وأشار بهذا إلى ما رواه الإمام أحمد والنّسائي من حديث البراء، قال: (لما كان حين أمرنا رسول الله ﷺ بحفر الخندق.. عرضت لنا في بعض الخندق صخرة لا تأخذ فيها المعاول، فاشتكينا ذلك للنّبيّ ﷺ ، فجاء وأخذ المعول؛ يعني: من سلمان، فقال:
«باسم الله» ثمّ ضربه، فنشر ثلثها، وقال: «الله أكبر، أعطيت مفاتيح الشام، والله إنّي لأبصر قصورها الحمر الساعة» ثمّ ضرب الثّانية، فقطع ثلثا آخر، فقال: «الله أكبر، أعطيت مفاتيح فارس، والله إنّي لأبصر قصر المدائن الأبيض الآن» ثمّ ضرب الثّالثة، وقال: «باسم الله» فقطع بقيّة الحجر، فقال:
«الله أكبر، أعطيت مفاتيح اليمن، والله إنّي لأبصر أبواب صنعاء من مكاني الساعة «١» » .
قال ابن إسحاق: (وحدّثني من لا أتهم عن أبي هريرة:
أنّه كان يقول: حين فتحت هذه الأمصار في زمن عمر، وزمن عثمان وما بعده: افتتحوا ما بدا لكم، فوالذي نفس أبي هريرة بيده، ما افتتحتم من مدينة ولا تفتتحونها إلى يوم القيامة إلّا وقد أعطى الله محمّدا ﷺ مفاتيحها قبل ذلك) .
стр. 352
ومن الآيات التي لم يذكرها الناظم، وذكرها أصله:
حديث كدية «١» جابر، فإنّه حدّث: أنّه اشتدّ عليهم في بعض الخندق كدية، فشكوا ذلك إلى رسول الله ﷺ ، فأخذ المعول وضرب، فعاد كثيبا أهيل «٢» وروي في هذا الخبر: (أنّه ﵊ دعا بماء فتفل فيه، ثمّ دعا بما شاء الله أن يدعو به، ثمّ نضح ذلك الماء على تلك الكدية فيقول من حضرها: فو الّذي بعثه بالحق: لانهالت حتى عادت كالكثيب، وما ترد فأسا ولا مسحاة) .
اجتماع الجيشين حول الخندق:
ولمّا فرغ ﷺ من الخندق.. أقبلت قريش حتى نزلوا بمجتمع الأسيال، وغطفان بذنب نقمى «٣» ، إلى جانب أحد، وخرج رسول الله ﷺ ومن معه من المسلمين حتى جعلوا ظهورهم إلى جبل سلع، فضرب هناك عسكره، والخندق بينه وبين القوم، وأمر بالنساء والذراريّ أن يجعلوا في الآطام «٤» .
стр. 353
وكعب بن أسد إذ فتنه ... عن عهده حييّ أعطى رسنه
وكان لواء المهاجرين بيد زيد بن حارثة، ولواء الأنصار بيد سعد بن عبادة، وكان عبّاد بن بشر على حرس النّبيّ ﷺ مع غيره من الأنصار، يحرسونه كل ليلة، وقيل: إنّ الذي حرسه يوم الخندق الزّبير بن العوّام ﵁.
وكان المشركون يتناوبون بينهم، فيغدو يوما أبو سفيان في أصحابه، ويوما خالد بن الوليد، ويوما عمرو بن العاص، ويوما هبيرة بن أبي وهب، ويوما عكرمة بن أبي جهل، ويوما ضرار بن الخطاب.
قال في «روض النّهاة» : (وأسلم هؤلاء إلّا هبيرة، فلا يزالون يجيلون خيلهم، ويفترقون مرة، ويجتمعون أخرى، ويناوشون أصحاب رسول الله ﷺ ويقدّمون رماتهم فيرمون) .
نقض كعب عهده للرسول ﷺ :
(وكعب بن أسد) القرظي صاحب عقد بني قريظة (إذ فتنه) أي: أوقعه في الفتنة وأضلّه (عن عهده) الذي كان عاهد عليه رسول الله ﷺ وعاقده من ترك قتالهم له مع أحد، والكف عنه، وفاعل فتنه قوله: (حييّ) بترك التنوين للوزن، وخبر المبتدأ الذي هو كعب، جملة قوله: (أعطى) أي: كعب المذكور لحيي (رسنه) أي:
أعطاه قياده، وهو بفتح الراء والسين: ما يقاد به من زمام ونحوه.
стр. 354
فغدرت قريظة لغدره ... يومئذ إذ هو أسّ نجره
وحاصل ما أشار له الناظم كما ذكره ابن إسحاق وغيره: (أنّه خرج عدوّ الله حييّ بن أخطب النّضريّ حتى أتى كعب بن أسد القرظي، وكان وادع رسول الله ﷺ على قومه، فأغلق دونه باب حصنه، وأبى أن يفتح له، وقال: ويحك يا حييّ إنّك امرؤ مشؤوم، وإنّي قد عاهدت محمّدا، فلست بناقض ما بيني وبينه؛ فإنّي لم أر منه إلّا وفاء، وصدقا.
فقال: ويحك! افتح لي، ولم يزل به حتى فتح له، فقال: ويلك يا كعب! جئتك بعز الدهر جئتك بقريش حتى أنزلتهم بمجتمع الأسيال، ومن دونه غطفان، وقد عاهدوني على أن لا يبرحوا حتى نستأصل محمّدا، ومن معه.
فقال له كعب: جئتني والله بذلّ الدهر، وبجهام «١» قد أهريق ماؤه يرعد ويبرق، وليس فيه شيء، ويحك يا حييّ! دعني وما أنا عليه؛ فإنّي لم أر من محمّد إلّا صدقا ووفاء، ولم يزل به يفتله في الذّروة والغارب «٢» .. حتّى نقض عهده، وبرىء ممّا كان بينه وبين رسول الله ﷺ .
(فغدرت قريظة) العهد، ونقضته مع كعب (ل) أجل (غدره يومئذ إذ هو) أي: كعب (أسّ) بتثليث الهمزة، أصل البناء، وهو مضاف إلى (نجره) بفتح النون وسكون الجيم:
стр. 355
وهو الأصل.
تحرّي الرسول ﷺ عن نقض كعب للعهد:
ولمّا انتهى هذا الخبر إلى رسول الله ﷺ وإلى المسلمين.. بعث جماعة من أصحابه فقال: انطلقوا حتى تنظروا أحقّ ما بلغنا عن هؤلاء القوم، فإن كان حقا.. فألحنوا لي لحنا «١» حتى أعرفه، ولا تفتّوا «٢» في أعضاد الناس،
стр. 356
وأرسل السّعدين خير مرسل ... وابن رواحة لهم لينجلي
ما هم عليه، فإذا هم عضل ... وسرّ خير الخلق ذاك الخذل
وإن كانوا على الوفاء فيما بيننا وبينهم فاجهروا بذلك للناس، وإلى هذا الإشارة بقوله:
(وأرسل السّعدين) سعد بن عبادة، وسعد بن معاذ.
وفاعل أرسل (خير مرسل) ﷺ (و) أرسل عبد الله (ابن رواحة) معهم، وكذا خوّات بن جبير، ويتعلق بأرسل الجار والمجرور في قوله: (لهم) أي: لبني قريظة، فقال ﷺ لهم ما ذكر، وإنّما أرسل لهم (لينجلي) أي: ليتضح (ما) أي: الأمر، والموقف الذي (هم) أي: بنو قريظة (عليه) من العهد، أو نقضه.
فخرجوا حتى أتوا بني قريظة، فوجدوهم على أخبث ما بلغه عنهم، نالوا من رسول الله ﷺ ، وقالوا: من رسول الله؟! لا عهد بيننا وبين محمّد، ولا عقد، فشاتمهم سعد بن معاذ وشاتموه، فقال له سعد بن عبادة: (دع عنك مشاتمتهم، فما بيننا وبينهم أربى من المشاتمة) .
ثمّ أقبل السّعدان ومن معهما على رسول الله ﷺ ، فسلموا عليه، ثمّ قالوا: عضل والقارة؛ أي: هم غدروا كغدر عضل والقارة بأصحاب الرجيع.
