← Сира

Сира · id 9772

إنارة الدجى في مغازي خير الورى صلى الله عليه وآله وسلم

حسن بن محمد مشاط

Полный текст (820 стр.). Показаны 456–495 · переход к 461.

стр. 456

وأمّا عبد الله بن عبد الله: فكان من كتّاب النّبيّ ﷺ ، وكان اسمه حباب، وبه كان يكنى أبوه، فسمّاه رسول الله ﷺ عبد الله، ﵁. وروى الدّارقطني مسندا: أنّ النّبيّ ﷺ مرّ على جماعة فيهم عبد الله بن أبيّ، فسلّم عليهم، ثمّ ولى، فقال عبد الله: لقد عتا ابن أبي كبشة في هذه البلاد، فسمعها ابنه عبد الله، فاستأذن النّبيّ ﷺ في أن يأتيه برأس أبيه، فقال: «لا، ولكن برّ أباك» . وسيدنا عبد الله هذا كان ممّن شهد بدرا وأحدا والمشاهد، ذكره الحافظ في «الإصابة» وأنّه استشهد باليمامة في قتال أهل الردّة سنة اثنتي عشرة. وفي قصته هذه ما يدل على عظيم إيمانه، وقوة محبته لرسول الله ﷺ ، حتى قيل: نزل فيه وفي أمثاله من الصحابة الأجلّاء قول الله : لا تَجِدُ قَوْماً يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ يُوادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَوْ كانُوا آباءَهُمْ أَوْ أَبْناءَهُمْ أَوْ إِخْوانَهُمْ أَوْ عَشِيرَتَهُمْ أُولئِكَ كَتَبَ فِي قُلُوبِهِمُ الْإِيمانَ وَأَيَّدَهُمْ بِرُوحٍ مِنْهُ الآية. وفيها تمجيد وتعديل من الله تعالى لأولئك الصحب، وثناء من قبله تعالى عليهم، وأنّ محبتهم له ولرسوله بلغت بهم ذلك المدى وتلك التضحية، وأنّه كتب الله في قلوبهم الإيمان، وأنّه أثبته وأيّدهم، وقواهم بروح منه هو النور،

стр. 457

والإفك في قفولهم ونقلا ... أنّ التّيمّم بها قد أنزلا والإيمان، والهدى، ووعدهم الوعد الجميل بما لهم في الآخرة من الفضل الجزيل، جمعنا الله بهم في مستقرّ رحمته بكرمه ومنّه، آمين. حديث الإفك وتبرئة الله للسيدة عائشة الصديقة: (والإفك) بكسر الهمزة، وسكون الفاء في اللغة المشهورة، وبفتحهما معا، هو الكذب، ومراده أنّ قصة الإفك على أمنا الصديقة، المبرأة من رب البرية، كان (في قفولهم) بضم القاف أي: رجوعهم من هذه الغزوة. وحديث الإفك اتفق عليه الشيخان، قال العلّامة الفقيه عماد الدين يحيى بن أبي بكر العامري في «البهجة» : (وألفاظهم فيه متقاربة، وقد كفاناها أبو عبد الله الحميدي في «الجمع بين الصحيحين» له، فرواه عنهما من حديث الزّهري عن عروة بن الزّبير، وسعيد بن المسيّب، وعلقمة بن وقاص اللّيثي، وعبيد الله بن عبد الله بن عتبة بن مسعود، من حديث عائشة زوج النّبيّ ﷺ حين قال فيها أهل الإفك ما قالوا، فبرأها الله ممّا قالوا. قال الزّهري: وكلهم حدّثني طائفة من حديثها، وبعضهم كان أوعى له من بعض، وأثبت له اقتصاصا، وقد وعيت عن كل واحد منهم الحديث الذي حدّثني عن عائشة، وبعض حديثهم يصدق بعضا، قالوا:

стр. 458

قالت عائشة: كان النّبيّ ﷺ إذا أراد سفرا.. أقرع بين أزواجه، فأيّتهنّ خرج سهمها.. خرج بها معه. قالت: فأقرع بيننا في غزاة غزاها، فخرج فيها سهمي، فخرجت معه بعد أن أنزل الحجاب، فأنا أحمل في هودجي وأنزل فيه، فسرنا، حتى إذا فرغ رسول الله ﷺ من غزوته تلك وقفل، ودنونا من المدينة قافلين.. آذن ليلة بالرحيل، فقمت حين آذن بالرحيل فمشيت حتى جاوزت الجيش، فلمّا قضيت من شأني.. أقبلت إلى الرحل، فلمست صدري، فإذا عقد لي من جزع ظفار «١» قد انقطع، فرجعت فالتمست عقدي، فحبسني ابتغاؤه. قالت: وأقبل الرهط الذين كانوا يرحلون بي، فاحتملوا هودجي، فرحلوه على بعيري الذي كنت أركب وهم يحسبون أنّي فيه، وكان النساء إذ ذاك خفافا لم يثقلن- ومنهم من قال: لم يهبّلن- ولم يغشّهن اللحم، إنّما يأكلن العلقة «٢» من الطعام، فلم يستنكر القوم ثقل الهودج حين رفعوه- ومنهم من قال: خفة الهودج- فاحتملوه، وكنت جارية حديثة السن، فبعثوا الجمل وساروا، فوجدت عقدي بعد ما استمرّ الجيش، فجئت منزلهم، وليس فيه أحد، - ومنهم من قال: فجئت

стр. 459

منازلهم وليس بها منهم داع ولا مجيب- فتيممت منزلي الذي كنت به، وظننت أنّهم سيفقدوني فيرجعون إليّ. فبينما أنا جالسة غلبتني عيناي فنمت، وكان صفوان بن المعطّل السّلميّ، ثمّ الذّكواني، قد عرّس من وراء الجيش، فادّلج «١» ، فأصبح عند منزلي، فرأى سواد إنسان نائم، فأتاني فعرفني حين رآني- وكان يراني قبل الحجاب- فاستيقظت باسترجاعه «٢» حين عرفني، فخمّرت وجهي بجلبابي، والله ما يكلمني بكلمة، ولا أكلمه، وما سمعت منه كلمة غير استرجاعه، وهوى حتى أناخ راحلته فوطئ على يدها، فقمت إليها فركبتها، فانطلق يقود بي الراحلة، حتى أتينا الجيش بعد ما نزلوا معرّسين- وفي رواية صالح بن كيسان وغيره: موغرين في نحر الظهيرة- قالت: فهلك من هلك في شأني، وكان الذي تولى كبره عبد الله بن أبيّ ابن سلول. فقدمنا المدينة، فاشتكيت بها شهرا، والناس يفيضون في قول أصحاب الإفك ولا أشعر، ويريبني في وجعي أنّي لا أرى من النّبيّ ﷺ اللّطف الذي كنت أرى منه حين أشتكي، إنّما يدخل فيسلم، ثمّ يقول: «كيف تيكم» ثمّ ينصرف، فذلك الذي يريبني ولا أشعر بالشر، حتى نقهت. فخرجت أنا وأم مسطح قبل المناصع، وهو متبرّزنا، وكنا

