← Сира

Сира · id 9772

إنارة الدجى في مغازي خير الورى صلى الله عليه وآله وسلم

حسن بن محمد مشاط

Полный текст (820 стр.). Показаны 386–425 · переход к 391.

стр. 386

فتاب من هفوته الله عليه ... وحلّه خير الأنام بيديه قال أبو لبابة: فكنت في أمر عظيم، في حرّ شديد عدّة ليال، لا آكل فيهنّ شيئا ولا أشرب، وقلت: لا أزال هكذا حتى أفارق الدنيا؛ أو يتوب الله عليّ. (فتاب من هفوته) أي: زلته (الله) (عليه) أي: على أبي لبابة، ونزل على رسول الله ﷺ من السحر وهو في بيت أم سلمة قوله تعالى: وَآخَرُونَ اعْتَرَفُوا بِذُنُوبِهِمْ خَلَطُوا عَمَلًا صالِحاً وَآخَرَ سَيِّئاً عَسَى اللَّهُ أَنْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ فقالت أم سلمة: فسمعت رسول الله ﷺ من السّحر وهو يضحك، فقلت: يا رسول الله؛ ممّ تضحك! أضحك الله سنّك، قال: «تيب على أبي لبابة» قلت: أفلا أبشّره يا رسول الله؟ قال: «بلى، إن شئت» فقامت على باب حجرتها- وذلك قبل أن يضرب عليهنّ الحجاب- فقالت: يا أبا لبابة؛ أبشر، فقد تاب الله عليك، فثار الناس إليه ليطلقوه، فقال: لا والله؛ حتى يكون رسول الله ﷺ هو الذي يطلقني بيده، فلمّا مرّ عليه خارجا إلى صلاة الصبح.. أطلقه كما قال: (وحلّه خير الأنام بيديه) . قال الزّرقاني عن السّهيلي: (فإن قيل: إنّ الآية ليست نصّا في توبة الله عليه أكثر من قوله تعالى: عَسَى اللَّهُ أَنْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ؟ فالجواب: أن «عسى» منه سبحانه واجبة، وخبر صدق.

стр. 387

وحكّم النّبيّ فيهم سعد الاوس ... إذ غاظهم إطلاقه عن كلّ بؤس فإن قيل: القرآن نزل بلسان العرب، و «عسى» ليست في كلامهم بخبر، ولا تقتضي وجوبا. قلنا: «عسى» تعطي الترجّي مع المقاربة، ولذا قال: عَسى أَنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقاماً مَحْمُوداً ومعناه الترجّي مع الخبر بالقرب، كأنّه قال: قرب أن يبعثك، فالترجي مصروف إلى العبد، والخبر عن القرب مصروف إلى الله، وخبره حق، ووعده حتم، فما تضمنه من الخبر فهو الواجب دون الترجّي، الذي هو محال على الله تعالى) اهـ باختصار. قال العبد الفقير كان الله له: وفي قصة سيدنا أبي لبابة هذه ما يرشد إلى قويّ إيمانه، وعظيم إخلاصه، ممّا لا يبالي أن يضحي بنفسه في سبيل الله تعالى ورضاء رسوله، فيعذبها ذلك العذاب، وينظر إليها بتلك النظرة. وتأمل قوله: (لا أبرح من مكاني هذا حتى أموت أو يتوب الله عليّ) تعلم أنّ نفسه عليه رخيصة في جانب الله ، وأنّه من الذين أضافوا إلى جهاد الكافرين جهاد أنفسهم. فرضي الله عن الصحابة وأرضاهم، وبلغنا بهم لحوقهم، آمين. تحكيم سعد بن معاذ في قريظة: (و) لما يئس بنو قريظة بعد اشتداد حصارهم.. أذعنوا أن ينزلوا على حكم رسول الله ﷺ ، ف (حكّم النّبيّ فيهم سعد الاوس) بحذف الهمزة ونقل حركتها إلى اللام للوزن، وهو: أبو عمرو سعد بن معاذ سيد الأوس.

стр. 388

لابن أبيّ حلفاء الخزرج ... وكان في التّحكيم حسم الهرج وفي «صحيح البخاري» : فردّ الحكم إلى سعد. قال في «الفتح» : (كأنّهم أذعنوا النزول على حكم المصطفى، فلمّا سأله الأنصار فيهم.. ردّ الحكم إلى سعد) وهذا هو مراد الناظم بقوله: (إذ غاظهم) أي: الأوس، وفاعل غاظ (إطلاقه) أي: إطلاق النّبيّ ﷺ ، يعني: وإنّما ردّ النّبيّ ﷺ الحكم إلى سعد؛ لأنّ قومه الأوس كان غاظهم أن يطلق النّبيّ ﷺ (عن كل بؤس) هو ضد النعيم (لابن أبيّ) عبد الله وهو يتعلق بالإطلاق العامل النصب في قوله: (حلفاء الخزرج) وهم بنو قينقاع. قال ابن إسحاق: (لمّا أصبح بنو قريظة.. نزلوا على حكم رسول الله ﷺ ، فتواثبت الأوس، فقالوا: يا رسول الله صلى الله عليك وسلم؛ إنّهم كانوا موالينا دون الخزرج، وقد فعلت في موالي إخواننا بالأمس ما قد علمت- وقد كان رسول الله ﷺ قبل بني قريظة قد حاصر بني قينقاع، وكانوا حلفاء الخزرج، فنزلوا على حكمه، فسأله إياهم عبد الله بن أبيّ ابن سلول، فوهبهم له- فلمّا كلّمته الأوس.. قال رسول الله ﷺ : «ألا ترضون يا معشر الأوس أن يحكّم فيهم رجل منكم؟» قالوا: بلى. قال رسول الله ﷺ : «فذلك إلى سعد بن معاذ» .

стр. 389

وكان رسول الله ﷺ قد جعل سعد بن معاذ في خيمة لامرأة من أسلم، يقال لها: رفيدة- بالتصغير- الأسلمية في مسجده، كانت تداوي الجرحى، وتحتسب بنفسها على خدمة من كانت به ضيعة من المسلمين، وكان رسول الله ﷺ قد قال لقومه حين أصابه السهم بالخندق: «اجعلوه في خيمة رفيدة؛ حتى أعوده من قريب، فلمّا حكّمه رسول الله ﷺ في بني قريظة.. أتاه قومه، فحملوه على حمار قد وطّؤوه له بوسادة من أدم، وكان رجلا جسيما جميلا، ثمّ أقبلوا معه إلى رسول الله ﷺ وهم يقولون: يا أبا عمرو؛ أحسن في مواليك؛ فإنّ رسول الله ﷺ إنّما ولّاك ذلك لتحسن فيهم. فلمّا أكثروا عليه.. قال: لقد آن لسعد أن لا تأخذه في الله لومة لائم. فرجع بعض من كان معه من قومه إلى دار بني عبد الأشهل، فنعى لهم رجال بني قريظة قبل أن يصل إليهم سعد؛ عن كلمته التي سمع منه. فلمّا انتهى سعد إلى رسول الله ﷺ والمسلمين.. قال رسول الله ﷺ : «قوموا إلى سيدكم» فأمّا المهاجرون من قريش.. فيقولون: إنّما أراد رسول الله ﷺ الأنصار، وأمّا الأنصار.. فيقولون: قد عمّ بها رسول الله ﷺ المسلمين أي: أنصارا ومهاجرين- فقاموا إليه، فقالوا: يا أبا عمرو؛

