← Сира

Сира · id 9772

إنارة الدجى في مغازي خير الورى صلى الله عليه وآله وسلم

حسن بن محمد مشاط

Полный текст (820 стр.). Показаны 491–530 · переход к 496.

стр. 491

بقوله ﷺ ، ثمّ جاء مع سهيل في الصلح هو وحويطب، كما رواه الواقديّ وابن عائذ، فكأنّ مكرزا سبق سهيلا في المجيء، فكلّم المصطفى، فجاء سهيل. وأمّا (ثمّ) في رواية ابن إسحاق، في قوله: (ثمّ بعثوا الحليس، ثمّ بعثوا عروة) فإنّما هي للترتيب الذّكري، فلا تعارض رواية الصحيح، وإلّا.. فما في الصحيح أصحّ، ذكر هذا الجمع العلّامة الزّرقاني. فقوله (عروة) معطوف بحذف العاطف، وهو ابن مسعود بن معتّب الثّقفيّ «١» (الحرد) : العزيز المنيع، وهو بوزن نمر.

стр. 492

والحارثيّ المتألّه الّذي ... هو لهم بردّ أحمد بذي كلام الحليس بن علقمة: (و) كذا ممّن بعثوه (الحارثي) وهو: الحليس بالتصغير- ابن علقمة، سيد الأحابيش ورأسهم، منسوب إلى الحارث بن عبد مناة؛ لأنّه أحد بنيه (المتألّه) أي: المعظّم لأمر الله؛ كالحجّ والعمرة ونحو ذلك ممّا بقي من دين سيدنا إبراهيم عليه وعلى نبينا أفضل الصّلاة والسّلام، ووصفه أيضا بقوله: (الذي هو) أي: الحارثيّ (لهم) أي: كفار قريش (بردّ) أي: بسبب ردهم (أحمد) ﷺ (بذي) بفتح الباء: خبر عن (هو) أي: طويل اللسان بالكلام على قريش؛ فإنّه قال لهم- في كلام سيأتي-: والذي نفس الحليس بيده؛ لتخلّنّ بين محمّد وما جاء له، أو لأنفرنّ بالأحابيش نفرة رجل واحد.

стр. 493

ولا بأس أن ننقل هنا لفظ ابن هشام في «تلخيصه للسيرة النبوية» لابن إسحاق؛ إذ به يتّضح تماما كلام الناظم. كلام بديل بن ورقاء الخزاعي: قال ابن هشام: (قال الزهريّ في حديثه: فلمّا اطمأنّ رسول الله ﷺ .. أتاه بديل بن ورقاء الخزاعي في رجال من خزاعة، فكلموه وسألوه ما الذي جاء به، فأخبرهم: أنّه لم يأت يريد حربا، وإنّما جاء زائرا للبيت ومعظما لحرمته، ثمّ قال لهم نحوا ممّا قال لبشر بن سفيان، فرجعوا إلى قريش، فقالوا: يا معشر قريش؛ إنّكم تعجلون على محمّد؛ إنّ محمّدا لم يأت لقتال، وإنّما جاء زائرا لهذا البيت، فاتّهموهم وجبّهوهم وقالوا: وإن كان جاء زائرا لا يريد قتالا، فو الله؛ لا يدخلها علينا عنوة، ولا تحدّث بذلك عنّا العرب أبدا. قال الزّهري: وكانت خزاعة عيبة نصح رسول الله ﷺ ؛ مسلمها ومشركها، لا يخفون عنه شيئا كان بمكة قال: كلام مكرز بن حفص: ثمّ بعثوا إليه مكرز بن حفص بن الأخيف، أخا بني عامر بن لؤيّ، فلمّا رآه رسول الله صلى الله عليه وسلم

стр. 494

مقبلا.. قال: «هذا رجل غادر «١» » فلمّا انتهى إلى رسول الله ﷺ وكلّمه.. قال له رسول الله ﷺ نحوا ممّا قال لبديل وأصحابه، فرجع إلى قريش، فأخبرهم بما قال له رسول الله ﷺ . عودة إلى كلام الحليس بن علقمة: ثمّ بعثوا إليه الحليس بن علقمة، أو ابن زبّان، وكان يومئذ سيد الأحابيش، وهو أحد بني الحرث بن عبد مناة بن كنانة، فلمّا رآه رسول الله ﷺ .. قال: «هذا من قوم يتألّهون، فابعثوا الهدي في وجهه حتى يراه» فلمّا رأى الهدي يسيل عليه من عرض الوادي في قلائده، وقد أكل أوباره من طول الحبس عن محله.. رجع إلى قريش ولم يصل إلى رسول الله ﷺ ؛ إعظاما لما رأى، فقال لهم ذلك، فقالوا له: اجلس؛ فإنّما أنت أعرابيّ لا علم لك. قال ابن إسحاق: فحدّثني عبد الله بن أبي بكر: أنّ الحليس غضب عند ذلك، وقال: يا معشر قريش؛ والله ما على هذا حالفناكم، ولا على هذا عاقدناكم، أيصدّ عن بيت الله من جاء معظّما له؟! والذي نفس الحليس بيده؛ لتخلّنّ بين محمّد وبين ما جاء له، أو لأنفرنّ بالأحابيش نفرة رجل

стр. 495

واحد، قال: فقالوا لي: مه، كفّ عنا يا حليس حتى نأخذ لأنفسنا ما نرضى به. كلام عروة بن مسعود الثقفي: قال الزّهري في حديثه: ثمّ بعثوا إلى رسول الله ﷺ عروة بن مسعود الثقفي فقال: يا معشر قريش؛ إنّي قد رأيت ما يلقى منكم من بعثتموه إلى محمّد إذ جاءكم من التعنيف وسوء اللفظ، وقد عرفتم أنّكم والد وأنّي ولد- وكان عروة لسبيعة بنت عبد شمس بن عبد مناف- وقد سمعت بالّذي نابكم، فجمعت من أطاعني من قومي، ثمّ جئتكم حتى آسيتكم بنفسي، قالوا: صدقت، ما أنت عندنا بمتّهم، فخرج حتى أتى رسول الله ﷺ ، فجلس بين يديه، ثمّ قال: يا محمّد؛ أجمعت أوشاب الناس، ثمّ جئت بهم إلى بيضتك لتفضها بهم؟ إنّها قريش قد خرجت معها العوذ المطافيل، قد لبسوا جلود النمور، يعاهدون الله لا تدخلها عليهم عنوة أبدا، وايم الله؛ لكأنّي بهؤلاء قد انكشفوا عنك غدا، قال: وأبو بكر الصدّيق ﵁ خلف رسول الله ﷺ قاعد، فقال: امصص بظر اللات، أنحن ننكشف عنه؟! قال: من هذا يا محمّد؟ قال: «هذا ابن أبي قحافة» قال: أما والله؛ لولا يد كانت لك عندي.. لكافأتك بها، ولكن هذه بها، قال: ثمّ جعل يتناول لحية رسول الله ﷺ وهو يكلّمه، قال:

стр. 496

والمغيرة بن شعبة واقف على رأس رسول الله ﷺ في الحديد، قال: فجعل يقرع يده إذا تناول لحية رسول الله ﷺ ، ويقول: اكفف يدك عن وجه رسول الله ﷺ قبل ألّا تصل إليك، قال: فيقول عروة: ويحك ما أفظّك وما أغلظك! قال: فتبسّم رسول الله ﷺ ، فقال له عروة: من هذا يا محمّد؟ قال هذا ابن أخيك المغيرة بن شعبة، قال: أي غدر، وهل غسلت سوأتك إلّا بالأمس؟ قال ابن هشام: أراد عروة بقوله هذا أنّ المغيرة بن شعبة قبل إسلامه قتل ثلاثة عشر رجلا من بني مالك من ثقيف، فتهايج الحيّان من ثقيف بنو مالك رهط المقتولين، والأحلاف رهط المغيرة، فودى عروة المقتولين ثلاث عشرة دية، وأصلح بذلك الأمر. قال ابن إسحاق: قال الزّهري: فكلّمه رسول الله ﷺ بنحو ممّا كلّم به أصحابه، وأخبره أنّه لم يأت يريد حربا. عود عروة بن مسعود إلى قريش: فقام من عند رسول الله ﷺ وقد رأى ما يصنع به أصحابه، لا يتوضّأ إلّا ابتدروا وضوئه، ولا يبصق بصاقا إلّا ابتدروه، ولا يسقط من شعره شيء إلّا أخذوه، فرجع إلى قريش فقال: يا معشر قريش؛ إنّي قد جئت كسرى

стр. 497

ولم تزل بينهم المراجعه ... حتّى أتى سهيلهم فاسترجعه في ملكه، وقيصر في ملكه، والنجاشيّ في ملكه، وإنّي والله؛ ما رأيت ملكا في قوم قطّ مثل محمّد في أصحابه، ولقد رأيت قوما لا يسلمونه لشيء أبدا، فروا رأيكم) . بعث قريش سهيلا إلى الرسول ﷺ للصلح: (ولم تزل بينهم) أي: كفار قريش (المراجعة) أي: مراجعة الرسل في شأن رد المسلمين عن البيت، وصدهم (حتى أتى) إلى النّبيّ ﷺ (سهيلهم) أي: سهيل بن عمرو، أخو بني عامر بن لؤي رسولا من قبل قريش، وكان من ساداتهم، وأسلم يوم الفتح بعد، وحسن إسلامه ﵁، وتقدمت ترجمته في غزوة بدر (فاسترجعه) أي: فطلب من النّبيّ ﷺ أن يرجع عن البيت هذا العام؛ لأنّ قريشا لمّا بعثت سهيلا قالت له: اذهب إلى هذا الرجل فصالحه، ولا يكن في صلحه إلّا أن يرجع عنا عامه هذا، فو الله؛ لا تحدّث العرب عنا أنّه دخلها علينا عنوة أبدا. قال الشهاب في «المواهب» : (قال معمر: فأخبرني أيوب عن عكرمة بن عبد الله أنّه لمّا جاء سهيل.. قال النّبيّ ﷺ : «قد سهل لكم من أمركم» وهذا من الفأل الحسن الذي كان ﵊ يعجبه) . قال الناظم في منظومة الأنساب:

стр. 498

وكان لا يعتاف إلّا أنّه ... يعجبه الفأل إذا عنّ له يعني: كان ﷺ لا يتطيّر ولا يتشاءم، إلّا أنّه يعجبه الفأل الحسن إذا عرض له. وحاصل القول هنا: أنّه لمّا انتهى سهيل إلى النّبيّ ﷺ .. جرى بينهما القول، وأطال سهيل الكلام، حتى أسفر المقال عن الصلح، على أن يوضع الحرب بينهم عشر سنين، كما في رواية ابن إسحاق، وهو المعتمد، وأن يؤامر بعضهم بعضا، وأن يرجع عنهم عامهم هذا، ودعا الرسول ﷺ علي بن أبي طالب أن يكتب كتاب الصلح . كتاب الصلح: فأمر ﵊ عليا أن يكتب: (بسم الله الرّحمن الرّحيم) فقال سهيل: لا أعرف هذا، ولكن اكتب: (باسمك اللهمّ) فقال ﷺ : «اكتب: باسمك اللهمّ» فكتبها، ثمّ قال: «اكتب: هذا ما صالح عليه محمّد رسول الله سهيل بن عمرو» فقال سهيل: لو شهدت أنّك رسول الله.. لم أقاتلك، ولكن اكتب اسمك واسم أبيك، فقال رسول الله ﷺ : «اكتب: هذا ما صالح عليه محمّد بن عبد الله سهيل بن

стр. 499

عمرو «١» ، اصطلحا على وضع الحرب عن الناس عشر سنين، يأمن فيهنّ الناس، ويكف بعضهم عن بعض، على أنّه من أتى محمّدا من قريش بغير إذن وليّه رده عليهم، ومن جاء قريشا ممّن مع محمّد لم يردوه عليه، وأنّ بيننا عيبة مكفوفة «٢» ، وأنّه لا إسلال «٣» ولا إغلال، وأنّه من أحبّ أن يدخل في عقد محمّد وعهده دخل فيه، ومن أحبّ أن يدخل في عقد قريش وعهدهم.. دخل فيه..» «٤» وأنّك ترجع عنا عامك هذا، فلا تدخل علينا مكة، وأنّه إذا كان عام قابل.. خرجنا عنك، فدخلتها بأصحابك، فأقمت بها ثلاثا، معك سلاح الراكب: السيوف في القرب لا تدخلها بغيرها.

