺ ، فقال لمّا رآهم: «اللهمّ؛ ارحم بني سلمة» . وخرج عبد الله ورافع ابنا سهل الأنصاريّان يزحفان لجراحهما الكثيرة فضعف رافع فحمله عبد الله على ظهره عقبة، ومشى عقبة، فدعا لهما رسول الله ﷺ ، وقال: «إن طالت بكم مدة كانت لكم مراكب من خيل، وبغال، وإبل، وليس ذلك بخير لكم» وكانت عامة زادهم التمر) . قال ابن إسحاق: فخرج رسول الله ﷺ ، حتى انتهى إلى حمراء الأسد، فأقام بها الإثنين، والثلاثاء، والأربعاء، ثمّ رجع إلى المدينة، وكان استعمل على المدينة ابن أم مكتوم، فيما قاله ابن هشام. تخذيل معبد الخزاعي قريشا عن الرجوع للحرب: قال ابن إسحاق: (وقد مرّ به- كما حدّثني عبد الله بن أبي بكر- معبد «١» بن أبي معبد الخزاعيّ، وكانت خزاعة مسلمهم وكافرهم عيبة «٢» نصح لرسول الله ﷺ بتهامة، صفقهم معه، لا يخفون عنه شيئا كان بها، ومعبد «٣» يومئذ مشرك، فقال- أي: معبد-: يا محمّد؛ أما والله لقد

стр. 312

عزّ علينا ما أصابك في نفسك، وفي أصحابك، ولوددنا أنّ الله عافاك فيهم. ثمّ خرج، ورسول الله ﷺ بحمراء الأسد، حتّى لقي أبا سفيان بن حرب ومن معه بالرّوحاء، وقد أجمعوا الرّجعة إلى رسول الله ﷺ وأصحابه، وقالوا- أي-: أصبنا حدّ أصحابه، وقادتهم، وأشرافهم، ثمّ نرجع قبل أن نستأصلهم، لنكرّنّ على بقيتهم، فلنفرغنّ منهم، فلمّا رأى أبو سفيان معبدا.. قال: ما وراءك يا معبد؟ قال: محمّد قد خرج في أصحابه يطلبكم، في جمع لم أر مثله قطّ، يتحرّقون عليكم تحرقا، قد اجتمع معه من كان تخلّف عنه في يومكم، وندموا على ما صنعوا، فيهم من الحنق عليكم شيء لم أر مثله قطّ، قال: ويلك ما تقول؟ قال: والله ما أراك ترتحل حتى ترى نواصي الخيل، قال: فوالله لقد أجمعنا الكرّة عليهم؛ لنستأصل شأفتهم. قال: فإنّي أنهاك عن ذلك، ووالله لقد حملني ما رأيت، على أن قلت فيه أبياتا من شعر، قال: وما قلت؟ قال: قلت: كادت تهدّ من الأصوات راحلتي ... إذ سالت الأرض بالجرد الأبابيل «١»

стр. 313

تردي بأسد كرام لا تنابلة ... عند اللقاء ولا ميل معازيل فظلت غدوا أظنّ الأرض ماثلة ... لمّا سموا برئيس غير مخذول فقلت ويل ابن حرب من لقائكم ... إذا تغطمطت البطحاء بالجيل «١» إنّي نذير لأهل البسل ضاحية ... لكل ذي إربة منهم ومعقول من جيش أحمد لا وخش قنابله وليس يوصف ما أنذرت بالقيل قال: فثنى ذلك أبا سفيان، ومن معه، ومرّ به ركب من عبد القيس، فقال: أين تريدون؟ قالوا: المدينة، قال: ولم؟ قالوا: نريد الميرة، قال: فهل أنتم مبلغون عني محمّدا رسالة أرسلكم بها إليه، وأحمّل لكم إبلكم هذه غدا زبيبا بعكاظ إذا وافيتموها؟ قالوا: نعم، قال: فإذا وافيتموه.. فأخبروه أنّا قد أجمعنا السير إليه وإلى أصحابه؛ لنستأصل بقيتهم فمرّ الركب برسول الله ﷺ وهو بحمراء الأسد، وأخبروه بالذي قال أبو سفيان، فقال رسول الله ﷺ «حسبنا الله ونعم الوكيل» .