стр. 390

وحملوا سعدا على حمار ... من المدينة إلى المختار وعند ما انتهى إلى النّديّ ... سوّده خير بني لؤيّ إنّ رسول الله ﷺ قد ولّاك أمر مواليك لتحكم فيهم، فقال سعد: عليكم بذلك عهد الله وميثاقه أنّ الحكم فيهم لما حكمت؟ قالوا: نعم. قال: وعلى من ههنا؟ - في الناحية التي فيها رسول الله ﷺ ، وهو معرض عن رسول الله ﷺ إجلالا له- فقال رسول الله ﷺ : «نعم» قال سعد: فإنّي أحكم فيهم أن تقتل الرجال، وتقسّم الأموال، وتسبى الذّراريّ والنساء. (وكان في التحكيم) أي: تحكيم سعد فيهم (حسم) أي: قطع (الهرج) : الخصام والفتنة. قال ابن إسحاق عقب ما ذكر: (فحدّثني عاصم بن عمر بن قتادة عن عبد الرّحمن بن عمرو بن سعد بن معاذ، عن علقمة بن وقاص الليثي، قال: قال رسول الله ﷺ لسعد: «لقد حكمت فيهم بحكم الله من فوق سبعة أرقعة» ) جمع رقيع، وهو السماء؛ لأنّها رقعت بالنجوم. وقد أشار الناظم إلى ما ذكره ابن إسحاق من القصة بقوله: (وحملوا سعدا على حمار) لأعرابي عليه قطيفة (من) المسجد النبويّ ب (المدينة إلى المختار) ﵊. (وعند ما انتهى) أي: بلغ (إلى النديّ) بتشديد الياء، بوزن النّبيّ، وهو: مجلس القوم (سوّده) أي: جعل سعدا

стр. 391

على الجميع أو على الأنصار ... لا غيرهم عند بني نزار وراودته قومه أن يحكما ... بغير ما حكم فيهم فاحتمى سيدا (خير بني لؤيّ) ﷺ بقوله: «قوموا إلى سيدكم» قال في «شرح المواهب» : (وفي حديث عائشة عند أحمد: «قوموا إلى سيدكم فأنزلوه» فقال عمر: السيد هو الله. قال رجال من بني عبد الأشهل: قمنا له على أرجلنا صفّين، يحييه كل رجل منا، حتى انتهى إلى رسول الله ﷺ . ويتعلق ب (سوّده) قوله: (على الجميع) من المهاجرين والأنصار، (أو على الأنصار لا غيرهم) من المهاجرين. وهذا القول (عند بني نزار) أي: المهاجرين: لأنّهم من ولد نزار بن معدّ بن عدنان. قال في «روض النهاة» : (سمي نزارا من النّزر؛ أي: القليل؛ لأنّ أباه معدّا حين ولد ونظر إليه.. رأى النور بين عينيه، وهو نور النبوة الذي كان ينتقل في الأصلاب الطاهرة إلى رسول الله ﷺ ، ففرح فرحا شديدا، ونحر وأطعم، وقال: إنّ هذا كله نزر في حق هذا المولود) . (وراودته قومه) الأوس (أن يحكما) بألف الإطلاق؛ أي: أن يحكم سعد في بني قريظة (بغير ما حكم فيهم) أي: ما أراد أن يحكم فيهم من القتل والقسم والسبي (فاحتمى) وامتنع، وتقدم قولهم له: إنّ رسول الله ﷺ قد ولاك أمر مواليك لتحسن فيهم.

стр. 392

لدمهم خندق أفضل لؤي ... ومعهم في كلّ كربة حيي مقتل بني قريظة وحيي بن أخطب: ثمّ بيّن كيف كان قتل بني قريظة فقال: (لدمهم خندق) وشق في الأرض شقّا في سوق المدينة «١» (أفضل لؤيّ) ﷺ ، وجلس مع أصحابه، وأخرجوا إلى رسول الله ﷺ أرسالا «٢» ، فضرب أعناقهم عليّ والزّبير. وذكر ابن إسحاق: (أنّهم كانوا ست مئة، أو سبع مئة، والمكثر لهم يقول: كانوا ما بين الثمان مئة والتسع مئة، وقد قالوا لكعب بن أسد وهم يذهب بهم إلى رسول الله ﷺ أرسالا: يا كعب؛ ما تراه يصنع بنا؟ قال أفي كل موطن لا تعقلون؟! ألا ترون الداعي لا ينزع، وأنّه من ذهب به منكم لا يرجع؟! هو والله القتل. فلم يزل ذلك الدأب حتى فرغ منهم رسول الله ﷺ . (ومعهم في كل كربة) هي: غم يأخذ بالنفس والقتل، وأصله: تضييق القيد على المقيد، واجتمعت كلها فيهم، ثمّ الخلود في النار- والعياذ بالله تعالى- أي: وكان معهم في كل ذلك (حييّ) بن أخطب عدوّ الله وعدوّ رسوله، ووالد أمنا صفية رضي الله تعالى عنها.

стр. 393

قال في «روض النهاة» : (كانت صفية تحدث تقول: كنت أحبّ ولد أبي إليه وإلى عمي أبي ياسر، فلمّا قدم رسول الله ﷺ المدينة.. غدوا عليه، ثمّ جاؤوا من العشي، فسمعت عمي يقول لأبي: أهو هو؟ قال: نعم والله، قال: أتعرفه وتثبته؟ قال: نعم، قال: فما في نفسك؟ قال: عداوته ما بقيت، قالت: ورأيت ليلة في نومي أنّ القمر سقط في حجري، فقصصتها على أبي، فلطمني لطمة هذا أثرها في وجهي- وكان بها ندب في وجهها- وقال: تزعمين أنّك تتزوجين ملك العرب، وكانت تحت كنانة بن الربيع بن أبي الحقيق، خلفه عليها رسول الله ﷺ . قال ابن إسحاق: (وأتي بحييّ بن أخطب عدوّ الله وعليه حلة له فقّاحية- قال ابن هشام: فقاحية: ضرب من الوشي- قد شقها عليه من كل ناحية قدر أنملة؛ لئلّا يسلبها، مجموعة يداه إلى عنقه بحبل، فلمّا نظر إلى رسول الله ﷺ .. قال: أما والله ما لمت نفسي على عداوتك، ولكنه من يخذل الله يخذل، ثمّ أقبل على الناس فقال: أيّها الناس؛ إنّه لا بأس بأمر الله، كتاب وقدر وملحمة كتبها الله على بني إسرائيل، ثمّ جلس فضربت عنقه) . قال ابن إسحاق: (وحدّثني محمّد بن جعفر بن الزّبير عن عروة بن الزّبير، عن عائشة أم المؤمنين ﵂، أنّها قالت: لم يقتل من نسائهم إلّا امرأة واحدة، قالت: والله إنّها

стр. 394

لعندي تحدّث معي، وتضحك ظهرا وبطنا ورسول الله ﷺ يقتل رجالها في السوق.. إذ هتف هاتف باسمها: أين فلانة؟ قالت: أنا والله، قالت قلت لها: ويلك، ما لك؟! قالت: أقتل، قلت: ولم؟ قالت: لحدث أحدثته، قالت: فانطلق بها، فضربت عنقها، فكانت عائشة ﵂ تقول: فو الله؛ ما أنسى عجبا منها طيب نفسها، وكثرة ضحكها وقد عرفت أنّها تقتل) قال ابن هشام: (وهي التي طرحت الرحى على خلاد بن سويد فقتلته) . مقتل الزّبير بن باطيا القرظي: قال ابن إسحاق: (وقد كان ثابت بن قيس بن الشماس فيما ذكر لي ابن شهاب الزّهريّ- أتى الزّبير ابن باطيا القرظي «١» ، وكان يكنى أبا عبد الرّحمن، وكان الزّبير قد منّ على ثابت بن قيس بن شماس في الجاهلية، ذكر لي بعض ولد الزّبير: أنّه كان منّ عليه يوم بعاث، أخذه فجزّ ناصيته، ثم خلّى سبيله، فجاءه ثابت وهو شيخ كبير، فقال: يا أبا عبد الرّحمن؛ هل تعرفني؟ قال: وهل يجهل مثلي مثلك؟ قال: إنّي أردت أن أجزيك بيدك عندي، قال: إنّ الكريم يجزي الكريم.