стр. 460

لا نخرج إلّا ليلا، وذلك قبل أن نتخذ الكنف قريبا من بيوتنا، وأمرنا أمر العرب الأول في التبرّز قبل الغائط، وكنا نتأذّى بالكنف أن نتخذها عند بيوتنا، فأقبلت أنا وأم مسطح- وهي ابنة أبي رهم بن المطّلب بن عبد مناف، وأمّها بنت صخر بن عامر، خالة أبي بكر الصدّيق، وابنها مسطح بن أثاثة بن عباد بن المطّلب- حين فرغنا من شأننا نمشي، فعثرت أم مسطح في مرطها، فقالت: تعس مسطح، فقلت لها: بئس ما قلت، أتسبّين رجلا شهد بدرا، فقالت: يا هنتاه، ألم تسمعي ما قال؟ قلت: وما قال؟ فأخبرتني بقول أهل الإفك، فازددت مرضا على مرضي. فلمّا رجعت إلى بيتي دخل عليّ رسول الله ﷺ فسلّم، وقال: «كيف تيكم؟» فقلت: أتأذن لي أن آتي أبويّ قالت: وأنا حينئذ أريد أن أستيقن الخبر من قبلهما فأذن لي رسول الله ﷺ ، فأتيت أبويّ، فقلت لأمي: يا أمّتاه؛ ماذا يتحدث الناس به؟ فقالت: يا بنية؛ هوّني على نفسك الشأن، فو الله؛ لقلّما كانت امرأة قطّ وضيئة عند رجل يحبها ولها ضرائر.. إلّا أكثرن عليها، فقلت: سبحان الله! ولقد تحدّث الناس بهذا؟ قالت: فبكيت تلك الليلة، حتى أصبحت لا يرقأ لي دمع «١» ، ولا أكتحل بنوم، فدعا رسول الله ﷺ عليّ بن أبي طالب

стр. 461

وأسامة بن زيد حين استلبث الوحي؛ يستشيرهما في فراق أهله. قالت: فأمّا أسامة.. فأشار عليه بما يعلم من براءة أهله، وبالّذي يعلم في نفسه من الودّ لهم، فقال أسامة: هم أهلك يا رسول الله، ولا نعلم بهم والله إلّا خيرا، وأمّا عليّ بن أبي طالب.. فقال: يا رسول الله؛ لم يضيق الله عليك، والنساء سواها كثير، وسل الجارية تصدقك، قالت: فدعا رسول الله ﷺ بريرة، فقال: «أي بريرة؛ هل رأيت منها شيئا يريبك؟» فقالت له بريرة: لا والذي بعثك بالحق نبيا، إن رأيت منها أمرا أغمصه «١» عليها أكثر من أنّها جارية حديثة السّن، تنام عن عجين أهلها، فتأتي الداجن فتأكله. قالت: فقام رسول الله ﷺ من يومه، فاستعذر من عبد الله بن أبيّ ابن سلول، فقال رسول الله ﷺ وهو على المنبر: «من يعذرني من رجل «٢» بلغني أذاه في أهل بيتي؟ فو الله؛ ما علمت في أهلي إلّا خيرا، ولقد ذكروا رجلا ما علمت عليه إلّا خيرا، وما كان يدخل على أهلي إلّا معي» . قالت: فقام سعد بن معاذ أحد بني عبد الأشهل، فقال:

стр. 462

يا رسول الله؛ أنا والله أعذرك منه، إن كان من الأوس.. ضربنا عنقه، وإن كان من إخواننا الخزرج.. أمرتنا ففعلنا فيه أمرك. فقام سعد بن عبادة وهو سيد الخزرج، وكانت أم حسّان بنت عمه من فخذه، وكان رجلا صالحا، ولكن احتملته الحمية- ومنهم من قال: اجتهلته الحمية- فقال لسعد بن معاذ: كذبت لعمر الله، لا تقتله ولا تقدر على ذلك. فقام أسيد بن حضير، وهو ابن عم سعد بن معاذ، فقال لسعد بن عبادة: كذبت لعمر الله لنقتلنّه، فإنّك منافق تجادل عن المنافقين، فتبادر الحيّان: الأوس والخزرج، حتى همّوا أن يقتتلوا، ورسول الله ﷺ قائم على المنبر، فلم يزل رسول الله ﷺ يخفّضهم حتى سكنوا وسكتوا. قالت: وبكيت يومي ذلك، لا يرقأ لي دمع، ولا أكتحل بنوم، ثمّ بكيت ليلتي المقبلة، لا يرقأ لي دمع، ولا أكتحل بنوم، فأصبح عندي أبواي وقد بكيت ليلتين ويوما، حتى أظن أنّ البكاء فالق كبدي. قالت: فبينما هما جالسان عندي وأنا أبكي إذ استأذنت امرأة من الأنصار، فأذنت لها، فجلست تبكي معي، فبينما نحن كذلك إذ دخل رسول الله ﷺ ، فسلّم ثمّ جلس، قالت: ولم يجلس عندي من يوم قيل لي ما قيل

стр. 463

قبلها، وقد مكث شهرا لا يوحى إليه في شأني بشيء، فتشهّد رسول الله ﷺ ، ثمّ قال: أمّا بعد يا عائشة: فإنّه بلغني عنك كذا وكذا، فإن كنت بريئة فسيبرّئك الله، وإن كنت ألممت بذنب فاستغفري الله وتوبي إليه؛ فإن العبد إذا اعترف بذنبه ثمّ تاب إلى الله.. تاب الله عليه. قالت: فلمّا قضى رسول الله ﷺ مقالته، قلص دمعي حتى ما أحسّ قطرة، فقلت لأبي: أجب عنّي رسول الله ﷺ فيما قال: قال: والله؛ ما أدري ما أقول لرسول الله ﷺ ، فقلت لأمّي: أجيبي عني رسول الله ﷺ فيما قال، قالت أمّي: والله؛ ما أدري ما أقول لرسول الله ﷺ ، قالت: وأنا جارية حديثة السنّ، لا أقرأ كثيرا من القرآن، فقلت: إنّي والله لقد علمت أنّكم سمعتم ما تحدّث الناس به، حتى استقرّ في أنفسكم وصدّقتم به، فلئن قلت: إنّي بريئة- والله يعلم إنّي لبريئة- لا تصدّقوني بذلك، ولئن اعترفت لكم بأمر- والله يعلم أنّي منه بريئة- لتصدّقني، فو الله؛ ما أجد لي ولكم مثلا إلّا أبا يوسف إذ قال: فَصَبْرٌ جَمِيلٌ وَاللَّهُ الْمُسْتَعانُ عَلى ما تَصِفُونَ. قالت: ثمّ تحولت فاضطجعت على فراشي، وأنا والله أعلم أنّي بريئة، وأنّ الله مبرّئي ببراءتي، ولكن ما كنت أظن أنّ الله ينزل في شأني وحيا يتلى، ولشأني في نفسي كان أحقر من

стр. 464

أن يتكلّم الله فيّ بأمر يتلى- ومنهم من قال: فلأنا أحقر في نفسي من أن يتكلم الله بالقرآن في أمري- ولكن كنت أرجو أن يرى رسول الله ﷺ رؤيا يبرّئني الله بها، فو الله؛ ما رام «١» رسول الله ﷺ مجلسه، ولا خرج أحد من أهل البيت، حتى أنزل الله على نبيّه ﷺ ، فأخذه ما كان يأخذه من البرحاء، حتى إنّه ليتحدّر منه مثل الجمان «٢» من العرق في يوم شات من ثقل القول الذي أنزل عليه، فسرّي عن رسول الله ﷺ وهو يضحك، فكان أول كلمة تكلم بها أن قال: يا عائشة؛ احمدي الله- ومنهم من قال: أبشري يا عائشة، أمّا الله فقد برّأك- فقالت لي أمّي: قومي إلى رسول الله ﷺ ، فقلت: لا والله لا أقوم إليه، ولا أحمد إلّا الله، هو الذي أنزل براءتي. فأنزل الله : إِنَّ الَّذِينَ جاؤُ بِالْإِفْكِ عُصْبَةٌ مِنْكُمْ لا تَحْسَبُوهُ شَرًّا لَكُمْ بَلْ هُوَ خَيْرٌ لَكُمْ لِكُلِّ امْرِئٍ مِنْهُمْ مَا اكْتَسَبَ مِنَ الْإِثْمِ وَالَّذِي تَوَلَّى كِبْرَهُ مِنْهُمْ لَهُ عَذابٌ عَظِيمٌ. لَوْلا إِذْ سَمِعْتُمُوهُ ظَنَّ الْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِناتُ بِأَنْفُسِهِمْ خَيْراً وَقالُوا هذا إِفْكٌ مُبِينٌ. لَوْلا جاؤُ عَلَيْهِ بِأَرْبَعَةِ شُهَداءَ فَإِذْ لَمْ يَأْتُوا بِالشُّهَداءِ فَأُولئِكَ عِنْدَ اللَّهِ هُمُ الْكاذِبُونَ. وَلَوْلا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ فِي الدُّنْيا وَالْآخِرَةِ لَمَسَّكُمْ فِيما أَفَضْتُمْ فِيهِ عَذابٌ

