← Сира

Сира · id 9772

إنارة الدجى في مغازي خير الورى صلى الله عليه وآله وسلم

حسن بن محمد مشاط

Полный текст (820 стр.). Показаны 316–355 · переход к 321.

стр. 316

ثانية أن كان ذا بنات ... وهو أبو عزّة ذو الهنات وفتكوا أيضا بأبي عزة الذي (عليه) يتعلق بقوله: (أشفق) (قبل) أي: قبل هذا اليوم (أشفقا نبيّنا) نبيّ الرحمة ﷺ ، وذلك: أنّه ﵊ ظفر به يوم بدر، وأسره، فقال: يا رسول الله؛ إنّي فقير ذو عيال وحاجة كما تعلم، فامنن عليّ.. منّ الله عليك، فرحمه رسول الله ﷺ ، وأطلقه من غير فداء، وكان شاعرا يشتغل بسبب النّبيّ ﷺ ، ويستفزّ الناس للقتال، وكان عاهد النّبيّ ﷺ في يوم بدر أن لا يعود إلى شيء من ذلك، فلمّا منّ عليه.. رجع إلى مكة، ونقض العهد، واشتغل بما كان مشتغلا به قبل من السبّ، والهجاء، فلمّا كان يوم أحد.. خرج مع المشركين وهو على ذلك الحال، فلمّا نزل المشركون بحمراء الأسد.. نزل معهم، ثمّ ساروا، وتركوه نائما، فأدركه المسلمون، وأسروه، وكان الذي أسره عاصم بن ثابت ﵁، فلمّا ظفر به النّبيّ ﷺ .. قال: يا رسول الله؛ أقلني، وامنن عليّ، ودعني لبناتي، وأعاهدك أن لا أعود، هذا ما أشار له بقوله: (ثمّ ارتجى) أي: أمّل (أن يطلقا) مرة (ثانية) لأجل (أن كان ذا بنات وهو) أي: صاحب تلك الفعلة القبيحة، والحالة الشنيعة (أبو عزّة) عمرو بن عبد الله بن وهب الجمحيّ (ذو الهنات) جمع هنة، بفتح الهاء فيهما: الأخبار المكروهة.

стр. 317

ولمّا قال ذلك أبو عزة.. قال ﷺ : «والله لا تمسح عارضيك بمكّة، تقول: خدعت محمّدا مرتين وفي رواية: «تمسح لحيتك، تجلس بالحجر تقول: خدعت محمّدا» وفي لفظ: «سحرت محمّدا مرتين» - إنّ المؤمن لا يلدغ من جحر مرّتين» ، اضرب عنقه يا زبير» وفي رواية: «يا عاصم» فضربت عنقه، وأنزل الله فيه: وَإِنْ يُرِيدُوا خِيانَتَكَ فَقَدْ خانُوا اللَّهَ مِنْ قَبْلُ فَأَمْكَنَ مِنْهُمْ. قيل: ولمّا قتل.. حمل رأسه على رمح إلى المدينة، هو أول رأس حمل في الإسلام؛ أي: على رمح؛ فلا ينافي أنّ أول رأس حمل في الإسلام إلى المدينة رأس كعب بن الأشرف: وهذا المثل لم يسمع من غيره ﷺ . (١٤) غزوة بني النّضير بفتح النون، وكسر الضاد المعجمة: قبيلة من اليهود، ينسبون إلى سيدنا هارون أخي سيدنا موسى، عليهما وعلى نبينا الصّلاة والسّلام، سكنوا مع العرب، ودخلوا فيهم،

стр. 318

ثمّ النّضير هاجها أن جاءهم ... مستوهبا من دية ما نابهم واختلف أهل السّير في السنة التي كانت فيها هذه الغزوة فذهب الزّهريّ وجماعة، وصدّر به الإمام البخاريّ تعليقا جزما: أنّها كانت بعد غزوة بدر، وقبل أحد، وقال في (الهدي) : (الصحيح الذي عليه أهل السير: أنّها بعد غزوة أحد، وللنّبيّ ﷺ مع اليهود أربع غزوات: أوّلها: غزوة قينقاع بعد بدر، والثّانية: غزوة بني النّضير بعد أحد، والثّالثة: غزوة بني قريظة، بعد الخندق، والرابعة: خيبر، بعد الحديبية، وذهب ابن إسحاق إلى أنّها كانت بعد أحد وبئر معونة، ورجّح المحققون من الحفّاظ قوله، قالوا: وكانت في ربيع الأوّل من السنة الرابعة، على رأس خمسة أشهر من غزوة أحد، وإيّاهم تبع النّاظم فقال: سبب هذه الغزوة: (ثم النّضير هاجها) أي: أثار الغزوة المفهومة من المقام، وفاعل هاج: المصدر المنسبك من قوله: (أن جاءهم) بفتح الهمزة؛ أي: مجيئه ﷺ إياهم حال كونه (مستوهبا) أي: طالبا هبة (من دية) وكان بين بني النضير وبني عامر عقد وحلف، فيسهل الدفع منهم، وهو بيان لقوله: (ما نابهم) أي: نزل بهم، والمراد: دية العامريّين اللذين قتلهما عمرو بن أمية الضّمري، مرجعه من بعث بئر معونة، وكان النّبيّ ﷺ عقد لهما جوارا، ولم يعلم به عمرو، فقال النّبيّ ﷺ :

стр. 319

فأصعدوا أحدهم ليلقيا ... عليه صخرة تريح الأغبيا «قتلت قتيلين لأدينّهما» وعمرو يرى أنّه أصاب ثأرا بهما، ببعض أصحابه الذين قتلوا ببئر معونة. فخرج ﵊ يوم السبت، فصلّى في مسجد قباء ومعه رهط من المسلمين، ثمّ جاء بني النضير فجلس يكلمهم في ذلك، فقالوا: نعم يا أبا القاسم، نعينك على ما أحببت، ممّا استعنت بنا عليه، وقد آن لك أن تزورنا، وأن تأتينا، اجلس حتى تطعم وترجع بحاجتك، ونقوم فنتشاور، ونصلح أمرنا فيما جئتنا به، ثمّ كان ما أشار إليه الناظم بقوله: (فأصعدوا أحدهم) وهو عمرو بن جحاش، فإنّه قال: أنا لذلك، لما اختاروه لعمل السوء (ليلقيا عليه صخرة تريح) اليهود (الأغبيا) ء: جمع غبيّ، وهو الذي لا يفطن ومنه: وغبيّ من ساءه المنّ والسّلوى ... وأرضاه الفوم والقثّاء وذلك بعد أن خلا بعضهم ببعض فقالوا: إنّكم لن تجدوه على مثل هذا الحال منفردا ليس معه أحد من أصحابه إلّا نحو العشرة، وكان النّبيّ ﷺ قاعدا إلى جنب جدار، وفي رواية: قالوا- لما رأوا قلّة أصحابه-: نقتله ونأخذ أصحابه أسارى إلى مكة، فنبيعهم من قريش، فقال سلّام بن مشكم لليهود: لا تفعلوا، فوالله ليخبرنّ بما هممتم به، وإنّه لنقض للعهد الذي بيننا وبينه، كما أشار لذلك بقوله:

стр. 320

وأخبر ابن مشكم أن يخبرا ... وزجر الرّهط فلم ينزجرا وجاءه الخبر من ربّ السّما ... وفي حصارها العقار حرّما (و) لما أجمع اليهود غدرا بالنّبيّ ﷺ (أخبر) بالبناء للمعلوم؛ أي: أخبرهم سلّام (ابن مشكم) بوزن منبر (أن يخبرا) بالبناء للمفعول؛ أي: بأنّه ﷺ يخبر من طريق الوحي بما تقدم، وفي رواية: قال لهم: يا قوم؛ أطيعوني في هذه المرة، وخالفوني الدهر، والله لئن فعلتم ليخبرنّ بأنا قد غدرنا به، وإنّ هذا نقض للعهد الذي بيننا وبينه (وزجر الرّهط) بسكون الهاء، وتفتح كثيرا؛ أي: قومه وقبيلته (فلم ينزجرا) أي: الرهط بالألف المنقلبة عن النون الخفيفة. (وجاءه الخبر) أي: خبر القوم، وما أسرّوه بينهم (من رب السما) ء. قال ابن إسحاق: (وأتى رسول الله ﷺ الخبر من رب السماء، مع جبريل ﵇، بما أراد القوم، فقام ﵊ مظهرا أنّه يقضي حاجته، خوفا أن يفطنوا له؛ فيؤذوا أصحابه؛ ولذلك ترك أصحابه في مجالسهم، ورجع مسرعا إلى المدينة، ثمّ إنّ أصحابه ﷺ استبطأوه، فقاموا في طلبه، فقال لهم حيي: لقد عجل أبو القاسم، كنا نريد أن نقضي حاجته ونقريه، وندمت اليهود على ما صنعوا، قال موسى بن عقبة: ونزل في ذلك: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ هَمَ