стр. 395

ثمّ أتى ثابت بن قيس رسول الله ﷺ فقال: يا رسول الله: إنّه قد كانت للزّبير عليّ منّة، وقد أحببت أن أجزيه بها، فهب لي دمه، فقال رسول الله ﷺ : «هو لك» فأتاه فقال: إنّ رسول الله ﷺ قد وهب لي دمك، فهو لك، قال: شيخ كبير لا أهل له ولا ولد، فما يصنع بالحياة؟ قال: فأتى ثابت رسول الله ﷺ فقال: بأبي أنت وأمي يا رسول الله، هب لي امرأته وولده، قال: «هم لك» قال: فأتاه فقال: قد وهب لي رسول الله ﷺ أهلك وولدك، فهم لك، قال: أهل بيت بالحجاز لا مال لهم، فما بقاؤهم على ذلك؟ فأتى ثابت رسول الله صلى الله عليه، وسلّم، فقال: يا رسول الله ماله، قال: «هو لك» فأتاه ثابت فقال: قد أعطاني رسول الله ﷺ ما لك، فهو لك، قال: أي ثابت؛ ما فعل الذي كأنّ وجهه مرآة صينية يتراءى فيها عذارى الحي كعب بن أسد؟ قال: قتل، قال: فما فعل سيد الحاضر والبادي حيي بن أخطب؟ قال: قتل، قال: فما فعل مقدمتنا إذا شددنا، وحاميتنا إذا فررنا، عزّال «١» بن سموأل؟ قال: قتل، قال: فما فعل المجلسان «٢» ؟ - يعني بني كعب بن قريظة وبني عمرو بن

стр. 396

وعند ما انتهى الحصار استشهدا ... واهتزّ عرش الله حين بردا قريظة- قال: ذهبوا قتلوا، قال: فإنّي أسألك يا ثابت بيدي عندك إلّا ألحقتني بالقوم، فو الله؛ ما في العيش بعد هؤلاء من خير، فما أنا بصابر لله قبلة «١» دلو ناضح حتى ألقى الأحبة، فقدمه ثابت فضرب عنقه، فلمّا بلغ أبا بكر الصديق قوله: ألقى الأحبة.. قال: يلقاهم في نار جهنم خالدا مخلدا) . استشهاد سعد واهتزاز عرش الرّحمن لموته: (وعند ما انتهى الحصار) أي: عند انتهاء الحصار على بني قريظة وإتمام أمرهم بما قرّت به عين سعد بن معاذ؛ من إجابة الله تعالى له؛ فإنّه قال لمّا أصيب في أكحله من حبان بن العرقة بغزوة الخندق: (اللهمّ؛ إن كنت أبقيت الحرب بيننا وبينهم.. فاجعلها شهادة، ولا تمتني حتى تقرّ عيني في بني قريظة) وكان جرحه يسيل دما، فلم تقطر منه قطرة حتى تمّ أمر بني قريظة.. فمرّت عنز وهو مضطجع، فأصابت الجرح بظلفها، فانبعث الدم وما رقأ حتى مات و (استشهدا، واهتزّ) له (عرش الله حين بردا) أي: مات ﵁، وأتى جبريل ﵇ متعمّما بعمامة من إستبرق، قال: يا محمد؛ من هذا العبد الصالح الذي فتحت له أبواب السماء، واهتزّ له العرش؟ فقام ﷺ سريعا

стр. 397

وخفّ نعشه على عظمته ... إذ الملائكة من حملته يجرّ ثوبه إلى سعد فوجده قد مات. ﵁ وأرضاه. (و) لمّا حملوه على نعشه- وهو السرير الذي يجعل عليه الميت- (خفّ نعشه على عظمته) أي: من عظمة سعد؛ لأنّه كان مع عظمته المعنوية عظيم الجسم (إذ الملائكة من) جملة (حملته) بفتحات، جمع حامل، وأخبر عن ذلك رسول الله ﷺ : «بأن له حملة غيركم» . وقال ﵊: «لقد نزل سبعون ألف ملك شهدوا سعدا، ما وطئوا الأرض إلّا يومهم هذا» . وبعث صاحب دومة الجندل ببغلة وجبة من سندس إلى رسول الله ﷺ ، فجعل أصحابه يعجبون من حسن الجبّة، فقال ﷺ : «لمناديل سعد في الجنة أحسن من هذه» اهـ قال الحافظ ابن عبد البر في «الإستيعاب» : (وحديث اهتزاز العرش ثابت من وجوه كثيرة متواترة، رواه جماعة من الصحابة) . قال رجل من الأنصار: وما اهتزّ عرش الله من أجل هالك ... سمعنا به إلّا لموت أبي عمرو وذكر ابن عبد البر بسنده إلى ابن عباس: (قال سعد: ثلاث أنا فيهنّ رجل- يعني: كما ينبغي، وما سوى ذلك فأنا رجل من الناس-: ما سمعت من رسول الله صلى الله عليه

стр. 398

وسلم حديثا قطّ إلّا علمت أنّه حقّ من الله، ولا كنت في صلاة قط فشغلت نفسي بغيرها حتى أقضيها، ولا كنت في جنازة قطّ فحدثت نفسي بغيرها، تقول ويقال لها، حتى أنصرف عنها. قال سعيد بن المسيّب- يعني الراوي عن ابن عباس-: (هذه الخصال ما كنت أحسبها إلّا في نبيّ) . قال العلّامة الحلبيّ في «سيرته» : (عن أبي سعيد الخدريّ ﵁: كنت فيمن حفر لسعد ﵁ قبره، فكان يفوح علينا المسك كلّما حفرنا قبره من ترابه، وجاء: «لو كان أحد ناجيا من ضمّة القبر.. لنجا منها سعد، ضمّ ضمّة، ثمّ فرّج الله عنه» . وخصّ رسول الله والأنبياء عليهم الصّلاة والسّلام من ضمّة القبر. ويروى عن عائشة ﵂ أنّها قالت: يا رسول الله؛ ما انتفعت بشيء مذ سمعتك تذكر ضغطة القبر وضمته، وصوت منكر ونكير، فقال: «يا عائشة؛ إنّ ضغطة القبر على المؤمن كضمّ الشفيقة يديها على رأس ابنها يشكو إليها الصّداع، وصوت منكر ونكير عليه كالكحل في العين، ولكن يا عائشة؛ ويل للشاكّين الكافرين، أولئك الذين يضغطون في قبورهم ضغطا يقبض على الصّخر» ) اهـ وفي رواية: «ضغط البيض على الصخر» . وترجمة سيدنا سعد بن معاذ طويلة جدا؛ إذ إنّ حياته

стр. 399

ثمّ غزا لحيان جرّاء الرّجيع ... فاحتضنوا بكلّ باذخ منيع - على قصرها- كلها حياة خالدة وجهاد صادق، وقد تقدم شيء منها في غزوة بدر، فرضي الله عنه وأرضاه، وجمعنا به في مستقر رحمته ورضاه، آمين. وفي قصة بني قريظة وخبر سيدنا سعد من الفوائد: جواز تمني الشهادة، وهو مخصوص من عموم النهي عن تمنّي الموت كما قاله في «الفتح» . وفيها: تحكيم الأفضل من هو مفضول. وفيها: جواز الاجتهاد في زمن النّبيّ ﷺ ، وهي مسألة خلافية عند أهل الأصول، والمختار: الجواز، سواء كان بحضور النّبيّ ﷺ أم لا. (٢٠) غزوة بني لحيان بفتح اللام وكسرها، لغتان. قال الحافظ اليعمريّ: (وكانت لغرة ربيع الأوّل سنة ست من الهجرة، عند ابن سعد) . وذكر ابن إسحاق: (أنّها في جمادى الأولى، على رأس ستة أشهر من بني قريظة) أي: في السنة الخامسة. قلت: وعلى كل من القولين: فهي بعد بني قريظة؛ فلذا ذكرها الناظم عقبها كالأصل، فقال: (ثمّ غزا) رسول الله ﷺ بعد قريظة بني (لحيان) نسبة