стр. 314

وفتكوا بجدّ عبد الملك ... لأمّه سبط أبي العاص الذّكي وهو الممثّل بعمّ أحمد ... وبمعاوية يعرف الرّدي مقتل معاوية بن المغيرة بن أبي العاص لتجسسه لقريش: ثمّ أشار إلى حادثة وقعت حين قفولهم للمدينة، فقال: (وفتكوا) أي: انتهز الصحابة في رجوعهم من حمراء الأسد فرصة، ففتكوا فيها (بجدّ عبد الملك) بن مروان (لأمه) عائشة بنت معاوية المفتول (سبط أبي العاص) بكسر المهملة، هو ولد الولد، ومعاوية هو ابن المغيرة بن أبي العاص (الذكي) بالذال؛ أي: سريع الفطنة، صفة لأبي العاصي. (وهو) أي: جد عبد الملك المذكور (الممثّل) أي: المنكّل يوم أحد (بعم أحمد) ﷺ ؛ يعني سيدنا حمزة رضي الله تعالى عنه (وبمعاوية) يتعلق بقوله: (يعرف) مبنيا للمجهول؛ أي: يعرف (الرّدي) أي: الهالك بمعاوية بن المغيرة بن أبي العاص بن أميّة بن عبد شمس. وحاصل قصته: أنّه لما رجع المشركون من أحد.. ذهب معاوية على وجهه، ثمّ أتى عثمان فدقّه، فقالت أم كلثوم بنت النّبيّ ﷺ ، ورضي الله عنها: من أنت؟ قال: ابن عم عثمان، فقالت: ليس هو ههنا، قال: أرسلي إليه فله عندي ثمن بعير كنت اشتريته منه.

стр. 315

وبالّذي عليه قبل أشفقا ... نبيّنا ثمّ ارتجى أن يطلقا فجاء عثمان ﵁، فلمّا نظر إليه.. قال: أهلكتني، وأهلكت نفسك، فقال: يا بن عمّ؛ لم يكن أحد أمسّ بي منك رحما، فأجرني، فأدخله عثمان ﵁ منزله، وجعله في ناحية. ثمّ خرج عثمان ﵁؛ ليأخذ له أمانا من رسول الله ﷺ ، فسمع رسول الله ﷺ ، يقول: «إنّ معاوية بالمدينة، فاطلبوه» فدخلوا منزل عثمان ﵁، فأشارت إليهم أمّ كلثوم بأنّه في ذلك المكان، بعد أن علمت أنّ رسول الله ﷺ أمرهم بذلك، فأخرجوه، وأتوا به رسول الله ﷺ ، فأمر بقتله، فقال عثمان: يا رسول الله؛ والذي بعثك بالحق، ما جئت إلّا لآخذ له أمانا، فهبه لي، فوهبه له، وأجّله ثلاثا، وأقسم أنّه إن وجده بعدها.. قتله، وخرج ﷺ إلى حمراء الأسد، فأقام معاوية ثلاثا؛ ليستعلم أخبار رسول الله ﷺ ، وليأتي بها قريشا، فلمّا كان باليوم الرابع.. عاد رسول الله ﷺ إلى المدينة، فخرج معاوية هاربا، فقال ﷺ : «إنّكم ستجدونه بموضع كذا وكذا، فاقتلوه» فأدركه زيد بن حارثة، وعمّار بن ياسر، فقتلاه. مقتل أبي عزة الجمحي الهجّاء للرسول ﷺ : (وبالذي) معطوف على قوله: (بجد عبد الملك) أي:

стр. 316

ثانية أن كان ذا بنات ... وهو أبو عزّة ذو الهنات وفتكوا أيضا بأبي عزة الذي (عليه) يتعلق بقوله: (أشفق) (قبل) أي: قبل هذا اليوم (أشفقا نبيّنا) نبيّ الرحمة ﷺ ، وذلك: أنّه ﵊ ظفر به يوم بدر، وأسره، فقال: يا رسول الله؛ إنّي فقير ذو عيال وحاجة كما تعلم، فامنن عليّ.. منّ الله عليك، فرحمه رسول الله ﷺ ، وأطلقه من غير فداء، وكان شاعرا يشتغل بسبب النّبيّ ﷺ ، ويستفزّ الناس للقتال، وكان عاهد النّبيّ ﷺ في يوم بدر أن لا يعود إلى شيء من ذلك، فلمّا منّ عليه.. رجع إلى مكة، ونقض العهد، واشتغل بما كان مشتغلا به قبل من السبّ، والهجاء، فلمّا كان يوم أحد.. خرج مع المشركين وهو على ذلك الحال، فلمّا نزل المشركون بحمراء الأسد.. نزل معهم، ثمّ ساروا، وتركوه نائما، فأدركه المسلمون، وأسروه، وكان الذي أسره عاصم بن ثابت ﵁، فلمّا ظفر به النّبيّ ﷺ .. قال: يا رسول الله؛ أقلني، وامنن عليّ، ودعني لبناتي، وأعاهدك أن لا أعود، هذا ما أشار له بقوله: (ثمّ ارتجى) أي: أمّل (أن يطلقا) مرة (ثانية) لأجل (أن كان ذا بنات وهو) أي: صاحب تلك الفعلة القبيحة، والحالة الشنيعة (أبو عزّة) عمرو بن عبد الله بن وهب الجمحيّ (ذو الهنات) جمع هنة، بفتح الهاء فيهما: الأخبار المكروهة.

стр. 317

ولمّا قال ذلك أبو عزة.. قال ﷺ : «والله لا تمسح عارضيك بمكّة، تقول: خدعت محمّدا مرتين وفي رواية: «تمسح لحيتك، تجلس بالحجر تقول: خدعت محمّدا» وفي لفظ: «سحرت محمّدا مرتين» - إنّ المؤمن لا يلدغ من جحر مرّتين» ، اضرب عنقه يا زبير» وفي رواية: «يا عاصم» فضربت عنقه، وأنزل الله فيه: وَإِنْ يُرِيدُوا خِيانَتَكَ فَقَدْ خانُوا اللَّهَ مِنْ قَبْلُ فَأَمْكَنَ مِنْهُمْ. قيل: ولمّا قتل.. حمل رأسه على رمح إلى المدينة، هو أول رأس حمل في الإسلام؛ أي: على رمح؛ فلا ينافي أنّ أول رأس حمل في الإسلام إلى المدينة رأس كعب بن الأشرف: وهذا المثل لم يسمع من غيره ﷺ . (١٤) غزوة بني النّضير بفتح النون، وكسر الضاد المعجمة: قبيلة من اليهود، ينسبون إلى سيدنا هارون أخي سيدنا موسى، عليهما وعلى نبينا الصّلاة والسّلام، سكنوا مع العرب، ودخلوا فيهم،

стр. 318

ثمّ النّضير هاجها أن جاءهم ... مستوهبا من دية ما نابهم واختلف أهل السّير في السنة التي كانت فيها هذه الغزوة فذهب الزّهريّ وجماعة، وصدّر به الإمام البخاريّ تعليقا جزما: أنّها كانت بعد غزوة بدر، وقبل أحد، وقال في (الهدي) : (الصحيح الذي عليه أهل السير: أنّها بعد غزوة أحد، وللنّبيّ ﷺ مع اليهود أربع غزوات: أوّلها: غزوة قينقاع بعد بدر، والثّانية: غزوة بني النّضير بعد أحد، والثّالثة: غزوة بني قريظة، بعد الخندق، والرابعة: خيبر، بعد الحديبية، وذهب ابن إسحاق إلى أنّها كانت بعد أحد وبئر معونة، ورجّح المحققون من الحفّاظ قوله، قالوا: وكانت في ربيع الأوّل من السنة الرابعة، على رأس خمسة أشهر من غزوة أحد، وإيّاهم تبع النّاظم فقال: سبب هذه الغزوة: (ثم النّضير هاجها) أي: أثار الغزوة المفهومة من المقام، وفاعل هاج: المصدر المنسبك من قوله: (أن جاءهم) بفتح الهمزة؛ أي: مجيئه ﷺ إياهم حال كونه (مستوهبا) أي: طالبا هبة (من دية) وكان بين بني النضير وبني عامر عقد وحلف، فيسهل الدفع منهم، وهو بيان لقوله: (ما نابهم) أي: نزل بهم، والمراد: دية العامريّين اللذين قتلهما عمرو بن أمية الضّمري، مرجعه من بعث بئر معونة، وكان النّبيّ ﷺ عقد لهما جوارا، ولم يعلم به عمرو، فقال النّبيّ ﷺ :