стр. 465

عَظِيمٌ. إِذْ تَلَقَّوْنَهُ بِأَلْسِنَتِكُمْ وَتَقُولُونَ بِأَفْواهِكُمْ ما لَيْسَ لَكُمْ بِهِ عِلْمٌ وَتَحْسَبُونَهُ هَيِّناً وَهُوَ عِنْدَ اللَّهِ عَظِيمٌ. وَلَوْلا إِذْ سَمِعْتُمُوهُ قُلْتُمْ ما يَكُونُ لَنا أَنْ نَتَكَلَّمَ بِهذا سُبْحانَكَ هذا بُهْتانٌ عَظِيمٌ. يَعِظُكُمُ اللَّهُ أَنْ تَعُودُوا لِمِثْلِهِ أَبَداً إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ. وَيُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمُ الْآياتِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ. إِنَّ الَّذِينَ يُحِبُّونَ أَنْ تَشِيعَ الْفاحِشَةُ فِي الَّذِينَ آمَنُوا لَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ فِي الدُّنْيا وَالْآخِرَةِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ. وَلَوْلا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ وَأَنَّ اللَّهَ رَؤُفٌ رَحِيمٌ. فلمّا أنزل الله هذا في براءتي.. قال أبو بكر الصدّيق ﵁ وكان ينفق على مسطح بن أثاثة؛ لقرابته منه وفقره-: والله؛ لا أنفق على مسطح شيئا أبدا بعد ما قال لعائشة ما قال، فأنزل الله تعالى: وَلا يَأْتَلِ أُولُوا الْفَضْلِ مِنْكُمْ وَالسَّعَةِ أَنْ يُؤْتُوا أُولِي الْقُرْبى وَالْمَساكِينَ وَالْمُهاجِرِينَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلْيَعْفُوا وَلْيَصْفَحُوا أَلا تُحِبُّونَ أَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ فقال أبو بكر: بلى والله، إنّي لأحبّ أن يغفر الله لي، فرجع إلى مسطح الذي كان يجري عليه، وقال: والله؛ إنّي لا أنزعها منه أبدا «١» . قالت عائشة: وكان رسول الله ﷺ يسأل زينب بنت جحش عن أمري، فقال: «يا زينب؛ ما علمت؟ ما رأيت؟» قالت: يا رسول الله؛ أحمي سمعي، والله؛

стр. 466

ما علمت عليها إلّا خيرا، قالت عائشة: وهي التي كانت تساميني من أزواج النّبيّ ﷺ ، فعصمها الله بالورع، قالت: وطفقت أختها حمنة تجاوب لها، فهلكت فيمن هلك من أصحاب الإفك. قال ابن شهاب: فهذا الذي بلغني من حديث هؤلاء الرهط) اهـ عظم فوائد هذا الحديث: وفي هذا الحديث العظيم فوائد كثيرة: فيه- وهو المقصود الأعظم-: تبرئة منصب السيدة عائشة ﵂ ممّا رماها به أهل الإفك، قال الإمام النوويّ: (وهي براءة قطعية بنص القرآن، فلو تشكّك فيها إنسان والعياذ بالله.. صار كافرا بإجماع المسلمين، قال ابن عبّاس ﵄: (لم تزن امرأة نبيّ قطّ) ففيه منقبة ظاهرة لعائشة، وفضيلة لأبيها وأمها. وفيه: فضيلة لسعد بن معاذ، وأسيد بن حضير، وزينب بنت جحش، وصفوان بن المعطّل، وأم مسطح بن أثاثة. وفيه: جواز رواية الحديث الواحد عن جماعة، عن كل واحد منهم قطعة مبهمة، إذا كان كل منهم بصفة العدالة. وفيه: ثبوت القرعة. قال العلّامة الحلبي في «سيرته» : (قال السّهيلي: وكان

стр. 467

نزول براءة عائشة ﵂ بعد قدومهم المدينة- أي: من الغزوة المذكورة- لسبع وثلاثين ليلة في قول بعض المفسرين، فمن نسب إليها ﵂ اقتراف الفاحشة كغلاة الرافضة.. كان كافرا؛ لأنّ في ذلك تكذيبا للنصوص القرآنية، ومكذبها كافر) . دعاء الفرج: وفي «روح المعاني» للعلّامة الآلوسي: (أنّه جاء في خبر غريب ذكره ابن النجار في «تاريخ بغداد» بسنده إلى أنس ﵁: كنت جالسا عند عائشة لأقرّ عينها بالبراءة وهي تبكي وتقول: هجرني القريب والبعيد حتى هجرتني الهرة، وما عرض عليّ طعام ولا شراب، فكنت أرقد وأنا جائعة ظامئة، فرأيت في منامي فتى، فقال: ما لك؟ قلت: حزينة ممّا ذكر الناس، فقال: ادعي بهذه يفرج الله عنك، قلت: وما هي؟ قال: قولي: يا سابغ النّعم، ويا دافع النّقم، ويا فارج الغمم، ويا كاشف الظّلم، ويا أعدل من حكم، ويا حسيب من ظلم، ويا أوّل بلا بداية، ويا آخر بلا نهاية؛ اجعل لي من أمري فرجا ومخرجا. قالت: فقلت ذلك، فانتبهت وأنا ريانة شبعانة وقد أنزل الله فرجي. قلت: وهو حريّ أن يسمّى دعاء الفرج. قال بعضهم: برّأ الله تعالى أربعة بأربعة: برّأ يوسف ﵇ بشاهد من أهل زليخا، وبرّأ موسى ﵇ من قول

стр. 468

اليهود فيه إنّ له أدرة بالحجر الذي فرّ بثوبه، وبرّأ مريم بإنطاق ولدها، وبرّأ عائشة بهذه الآيات. لطيفة ذكرها الصلاح الصّفدي قال: رأيت بخط ابن خلّكان أنّ مسلما ناظر نصرانيا، فقال له النصرانيّ في خلال كلامه، محتقنا في خطابه بقبيح آثامه: يا مسلم؛ كيف كان وجه زوجة نبيكم معتذرة بضياع عقدها؟ فقال له المسلم: يا نصراني؛ كان وجهها كوجه بنت عمران لمّا أتت بعيسى تحمله من غير زوج، فمهما اعتقدت في دينك من براءة مريم.. اعتقدنا مثله في ديننا من براءة زوج نبينا ﷺ ، فانقطع النصرانيّ ولم يحر جوابا) اهـ، وهو جواب مفحم مسكت، فلله دره من مؤمن محب صادق، أنطقه الله بالصواب على هذا الأسلوب الذي دحر به ذلك النصرانيّ الأثيم، والسيدتان كل منهما مطهّرتان بريئتان مبرّأتان، ﵄ وأرضاهما، آمين. مفاخر عائشة وفضائلها: واعلم: أنّ للسيدة عائشة ﵂ مفاخر لا يشاركها فيها أحد من الأزواج الطاهرات، وكانت هي تفتخر بها، وحقّ لها ذلك. فمنها: أنّها خلقت طيبة، ووعدت مغفرة ورزقا كريما؛ لقوله تعالى فيها: وَالطَّيِّباتُ لِلطَّيِّبِينَ وَالطَّيِّبُونَ لِلطَّيِّباتِ أُولئِكَ مُبَرَّؤُنَ مِمَّا يَقُولُونَ لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ.