стр. 400

إلى لحيان بن هذيل بن مدركة بن إلياس بن مضر (جرّاء) أي: من أجل (الرجيع) «١» هو في الأصل: ماء لهذيل، بين مكة وعسفان، كان فتك المشركين بأصحاب رسول الله ﷺ قريبا منه، فنسبت الوقعة إليه، فقيل: وقعة الرجيع، وسمى البخاري في «جامعه» هذا الموضع بالهدأة «٢» . قلت: ويسمى اليوم بهذا الشأم، ويعرف بهذا الاسم، وله طريق من مرّ الظهران- وادي فاطمة- بينه وبينها نحو ساعة بالسيارة، وبهذا الموضع مزارع كثيرة وهواء طلق، ونخيل وعيون وآبار عذبة جدا، جئته يوما من الصباح إلى المساء، فصليت في جامعه، وبه مدرسة ابتدائية، ويقال: إنّ عدد من يسكنها اليوم يقرب من الألف. اهـ سبب هذه الغزوة: ويشير الناظم إلى سبب غزوة بني لحيان، وهو: تأثره ﵊ وغضبه على بني لحيان؛ لغدرهم بأصحابه المستشهدين بالرجيع، المشار إليهم بقول العلّامة غالي بن المختار فال بن أحمد تلمود البساتي رحمه الله تعالى

стр. 401

في «تبصرة المحتاج إلى بعوث صاحب المعراج» «١» : فمرثدا بعد إلى الرّجيع ... ففتكت لحيان بالجميع وأخذوا ابن طارق وزيدا ... وابن عديّ بالأمان كيدا ومرثد وعاصم وخالد ... لم يقبلوا عهدهم وجالدوا وعاصم أنشد إذ يقاتل ... ما علّتي وأنا جلد بازل والقوس فيها وتر عنابل ... تزلّ عن صفحتها المعابل الموت حقّ والحياة باطل ... وكلّ ما حمّ الإله نازل بالمرء والمرء إليه آئل ... إن لم أقاتلكم فإنّي جاهل بعث الرجيع: وحاصل بعث الرجيع كما في «عيون الأثر» :

стр. 402

أنّه ﷺ بعث جماعة من أصحابه عيونا يتجسسون أخبار قريش، وجعل عليهم عاصم بن ثابت بن أبي الأقلح أميرا، فخرجوا- ﵃ يسيرون الليل، ويكمنون النهار، حتى إذا كانوا بالرجيع.. لقيهم سفيان بن خالد الهذلي وقومه- وهم بنو لحيان- في مئة رام، فلمّا أحسّوا بهم.. لجؤوا إلى جبل هناك، فأحاطوا بهم وقالوا لهم: انزلوا ولكم العهد ألّا نقتل منكم أحدا، فقال عاصم ﵁: أمّا أنا.. فلا أنزل في ذمة كافر، اللهمّ أخبر عنّا رسولك، فرموهم بالنبل، فقتلوا عاصما. ونزل إليهم على العهد: خبيب وزيد بن الدّثنة وعبد الله بن طارق، فأطلقوا أوتار قسيّهم، فربطوا بها خبيبا وزيدا، وامتنع عبد الله، وقال: هذا أول الغدر، والله لا أصحبكم؛ إنّ لي بهؤلاء أسوة- يريد القتلى- فقتلوه. أمّا خبيب وزيد: فدخلوا بهما مكّة وباعوهما بأسيرين من هذيل كانا بمكة، فحبسوهما، حتى إذا انقضت الأشهر الحرم.. خرجوا بهما إلى الحل للقتل. استشهاد خبيب بن عدي: فأمّا خبيب ﵁: فإنّه لما وصلوا به إلى التنعيم المشهور اليوم بمسجد عائشة ليصلبوه.. قال لهم: دعوني أصلي ركعتين، فتركوه، فركع ركعتين- كما في الصحيح- ثم انصرف إليهم فقال: لولا أن تروا أنّ ما بي جزع من الموت..

стр. 403

لزدت، ودعا وقال لما رفعوه على الخشبة وأوثقوه: اللهمّ؛ أحصهم عددا، واقتلهم بددا، ولا تبق منهم أحدا. ثمّ قتلوه ﵁. قال العلّامة الزرقاني في «شرح المواهب» : (وفي مرسل بريدة بن سفيان: فلمّا رفع خبيب على الخشبة.. استقبل الدعاء، فلم يحل الحول ومنهم أحد حي غير رجل لبد بالأرض خوفا من دعائه. وروي أنّه قال حين بلغه أنّ القوم اجتمعوا لصلبه: لقد جمّع الأحزاب حولي وألّبوا ... قبائلهم واستجمعوا كل مجمع وكلّهم مبدي العداوة جاهد ... عليّ لأنّي في وثاق بمضيع وقد جمّعوا أبناءهم ونساءهم ... وقربت من جذع طويل ممنّع إلى الله أشكو غربتي ثمّ كربتي ... وما أرصد الأحزاب لي عند مصرعي فذا العرش صبّرني على ما يراد بي ... فقد بضّعوا لحمي وقد ياس مطمعي وذلك في ذات الإله وإن يشأ ... يبارك على أوصال شلو ممزع وقد خيّروني الكفر والموت دونه ... وقد هملت عيناي من غير مجزع

стр. 404

وما بي حذار الموت إنّي لميّت ... ولكن حذاري جحم نار ملفع ووالله ما أخشى إذا متّ مسلما ... على أيّ جنب كان في الله مصرعي ولست بمبد للعدوّ تخشعا ... ولا جزعا إنّي إلى الله مرجعي ثمّ قام إليه أبو سروعة عقبة بن الحرث فقتله. وعن عروة: أنّه لما وضع فيه السلاح.. نادوه وناشدوه: أتحب أنّ محمّدا مكانك؟ قال: لا والله؛ ما أحب أن يفديني بشوكة في قدمه، ويقال: إنّ ذلك لزيد بن الدثنة، وأنّ أبا سفيان قال له ذلك، فقال أبو سفيان: ما رأيت من الناس أحدا يحب أحدا كحب أصحاب محمّد محمّدا. أقول: ولا منافاة فمن الممكن أن يقع ذلك لكل من الصحابيين وغايتهم واحدة وهو الله ورسوله ﷺ . وروى الإمام أحمد عن عمرو بن أميّة الضمري قال: (بعثني رسول الله ﷺ وحدي عينا إلى قريش، فجئت خشبة خبيب بن عدي لأنزله منها، فصعدت على خشبته ليلا، فقطعت عنه وألقيته، فسمعت وجبة خلفي، فالتفت فلم أر خبيبا، وكأنّما ابتلعته الأرض، فلم أر له أثرا حتى الساعة) .

стр. 405

وفي رواية: (أنّه وجد رطبا على الخشبة لم يتغير منه شيء بعد أربعين يوما، لونه لون الدم، وريحه ريح المسك) . استشهاد زيد بن الدثنة: وأمّا زيد بن الدثنة ﵁: فابتاعه صفوان بن أميّة فقتله بأبيه، وعند ابن سعد: أنّ الذي قتله نسطاس مولى صفوان. قال في «شرح المواهب» : (ولمّا بعث به صفوان مع مولاه نسطاس إلى التنعيم ليقتله، واجتمع هو وخبيب في الطريق.. تواصوا بالصبر والثبات على ما يلحقهما من المكاره) . أحكام وعبر في قصة بعث الرجيع: وفي حديث هؤلاء الصحب الكرام من الفوائد: أنّ للأسير أن يمتنع من قبول الأمان، ولا يمكّن من نفسه ولو قتل، وإن أراد الرخصة.. فله أن يستأمن. ومنها: إثبات كرامات الأولياء، والدعاء على المشركين، والصلاة عند القتل، وإنشاء الشعر وإنشاده عند القتل. ومنها: ما يدل على قوة يقين خبيب وأصحابه في دين الله تعالى.