стр. 321

قَوْمٌ أَنْ يَبْسُطُوا إِلَيْكُمْ أَيْدِيَهُمْ فَكَفَّ أَيْدِيَهُمْ عَنْكُمْ، وقيل: نزلت في غير ذلك) . وقال ابن إسحاق: فأمر النّبيّ ﷺ بالتهيّؤ لحربهم والسير إليهم. قال ابن هشام: واستعمل على المدينة ابن أمّ مكتوم- يعني إماما «١» للصلاة- ثمّ سار بالناس، حتى نزل بهم، فحاصرهم ستّ ليال، قال ابن إسحاق: فتحصّنوا منه في الحصون؛ فقطع النخل، وحرّقها، وخرب أماكنهم، فنادوه يا محمّد؛ قد كنت تنهى عن الفساد، وتعبيه على من صنعه، فما بال قطع النخل وتحريقها؟ قال السهيلي: «قال أهل التأويل: وقع في نفوس بعض المسلمين من هذا الكلام شيء، حتى أنزل الله تعالى: ما قَطَعْتُمْ مِنْ لِينَةٍ أَوْ تَرَكْتُمُوها قائِمَةً عَلى أُصُولِها فَبِإِذْنِ اللَّهِ وَلِيُخْزِيَ الْفاسِقِينَ، واللّينة: ألوان التمر ما عدا العجوة والبرنيّ، ففي هذه الآية: أنّ النّبيّ ﷺ لم يحرّق من نخلهم إلّا ما ليس بقوت للناس، وكانوا يقتاتون العجوة. نزول تحريم الخمر تحريما باتّا وسورة الحشر: (وفي حصارها) أي: بني النّضير (العقار) بضم العين: الخمر، سمّيت بذلك لأنّها عقرت العقل (حرّما) أي: نزل تحريمها بقوله تعالى في (سورة المائدة) : يا أَيُّهَا

стр. 322

والحشر أنزلت بها ونقضا ... نجل أبيّ عهدهم ورفضا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ الآية. وما ذكره الناظم.. يقتضي أنّها حرّمت سنة أربع. قال الحافظ: وفيه نظر؛ لأنّ أنسا كما في الصحيح، كان الساقي يوم حرّمت، وأنّه لما سمع المنادي بتحريمها.. بادر فأراقها، فلو كانت سنة أربع.. لكان أنس يصغر عن ذلك، وقال قبل هذا: وقد بينت في تفسير (المائدة) الزمن الذي نزلت فيه الآية المذكورة، وأنّه كان في عام الفتح قبل الفتح، ثمّ رأيت الدّمياطيّ في «سيرته» جزم بأنّ تحريم الخمر كان سنة الحديبية، والحديبية كانت سنة ست. واعلم: أنّ أول آية نزلت في شأن الخمر قوله تعالى: وَمِنْ ثَمَراتِ النَّخِيلِ وَالْأَعْنابِ تَتَّخِذُونَ مِنْهُ سَكَراً وَرِزْقاً حَسَناً، ثمّ نزل قوله تعالى: قُلْ فِيهِما إِثْمٌ كَبِيرٌ وَمَنافِعُ لِلنَّاسِ، ثمّ نزل قوله تعالى: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَقْرَبُوا الصَّلاةَ وَأَنْتُمْ سُكارى حَتَّى تَعْلَمُوا ما تَقُولُونَ، ثمّ نزل قوله تعالى: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنْصابُ وَالْأَزْلامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطانِ فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ، قال سيدنا عمر ﵁: انتهينا، فحرمت إلى يوم القيامة تحريما باتا. (والحشر) أي: (سورة الحشر) ، (أنزلت) بأسرها كما في «سيرة ابن هشام» (بها) أي: في غزوة بني النضير، وفي المنافقين الذين بعثوا إليهم، وهم: عبد الله بن أبيّ بن سلول، ووديعة بن مالك، وغيرهما من منافقي بني عمرو بن

стр. 323

عوف من الخزرج، بعثوا إلى بني النضير: أن اثبتوا، وتمنّعوا، فإنّا لن نسلمكم، إن قوتلتم قاتلنا معكم، وإن أخرجتم خرجنا معكم، فتربصوا ذلك من نصرهم فلم يفعلوا، فقذف الله في قلوبهم الرّعب بقتل سيدهم كعب بن الأشرف، وروى عبد بن حميد: أنّ غزوة بني النّضير كانت صبيحة قتل كعب بن الأشرف. إخراج بني النّضير من ديارهم: وروى ابن سعد، كما في المواهب وغيرها: أنّهم حين همّوا بغدره ﷺ ، وأعلمه الله بذلك، ونهض سريعا إلى المدينة، بعث إليهم محمّد بن مسلمة: «أن اخرجوا من بلدي، فلا تساكنوني بها، وقد هممتم بما هممتم به من الغدر، وقد أجّلتكم عشرا، فمن رئي منكم بعد ذلك ضربت عنقه» فمكثوا على ذلك أيّاما يتجهزون، وتكاروا من أناس من أشجع إبلا، فأرسل إليهم عبد الله بن أبيّ: لا تخرجوا من دياركم، وأقيموا في حصونكم؛ فإنّ معي ألفين من قومي من العرب، يدخلون حصونكم، وتمدّكم قريظة وحلفاؤكم من غطفان، فطمع حييّ فيما قاله ابن أبيّ، فأرسل إلى رسول الله ﷺ : إنّا لن نخرج من ديارنا، فاصنع ما بدالك. فأظهر ﷺ التكبير، وكبر المسلمون بتكبيره، وسار ﵊ إليهم في أصحابه، فصلّى

стр. 324

وفيئهم والفيء في الأنفال ... ما لم يكن أخذ عن قتال العصر بفناء بني النّضير، وعليّ ﵁ يحمل رايته، فلمّا رأوه ﷺ .. قاموا على حصونهم، ومعهم النّبل والحجارة، واعتزلهم ابن أبيّ، ولم يعنهم، كما قال الناظم: (ونقضا) أي: أبطل (نجل أبيّ) عبد الله (عهدهم) أي: عهده إياهم بالمدد والنصرة (ورفضا) وكذلك حلفاؤهم من غطفان، فقال ابن مشكم وكنانة لحييّ: أين الذين زعمت؟ قال: ما أصنع؟ هي ملحمة كتبت علينا، فيئسوا من نصرهم، فحاصرهم ﷺ ، وقطع نخلهم، وقال لهم ﵊: «اخرجوا منها، ولكم دماؤكم، وما حملت الإبل، إلا الحلقة «١» » . فنزلت يهود على ذلك، فكانوا يخرّبون بيوتهم بأيديهم وأيدي المؤمنين، وولي إخراجهم محمّد بن مسلمة، وحملوا النساء، والصبيان، وتحملوا أمتعتهم على ست مئة بعير، فلحقوا بخيبر وقبض رسول الله ﷺ الأموال، والحلقة فوجد خمسين درعا وخمسين بيضة وثلاث مئة وأربعين سيفا وحزن عليهم المنافقون حزنا شديدا. فيئهم للرسول ﷺ وقد خصّ به المهاجرين برضا الأنصار: (وفيئهم) أي: بني النضير، وهو مبتدأ خبره: (لخير