стр. 469

ومنها: أنّ جبريل ﵇ أتى بصورتها في سرقة حرير أي: قطعة من جيد الحرير- وقال: هذه زوجتك، ويروى: أنّه أتى بصورتها في راحته. ومنها: أنّه قال ﵊ في مرض موته: ليهوّن عليّ أنّي رأيت بياض كف عائشة في الجنة، وهو مروي عن الإمام أحمد، نقله عنه ابن كثير في «البداية» . ومنها: أنّ النّبيّ ﷺ لم يتزوج بكرا غيرها. ومنها: أنّه قبض ﷺ في حجرها، وفي يومها، ودفن في بيتها. ومنها: أنّه كان ينزل الوحي عليه، وهي معه في اللّحاف، ونزلت براءتها من السماء، وأنّها ابنة الصّديق خليفة رسول الله ﷺ . وفي «القرطبي» : (قال بعض أهل التحقيق: إنّ يوسف ﵇ لمّا رمي بالفاحشة.. برّأه الله على لسان صبيّ في المهد «١» ، وإنّ مريم لمّا رميت بالفحشاء.. برّأها الله على لسان ولدها عيسى ﵉، وإنّ عائشة لمّا رميت بالفحشاء.. برّأها الله بالقول، فما رضي لها براءة صبيّ

стр. 470

ولا نبيّ، حتى برّأها الله بكلامه من القذف والبهتان) . نزول آية التيمم: (ونقلا «١» أنّ التيمم) أي: آيته (بها) أي: في هذه الغزوة (قد أنزلا) في (المائدة) وهي قوله تعالى: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ الآية. وقيل: هي الآية التي في (النساء) لأنّ آية (المائدة) تسمّى آية الوضوء، وآية (النساء) لا ذكر للوضوء فيها، فيتّجه تسميتها بآية التيمّم. قال الحافظ: (وخفي على الجميع ما ظهر للبخاري: أنّها آية «المائدة» بلا تردّد؛ وذلك لما فقدت السيدة عائشة ﵂ عقدها أيضا، فاحتبسوا على طلبه، فبعث رسول الله ﷺ رجلين في طلبه، أحدهما أسيد بن حضير أحد النقباء، فحضرت صلاة الصبح، وكانوا على غير ماء، فجاء الناس إلى أبي بكر، وشكوا إليه ما نزل بهم، فجاء إليها ورسول الله ﷺ واضع رأسه الشريف على فخذها قد نام، فقال لها: حبست رسول الله ﷺ والناس وليسوا على ماء، وليس معهم ماء، فجعل يطعن بيده في خاصرتها، ويقول: يا بنية؛ في كل سفرة تكونين عناء وبلاء، وليس مع الناس ماء، قالت:

стр. 471

فلا يمنعي من التحرك إلّا مكان رسول الله ﷺ على فخذي، فأنزل الله آية التيمّم. قال أسيد بن حضير- وهو أحد النقباء-: ما هي بأول بركتكم يا آل أبي بكر، قالت أمّنا عائشة ﵂: فبعثنا البعير الذي كنت أركب عليه، فوجدنا العقد تحته» . قال ابن برهان الحلبيّ في «سيرته» - وقد ذكر نحو ما ذكره الناظم من مشروعية التيمم في هذه الغزوة-: (وهذا القيل نقله إمامنا الشافعي ﵁ عن عدّة من أهل المغازي؛ أي: وعليه يكون سقط عقدها في تلك الغزوة مرتين؛ لاختلاف القضيتين باختلاف سياقهما. والصحيح: أنّ ذلك في غزوة أخرى؛ أي: متأخرة عن هذه الغزوة) اهـ النهي عن العزل عن النساء: وفي هذه الغزوة نهى ﵊ عن العزل، وفي «الصحيحين» عن أبي سعيد ﵁ قال: أصبنا سبيا، فكنا نعزل، فسألنا رسول الله ﷺ فقال: «وإنّكم لتفعلون؟ - قالها ثلاثا- ما من نسمة كائنة إلى يوم القيامة إلّا وهي كائنة» . وفي «الصحيحين» عن أبي سعيد قال: خرجنا مع رسول الله ﷺ في غزوة بني المصطلق فأصبنا سبيا من سبي العرب، فاشتهينا النساء، واشتدّت علينا

стр. 472

ثمّ الحديبية ساق البدنا ... معتمرا وما بحرب اعتنى العزوبة، وأحببنا العزل، فأردنا أن نعزل، فقلنا: نعزل ورسول الله ﷺ بين أظهرنا قبل أن نسأله؟! فسألنا عن ذلك، فقال: «ما عليكم أن لا تفعلوا، ما من نسمة كائنة إلى يوم القيامة إلّا وهي كائنة» . تنبيه: إذا قلنا بجواز العزل بشرطه.. فلا ينافي أنّ التسبب لإسقاط النطفة بعد وصولها إلى الرحم غير جائز مطلقا؛ لوضوح الفرق بينهما؛ فإنّ المني حال نزوله محض جماد لم يتهيّأ للحياة بخلافه بعد استقراره في الرحم وأخذه في مبادي التخلق، أمّا استعمال ما يقطع الحبل من أصله.. فحرام؛ لمصادمته الشريعة الغرّاء التي تقول: «تناكحوا تناسلوا ... » إلخ، فليعلم. (٢٣) غزوة الحديبية (ثمّ) بعد غزوة المريسيع وإقامته ﷺ بالمدينة رمضان، وشوّالا (الحديبية) - بضم الحاء، وفتح الدال المهملتين، وسكون التحتية، وكسر الموحدة، وتخفيف الياء الثانية، وقد تشدّد: بئر بقرب مكة، على تسعة أميال منها، سمّي المكان باسمها- خرج ﷺ يوم الإثنين لهلال ذي القعدة، كما عند ابن سعد، سنة ست

стр. 473

بلا خلاف كما قال في «البداية» و (ساق البدنا) بإسكان الدال وبضمها على اللغتين المشار إليهما في قول بعضهم: وكلّ فعل بسكون العين ... كاليسر والعسر ونحو الأذن فضمّ عينه يرى اتباعا ... لفائه عن أسد قد شاعا وفعل كعنق وطنب ... تسكينه إلى تميم انسب وهو جمع بدنة: ما يهدى إلى البيت الحرام من إبل وبقر.. وكانت سبعين بدنة فيها جمل أبي جهل الذي غنمه الرسول ﷺ يوم بدر كما سيأتي. سبب الخروج للحديبية: وسبب خروجه: أنّه رأى ﷺ في منامه، أنّه دخل البيت هو وأصحابه آمنين محلّقين رؤوسهم ومقصّرين، فخرج من المدينة المنوّرة يسوق البدن (معتمرا) وزائرا للبيت الحرام ومعظما له، لا يريد قتالا، كما قال: (وما بحرب اعتنى) أي: وما قصد بذلك الخروج حربا. وحين خروجه ﷺ استخلف على المدينة المنوّرة نميلة بن عبد الله الليثي، وعلى الصّلاة ابن أم مكتوم.