وإلى هذا الإشارة بقوله:
(فإذا هم عضل) بفتح المهملة ثمّ المعجمة: هي قبيلة
стр. 357
من بني الهون بن خزيمة، غدروا بأصحاب الرجيع.
وعلم من التقرير: أنّ ما بعد الفاء مرتب على مقدر.
(وسرّ) بالبناء للفاعل، ومفعوله (خير الخلق) ﷺ (ذاك الخذل) من بني قريظة؛ لأنّه علم ﷺ : أن قد قرب الفرج، فقال عند ذلك: «الله أكبر! أبشروا يا معشر المسلمين» .
شدة خوف المسلمين، وظهور نفاق المنافقين:
قال في «العيون» : (وعظم عند ذلك البلاء، واشتدّ الخوف، وأتاهم عدوهم من فوقهم، ومن أسفل منهم، حتى ظنّ المؤمنون كلّ ظن، ونجم النفاق من بعض المنافقين، قال تعالى: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ جاءَتْكُمْ جُنُودٌ فَأَرْسَلْنا عَلَيْهِمْ رِيحاً وَجُنُوداً لَمْ تَرَوْها وَكانَ اللَّهُ بِما تَعْمَلُونَ بَصِيراً* إِذْ جاؤُكُمْ مِنْ فَوْقِكُمْ وَمِنْ أَسْفَلَ مِنْكُمْ وَإِذْ زاغَتِ الْأَبْصارُ وَبَلَغَتِ الْقُلُوبُ الْحَناجِرَ وَتَظُنُّونَ بِاللَّهِ الظُّنُونَا* هُنالِكَ ابْتُلِيَ الْمُؤْمِنُونَ وَزُلْزِلُوا زِلْزالًا شَدِيداً.
تنبيه:
ما ذكره الناظم تبعا لأصحاب المغازي لا ينافي ما رواه الشيخان عن عبد الله بن الزّبير، قال: (كنت يوم الأحزاب أنا وعمر بن أبي سلمة مع النساء في أطم حسان، فنظرت فإذا الزّبير على فرسه، يختلف إلى بني قريظة مرتين أو ثلاثا، فلمّا رجعت.. قلت: يا أبت؛ رأيتك تختلف، قال: رأيتني
стр. 358
قالت جنوب للشّمال انطلق ... ننصر خير مرسل في الخندق
فقالت الشّمال إنّ الحرّه ... لم تسر باللّيل فذاك عرّه
يا بني؟ قلت: نعم، قال: كان رسول الله ﷺ قال: «من يأت بني قريظة فيأتيني بخبرهم؟» فانطلقت، فلمّا رجعت.. جمع لي رسول الله ﷺ بين أبويه في الفداء، فقال: فداك أبي وأمي) ؛ لما قاله في «شرح المواهب» :
(من أنّه أرسل الجميع دفعة، أو بعد إرسال الزّبير؛ لاحتمال أن يرجعوا إلى العهد بعد نقضه، حياء من حلفائهم؛ لأنّهم كانوا حلفاء الأوس، وقد أرسل إليهم سيدهم، فغلبت عليهم الشّقوة) .
وليس لك أن تقول: أو لاحتمال أنّ الزّبير علم من غيرهم نقض العهد، فاكتفى به؛ لأنّه ظن سوء بمثل الزّبير، تأباه مروءته وشجاعته.
إرسال ريح النصر والملائكة للمؤمنين:
(قالت جنوب) بفتح الجيم؛ أي: ريح الجنوب، ومهبها من مطلع سهيل إلى مطلع الثريّا (للشمال) بفتح الشين، ومهبها ناحية القطب (انطلق) بكسر القاف للرويّ (ننصر خير مرسل) ﷺ (في الخندق) .
(فقالت الشمال) مجيبة لها بلسان المقال، أو بلسان الحال: (إن الحرة لم تسر بالليل، فذاك) أي: سيرها بالليل (عرّة) بضم العين؛ أي: قبيح.
стр. 359
فأرسل الله الصّبا والملكه ... فنصرا نبيّه في المعركه
وغطفان رام أن يخوّلوا ... ثلث تمر طيبة ليعدلوا
(فأرسل الله الصّبا) بفتح الصاد المهملة، وخفة الموحدة، وهي الشرقية، ويقال لها: القبول؛ لأنّها تقابل الشمال: وهي الريح العقيم، التي لا خير فيها، قال تعالى:
فَأَرْسَلْنا عَلَيْهِمْ رِيحاً وَجُنُوداً لَمْ تَرَوْها (والملكة) : جمع ملك، بفتح اللام فيهما (فنصرا نبيه) ﷺ (في المعركة) بفتح الميم والراء، موضع الحرب كالمعترك.
وأشار بهذا إلى ما رواه ابن مردويه، والبزّار وغيرهما برجال الصحيح عن ابن عباس قال: لما كانت ليلة الأحزاب..
قالت الصّبا للشمال: اذهبي بنا ننصر رسول الله ﷺ ، فقالت: إنّ الحرائر لا تهب بالليل، فغضب الله عليها فجعلها عقيما، وأرسل الصّبا فأطفأت نيرانهم، وقطعت أطنابهم، فقال ﷺ : «نصرت بالصّبا، وأهلكت عاد بالدّبور» .
وروى الشيخان، والنسائي عنه مرفوعا: «نصرت بالصّبا، وأهلكت عاد بالدّبور» بفتح الدال: الريح الغربية.
ومن لطيف المناسبة: كون القبول نصرت أهل القبول، والدبور أهلكت أهل الإدبار.
مشروع الصلح بين المسلمين وغطفان، وعدم تمامه:
(وغطفان رام) أي: أراد ﷺ ، وقد
стр. 360
وأنف السّعدان من صلح النّبي ... وحكّما حدّ شفار القضب
بعث إلى عيينة بن حصن، والحارث بن عوف المرّي، وهما قائدا غطفان (أن يخوّلوا) بالبناء للمفعول، أي: يعطوا (ثلث تمر طيبة ليعدلوا) أي: ليميلوا ويرجعوا بمن معهم عنه، وعن أصحابه، فجرى بينه ﷺ وبينهما الصلح، حتى كتبوا الكتاب، ولم تقع الشهادة، ولا عزيمة الصلح، فلمّا أراد ﷺ أن يفعل.. بعث إلى سعد بن معاذ سيد الأوس؛ وسعد بن عبادة سيد الخزرج يستشيرهما في الأمر.
(وأنف) عند ذلك؛ أي: استنكف (السّعدان من صلح النبيّ) ﷺ فقالا: يا رسول الله؛ أأمرا تحبه فنصنعه، أم شيئا أمرك الله به، لا بدّ لنا من العمل به، أم شيئا تصنعه لنا؟ قال: «بل شيء أصنعه لكم، والله ما أصنع ذلك إلّا أنّي رأيت العرب قد رمتكم عن قوس واحدة، وكالبوكم «١» من كل جانب؛ فأردت أن أكسر عنكم من شوكتهم إلى أمر ما» .
فقال له سعد بن معاذ سيد الأوس: يا رسول الله؛ قد كنا نحن وهؤلاء القوم على الشرك بالله وعبادة الأوثان، لا نعبد الله ولا نعرفه، وهم لا يطمعون أن يأكلوا منها ثمرة إلّا قرى، أو بيعا، أفحين أكرمنا الله بالإسلام، وهدانا له، وأعزّنا بك وبه، نعطيهم أموالنا؟! ما لنا بهذا من حاجة، والله لا نعطيهم إلّا السيف حتى يحكم الله بيننا وبينهم.
стр. 361
معتّب نجل قشير قالا ... وعدنا النّبيّ أن ننالا
(وحكّما حدّ شفار) بكسر أوله، جمع شفرة بالفتح؛ أي: حدّ السيوف (القضب) أي: القواطع، فقال رسول الله ﷺ لسعد: «فأنت وذاك» فتناول سعد الصحيفة فمحا ما فيها من الكتاب، ثمّ قال: ليجهدوا علينا.