стр. 325

أمّا الغنيمة ففي زحاف ... والأخذ عنوة لدى الزّحاف لخير مرسل وخصّ فئته ... وفي رضا أنصاره عطيّته مرسل) وما بينهما معترض؛ لبيان معنى الفيء والغنيمة المشار إليه بقوله: (والفيء في الأنفال) جمع نفل، كسبب وأسباب؛ أي: الغنيمة (ما) أي: الغنم الذي (لم يكن أخذ عن قتال) بل أوجف عليه المسلمون بلا خيل، ولا ركاب، قال تعالى: وَما أَفاءَ اللَّهُ عَلى رَسُولِهِ مِنْهُمْ فَما أَوْجَفْتُمْ عَلَيْهِ مِنْ خَيْلٍ وَلا رِكابٍ وَلكِنَّ اللَّهَ يُسَلِّطُ رُسُلَهُ عَلى مَنْ يَشاءُ وَاللَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ. (أمّا الغنيمة) المقابلة للفيء (ف) هي: ما أخذت (في) حال (زحاف) للجيش، وهو بكسر الزاي (والأخذ) أي: مع الأخذ (عنوة) بفتح العين؛ أي: قهرا باستعانة السيف (لدى الزّحاف) أي القتال. وكذلك كانت أموال بني النّضير فيئا، وهي (لخير مرسل) ﷺ ، كما تقدم في الآية. قال الشهاب القسطلاني في «المواهب» : (ولم يسهم منها؛ أي: من أموال بني النّضير لأحد؛ لأنّ المسلمين لم يوجفوا عليها بخيل ولا ركاب، وإنّما قذف في قلوبهم الرّعب، وأجلوا عن منازلهم إلى خيبر، ولم يكن ذلك عن قتال من المسلمين لهم) . (وخصّ) النّبيّ ﷺ بالعطاء من الفيء المذكور (فئته) أي: طائفته المهاجرين، فقسمها بينهم؛

стр. 326

كان التّرحّم على الأنصار ... أن آثروا به بني نزار ليرفع بذلك مؤونتهم عن الأنصار؛ إذ كانوا قاسموهم في الأموال، والديار، غير أنّه أعطى سهل بن حنيف، وأبا دجانة لحاجتهما، وأعطى أيضا سعد بن معاذ سيف كنانة بن أبي الرّبيع بن أبي الحقيق وهو سيف له ذكر عندهم (وفي رضا) أي: بسبب رضا (أنصاره) ﷺ ، وهو فاعل للمصدر، ومفعوله قوله: (عطيّته) للمهاجرين ما أفاء الله عليه من أموال بني النّضير؛ أي: بسبب ذلك (كان الترحم) منه ﵊ (على الأنصار) إذ قال: «اللهمّ؛ ارحم الأنصار، وأبناء الأنصار» (أن آثروا) أي: قدّم الأنصار على أنفسهم (به) أي: بالفيء المذكور (بني نزار) أي: المهاجرين. قال اليعمريّ في «عيون الأثر» : (لما غنم رسول الله ﷺ أموال بني النّضير.. دعا ثابت بن قيس بن شماس، فقال: «ادع لي قومك» فقال ثابت: الخزرج يا رسول الله؟ قال ﷺ : «الأنصار كلها» فدعا له الأوس والخزرج، فتكلم رسول الله ﷺ ، فحمد الله تعالى، وأثنى عليه بما هو أهله، ثمّ ذكر الأنصار وما صنعوا بالمهاجرين، وإنزالهم إياهم في منازلهم وأموالهم، وإيثارهم على أنفسهم، ثمّ قال: «إن أحببتم قسمت بينكم وبين المهاجرين ما أفاء الله تعالى عليّ من بني النضير، وكان المهاجرون على ما هم عليه من السكنى في

стр. 327

وشاطروهم مالهم ونزلوا ... عن الحلائل لهم وأوّل منازلكم وأموالكم، وإن أحببتم أعطيتهم وخرجوا من دوركم» . فتكلّم سعد بن عبادة، وسعد بن معاذ، فقالا: يا رسول الله؛ بل تقسم بين المهاجرين، ويكونون في دورنا كما كانوا، وقالت الأنصار: رضينا وسلّمنا يا رسول الله، فقال رسول الله ﷺ : «اللهمّ؛ ارحم الأنصار، وأبناء الأنصار» فقسم رسول الله ﷺ ما أفاء الله عليه، وأعطى المهاجرين، ولم يعط أحدا من الأنصار شيئا إلّا رجلين كانا محتاجين سهل بن حنيف وأبا دجانة، وأعطى سعد بن معاذ سيف كنانة بن أبي الحقيق. وقال سيد المهاجرين أبو بكر ﵁: جزاكم الله يا معشر الأنصار خيرا، فوالله ما مثلنا ومثلكم إلّا كما قال الغنويّ: جزى الله عنّا جعفرا حين أزلقت ... بنا نعلنا في الواطئين فزلت أبوا أن يملّونا ولو أنّ أمّنا ... تلاقي الذي لا قوه منّا لملّت ثم ذكر الناظم بعض تفضلات الأنصار في إيثارهم. فضل الأنصار بإيثارهم المهاجرين على أنفسهم: (وشاطروهم) أي: قاسموهم (ما لهم و) حتّى إنّهم (نزلوا) أي: الأنصار (عن الحلائل) أي: الزوجات (لهم)

стр. 328

من سنّه مخيّرا بين اثنتين ... إبن الرّبيع لابن عوف المكين فتركوهنّ لهم تعفّفا ... فعفّ هذاك وذاك أسرفا يتعلق ب (نزلوا) . فمن كان عنده زوجتان.. كان يخيّر المهاجريّ في واحدة، فينزل له عنها، حتى إذا انقضت عدتها يتزوجها. (وأوّل من سنّه) أي: النزول عن الحلائل حال كونه (مخيرا بين اثنتين) سيدنا سعد (ابن الرّبيع ل) سيدنا عبد الرّحمن (بن عوف المكين) المنزلة عند الله تعالى، بالهجرة له، لما آخى النّبيّ ﷺ بينهما. ففي «صحيح البخاريّ» : (آخى رسول الله ﷺ بين عبد الرّحمن بن عوف وسعد بن الرّبيع، فقال سعد لعبد الرّحمن: إنّي أكثر الأنصار مالا، هلمّ أقسم مالي بيني وبينك نصفين، ولي امرأتان، فانظر أعجبهما إليك، فسمّها أطلقها لك، فإذا انقضت عدّتها فتزوجها، قال: بارك الله لك في أهلك ومالك، أين سوقك؟ فدلوه على سوق بني قينقاع، فما انقلب إلّا ومعه فضل من أقط، وسمن، ثمّ تابع الغدوّ، ثمّ جاء يوم وبه أثر صفرة، فقال النّبيّ ﷺ : «مهيم» قال: تزوّجت، قال: «كم سقت إليها؟» قال: نواة من ذهب، أو وزن نواة. (فتركوهنّ لهم) أي: الحلائل لأزواجهنّ (تعففا) مصدر تعفف إذا تنزه. قال السيد محمّد مرتضى في «شرح القاموس» : (التعفف: الصبر، والنزاهة في الشيء) .