стр. 500

لولا نبيّ الرّحمة الموفّق ... للرّشد في آرائه لمزّقوا حكمة الرسول ﷺ في إمضاء هذه الشروط: هذه شروط الصلح الذي وقع الاتفاق عليه بين الفريقين ذكره ابن إسحاق في «سيرته» وفيه من الفوائد الظاهرة، والثمرات الباهرة، التي عادت على المسلمين، وظهرت للنبي، وخفيت على غيره.. ما سيتلى عليك قريبا إن شاء الله تعالى: منها: حفظ المستضعفين في مكة من المسلمين، وحقن دمائهم؛ لاختلاطهم بالكفار كما أشار إلى هذا الناظم بقوله: (لولا نبيّ الرحمة) ﷺ (الموفّق) من ربه (للرّشد) والإقامة على طريق الاستقامة والهدى (في آرائه) السديدة، التي لا يحوم الخطأ حولها؛ من قبوله ﵊ الصلح من قريش (لمزقوا) أي: لمزقهم المسلمون، ومزقوا من كان بمكة من المؤمنين المستضعفين المحبوسين بها، قال الله تعالى: وَلَوْلا رِجالٌ مُؤْمِنُونَ وَنِساءٌ مُؤْمِناتٌ لَمْ تَعْلَمُوهُمْ أَنْ تَطَؤُهُمْ فَتُصِيبَكُمْ مِنْهُمْ مَعَرَّةٌ بِغَيْرِ عِلْمٍ لِيُدْخِلَ اللَّهُ فِي رَحْمَتِهِ مَنْ يَشاءُ لَوْ تَزَيَّلُوا لَعَذَّبْنَا الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْهُمْ عَذاباً أَلِيماً. يذكر الله تعالى: أنّه لولا كراهة أن تهلكوا أناسا مؤمنين بين الكافرين غير عالمين بهم، فيصيبكم بذلك معرّة ومكروه.. لما كفّ أيديكم عنهم، لكن كفّها ليدخل بذلك الكفّ المؤدي إلى الفتح بلا محذور في رحمته الواسعة من يشاء.

стр. 501

أسلم بعد عوده بالعظما ... أكثر ممّن كان قبل أسلما ومن فوائده أيضا: إسلام كثير من كفار قريش باختلاطهم بالمسلمين، ومجيئهم إلى المدينة معقل الإيمان والإسلام، وحسن سيرته، وأعلام نبوته الباهرة، إلى غير ذلك، ممّا جعلهم يدخلون في دين الله أفواجا، فصلّى الله على هذا الرسول العظيم الذي منحه الربّ الكريم من الرحمة ما جعله ينظر إلى وجوه المصالح والحكم لأمته، وجزاه الله خير ما جازى نبيا عن أمّته. وعلم المؤمنون بعد ذلك أن صدّهم عن البيت ورجوعهم كان في الظاهر هضما، وفي الباطن عزّا لهم وقوة، فأذلّ الله المشركين من حيث أرادوا العزّة، وقهروا من حيث أرادوا الغلبة، وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ. وإلى هذه الفائدة أشار الناظم ﵀ بقوله: (أسلم) وانقاد لأمره ودينه ﷺ (بعد عوده) أي: بعد رجوعه «١» من الحديبية واجتماعه

стр. 502

وفسّروا بذلك الفتح المبين ... وفيه إبقاء على المستضعفين (ب) أصحابه الأبطال (العظما) بالمدينة المنوّرة، وفاعل (أسلم) قوله: (أكثر ممّن كان قبل) أي: قبل الصلح (أسلما) بألف الإطلاق. وممّن أسلم في هذه الهدنة: عمرو بن العاصي، وخالد بن الوليد، وعبد الرّحمن بن أبي بكر، وطلحة بن عثمان، وغيرهم من قريش، وبه فسّر قوله تعالى: لِيُدْخِلَ اللَّهُ فِي رَحْمَتِهِ مَنْ يَشاءُ. (وفسّروا بذلك) أي: بإسلام الكثير في الهدنة (الفتح المبين) المشار إليه بقوله تعالى: إِنَّا فَتَحْنا لَكَ فَتْحاً مُبِيناً في الصحيح عن البراء بن عازب: (تعدون أنتم الفتح فتح مكة، وقد كان فتحا، ونحن نعد الفتح بيعة الرّضوان) . قال الشهاب القسطلّانيّ في «المواهب» : (روى سعيد بن منصور، بإسناد صحيح إلى الشعبي، في قوله تعالى: إِنَّا فَتَحْنا لَكَ فَتْحاً مُبِيناً قال: صلح الحديبية) . وممّن فسّر الفتح هنا بالحديبية: ابن عباس، وأنس، والبراء بن عازب، قال ابن عبّاس وأنس والبراء: (الفتح هنا: فتح الحديبية، ووقوع الصلح) . قال الحافظ: (فإنّ الفتح في اللغة: فتح المغلق، والصلح كان مغلقا حتى فتحه الله، وكان من أسباب فتحه: صدّ المسلمين عن البيت، فكانت الصورة الظاهرة ضيما للمسلمين، والباطنة عزّا لهم؛ فإنّ الناس للأمن الذي وقع

стр. 503

وبعثوا جمل عمرو بن هشام ... هديا وإنكاء إلى البيت الحرام فيهم اختلط بعضهم ببعض من غير نكير، وأسمع المسلمون المشركين القرآن، وناظروهم على الإسلام جهرة آمنين، وكانوا قبل ذلك لا يتكلمون عندهم بذلك إلّا خفية، فظهر من كان يخفي إسلامه، فذلّ المشركون من حيث أرادوا العزّة، وقهروا من حيث أرادوا الغلبة) . وقال ابن إسحاق: (وقال الزّهري: ما فتح في الإسلام فتح قبله كان أعظم منه، إنّما كان القتال حيث التقى الناس، فلمّا كانت الهدنة، ووضعت الحرب، وأمن الناس كلهم بعضهم بعضا، والتقوا فتفاوضوا في الحديث والمنازعة.. فلم يكلّم أحد يعقل في الإسلام شيئا إلّا دخل فيه، ولقد دخل في تينك السنتين مثل من كان دخل في الإسلام قبل ذلك أو أكثر) . والدليل على قول الزّهري: أنّ رسول الله ﷺ خرج إلى الحديبية في ألف وأربع مئة في قول جابر بن عبد الله، ثمّ خرج عام فتح مكة بعد ذلك بسنتين في عشرة آلاف. ومن فوائد هذا الصلح: ما أشار له بقوله: (وفيه) أي: العود من غير قتال (إبقاء) للحياة (على) المؤمنين (المستضعفين) بمكة، قال ابن عباس ﵁: (أنا وأمّي من المستضعفين) . (وبعثوا) أي: المسلمون (جمل) أبي جهل (عمرو بن هشام) واسمه: العصيفير، برته من فضة، وهي بضم الباء