стр. 406

ومنها: ما يدل على عظيم محبتهم لهذا النّبيّ الكريم ﷺ ، وتفديتهم له بالروح، وقوة إخلاصهم وثباتهم. ومنها: أنّه تعالى قد يبتلي عبده المسلم بما شاء كما سبق في علمه؛ ليثيبه، ولو شاء ربّك ما فعلوه. ومنها: استجابة دعاء المسلم، وإكرامه حيا وميتا. ومن الفوائد غير ذلك ممّا يظهر للمتأمل؛ من الحب لله ولرسوله، ولأصحابه الكرام الذين تتنزل الرحمات عند ذكرهم، وفي قصصهم عظة وعبرة، وازدياد لمحبتنا لهم؛ إذ نالوا مقام المحبوبية لله ولرسوله. فنسأل الله تعالى أن يرزقنا حبهم، والاجتماع بهم في مستقر رحمته ﵎، مع النبّيين والصدّيقين والشهداء والصالحين، وحسن أولئك رفيقا. هذا ولما أراد النّبيّ ﷺ الخروج إلى بني لحيان لذلك.. أظهر أنّه يريد الشام؛ ليصيب من القوم غرّة، وعسكر في مئتي رجل، ومعهم عشرون فرسا، واستخلف على المدينة عبد الله بن أم مكتوم، ثمّ أسرع السير حتى انتهى إلى بطن غران- واد بين أمج وعسفان- وبين بطن غران وعسفان خمسة أميال، قال ابن إسحاق: (وهي منازل بني لحيان حيث كان مصاب أصحابه) فترحّم ودعا لهم بالمغفرة، فسمعت بنو لحيان، فهربوا في رؤوس الجبال،

стр. 407

بعث الرّجيع ستّة أو عشره ... لحيان حيّ من هذيل غدره فلم يقدر منهم على أحد، وهذا معنى قول الناظم: (فاحتضنوا) أي: اعتنقوا (بكل باذخ) جبل عال (منيع) لا يرام. فأقام ﵊ يوما أو يومين يبعث السرايا في كل ناحية، ثمّ خرج حتى أتى عسفان، فبعث أبا بكر في عشرة فوارس؛ لتسمع بهم قريش فيفزعهم، فأتوا كراع الغميم «١» ولم يلقوا كيدا، وانصرف ﷺ إلى المدينة ولم يلق كيدا، وهو يقول: «آئبون تائبون عابدون، لربنا حامدون» وغاب عن المدينة أربع عشرة ليلة. عدة بعث الرجيع: ثمّ أشار الناظم إلى الخلاف في عدد بعث الرجيع بقوله: (بعث الرجيع) أي: عداده من الصحابة (ستة) على قول، وسماهم ابن إسحاق فقال: (وهم: عاصم، ومرثد، وخبيب، وزيد بن الدّثنة، وعبد الله بن طارق، وخالد بن البكير) (أو عشرة) على ما جزم به ابن سعد، وهو الأصح الذي ذكره الإمام البخاري في «صحيحه» . ف (أو) في النظم لتنويع الخلاف، ويمكن الجمع بأنّ الأربعة الآخرين كانوا أتباعا، فلم يحصل الاعتناء بتسميتهم.

стр. 408

والعضل والقارة نجلا الهون ... نجل خزيمة سعوا في الهون وأربعوا بئر معونة الغرر ... إبن الطّفيل عامر فيهم خفر فتك عضل والقارة بالبعث: ثمّ كشف الحقيقة عن بني لحيان وسوء طويّتهم بقوله: (لحيان حيّ من هذيل) بن مدركة (غدرة) أي: موصوفون بالغدر والخيانة. (و) أمّا (العضل) بفتح العين والضاد في الأصل وسكنت الضاد هنا للوزن (والقارة) بتخفيف الراء.. فهما (نجلا) أي: ابنا (الهون) بضم الهاء وسكون الواو (نجل خزيمة) بن مدركة بن إلياس بن مضر (سعوا في الهون) بضم الهاء؛ أي: الخزي العظيم؛ لفتكهم بعاصم وأصحابه. وكأنّ مراد الناظم: بيان أنّ قصة عضل والقارة كانت مع بعث الرجيع، لا في سريّة بئر معونة، وقد فرق بينهما إمام الفن ابن إسحاق في «سيرته» فذكر بعث الرجيع في أواخر سنة ثلاث، وبئر معونة في أوائل سنة أربع، بل سيأتي للناظم أنّهما بعثان. نعم؛ رووا عن الواقديّ: أنّ خبر بئر معونة وخبر أصحاب الرجيع جاءا إلى النّبيّ ﷺ في ليلة واحدة، فلعلّ من أدرجها معها نظر للقرب. بعث بئر معونة: (وأربعوا) مبتدأ، وهو ملحق بالجمع المذكّر، وحذفت

стр. 409

أبا براء وكلا البعثين ... قد أرسلا ليرشدا للدّين نونه؛ للإضافة إلى (بئر معونة) بفتح الميم وضم المهملة: موضع ببلاد هذيل بين مكة وعسفان، نسب إليه البعث، وكان في صفر على رأس أربعة أشهر من غزوة أحد «١» عند ابن إسحاق (الغرر) جمع غرّة في الأصل: بياض في جبهة الفرس، وهو نعت قوله: (أربعو) أي: الموصوفون بالشرف (إبن الطّفيل) مبتدأ ثان، وقوله: (عامر فيهم) عطف بيان، وجملة: (خفر) خبر للثاني، وهو والخبر خبر للأول، ومفعول خفر قوله: (أبا براء) أي: نقض عهد عمّه أبي براء. جوار أبي براء للبعث، ونقض ابن أخيه له: وذلك أنّ أبا براء- واسمه عامر بن مالك العامريّ، المعروف بملاعب الأسنة- قدم على رسول الله ﷺ ، فعرض عليه الإسلام، فلم يسلم، ولم يبعد، بل قال: يا محمّد؛ إنّي أرى أمرك هذا حسنا شريفا وقومي خلفي، فلو أنّك بعثت رجالا من أصحابك إلى أهل نجد فدعوهم إلى أمرك.. لرجوت أن يستجيبوا لك، فقال ﷺ : «إنّي أخشى أهل نجد عليهم» وهم: بنو عامر، وبنو سليم، قال أبو براء: أنا لهم جار فابعثهم، فبعث رسول الله ﷺ المنذر بن

стр. 410

عمرو أخا بني ساعدة المعنق للموت في أربعين رجلا من القراء أو سبعين كما في «الصحيحين» - من خيار المسلمين، فساروا حتى إذا نزلوا بئر معونة.. بعثوا حرام بن ملحان بكتاب رسول الله ﷺ إلى عدوّ الله عامر بن الطفيل العامريّ ابن أخي أبي براء، فلمّا أتاه.. لم ينظر في كتابه حتى عدا على الرجل فقتله. استشهاد البعث: ثمّ استصرخ عليهم بني عامر، فأبوا أن يجيبوه، وقالوا: لن نخفر أبا براء وقد عقد لهم عقدا وجوارا، فاستصرخ عليهم قبائل من بني سليم: عصيّة، ورعلا، وذكوان، فأجابوه إلى ذلك؛ طلبا لثأر طعمة بن عدي- وكانوا أخواله- فخرجت هذه القبائل حتى غشوا القوم، فأحاطوا بهم في رحالهم، فلمّا رأوهم.. أخذوا سيوفهم، فقاتلوهم حتى قتلوا إلى آخرهم، إلّا كعب بن زيد أخا بني دينار بن النجار.. فإنّهم تركوه وبه رمق، فارتثّ من بين القتلى- حمل من المعركة جريحا رثيثا؛ أي: وبه بقية حياة- فعاش حتى قتل يوم الخندق شهيدا ﵁. حزن الرسول ﷺ على الشهداء، ودعاؤه على القتلة: فلمّا بلغ النّبيّ ﷺ خبرهم.. قال: «هذا عمل أبي براء، قد كنت لهذا كارها متخوّفا» ، فبلغ ذلك أبا براء، فمات أسفا على ما صنع ابن أخيه عامر.