стр. 329

(فعف) أي: كف «١» (هذاك) أي: المهاجريّ بعد نزوله عن الحليلة؛ لأنّه لا يجمل. قال في «القاموس» : (عف الرجل عفا، فهو عف وعفيف: كف عمّا لا يجمل) وهو المراد هنا، وعما لا يحل وهو غير مراد (وذاك) أي: الأنصاريّ (أسرفا) بالسين المهملة، وألف الإطلاق؛ أي: جاوز في الإيثار، حتى قصد أن ينزل عن إحدى حليلتيه للمهاجريّ، فإنّ الإسراف ضد القصد. وهذه الأخلاق من الأنصار- شكر الله سعيهم، ورزقنا حبهم- مظهر عظيم من مظاهر إيمانهم وحبهم لله ورسوله، ولكل من لجأ إليهم فارّا بدينه من بلاد الكفر وحزب الضلال، فرضي الله عن هؤلاء الصحب الكرام الذين تبوءوا الدار والإيمان يُحِبُّونَ مَنْ هاجَرَ إِلَيْهِمْ وَلا يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ حاجَةً مِمَّا أُوتُوا وَيُؤْثِرُونَ عَلى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كانَ بِهِمْ خَصاصَةٌ وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ، ورزقنا حبهم، وجمعنا بهم في مستقر حرمته، بمنّه وكرمه، إنّه على ذلك قدير، آمين. ***

стр. 330

(١٥) غزوة ذات الرقاع قال الزّرقانيّ: (بكسر الراء بعدها قاف، فألف، فعين مهملة: جمع رقعة بضمها، وهي غزوة محارب «١» ، وغزوة بني ثعلبة، وغزوة بني أنمار، وغزوة صلاة الخوف، وغزوة الأعاجيب، وقول البخاريّ: (وهي غزوة محارب بن خصفة بن ثعلبة بن غطفان) وهم؛ لاقتضائه أنّ ثعلبة جد لمحارب، وليس كذلك، كما عند ابن إسحاق وغيره، فصوابه: وبني ثعلبة بواو العطف؛ فإنّ غطفان هو ابن سعد بن قيس عيلان، ومحارب بن خصفة بن قيس عيلان، فمحارب وغطفان أبناء عم، فكيف يكون الأعلى منسوبا إلى الأدنى؟! وفي قوله: (ثعلبة بن غطفان) نظر أيضا، والأولى ما عند ابن إسحاق: (وبني ثعلبة من غطفان) ، بميم ونون، قاله الحافظ، ونبّه على ذلك أبو علي الجيّاني في أوهام الصحيح) . قال اليعمريّ: (سمّيت بذلك لأنّهم رقّعوا فيها راياتهم؛ ويقال: ذات الرقاع، شجرة بذلك الموقع، وقيل: لأنّ أقدامهم نقبت، فكانوا يلفون عليها الخرق) اهـ قلت: وهذا هو الأصحّ، لما رواه البخاريّ ومسلم عن

стр. 331

أبي موسى، قال: خرجنا مع النّبيّ ﷺ في غزاة ونحن ستة نفر، بيننا بعير نعتقبه، فنقبت أقدامنا، ونقبت قدماي، وسقطت أظفاري، فكنا نلف على أرجلنا الخرق، فسميت غزوة ذات الرّقاع؛ لما كنا نعصب على أرجلنا من الخرق. الاختلاف في وقت وقوع هذه الغزوة: واختلف متى كانت على أقوال: فعند ابن إسحاق بعد بني النضير، سنة أربع في ربيع الآخر، وبعض جمادى. وعند ابن سعد، وابن حبان في المحرم سنة خمس. ومال البخاري: إلى أنّها كانت بعد خيبر؛ لأنّ أبا موسى شهدها، وهو إنّما جاء من الحبشة بعد خيبر، سنة سبع، فلزم أنّها كانت بعد خيبر. قال الحافظ: (وعجبت من ابن سيّد الناس كيف قال: جعل البخاريّ حديث أبي موسى هذا حجّة في أن غزوة ذات الرقاع متأخرة عن خيبر، قال- يعني اليعمريّ-: وليس في حديث أبي موسى ما يدلّ على شيء من ذلك) قال الحافظ: (هذا النفي مردود، والدلالة من ذلك واضحة) . قلت: وذلك: لأنّ أبا موسى كان قدومه من الحبشة بعد فتح خيبر، وفي الصحيح قال أبو موسى: فوافينا النّبي ﷺ حين فتح خيبر، لكن الناظم رحمه الله تعالى جرى على أنّها بعد بني النضير كأصله، فقال:

стр. 332

ثمّ إلى محارب وثعلبه ... ذات الرّقاع ناهزوا المضاربه ولم يكن حرب وغورث جرى ... فيها له الّذي لدعثور جرى (ثمّ) أي: بعد غزوة بني النضير، توجه ﷺ (إلى) غزو (محارب) بضم الميم ابن خصفة، بفتح المعجمة والصاد (و) بني (ثعلبة) وهم بأرض نجد، و (ذات الرقاع) فإنّ الغزوة تسمى بهذه الثلاثة، كما تقدم، ثمّ استأنف الكلام بجملة وقعت جوابا عن كيفية الغزوة، فقال: (ناهزوا) أي: قاربوا (المضاربة) والمقاتلة، (ولم يكن حرب) . وذلك: أنّه لما بلغه ﷺ أنّهم جمعوا الجموع.. خرج- كما قاله اليعمري عن ابن سعد- ليلة السبت، لعشر خلون من المحرم، في أربع مئة من أصحابه، ويقال: سبع مئة، واستعمل على المدينة عثمان بن عفان ﵁، وقيل: أبا ذرّ ﵁، قال في «شرح المواهب» : (وسار ﷺ إلى أن وصل وادي الشّقرة، فأقام فيها يوما، وبعث السّرايا، فرجعوا إليه من الليل، وخبروه: أنّهم لم يروا أحدا، فسار حتّى نزل نخلا، بالخاء المعجمة: موضع من نجد، من أرض غطفان) . قال ابن إسحاق: (فلقي جمعا منهم، فتقارب الناس، ودنا بعضهم من بعض، ولم يكن بينهم حرب، وقد أخاف الناس بعضهم بعضا، حتى صلّى رسول الله ﷺ بالناس صلاة الخوف) .

стр. 333

مع النّبيّ وعلى المعتمد ... جرت لواحد بلا تعدّد قال الزرقانيّ: (وكان في صلاة العصر، كما رواه البيهقي عن جابر، ثمّ انصرف الناس، وكان ذلك أول ما صلاها) . قال في «روض النّهاة» : (وممّا تخالف به غيرها من الحكم أنّه لا سهو فيها) اهـ وكانت غيبته ﷺ خمس عشرة ليلة، وبعث جعال بن سراقة بشيرا بسلامته وسلامة المسلمين. غورث وما همّ به من قتل الرسول ﷺ : (وغورث) بن الحارث من بني محارب (جرى فيها) أي: في هذه الغزوة (له الذي) جرى (لدعثور) فهو يتعلق بقوله: (جرى) والدال فيه مضمومة، وفي البيت الإيطاء، ويتعلق به أيضا قوله: (مع النّبيّ) ﷺ ، روى ابن إسحاق، وذكره اليعمري عنه: (عن جابر بن عبد الله ﵁: أنّ رجلا من بني محارب يقال له: غورث، قال لقومه من غطفان ومحارب: ألا أقتل لكم محمّدا؟ قالوا: بلى، وكيف تقتله؟ قال: أفتك به، قال: فأقبل إلى رسول الله ﷺ وهو جالس وسيفه في حجره، فقال: يا محمّد؛ أنظر إلى سيفك هذا؟ قال: «نعم» فأخذه فاستله، ثمّ جعل يهزه ويهم، فيكبته الله تعالى. ثمّ قال: يا محمّد؛ أما تخافني؟ قال: «لا، وما أخاف منك؟» قال: أما تخافني وفي يدي السيف؟ قال: «لا، بل يمنعني الله منك» قال: ثمّ عمد إلى

стр. 334

سيف رسول الله ﷺ فردّه عليه، فأنزل الله ﵎: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ هَمَّ قَوْمٌ أَنْ يَبْسُطُوا إِلَيْكُمْ أَيْدِيَهُمْ فَكَفَّ أَيْدِيَهُمْ عَنْكُمْ وَاتَّقُوا اللَّهَ وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ. وقد رواه من حديث جابر أيضا أبو عوانة وفيه: (فسقط السيف من يده، فأخذه رسول الله ﷺ وقال: «من يمنعك مني؟» قال: كن خير آخذ، قال: «تشهد أن لا إله إلّا الله، وأنّي رسول الله؟» قال الأعرابي: أعاهدك أنّي لا أقاتلك، ولا أكون مع قوم يقاتلونك، قال: فخلّى رسول الله ﷺ سبيله، فجاء إلى قومه فقال: جئتكم من عند خير الناس) . ثمّ قال الناظم تبعا لأصله. (وعلى المعتمد جرت) هذه القصة (لواحد) اختلف الرواة في اسمه، فقال بعضهم: اسمه دعثور، وبعضهم: غورث، وقوله: (بلا تعدّد) تأكيد، فإنّ اليعمريّ قال في «العيون» : (والظاهر: أنّ الخبرين واحد) وقال غيره من المحققين كابن كثير: الصواب: أنّهما قصتان في غزوتين: قصة لرجل اسمه دعثور بغزوة ذي أمرّ وغطفان، وفيها التصريح بأنّه أسلم، ورجع إلى قومه، فاهتدى به خلق كثير. وقصّة بذات الرقاع لرجل اسمه غورث، وليس في قصته تصريح بإسلامه.