стр. 504

ونحروا وحلقوا وحملت ... شعورهم للبيت ريح قد غلت وفتح الراء المخففة: حلقة تجعل في أنف البعير، وهذا الجمل سلب من أبي جهل يوم قتل ببدر، ولم يزل عند رسول الله ﷺ يغزو عليه، ويضرب في لقاحه، إلى أن أهداه في هذا اليوم إلى البيت الحرام؛ إغاظة لكفار قريش، كما قال الناظم (هديا وإنكاء) من أنكى بمعنى: أغاظ، ويتعلق ببعثوا قوله: (إلى البيت الحرام) وذلك أنّهم إذا رأوه.. تذكروا سيدهم أبا جهل وقتله يوم بدر، ورأوا جمل سيدهم يتصرف فيه قاتله كيف شاء. قال ابن إسحاق: (قال عبد الله بن أبي نجيح: حدّثني مجاهد عن ابن عباس ﵄: أنّ رسول الله ﷺ أهدى عام الحديبية في هداياه جملا لأبي جهل، في رأسه برة من فضة، يغيظ بذلك المشركين) . التحلل من إحرام العمرة: (ونحروا وحلقوا) أي: بعد فراغهم من الصلح وكتابة الكتاب.. أمرهم ﵊ أن ينحروا ويحلقوا. قال في «شرح المواهب» : (ففي «البخاريّ» في الشروط: فلمّا فرغ من الكتاب.. قال ﷺ لأصحابه: «قوموا فانحروا، ثمّ احلقوا رؤوسكم» فو الله؛ ما قام رجل منهم حتى قال ذلك مرات، فلمّا لم يقم أحد.. دخل على أم سلمة، فذكر لها ما لقي من الناس، وفي رواية ابن إسحاق: فقال لها: «ألا ترين إلى الناس؟! إنّي أمرتهم

стр. 505

بالأمر فلا يفعلونه» فقالت: يا رسول الله؛ لا تلمهم؛ فإنّهم قد دخلهم أمر عظيم، ممّا أدخلت على نفسك من المشقة في أمر الصلح، ورجوعهم بغير فتح) . وفي رواية أبي المليح: (فاشتدّ ذلك عليه، فدخل على أمّ سلمة، فقال: «هلك المسلمون؛ أمرتهم أن يحلقوا وينحروا فلم يفعلوا» قال: فجلا الله عنهم يومئذ بأم سلمة ﵂، فقالت: يا نبيّ الله؛ أتحب ذلك؟ اخرج، ثمّ لا تكلم منهم أحدا كلمة حتى تنحر بدنك، وتدعو حالقك فيحلقك، فخرج، فلم يكلم منهم أحدا حتى نحر بدنه، ودعا حالقه فحلقه، فلمّا رأوا ذلك.. قاموا فنحروا، وجعل بعضهم يحلق بعضا. قال ابن إسحاق: (بلغني أنّ الذي حلقه يومئذ خراش بن أميّة بن الفضل الخزاعي) وكانت البدن سبعين، وحلق رجال يومئذ، وقصّر آخرون، فقال ﷺ : «يرحم الله المحلّقين» قالوا: والمقصّرين، قال: «يرحم الله المحلقين» قالوا: والمقصّرين، قال: «والمقصّرين» قالوا: لم ظاهرت الترحّم للمحلّقين دون المقصّرين؟ قال: «لم يشكّوا» رواه ابن إسحاق أيضا عن ابن عباس. قيل: كان توقف الصحابة رضوان الله عليهم بعد الأمر؛ لاحتمال أنّه للندب، أو لرجاء نزول الوحي بإبطال الصلح، أو تخصيصه بالإذن لهم في دخول مكة العام لإتمام نسكهم، وساغ ذلك لهم؛ لأنّه زمان وقوع النسخ.

стр. 506

ويحتمل أنّ صورة الحال أبهتتهم، فاستغرقوا في الفكر؛ لما لحقهم من الذل عند نفوسهم مع ظهور قوتهم، واعتقادهم القدرة على قضاء نسكهم بالغلبة، أو لأنّ الأمر المطلق لا يقتضي الفور. ويحتمل مجموع هذه الأمور لمجموعهم، أو فهموا أنّه ﷺ أمرهم بالتحلل؛ أخذا بالرخصة في حقهم، وأنّه هو يستمر على الإحرام؛ أخذا بالعزيمة في حق نفسه، فأشارت عليه أم سلمة بالتحلل؛ لينفي هذا الاحتمال، وعرف صوابه ففعله، فلمّا رأوه.. بادروا إلى فعل ما أمرهم به؛ إذ لم يبق غاية ينتظرونها، ونظيره ما وقع لهم في غزوة الفتح من أمره لهم بالفطر في رمضان فأبوا، حتى شرب فشربوا. اهـ قال السهيلي: (ولم يكن المقصّر يومئذ من أصحابه إلّا رجلين: عثمان بن عفّان، وأبا قتادة الأنصاريّ، كذلك جاء في مسند حديث أبي سعيد الخدريّ ﵁ . فوائد قصة التحلل من إحرام الحديبية: قلت: وفي هذه القصة فوائد: منها: جواز تحليل المحرم الذي هو متلبّس بحرمات الإحرام غيره بالحلق أو التقصير؛ فإنّ الصحابة ﵃ كانوا محرمين بالعمرة، وحلّل بعضهم لبعض بذلك. ومنها: فضل الحلق على التقصير.

стр. 507

ومنها: فضل المشاورة؛ لمشاورته ﵊ لأم سلمة، وكان ﵊ كثير المشاورة، لقوله تعالى: وَشاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ ومعلوم: أنّ ذلك فيما لم ينزل فيه وحي، وأنّ المشاورة تطييب لقلوبهم. ومنها: مشاورة المرأة الفاضلة، وفضل أم سلمة، ووفور عقلها، وأنّها كانت ﵂ سببا في زوال غضبه ﵊ من أصحابه الذين لم يبادروا امتثال أمره لما ذكر، حتى قال إمام الحرمين: (لا نعلم امرأة أشارت برأي فأصابت إلّا أم سلمة) واستدرك عليه بعضهم ببنت سيدنا شعيب ﵊ في أمر موسى؛ أي: حيث قالت: يا أَبَتِ اسْتَأْجِرْهُ إِنَّ خَيْرَ مَنِ اسْتَأْجَرْتَ الْقَوِيُّ الْأَمِينُ إلّا أن يحمل قول إمام الحرمين على هذه الأمّة المحمّدية، والعلم عند الله تعالى. تنبيه: النهي عن مشاورة النساء، إنّما هو في أمر الولاية خاصة، قاله السهيلي عن أبي جعفر النحاس. البشارة بقبول عمرة الصحابة: ثمّ أراد الناظم أن يذكر كرامة وقعت للصحابة تدل على قبول الله عمرتهم فقال: (وحملت شعورهم للبيت) الحرام (ريح) عاصف؛ إشعارا بتمام عمرتهم وبقبولها، وجبرا لخواطرهم (قد غلت)