стр. 474

ومن سوى المخلّفين استنفرا ... عرمرما وصدّ عن أمّ القرى استنفاره العرب للخروج معه إلى مكة: (ومن سوى) بكسر السين وبضمها مضاف إلى قوله (المخلّفين) وهم: جهينة ومزينة، ومن كان حول المدينة من الأعراب، تخلّفوا عن رسول الله ﷺ ، ورغبوا بأنفسهم عن نفسه، وهو متعلق بقوله: (استنفرا) أي: إنّه ﷺ استنفر من غير المخلفين جيشا (عرمرما) أي: كثيرا عدده أربع عشرة مئة، أو خمس عشرة مئة. قال ابن إسحاق: (واستنفر العرب ومن حوله من أهل البوادي من الأعراب، وهو يخشى من قريش الذي صنعوا أن يعرضوا له بحرب، أو يصدّوه عن البيت، فأبطأ عليه كثير من الأعراب، وخرج ﷺ بمن معه من المهاجرين والأنصار ومن لحق به من العرب، وساق معه الهدي، وأحرم بالعمرة؛ ليأمن الناس من حربه، وليعلم الناس أنّه إنّما خرج زائرا لهذا البيت ومعظما له) وخرجت معه أم سلمة من نسائه. أمّا المخلّفون.. فإنّهم لمّا تثاقلوا في الخروج مع رسول الله ﷺ .. قالوا: أنذهب إلى قوم قد غزوه في عقر داره بالمدينة، وقتلوا أصحابه، فنقاتلهم؟ واعتلّوا بالشغل بأهاليهم وأموالهم، وأنّه ليس لهم من يقوم بذلك، فأنزل الله تعالى تكذيبهم في اعتذارهم بقوله تعالى: يَقُولُونَ بِأَلْسِنَتِهِمْ ما لَيْسَ فِي قُلُوبِهِمْ قُلْ فَمَنْ يَمْلِكُ لَكُمْ مِنَ اللَّهِ شَيْئاً إِنْ أَرادَ بِكُمْ ضَرًّا أَوْ أَرادَ بِكُمْ نَفْعاً بَلْ كانَ اللَّهُ بِما تَعْمَلُونَ خَبِيراً.

стр. 475

خبر بسر بن سفيان الخزاعي عن قريش وصدّهم الرسول ﷺ عن مكة: ولمّا خرج وقد أحرم بالعمرة من ذي الحليفة- كما في الصحيح من رواية الزّهري- سار، حتى إذا كان بعسفان.. لقيه بسر بن سفيان الخزاعي- وكان بعثه عينا- فقال: يا رسول الله؛ هذه قريش قد سمعت بمسيرك، فخرجوا معهم العوذ المطافيل «١» قد لبسوا جلود النمور، وقد نزلوا بذي طوى، يعاهدون الله أن لا تدخلها عليهم أبدا عنوة، وهذا خالد بن الوليد في خيلهم، قد قدّموها إلى كراع الغميم «٢» . وقال ابن سعد: (قدّموا مئتي فارس عليها خالد بن الوليد، فقال رسول الله ﷺ : «يا ويح قريش، لقد أكلتهم الحرب، ماذا عليهم لو خلّوا بيني وبين سائر العرب؟! فإن هم أصابوني.. كان الذي أرادوا، وإن أظهرني الله عليهم.. دخلوا في الإسلام وافرين، وإن لم يفعلوا.. قاتلوا وبهم قوة، فما تظن قريش؟! فوالله؛ لا أزال أجاهد على الذي بعثني الله به، حتى يظهره الله أو تنفرد هذه السالفة» ) «٣» .

стр. 476

وما انثنى بالجيش حتّى اقعنسست ... عن مكّة ناقته إذ حبست وهذا الذي أشار له الناظم بقوله: (وصدّ عن أم القرى) أي: منعته لذلك كفار قريش عن دخول مكة المشرفة. ولما كان قوله: (وصدّ ... ) إلخ يشعر بأنّه ﵊ لمّا صدّ رجع في الحال إلى المدينة.. دفع هذا بقوله: (وما انثنى) أي: ما انعطف ﵊ راجعا (بالجيش) الذي خرج معه، بل ظلّ سائرا، وقال: «من رجل يخرج بنا على طريق غير طريقهم التي هم بها؟» (حتى اقعنسست) رجعت (عن) دخول (مكة ناقته) العضباء، ويقال لها: الجدعاء، والقصواء «١» (إذ حبست) بالبناء للمجهول: أي: لأنّ الله تعالى حبسها عن ذلك.

стр. 477

تجنّب الرسول ﷺ لقاء قريش: قال ابن إسحاق عند قوله ﵊: «من رجل يخرج بنا على طريق غير طريقهم؟» : (فحدّثني عبد الله بن أبي بكر: أنّ رجلا من أسلم قال: أنا يا رسول الله، قال: فسلك بهم طريقا وعرا أجرل- كثير الحجارة- بين شعاب «١» ، فلمّا خرجوا منه وقد شقّ ذلك على المسلمين، وأفضوا إلى أرض سهلة عند منقطع الوادي.. قال رسول الله ﷺ للناس: «قولوا: نستغفر الله ونتوب إليه» فقالوا ذلك، فقال: «والله؛ إنّها للحطّة التي عرضت على بني إسرائيل فلم يقولوها» ) . قال ابن شهاب: (فأمر رسول الله ﷺ الناس فقال: «اسلكوا ذات اليمين، بين ظهري الحمض»

стр. 478

فاستنزل النّاس ولا ماء لهم ... فاستنبطوا بالسّهم ما أعلّهم بفتح الحاء المهملة، وإسكان الميم، وبالضاد المعجمة: اسم موضع، في طريق تخرجه على ثنية المرار- بكسر الميم، وتخفيف الراء: طريق في الجبل، يشرف على الحديبية- مهبط الحديبية من أسفل مكة، قال: فسلك الجيش ذلك الطريق: فلمّا رأت قريش قترة الجيش- غباره- قد خالفوا عن طريقهم.. رجعوا راكضين إلى قريش، وخرج رسول الله ﷺ ، حتى إذا سلك في ثنيّة المرار.. بركت ناقته، فقال الناس: خلأت الناقة- أي: حرنت وبركت بلا علة- فقال ﷺ : «ما خلأت، وما هو لها بخلق. ولكن حبسها حابس الفيل عن مكة، لا تدعوني قريش اليوم إلى خطّة- خصلة- يسألونني فيها صلة الرحم.. إلّا أعطيتهم إياها» ) . ثمّ قال للناس: «انزلوا» قالوا له: يا رسول الله؛ ما بالوادي ماء ننزل عليه، فأخرج سهما من كنانته- جعبته التي فيها النبل- فأعطاه رجلا من أصحابه، فنزل به في قليب من تلك القلب فغرزه في جوفه، فجاش بالرّواء- فار بالريّ، كما في رواية- حتى ضرب الناس بعطن- مبرك الإبل حول الماء- وهذا ما أشار له الناظم بقوله: (فاستنزل الناس ولا ماء لهم) أي: فطلب من أصحابه النزول، وأمرهم به في مكان، والحال أنّه لا ماء لهم به غير الماء القليل المعبّر عنه بالثّمد الذي نزحوه فلم يبقوا منه شيئا

стр. 479

(ف) لذلك (استنبطوا) أي: استخرجوا (بالسهم) الذي انتزعه رسول الله ﷺ من كنانته وأعطاه لناجية بن جندب الأسلميّ، وهو الذي سلك بهم الطريق، وسماه ﷺ : ناجية، لما نجا من قريش، وكان قبل يسمى ذكوان، وهو أيضا سائق بدن رسول الله ﷺ (ما) أي: الماء الكثير الذي (أعلّهم) أي: سقاهم به، والعلل: الشربة الثانية بعد الشربة الأولى، خلاف النّهل؛ فإنّه الشربة الأولى. روى الإمام البخاريّ في «صحيحه» من حديث المسور بن مخرمة ومروان بن الحكم الطويل، يصدّق كل منهما حديث صاحبه: (أنّه ﵊ قال- أي: لكفار قريش الذين يريدون صدّه عن البيت-: «لا يسألوني خطّة يعظمون فيها حرمات الله.. إلا أعطيتهم إيّاها» ثمّ زجرها- أي: راحلته التي بركت- فوثبت، فعدل عنهم، حتى نزل بأقصى الحديبية على ثمد قليل الماء «١» يتبرّضه الناس تبرّضا «٢» ، فلم يلبثه الناس حتى نزحوه، وشكي إلى رسول الله ﷺ العطش، فانتزع سهما من كنانته، ثمّ أمرهم أن يجعلوه فيه، فوالله؛ ما زال يجيش بالرّي حتى صدروا عنه) اهـ