стр. 335

وفي هذه القصة فرط شجاعته ﷺ ، وقوة يقينه، وقوة صبره على الأذى، وقوة حلمه على الجهال، ﵊ من ذي الجلال. قصة جابر وجمله مع الرسول ﷺ : فائدة: في انصرافه ﷺ من هذه الغزوة أبطأ جمل جابر بن عبد الله، فنخسه ﷺ ، فانطلق متقدما بين يدي الركاب، ثمّ قال: «أتبيعنيه؟» فابتاعه منه وقال: «لك ظهره إلى المدينة» فلمّا وصل.. أعطى الثمن، وزاد، ووهب له الجمل، والحديث أصله في البخاريّ، قال الزرقانيّ: (في عشرين موضعا، لكن لم يقع فيه: أنّه في ذات الرقاع) . قال ابن إسحاق: (وحدّثني وهب بن كيسان، عن جابر بن عبد الله ﵄ قال: خرجت مع رسول الله ﷺ إلى غزوة ذات الرقاع من نخل على جمل لي ضعيف، فلمّا قفل رسول الله ﷺ .. قال: جعلت الرفاق تمضي، وجعلت أتخلف، حتى أدركني رسول الله ﷺ فقال: «ما لك يا جابر؟» قال: قلت: يا رسول الله؛ أبطأ بي جملي هذا، قال: «أنخه» قال: فأنخته، وأناخ رسول الله ﷺ .

стр. 336

ثمّ قال: «أعطني هذه العصا من يدك، أو اقطع لي عصا من شجرة» قال: ففعلت، قال: فأخذها رسول الله ﷺ ، فنخسه بها نخسات، ثمّ قال: «اركب» فركبت، فخرج والذي بعثه بالحق يواهق ناقته مواهقة «١» ، قال: وتحدثت مع رسول الله ﷺ ، فقال لي: «أتبيعني جملك هذا يا جابر؟» قال: قلت: يا رسول الله؛ بل أهبه لك، قال: «لا، ولكن بعنيه» قال: قلت: فسمنيه يا رسول الله، قال: «قد أخذته بدرهم» قال: قلت: لا، إذن تغبنني يا رسول الله، قال: «فبدرهمين» قال: قلت: لا، قال: «فلم يزل يرفع لي رسول الله ﷺ في ثمنه حتى بلغ الأوقية» قال: فقلت: أفقد رضيت يا رسول الله؟ قال: «نعم» قلت: فهو لك. قال: «قد أخذته» . قال: ثمّ قال: «يا جابر؛ هل تزوجت بعد؟» قال: قلت: نعم يا رسول الله، قال: «أثيّبا أم بكرا؟» قال: قلت: لا، بل ثيّبا، قال: «أفلا جارية تلاعبها وتلاعبك؟» قال: قلت: يا رسول الله؛ إنّ أبي أصيب يوم أحد، فترك بنات له سبعا، فنكحت امرأة جامعة، تجمع رؤوسهنّ،

стр. 337

وتقوم عليهنّ، قال: «أصبت إن شاء الله، أما إنّا لو قد جئنا صرارا «١» .. أمرنا بجزور، فنحرت، وأقمنا عليها يومنا ذاك، وسمعت بنا، فنفضت نمارقها» قال: قلت: والله يا رسول الله ما لنا من نمارق، قال: «إنّها ستكون، فإذا أنت قدمت فاعمل عملا كيّسا» . قال: فلمّا جئنا صرارا.. أمر رسول الله ﷺ بجزور فنحرت، وأقمنا عيها ذلك اليوم، فلمّا أمسى رسول الله ﷺ .. دخل ودخلنا، قال: فحدثت المرأة الحديث! وما قال لي رسول الله ﷺ ، قالت: فدونك سمعا، وطاعة، قال: فلمّا أصبحت.. أخذت برأس الجمل فأقبلت به.. حتى أنخته على باب رسول الله ﷺ ، قال: ثمّ جلست في المسجد قريبا منه، قال: وخرج رسول الله ﷺ فرأى الجمل فقال: «ما هذا؟» قالوا: يا رسول الله؛ هذا جمل جاء به جابر، قال: «فأين جابر؟» قال: فدعيت له، قال: فقال: «يا ابن أخي؛ خذ برأس جملك، فهو لك» ودعا بلالا، فقال له: «اذهب بجابر، فأعطه أوقية» قال: فذهبت معه فأعطاني أوقية، وزادني شيئا يسيرا، قال: فوالله؛ ما زال ينمى عندي «٢» ، ويرى مكانه من بيتنا، حتى

стр. 338

أصيب أمس فيما أصيب لنا، يعني يوم الحرة. قال السهيلي: (ومن لطيف العلم في حديث جابر بعد أن يعلم قطعا: أنّه ﵊ لم يفعل شيئا عبثا، بل لحكمة مؤيدة بالعصمة، اشتراء الجمل منه، ثمّ أعطاه الثمن، وزاده، ثمّ ردّ الجمل عليه، وكان يمكن أن يعطيه ذلك بلا مساومة، ولا اشتراء، ولا شرط توصيل، فالحكمة فيه بديعة جدا، فلتنظر بعين الاعتبار) . وذلك: أنّه سأله: «هل تزوجت؟» ثمّ قال: «هلا بكرا» فذكر مقتل أبيه وما خلف من البنات، وقد كان ﵊ أخبر جابرا بأنّ الله قد أحيا أباه، وردّ عليه روحه، وقال: ما تشتهي فأزيدك، فأكد ﷺ هذا الخبر بمثل ما يشبهه: فاشترى منه الجمل وهو مطيته كما اشترى الله من أبيه ومن الشهداء أنفسهم بثمن هو الجنة، ونفس الإنسان مطيته. ثمّ زادهم زيادة فقال لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنى وَزِيادَةٌ. ثمّ رد عليهم أنفسهم التي اشترى منهم فقال: وَلا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْواتاً. فأشار ﷺ باشتراء الجمل من جابر، وإعطائه الثمن وزيادته، ثمّ رد الجمل المشترى عليه، أشار بذلك كله إلى تأكيد الخبر الذي أخبر به عن فعل الله تعالى بأبيه، فتشاكل الفعل مع الخبر، كما تراه، وحاشا لأفعاله

стр. 339

ثمّ لميعاد ابن حرب بدر ... وكعّ عنها نجل حرب صخر ﷺ أن تخلو من حكمة، بل هي كلها ناظرة إلى القرآن، ومنتزعة منه ﷺ اهـ (١٦) غزوة بدر الأخيرة وهي الصغرى لعدم وقوع حرب فيها، وتسمى بدر الموعد، للمواعدة عليها مع أبي سفيان يوم أحد. (ثمّ) بعد غزوة ذات الرقاع (ل) أجل (ميعاد) أبي سفيان (ابن حرب بدر) وذلك: أنّ رسول الله ﷺ لما رجع من ذات الرقاع.. أقام بالمدينة ثلاثة أشهر، ثمّ خرج إلى بدر الموعد في شعبان سنة أربع؛ إذ قال أبو سفيان يوم أحد: الموعد بيننا وبينكم بدر من العام القابل، فقال ﵊ لرجل من أصحابه هو عمر: «قل: نعم، هو بيننا وبينكم موعد إن شاء الله» فخرج النّبيّ ﷺ ومعه ألف وخمس مئة من أصحابه، وعشرة أفراس. قال ابن هشام: واستعمل على المدينة عبد الله بن عبد الله بن أبي بن سلول. نكوص أبي سفيان: (وكعّ) بتشديد العين ماض معناه: نكص، ورجع على عقبيه (عنها) أي: عن هذه الغزوة (نجل حرب) أبو سفيان (صخر) وكان قد خرج من مكّة في ألفين، ومعهم خمسون

