← Сира

Сира · id 9772

إنارة الدجى في مغازي خير الورى صلى الله عليه وآله وسلم

حسن بن محمد مشاط

Полный текст (820 стр.). Показаны 421–460 · переход к 426.

стр. 421

أن أنحرها إن نجّاني الله عليها، قال: فتبسم رسول الله ﷺ ، ثمّ قال: «بئسما جزيتها أن حملك الله عليها ونجاك أن تنحريها، إنّه لا نذر في معصية الله، ولا فيما لا تملكين، إنّما هي ناقة من إبلي، ارجعي إلى أهلك على بركة الله» ) . قال العبد الضعيف كان الله له: أخرج أبو داوود والترمذي عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده قال: قال رسول الله ﷺ : «لا نذر لابن آدم فيما لا يملك، ولا عتق له فيما لا يملك، ولا طلاق له فيما لا يملك» انظر «نصب الراية» للزيلعي، واحتجّ به بعض العلماء على أن لا طلاق إلّا بعد النكاح ولو عيّن المطلقة. ثناء الرسول ﷺ على أبي قتادة: وقال ﷺ حين فرغوا من أمرهم: «خير فرساننا اليوم أبو قتادة، وخير رجالنا اليوم سلمة بن الأكوع» . وممّا صنعه بهم أبو قتادة الحارث بن ربعي: أن قتل مسعدة بن حكمة الفزاري رئيس المشركين يومئذ، أو حبيب بن عيينة بن حصن، وسجّاه ببرده، فاسترجع الناس، وقالوا: قتل أبو قتادة، فقال ﷺ : «ليس بأبي قتادة، ولكنه قتيله، وضع عليه برده؛ لتعرفوه فتخلّوا عن قتيله وسلبه» فأعطاه رسول الله ﷺ فرسه وسلاحه.

стр. 422

ما صنعه عكاشة بن محصن: وأدرك عكاشة بن محصن أو بارا وابنه عمرو بن أو بار وهما على بعير واحد، فانتظمهما بالرمح، فقتلهما جميعا. وممّا فعله بهم سلمة بن الأكوع أن قال: يا نبي الله؛ قد حميت القوم الماء وهم عطاش، فابعث إليهم الساعة. وفي «مسلم» : أتاني عامر بماء ولبن، فتوضأت وشربت، ثم أتيت النّبيّ ﷺ وهو على الماء الذي أجليتهم عنه، فإذا هو قد أخذ كل شيء استنقذته منهم، ونحر له بلال ناقته، وشوى له من كبدها وسنامها، فقلت: يا رسول الله؛ خلّني أنتخب من القوم مئة رجل فأتبعهم فلا يبقى منهم مخبر، فضحك حتى بدت نواجذه، وقال: «أتراك كنت فاعلا؟» قلت: نعم، والذي أكرمك، فقال رسول الله ﷺ : «ملكت فأسجح» أي: قدرت عليهم فارفق، ثمّ قال ﵊: «إنّهم الآن ليقرون في غطفان» يعني: أنّهم وصلوا إلى غطفان وهم يضيفونهم، فلا فائدة في البعث في الأثر؛ لأنّهم لحقوا بأصحابهم. وفي إخباره ﵊ بذلك معجزة؛ فإنّه جاء بعد ذلك رجل من غطفان، فقال: مرّوا على فلان الغطفاني، فنحر لهم جزورا، فلمّا أخذوا يكشطون جلدها.. رأوا غبرة، فتركوها وقالوا: أتاكم القوم، وخرجوا هرابا. قال في «المواهب» : (وصلّى رسول الله صلى الله عليه

стр. 423

ومرّ في طريقه بالمالح ... بيان ذا اللّقب غير صالح فغيّر اسمه وغيّر الإله ... صفته وبعد ذلك اشتراه طلحة بالفيّاض سمّاه النّبي ... إذ قد تصدّق به ليثرب وسلم بذي قرد صلاة الخوف، وأقام به يوما وليلة يتجسس الخبر، ورجع وقد غاب خمس ليال) . معجزة للرسول ﷺ : (ومرّ) ﷺ (في طريقه) في هذه الغزوة بالبئر التي تسمى (بالمالح بيان) فقال الصحب الكرام: بيان وهو مالح (ذا اللقب) يعني بيان (غير صالح، فغيّر) النّبيّ ﷺ (اسمه) فقال: نعمان، وهو طيب، (وغير الإله) ﵎ (صفته) المالحة إلى صفته العذبة، بقول رسول الله ﷺ المذكور، ونظير هذه المعجزة ما ذكره في «الشفاء» : (أنّه ﵊ بزق في بئر كانت في دار أنس، فلم يكن ماء في المدينة أعذب منها) ورواه أبو نعيم، ولله در القائل: ولو تفلت في البحر والبحر مالح ... لأصبح ماء البحر في ريقه عذبا شراء طلحة الفياض للبئر وتصدقه بها: (وبعد ذلك اشتراه) أي: البئر، وفاعل اشترى (طلحة) ابن عبيد الله التّيمي الصحابي الجليل، أحد العشرة المتقدم ذكره، وترجمته في الكلام على غزوة بدر وأحد، وتصدق بها

стр. 424

فالطّلحات خمسة سوى العلم ... ف طلحة الجود ابن عمّه الخضم على أهل المدينة (بالفيّاض) بتشديد الياء؛ أي: الوهّاب الجواد، يتعلق بقوله: (سمّاه) أي: طلحة (النّبيّ) ﷺ ، فقال له ﵊: «أنت الفيّاض» فصار له لقبا، كما صار نعمان للبئر لقبا (إذ قد تصدق به ليثرب) أي: لأهل المدينة، وهذا سبب التسمية به، وتسمية المدينة بيثرب تسمية جاهلية، سميت باسم رجل نزلها، ولما جاء الله تعالى بالإسلام سميت طابة، وطيبة، والطّيّبة؛ لطيبها به ﷺ ، فتغير اسمها وصفتها. الطلحات الخمسة الأجواد: ثمّ استطرد الناظم رحمه الله تعالى باسم الفيّاض، إلى ذكر من كان من الأجواد في الإسلام يسمى طلحة فقال: فالطّلحات خمسة سوى العلم ... فطلحة الجود ابن عمّه الخضم (فالطلحات) بفتح اللام جمع طلحة بسكونها (خمسة سوى العلم) العلم في الأصل: السيد للقوم، والمراد به: سيدنا طلحة بن عبيد الله المتقدم، فهم معه ستة، هو أولها. طلحة الجود: (ف) ثانيها: (طلحة الجود) أي: الملقب بذلك، وهو ابن عمر بن عبيد الله بن معمر بن عثمان بن عمر بن كعب بن

стр. 425

و طلحة الخير وطلحة النّدى ... إلى الحسين وابن عوف أسندا سعد بن تيم، وجده عبيد الله بن معمر من الأجواد أيضا، ذكر ابن العماد في «الشذرات» : أنّه اشترى جارية تسمى الكاملة بعشرين ألف دينار، وكانت لفتى قد أدّبها أحسن الأدب، فأملق، فباعها وهو مغرم بها، فأنشدت أبياتا منها: عليك سلام لا زيارة بيننا ... ولا وصل إلّا أن يشاء ابن معمر فرقّ لها عبيد الله، وردها عليه وثمنها، قتل عن أربعين سنة برستاق إصطخر. قال الحافظ: (أخرج ابن أبي عاصم والبغويّ من طريق حماد بن سلمة عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن عبيد الله بن معمر، قال: قال رسول الله ﷺ : «ما أوتي أهل بيت الرفق إلّا نفعهم، ولا منعوه إلّا ضرّهم» قال البغوي: «لا أعلمه روى عن النّبيّ ﷺ غيره، ولا رواه عن هشام إلّا حماد» . وطلحة الجود: هو (ابن عمه) أي: ابن عم طلحة بن عبيد الله (الخضم) بوزن خدبّ مكسور الأول، مفتوح الثّاني: الكثير العطاء. طلحة الخير، وطلحة الندى: (و) ثالثها: (طلحة الخير) بن الحسين السّبط بن عليّ بن أبي طالب ﵁.