стр. 411

وفي الصحيح: (أنّ نبيّ الله ﷺ لمّا بلغه ذلك.. قنت شهرا يدعو في صلاة الصبح على أحياء من أحياء العرب: على رعل، وذكوان، وعصيّة، وبني لحيان) اهـ وذكر الإمام القسطلانيّ عن العيني عن كتاب «شرف المصطفى» : (لما أصيب أهل بئر معونة.. جاءت الحمى إليه فقال لها: «اذهبي إلى رعل وذكوان وعصية عصت الله ورسوله» فأتتهم، فقتلت منهم سبع مئة رجل، بكل رجل من المسلمين عشرة) اهـ دفين الملائكة: وممّن قتل من المسلمين يومئذ: عامر بن فهيرة مولى أبي بكر الصديق، فلم يوجد جسده رضي الله تعالى عنه، دفنته الملائكة. مهمة البعثين: وقوله: (وكلا البعثين) أي: بعث الرجيع، وبعث بئر معونة (قد أرسلا) من طرف النّبيّ ﷺ (ليرشدا للدّين) ولم يرسلا لقتال «١» ، فمن ثمّ قال أنس- كما

стр. 412

رواه ابن سعد بسند صحيح-: (ما رأيت رسول الله ﷺ وجد على أحد ما وجد على أهل بئر معونة) لا سيّما وقد جرت عادة العرب قديما بأنّ الرسل لا تقتل. وتعرف هذه السّرية بسرية المنذر بن عمرو الساعدي، وببئر معونة، وبسرية القرّاء. الفرق بين البعث والسرية: تنبيه: قال العلّامة ابن المختار في «تبصرة المحتاج» : (قد بحثت أشد البحث عن الفرق بين البعث والسّرية، فلم أحصل في الفرق بينهما على طائل؛ لأنّ كلّا منهما معناه: هو الذي لم يخرج فيه النّبيّ ﵊ بنفسه الشريفة، فهما مترادفان، اللهمّ إلّا أن يقال: إنّ البعث ما أرسل للدعوة للدين، كأهل الرجيع، وأهل بئر معونة، والسرية: ما أرسل للقتال، فتسميتها إذا بالبعث من تسمية الكل باسم الجزء، والغزوة: ما خرج فيها ﵊ بذاته الشريفة، إلّا مؤتة.. فإنّهم يعدونها في المغازي؛ إمّا لعظمها، أو لارتفاع معركتها له ﵊ حتى شاهدها، فكأنّه حضرها بنفسه الشريفة) . قال في «روض النّهاة» : (كان الناظم رحمه الله تعالى سئل نظم بعث الرجيع، فلمّا نظمه.. نظم بعث بئر معونة، ثمّ نظم الغزوات) اهـ

стр. 413

فغزوة الغابة وهي ذو قرد ... خرج في إثر لقاحه وجد قلت: يؤخذ من شرح الحافظ ابن حجر للسّرية التي قبل نجد، أنّ السريّة: القطعة من الجيش، تخرج منه وتعود إليه، وما افترق في السرية يسمى بعثا، وهذا فيما لم يخرج فيه النّبي ﷺ كما تقدم لك. (٢١) غزوة الغابة (غزوة ذي قرد) بغين معجمة: موضع على بريد من المدينة في طريق الشام، وبها ضيعة لسيدنا الزّبير ﵁، قال في «شرح المواهب» : (بيعت في تركة الزّبير بألف ألف وست مئة ألف، أضيفت إليها الغزوة؛ لأنّ اللّقاح التي سيأتي أنّ المشركين أغاروا عليها كانت بها) . (ف) بعد غزوة لحيان (غزوة الغابة، وهي) أي: اسمها أيضا (ذو قرد) بفتح القاف والراء، وبالدال المهملة، وهو ماء على نحو بريد من المدينة ممّا يلي بلاد غطفان، وسميت بذلك؛ لأنّ الرسول ﷺ وصل إليها وصلّى بها. وكانت قبل خيبر بثلاثة أيام، كما هو عند الإمام البخاريّ، وخيبر بعد الحديبية بنحو عشرين يوما، وفي «صحيح مسلم» نحوه، قال الحافظ ابن حجر: (ما في

стр. 414

وناشهم سلمة بن الأكوع ... وهو يقول اليوم يوم الرّضّع الصحيح من التاريخ لغزوة ذي قرد أصح ممّا ذكره أصحاب السّير، يعني: من أنّها سنة ستّ في ربيع الأوّل، أو في جمادى الأولى، أو في شعبان قبل الحديبية) «١» . سبب هذه الغزوة: ثمّ أشار للغزوة مع بيان سببها فقال: (خرج) ﷺ (في إثر) بكسر الهمزة؛ أي: أثر- بفتحها- كما في «المختار» (لقاحه) بوزن كتاب، جمع لقحة: القريبة العهد بالنّتاج والولادة. وكانت عشرين لقحة ترعى بالغابة، وكان أبو ذرّ فيها، وابنه وامرأته، فأغار عليها عيينة بن حصن الفزاريّ في أربعين فارسا من غطفان، فاستاقوها، وقتلوا ذرّا ابن أبي ذرّ، وكان راعي اللقاح، وأسروا المرأة. فخرج ﵊ لذلك (وجد) معطوف على قوله: (خرج) أي: خرج، وأسرع في السير في خمس مئة، واستخلف على المدينة ابن أم مكتوم، وخلّف سعد بن عبادة في ثلاث مئة يحرسون المدينة. بسالة سلمة بن الأكوع ﵁ في استنقاذ اللقاح: (وناشهم) أي: تناول المغيرين (سلمة) بن وهب (بن الأكوع) وقيل: سلمة بن عمرو بن الأكوع، واسم الأكوع:

стр. 415

سنان بن عبد الله بن قشير بن خزيمة الأسلميّ، يكنى أبا إياس، بايع تحت الشجرة، قيل: إنّه الذي كلّمه الذئب، كان شجاعا، فاضلا، راميا يسبق الفرس، روى عنه ابنه إياس، ومولاه يزيد بن أبي عبيد، وقال إياس: ما كذب أبي قطّ، مات بالمدينة سنة أربع وسبعين، استلب يومئذ وحده قبل أن تلحق به الخيل من العدوّ ثلاثين بردة، وثلاثين درقة، وقتل منهم بالنبل كثيرا، فكلّما هربوا.. أدركهم، وكلّما راموه.. فاتهم (وهو يقول: اليوم يوم الرضّع) جمع راضع؛ أي: اللئيم، أي: اليوم يوم حين اللئام- بفتح حاء حين- أي: يوم هلاكهم، والراضع: هو الذي رضع اللؤم من ثدي أمه، فصار سجيته التي لا تفارقه، أو الذي يرضع ما بين أسنانه حرصا على الشبع؛ ليستكثر من التجشع، يعني: أنّ سلمة كان إذا رماهم.. يقول: خذها وأنا ابن الأكوع ... واليوم يوم الرضّع روى البخاري ومسلم عن سلمة: (خرجت قبل أن يؤذّن بالأولى «١» ، وكانت لقاح رسول الله ﷺ ترعى بذي قرد، قال: فلقيني غلام لعبد الرّحمن بن عوف، فقال: أخذت لقاح رسول الله ﷺ ، فقلت: من أخذها؟ فقال: غطفان وفزارة. قال: فصرخت ثلاث