стр. 340

فرسا، ونزل على مجنّة من ناحية مرّ الظّهران، ثمّ بدا له الرجوع، وقال: يا معشر قريش؛ إنّه لا يصلحكم إلّا عام خصب غيداق، ترعون فيه الشجر، وتشربون فيه اللبن، وإنّ عامكم هذا عام جدب، وإنّي راجع فارجعوا، فرجع الناس، فسمّاهم أهل مكّة جيش السّويق، يقولون: إنّما خرجتم تشربون السويق. وفاء الرسول ﷺ بوعده: أمّا رسول الله ﷺ .. فوفى بوعده، وأقام ثمانية أيام ببدر ينتظر أبا سفيان، وباعوا ما معهم من التجارة، فربحوا الدرهم درهمين، ونزل فيهم: الَّذِينَ قالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزادَهُمْ إِيماناً وَقالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ. قال الجلال السّيوطي: الَّذِينَ قالَ لَهُمُ النَّاسُ أي: نعيم بن مسعود الأشجعي «١» ، إِنَّ النَّاسَ: أبا سفيان وأصحابه قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ الجموع ليستأصلوكم فَاخْشَوْهُمْ، ولا تأتوهم فَزادَهُمْ ذلك القول إِيماناً وتصديقا بالله، ويقينا.

стр. 341

وَقالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ: كافينا أمرهم، وَنِعْمَ الْوَكِيلُ: المفوض إليه الأمر هو، وخرجوا فوافوا سوق بدر، وألقى الله الرعب في قلب أبي سفيان وأصحابه، فلم يأتوا، وكان معهم تجارات، فباعوا، وربحوا. قال تعالى: فَانْقَلَبُوا: رجعوا من بدر بِنِعْمَةٍ مِنَ اللَّهِ وَفَضْلٍ: بسلامة وربح، لَمْ يَمْسَسْهُمْ سُوءٌ: من قتل أو جرح، وَاتَّبَعُوا رِضْوانَ اللَّهِ بطاعته، وطاعة رسوله في الخروج، وَاللَّهُ ذُو فَضْلٍ عَظِيمٍ على أهل طاعته، إِنَّما ذلِكُمُ أي: القائل: إنّ الناس.. إلخ الشَّيْطانُ يُخَوِّفُ كم أَوْلِياءَهُ الكفار فَلا تَخافُوهُمْ وَخافُونِ في ترك أمري إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ حقا) اهـ وفي الآية: أنّ الله تعالى أعطاهم من الجزاء النعمة، والفضل، وصرف السوء، واتّباع الرضا، فرضّاهم عنه، ورضي عنهم، وذلك: لمّا فوّضوا أمورهم إليه، واعتمدوا بقلوبهم عليه. (١٧) غزوة دومة الجندل قال اليعمريّ: (بضم الدال وفتحها؛ أي: من دومة، وهي مدينة بينها وبين دمشق خمس ليال، وبعدها عن المدينة خمس عشرة، أو ست عشرة ليلة، سميت بدومى بن إسماعيل؛ لأنّه نزلها) .

стр. 342

فدومة الجندل هاجها زمر ... بدومة يظلمن من بهنّ مرّ قال في «روض النّهاة» : (وكان فيها التحكيم بين سيدنا علي وسيدنا معاوية ﵄ . وقال ياقوت في «معجمه» : (وذهب أكثر الرواة إلى أنّ التحكيم كان بأذرح بضم الراء مع فتح أوله) . قال في «القاموس» و «شرحه» : (موضع، وقيل: بلد بجنب جرباء الشام وقد جاء ذكره في حديث الحوض وبينهما مسيرة ثلاثة أميال على الصحيح) . (ف) بعد غزوة بدر هذه (دومة الجندل) أي: غزوتها، وكانت سنة خمس، كما صرح به ابن هشام في ربيع الأوّل، على رأس تسعة وأربعين شهرا من الهجرة. سبب هذه الغزوة: وبيّن الناظم سببها بقوله: (هاجها) أي: أثار هذه الغزوة (زمر) بوزن زفر: جمع زمرة؛ أي: جماعة كائنة (بدومة يظلمن من) أي: الذي مرّ بهنّ، فقوله: (بهنّ) يتعلق بقوله: (مر) فعل ماض من المرور. وذلك: أنّه بلغ رسول الله ﷺ : أنّ جماعة بدومة يظلمون من مرّ بهم، وأنّهم يريدون أن يدنوا من المدينة فيظلموا أهلها، فخرج لخمس ليال بقين من شهر ربيع الأوّل في ألف من أصحابه، فكان يسير الليل، ويكمن

стр. 343

النهار، واستعمل على المدينة سباع ابن عرفطة الغفاريّ، قال محمّد بن عمر الواقديّ، كما في «البداية والنهاية» ، بإسناده عن شيوخه، عن جماعة من السّلف، قالوا: أراد رسول الله ﷺ أن يدانوا إلى أداني الشام، وقيل له: إنّ ذلك ممّا يفزع قيصر، وذكر له أنّ بدومة الجندل جمعا كثيرا، وأنّهم يظلمون من مرّ بهم، وكان بها سوق عظيم، وهم يريدون أن يدنوا من المدينة، فندب رسول الله ﷺ الناس، فخرج في ألف من المسلمين، فكان يسير الليل، ويكمن النهار، ومعه دليل من بني عذرة، يقال له: مذكور، هاد، خرّيت. فلمّا دنا من دومة الجندل.. أخبره دليله بسوائم بني تميم، فسار حتى هجم على ماشيتهم، ورعائهم، فأصاب من أصاب، وهرب من هرب في كل وجه، وجاء الخبر أهل دومة الجندل، فتفرقوا، فنزل ﷺ بساحتهم، فلم يجد فيها أحدا، فأقام بها أياما، وبعث السرايا، ثمّ رجعوا، وأخذ محمّد بن مسلمة رجلا منهم، فأتى به رسول الله ﷺ ، فسأله عن أصحابه، فقال: هربوا أمس، فعرض عليه رسول الله ﷺ الإسلام، فأسلم، ورجع رسول الله ﷺ إلى المدينة سالما لعشر ليال بقين من ربيع الآخر.

стр. 344

ثمّت لمّا أجليت يهود ... وأوغرت صدورها الحقود (١٨) غزوة الخندق سميت بذلك للخندق الذي حفر حول المدينة في شاميّها، من طرف الحرّة الشرقية، إلى طرف الحرّة الغربية، وتسمى: (غزوة الأحزاب) لتحزّب طوائف من الكفار على حرب المسلمين، وهم: قريش، وغطفان، واليهود، ومن تبعهم. وكانت سنة أربع على ما قاله موسى بن عقبة، وجنح له الإمام البخاريّ، واستدلّ له بحديث ابن عمر في «صحيحه» أو في شوال، سنة خمسة على ما قاله ابن إسحاق، قال في «شرح المواهب» : قال ابن القيّم: وهو الأصحّ، والذهبي: هو المقطوع به، والحافظ: هو المعتمد. وذكر الناظم سببها فقال: (ثمّت) لغة في ثم (لمّا أجليت يهود) «١» من المدينة أي: أخرجهم النّبيّ ﷺ من المدينة، وألحقهم بخيبر، والشام، وأخذ أموالهم، وقتل منهم من قتل، وغاظهم ذلك، كما قال: (وأوغرت) أي: أوقدت (صدورها) أي: في صدور اليهود (الحقود) جمع حقد بكسر الحاء: هو الضغن، وهو إمساك العداوة في القلب.