стр. 508

أي: جاوزت الحدّ، والمراد: شدة هبوبها «١» . عُمَره ﷺ : ومن أجل هذا عدت هذه العمرة من عمره ﵊ البالغة أربعا. أوّلها: هذه. والثّانية: عمرة القضية في السنة التي بعدها، وهي السنة السّابعة، ويقال لها أيضا: عمرة القصاص؛ لأنّ فيها نزلت آية الشَّهْرُ الْحَرامُ بِالشَّهْرِ الْحَرامِ وَالْحُرُماتُ قِصاصٌ. والثّالثة: عمرة الجعرّانة عام حنين، منصرفه منها سنة ثمان. والرّابعة: عمرته ﵊ التي قرنها بحجّة عام الوداع، وفي الصحيح: كان ﷺ يقول في إحرامه حينئذ: «لبّيك اللهمّ حجّا وعمرة» وإلى ذلك أشار سيدي عبد العزيز الفاسيّ في نظمه «قرّة الأبصار» بقوله: وحجّ حجّتين ثم الفرضا ... واعتمر الأربع قالوا أيضا

стр. 509

وأغلظوا في الصّلح حتّى أبرما ... ومنه ردّ من أتاه مسلما وقال مالك: ثلاثا اعتمر ... وحجّ مفردا فحقّق الخبر وكلّهنّ كنّ في ذي القعدة ... على الّذي صحّحه من عدّه شروط الصلح ظاهرها ضيم وباطنها عزّ للمسلمين: ثمّ أراد الناظم أن يذكر بعض ما تضمّنه كتاب الصّلح من الشروط القاسية، التي ظاهرها ضيم على الإسلام والمسلمين، وباطنها العزّ والحكمة البالغة والسّداد، علم ذلك رسول الله ﷺ فأمضاه، فقال: (وأغلظوا) أي: شدّد كفّار قريش (في) شأن (الصّلح) بينهم وبين المسلمين (حين أبرما) أي: أحكم الصلح، والألف لإطلاق القافية. (ومنه) أي: الإغلاظ (ردّ من أتاه) أي: رد النّبيّ ﷺ الذي يأتي من ناحية قريش (مسلما) إلى قريش، ومن جاء قريشا ممّن تبعه ﵊ لم يردّوه إليه، ولم يذكر الناظم هذه الجملة الثانية؛ لأنّه لا إغلاظ فيها؛ لأنّ النّبيّ ﷺ لا يصنع شيئا إذ ذاك بمن ارتدّ عن دينه، ورغب عنه إلى غيره. فمن جاءنا يا مرحبا بمجيئه ... ومن فاتنا يكفيه أنّا نفوته

стр. 510

على أنّه لم يثبت فيما أعلم أنّ أحدا من المسلمين خرج إلى قريش مرتدّا بعد أن خالطت بشاشة إيمانه قلبه، وأمّا من جاء مسلما.. فهو في رحب وسعة، وسيجعل الله له فرجا ومخرجا، كما يأتي قريبا. أمر أبي جندل بن سهيل «١» : ففي «صحيح الإمام البخاري» : (فبينما هم كذلك وفي رواية ابن إسحاق: فإنّ الصحيفة لتكتب- إذ دخل أبو جندل بن سهيل بن عمرو يرسف- يمشي مشيا بطيئا- في قيوده وقد خرج من أسفل مكة، حتى رمى بنفسه بين أظهر المسلمين، فقال أبوه سهيل: هذا يا محمّد أوّل ما أقاضيك عليه أن تردّه إليّ، فقال النّبيّ ﷺ : «إنّا لم نقض الكتاب بعد» قال: فو الله؛ إذن لا أصالحك على شيء أبدا، قال النّبيّ ﷺ : «فأجزه لي» قال: ما أنا بمجيز ذلك، قال: «بلى، فافعل» قال: ما أنا بفاعل، قال مكرز: بلى قد أجزناه لك، قال أبو جندل: أي معشر المسلمين؛ أردّ إلى المشركين وقد جئت مسلما؟! ألا ترون ما قد لقيت؟! وكان قد عذّب في الله عذابا شديدا) . زاد ابن إسحاق: (فقال رسول الله ﷺ : «يا أبا جندل؛ اصبر واحتسب؛ فإنّا لا نغدر، وإنّ الله جاعل

стр. 511

لك فرجا ومخرجا» فوثب عمر يمشي إلى جنبه ويقول: اصبر؛ فإنّما هم المشركون، وإنّما دم أحدهم كدم الكلب ويدني منه قائم السيف- يقول عمر: رجوت أن يأخذ السيف، فيضرب به أباه، قال: فضنّ الرجل بأبيه، ونفذت القضية) اهـ قلت: وذلك لما في علم الله تعالى أنّه يسلم بعد ذلك أبوه سهيل، ويحسن إسلامه؛ حتى يتبوّأ المقام المحمود يوم وفاته ﵊، ويخطب فيهم بمكة خطبة كخطبة أبي بكر بالمدينة، رضي الله تعالى عنهم أجمعين. قال في «الإمتاع» : (عن أبي بكر ﵁: لقد نظرت إلى سهيل بن عمرو في حجة الوداع قائما عند النحر يقرب إلى رسول الله بدنه، ورسول الله ﷺ ينحرها بيده، ودعا الحلاق فحلق رأسه، فأنظر إلى سهيل يلتقط من شعره، وأراه يضعه على عينيه، وأذكر إباءه أن يقر يوم الحديبية بأن يكتب «بسم الله الرّحمن الرّحيم» وإباءه أن يكتب أنّ «محمّدا رسول الله» فحمدت الله الذي هداه للإسلام) فصلوات الله وبركاته على نبيّ الرّحمة الذي هدانا الله به، وأنقذنا به من الهلكة. موقف عمر وأبي بكر من شروط الصلح: ولغلظ ذلك الشرط قام سيدنا عمر رضي الله تعالى عنه، فأتى النّبيّ ﷺ ، فقال: قلت: ألست نبيّ الله