اقتحام بعض المشركين الخندق:
فأقام رسول الله ﷺ والمسلمون وعدوّهم محاصرهم، ولم يكن بينهم قتال، إلّا أنّ فوارس من قريش منهم: عمرو بن عبد ودّ، وعكرمة بن أبي جهل، وضرار بن الخطاب تلبّسوا للقتال، ثمّ خرجوا على خيلهم، حتى مروا بمنازل بني كنانة، فقالوا: تهيّأوا يا بني كنانة للحرب؛ فستعلمون من الفرسان اليوم، ثمّ اقبلوا تعنق «١» بهم خيلهم، حتى وقفوا على الخندق، فلمّا رأوه.. قالوا: والله إنّ هذه لمكيدة ما كانت العرب تكيدها، ثمّ تيمموا مكانا من الخندق ضيقا، فضربوا خيلهم فاقتحمت منه، فجالت بهم في السّبخة بين الخندق وسلع.
فلتة معتب بن قشير:
و (معتّب نجل قشير) بالتصغير، الأوسيّ، قال الحافظ: (ذكروه فيمن شهد العقبة، وقيل: إنّه كان منافقا، وقيل: إنّه تاب، وقد ذكره ابن إسحاق فيمن شهد بدرا) ،
стр. 362
كنوز قيصر وكسرى ونرى ... أحدنا اليوم يخاف المخترى
والألف في قوله: (قالا) للإطلاق؛ يعني: لما غدرت بنو قريظة، واشتدّ البلاء والخوف على المسلمين، وأتاهم عدوّهم غطفان من فوقهم من قبل المشرق، وقريش من أسفل منهم من قبل المغرب، وظنّ المؤمنون كل الظن، ونجم النفاق من بعض المنافقين.. قال معتّب:
(وعدنا النّبيّ أن ننالا) بألف الإطلاق أيضا، ومفعوله:
(كنوز قيصر) وهو علم لكل من ملك الروم، وأصله من القصر، وهو البقر بالعجمية؛ لأنّه بقر عنه بطن أمّه، وكان يفخر بذلك، يقول: لم تلدني النساء (وكسرى) : هو لقب لكل من ملك الفرس، ومعناه: واسع الملك (ونرى) الواو للحال؛ أي: يقول معتب: وعدنا النبيّ أن نأخذ أموال قيصر وكسرى، والحال أنّنا نرى ونبصر (أحدنا اليوم يخاف المخترى) بضم الميم، مكان الغائط؛ أي: لا يأمن أن يذهب إلى الغائط.
قال في «شرح المواهب» : (أخرج جويبر عن ابن عباس قال: أنزلت هذه الآية: وَإِذْ يَقُولُ الْمُنافِقُونَ وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ ما وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ إِلَّا غُرُوراً في معتّب بن قشير الأنصاريّ: هو صاحب هذه المقالة، وقيل: عبد الله بن أبيّ وأصحابه) .
قال ابن هشام: (وأخبرني من أثق به من أهل العلم: أنّ معتّبا لم يكن من المنافقين، واحتجّ بأنّه كان من أهل بدر) وفي بعض النسخ بدل البيت:
стр. 363
ونوفل من طيشه ونزقه ... أوثب طرفه حفير خندقه
فوقعا فيه وأعطى فديته ... إخوانه فاستوهبوه جثّته
وابن قشير معتب قال أما ... وعدنا محمّد أن نغنما
والخطب سهل، والمعنى واحد.
مقتل نوفل المخزومي حين اقتحم الخندق:
(ونوفل) هو ابن عبد الله بن المغيرة المخزوميّ (من طيشه) : خفته (ونزقه) عطف تفسير (أوثب طرفه) بكسر الطاء، الكريم من الخيل؛ أي: حمله على أن يثب (حفير) أي: على المحفور من (خندقه) ﷺ يريد قتل النّبيّ ﷺ (فوقعا) أي: نوفل وفرسه (فيه) أي: في الخندق، فاندقت عنقه، وقتله الله، وعظم ذلك على المشركين، فأرسلوا إلى رسول الله ﷺ : إنّا نعطيكم الديّة، على أن تدفعوه إلينا فندفنه، وإليه الإشارة بقوله: (وأعطى) بالبناء للفاعل (فديته) بالنصب مفعول مقدم على فاعل أعطى الذي هو (إخوانه) والفدية:
ما يعطى لإنقاذ الشيء.
قال ابن هشام: (بلغني عن الزّهري: أنّهم أعطوا في جسدة عشرة آلاف درهم) .
(فاستوهبوه) أي: طلبوا من النّبيّ ﷺ :
أن يهب لهم (جثّته) أي شخصه.
стр. 364
فقال فيه أكرم البريّة ... خبيث جيفة خبيث ديّة
عمرو بن عبد ودّ اذ قام له ... حيدرة بسيفه خردله
(فقال فيه أكرم البريّة) عليه من ربه أزكى صلاة عطرية ردا عليهم، وجوابا لقولهم: هو (خبيث جيفة) لموته كافرا محاربا لله ولرسوله (خبيث ديّة) بالتشديد للياء للوزن؛ لعدم حلّها؛ إذ لا دية في مثل هذه الصورة، زاد في المواهب:
«فلعنه الله، ولعن ديته، ولا نمنعكم أن تدفنوه، ولا أرب لنا في ديته» .
مقتل عمرو بن عبد ودّ بسيف علي:
(عمرو بن عبد ودّ) العامريّ (إذ قام له) مبارزا (حيدرة) لقب لسيدنا عليّ بن أبي طالب القائل:
أنا الذي سمّتني أمّي حيدره ... أكيلكم بالسيف كيل السّندره «١»
(بسيفه) يتعلق بقوله: (خردله) أي: قطع أعضاءه.
قال اليعمريّ في «العيون» : (كان عمرو بن عبد ود قاتل يوم بدر، حتى أثبتته الجراحة، فلم يشهد يوم أحد، فلمّا كان يوم الخندق.. خرج معلما، ليرى مكانه، فلمّا وقف هو وخيله.. قال: من يبارز؟ فبرز له عليّ بن أبي طالب ﵁ وذكر ابن سعد في هذا الخبر: أنّ عمرا كان ابن
стр. 365
تسعين سنة، فقال عليّ: أنا أبارزه، فأعطاه النّبيّ ﷺ سيفه وعمّمه، وقال: «اللهمّ؛ أعنه عليه» ) .
وعن ابن إسحاق من غير رواية البكّائي: (أنّ عمرا لما نادى يطلب من يبارزه.. قام عليّ ﵁ وهو مقنّع في الحديد، فقال: أنا له يا نبيّ الله، فقال له: «اجلس إنّه عمرو» ثمّ كرر عمرو النداء، وجعل يؤنّبهم ويقول: أين جنّتكم التي تزعمون أنّه من قتل منكم دخلها؟ أفلا تبرزون لي رجلا؟ فقام عليّ فقال: أنا يا رسول الله، فقال له:
«اجلس، إنّه عمرو» ثمّ نادى الثّالثة، وقال:
ولقد بححت من الندا ... ء لجمعكم هل من مبارز
ووقفت إذ جبن المشجّع ... وقفة الرجل المناجز
وكذاك أنّي لم أزل ... متسرّعا قبل الهزاهز
إنّ الشجاعة في الفتى ... والجود من خير الغرائز
فقال عليّ ﵁: أنا له يا رسول الله، فقال:
«إنّه عمرو» فقال: وإن كان عمرا، فأذن له رسول الله ﷺ ، فمشى إليه علي وهو يقول:
لا تعجلنّ فقد أتا ... ك مجيب صوتك غير عاجز
стр. 366
ذو نية وبصيرة ... والصدق ينجي كلّ فائز
إنّي لأرجو أن أقيم ... عليك نائحة الجنائز
من ضربة نجلاء يبقى ... ذكرها عند الهزاهز
فقال عمرو: من أنت؟ فقال: أنا عليّ، قال: ابن عبد مناف؟ قال: أنا علي بن أبي طالب، قال: غيرك يا ابن أخي، من أعمامك من هو أسنّ منك، فإنّي أكره أن أهريق دمك، فقال علي: لكنّي والله ما أكره أن أهريق دمك، فغضب ونزل، وسل سيفه كأنّه شعلة نار، ثمّ أقبل نحو عليّ مغضبا، ويقال: إنّه كان على فرسه، فقال له علي: كيف أقاتلك وأنت على فرسك؟ ولكن انزل معي، فنزل عن فرسه، ثمّ أقبل نحوه، فاستقبله عليّ بدرقته، فضربه عمرو فيها، فقدّها، وأثبت فيها السيف. وأصاب رأسه، فشجّه، فضربه علي على حبل العاتق، فسقط وثار العجاج، وسمع رسول الله ﷺ التكبير، فعرف أنّ عليّا قد قتله) .