стр. 426

و طلحة الدّراهم العتيق ... جدّ أبيه بالعلا حقيق (و) رابعها: (طلحة الندى) بالقصر: الجود؛ أي: الملقّب بذلك، وهو ابن عبد الله بن عوف بن عبد الحارث بن زهرة ابن أخي سيدنا عبد الرّحمن بن عوف، كان من سراة قريش، ولي قضاء المدينة. قال الحافظ في «التهذيب» : (قال ابن أبي خيثمة: كان هو وخارجة بن زيد بن ثابت في زمانهما يستفتيان، وينتهي الناس إلى قولهما، ويقسمان المواريث، ويكتبان الوثائق، توفي بالمدينة سنة سبع وتسعين وهو ابن اثنتين وسبعين سنة، وأبوه عبد الله بن عوف صحابي، أسلم يوم الفتح ولم يهاجر) . فقوله: (إلى الحسين وابن عوف أسندا) أي: أسند طلحة الخير إلى الحسين، وطلحة الندى إلى ابن عوف، على طريق اللّفّ والنشر المرتب. طلحة الدراهم: (و) خامسها: (طلحة الدراهم) ابن عبد الله بن عبد الرّحمن بن أبي بكر الصدّيق ﵁، أمه عائشة بنت طلحة بن عبيد الله. وقال في «التهذيب» : له صحبة، حكى الزّبير: أنّ عروة بن الزّبير أودعه وغيره مالا لما سافر إلى الشام، فلمّا رجع.. جحده بعضهم، وردّ ماله طلحة، فقال فيه: فما استخبأت في رجل خبيئا ... كدين الصّدق لو ينسب عتيق

стр. 427

سادسها طلحتها الخزاعي ... أجودهم كلّا بلا نزاع ذوو الأحساب أكرم ما تراه ... وأصبر عند نائبة الحقوق وقوله: (العتيق) مبتدأ، والمراد به أبو بكر؛ لأنّه عتيق الله من النار (جد أبيه) أي: عبد الله، خبر المبتدأ. وقوله: (بالعلا) يتعلق بقوله: (حقيق) يعني: أنّ العتيق وهو أبو بكر جد أبي طلحة، وهو حقيق بالعلا، ولا كلام. وليس يصحّ في الأذهان شيء ... إذا احتاج النّهار إلى دليل مآثر طلحة الخزاعي: و (سادسها) أي: الطلحات، قال في «روض النّهاة» : والضمير يعود إلى الطلحات مبتدأ، وقوله: (طلحتها) أي: طلحة الطلحات، خبر المبتدأ، وهو طلحة بن عبد الله بن خلف بن سعد بن بياضة البصريّ (الخزاعي) يقال: لأبيه صحبة (أجودهم) أي: هو أجود الطلحات، سمي طلحة بن عبد الله بذلك؛ لأنّه كان أجودهم (كلّا بلا نزاع) أي: لا ينازعونه في الجود، وهذا بمعنى قول بعضهم فيه: إنّه فاق في الجود خمسة أجواد، اسم كل واحد منهم طلحة. قال الشيخ حماد في «روض النّهاة» : (وهذا كلام

стр. 428

في سنة وهب ألف جاريه ... فأولدت عفاته جواريه ألف غلام باسمه سمّى الإما ... جميعهم لمثلها فهيئما صاحب «الغرر» «١» ، وكان الشيخ رحمه الله تعالى يشفق على نفسه من تفضيله في الجود على ابن السبط، ويعتذر عنه بأنّه إنّما نظم ما في الكتاب. قال الحافظ ابن حجر: (سمع عثمان بن عفان وكان مع عائشة يوم الجمل) اهـ وفي سنة (٦٣) بعث مسلم بن زياد طلحة بن عبد الله بن خلف الخزاعيّ واليا على سجستان، فأقام بها طلحة إلى أن مات. ومن مآثر جوده: ما ذكره في «الغرر» وعقده الناظم بقوله: (في سنة وهب) لزواره وقاصديه (ألف جارية) أي: أمة (فأولدت عفاته) بضم العين جمع عاف، وهو: الزائر الطالب للمعروف. (جواريه) بالنصب معمول لقوله: (أولدت) على نزع الخافض؛ أي: أولدت من جواريه. (ألف غلام باسمه) أي: بطلحة (سمّى الإما) بالقصر للوزن، جمع أمة (جميعهم) بالرفع تأكيد للإماء (لمثلها

стр. 429

فهيئما) بالهمز: أي عجبا لمثل هذه العطية من الكثرة والبركة. وزاد في «الغرر» عن الحسن قال: (باع طلحة بن عبد الله الخزاعيّ أرضا بسبع مئة ألف درهم، فبات ذلك المال عنده ليلة، فبات أرقا؛ مخافة ذلك المال، حتى أصبح ففرقه) . وقال الزّبيدي عن «المستقصى» : قال سحبان وائل البليغ المشهور في طلحة الطلحات «١» : يا طلح أكرم من مشى ... حسبا وأعطاهم لتالد منك العطاء فأعطني ... وعليّ مدحك في المشاهد فحكّمه، فقال: فرسك الورد، وقصرك بزرنج، وغلامك الخباز، وعشرة آلاف درهم. فقال طلحة: أف لك! لم تسألني على قدري، وإنّما سألتني على قدرك وقدر قبيلتك باهلة، والله؛ لو سألتني كل فرس وقصر وغلام لي.. لأعطيتك، ثمّ أمر له بما سأل، وقال: والله؛ ما رأيت مسألة محكّم ألأم منها.

стр. 430

وبعدها انتهبها الأولى انتهوا ... لغاية الجهد وطيبة اجتووا وفيه يقول ابن قيس الرّقيّات: رحم الله أعظما دفنوها ... بسجستان طلحة الطلحات قال الخفاجي في «الطراز» في طلحة الطلحات: (ليس المراد: أنّه واحد من هؤلاء المسمّين بهذا الاسم كما يتبادر منه، وإنّما المراد: أنّه أجود الأجواد؛ لأنّ طلحة لشهرة مسماه بالجود كحاتم، فيذكر ويراد به الجواد، فالطلحات بمعنى الأجواد: الناس أولاد علّات فمن علموا ... أن قد أقلّ فمخذول ومحقور وهم بنو أمّ من ظنوا به نشبا ... فذاك بالعين ملحوظ ومستور) قصة العرنيين وسرية سعيد بن زيد إليهم سنة ست: ثمّ أتبع غزوة الغابة بالكلام على قصة العرنيّين- للمناسبة الظاهرة بينهما، وتبعا لليعمري، إلّا أنّه ذكر السّرية من أصلها، وهي تعرف بسرية سعيد «١» بن زيد إليهم، وهي في شوال سنة ست عند ابن سعد- فقال: (وبعدها) أي: بعد غزوة الغابة (انتهبها) أي: اللقاح المذكورة في غزوة الغابة؛

стр. 431

فخرجوا وشربوا ألبانها ... ونبذوا إذ سمنوا أمانها أي: أخذها نهبة القوم (الأولى انتهوا) أي: وصلوا (لغاية الجهد) والمشقة. (وطيبة) بالنصب معمول لقوله: (اجتووا) أي: وكرهوا طيبة؛ أي: المقام بها، ولم يوافقهم هواؤها، وهم من عرينة «١» ، وعرينة: حيّ من بجيلة قدموا على رسول الله ﷺ ، وتكلموا بالإسلام، وكانوا مجهودين مضرورين، وقد كادوا يهلكون، وقالوا: يا رسول الله؛ إنّا كنا أهل ضرع؛ أي: ماشية وإبل، ولم نكن أهل ريف، واستوخموا المدينة، فأمر لهم رسول الله ﷺ بذود وراع، وأمرهم أن يخرجوا مع الذود، فيشربوا من ألبانها وأبوالها. وفي لبن اللقاح: جلاء، وتليين، وإدرار، وتفتيح للسدد؛ فإنّ الاستسقاء وعظم البطن إنّما ينشأ عن السدد وآفة في الكبد، ومن أعظم ما ينفع الكبد لبن اللقاح، لا سيّما إن استعمل بحرارته التي يخرج بها من الضرع مع بول الفصيل على حرارته التي يخرج بها. ذكر هذه الفائدة ابن برهان في «سيرته» . (فخرجوا وشربوا ألبانها) وصحّوا، وسمنوا، ورجعت إليهم ألوانهم، حتى إذا كانوا ناحية الحرة بناحية قباء.. كفروا