стр. 480

ما في هذه القصة من الحكم والفوائد: وفي هذه القصة معجزة ظاهرة، وآية باهرة لرسول الله ﷺ في تكثير الماء. وفيها: بركة سلاحه ﷺ ، وما ينسب إليه. قال في «شرح المواهب» : (وجواز التشبيه «١» من الجهة العامة وإن اختلفت الجهة الخاصة؛ لأنّ أصحاب الفيل كانوا على باطل محض، وأصحاب هذه الناقة كانوا على حق محض، لكن جاء التشبيه من جهة إرادة الله منع الحرم مطلقا، أمّا من أهل الباطل.. فواضح، وأمّا من أهل الحق.. فللمعنى المتقدم، وهو أنّ الصحابة لو دخلوا مكة على تلك الصورة وصدّتهم قريش.. لوقع بينهم القتال المفضي إلى سفك الدماء ونهب الأموال، كما لو قدّر دخول الفيل، لكن سبق في علم الله أنّه سيدخل في الإسلام خلق منهم، ويستخرج من أصلابهم ناس يسلمون ويجاهدون. وفيها: ضرب المثل، واعتبار من بقي بمن مضى. واستدلّ بعضهم بهذه القصة لمن قال من الصوفية: علامة الإذن التيسير وعكسه. قال ابن بطّال وغيره: (وفيه جواز الاستتار عن طلائع

стр. 481

وعلّهم أيضا بهذي الغزوة ... ما كان عن صبابة في ركوة المشركين، ومفاجأتهم بالجيش؛ طلبا لغرّتهم، والسفر وحده للحاجة، والتنكب عن الطريق السهل إلى الوعر للمصلحة، والحكم على الشيء بما عرف من عادته، وإن جاز أن يطرأ عليه غيره، وإذا وقع من شخص هفوة لا يعهد منه مثلها لا ينسب إليها، ويردّ على من نسبه إليها، ومعذرة من نسبه إليها ممّن لا يعرف صورة حاله؛ لأنّ خلاء القصواء لولا خارق العادة لكان ما ظنه الصحابة صحيحا، ولم يعاتبهم ﷺ على ذلك لعذرهم، والتصرف في ملك الغير بالمصلحة بغير إذنه الصريح إذا سبق عنه ما يدل على الرضا بذلك؛ لأنّهم زجروها بغير إذن ولم يعاتبهم) اهـ من «الفتح» ثمّ أراد الناظم رحمه الله تعالى أن يذكر ما جرى في هذه الغزوة من المعجزات من هذا النوع، ومعجزاته ﷺ تزيد على رمل عالج، فقال تغمّده الله برحمته، وأجزل عليه من رضوانه ومثوبته. معجزة الرسول ﷺ بفوران الماء من بين أصابعه: (وعلّهم) أي: سقاهم النّبيّ صلوات الله وسلامه عليه كثيرا (أيضا بهذه الغزوة ما) أي: الماء الكثير الذي (كان عن صبابة) بضم الصاد: بقية الماء (في ركوة) بتثليث الراء المهملة، وهي: إناء صغير للماء من جلد كالإبريق.

стр. 482

وجمعوا له بقايا الزّاد ... فخوّلوا منها سوى المعتاد وأشار بهذا البيت إلى ما في الصحيح من حديث سالم بن أبي الجعد عن جابر ﵁ قال: (عطش الناس يوم الحديبية ورسول الله ﷺ بين يديه ركوة يتوضّأ منها، فأقبل الناس نحوه، وقالوا ليس عندنا إلّا ما في ركوتك، فوضع النّبيّ ﷺ يده في الرّكوة، فجعل الماء يفور من بين أصابعه كأمثال العيون، فشربنا وتوضّأنا، فقلت: كم كنتم؟ قال: لو كنا مئة ألف.. لكفانا، كنا خمس عشرة مئة) . قلت: وهذه المعجزة كما لا يخفى أعظم من معجزة سيدنا موسى ﵊ إذ نبع له الماء من الحجر؛ لأنّه معتاد، قال تعالى: وَإِنَّ مِنَ الْحِجارَةِ لَما يَتَفَجَّرُ مِنْهُ الْأَنْهارُ الآية، وأمّا خروجه من لحم ودم.. فلم يعهد قال الشاعر: إن كان موسى سقى الأسباط من حجر ... فإن في الكفّ معنى ليس في الحجر معجزة أخرى بتكثير الطعام القليل: (وجمعوا) أي: الصحب الكرام وسادة الأنام (له) أي: لرسول الملك العلام (بقايا الزاد فخوّلوا) بصيغة الماضي المجهول؛ أي: أعطوا (منها) أي: من هذه الآية (سوى المعتاد) ، وذلك أنّه لما رجع ﵊ من الحديبية، قال بعض الصحابة: يا رسول الله؛ قد أجهدنا وفي

стр. 483

الناس ظهر، فانحره لنأكل من لحومه، وندّهن من شحومه، ونحتذي من جلوده، فقال عمر: لا تفعل يا رسول الله؛ فإنّ الناس لم يكن فيهم ظهر أمثل، فقال رسول الله ﷺ : «ابسطوا نطاعكم وأعباءكم» ففعلوا، ثمّ قال: «من كان عنده بقية من زاد أو طعام.. فلينشره» ودعا لهم، فقال: «قربوا أوعيتكم» فأخذ ما شاء الله، ثمّ قال: «فهل من وضوء؟» فجاء رجل بإداوة فيها نطفة من ماء، فأفرغها في قدح، فتوضّؤوا كلهم. هكذا ذكر هذه القصة في «روض النّهاة» ووقع مثلها في غزوة تبوك. وذكر ابن كثير في «تاريخه» في موضع تكثير الطعام في السفر عن الحافظ أبي بكر البزّار بسنده إلى خنيس الغفاريّ: أنّه كان مع رسول الله ﷺ في غزوة تهامة، حتى إذا كنا بعسفان.. جاءه أصحابه فقالوا: يا رسول الله؛ جهدنا الجوع، فأذن لنا في الظّهر أن نأكله، قال: «نعم» فأخبر بذلك عمر بن الخطاب، فجاء رسول الله، فقال: يا نبي الله: ما صنعت؟ أمرت الناس أن ينحروا الظهر، فعلام يركبون؟ قال: «فما ترى يا بن الخطاب؟» قال: أرى أن تأمرهم أن يأتوا بفضل أزوادهم، فتجمعه في ثوب، ثمّ تدعو لهم، فأمرهم، فجمعوا فضل أزوادهم في ثوب، ثمّ دعا لهم، ثمّ قال: «ائتوا بأوعيتكم» فملأ كل إنسان وعاءه، ثم أذّن بالرحيل، فلما جاوز.. مطروا، فنزل ونزلوا معه،

стр. 484

وكم قليل غير ذاك كثّرا ... وكم قليب بالمعين فجّرا وبايعوه بيعة الرّضوان ... إذ قيل قد عدوا على عثمان وشربوا من ماء السماء، فجاء ثلاثة نفر، فجلس اثنان مع رسول الله ﷺ ، وذهب الآخر معرضا، فقال رسول الله ﷺ : «ألا أخبركم عن النّفر الثلاثة؟ أمّا واحد: فاستحى من الله، فاستحى الله منه، وأمّا الآخر: فأقبل تائبا، فتاب الله عليه، وأمّا الآخر: فأعرض، فأعرض الله عنه» . قلت: فالذي يظهر أنّ المراد بهذه الغزوة هي الحديبية؛ لأنّها التي مطروا فيها، وقوله: (حتى إذا كنا بعسفان) مشعر برجوعهم من الحديبية، فيوافق ما ذكره صاحب «الروض» والله أعلم. (وكم) : هي للتكثير، فمدخولها مجرور (قليل غير ذاك) أي: كثير من الماء القليل سوى ما تقدم لك (كثّرا) ببركته ﷺ ، وبوضع يده الشريفة فيه (وكم قليب) وهو: البئر (بالمعين) بفتح الميم؛ أي: بالماء الكثير الجاري، قال الله تعالى: فَمَنْ يَأْتِيكُمْ بِماءٍ مَعِينٍ (فجّرا) أي: أسيل، حتى قال الإمام النوويّ: (إنّ تكثير الماء ببركته ﷺ أحاديثه بلغت مبلغ التواتر) . بيعة الرضوان تحت الشجرة وسببها: (وبايعوه) أي: رسول الله ﷺ (بيعة الرّضوان) التي ذكرها الله في قوله: لَقَدْ رَضِيَ