قال ابن هشام: وكان شعار أصحاب رسول الله ﷺ يوم الخندق ويوم بني قريظة: (حم لا ينصرون) .
стр. 367
وفضّ جمعهم نعيم الأشجعي ... إذ نمّ بينهم بكلّ مجمع
تخذيل نعيم بن مسعود للأحزاب عن المسلمين:
(وفضّ) بتشديد الضاد المعجمة (جمعهم) أي: فرّق جمع العرب وبني قريظة، وهو مفعول ل (فض) مقدم على فاعله، الذي هو (نعيم) بالتصغير، ابن مسعود بن عامر (الأشجعيّ إذ نمّ) أي: لأنّه سعى بالنميمة المطلوبة في مثل هذا الموطن (بينهم بكل مجمع) من مجامع الكفار:
بني قريظة، وقريش، وغطفان؛ فإنّه أتى النّبيّ ﷺ ، فقال له: يا رسول الله؛ إنّي أسلمت، وإنّ قومي لم يعلموا بإسلامي، فمرني بما شئت.
فقال له رسول الله ﷺ : «إنّما أنت فينا رجل واحد، فخذّل عنا ما استطعت، فإنّ الحرب خدعة «١» » فخرج حتّى أتى بني قريظة، وكان لهم نديما في الجاهلية، فقال لهم: يا بني قريظة؛ قد عرفتم ودّي إياكم، وخاصة ما بيني وبينكم، قالوا: صدقت، لست عندنا بمتهم، فقال لهم: إنّ قريشا وغطفان ليسوا كما أنتم: البلد بلدكم، وبه أموالكم وأبناؤكم، ونساؤكم، لا تقدرون أن تحوّلوا منه إلى غيره، وإنّهم جاؤوا لحرب محمّد وأصحابه، وقد ظاهر تموهم
стр. 368
عليه، وبلدهم وأموالهم ونساؤهم بغيره، فإن رأوا نهزة..
أصابوها، وإن كان غير ذلك.. لحقوا ببلادهم، وخلّوا بينكم وبينه ببلدكم، ولا طاقة لكم به إن خلا بكم، فلا تقاتلوا معهم حتّى تأخذوا منهم رهنا من أشرافهم، يكونون ثقة لكم على أن يقاتلوا معكم محمّدا، حتى تناجزوه، فقالوا: لقد أشرت بالرأي.
ثم أتى قريشا فقال لأبي سفيان ومن معه: قد عرفتم ودّي لكم، وفراقي محمّدا، وإنه قد بلغني أمر، رأيت حقا عليّ أن أبلّغكموه، نصحا لكم، فاكتموه عني، قالوا: نفعل، قال:
إنّ معشر يهود ندموا على ما صنعوا، وأرسلوا إلى محمّد: إنّا قد ندمنا على ما فعلنا، أيرضيك أن نأخذ لك من أشراف قريش وغطفان رجالا فتضرب أعناقهم، ثمّ نكون معك على من بقي منهم، حتّى نستأصلهم؟ فأرسل إليهم: نعم، قال نعيم:
فإن بعثت إليكم يهود يلتمسون منكم رهنا فلا تدفعوا إليهم رجلا واحدا.
ثمّ أتى غطفان فقال: إنكم أصلي وعشيرتي، وأحبّ الناس إليّ، ولا أراكم تتهمونني، قالوا: صدقت، ما أنت عندنا بمتهم، قال: فاكتموا عني، قالوا: نفعل، فقال لهم مثل ما قال لقريش، وكانت ليلة السبت من شوال، سنة خمس، وكان من صنع الله لرسوله: أنّ أبا سفيان ورؤوس غطفان أرسلوا إلى بني قريظة عكرمة في نفر من القبيلتين فقالوا: إنّا لسنا بدار مقام، وقد هلك الخفّ والحافر، فأعدّوا للقتال حتى نناجز محمّدا، ونفرغ ممّا بيننا وبينه.
стр. 369
وعند ما إلى التّشتّت الزّمر ... أجمع أمرهم دعا خير البشر
فأرسلوا إليهم: إنّ اليوم يوم السبت، لا نعمل فيه شيئا، وكان قد أحدث فيه بعضنا حدثا، فأصابه ما لم يخف عليكم، ولسنا مع ذلك بمقاتلين معكم.. حتّى تعطونا رهنا من رجالكم، يكونون بأيدينا ثقة لنا، حتّى نناجز محمّدا، فإنّا نخشى إن اشتدّ عليكم القتال.. أن ترجعوا إلى بلادكم، وتتركونا والرجل في بلادنا، ولا طاقة لنا به.
فقالت قريش وغطفان: والله إنّ الذي حدّثكم به نعيم لحق، فأرسلوا إليهم: إنّا والله لا نقاتل معكم.. حتى تعطونا رهنا، فأبوا عليهم، وخذل الله بينهم، ويئس كل منهم من الآخر، واختلف أمرهم، وكان ﵊ دعا على الأحزاب فقال: «اللهمّ؛ منزل الكتاب، سريع الحساب، اهزم الأحزاب، اللهمّ؛ اهزمهم» وكان دعاؤه عليهم يوم الإثنين، ويوم الثلاثاء، ويوم الأربعاء، فاستجيب له بين الظهر والعصر يوم الأربعاء فعرف السرور في وجهه الشريف:
وإذا نظرت إلى أسرة وجهه ... لمعت كلمع البارق المتهلل
فلمّا كان ليلة السبت.. بعث الله الريح على الأحزاب، حتى ما يكاد أحدهم يهتدي لموضع رجله، ولا يقر لهم قدر ولا بناء.
بعث حذيفة لاستكشاف أمر المشركين:
(وعند ما) هي مصدرية، وقوله: (إلى التشتت) أي:
стр. 370
من يأت بالخبر عنهم يكن ... غدا رفيقنا ومنهم يأمن
فلم يقم إليه غير ابن اليمان ... من شدّة الذّعر ومن برد الزّمان
التفرق، يتعلق بأجمع، وقوله: (الزّمر) جمع زمرة:
الجماعة، مبتدأ، خبره جملة (أجمع) أي: اتفق (أمرهم) وفي نسخة (أزمع) أي: وعند إجماع الزمر من الأحزاب أمرهم إلى التفرّق، وخافت كل طائفة من الأخرى، وأرسل الله عليهم الريح، واشتدّ البرد تلك الليلة (دعا) الله (خير البشر) ﷺ ما أصغت أذن لخبر، وجليت عين لنظر، قائلا: « (من يأت بالخبر عنهم) أي:
عن الأحزاب (يكن) جزاؤه (غدا) يوم القيامة (رفيقنا) في الجنة» (ومنهم) أي: من القوم (يأمن) من مكروه يصيبه.
(فلم يقم إليه) ﷺ أحد من الصحابة (غير) حذيفة (ابن اليمان) ففي رواية البيهقي: قال ﷺ : «من يذهب فيعلم لنا علم القوم، جعله الله رفيقي» فلم يقم أحد، فقال أبو بكر: ابعث حذيفة، وفي رواية ابن إسحاق: فدعاني، فلم يكن بدّ من القيام، وإنّما لم يقم أحد من الصحابة (من) أجل (شدة الذّعر) بضم المشددة أي: الخوف (ومن برد الزمان) أي: من شدته.
قال ابن إسحاق: (حدّثني يزيد بن زياد، عن محمد بن كعب القرظي، قال: قال رجل من أهل الكوفة لحذيفة بن اليمان: يا أبا عبد الله؛ أرأيتم رسول الله ﷺ وصحبتموه؟ قال: نعم يا ابن أخي، قال: فكيف كنتم
стр. 371
تصنعون؟ قال: والله لقد كنا نجهد، قال: فقال: والله لو أدركناه.. ما تركناه يمشي على الأرض، ولحملناه على أعناقنا.
قال: فقال حذيفة: والله لقد رأيتنا مع رسول الله ﷺ بالخندق، وصلّى رسول الله ﷺ هويّا من الليل، ثمّ التفت إلينا فقال: «من رجل يقوم فينظر لنا ما فعل القوم ثمّ يرجع؟» يشرط له رسول الله ﷺ الرجعة، «أسأل الله تعالى أن يكون رفيقي في الجنة» فما قام رجل من القوم من شدة الخوف، وشدة الجوع، وشدة البرد، فلمّا لم يقم أحد.. دعاني رسول الله ﷺ ، فلم يكن لي بدّ من القيام حين دعاني، فقال:
«يا حذيفة؛ اذهب فادخل في القوم، فانظر ما يصنعون، ولا تحدثنّ شيئا حتى تأتينا» .