стр. 432

فاقتصّ منهم النّبي أن مثّلوا ... بعبده ومقلتيه سملوا بعد إسلامهم، وقتلوا راعي النّبيّ ﷺ يسارا، واستاقوا الذّود كما قال: (ونبذوا) أي: طرحوا وألقوا (إذ سمنوا) بشرب اللّبن (أمانها) أي: اللقاح، والمراد أهلها، فبلغ ذلك النّبيّ ﷺ ، فبعث في آثارهم سرية أمر عليها سعيد بن زيد. وفي «صحيح مسلم» عن أنس: (أنّ السرية كانت قريبا من عشرين فارسا من الأنصار، وبعث معهم قائفا يقص آثارهم) . وقال ابن سعد كما في «عيون الأثر» : (وبلغ رسول الله ﷺ الخبر، فبعث في آثارهم عشرين فارسا، واستعمل عليهم كرز «١» بن جابر الفهري، فأدركوهم وأحاطوا بهم، فأسروهم وربطوهم، وأردفوهم على الخيل، حتى قدموا بهم المدينة قال: كانت اللّقاح خمس عشرة غزارا، فردوها إلى المدينة، ففقد رسول الله ﷺ منها لقحة، فسأل عنها، فقيل: نحروها) . الاقتصاص من العرنيين: (فاقتص منهم النّبيّ) ﷺ بأن سمر «٢» أعينهم، وقطع أيديهم، وأرجلهم، وتركوا في ناحية الحرّة.

стр. 433

حتى ماتوا على حالهم. وفي لفظ عند البخاري: (وسمروا أعينهم- أي: كحلوها بالمسامير المحمية- ثمّ نبذوا في الشمس حتى ماتوا) . وإنّما فعل ﷺ بهم ذلك (أن) أي: لأنّهم (مثّلوا بعبده) ﷺ ، ولفظ الأصل: (مولاه) ، لكن وقع بلفظ العبد عند ابن إسحاق، قال: (أصابه في غزوة بني ثعلبة) . وفي «المواهب» : (روى ابن مردويه عن سلمة بن الأكوع قال: كان للنّبيّ ﷺ مولى يقال له: يسار، فنظر إليه يحسن الصلاة، فأعتقه، وبعثه في لقاح له بالحرة، فكان بها، قال: فأظهر قوم الإسلام من عرينة، وجاؤوا وهم مرضى موعوكون قد عظمت بطونهم، وغدوا على يسار فذبحوه، وجعلوا الشوك في عينيه وهو حيّ، فبعث النّبيّ ﷺ في آثارهم خيلا من المسلمين، أميرهم كرز بن جابر الفهري، فلحقهم، فجاء بهم، فقطع أيديهم وأرجلهم، وسمر أعينهم) قال ابن كثير: حديث غريب جدا. وقال الزرقانيّ: (وقد رواه الطّبراني بإسناد صالح كما في «الفتح» فلو عزاه له.. لكان أولى. (ومقلتيه) معمول لقوله: (سملوا) بفتح الميم من باب دخل؛ أي: سملوا، وفقؤوا مقلتيه، قال أنس: (إنّما سمل

стр. 434

رسول الله ﷺ أعينهم؛ لأنّهم سملوا أعين الراعي) رواه مسلم، فيكون ما فعل بهم قصاصا، كما قال الناظم: (فاقتص) لا مثلة؛ فإنّها ما كانت ابتداء بغير جزاء. فإن قيل: قد تركهم يستسقون فلا يسقون حتى ماتوا عطشا.. قلنا: عطّشهم؛ لأنّهم عطشوا أهل بيت النّبيّ ﷺ تلك الليلة من لقاحهم، وقد دعا ﷺ بالعطش على من عطّش آل بيته، كما رواه النسائي «١» . وقد أشار إلى هذه السّرية الشيخ غالي بن المختار في «تبصرة المحتاج» بأبسط ممّا هنا، وسماها بسرية كرز بن جابر الفهريّ بقوله: فنجل جابر المنيف ذو العلا ... كرز بإثر نفر عدوا على لقاح خير مرسل وقتلوا ... غلامه ومقلتيه سملوا وإذ بهم أتي النّبيّ قطعا ... أيديهم ونعم ما قد صنعا وقطع الأرجل ثم سملا ... أعينهم وردّهم ممتثلا

стр. 435

بجانب الحرّة يستسقونا ... لما أصابهم فلا يسقونا فوائد هذه القصة وأحكامها: وفي هذه القصة من الفوائد: قدوم الوفد على الإمام ونظره في مصالحهم. ومشروعية الطب والتداوي بألبان الإبل وأبوالها، وطهارة أبوالها، وهو حجة للإمامين مالك وأحمد ومن وافقهما على طهارة بول ما يؤكل لحمه نصا في الإبل، وقياسا في غيرها؛ وذلك أنّه أمرهم بالتداوي، وقد قال ﵊: «إنّ الله لم يجعل شفاء أمّتي فيما حرم عليها» رواه أبو داوود وغيره. ومن قال بنجاسة الأبوال كلها حملوا الحديث على التداوي، فلا يفيد الإباحة حالة الاختيار، وإلّا فلا حرمة كالميتة، وقد يقال: إنّ ما ذكر لم يتعين طريقا للدواء، وفي حديث ابن عباس مرفوعا إلى رسول الله ﷺ : «إنّ في أبوال الإبل شفاء للذّربة بطونهم» ما هو صريح بأنّها حالة اختيار، وهو يمنع حمل الحديث على ما ذكر، والذرب: فساد المعدة. ومنها: أنّ كل جسد يطب بما اعتاد، وأنّ المدينة تنفي عنها الخبث؛ مصداقا لقوله ﷺ : «إنّ المدينة كالكير، تنفي خبثها كما ينفي الكير خبث الحديد» .

стр. 436

- وقتل الجماعة بالواحد، سواء قتلوه غيلة أو حرابة، إن قلنا: إنّ قتلهم كان قصاصا. والمماثلة في القصاص، وأنّه ليس من المثلة المنهي عنها. ومنها: العمل بقول القائف، وهو: الذي يعرف الآثار، وللعرب المعرفة التامة في ذلك. وقد حكم رسول الله ﷺ وخلفاؤه الراشدون من بعده ﵃ بالقيافة، وجعلها دليلا من أدلة ثبوت النسب، والله أعلم. (٢٢) غزوة المريسيع (غزوة بني المصطلق) وهو بضم الميم وفتح الراء: ماء لبني خزاعة، بينه وبين الفرع مسيرة يوم. قال في «القاموس» : (خزاعة حيّ من الأزد) اهـ، سمّوا بذلك لأنّهم تخزّعوا؛ أي: تخلّفوا عن قومهم وأقاموا بمكة. ويقال لها أيضا: غزوة بني المصطلق- بضم الميم، وسكون الصاد المهملة، وفتح الطاء، وكسر اللام- وهو لقب لجذيمة بن سعد بن عمرو الخزاعي، لقب به لحسن صوته،

стр. 437

ثمّ المريسيع أو المصطلق ... كلاهما على الغزاة يطلق وهو أول من غنّى من خزاعة نقله الزرقاني عن القسطلاني، وقال أيضا: (روى الطبرانيّ من حديث سفيان بن وبرة قال: كنا مع النّبيّ ﷺ في غزوة المريسيع: غزوة بني المصطلق) وأشار الناظم إلى ترادفهما بقوله: (ثمّ المريسيع أو المصطلق) فأو للتخيير في التسمية (كلاهما) أي: الاسمين (على الغزاة) بفتح الغين المعجمة؛ أي: الغزوة (يطلق) وتسمّى به. تاريخ هذه الغزوة: وظاهر النظم كما يفيده الترتيب بثم: أنّ هذه الغزوة كانت سنة ست؛ فإنّه جعلها بعد الغابة، والغابة كانت في السنة السادسة كما تقدم، وهو قول ابن إسحاق، وأنّها في شعبان، وإليه ذهب المقريزي في «الإمتاع» . ولكن عند ابن سعد: أنّها كانت في شعبان سنة خمس، وهو الذي قال فيه أصحاب السّير: إنّه أشبه بالصواب؛ لأنّ فيها جرى حديث الإفك، قال في «الإمتاع» : (ولا يشك أحد من علماء الآثار أنّ حديث الإفك في غزوة بني المصطلق هذه) اهـ، وسيأتي هنا، وقد ثبت فيه: أنّ سعد بن معاذ تنازع مع سعد بن عبادة في أصحاب الإفك، فلو كانت سنة ست مع كون الإفك كان فيها.. لكان ما وقع من الصحيح من ذكر سعد بن معاذ غلطا؛ لأنّه مات أيام قريظة، وكانت سنة خمس على الصحيح.