стр. 512

حقّا؟ قال: «بلى» قلت: ألسنا على الحقّ وعدوّنا على الباطل؟ قال: «بلى» زاد البخاري في (الجزية) و (التفسير) : (أليس قتلانا في الجنة، وقتلاهم في النار؟ قال: «بلى» قلت: فلم نعطي الدّنيّة في ديننا إذن؟ قال: «إنّي رسول الله، ولست أعصيه، وهو ناصري» قلت: أو ليس كنت تحدّثنا أنّا سنأتي البيت فنطوف به؟ قال: «بلى، أفأخبرتك أنّا نأتيه العام» قلت: لا، قال: «فإنّك آتيه، ومطوّف به» قال: فأتيت أبا بكر، فقلت: يا أبا بكر؛ أليس هذا نبيّ الله حقا؟ قال: بلى، قلت: ألسنا على الحقّ، وعدوّنا على الباطل؟ قال: بلى، قلت: فلم نعطي الدّنيّة في ديننا إذن؟ قال أبو بكر: أيّها الرجل؛ إنّه رسول الله، ليس يعصي ربّه، وهو ناصره، فاستمسك بغرزه، فو الله إنّه على الحق، قلت: أو ليس كان يحدّثنا أنّا سنأتي البيت فنطوف به؟ قال: بلى، أفأخبرك أنّا نأتيه العام؟ قلت: لا، قال: فإنك آتيه، ومطوّف به. قلت: وفي هذه القصة ما يدل على فضل أبي بكر ومزيد علمه ومعرفته بأحوال المصطفى ﷺ ، وموافقته له في جواب عمر حرفا بحرف، مع أنّه لم يسمع مقالته ﵊ لعمر. ولعلم عمر بمكانة أبي بكر، وفضله العلميّ، وأنّه أكمل الصحب.. لم يسأل أحدا غيره بعد النّبيّ ﷺ .

стр. 513

قال الشهاب في «المواهب» : (قال العلماء: لم يكن سؤال عمر- ﵁ وكلامه شكّا في الدين، حاشاه! بل طلبا لكشف ما خفي عليه من المصلحة، وحرصا على إذلال الكفار وظهور الإسلام، كما عرف من خلقه وقوته في نصر الدين وإذلال المبطلين، وأمّا جواب أبي بكر بمثل جواب النّبيّ ﷺ .. فهو من الدلائل الظاهرة على عظيم فضله وبارع علمه، وزيادة عرفانه ورسوخه، وزيادته في كل ذلك على غيره) . وقال الزرقاني: (ألا ترى أنّه صرّح في الحديث: أنّ المسلمين استنكروا الصلح المذكور، وكانوا على رأي عمر، فلم يوافقهم أبو بكر، بل كان قلبه على قلب النّبيّ ﷺ سواء؟) اهـ أمر أبي بصير الثقفي: وممّن خرج مسلما من قريش في هذا العهد إلى النّبيّ ﷺ بالمدينة: أبو بصير- بالتكبير- واسمه: عتبة بن أسيد الثقفي، فأرسلوا في طلبه رجلين: خنيس بن جابر من بني عامر، ومولى يقال له: كوثر، فقالوا: العهد الذي جعلته لنا، فدفعه إلى الرجلين. زاد ابن إسحاق: (فقال: أتردني إلى المشركين يفتنونني عن ديني ويعذبونني؟! قال: «اصبر واحتسب؛ فإنّ الله جاعل لك فرجا ومخرجا»

стр. 514

زاد أبو المليح- كما في «شرح المواهب» -: (فقال له عمر: أنت رجل وهو رجل، ومعك السيف) اهـ فخرجا به حتى بلغا ذا الحليفة، فنزلوا يأكلون من تمر لهم، فقال أبو بصير لأحد الرجلين: والله؛ إنّي لأرى سيفك هذا جيدا، فاستلّه الآخر، فقال: أجل والله؛ إنّه لجيد، لقد جربت، ثمّ جربت، وفي رواية: لأضربنّ به في الأوس والخزرج يوما إلى الليل، فقال أبو بصير: أرني أنظر إليه، فأمكنه منه، فضربه أبو بصير حتى برد، وفرّ الآخر حتى أتى المدينة، فدخل المسجد يعدو فقال ﷺ : «لقد رأى هذا ذعرا» فلمّا انتهى إلى النّبيّ ﷺ .. قال: قتل والله صاحبكم صاحبي، وإنّي لمقتول، فجاء أبو بصير وقال: يا نبي الله؛ قد أوفى الله ذمّتك، قد رددتني إليهم، ثمّ أنجاني الله منهم، فقال ﷺ : «ويل أمه مسعر حرب» وهي رواية الصحيح، وفي رواية ابن إسحاق: «محشّ حرب «١» لو كان معه رجال» . ثمّ خرج أبو بصير حتى نزل العيص، من ناحية ذي المروة على ساحل البحر، بطريق قريش التي كانوا يأخذون عليها إلى الشام، وبلغ المسلمين الذين كانوا احتبسوا بمكة قول رسول الله ﷺ لأبي بصير: «ويل أمّه مسعر حرب، لو كان معه رجال» فخرجوا إلى أبي بصير، فاجتمع

стр. 515

وهم عليهم بعد ردّهم وبال ... إذ أخذوا الطّرق على صهب السّبال إليه منهم قريب من سبعين رجلا، وكانوا قد ضيّقوا على قريش، لا يظفرون بأحد منهم إلّا قتلوه، ولا تمر بهم عير إلّا اقتطعوها، حتى كتبت قريش إلى رسول الله ﷺ تسأله بأرحامها إلّا آواهم، فلا حاجة لهم بهم، فآواهم رسول الله ﷺ ، فقدموا عليه المدينة. وإلى ما جرى في هذه القصة أشار الناظم بقوله: (وهم) أي: المستضعفون من المسلمين، وضمير الجمع يعود على (من) في قوله: «ومنه ردّ من أتاه مسلما» ؛ نظرا للمعنى. (عليهم) أي: على كفار قريش، الذين أغلظوا في الصلح بذلك الشرط القاسي. وقوله: (بعد ردّهم) أي: رد المستضعفين من المدينة، حال؛ لأنّه نعت لنكرة تقدم عليها وهي قوله: (وبال) الواقع خبرا للمبتدأ؛ أي: هم وبال، أي: سبب للوبال والشدة، والفشل بعد ردهم؛ لأنّهم قطعوا مادّتهم وميرتهم من طريق الشام كما قال الناظم: (إذ أخذوا الطرق على صهب السّبال) هو شعر يخالط بياضه حمرة، والسبال: طرف ما على الشارب من الشعر، والمراد هنا الأعداء؛ أي: أخذ المستضعفون الطريق على أعدائهم كفار مكة. قال في «تاج العروس» للسيد مرتضى: (ومن المجاز: الأعداء صهب السبال، وسود الأكباد وإن لم يكونوا كذلك، قال:

стр. 516

وانتدبوا لقوله في النّدب ... سيّدهم هذا محشّ حرب جاؤوا يجرّون الحديد جرّا ... صهب السبال يبتغون شرّا وإنّما يريدون: أنّ عداوتهم لنا كعداوة الروم، والروم صهب السبال والشعر، وإلّا.. فهم عرب، وألوانهم: الأدمة، والسمرة، والسواد، وقال ابن قيس الرّقيات: فظلال السّيوف شيّبن رأسي ... واعتناقي في القوم صهب السّبال ويقال: أصله للروم؛ لأنّ الصهوبة فيهم، وهم أعداء لنا، كذا في «لسان العرب» ونقله الجوهريّ عن عبد الملك بن قريب الأصمعيّ) . (وانتدبوا) أي: انتدب المستضعفون من المسلمين؛ أي: أجابوا وسارعوا (لقوله) ﵊ (في النّدب) الظريف النجيب «١» (سيّدهم) بالجر: بدل من الندب، والمراد به أبو بصير، كما تقدم (هذا محشّ) بكسر الميم (حرب) أي: موقدها، لو كان معه رجال، فهذا القول منه ﵊ في أبي بصير، هو الذي حملهم على انضمامهم إليه بذلك الموضع، على طريق تجارتهم بالشام،

стр. 517

واستعطفوا خير الورى بالرّحم ... في صرفهم إليه عن أرضهم لا يظفرون بأحد من كفار قريش إلّا قتلوه، ولا تمر بهم عير إلّا اقتطعوها، حتى كتبت قريش إلى رسول الله ﷺ تسأله بالرّحم أن يؤويهم إليه بالمدينة، ففعل ﷺ ، وقد أشار الناظم إلى هذا بقوله: (واستعطفوا خير الورى) ﷺ ؛ أي: طلب كفار قريش منه العطف (بالرّحم في صرفهم إليه) بالمدينة المنوّرة (عن أرضهم) أي: أرض قريش التي يمرون عليها في تجارتهم إلى الشام. قال السّهيليّ: (أمّا لحوق أبي بصير بسيف البحر- بكسر السين؛ أي: ساحله، وتقدم تعيين المكان، وهو العيص- ففي رواية معمر عن الزّهري: أنّه كان يصلّي بأصحابه هنالك، حتى لحق بهم أبو جندل بن سهيل، فقدموه؛ لأنّه قرشيّ، فلم يزل أصحابه يكثرون حتى بلغوا ثلاث مئة، وكان أبو بصير كثيرا ما يقول هناك: الحمد لله العليّ الأكبر ... من ينصر الله فسوف ينصر فلمّا جاءهم الفرج من الله تعالى، وكلمت قريش النّبيّ ﷺ أن يؤويهم إليه لما ضيقوا عليهم.. ورد كتاب النّبيّ ﷺ وأبو بصير في الموت يجود بنفسه، فأعطي الكتاب، فجعل يقرؤه ويسرّ به، حتى قبض والكتاب على صدره، فبني عليه هناك مسجد، يرحمه الله) .

стр. 518

وممّا قاله أبو جندل أيام وجوده مع أبي بصير بسيف البحر: أبلغ قريشا عن أبي جندل ... أنّا بذي المروة فالسّاحل في معشر تخفق أيمانهم ... بالبيض فيها والقنا الذّابل يأبون أن تبقى لهم رفقة ... من بعد إسلامهم الواصل أو يجعل الله لهم مخرجا ... والحقّ لا يغلب بالباطل فيسلم المرء بإسلامه ... أو يقتل المرء ولم يأتل وبعد موت أبي بصير قدم أبو جندل مع ناس من أصحابه على رسول الله ﷺ ، ورجع باقيهم إلى أهليهم. ما نزل في النساء المهاجرات: بقي الكلام على النساء المسلمات المهاجرات، فإن قلنا: إنّهنّ يدخلن في هذا الصلح؛ لقوله كما في رواية البخاريّ: (ولا يأتيك منّا أحد) - والصيغة تعمّ الرجال والنساء- فتقول: نسخ ذلك فيهنّ، أو خصّص ذلك العموم بهنّ؛ فقد صح: أنّه جاءت نسوة منهنّ: أم كلثوم بنت عقبة بن أبي معيط مهاجرة،

стр. 519

فدخلت على أم سلمة بالمدينة، فأعلمتها أنّها جاءت مهاجرة، وتخوّفت أن يردها رسول الله ﷺ ، فلمّا دخل رسول الله على أم سلمة.. أعلمته، فرحب بأم كلثوم وسهّل، فجاء في طلبها أخواها: الوليد وعمارة ابنا عقبة، فأراد النّبيّ ﷺ أن يردها للعهد، فقالت: يا رسول الله؛ أتردني على المشركين؟ ويحلّون مني ما حرّم الله، ويفتنوني عن ديني؟ فأنزل الله تعالى: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذا جاءَكُمُ الْمُؤْمِناتُ مُهاجِراتٍ فَامْتَحِنُوهُنَّ اللَّهُ أَعْلَمُ بِإِيمانِهِنَّ فَإِنْ عَلِمْتُمُوهُنَّ مُؤْمِناتٍ فَلا تَرْجِعُوهُنَّ إِلَى الْكُفَّارِ لا هُنَّ حِلٌّ لَهُمْ وَلا هُمْ يَحِلُّونَ لَهُنَّ وَآتُوهُمْ ما أَنْفَقُوا وَلا جُناحَ عَلَيْكُمْ أَنْ تَنْكِحُوهُنَّ إِذا آتَيْتُمُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ وَلا تُمْسِكُوا بِعِصَمِ الْكَوافِرِ وَسْئَلُوا ما أَنْفَقْتُمْ وَلْيَسْئَلُوا ما أَنْفَقُوا ذلِكُمْ حُكْمُ اللَّهِ يَحْكُمُ بَيْنَكُمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ. فلم يردّها، وتزوجها زيد بن حارثة، فقتل عنها، ثم خلف عليها الزّبير، فولدت له زينب، ثمّ خلف عليها عبد الرّحمن بن عوف، فولدت له: محمّدا، وإبراهيم، وإسماعيل، وحميدا، وكلهم روى الحديث. وفي «البخاري» : (ولا نعلم امرأة من المسلمين ارتدّت إلى الكفار) . نزول سورة الفتح: واعلم: أنّ مدة إقامتهم بالحديبية بضعة عشر يوما، وقيل أكثر من ذلك، ثمّ قفل بهم النّبيّ ﷺ يريد

стр. 520

و (سورة الفتح) لدى القفول ... أنزلها الله على الرّسول المدينة، وفي نفوس أصحابه بعض شيء من عدم الفتح الذي كانوا لا يشكّون فيه، ولولا إيمانهم» الصحيح، وثقتهم بهذا النبيّ الأمين.. لما رجعوا، فأنزل الله تعالى (سورة الفتح) كما قال الناظم: (وسورة الفتح) وهي: إِنَّا فَتَحْنا لَكَ فَتْحاً مُبِيناً* لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ ما تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ وَما تَأَخَّرَ إلى آخرها (لدى القفول) أي: عند الرجوع إلى المدينة، بجبل على بريد من مكة، يقال له: ضجنان «٢» ، بوزن سكران (أنزلها الله) بتمامها (على