قال: فذهبت فدخلت في القوم، والريح، وجنود الله تفعل بهم ما تفعل، لا تقر لهم قدرا، ولا نارا، ولا بناء، فقام أبو سفيان فقال: يا معشر قريش؛ لينظر امرؤ من جليسه، قال حذيفة: فأخذت بيد الرجل الذي كان إلى جنبي فقلت: من أنت؟ قال: فلان بن فلان) .
نداء أبي سفيان بالرحيل وانهزام المشركين:
ثمّ قال أبو سفيان: يا معشر قريش؛ إنّكم والله ما أصبحتم بدار مقام، ولقد هلك
стр. 372
الكراع «١» والخفّ، وأخلفتنا بنو قريظة، وبلغنا عنهم الذي نكره، ولقينا من شدة الريح ما ترون، ما تطمئن لنا قدر، ولا تقوم لنا نار، ولا يستمسك لنا بناء فارتحلوا؛ فإنّي مرتحل، ثمّ قام إلى جمله وهو معقول، فجلس عليه، ثمّ ضربه فوثب به على ثلاث، فوالله ما أطلق عقاله إلّا وهو قائم، ولولا عهد رسول الله ﷺ إليّ: «أن لا تحدث شيئا حتى تأتيني» لقتلته بسهم.
تبشير حذيفة بانهزام المشركين:
قال حذيفة: فرجعت إلى رسول الله ﷺ وهو قائم يصلّي في مرط لبعض نسائه مرجّل، قال ابن هشام:
(المراجل: ضرب من وشي اليمن) فلمّا رآني.. أدخلني إلى رجليه، وطرح علي طرف المرط، ثمّ ركع وسجد وإنّي لفيه، فلمّا سلم.. أخبرته الخبر، وسمعت غطفان بما فعلت قريش، فانشمروا راجعين إلى بلادهم.
تنبيه:
هذه القصة التي ذهب لكشفها سيدنا حذيفة بن اليمان غير قصة سيدنا الزّبير؛ فإنّها كانت لكشف خبر بني قريظة: هل نقضوا العهد بينهم وبين المسلمين، ووافقوا قريشا على محاربة المسلمين؟ فروى البخاريّ وغيره عن جابر: أنّه عليه الصّلاة
стр. 373
وقال خير الخلق لن تغزوكم ... قريش بعد اليوم والغزو لكم
وشغل النّبيّ زحف الخندق ... عن ظهره وعصره للشّفق
والسّلام قال يوم الأحزاب: «من يأتيني بخبر القوم؟» يعني بني قريظة، فقال الزّبير: أنا، ثمّ قال: «من يأتيني بخبر القوم؟» فقال الزّبير: أنا، ثمّ قال: «من يأتيني بخبر القوم؟» فقال الزّبير: أنا، ثمّ قال: «إنّ لكل نبيّ حواريّا وإنّ حواريّ الزّبير» .
(وقال خير الخلق) ﷺ حين أجلى الله الأحزاب: « (لن تغزوكم قريش بعد اليوم) - يوم الخندق- (و) لكن (الغزو لكم) عليهم: تأتونهم في دورهم» ولفظه كما ذكره البخاريّ في جامعه، بسنده إلى سليمان بن صرد:
«قال سمعت رسول الله ﷺ يقول: «الآن نغزوهم ولا يغزوننا، نحن نسير «١» إليهم» .
قال اليعمريّ وغيره: وانصرف رسول الله ﷺ يوم الأربعاء لسبع بقين من ذي القعدة سنة خمس.
تأخير الصلاة عن وقتها يوم الخندق:
(وشغل النبيّ) ﷺ ، وهو مفعول مقدم على فاعله الذي هو (زحف) الزحف: الجيش يزحف، وهو مضاف إلى (الخندق) أي: شغل النبيّ ﷺ
стр. 374
وأصحابه جيش العدوّ الذي يريد أن يقتحم الخندق (عن) صلاة (ظهره وعصره ل) مغيب (الشفق) كما رواه الإمام مالك عن يحيى بن سعيد، عن سعيد بن المسيّب: أنّه قال:
ما صلّى رسول الله ﷺ الظهر والعصر يوم الخندق.. حتى غابت الشمس.
وكما رواه الإمام أحمد، والنسائي عن أبي سعيد: أنّهم شغلوه ﷺ عن الظهر، والعصر، والمغرب، وصلّوا بعد هويّ من الليل، وقيل: شغله ﷺ عن العصر فقط، وهو مقتضى رواية الشيخين عن جابر وعليّ، وقيل: شغله ﷺ عن أربع صلوات، حتى ذهب من الليل ما شاء، وهو مقتضى رواية النسائي والترمذيّ.
وقال الترمذيّ «١» : ليس بإسناده بأس، إلّا أنّ أبا عبيدة لم يسمع من عبد الله.
قال في «المواهب» إثر تلك الروايات: (فمال ابن العربي إلى الترجيح، فقال: الصحيح: أنّ التي اشتغل عنها ﷺ واحدة، وهي العصر، وقال النوويّ:
طريق الجمع: أنّ وقعة الخندق بقيت أياما، فكان هذا أي شغلهم عن العصر، أو عنها وعن الظهر في بعض الأيام.
وهذا؛ أي: تأخير أربع صلوات في بعضها) .
стр. 375
وعلم من كلام الناظم: أنّ سبب تأخير الصلاة في ذلك اليوم هو شغلهم، فلم يتمكّنوا من فعلها، قال في «شرح المواهب» : وهو أقرب لا سيّما ولأحمد والنسائي عن أبي سعيد: أنّ ذلك كان قبل أن ينزل الله تعالى في صلاة الخوف فَرِجالًا أَوْ رُكْباناً وقيل: النسيان، واستبعد وقوعه من الجميع، أمّا اليوم.. فلا يجوز تأخير الصلاة عن وقتها بسبب القتال، بل تصلّى صلاة الخوف على حسب الحال.
تتميم:
ذكر ابن إسحاق وغيره: (أنّه استشهد من المسلمين يوم الخندق ستة لا غير، سعد بن معاذ، وأنس بن أوس، وعبد الله بن سهل الأوسيون، والطفيل بن النعمان، وثعلبة بن عنمة، وكعب بن زيد، الخزرجيّون.
قال العبد الضعيف كان الله له: سيدنا سعد بن معاذ استشهد بعد رجوعه من غزوة بني قريظة، حيث انفجر الجرح الذي كان أصابه يوم الخندق برمية ابن العرقة كما سيأتي إن شاء الله تعالى، فالمراد: أنّه استشهد بسبب تلك الرّمية يوم الخندق.
وهلك من المشركين: منبّه بن عبيد، ونوفل بن عبد الله المخزوميّ، وعمرو بن عبدودّ العامري.
ومن هديه ﷺ كما في الصحيح، إذا رجع من غزوة أو حج أو عمرة.. أن يبدأ فيكبّر ثلاث مرات، ثمّ
стр. 376
ثمّ قريظة إليها جبرئيل ... ولم يضع سلاحه استدعى رعيل
يقول: «لا إله إلّا الله، وحده لا شريك له، له الملك، وله الحمد، وهو على كل شيء قدير، آيبون، تائبون، عابدون، ساجدون لربنا حامدون، صدق الله وعده، ونصر عبده، وهزم الأحزاب وحده» .
والله أعلم
(١٩) غزوة بني قريظة
بضم القاف، وفتح الراء، وسكون التحتية، وبالظاء المعجمة. قال الزرقاني في «شرح المواهب» : (قال السمعاني: اسم رجل نزل أولاده قلعة حصينة بقرب المدينة، فنسبت إليهم، وقريظة والنّضير أخوان من أولاد هارون.
وذكر عبد الملك بن يوسف: أنّ بني قريظة كانوا يزعمون أنّهم من ذرية شعيب نبيّ الله- قال الحافظ: وهو محتمل- وأنّ شعيبا كان من بني جذام، القبيلة المشهورة، وهو بعيد جدا) اهـ
قلت: وبنو قريظة كانوا يسكنون العوالي من المدينة، ففيها منازلهم.