стр. 438

سبب هذه الغزوة: وسبب هذه الغزوة: أنّه بلغه ﵊، أنّ رئيس بني المصطلق- وهو الحارث بن أبي ضرار- سار في قومه ومن قدر عليه من العرب، فدعاهم إلى حرب رسول الله ﷺ ، فأجابوه وتهيّئوا للمسير معه إليه، وكانوا ينزلون ناحية الفرع، فبعث ﵊ بريدة بن الحصيب الأسلميّ يعلم حالهم الذي هم عليه، فاستأذنه أن يقول، فأذن له، فأتاهم، ولقي الحارث بن أبي ضرار وكلّمه، فوجدهم قد جمعوا الجموع، قالوا: من الرجل؟ قال: منكم، قدمت لما بلغني من جمعكم لهذا الرجل، فأسير في قومي ومن أطاعني، فنكون يدا واحدة حتى نستأصله، قال الحارث: فنحن على ذلك، فعجل علينا، فقال بريدة: أركب الآن وآتيكم بجمع كثير من قومي، فسرّوا بذلك منه. انتصار الرسول ﷺ وهزيمة العدو: ورجع إلى رسول الله ﷺ ، فأخبره خبرهم، فندب ﷺ الناس، وخرج رسول الله ﷺ مسرعا في بشر كثير من المنافقين لم يخرجوا في غزاة قطّ مثلها، واستخلف على المدينة زيد بن حارثة، وقادوا الخيل: عشرة للمهاجرين، وعشرين للأنصار، وخرجت عائشة وأم سلمة ﵄، وبلغ

стр. 439

لم ينفلت منهم أنيس وسبا ... غير رجال عشرة قد نهبا الحارث ومن معه مسيره ﵊، فسيء بذلك الخبر هو ومن معه، وخافوا خوفا شديدا، وتفرّق عنهم من كان معهم من العرب الذين جمعهم الحارث من غير قومه، ووصل ﵊ إلى المريسيع، وصفّ أصحابه، ودفع راية المهاجرين إلى أبي بكر، وراية الأنصار إلى سعد بن عبادة، فتراموا بالنّبل ساعة، وكان شعار المسلمين (يا منصور؛ أمت أمت) ثمّ أمر ﵊ أصحابه، فحملوا حملة رجل واحد، فما أفلت منهم إنسان، كما قال الناظم. (لم ينفلت منهم) أي: لم يخلص من بني المصطلق (أنيس) بالتكبير؛ أي: أحد، قال في «المختار» : (الأنيس: المؤانس، وكل ما يؤنس به، وما بالدار أنيس: أحد) . (وسبا) أي: ملك ﵊ (غير رجال عشرة) وهم النساء والصبيان. قال في «شرح المواهب» : (قال البرهان: لم يذكر عدتهم، وقال بعض شيوخي: كانت الأسرى أكثر من سبع مئة، فطلبتهم منه جويرية ليلة دخوله بها فوهبهم لها، ولم يقتل من المسلمين إلّا رجل واحد، هو هشام بن صبابة «١» ،

стр. 440

أعمارهم وسبيت جويريه ... ووهب السّبي لها لتدريه وساق من الإبل ألفي بعير، ومن الشاة خمسة آلاف شاة» ) كما قاله الزرقانيّ عن ابن سعد. وأمّا العشرة من الرجال.. ف (قد نهبا) ، بألف الإطلاق مبنيا للفاعل (أعمارهم) أي: قتلهم رسول الله ﷺ ؛ أي: قتلهم أصحابه الكرام. (وسبيت) بالبناء للمفعول؛ أي: أخذت في السبي أمّنا (جويرية) بنت رئيس بني المصطلق: الحارث بن أبي ضرار بن حبيب بن عائذ بن مالك بن جذيمة، وجذيمة هو المصطلق من خزاعة، كما في «الروض الأنف» وكانت قبل أن تسبى عند مسافع بن صفوان الخزاعي المقتول كافرا يوم المريسيع كما جزم به ابن أبي خيثمة والواقدي، ونقله عنهما الزرقاني في «شرحه للمواهب» وكان اسمها برّة، فسمّاها ﷺ جويرية؛ كره أن يقال: خرج من عند برّة. وكانت وقعت في سهم ثابت بن قيس، ثمّ جاءت رسول الله ﷺ تستعين به في كتابتها، قالت عائشة ﵂: وكانت امرأة حلوة ملّاحة «١» ، فوالله؛ ما هو إلّا أن رأيتها على باب حجرتي.. فكرهتها، وفي قول عائشة ذلك بيان ما كان عليه أزواج النّبيّ ﷺ من الغيرة عليه، والعلم بمواقع الجمال منه «٢» ، فلمّا طلبت

стр. 441

منه أن يعينها على كتابتها.. قال لها ﵊: «هل لك في خير من ذلك؟ أن أقضي عنك كتابتك وأعتقك، ثم أتزوجك» فرضيت، فاشتراها رسول الله ﷺ ، وأعتقها فتزوجها. بركتها على قومها: (ووهب) ﷺ (السبي لها) أي: لجويرية، لما طلبته منه ليلة دخوله بها (لتدريه «١» ) أي: لتعلم جويرية بإجابة طلبها مكانتها عنده ﷺ . قال الزرقاني: (ولا يشكل بما رواه ابن إسحاق وغيره من حديث عائشة، قالت: وخرج الخبر إلى الناس أنّه ﷺ قد تزوج جويرية، فقال الناس: أصهار رسول الله ﷺ ، فأرسلوا ما بأيديهم، قالت: فلقد أعتق بتزويجها مئة أهل بيت من بني المصطلق، فما أعلم امرأة كانت أعظم بركة على قومها منها؛ لأنّ طلبها إيّاهم منه، وكونه وهبهم لها.. لا يمنع كون المسلمين حين سمعوا أنّه تزوجها أطلقوا الأسرى، فكان ذلك زيادة إكرام من الله لنبيه؛ حتى

стр. 442

لا يسأل أحدا منهم في ذلك بشيء، أو مجانا؛ أي: بلا بدل) اهـ وأشار سيدي غالي في «نظم الأمهات» إلى قصة جويرية هذه، وإلى اجتماعها في النسب مع سيد البشر ﷺ ما اتصلت عين بنظر، وإلى أنّ والدها الحارث صحابي بقوله: ومن بني مصطلق جويريه ... أبرك عرس أمّنا الخزاعيه نال بها عشيرها إذ أسروا ... ما لم ينله بالنساء معشر إذ أعتقوا وهم زهاء مئة ... بيت من استرقاق أهل الملّة وهي بنت حارث نجل أبي ... ضرار القائد صاحب النبي يجمعها مع النّبيّ الهادي ... جدهما إلياس ذو الأيادي وتوفيت أمنا جويرية ﵂ سنة خمسين من الهجرة، وقيل: سنة ست وخمسين، كما حكاه في «الإصابة» عن الواقديّ، قال: (وصلّى عليها مروان) . وغاب رسول الله ﷺ عن المدينة ثمانية وعشرين يوما، وقدم المدينة لهلال رمضان.