стр. 416

صرخات: يا صباحاه! قال: فأسمعت ما بين لابتي المدينة، ثم اندفعت على وجهي- أي: لم ألتفت يمينا ولا شمالا- وكان شديد العدو- حتى أدركتهم وقد أخذوا يستقون من الماء، فجعلت أرميهم بنبلي، وكنت راميا، وأقول: أنا ابن الأكوع ... واليوم يوم الرّضّع فأرتجز، حتى استنقذت اللّقاح منهم، واستلبت منهم ثلاثين بردة. قال: وجاء النّبيّ ﷺ والناس، فقلت: يا نبيّ الله؛ إنّي قد حميت القوم الماء وهم عطاش، فابعث إليهم الساعة، فقال: «يا ابن الأكوع؛ ملكت فأسجح» «١» قال: ثمّ رجعنا ويردفني رسول الله ﷺ على ناقته، حتى دخلنا المدينة) اهـ وقال في «شرح المواهب» عن مسلم وابن سعد: (قال يعني سلمة-: (فأقبلت أرميهم بنبلي وأرتجز، فألحق رجلا منهم، فأمكنه سهما في رجله، فيخلص السهم إلى كعبه، فما زلت أرميهم وأعقرهم، فإذا رجع إليّ فارس منهم.. أتيت شجرة فجلست في أصلها ثمّ رميته، فعقرت به، فإذا تضايق الجبل فدخلوا في مضايقه.. علوت الجبل فرميتهم بالحجارة،

стр. 417

وفرض الهادي له سهمين ... لسبقه الخيل على الرّجلين واستنقذوا من ابن حصن عشرا ... وقسم النّبيّ فيهم جزرا فما زلت كذلك حتى ما خلق الله لرسول الله ﷺ من بعير.. إلّا خلّفته وراء ظهري، ثمّ أتبعهم أرميهم، حتى ألقوا أكثر من ثلاثين بردة وثلاثين رمحا؛ يتخففون منها. فأتوا مضيقا، فأتاهم عيينة ممدّا لهم، فجلسوا يتغدّون، وجلست على رأس قرن، فقال: من هذا؟ قالوا: لقينا من هذا البرح- الشدة والأذى- ما فارقنا السّحر حتى الآن، وأخذ كل شيء في أيدينا، وجعله وراء ظهره، فقال عيينة: لولا أنّه يرى وراءه طلبا.. لترككم، ليقم إليه أربعة منكم، فصعدوا في الجبل، فقلت لهم: أتعرفونني؟ فقالوا: ومن أنت؟! قلت: ابن الأكوع، والذي أكرم وجه محمّد؛ لا يطلبني رجل منكم فيدركني، ولا أطلبه فيفوتني، فقال رجل منهم: أظن، فرجعوا، فما برحت مكاني، حتى رأيت فوارس رسول الله ﷺ اهـ (وفرض الهادي) ﷺ (له) أي: لسلمة بن الأكوع (سهمين) سهم الراجل والفارس (لسبقه الخيل على الرجلين) قال سلمة: (فأعطاني رسول الله ﷺ سهم الراجل والفارس جميعا) . أمر عيينة بن حصن: (واستنقذوا) أي: استخلص أصحاب النّبيّ ﷺ (من) عيينة (ابن حصن) المعروف بالأحمق

стр. 418

المطاع في قومه، الذي قال فيه ﷺ : «إنّ شر الناس من ودعه الناس اتقاء شره» . وقال فيه: «أداريه؛ إنّي أخشى أن يفسد علي خلقا كثيرا» . وقال فيه: «إنّا لنبشّ في وجوه قوم، وإنّ قلوبنا لتلعنهم» . ودخل يوما المسجد، فكشف ثيابه، وبال فيه، فصاح المسلمون، فقال لهم النّبيّ ﷺ : «لا تزرموه» أي: لا تقطعوا عليه بوله، فأمر بماء فصبّ على البول. ودخل على النّبيّ ﷺ بغير إذن، فلمّا قال له: «أين الإذن؟» قال: ما استأذنت على أحد قبلك من مضر، وقال: ما هذه الحميراء التي معك يا محمد؟ قال: «هي عائشة بنت أبي بكر» فقال: طلّقها، وأنا أنزل لك عن أجمل منها، أم البنين بنت حذيفة، في أشياء كثيرة تذكر من جفائه. (عشرا) من اللّقاح، وكانت عشرين؛ أي: ونجا العدوّ بعشر، كذا قاله الناظم تبعا لأصله، وقال الواقدي وابن سعد، وذكره في «المواهب» عنهما، وهو مخالف لقول سلمة في «الصحيحين» : (إنّه استنقذ جميع اللّقاح) قال الشاميّ: (وهو المعتمد لصحة سنده) .

стр. 419

وأقبلت إمرأة الغفاري ... قتيل نهب إبل المختار (وقسم النّبيّ) ﷺ (فيهم) أي: في أصحابه (جزرا) جمع جزور، لكل مئة جزور ينحرونه، وكانوا خمس مئة. فوائد هذه القصة: قال الحافظ: وفي القصة من الفوائد: جواز العدو الشديد في الغزو، والإنذار بالصياح العالي، وتعريف الشجاع بنفسه ليرعب خصمه، واستحباب الثناء على الشجاع ومن فيه فضيلة، لا سيّما عند الصنع الجميل؛ ليستزيد منه، ومحلّه حيث يؤمن الافتتان. وفيه جواز المسابقة على الأقدام، ولا خلاف في جوازها بغير عوض، أمّا بالعوض.. فالصحيح: لا يصح. وفيه عظيم عناية الله تعالى بهذا الحبيب العظيم حيث أوجد الله له من أصحابه من يغني عن الخيل في بعض المواطن ويسبقها. وفيه ما كان عليه أصحابه البسلة الأمجاد؛ في القيام بالتضحية بالنفس والنفيس خير قيام، فجزاهم الله عنا وعن الإسلام خير الجزاء. قصة امرأة أبي ذر ونذرها: (و) لما وصل النّبيّ ﷺ المدينة (أقبلت إمرأة) بقطع الهمزة المكسورة للوزن، واسمها ليلى كما في

стр. 420

وهي على راحلة من ذي الإبل ... قد نذرت إهلاكها حين تصل «أبي داوود» وهي زوج أبي ذرّ (الغفاريّ) ﵁ (قتيل) بمعنى: مقتول (نهب) مصدر بمعنى اسم الفاعل؛ أي: مقتول القوم الناهبين (إبل) أي: لإبل (المختار) ﷺ . وفي كلامه نظر؛ فإنّه إذا كان الغفاريّ أبا ذر.. فكيف يصفه بأنّه مقتول للذين أغاروا على اللّقاح، فإنّ المعروف عند أهل السير: أنّ المقتول هو ابن أبي ذرّ، واسمه ذرّ، ولم يقل أحد: إنّ المقتول أبو ذرّ؟ (وهي على راحلة) أي: والحال أنّ تلك المرأة جاءت راكبة على راحلة (من ذي) أي: من هذه (الإبل) التي أخذها العدو، وهي البيضاء، وخبر المبتدأ جملة قوله: (قد نذرت إهلاكها حين تصل) إلى المدينة سالمة من العدوّ. روى مسلم وأبو داوود عن عمران بن الحصين ﵁: أنّهم أوثقوا المرأة، وكانوا يريحون نعمهم بين يدي بيوتهم، فانفلتت ذات ليلة من الوثاق، فأتت الإبل، فإذا دنت من البعير رغا، فتتركه حتى انتهت إلى العضباء فلم ترغ، فقعدت في عجزها ثم زجرتها فانطلقت، وعلموا بها، فطلبوها فأعجزتهم. اهـ وقال ابن إسحاق: (وأقبلت امرأة الغفاريّ على ناقة من إبل رسول الله ﷺ ، حتى قدمت عليه فأخبرته الخبر، فلمّا فرغت.. قالت: يا رسول الله؛ إنّي قد نذرت لله