أمر الله رسوله ﷺ على لسان جبريل ﵇ بقتال بني قريظة:
(ثمّ قريظة) أي: غزوتها بعد الخندق، بل كانت عقبها بلا مهلة؛ فإنّه ﷺ لما دخل المدينة في اليوم
стр. 377
الذي انصرف فيه من الخندق- وهو عند ابن سعد يوم الأربعاء لسبع بقين من ذي القعدة «١» - خرج لغزوهم باستدعاء جبريل لهم كما قال: (إليها) أي: استدعى إلى بني قريظة (جبرئيل) بالهمز بعدها ياء على إحدى لغاته، فقوله:
(إليها) يتعلق ب (استدعى) الواقع خبرا عن قوله:
(جبريل) ، والجملة خبر عن قوله: (ثمّ قريظة) ، وقد وقع بينهما الجملة الحالية معترضة وهي قوله: (ولم يضع) أي:
والحال أنّه لم يضع جبريل ﵇ (سلاحه استدعى) أي: جبرئيل، ومعموله (رعيل) وقف به على لغة ربيعة، والرعيل: الجماعة القليلة، نحو العشرين أو الخمسة والعشرين من الخيل.
روى الإمام البخاري في (باب الجهاد) من حديث عائشة رضي الله تعالى عنها: (أنّه لمّا رجع ﷺ من الخندق ووضع السلاح واغتسل.. أتاه جبريل فقال: قد وضعت السلاح؟! والله ما وضعناه، فاخرج إليهم. قال:
«فإلى أين؟» قال: ههنا، وأشار إلى بني قريظة) اهـ، فخرج النّبي ﷺ إليهم.
وروى البخاري أيضا من حديث أنس ﵁ قال:
(لكأنّي أنظر إلى الغبار ساطعا في زقاق بني غنم موكب جبريل حين سار إلى بني قريظة) .
стр. 378
وقاده وزلزل الحصونا ... وقذف الرّعب ولا يدرونا
واستذمر النّبيّ خيل الله ... وعن صلاة العصر قام النّاهي
(وقاده) أي: قاد جبريل الرعيل إلى بني قريظة (وزلزل) حرّك (الحصونا) لبني قريظة (وقذف الرّعب) والفزع في قلوبهم (و) هم على حين غفلة (لا يدرونا) ذلك.
(واستذمر) أي: استحثّ وحضّ (النبيّ) ﷺ .
في «القاموس» و «شرحه» : (الذّمر بالفتح: الملامة والحض [معا] ، والتهدد والغضب والتشجيع، وفي حديث عليّ: «ألا وإنّ الشيطان قد ذمر حزبه» أي: حضّهم وشجّعهم) .
ومعمول (استذمر) قوله: (خيل الله) أي: أصحابها قائلا: «يا خيل الله اركبي» «١» لمن بعثه أن ينادي بها، قال الشاميّ: (المنادي هو بلال) .
وخرج ﷺ وقد لبس الدرع والمغفر والبيضة، وتقلد القوس، وركب فرسه، ثم سار إليهم في المسلمين، وهم ثلاثة آلاف، والخيل ستة وثلاثون فرسا، واستعمل على المدينة ابن أمّ مكتوم.
стр. 379
إلّا بهم ولم يعب من أخّرا ... إلى العشاء إذ يراه ائتمرا
(وعن صلاة العصر) يتعلق بقوله: (قام) ، والواو في الحقيقة داخلة على الفعل، يعني: وقام (الناهي) عن صلاة العصر أن تصلى (إلّا بهم) أي: ببني قريظة، ويشير بهذا إلى قوله ﷺ كما في الصحيح عن ابن عمر:
«لا يصلّينّ أحد العصر إلّا في بني قريظة» .
(ولم يعب من أخّرا) أي: لم ينسب من أخّر العصر (إلى العشاء) إلى العيب، ولم يعنّفهم رسول الله ﷺ ؛ لأنّهم إنّما أخروها لفهمهم النّهي عن فعلها قبل بني قريظة وإن خرج الوقت، كما هو ظاهر اللفظ؛ (إذ يراه) أي: يرى أنّ من أخرها عن وقتها قد (ائتمرا) أي: فعل ما أمر به، قال ابن عمر في الحديث السابق: (فأدرك بعضهم العصر في الطريق، فقال بعضهم: لا نصلي حتى نأتيها، وقال بعضهم: بل نصلّي، لم يرد منا ذلك، فذكر ذلك للنّبيّ ﷺ ، فلم يعنّف واحدا منهم) .
قال في «شرح المواهب» : (في رواية ابن إسحاق:
فصلوا العصر بها- أي: ببني قريظة- بعد العشاء الآخرة، فما عابهم الله في كتابه، ولا عنفهم به رسول الله ﷺ . قال السهيلي وغيره: «في هذا الحديث من الفقه: أنّه لا يعاب على من أخذ بظاهر حديث أو آية» ، ولا على من استنبط من النص معنى يخصصه؛ أي: ممّن كان له أهلية، وفيه كل مجتهد في الفروع مصيب) اهـ
стр. 380
وخيّر ابن أسد قريظته ... بين ثلاث وازدروا روّيته
قلت: وهو المشار إليه في قول حسان زمانه ﵁ «١» :
كلهم في أحكامه ذو اجتهاد ... وصواب وكلهم أكفاء
نعم؛ المصيب في القطعيات والمعتقدات واحد لا غير، وقد تكفل علم الأصول بتفصيل ذلك، وذكر أدلة كل، فليراجع في كتبه.
تخيير كعب بن أسد لقومه بين خلال ثلاث، ورفضهم لها:
وقد حاصرهم المسلمون خمسا وعشرين ليلة كما قاله ابن إسحاق (و) لما اشتد عليهم الحصار، وقذف الله في قلوبهم الرّعب.. (خيّر) كعب (بن أسد) رئيس بني قريظة (قريظته) بالنصب معمول لخيّر، مضاف لضمير كعب؛ لأنّه رئيسهم، وأشار إلى المخيّر فيه بقوله: (بين ثلاث) من الخلال.
(وازدروا) أي: احتقر بنو قريظة (رويّته) بكسر الواو وشد الياء المفتوحة؛ أي: رأيه؛ فإنّه لما قال لهم:
(يا معشر يهود؛ قد نزل بكم ما ترون، وإنّي أعرض عليكم خلالا ثلاثا، فخذوا أيّها شئتم.. قالوا: وما هي؟ قال:
نتابع هذا الرجل ونصدقه، فوالله؛ لقد تبيّن أنّه نبيّ مرسل،
стр. 381
أن يؤمنوا فيأمنوا فقد دروا ... في كتبهم ما عنه إذ جاء أبوا
وأنّه للّذي تجدونه في كتابكم، فتأمنون على دمائكم وأموالكم وأبنائكم ونسائكم. فأبوا، قال: فإذا أبيتم عليّ هذه.. فهلمّ فلنقتل أبناءنا ونساءنا، ثمّ نخرج إلى محمّد وأصحابه رجالا مصلتين «١» السيوف، لم نترك وراءنا ثقلا «٢» ، حتى يحكم الله بيننا وبين محمّد، فإن نهلك.. نهلك ولم نترك وراءنا نسلا نخشى عليه، وإن نظهر.. فلعمري؛ لنجدنّ النساء والأبناء.
فقالوا: أيّ عيش لنا بعد أبنائنا ونسائنا؟! فقال: فإن أبيتم عليّ هذه، فإنّ الليلة ليلة السبت، وعسى أن يكون محمّد وأصحابه قد أمنونا فيها، فانزلوا لعلّنا نصيب من محمّد وأصحابه غرّة. قالوا: نفسد سبتنا، ونحدث فيه ما لم يحدث فيه من كان قبلنا إلّا من قد علمت، فأصابه ما لم يخف عليك من المسخ؟! قال: ما بات رجل منكم منذ ولدته أمه ليلة واحدة من الدهر حازما) ذكر ذلك ابن إسحاق.