стр. 443

وأسلموا بعد وفي من فسّقا ... أرسله الهادي لهم مصدّقا إسلام الحارث وبني المصطلق: (وأسلموا) أي: بنو المصطلق (بعد) أي: بعد أن أسروا، وأعتقوا؛ لمصاهرة النّبيّ ﷺ . وأسلم الحارث بن أبي ضرار، وسبب إسلامه: ما ذكره الحافظ عن ابن إسحاق في «المغازي» : (أنّ الحارث جاء إلى المدينة ومعه فداء ابنته بعد أن أسرت، وتزوجها رسول الله ﷺ ، فلمّا كان بالعقيق.. نظر إلى الإبل، فرغب في بعيرين منها، فغيّبهما في شعب من شعابه، ثمّ جاء فقال: يا محمّد؛ هذا فداء ابنتي، فقال: «فأين البعيران اللذان غيّبتهما بالعقيق في شعب كذا وكذا؟» فقال الحارث: أشهد أن لا إله إلّا الله، وأنّك رسول الله ﷺ ، والله ما اطلع على ذلك إلّا الله، قال: فأسلم، وأسلم معه ابنان له وناس من قومه ﵃، فدفع الإبل إلى النّبيّ ﷺ ، ودفعت إليه ابنته جويرية، فأسلمت وحسن إسلامها) . قصة الوليد بن عقبة ونزول الآية فيها: (وفي من فسّقا) بالبناء للمفعول، وألفه للإطلاق، وهو بتضعيف العين؛ أي: فسقه الله تعالى، و (من) الموصولة واقعة على الوليد بن عقبة بن أبي معيط، والجار والمجرور يتعلق بقوله بعد: (أنزل) .

стр. 444

إِنْ جاءَكُمْ فاسِقٌ أنزل وهم ... خزاعة مصطلق جدّ لهم (أرسله الهادي) ﷺ ، حال من نائب فاعل فسّق (لهم) أي: لبني المصطلق (مصدقا) بكسر الدال المشددة؛ أي: آخذا الصدقة. وقوله: (إِنْ جاءَكُمْ فاسِقٌ) مبتدأ على إرادة اللفظ أو الآية، خبره جملة (أنزل) ، نظيره: «لا حول ولا قوة إلّا بالله كنز من كنوز الجنة» يعني: أنّ في الوليد المذكور الذي فسّقه الله تعالى في الآية حال كونه مرسلا من قبل النّبيّ ﷺ لبني المصطلق ليأخذ الصدقة.. أنزلت وهي: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جاءَكُمْ فاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا. قال اليعمري في «العيون» : (ثمّ بعد ذلك بأزيد من عامين، بعث إليهم الوليد بن عقبة مصدّقا، فخرجوا للقائه، فتوهّم أنّهم خرجوا لمقاتلته، ففرّ راجعا، وأخبر رسول الله ﷺ بظنّه، فهمّ ﵊ بقتالهم، فأنزل الله تعالى: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جاءَكُمْ فاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا الآية والتي بعدها) . وقال ابن إسحاق: (حدّثني يزيد بن رومان: أنّ رسول الله ﷺ بعث إلى بني المصطلق بعد إسلامهم الوليد بن عقبة بن أبي معيط، فلمّا سمعوا به.. ركبوا إليه، فلمّا سمع بهم.. هابهم، فرجع إلى رسول الله ﷺ ، فأخبره أنّ القوم قد همّوا بقتله، ومنعوه ما قبلهم من صدقتهم، فأكثر المسلمون في ذكر غزوهم، حتى همّ

стр. 445

رسول الله ﷺ بأن يغزوهم. فبيناهم على ذلك.. قدم وفدهم على رسول الله ﷺ فقالوا: يا رسول الله؛ سمعنا برسولك حين بعثته إلينا، فخرجنا إليه لنكرمه ونؤدّي إليه ما قبلنا من الصدقة، فانشمر راجعا، فبلغنا أنّه زعم لرسول الله ﷺ أنّا خرجنا إليه لنقتله، ووالله؛ ما جئنا لذلك، فأنزل الله تعالى فيه وفيهم: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جاءَكُمْ فاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا أَنْ تُصِيبُوا قَوْماً بِجَهالَةٍ فَتُصْبِحُوا عَلى ما فَعَلْتُمْ نادِمِينَ. وَاعْلَمُوا أَنَّ فِيكُمْ رَسُولَ اللَّهِ لَوْ يُطِيعُكُمْ فِي كَثِيرٍ مِنَ الْأَمْرِ لَعَنِتُّمْ وَلكِنَّ اللَّهَ حَبَّبَ إِلَيْكُمُ الْإِيمانَ وَزَيَّنَهُ فِي قُلُوبِكُمْ وَكَرَّهَ إِلَيْكُمُ الْكُفْرَ وَالْفُسُوقَ وَالْعِصْيانَ أُولئِكَ هُمُ الرَّاشِدُونَ. فَضْلًا مِنَ اللَّهِ وَنِعْمَةً وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ. قال الحافظ ابن عبد البر في «الإستيعاب» : (ولا خلاف بين أهل العلم بالتأويل للقرآن فيما علمت أنّ قول الله : إِنْ جاءَكُمْ فاسِقٌ بِنَبَإٍ نزلت في الوليد بن عقبة وذكر البعث ... ) إلخ. (وهم) تفسير للضمير المجرور في قوله: (أرسله الهادي لهم) (خزاعة) يعني: أنّ بني المصطلق من خزاعة؛ فإنّ بني المصطلق هم بنو جذيمة، و (مصطلق جدّ لهم) . قال في «المواهب» : (والمصطلق: لقب، واسمه: جذيمة بن سعد بن عمر، بطن من بني خزاعة) .

стр. 446

وأفزعت ريح خيار النّات ... فقال لا باس بموت عات فوجدوا كهف المنافقينا ... رفاعة يومئذ دفينا موت رفاعة بن زيد كهف المنافقين: ثمّ أشار الناظم إلى حادثة وقعت في اليوم الثّاني من يوم الواردة الآتي ذكرها فقال: (وأفزعت) أي: خوّفت (ريح) شديدة، ومفعول (أفزعت) قوله: (خيار النّات) لغة في الناس، وخيارهم صحابة رسول الله ﷺ (فقال) رسول الله ﷺ : «لا تخافوها، فإنّما هبّت لموت عظيم من عظماء الكفار» وهو معنى قوله: (لا باس) أي: عليكم (بموت عات) بالإضافة: متجاوز للحد متكبر. (ف) لمّا قدموا المدينة.. (وجدوا كهف المنافقينا) أي: ملجأهم، وأبدل من الكهف قوله: (رفاعة) وهو ابن زيد بن التابوت، أحد بني قينقاع، وكان عظيما من عظماء اليهود، وكهفا للمنافقين (يومئذ دفينا) أي: وجدوه يوم قدومهم المدينة مدفونا، ولو أخّر هذه الحادثة عن حادثة الواردة.. لكان أولى، كما صنعه صاحب الأصل الحافظ اليعمري في «سيرته» وكذا غيره. معظم المنافقين كان من الشيوخ: قال في «روض النّهاة» : (ومن كان معه- أي: رفاعة- على النفاق من أحبار يهود من بني قينقاع؛ سعد بن حنيف،