стр. 345

وحزّبت عساكرا عناجها ... إلى ابن حرب وقريش تاجها تحريض اليهود لقريش وغطفان على حرب الرسول ﷺ : (وحزّبت) بالتشديد؛ أي: جمعت اليهود (عساكرا) جمع عسكر: هو الجمع، فخرج من خيبر سلّام بن مشكم، وابن أبي الحقيق النّضري، وحييّ بن أخطب النّضريّ، وكنانة بن الرّبيع، زوج أمنا صفية قبل، وهوذة بن قيس الوائليّ، وأبو عمار الوائليّ، في نفر من بني النّضير، ونفر من بني وائل، حتى قدموا على قريش مكة، فدعوهم إلى حرب رسول الله ﷺ ، وقالوا: إنّا سنكون معكم عليه نستأصله، فقالت لهم قريش: يا معشر يهود؛ إنّكم أهل الكتاب الأوّل، والعلم بما أصبحنا نختلف فيه نحن ومحمّد، أفديننا خير أم دينه؟ قالوا: بل دينكم خير من دينه، وأنتم أولى بالحق منه، فأنزل الله فيهم: أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيباً مِنَ الْكِتابِ يُؤْمِنُونَ بِالْجِبْتِ وَالطَّاغُوتِ وَيَقُولُونَ لِلَّذِينَ كَفَرُوا هؤُلاءِ أَهْدى مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا سَبِيلًا* أُولئِكَ الَّذِينَ لَعَنَهُمُ اللَّهُ وَمَنْ يَلْعَنِ اللَّهُ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ نَصِيراً الآيات. فلمّا قالوا ذلك لقريش.. سرّهم، ونشطوا لما دعوهم إليه من حرب رسول الله ﷺ ، فاجتمعوا لذلك، واتّعدوا له. ثمّ خرج أولئك النفر من اليهود، حتى جاؤوا غطفان، فدعوهم لحرب رسول الله ﷺ ، وأخبروهم أنّهم سيكونون معهم عليه، وأنّ قريشا قد تابعوهم على ذلك، واجتمعوا معهم فيه.

стр. 346

وجعلوا كي يتروا خير الورى ... لغطفان نصف تمر خيبرا خروج الأحزاب من المشركين للحرب: فخرجت قريش في أربعة آلاف، ولواؤهم بيد عثمان بن أبي طلحة قبل إسلامه، وخيلهم ثلاث مئة فرس، وإبلهم ألف وخمس مئة بعير، وقائدهم أبو سفيان، وخرجت غطفان في ألف، وقائدهم عيينة بن حصن الفزاري، وقد أسلم بعد، وخرجت أشجع في أربع مئة، يقودهم مسعود بن رخيلة، وأسلم بعد ذلك، وسليم في سبع مئة، يقودهم سفيان بن عبد شمس، وبنو أسد، يقودهم طليحة بن خويلد الأسدي، وأسلم واستشهد بنهاوند، وخرجت بنو مرّة في أربع مئة، يقودهم الحارث بن عوف، وأسلم بعد ذلك، والجميع عشرة آلاف. وكانوا ثلاثة عساكر، يقود الكل أبو سفيان، كما قال الناظم. (عناجها) بكسر العين- مبتدأ-: وهو ملاك الشيء؛ أي: ملاك العساكر (إلى) أبي سفيان (بن حرب) وهو خبر المبتدأ، (وقريش تاجها) أي: العساكر؛ أي: قريش في مقدمتها. (وجعلوا) أي: اليهود (كي يتروا خير الورى) أي: لأجل ذلك، وهو مأخوذ من وتر الرجل: أفزعه، وأدركه بمكروه، كما في «القاموس» ويتعلق قوله: (لغطفان) بقوله: (جعلوا) ومفعوله (نصف تمر خيبرا) وهي مدينة لليهود سيأتي الكلام عليها إن شاء الله تعالى في غزوتها.

стр. 347

خندق خير مرسل بأمر ... سلمان والحروب ذات مكر حفر الخندق: فلمّا كان ما ذكر، وبلغ النّبيّ ﷺ خروجهم، وندب الناس، وأخبرهم خبر عدوّهم (خندق) أي: حفر الحفرة حول المدينة (خير مرسل) ﷺ ، وعمل فيه بيده، تنشيطا للناس، وكان ﷺ يضرب مرة بالمعول، ومرة بالمسحاة يغرف بها التراب، ومرة يحمل التراب في المكتل. قال في «روض النّهاة» : وكمل في ستة أيام، وقيل: في خمسة عشر، وقيل: في عشرين يوما، وكان عدد المسلمين ثلاثة آلاف على الصحيح المشهور، وغلط من قال: إنّهم سبع مئة، وكان معهم ستة وثلاثون فرسا، وكان الخندق (بأمر) أي: بإشارة (سلمان) الفارسي ﵁؛ فإنّه قال: يا رسول الله؛ إنّا كنا إذا حوصرنا خندقنا علينا، فكانت هذه مكيدة لم تعرفها العرب (والحروب ذات مكر) أي: احتيال وخديعة. قلت: ولو أنّ الناظم قال: خندق خير مرسل وقد أشار ... سلمان بالخندق نعم المستشار .. لكان أليق بالأدب في حق الجناب النبوي.

стр. 348

كم آية في حفره كالشّبع ... من حفنة وسخلة للمجمع ارتجاز المسلمين في حفر الخندق: قال ابن إسحاق: (وعمل المسلمون فيه حتّى أحكموه، وارتجزوا فيه برجل من المسلمين، يقال له: جعيل، سمّاه رسول الله ﷺ عمرا، فقالوا فيما يقولون: سماه من بعد جعيل عمرا ... وكان للبائس يوما ظهرا وكانوا إذا قالوا: عمرا، قال معهم رسول الله ﷺ : «عمرا» وإذا قالوا: ظهرا، قال لهم: «ظهرا» ) . معجزات باهرة وأعلام للنبوّة ظاهرة: واعلم: أنّه قد كانت في حفر الخندق آيات، فيها أعظم عبرة في تصديق رسول الله ﷺ ، وكان ذلك على مرأى من المسلمين، أشار إلى بعضها بقوله: (كم آية) من الآيات على تحقيق نبوّته ﷺ ، وعظيم عناية ربّه به ظهرت (في حفره) ﷺ للخندق، وذلك (كالشّبع) لأهل الخندق (من حفنة) تمر، وهي ملء الكفّ، جاءت بها ابنة بشير بن سعد لأبيها وخالها عبد الله بن رواحة، ليتغدّيا به، فقال لها رسول الله ﷺ : «يا بنية؛ ما هذا الذي معك؟» قالت: قلت: يا رسول الله؛ هذا تمر بعثتني به أمي إلى

стр. 349

أبي بشير بن سعد، وخالي عبد الله بن رواحة يتغديان به فقال: «هاتيه» قالت: فصببته في كفّي رسول الله ﷺ ، فما ملأهما، ثمّ أمر بثوب فبسط له، دحا بالتمر عليه، فتبدّد فوق الثوب، ثمّ قال لإنسان عنده: «اصرخ في أهل الخندق: أن هلمّوا إلى الغداء» فاجتمع أهل الخندق عليه، فجعلوا يأكلون منه، وجعل يزيد، حتى صدر أهل الخندق عنه وإنّه ليسقط من أطراف الثوب. (و) كالشّبع لهم من (سخلة) : هي ولد الغنم من الضأن والمعز ساعة وضعه، ذكرا كان، أو أنثى السخلة (للمجمع) بفتح الميمين: موضع اجتماع القوم، وكانت السّخلة لجابر بن عبد الله الأنصاري ﵁. وكان من حديثها ما رواه الإمام البخاريّ بسنده إلى جابر قال: (لما حفر الخندق.. رأيت برسول الله ﷺ خمصا، فانكفأت إلى امرأتي فقلت: هل عندك شيء؟ فإنّي رأيت برسول الله ﷺ خمصا شديدا، فأخرجت لي جرابا فيه صاع من شعير، ولنا بهيمة داجن، فذبحتها، فطحنت، ففرغت إلى فراغي، وقطعتها في برمتها. ثمّ ولّيت إلى رسول الله ﷺ ، فقالت: لا تفضحني برسول الله ﷺ وبمن معه، فجئته، فساررته، فقلت: يا رسول الله؛ ذبحت بهيمة لنا،