وأشار الناظم إلى الخلّة الأولى بقوله: (أن يؤمنوا) برسول الله ﷺ (فيأمنوا) على دمائهم من القتل، وعلى أموالهم وأبنائهم ونسائهم من الأسر والسّلب (فقد دروا) وعلموا (في كتبهم) كالتوراة (ما) أي: الأمر الذي (عنه) يتعلق بقوله: (أبوا) ، وقوله: (إذ جاء) ظرف لقوله: (أبوا) قدّم عليه؛ أي: فقد علم بنو قريظة
стр. 382
أو يحصدوا النّساء والصّبيانا ... فلم يخلّوا خلفهم إنسانا
أو يفتكوا في السّبت إذ يأمنهم ... جيش العرمرم ولا يأبنهم
نعته ﷺ الذي أبوا عنه لما جاءهم، وقد ذكر الله أنّ اليهود كانت تستنصر الله على الكافرين من مشركي العرب، وتقول إذا حزبهم أمر أو دهمهم عدوّ:
اللهم؛ انصرنا عليهم بالنّبيّ المبعوث في آخر الزمان، الذي نجد صفته في التوراة، فكانوا ينصرون، فقال تعالى في كتابه العزيز المبين: وَلَمَّا جاءَهُمْ كِتابٌ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ مُصَدِّقٌ لِما مَعَهُمْ وَكانُوا مِنْ قَبْلُ يَسْتَفْتِحُونَ عَلَى الَّذِينَ كَفَرُوا فَلَمَّا جاءَهُمْ ما عَرَفُوا كَفَرُوا بِهِ فَلَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الْكافِرِينَ.
وقال البغويّ في «تفسيره» : (كانوا يقولون لأعدائهم من المشركين: قد أظلّ زمان نبيّ يخرج بتصديق ما قلنا، فنقتلكم معه قتل عاد وثمود وإرم) اهـ
فكان ما أخبر الله، ونعاه عليهم؛ من كفرهم حسدا، ونزول اللعنة عليهم بذلك.
وأشار للخلة الثانية بقوله: (أو يحصدوا) بضم عين الفعل وبكسرها، من الحصد بمعنى القطع؛ أي: أو يقتلوا (النّساء والصبيانا) ثمّ يخرجوا إلى محمّد وأصحابه مشاة مقاتلين (فلم يخلّوا) أي: يتركوا (خلفهم إنسانا) من أولئك يخشون عليه، وتقدم جواب هذه الخلة كسابقتها ولاحقتها.
وأشار إلى الثالثة بقوله: (أو يفتكوا) بالضم والكسر للعين، من الفتك، وهو: القتل على غرة؛ أي: أو ينتهزوا
стр. 383
وضاقت الأرض بهم لرعبهم ... وجهلوا كيف النّكاية بهم
واستنبؤوا أبا لبابة الخبر ... فرقّ للعهد الّذي بهم غبر
الفرصة (في) القتال يوم (السبت إذ يأمنهم) بفتح الميم، من الأمن، وهو: الاطمئنان وسكون القلب، وفاعل (يأمن) قوله: (جيش العرمرم) أي: يسكن إليهم في يوم السبت الجيش الكثير من المسلمين، ويعتقدون أنّه لا يحدث فيه شيء؛ لما علموا من تعظيمنا له (ولا يأبنهم) يتهمهم بالخروج في السبت، وهو بتقديم الباء المفتوحة على النون.
وذكر هذه الأبيات في هذا الوضع هو الموافق لما ذكره ابن إسحاق، وفي بعض النسخ تقديم قوله: (أو يفتكوا ... )
البيت، على قوله: (أو يحصدوا ... ) البيت.
(و) لما خيّرهم كعب بين الخلال الثلاث، ولم يأخذوا بواحدة منها.. (ضاقت الأرض بهم لرعبهم) وفزعهم، وقد أيقنوا بالهلاك (وجهلوا كيف النكاية) من المسلمين (بهم) أي: ببني قريظة،
والنكاية- بكسر النون-: ما يفعل بالعدوّ من قتل وجرح ونحوهما.
طلبهم أبا لبابة وقصته معهم، وتوبته ﵁:
(واستنبؤوا أبا لبابة) مبشر بن عبد المنذر أخا بني عمرو بن عوف من الأوس «١» ﵁، وتقدمت
стр. 384
أن جأرت في وجهه الصّبيان ... واستعطفت رحمته النّسوان
ففتنوه وانتحى عن بلد ... عصى به وشاط نحو المسجد
فقام فيه برهة مرتبطا ... معذّبا لنفسه مورّطا
ترجمته (الخبر) وكانت قريظة أرسلوا إلى رسول الله ﷺ : أن ابعث إلينا أبا لبابة نستشيره في أمرنا، فأرسله إليهم، فلمّا رأوه.. قام إليه الرجال، وأسرع إليه النساء والصبيان يبكون في وجهه (فرقّ) لهم ورحمهم (للعهد الذي بهم غبر) أي: مضى، وكانوا حلفاء الأوس.
(أن جأرت) صاحت (في وجهه الصبيان) بكسر الصاد، وتضم (واستعطفت رحمته) طلبت العطف منه والرحمة (النّسوان) ولما سألوه وقالوا: يا أبا لبابة؛ أترى أن ننزل على حكم محمّد»
؟ قال: نعم- وأشار بيده إلى حلقه: أنّه الذّبح- قال أبو لبابة: فو الله؛ ما زالت قدماي من مكانهما..
حتى عرفت أنّي قد خنت الله ورسوله ﷺ .
(ففتنوه) أي: فبسبب ما ذكر أوقعوا أبا لبابة في الفتنة، فندم واسترجع (وانتحى) أي: ذهب إلى ناحية بعيدة (عن بلد عصى به) ربه، ولم يأت رسول الله ﷺ (وشاط) جرى (نحو المسجد) النبويّ.
(فقام فيه برهة) زمنا طويلا (مرتبطا) «٢» إلى عمود من
стр. 385
عمده، وقال: لا أبرح مكاني هذا حتى أموت، أو يتوب الله عليّ ممّا صنعت، وأعاهد الله ألّا أطأ بني قريظة أبدا، ولا أرى في بلد خنت الله ورسوله فيه أبدا.
وكان ارتباطه ست ليال على ما قاله ابن هشام، تأتيه امرأته في وقت كل صلاة فتحله للصلاة، ثم يعود فتربطه بالجذع (معذّبا لنفسه مورّطا) أي: موقعا لها في الورطة والهلكة.
وقال ابن عبد البر: (روى ابن وهب عن مالك عن عبد الله ابن أبي بكر: أنّ أبا لبابة ارتبط بسلسلة ثقيلة بضع عشرة ليلة حتى ذهب سمعه وكاد يذهب بصره، فكانت ابنته تحلّه إذا حضرت الصلاة أو أراد أن يذهب لحاجته، فإذا فرغ.. أعادته) .
قلت: ولا مانع أن تأتيه امرأته مرة فتحله مدة ست ليال، وابنته مرة أخرى كذلك في باقي البضعة عشرة ليلة.
قال ابن هشام: (وأنزل الله في أبي لبابة- فيما قال ابن عيينة عن إسماعيل بن أبي خالد، عن عبد الله بن خالد، عن عبد الله بن أبي قتادة-: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَخُونُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ وَتَخُونُوا أَماناتِكُمْ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ. وَاعْلَمُوا أَنَّما أَمْوالُكُمْ وَأَوْلادُكُمْ فِتْنَةٌ وَأَنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ أَجْرٌ عَظِيمٌ.
ولمّا بلغ رسول الله ﷺ خبره- وكان قد استبطأه- قال: «أمّا إنّه لو جاءني.. لاستغفرت له، فأمّا إذ فعل ما فعل.. فما أنا بالذي أطلقه من مكانه حتى يتوب الله عليه» .
стр. 386
فتاب من هفوته الله عليه ... وحلّه خير الأنام بيديه
قال أبو لبابة: فكنت في أمر عظيم، في حرّ شديد عدّة ليال، لا آكل فيهنّ شيئا ولا أشرب، وقلت: لا أزال هكذا حتى أفارق الدنيا؛ أو يتوب الله عليّ.