стр. 447

وهو النّفاق في الشّيوخ لا الشّباب ... والخير كلّ الخير في عصر الشّباب ونعمان بن أوفى بن عمرو، وأخوه عثمان، وزيد بن اللصيت، ولم ينافق شباب من اليهود ومن الأنصار إلّا قيس بن عمر بن سهيل بن النجار) وذلك قوله رحمه الله تعالى: (وهو) أي: الشأن، أو ضمير مبتدأ يفسره ما بعده؛ أي: (النفاق) خبره قوله: (في الشيوخ) جمع شيخ، وهو: من طعن في السن (لا) في (الشباب) جمع شاب (والخير كل الخير) أي: جميعه (في عصر) أي: في مدة (الشباب) يعني: في مدة حداثة السن، فلا إيطاء، وإنّما كان الخير كله في عصر شباب الإنسان وفتوته؛ لأنّه الوقت الذي إذا قابل الخير فيه وهو على استعداد القابلية دخل قلبه، فتمكن فيه، كما قال بعضهم: أتاني هواها قبل أن أعرف الهوى ... فصادف قلبا خاليا فتمكّنا فمن أجل ذلك أتى الناظم بالقضية المسوّرة ب (كل) واعتبر ما قاله في هذه الغزوة من عمل ابن أبيّ، وهو ممّن بلغ سن الشيخوخة وقد باء بالنفاق، ونزل إلى الدركات، ومن عمل ابنه الشاب المؤمن المخلص وقد تبوأ بحبوحة الإيمان، وجلس على عرشه، حتى كان حربا على من تألب على بيضة الإسلام يريد أن يصدعها ولو كان والده، كما سيأتي خبره معه. وكذلك زيد بن أرقم، وهو ﵁ من قوم ذلك

стр. 448

ووردت واردة العرمرم ... فافتتن الوارد في المزدحم المنافق، لكن يباينه في الإخلاص والأدب مع الله تعالى ورسوله ﷺ . وكثير من الشباب من أولئك الصحب الكرام على هذا الخير، بل كلهم من هذا الطراز المبارك. وإنّما قلت: على استعداد القابلية؛ لأنّه إذا كان على فساد في الاستعداد، فلا شيء فيه من الخير، كما هو مشاهد في أفراد من الشباب، ذهبوا بشبابهم النضير مذهب اللهو والغرور والهوى، ولا وازع ولا زاجر، ولا يسعنا إلّا أن نتوجه إلى الله تعالى بأن يهديهم، ويدخلهم في حظيرة المتمسّكين بالهدي النبوي؛ حتى يكونوا عدة قويمة قوية على الملحدين أعداء الدين؛ فإنّ ذلك على الله يسير. نعرة جاهلية لجهجاه الغفاري وسنان الجهني: (و) لمّا خرج ﵊ لبني المصطلق، ولقيهم على ماء المريسيع، وأسفرت الغزاة عن نصر المسلمين.. (وردت واردة العرمرم) بفتح العين المهملة والراءين، بينهما ميم ساكنة؛ أي: الجيش، والواردة: القوم يردون الماء (ف) بينا هم على ذلك (افتتن) واقتتل (الوارد) أي: الواردون (في المزدحم) أي: موضع الزحام على الماء، وذلك أنّ أجيرا لعمر بن الخطاب من بني غفار يقال له: جهجاه بن مسعود جاء يقود فرسه، فازدحم مع سنان بن وبرة الجهنيّ فاقتتلا.

стр. 449

فاستصرخ الأنصار فارط لهم ... لطمه من ناله معروفهم واستصرخ المهاجرين اللّذ كسر ... عصا النّبي جهجاه عامل عمر (فاستصرخ) واستغاث (الأنصار) مفعول لاستصرخ، مقدم على فاعله الذي هو (فارط) أي: مقدّم (لهم) أي: للأنصار، وهو الجهني، فقال: يا معشر الأنصار، وذلك أنّه (لطمه) أي: ضربه بكفه مبسوطة (من) أي: الذي (ناله) وأصابه (معروفهم) هو ضد المنكر، وضميره للأنصار، وهذه الجملة من كلام عبد الله بن أبيّ رئيس المنافقين كقوله وعنده رهط من قومه، فيهم زيد بن أرقم: (أوقد فعلوها؟! قد نافرونا وكاثرونا في بلادنا، والله؛ ما أعدّنا وجلابيب «١» قريش هذه إلّا كما قال الأول: سمّن كلبك.. يأكلك) . (واستصرخ المهاجرين اللّذ) أي: الذي (كسر عصا النّبيّ) ﷺ بركبته، وكانت في يد سيدنا عثمان رضي الله تعالى عنه يخطب بها؛ إذ كان أحد المعينين على قتله، وأبدل من الموصول قوله: (جهجاه) بن مسعود بن سعد بن حرام (عامل عمر) وأجيره فقال مستغيثا: يا للمهاجرين، فلمّا سمعها النّبيّ ﷺ .. قال: «دعوها؛ فإنّها منتنة» قال السهيلي في «الروض» : (يعني: أنّها كلمة خبيثة؛ لأنّها من دعوى الجاهلية، وجعل الله المؤمنين إخوة وحزبا واحدا؛ فإنّما ينبغي أن تكون الدعوى: يا للمسلمين.

стр. 450

وقال فيها ابن أبيّ منكرا ... وعاه زيد موقنا وما امترى فمن دعا في الإسلام بدعوى الجاهلية.. فيتوجه للفقهاء فيه ثلاثة أقوال: أحدها: أن يجلد من استجاب لها بالسلاح خمسين سوطا، اقتداء بأبي موسى الأشعري ﵁ في جلده النابغة الجعدي خمسين سوطا حين سمع: يا لعامر، فأقبل يشتد بعصبة له. والقول الثّاني: أنّ فيها الجلد دون العشرة؛ لنهيه ﵊ أن يجلد أحد فوق العشرة إلّا في حد. والقول الثّالث: اجتهاد الإمام في ذلك على حسب ما يراه من الذريعة وإغلاق باب الشر: إمّا بالوعيد، وإمّا بالسّجن، وإمّا بالجلد. فإن قيل: إنّ النّبيّ ﷺ لم يعاقب الرجلين حين دعوا بها.. قلنا: قد قال: «دعوها؛ فإنّها منتنة» فقد أكّد النهي، فمن عاد إليها بعد هذا النهي، وبعد وصف النّبيّ ﷺ لها بالإنتان.. وجب أن يؤدب حتى يشم نتنها كما فعل أبو موسى بالجعدي، فلا معنى لنتنها إلّا سوء العاقبة فيها والعقوبة عليها) . قول منكر لرأس المنافقين، وما نزل فيه من القرآن: (وقال فيها) أي: في الواردة عبد الله (بن أبي) رئيس المنافقين قولا (منكرا) وهو قوله- وقد غضب من مقالة

стр. 451

وحلف الفاجر ما قال المقال ... وصدّقته للمكانة رجال المهاجريّ-: (أوقد فعلوها؟ قد نافرونا، وكاثرونا في بلادنا، والله ما أعدّنا وجلابيب قريش هذه إلّا كما قال الأول: سمّن كلبك.. يأكلك، أما والله؛ لئن رجعنا إلى المدينة.. ليخرجنّ الأعزّ منها الأذلّ) ثمّ أقبل على من حضره من قومه فقال لهم: (هذا ما فعلتم بأنفسكم، أحللتموهم بلادكم، وقاسمتموهم أموالكم، أما والله؛ لو أمسكتم عنهم ما بأيديكم..، لتحولوا إلى غير داركم) . إعلام زيد بن أرقم الرسول ﷺ بمقال رأس المنافقين: فعند ذلك (وعاه) أي: حفظه (زيد) هو ابن أرقم الخزرجي، حال كونه (موقنا وما امترى) أي: وما شك، تأكيد في المعنى لما قبله، فمشى زيد بذلك المقال إلى رسول الله ﷺ بعد ما فرغ من عدوّه، فأخبره الخبر وعنده عمر بن الخطّاب، فقال: مر به عباد بن بشر فليقتله، فقال رسول الله ﷺ : «فكيف يا عمر إذا تحدّث الناس أنّ محمّدا يقتل أصحابه؟ لا ولكن أذّن بالرحيل» وذلك في ساعة لم يكن رسول الله ﷺ يرتحل فيها، فارتحل الناس. حلف رأس المنافقين بالله كذبا: (و) قد مشى عبد الله بن أبيّ ابن سلول إلى رسول الله ﷺ حين بلغه أنّ زيدا قد بلّغه ما سمع منه، ف (حلف الفاجر) بالله العظيم (ما قال المقال) ولا تكلّم به