стр. 350

وكم بشارة لخير مرسل ... من الفتوح تحت ضرب المعول وطحنت صاعا من شعير كان عندنا، فتعال أنت ونفر معك فصاح رسول الله ﷺ فقال: «يا أهل الخندق؛ إنّ جابرا قد صنع سؤرا، فحيّهلا بكم» فقال رسول الله ﷺ : «لا تنزلنّ برمتكم، ولا تخبزنّ عجينكم حتى أجيء» . فجئت وجاء رسول الله ﷺ يقدم الناس، حتى جئت امرأتي، فقالت: بك وبك! فقلت: قد فعلت الذي قلت. فأخرجت لنا عجينا، فبسق فيه وبارك، ثمّ عمد إلى برمتنا، فبسق وبارك، ثمّ قال: ادعي خبّازة فلتخبز معك، واقدحي من برمتك، ولا تنزلوها، وهم ألف، فأقسم بالله لأكلوا حتى تركوه وانحرفوا، وإنّ برمتنا لتغطّ كما هي، وإن عجيننا كما هو) . ويرحم الله الإمام العارف، إذ يشير إلى هذه الآية مع آية تكثير الماء بقوله: فتغذّى بالصاع ألف جياع ... وتروّى بالصّاع ألف ظماء (وكم بشارة) أي: كثير منها، فكم للتكثير كالسابقة (لخير مرسل) ﷺ ، وقوله: (من الفتوح) بيان للبشارة، والمراد: فتوح البلدان، كائنة تلك البشارة المخبر عنها (تحت ضرب المعول) بوزن منبر: وهي الحديدة ينقر بها الجبال.

стр. 351

وأشار بهذا إلى ما رواه الإمام أحمد والنّسائي من حديث البراء، قال: (لما كان حين أمرنا رسول الله ﷺ بحفر الخندق.. عرضت لنا في بعض الخندق صخرة لا تأخذ فيها المعاول، فاشتكينا ذلك للنّبيّ ﷺ ، فجاء وأخذ المعول؛ يعني: من سلمان، فقال: «باسم الله» ثمّ ضربه، فنشر ثلثها، وقال: «الله أكبر، أعطيت مفاتيح الشام، والله إنّي لأبصر قصورها الحمر الساعة» ثمّ ضرب الثّانية، فقطع ثلثا آخر، فقال: «الله أكبر، أعطيت مفاتيح فارس، والله إنّي لأبصر قصر المدائن الأبيض الآن» ثمّ ضرب الثّالثة، وقال: «باسم الله» فقطع بقيّة الحجر، فقال: «الله أكبر، أعطيت مفاتيح اليمن، والله إنّي لأبصر أبواب صنعاء من مكاني الساعة «١» » . قال ابن إسحاق: (وحدّثني من لا أتهم عن أبي هريرة: أنّه كان يقول: حين فتحت هذه الأمصار في زمن عمر، وزمن عثمان وما بعده: افتتحوا ما بدا لكم، فوالذي نفس أبي هريرة بيده، ما افتتحتم من مدينة ولا تفتتحونها إلى يوم القيامة إلّا وقد أعطى الله محمّدا ﷺ مفاتيحها قبل ذلك) .

стр. 352

ومن الآيات التي لم يذكرها الناظم، وذكرها أصله: حديث كدية «١» جابر، فإنّه حدّث: أنّه اشتدّ عليهم في بعض الخندق كدية، فشكوا ذلك إلى رسول الله ﷺ ، فأخذ المعول وضرب، فعاد كثيبا أهيل «٢» وروي في هذا الخبر: (أنّه ﵊ دعا بماء فتفل فيه، ثمّ دعا بما شاء الله أن يدعو به، ثمّ نضح ذلك الماء على تلك الكدية فيقول من حضرها: فو الّذي بعثه بالحق: لانهالت حتى عادت كالكثيب، وما ترد فأسا ولا مسحاة) . اجتماع الجيشين حول الخندق: ولمّا فرغ ﷺ من الخندق.. أقبلت قريش حتى نزلوا بمجتمع الأسيال، وغطفان بذنب نقمى «٣» ، إلى جانب أحد، وخرج رسول الله ﷺ ومن معه من المسلمين حتى جعلوا ظهورهم إلى جبل سلع، فضرب هناك عسكره، والخندق بينه وبين القوم، وأمر بالنساء والذراريّ أن يجعلوا في الآطام «٤» .

стр. 353

وكعب بن أسد إذ فتنه ... عن عهده حييّ أعطى رسنه وكان لواء المهاجرين بيد زيد بن حارثة، ولواء الأنصار بيد سعد بن عبادة، وكان عبّاد بن بشر على حرس النّبيّ ﷺ مع غيره من الأنصار، يحرسونه كل ليلة، وقيل: إنّ الذي حرسه يوم الخندق الزّبير بن العوّام ﵁. وكان المشركون يتناوبون بينهم، فيغدو يوما أبو سفيان في أصحابه، ويوما خالد بن الوليد، ويوما عمرو بن العاص، ويوما هبيرة بن أبي وهب، ويوما عكرمة بن أبي جهل، ويوما ضرار بن الخطاب. قال في «روض النّهاة» : (وأسلم هؤلاء إلّا هبيرة، فلا يزالون يجيلون خيلهم، ويفترقون مرة، ويجتمعون أخرى، ويناوشون أصحاب رسول الله ﷺ ويقدّمون رماتهم فيرمون) . نقض كعب عهده للرسول ﷺ : (وكعب بن أسد) القرظي صاحب عقد بني قريظة (إذ فتنه) أي: أوقعه في الفتنة وأضلّه (عن عهده) الذي كان عاهد عليه رسول الله ﷺ وعاقده من ترك قتالهم له مع أحد، والكف عنه، وفاعل فتنه قوله: (حييّ) بترك التنوين للوزن، وخبر المبتدأ الذي هو كعب، جملة قوله: (أعطى) أي: كعب المذكور لحيي (رسنه) أي: أعطاه قياده، وهو بفتح الراء والسين: ما يقاد به من زمام ونحوه.

стр. 354

فغدرت قريظة لغدره ... يومئذ إذ هو أسّ نجره وحاصل ما أشار له الناظم كما ذكره ابن إسحاق وغيره: (أنّه خرج عدوّ الله حييّ بن أخطب النّضريّ حتى أتى كعب بن أسد القرظي، وكان وادع رسول الله ﷺ على قومه، فأغلق دونه باب حصنه، وأبى أن يفتح له، وقال: ويحك يا حييّ إنّك امرؤ مشؤوم، وإنّي قد عاهدت محمّدا، فلست بناقض ما بيني وبينه؛ فإنّي لم أر منه إلّا وفاء، وصدقا. فقال: ويحك! افتح لي، ولم يزل به حتى فتح له، فقال: ويلك يا كعب! جئتك بعز الدهر جئتك بقريش حتى أنزلتهم بمجتمع الأسيال، ومن دونه غطفان، وقد عاهدوني على أن لا يبرحوا حتى نستأصل محمّدا، ومن معه. فقال له كعب: جئتني والله بذلّ الدهر، وبجهام «١» قد أهريق ماؤه يرعد ويبرق، وليس فيه شيء، ويحك يا حييّ! دعني وما أنا عليه؛ فإنّي لم أر من محمّد إلّا صدقا ووفاء، ولم يزل به يفتله في الذّروة والغارب «٢» .. حتّى نقض عهده، وبرىء ممّا كان بينه وبين رسول الله ﷺ . (فغدرت قريظة) العهد، ونقضته مع كعب (ل) أجل (غدره يومئذ إذ هو) أي: كعب (أسّ) بتثليث الهمزة، أصل البناء، وهو مضاف إلى (نجره) بفتح النون وسكون الجيم:

стр. 355

وهو الأصل. تحرّي الرسول ﷺ عن نقض كعب للعهد: ولمّا انتهى هذا الخبر إلى رسول الله ﷺ وإلى المسلمين.. بعث جماعة من أصحابه فقال: انطلقوا حتى تنظروا أحقّ ما بلغنا عن هؤلاء القوم، فإن كان حقا.. فألحنوا لي لحنا «١» حتى أعرفه، ولا تفتّوا «٢» في أعضاد الناس،
следующие страницы →