стр. 421

أن أنحرها إن نجّاني الله عليها، قال: فتبسم رسول الله ﷺ ، ثمّ قال: «بئسما جزيتها أن حملك الله عليها ونجاك أن تنحريها، إنّه لا نذر في معصية الله، ولا فيما لا تملكين، إنّما هي ناقة من إبلي، ارجعي إلى أهلك على بركة الله» ) . قال العبد الضعيف كان الله له: أخرج أبو داوود والترمذي عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده قال: قال رسول الله ﷺ : «لا نذر لابن آدم فيما لا يملك، ولا عتق له فيما لا يملك، ولا طلاق له فيما لا يملك» انظر «نصب الراية» للزيلعي، واحتجّ به بعض العلماء على أن لا طلاق إلّا بعد النكاح ولو عيّن المطلقة. ثناء الرسول ﷺ على أبي قتادة: وقال ﷺ حين فرغوا من أمرهم: «خير فرساننا اليوم أبو قتادة، وخير رجالنا اليوم سلمة بن الأكوع» . وممّا صنعه بهم أبو قتادة الحارث بن ربعي: أن قتل مسعدة بن حكمة الفزاري رئيس المشركين يومئذ، أو حبيب بن عيينة بن حصن، وسجّاه ببرده، فاسترجع الناس، وقالوا: قتل أبو قتادة، فقال ﷺ : «ليس بأبي قتادة، ولكنه قتيله، وضع عليه برده؛ لتعرفوه فتخلّوا عن قتيله وسلبه» فأعطاه رسول الله ﷺ فرسه وسلاحه.

стр. 422

ما صنعه عكاشة بن محصن: وأدرك عكاشة بن محصن أو بارا وابنه عمرو بن أو بار وهما على بعير واحد، فانتظمهما بالرمح، فقتلهما جميعا. وممّا فعله بهم سلمة بن الأكوع أن قال: يا نبي الله؛ قد حميت القوم الماء وهم عطاش، فابعث إليهم الساعة. وفي «مسلم» : أتاني عامر بماء ولبن، فتوضأت وشربت، ثم أتيت النّبيّ ﷺ وهو على الماء الذي أجليتهم عنه، فإذا هو قد أخذ كل شيء استنقذته منهم، ونحر له بلال ناقته، وشوى له من كبدها وسنامها، فقلت: يا رسول الله؛ خلّني أنتخب من القوم مئة رجل فأتبعهم فلا يبقى منهم مخبر، فضحك حتى بدت نواجذه، وقال: «أتراك كنت فاعلا؟» قلت: نعم، والذي أكرمك، فقال رسول الله ﷺ : «ملكت فأسجح» أي: قدرت عليهم فارفق، ثمّ قال ﵊: «إنّهم الآن ليقرون في غطفان» يعني: أنّهم وصلوا إلى غطفان وهم يضيفونهم، فلا فائدة في البعث في الأثر؛ لأنّهم لحقوا بأصحابهم. وفي إخباره ﵊ بذلك معجزة؛ فإنّه جاء بعد ذلك رجل من غطفان، فقال: مرّوا على فلان الغطفاني، فنحر لهم جزورا، فلمّا أخذوا يكشطون جلدها.. رأوا غبرة، فتركوها وقالوا: أتاكم القوم، وخرجوا هرابا. قال في «المواهب» : (وصلّى رسول الله صلى الله عليه

стр. 423

ومرّ في طريقه بالمالح ... بيان ذا اللّقب غير صالح فغيّر اسمه وغيّر الإله ... صفته وبعد ذلك اشتراه طلحة بالفيّاض سمّاه النّبي ... إذ قد تصدّق به ليثرب وسلم بذي قرد صلاة الخوف، وأقام به يوما وليلة يتجسس الخبر، ورجع وقد غاب خمس ليال) . معجزة للرسول ﷺ : (ومرّ) ﷺ (في طريقه) في هذه الغزوة بالبئر التي تسمى (بالمالح بيان) فقال الصحب الكرام: بيان وهو مالح (ذا اللقب) يعني بيان (غير صالح، فغيّر) النّبيّ ﷺ (اسمه) فقال: نعمان، وهو طيب، (وغير الإله) ﵎ (صفته) المالحة إلى صفته العذبة، بقول رسول الله ﷺ المذكور، ونظير هذه المعجزة ما ذكره في «الشفاء» : (أنّه ﵊ بزق في بئر كانت في دار أنس، فلم يكن ماء في المدينة أعذب منها) ورواه أبو نعيم، ولله در القائل: ولو تفلت في البحر والبحر مالح ... لأصبح ماء البحر في ريقه عذبا شراء طلحة الفياض للبئر وتصدقه بها: (وبعد ذلك اشتراه) أي: البئر، وفاعل اشترى (طلحة) ابن عبيد الله التّيمي الصحابي الجليل، أحد العشرة المتقدم ذكره، وترجمته في الكلام على غزوة بدر وأحد، وتصدق بها

стр. 424

فالطّلحات خمسة سوى العلم ... ف طلحة الجود ابن عمّه الخضم على أهل المدينة (بالفيّاض) بتشديد الياء؛ أي: الوهّاب الجواد، يتعلق بقوله: (سمّاه) أي: طلحة (النّبيّ) ﷺ ، فقال له ﵊: «أنت الفيّاض» فصار له لقبا، كما صار نعمان للبئر لقبا (إذ قد تصدق به ليثرب) أي: لأهل المدينة، وهذا سبب التسمية به، وتسمية المدينة بيثرب تسمية جاهلية، سميت باسم رجل نزلها، ولما جاء الله تعالى بالإسلام سميت طابة، وطيبة، والطّيّبة؛ لطيبها به ﷺ ، فتغير اسمها وصفتها. الطلحات الخمسة الأجواد: ثمّ استطرد الناظم رحمه الله تعالى باسم الفيّاض، إلى ذكر من كان من الأجواد في الإسلام يسمى طلحة فقال: فالطّلحات خمسة سوى العلم ... فطلحة الجود ابن عمّه الخضم (فالطلحات) بفتح اللام جمع طلحة بسكونها (خمسة سوى العلم) العلم في الأصل: السيد للقوم، والمراد به: سيدنا طلحة بن عبيد الله المتقدم، فهم معه ستة، هو أولها. طلحة الجود: (ف) ثانيها: (طلحة الجود) أي: الملقب بذلك، وهو ابن عمر بن عبيد الله بن معمر بن عثمان بن عمر بن كعب بن

стр. 425

و طلحة الخير وطلحة النّدى ... إلى الحسين وابن عوف أسندا سعد بن تيم، وجده عبيد الله بن معمر من الأجواد أيضا، ذكر ابن العماد في «الشذرات» : أنّه اشترى جارية تسمى الكاملة بعشرين ألف دينار، وكانت لفتى قد أدّبها أحسن الأدب، فأملق، فباعها وهو مغرم بها، فأنشدت أبياتا منها: عليك سلام لا زيارة بيننا ... ولا وصل إلّا أن يشاء ابن معمر فرقّ لها عبيد الله، وردها عليه وثمنها، قتل عن أربعين سنة برستاق إصطخر. قال الحافظ: (أخرج ابن أبي عاصم والبغويّ من طريق حماد بن سلمة عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن عبيد الله بن معمر، قال: قال رسول الله ﷺ : «ما أوتي أهل بيت الرفق إلّا نفعهم، ولا منعوه إلّا ضرّهم» قال البغوي: «لا أعلمه روى عن النّبيّ ﷺ غيره، ولا رواه عن هشام إلّا حماد» . وطلحة الجود: هو (ابن عمه) أي: ابن عم طلحة بن عبيد الله (الخضم) بوزن خدبّ مكسور الأول، مفتوح الثّاني: الكثير العطاء. طلحة الخير، وطلحة الندى: (و) ثالثها: (طلحة الخير) بن الحسين السّبط بن عليّ بن أبي طالب ﵁.
следующие страницы →