стр. 452

(وصدّقته للمكانة) والمنزلة- فإنّه كان في قومه شريفا- (رجال) من الأنصار، فقالوا: يا رسول الله؛ عسى أن يكون الغلام قد أوهم في حديثه ولم يحفظ ما قال الرجل. قال ابن إسحاق: (فلمّا استقلّ رسول الله ﷺ وسار.. لقيه أسيد بن الحضير، فحياه بتحية النبوة، وسلم عليه، ثم قال: يا نبيّ الله؛ والله؛ لقد رحت في ساعة منكرة ما كنت تروح في مثلها؟ فقال له رسول الله ﷺ : «أو ما بلغك ما قال صاحبكم؟» قال: وأي صاحب يا رسول الله؟ قال: «عبد الله بن أبيّ» قال: وما قال؟ قال: «زعم أنّه إن رجع إلى المدينة.. أخرج الأعزّ منها الأذلّ» قال: فأنت يا رسول الله والله تخرجه منها إن شئت، هو والله الذليل، وأنت العزيز، ثمّ قال: يا رسول الله، ارفق به، فو الله؛ لقد جاءنا الله بك وإنّ قومه لينظمون له الخرز ليتوّجوه؛ فإنّه ليرى أنّك استلبته ملكا. ثمّ مشى رسول الله ﷺ بالناس يومهم ذلك حتى أمسى، وليلتهم حتى أصبح، وصدر يومهم ذلك حتى آذتهم الشمس، ثمّ نزل بالناس، فلم يلبثوا أن وجدوا مسّ الأرض، فوقعوا نياما، وإنّما فعل ذلك رسول الله ﷺ ؛ ليشغل الناس عن الحديث الذي كان بالأمس من حديث عبد الله بن أبيّ، أخزاه الله وأذلّه) .

стр. 453

فأنزل الله لئن رجعنا ... إلى المدينة ليخرجنّا وعرك النّبيّ أذن الواعي ... زيد بن أرقم ذي الاستماع أن شهد الله على المنافقين ... بالكذب المحض وأولاه اليقين تصديق القرآن زيد بن أرقم: (فأنزل الله: لئن رجعنا إلى المدينة ليخرجنّا) بألف الإطلاق للوزن، يعني: فأنزل الله تعالى (سورة المنافقين) فيها تصديق لزيد بن أرقم: يَقُولُونَ لَئِنْ رَجَعْنا إِلَى الْمَدِينَةِ لَيُخْرِجَنَّ الْأَعَزُّ مِنْهَا الْأَذَلَّ وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَلكِنَّ الْمُنافِقِينَ لا يَعْلَمُونَ ثمّ قال ﵊: «هذا الذي أوفى الله بأذنه» وأشار له الناظم بقوله: (وعرك) : دلك (النّبيّ) ﷺ (أذن الواعي) أي: الحافظ، وأبدل منه قوله: (زيد بن أرقم ذي) أي: صاحب (الاستماع) للخبر المذكور من رئيس المنافقين (أن) أي: لأجل (أن شهد الله) تعالى (على المنافقين بالكذب المحض) أي: الخالص في قوله تعالى: وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّ الْمُنافِقِينَ لَكاذِبُونَ (وأولاه) أي: وأعطى الله تعالى زيد بن أرقم (اليقين) والتحقيق في نقل خبر ابن أبيّ. قال البرهان الحلبي في «إنسان العيون» : (عن زيد بن أرقم رضي الله تعالى عنه قال: رأيت رسول الله ﷺ تأخذه البرحاء، ويعرق جبينه الشريف، وتثقل به راحلته، فقلت: إنّ رسول الله ﷺ يوحى إليه، ورجوت أن ينزل الله تصديقي، فلمّا سرّي عن رسول الله

стр. 454

صلى الله عليه وسلم.. أخذ بأذني وأنا على راحلتي يرفعها إلى السماء، حتى ارتفعت عن مقعدي وهو يقول: «وعت أذنك يا غلام، وصدّق الله حديثك، وكذّب المنافقين» وفي رواية: «هذا الذي أوفى الله بأذنه» ونزل: وَتَعِيَها أُذُنٌ واعِيَةٌ فكان يقال لزيد بن أرقم ﵁: (ذو الأذن الواعية) . وسيدنا زيد المذكور أنصاري، خزرجي، قيل: أول مشاهده هذه الغزوة، وشهد ما بعدها، وشهد صفينا كسجّين- مع سيدنا علي ﵁، وتوفي بالكوفة سنة ثمان وستين. وذكر الإمام النووي في «تهذيبه» : أنّه استصغر يوم أحد، وكان يتيما في حجر ابن رواحة ﵁، وسار معه في غزوة مؤتة. طلب عبد الله ابن رئيس المنافقين تولي قتل أبيه بنفسه: ولما بلغ عبد الله بن عبد الله بن أبيّ الذي كان من أمر أبيه.. أتى النّبيّ ﷺ فقال: يا رسول الله؛ إنّه بلغني أنّك تريد قتل عبد الله بن أبيّ فيما بلغك عنه، فإن كنت لا بدّ فاعلا.. فمرني به، فأنا أحمل إليك رأسه قبل أن تقوم من مجلسك هذا، فو الله؛ لقد علمت الخزرج ما كان لها من رجل أبرّ بوالده مني، وإنّي أخشى يا رسول الله أن تأمر به غيري فيقتله، فلا تدعني نفسي أنظر إلى قاتل عبد الله بن أبيّ يمشي في الناس.. فأقتله، فأقتل مؤمنا بكافر، فأدخل النار، فقال

стр. 455

رسول الله ﷺ : «بل نترفق به، ونحسن صحبته ما بقي معنا» . وجعل بعد ذلك إذا أحدث الحدث.. كان قومه هم الذين يعاتبونه ويعنّفونه، فقال رسول الله ﷺ لعمر بن الخطاب حين بلغه ذلك من شأنهم: «كيف ترى يا عمر؟ أما والله؛ لو قتلته يوم قلت لي اقتله.. لأرعدت له آنف لو أمرتها اليوم بقتله لقتلته» قال: قال عمر: قد والله علمت لأمر رسول الله ﷺ .. أعظم بركة من أمري. قال السهيلي: (وفي هذا العلم العظيم، والبرهان المنير من أعلام النبوة؛ فإنّ العرب كانت أشد خلق الله حميّة وتعصبا، فبلغ الإيمان منهم، ونور اليقين من قلوبهم إلى أن يرغب الرجل منهم في قتل أبيه وولده؛ تقربا إلى الله وتزلفا إلى رسوله، مع أنّ رسول الله ﵊ أبعد الناس نسبا منهم، وما تأخّر إسلام قومه وبني عمه وسبق إلى الإيمان به الأباعد.. إلّا لحكمة عظيمة؛ إذ لو بادر أهله وأقربوه إلى الإيمان به.. لقيل: قوم أرادوا الفخر برجل منهم وتعصبوا له، فلمّا بادر إليه الأباعد، وقاتلوا على حبه من كان منهم أو من غيرهم.. علم أنّ ذلك عن بصيرة صادقة، ويقين قد تغلغل في قلوبهم، ورهبة من الله أزالت صفة قد كانت سدكت في نفوسهم من أخلاق الجاهلية، لا يستطيع إزالتها إلّا الذي فطر الفطرة الأولى، وهو القادر على ما يشاء) .