(فتاب من هفوته) أي: زلته (الله) (عليه) أي:
على أبي لبابة، ونزل على رسول الله ﷺ من السحر وهو في بيت أم سلمة قوله تعالى: وَآخَرُونَ اعْتَرَفُوا بِذُنُوبِهِمْ خَلَطُوا عَمَلًا صالِحاً وَآخَرَ سَيِّئاً عَسَى اللَّهُ أَنْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ فقالت أم سلمة: فسمعت رسول الله ﷺ من السّحر وهو يضحك، فقلت: يا رسول الله؛ ممّ تضحك! أضحك الله سنّك، قال: «تيب على أبي لبابة» قلت: أفلا أبشّره يا رسول الله؟ قال:
«بلى، إن شئت» فقامت على باب حجرتها- وذلك قبل أن يضرب عليهنّ الحجاب- فقالت: يا أبا لبابة؛ أبشر، فقد تاب الله عليك، فثار الناس إليه ليطلقوه، فقال: لا والله؛ حتى يكون رسول الله ﷺ هو الذي يطلقني بيده، فلمّا مرّ عليه خارجا إلى صلاة الصبح.. أطلقه كما قال: (وحلّه خير الأنام بيديه) .
قال الزّرقاني عن السّهيلي: (فإن قيل: إنّ الآية ليست نصّا في توبة الله عليه أكثر من قوله تعالى: عَسَى اللَّهُ أَنْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ؟
فالجواب: أن «عسى» منه سبحانه واجبة، وخبر صدق.
стр. 387
وحكّم النّبيّ فيهم سعد الاوس ... إذ غاظهم إطلاقه عن كلّ بؤس
فإن قيل: القرآن نزل بلسان العرب، و «عسى» ليست في كلامهم بخبر، ولا تقتضي وجوبا.
قلنا: «عسى» تعطي الترجّي مع المقاربة، ولذا قال:
عَسى أَنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقاماً مَحْمُوداً ومعناه الترجّي مع الخبر بالقرب، كأنّه قال: قرب أن يبعثك، فالترجي مصروف إلى العبد، والخبر عن القرب مصروف إلى الله، وخبره حق، ووعده حتم، فما تضمنه من الخبر فهو الواجب دون الترجّي، الذي هو محال على الله تعالى) اهـ باختصار.
قال العبد الفقير كان الله له: وفي قصة سيدنا أبي لبابة هذه ما يرشد إلى قويّ إيمانه، وعظيم إخلاصه، ممّا لا يبالي أن يضحي بنفسه في سبيل الله تعالى ورضاء رسوله، فيعذبها ذلك العذاب، وينظر إليها بتلك النظرة. وتأمل قوله: (لا أبرح من مكاني هذا حتى أموت أو يتوب الله عليّ) تعلم أنّ نفسه عليه رخيصة في جانب الله ، وأنّه من الذين أضافوا إلى جهاد الكافرين جهاد أنفسهم. فرضي الله عن الصحابة وأرضاهم، وبلغنا بهم لحوقهم، آمين.
تحكيم سعد بن معاذ في قريظة:
(و) لما يئس بنو قريظة بعد اشتداد حصارهم.. أذعنوا أن ينزلوا على حكم رسول الله ﷺ ، ف (حكّم النّبيّ فيهم سعد الاوس) بحذف الهمزة ونقل حركتها إلى اللام للوزن، وهو: أبو عمرو سعد بن معاذ سيد الأوس.
стр. 388
لابن أبيّ حلفاء الخزرج ... وكان في التّحكيم حسم الهرج
وفي «صحيح البخاري» : فردّ الحكم إلى سعد.
قال في «الفتح» : (كأنّهم أذعنوا النزول على حكم المصطفى، فلمّا سأله الأنصار فيهم.. ردّ الحكم إلى سعد) وهذا هو مراد الناظم بقوله: (إذ غاظهم) أي: الأوس، وفاعل غاظ (إطلاقه) أي: إطلاق النّبيّ ﷺ ، يعني: وإنّما ردّ النّبيّ ﷺ الحكم إلى سعد؛ لأنّ قومه الأوس كان غاظهم أن يطلق النّبيّ ﷺ (عن كل بؤس) هو ضد النعيم (لابن أبيّ) عبد الله وهو يتعلق بالإطلاق العامل النصب في قوله: (حلفاء الخزرج) وهم بنو قينقاع.
قال ابن إسحاق: (لمّا أصبح بنو قريظة.. نزلوا على حكم رسول الله ﷺ ، فتواثبت الأوس، فقالوا: يا رسول الله صلى الله عليك وسلم؛ إنّهم كانوا موالينا دون الخزرج، وقد فعلت في موالي إخواننا بالأمس ما قد علمت- وقد كان رسول الله ﷺ قبل بني قريظة قد حاصر بني قينقاع، وكانوا حلفاء الخزرج، فنزلوا على حكمه، فسأله إياهم عبد الله بن أبيّ ابن سلول، فوهبهم له- فلمّا كلّمته الأوس.. قال رسول الله ﷺ :
«ألا ترضون يا معشر الأوس أن يحكّم فيهم رجل منكم؟» قالوا: بلى. قال رسول الله ﷺ : «فذلك إلى سعد بن معاذ» .
стр. 389
وكان رسول الله ﷺ قد جعل سعد بن معاذ في خيمة لامرأة من أسلم، يقال لها: رفيدة- بالتصغير- الأسلمية في مسجده، كانت تداوي الجرحى، وتحتسب بنفسها على خدمة من كانت به ضيعة من المسلمين، وكان رسول الله ﷺ قد قال لقومه حين أصابه السهم بالخندق: «اجعلوه في خيمة رفيدة؛ حتى أعوده من قريب، فلمّا حكّمه رسول الله ﷺ في بني قريظة.. أتاه قومه، فحملوه على حمار قد وطّؤوه له بوسادة من أدم، وكان رجلا جسيما جميلا، ثمّ أقبلوا معه إلى رسول الله ﷺ وهم يقولون: يا أبا عمرو؛ أحسن في مواليك؛ فإنّ رسول الله ﷺ إنّما ولّاك ذلك لتحسن فيهم.
فلمّا أكثروا عليه.. قال: لقد آن لسعد أن لا تأخذه في الله لومة لائم. فرجع بعض من كان معه من قومه إلى دار بني عبد الأشهل، فنعى لهم رجال بني قريظة قبل أن يصل إليهم سعد؛ عن كلمته التي سمع منه.
فلمّا انتهى سعد إلى رسول الله ﷺ والمسلمين.. قال رسول الله ﷺ : «قوموا إلى سيدكم» فأمّا المهاجرون من قريش.. فيقولون: إنّما أراد رسول الله ﷺ الأنصار، وأمّا الأنصار..
فيقولون: قد عمّ بها رسول الله ﷺ المسلمين أي: أنصارا ومهاجرين- فقاموا إليه، فقالوا: يا أبا عمرو؛
стр. 390
وحملوا سعدا على حمار ... من المدينة إلى المختار
وعند ما انتهى إلى النّديّ ... سوّده خير بني لؤيّ
إنّ رسول الله ﷺ قد ولّاك أمر مواليك لتحكم فيهم، فقال سعد: عليكم بذلك عهد الله وميثاقه أنّ الحكم فيهم لما حكمت؟ قالوا: نعم. قال: وعلى من ههنا؟ - في الناحية التي فيها رسول الله ﷺ ، وهو معرض عن رسول الله ﷺ إجلالا له- فقال رسول الله ﷺ : «نعم» قال سعد: فإنّي أحكم فيهم أن تقتل الرجال، وتقسّم الأموال، وتسبى الذّراريّ والنساء.
(وكان في التحكيم) أي: تحكيم سعد فيهم (حسم) أي: قطع (الهرج) : الخصام والفتنة.
قال ابن إسحاق عقب ما ذكر: (فحدّثني عاصم بن عمر بن قتادة عن عبد الرّحمن بن عمرو بن سعد بن معاذ، عن علقمة بن وقاص الليثي، قال: قال رسول الله ﷺ لسعد: «لقد حكمت فيهم بحكم الله من فوق سبعة أرقعة» ) جمع رقيع، وهو السماء؛ لأنّها رقعت بالنجوم.
وقد أشار الناظم إلى ما ذكره ابن إسحاق من القصة بقوله: (وحملوا سعدا على حمار) لأعرابي عليه قطيفة (من) المسجد النبويّ ب (المدينة إلى المختار) ﵊.
(وعند ما انتهى) أي: بلغ (إلى النديّ) بتشديد الياء، بوزن النّبيّ، وهو: مجلس القوم (سوّده) أي: جعل سعدا