стр. 485

اللَّهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ فَعَلِمَ ما فِي قُلُوبِهِمْ فَأَنْزَلَ السَّكِينَةَ عَلَيْهِمْ وَأَثابَهُمْ فَتْحاً قَرِيباً وأعرب النّبيّ ﷺ عن فضلها بقوله: «لا يدخل النار من شهد بدرا والحديبية» رواه مسلم عن جابر، وقوله ﷺ كما في «البخاري» عن جابر- ﵁ خطابا لأهل بيعة الرضوان: «أنتم خير أهل الأرض» . وعند أحمد بإسناد حسن: عن أبي سعيد ﵁ قال: لما كان بالحديبية.. قال النّبيّ ﷺ : «لا توقدوا نارا بليل» فلمّا كان بعد ذلك.. قال: «أوقدوا واصطنعوا؛ فإنّه لا يدرك قوم بعدكم صاعكم ولا مدكم» . وبايع سلمة بن الأكوع يومئذ ثلاث مرات: في أول الناس، وفي وسطهم، وفي آخرهم، وأشار الناظم إلى سبب هذه المبايعة بقوله: (إذ قيل: قد عدوا) بفتح الدال، من عدا عليه يعدو بمعنى: تعدى وظلم (على عثمان) بن عفان ﵁ لما بعثه النّبيّ ﷺ رسولا إلى قريش بمكة ليبلغهم كتاب رسول الله ﷺ ، وأنّه ما جاء إلّا زائرا للبيت معتمرا معظما لحرماته، وكان ﵊ قبل ذلك أراد أن يبعث عمر إليهم، فقال عمر: يا رسول الله؛ إنّي أخاف قريشا على نفسي، وما أحد بمكة من بني عدي بن كعب يمنعني، وقد عرفت قريش عداوتي إياها وغلظتي عليها،

стр. 486

ولكن أدلّك على رجل أعزّ بها مني، عثمان بن عفان، فدعاه رسول الله ﷺ ، وبعثه إليهم بتلك الرسالة، وخرج، حتى إذا قارب مكة.. لقيه أبان بن سعيد بن العاصي بن أميّة الأموي، فحمله بين يديه وأجاره، وهو الذي يقول: أقبل وأدبر ولا تخف أحدا ... بنو سعيد أعزّة الحرم فانطلق عثمان حتى أتى أبا سفيان وعظماء قريش، فبلّغهم رسالته ﷺ ، وقرأ عليهم كتابه ﷺ واحدا واحدا، فما أجابوا، وعزموا على ألّا يدخلها هذا العام، وقالوا لعثمان لما فرغ من تبليغ الرسالة: إن شئت أن تطوف بالبيت.. فطف، فقال: ما كنت لأفعل حتى يطوف به رسول الله ﷺ . واحتبست قريش عثمان عندها أياما ثلاثة، فبلغه ﷺ والمسلمين أنّ عثمان قتل، فقال ﷺ : «لا نبرح حتى نناجز القوم» ودعا الناس إلى البيعة، فبايعوه تحت الشجرة- التي كان ﵇ يستظلّ بها- على الموت، وقال جابر: على أن لا يفرّوا «١» ، ولم يتخلف عن

стр. 487

هذه المبايعة المباركة أحد ممّن حضر إلّا الجدّ بن قيس، وكان جابر بن عبد الله يقول: «والله؛ لكأنّي أنظر إليه لاصقا بإبط ناقته قد ضبأ إليها- لصق بها- يستتر بها عن الناس» . قال ابن هشام: (وحدّثني من أثق به عمن حدثه بإسناد له عن ابن أبي مليكة عن ابن عمر: أنّ رسول الله ﷺ بايع لعثمان، فضرب بإحدى يديه على الأخرى) قال في «البداية والنهاية» : (وهذا الحديث الذي ذكره ابن هشام بهذا الإسناد ضعيف، لكنه ثابت في «الصحيحين» ) . قلت: وهذه المبايعة منه ﵊ لعثمان ﵁ كانت جزاء وفاقا لما امتنع أن يطوف بالبيت قبل رسول الله ﷺ ؛ أدبا وإجلالا، أشار إلى ذلك شرف الدين أبو عبد الله في «أم القرى» «١» ﵁ بقوله: وابن عفّان ذي الأيادي التي طا ... ل إلى المصطفى بها الإسداء

стр. 488

وعقروا جمله الثّعلب إذ ... أرسله تحت الخزاعيّ المغذ حفر البئر، جهز الجيش، أهدى ال ... هدي لما أن صدّه الأعداء وأبى أن يطوف بالبيت إذ لم ... يدن منه إلى النبيّ فناء فجزته عنها ببيعة رضوا ... ن يد من نبيه بيضاء أدب عنده تضاعفت الأع ... مال بالترك حبّذا الأدباء وأوّل من بايع بيعة الرضوان: سنان بن أبي سنان الأسديّ، لا أبو سنان بن محصن الذي هو أخو عكاشة بن محصن ﵁؛ وذلك لأنّ أبا سنان ﵁ مات في حصار بني قريظة قبل اليوم كما ذكره في «الحلبية» و «روض النّهاة» . ولمّا سمع المشركون بهذه البيعة المباركة.. خافوا وألقى الله في قلوبهم الرّعب، وبعثوا عثمان وجماعة من المسلمين، قال الشامي: (هم عشرة كانوا دخلوا مكة) . بعث خراش الخزاعي إلى قريش: (وعقروا) أي: عقر كفار قريش (جمله) ﵊، والذي تولى عقره عكرمة بن أبي جهل، كما في

стр. 489

وكان ممّن بعثوه يسترد ... نبيّنا مكرز عروة الحرد «شرح المواهب» وقد أسلم بعد ﵁، ونسب الناظم ذلك إليهم؛ لرضاهم به (الثعلب) أي: المسمى بذلك (إذ أرسله) أي: الجمل (تحت) خراش بن أميّة (الخزاعي المغذ) بالميم المضمومة والغين المعجمة المكسورة؛ أي: المسرع في سيره إلى قريش؛ ليعلمهم بأنّه ﷺ إنّما قدم معتمرا، وكانوا أرادوا قتل خراش فمنعتهم الأحابيش، فخلّوا سبيله، حتى أتى رسول الله ﷺ ، وأخبره بما لقي. قال ابن إسحاق: (وحدّثني بعض أهل العلم: أنّ رسول الله ﷺ دعا خراش بن أميّة الخزاعيّ، فبعثه إلى قريش بمكة، وحمله على بعير له يقال له الثعلب، ليبلغ أشرافهم عنه أنّه إنّما جاء معتمرا، فعقروا به جمل رسول الله ﷺ ، وأرادوا قتله، فمنعته الأحابيش، فخلّوا سبيله، حتى أتى رسول الله ﷺ . بعث قريش سفراءهم إلى الرسول ﷺ : ثمّ أراد الناظم أن يسمي بعض السفراء الذين بعثتهم قريش إلى رسول الله ﷺ ؛ ليردوه عن دخول البيت الحرام، فقال: (وكان ممّن بعثوه) أي: كفار قريش (يسترد نبينا) أي:

стр. 490

يطلب ردّ نبينا عن دخول مكة، وفاعل يسترد قوله: (مكرز) بكسر الميم، وهو ابن حفص من بني عامر بن لؤيّ. قال في «الإصابة» : (لم أر من ذكره في الصحابة إلّا ابن حبّان بلفظ يقال: له صحبة) وقد تقدم في غزوة بدر. قال ابن إسحاق: (فلمّا رآه- يعني مكرزا- رسول الله ﷺ مقبلا قال: «هذا رجل غادر» فلمّا انتهى إلى رسول الله ﷺ وكلّمه.. قال له رسول الله ﷺ نحوا ممّا قال لبديل وأصحابه، فرجع إلى قريش وأخبرهم بما قاله الرسول ﷺ اهـ وكان بديل بن ورقاء الخزاعي «١» قد أتاه في رجال من خزاعة فكلّموه، وسألوه ما الذي جاء به، فأخبرهم ﵊: «أنّه لم يأت يريد حربا، وإنّما جاء زائرا للبيت ومعظّما لحرمته» . واعلم: أنّ مقتضى ما في «سيرة ابن إسحاق» أنّ بعث قريش لمكرز بعد بعث بديل، كما أنّهم بعثوا بعد مكرز الحليس الحارثيّ، ثمّ عروة بن مسعود، خلافا لما يوهمه كلام الناظم هنا. نعم؛ صحّ: أنّ سهيلا جاء إلى النّبيّ ﷺ قبل انصراف مكرز من عنده، ويجمع بين هذا وبين ما يأتي من رواية ابن إسحاق، بأنّ مكرزا رجع إلى قريش، فأخبرهم

стр. 491

بقوله ﷺ ، ثمّ جاء مع سهيل في الصلح هو وحويطب، كما رواه الواقديّ وابن عائذ، فكأنّ مكرزا سبق سهيلا في المجيء، فكلّم المصطفى، فجاء سهيل. وأمّا (ثمّ) في رواية ابن إسحاق، في قوله: (ثمّ بعثوا الحليس، ثمّ بعثوا عروة) فإنّما هي للترتيب الذّكري، فلا تعارض رواية الصحيح، وإلّا.. فما في الصحيح أصحّ، ذكر هذا الجمع العلّامة الزّرقاني. فقوله (عروة) معطوف بحذف العاطف، وهو ابن مسعود بن معتّب الثّقفيّ «١» (الحرد) : العزيز المنيع، وهو بوزن نمر.

стр. 492

والحارثيّ المتألّه الّذي ... هو لهم بردّ أحمد بذي كلام الحليس بن علقمة: (و) كذا ممّن بعثوه (الحارثي) وهو: الحليس بالتصغير- ابن علقمة، سيد الأحابيش ورأسهم، منسوب إلى الحارث بن عبد مناة؛ لأنّه أحد بنيه (المتألّه) أي: المعظّم لأمر الله؛ كالحجّ والعمرة ونحو ذلك ممّا بقي من دين سيدنا إبراهيم عليه وعلى نبينا أفضل الصّلاة والسّلام، ووصفه أيضا بقوله: (الذي هو) أي: الحارثيّ (لهم) أي: كفار قريش (بردّ) أي: بسبب ردهم (أحمد) ﷺ (بذي) بفتح الباء: خبر عن (هو) أي: طويل اللسان بالكلام على قريش؛ فإنّه قال لهم- في كلام سيأتي-: والذي نفس الحليس بيده؛ لتخلّنّ بين محمّد وما جاء له، أو لأنفرنّ بالأحابيش نفرة رجل واحد.

стр. 493

ولا بأس أن ننقل هنا لفظ ابن هشام في «تلخيصه للسيرة النبوية» لابن إسحاق؛ إذ به يتّضح تماما كلام الناظم. كلام بديل بن ورقاء الخزاعي: قال ابن هشام: (قال الزهريّ في حديثه: فلمّا اطمأنّ رسول الله ﷺ .. أتاه بديل بن ورقاء الخزاعي في رجال من خزاعة، فكلموه وسألوه ما الذي جاء به، فأخبرهم: أنّه لم يأت يريد حربا، وإنّما جاء زائرا للبيت ومعظما لحرمته، ثمّ قال لهم نحوا ممّا قال لبشر بن سفيان، فرجعوا إلى قريش، فقالوا: يا معشر قريش؛ إنّكم تعجلون على محمّد؛ إنّ محمّدا لم يأت لقتال، وإنّما جاء زائرا لهذا البيت، فاتّهموهم وجبّهوهم وقالوا: وإن كان جاء زائرا لا يريد قتالا، فو الله؛ لا يدخلها علينا عنوة، ولا تحدّث بذلك عنّا العرب أبدا. قال الزّهري: وكانت خزاعة عيبة نصح رسول الله ﷺ ؛ مسلمها ومشركها، لا يخفون عنه شيئا كان بمكة قال: كلام مكرز بن حفص: ثمّ بعثوا إليه مكرز بن حفص بن الأخيف، أخا بني عامر بن لؤيّ، فلمّا رآه رسول الله صلى الله عليه وسلم

стр. 494

مقبلا.. قال: «هذا رجل غادر «١» » فلمّا انتهى إلى رسول الله ﷺ وكلّمه.. قال له رسول الله ﷺ نحوا ممّا قال لبديل وأصحابه، فرجع إلى قريش، فأخبرهم بما قال له رسول الله ﷺ . عودة إلى كلام الحليس بن علقمة: ثمّ بعثوا إليه الحليس بن علقمة، أو ابن زبّان، وكان يومئذ سيد الأحابيش، وهو أحد بني الحرث بن عبد مناة بن كنانة، فلمّا رآه رسول الله ﷺ .. قال: «هذا من قوم يتألّهون، فابعثوا الهدي في وجهه حتى يراه» فلمّا رأى الهدي يسيل عليه من عرض الوادي في قلائده، وقد أكل أوباره من طول الحبس عن محله.. رجع إلى قريش ولم يصل إلى رسول الله ﷺ ؛ إعظاما لما رأى، فقال لهم ذلك، فقالوا له: اجلس؛ فإنّما أنت أعرابيّ لا علم لك. قال ابن إسحاق: فحدّثني عبد الله بن أبي بكر: أنّ الحليس غضب عند ذلك، وقال: يا معشر قريش؛ والله ما على هذا حالفناكم، ولا على هذا عاقدناكم، أيصدّ عن بيت الله من جاء معظّما له؟! والذي نفس الحليس بيده؛ لتخلّنّ بين محمّد وبين ما جاء له، أو لأنفرنّ بالأحابيش نفرة رجل

стр. 495

واحد، قال: فقالوا لي: مه، كفّ عنا يا حليس حتى نأخذ لأنفسنا ما نرضى به. كلام عروة بن مسعود الثقفي: قال الزّهري في حديثه: ثمّ بعثوا إلى رسول الله ﷺ عروة بن مسعود الثقفي فقال: يا معشر قريش؛ إنّي قد رأيت ما يلقى منكم من بعثتموه إلى محمّد إذ جاءكم من التعنيف وسوء اللفظ، وقد عرفتم أنّكم والد وأنّي ولد- وكان عروة لسبيعة بنت عبد شمس بن عبد مناف- وقد سمعت بالّذي نابكم، فجمعت من أطاعني من قومي، ثمّ جئتكم حتى آسيتكم بنفسي، قالوا: صدقت، ما أنت عندنا بمتّهم، فخرج حتى أتى رسول الله ﷺ ، فجلس بين يديه، ثمّ قال: يا محمّد؛ أجمعت أوشاب الناس، ثمّ جئت بهم إلى بيضتك لتفضها بهم؟ إنّها قريش قد خرجت معها العوذ المطافيل، قد لبسوا جلود النمور، يعاهدون الله لا تدخلها عليهم عنوة أبدا، وايم الله؛ لكأنّي بهؤلاء قد انكشفوا عنك غدا، قال: وأبو بكر الصدّيق ﵁ خلف رسول الله ﷺ قاعد، فقال: امصص بظر اللات، أنحن ننكشف عنه؟! قال: من هذا يا محمّد؟ قال: «هذا ابن أبي قحافة» قال: أما والله؛ لولا يد كانت لك عندي.. لكافأتك بها، ولكن هذه بها، قال: ثمّ جعل يتناول لحية رسول الله ﷺ وهو يكلّمه، قال:
следующие страницы →