стр. 456

وأمّا عبد الله بن عبد الله: فكان من كتّاب النّبيّ ﷺ ، وكان اسمه حباب، وبه كان يكنى أبوه، فسمّاه رسول الله ﷺ عبد الله، ﵁. وروى الدّارقطني مسندا: أنّ النّبيّ ﷺ مرّ على جماعة فيهم عبد الله بن أبيّ، فسلّم عليهم، ثمّ ولى، فقال عبد الله: لقد عتا ابن أبي كبشة في هذه البلاد، فسمعها ابنه عبد الله، فاستأذن النّبيّ ﷺ في أن يأتيه برأس أبيه، فقال: «لا، ولكن برّ أباك» . وسيدنا عبد الله هذا كان ممّن شهد بدرا وأحدا والمشاهد، ذكره الحافظ في «الإصابة» وأنّه استشهد باليمامة في قتال أهل الردّة سنة اثنتي عشرة. وفي قصته هذه ما يدل على عظيم إيمانه، وقوة محبته لرسول الله ﷺ ، حتى قيل: نزل فيه وفي أمثاله من الصحابة الأجلّاء قول الله : لا تَجِدُ قَوْماً يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ يُوادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَوْ كانُوا آباءَهُمْ أَوْ أَبْناءَهُمْ أَوْ إِخْوانَهُمْ أَوْ عَشِيرَتَهُمْ أُولئِكَ كَتَبَ فِي قُلُوبِهِمُ الْإِيمانَ وَأَيَّدَهُمْ بِرُوحٍ مِنْهُ الآية. وفيها تمجيد وتعديل من الله تعالى لأولئك الصحب، وثناء من قبله تعالى عليهم، وأنّ محبتهم له ولرسوله بلغت بهم ذلك المدى وتلك التضحية، وأنّه كتب الله في قلوبهم الإيمان، وأنّه أثبته وأيّدهم، وقواهم بروح منه هو النور،

стр. 457

والإفك في قفولهم ونقلا ... أنّ التّيمّم بها قد أنزلا والإيمان، والهدى، ووعدهم الوعد الجميل بما لهم في الآخرة من الفضل الجزيل، جمعنا الله بهم في مستقرّ رحمته بكرمه ومنّه، آمين. حديث الإفك وتبرئة الله للسيدة عائشة الصديقة: (والإفك) بكسر الهمزة، وسكون الفاء في اللغة المشهورة، وبفتحهما معا، هو الكذب، ومراده أنّ قصة الإفك على أمنا الصديقة، المبرأة من رب البرية، كان (في قفولهم) بضم القاف أي: رجوعهم من هذه الغزوة. وحديث الإفك اتفق عليه الشيخان، قال العلّامة الفقيه عماد الدين يحيى بن أبي بكر العامري في «البهجة» : (وألفاظهم فيه متقاربة، وقد كفاناها أبو عبد الله الحميدي في «الجمع بين الصحيحين» له، فرواه عنهما من حديث الزّهري عن عروة بن الزّبير، وسعيد بن المسيّب، وعلقمة بن وقاص اللّيثي، وعبيد الله بن عبد الله بن عتبة بن مسعود، من حديث عائشة زوج النّبيّ ﷺ حين قال فيها أهل الإفك ما قالوا، فبرأها الله ممّا قالوا. قال الزّهري: وكلهم حدّثني طائفة من حديثها، وبعضهم كان أوعى له من بعض، وأثبت له اقتصاصا، وقد وعيت عن كل واحد منهم الحديث الذي حدّثني عن عائشة، وبعض حديثهم يصدق بعضا، قالوا:

стр. 458

قالت عائشة: كان النّبيّ ﷺ إذا أراد سفرا.. أقرع بين أزواجه، فأيّتهنّ خرج سهمها.. خرج بها معه. قالت: فأقرع بيننا في غزاة غزاها، فخرج فيها سهمي، فخرجت معه بعد أن أنزل الحجاب، فأنا أحمل في هودجي وأنزل فيه، فسرنا، حتى إذا فرغ رسول الله ﷺ من غزوته تلك وقفل، ودنونا من المدينة قافلين.. آذن ليلة بالرحيل، فقمت حين آذن بالرحيل فمشيت حتى جاوزت الجيش، فلمّا قضيت من شأني.. أقبلت إلى الرحل، فلمست صدري، فإذا عقد لي من جزع ظفار «١» قد انقطع، فرجعت فالتمست عقدي، فحبسني ابتغاؤه. قالت: وأقبل الرهط الذين كانوا يرحلون بي، فاحتملوا هودجي، فرحلوه على بعيري الذي كنت أركب وهم يحسبون أنّي فيه، وكان النساء إذ ذاك خفافا لم يثقلن- ومنهم من قال: لم يهبّلن- ولم يغشّهن اللحم، إنّما يأكلن العلقة «٢» من الطعام، فلم يستنكر القوم ثقل الهودج حين رفعوه- ومنهم من قال: خفة الهودج- فاحتملوه، وكنت جارية حديثة السن، فبعثوا الجمل وساروا، فوجدت عقدي بعد ما استمرّ الجيش، فجئت منزلهم، وليس فيه أحد، - ومنهم من قال: فجئت

стр. 459

منازلهم وليس بها منهم داع ولا مجيب- فتيممت منزلي الذي كنت به، وظننت أنّهم سيفقدوني فيرجعون إليّ. فبينما أنا جالسة غلبتني عيناي فنمت، وكان صفوان بن المعطّل السّلميّ، ثمّ الذّكواني، قد عرّس من وراء الجيش، فادّلج «١» ، فأصبح عند منزلي، فرأى سواد إنسان نائم، فأتاني فعرفني حين رآني- وكان يراني قبل الحجاب- فاستيقظت باسترجاعه «٢» حين عرفني، فخمّرت وجهي بجلبابي، والله ما يكلمني بكلمة، ولا أكلمه، وما سمعت منه كلمة غير استرجاعه، وهوى حتى أناخ راحلته فوطئ على يدها، فقمت إليها فركبتها، فانطلق يقود بي الراحلة، حتى أتينا الجيش بعد ما نزلوا معرّسين- وفي رواية صالح بن كيسان وغيره: موغرين في نحر الظهيرة- قالت: فهلك من هلك في شأني، وكان الذي تولى كبره عبد الله بن أبيّ ابن سلول. فقدمنا المدينة، فاشتكيت بها شهرا، والناس يفيضون في قول أصحاب الإفك ولا أشعر، ويريبني في وجعي أنّي لا أرى من النّبيّ ﷺ اللّطف الذي كنت أرى منه حين أشتكي، إنّما يدخل فيسلم، ثمّ يقول: «كيف تيكم» ثمّ ينصرف، فذلك الذي يريبني ولا أشعر بالشر، حتى نقهت. فخرجت أنا وأم مسطح قبل المناصع، وهو متبرّزنا، وكنا

стр. 460

لا نخرج إلّا ليلا، وذلك قبل أن نتخذ الكنف قريبا من بيوتنا، وأمرنا أمر العرب الأول في التبرّز قبل الغائط، وكنا نتأذّى بالكنف أن نتخذها عند بيوتنا، فأقبلت أنا وأم مسطح- وهي ابنة أبي رهم بن المطّلب بن عبد مناف، وأمّها بنت صخر بن عامر، خالة أبي بكر الصدّيق، وابنها مسطح بن أثاثة بن عباد بن المطّلب- حين فرغنا من شأننا نمشي، فعثرت أم مسطح في مرطها، فقالت: تعس مسطح، فقلت لها: بئس ما قلت، أتسبّين رجلا شهد بدرا، فقالت: يا هنتاه، ألم تسمعي ما قال؟ قلت: وما قال؟ فأخبرتني بقول أهل الإفك، فازددت مرضا على مرضي. فلمّا رجعت إلى بيتي دخل عليّ رسول الله ﷺ فسلّم، وقال: «كيف تيكم؟» فقلت: أتأذن لي أن آتي أبويّ قالت: وأنا حينئذ أريد أن أستيقن الخبر من قبلهما فأذن لي رسول الله ﷺ ، فأتيت أبويّ، فقلت لأمي: يا أمّتاه؛ ماذا يتحدث الناس به؟ فقالت: يا بنية؛ هوّني على نفسك الشأن، فو الله؛ لقلّما كانت امرأة قطّ وضيئة عند رجل يحبها ولها ضرائر.. إلّا أكثرن عليها، فقلت: سبحان الله! ولقد تحدّث الناس بهذا؟ قالت: فبكيت تلك الليلة، حتى أصبحت لا يرقأ لي دمع «١» ، ولا أكتحل بنوم، فدعا رسول الله ﷺ عليّ بن أبي طالب
следующие страницы →