стр. 319

فأصعدوا أحدهم ليلقيا ... عليه صخرة تريح الأغبيا «قتلت قتيلين لأدينّهما» وعمرو يرى أنّه أصاب ثأرا بهما، ببعض أصحابه الذين قتلوا ببئر معونة. فخرج ﵊ يوم السبت، فصلّى في مسجد قباء ومعه رهط من المسلمين، ثمّ جاء بني النضير فجلس يكلمهم في ذلك، فقالوا: نعم يا أبا القاسم، نعينك على ما أحببت، ممّا استعنت بنا عليه، وقد آن لك أن تزورنا، وأن تأتينا، اجلس حتى تطعم وترجع بحاجتك، ونقوم فنتشاور، ونصلح أمرنا فيما جئتنا به، ثمّ كان ما أشار إليه الناظم بقوله: (فأصعدوا أحدهم) وهو عمرو بن جحاش، فإنّه قال: أنا لذلك، لما اختاروه لعمل السوء (ليلقيا عليه صخرة تريح) اليهود (الأغبيا) ء: جمع غبيّ، وهو الذي لا يفطن ومنه: وغبيّ من ساءه المنّ والسّلوى ... وأرضاه الفوم والقثّاء وذلك بعد أن خلا بعضهم ببعض فقالوا: إنّكم لن تجدوه على مثل هذا الحال منفردا ليس معه أحد من أصحابه إلّا نحو العشرة، وكان النّبيّ ﷺ قاعدا إلى جنب جدار، وفي رواية: قالوا- لما رأوا قلّة أصحابه-: نقتله ونأخذ أصحابه أسارى إلى مكة، فنبيعهم من قريش، فقال سلّام بن مشكم لليهود: لا تفعلوا، فوالله ليخبرنّ بما هممتم به، وإنّه لنقض للعهد الذي بيننا وبينه، كما أشار لذلك بقوله:

стр. 320

وأخبر ابن مشكم أن يخبرا ... وزجر الرّهط فلم ينزجرا وجاءه الخبر من ربّ السّما ... وفي حصارها العقار حرّما (و) لما أجمع اليهود غدرا بالنّبيّ ﷺ (أخبر) بالبناء للمعلوم؛ أي: أخبرهم سلّام (ابن مشكم) بوزن منبر (أن يخبرا) بالبناء للمفعول؛ أي: بأنّه ﷺ يخبر من طريق الوحي بما تقدم، وفي رواية: قال لهم: يا قوم؛ أطيعوني في هذه المرة، وخالفوني الدهر، والله لئن فعلتم ليخبرنّ بأنا قد غدرنا به، وإنّ هذا نقض للعهد الذي بيننا وبينه (وزجر الرّهط) بسكون الهاء، وتفتح كثيرا؛ أي: قومه وقبيلته (فلم ينزجرا) أي: الرهط بالألف المنقلبة عن النون الخفيفة. (وجاءه الخبر) أي: خبر القوم، وما أسرّوه بينهم (من رب السما) ء. قال ابن إسحاق: (وأتى رسول الله ﷺ الخبر من رب السماء، مع جبريل ﵇، بما أراد القوم، فقام ﵊ مظهرا أنّه يقضي حاجته، خوفا أن يفطنوا له؛ فيؤذوا أصحابه؛ ولذلك ترك أصحابه في مجالسهم، ورجع مسرعا إلى المدينة، ثمّ إنّ أصحابه ﷺ استبطأوه، فقاموا في طلبه، فقال لهم حيي: لقد عجل أبو القاسم، كنا نريد أن نقضي حاجته ونقريه، وندمت اليهود على ما صنعوا، قال موسى بن عقبة: ونزل في ذلك: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ هَمَ
следующие страницы →