стр. 521

الرسول) ﷺ ؛ إعلاما بأنّ عهد الحديبية هو الفتح المبين، وتسلية لهم، وتذكيرا لهم بنعمه . ولمّا نزلت جمع ﵊ الناس، وقرأ عليهم: إِنَّا فَتَحْنا لَكَ فَتْحاً مُبِيناً الآية.. فقال رجل: يا رسول الله؛ أو فتح هو؟ قال: «إي والذي نفسي بيده؛ إنّه لفتح» . قال في «شرح المواهب» : (روى موسى بن عقبة في حديثه عن الزّهري، وأخرجه البيهقيّ عن عروة قال: أقبل النّبيّ ﷺ راجعا، فقال رجل من أصحابه: ما هذا بفتح؛ لقد صددنا عن البيت، وصدّ هدينا، وردّ رسول الله ﷺ رجلين من المؤمنين كانا خرجا إليه، فبلغه ذلك ﷺ ، فقال: «بئس الكلام! بل هو أعظم الفتح، قد رضي المشركون أن يدفعوكم بالراح عن بلادهم، ويسألوكم القضية، ويرغبوا إليكم في الأمان، ولقد رأوا منكم ما كرهوا، وأظهركم الله عليهم، وردّكم سالمين مأجورين، فهو أعظم الفتوح، أنسيتم يوم أحد إذ تصعدون ولا تلوون على أحد، وأنا أدعوكم في أخراكم؟ أنسيتم يوم الأحزاب إذ جاؤوكم من فوقكم ومن أسفل منكم، وإذ زاغت الأبصار وبلغت القلوب الحناجر، وتظنون بالله الظنونا؟» فقال المسلمون: صدق الله ورسوله، هو أعظم

стр. 522

الفتوح، والله يا نبيّ الله؛ ما فكرنا فيما فكرت فيه، ولأنت أعلم بالله وبأمره منا. قال في «الإمتاع» : (فلمّا دخل ﷺ عام القضية، وحلق رأسه.. قال: «هذا الذي وعدتكم» فلمّا كان يوم الفتح.. أخذ المفتاح، وقال «ادعوا إليّ عمر بن الخطاب» فقال: «هذا الذي قلت لكم» فلمّا كان في حجة الوداع.. وقف بعرفة فقال: «أي عمر؛ هذا الذي قلت لكم» قال: أي رسول الله: ما كان فتح في الإسلام أعظم من صلح الحديبية» . وهنا انتهى كلام الناظم على الحديبية وعقد الصلح. عمرة القضاء: ولنذيّل كلامه بالكلام على عمرة القضاء؛ توفية للمقام، ولأنّ من جملة ما اشتمل عليه عقد الصلح أن يرجعوا هذا العام، ويأتوا العام القابل، فكان للنفس تشوّف إلى خبر العام القابل: هل أتوا مكة؟ وكم كانت إقامتهم بها؟ إلى غير ذلك ممّا سيتلى عليك، فأقول: في السنة السّابعة على الصحيح، في شهر ذي القعدة، خرج ﵊ من المدينة محرما بالعمرة، حسبما وقع عليه الاتفاق بينه وبين كفار قريش، وتسمّى هذه العمرة بعمرة القصاص؛ لنزول قوله تعالى: وَالْحُرُماتُ قِصاصٌ

стр. 523

فيها، بل هي أولى بذلك، كما قال السهيليّ، وبعمرة القضية، من المقاضاة التي كان قاضاهم عليها، على أن يرجع عنهم عامهم هذا، ثمّ يأتي في العام القابل، ولا يدخل مكة إلّا في جلبان السلاح، وألّا يقيم أكثر من ثلاثة أيام، لا من القضاء مقابل الأداء؛ لأنّها كانت عمرة صحيحة، وعدّت من جملة عمره ﷺ . وهذه العمرة هي المذكورة في قوله تعالى: لَقَدْ صَدَقَ اللَّهُ رَسُولَهُ الرُّؤْيا بِالْحَقِّ لَتَدْخُلُنَّ الْمَسْجِدَ الْحَرامَ إِنْ شاءَ اللَّهُ آمِنِينَ مُحَلِّقِينَ رُؤُسَكُمْ وَمُقَصِّرِينَ لا تَخافُونَ الآية. وخلاصة الكلام عليها أخذا من كلام ابن إسحاق وغيره: أنّه ﵊ لمّا رجع من خيبر إلى المدينة.. أقام بها فيما بين الربيعين وشوال يبعث سراياه، حتى إذا كان في ذي القعدة.. خرج وخرج معه المسلمون، ممّن كان صدّ معه في عمرته تلك، واستعمل على المدينة عويف بن الأضبط الدّؤليّ، وساق ستين بدنة وقلّدها، وجعل عليها ناجية بن جندب، وحمل ﵊ السلاح والدروع والرماح، وقاد مئة فرس، وجعل عليها محمّد بن مسلمة ﵁، وعلى السلاح بشير بن سعد، ولم يكن قصده ﵊ أن يدخلها بالسلاح، ولكن يكون بالقرب إن هاجهم هيج من القوم، وجعل السلاح في بطن يأجج بالقرب من الحرم، وجعل عليه نحو المئتين من أصحابه.

стр. 524

ولمّا سمع به أهل مكة.. خرج أكابرهم عنها، وتحدثت قريش بينها أنّ محمّدا في عسرة وجهد وشدة، فلمّا دخل ﷺ المسجد.. رمل واضطبع بردائه، وأخرج عضده اليمنى، وهذا أول رمل واضطباع في الإسلام، ثمّ قال: «رحم الله امرأ أراهم اليوم من نفسه قوة» ثمّ استلم الركن، ثمّ أخذ يهرول، ويهرول أصحابه معه ثلاثة أطواف، ومشى سائرها. قال ابن عباس: كان الناس يظنون أنّها ليست عليهم، وذلك أنّ رسول الله ﷺ إنّما صنعها لهذا الحيّ من قريش؛ للّذي بلغه عنهم، حتى حجّ حجّة الوداع فلزمها، فمضت السّنّة بها، ولم يمنعه أن يأمرهم أن يرملوا الأشواط كلها إلّا الإبقاء عليهم، وحين رأت قريش هذا الموقف الرائع الرهيب من الرسول الأعظم وأصحابه.. قالت قريش: هؤلاء الذين زعمتم أنّ الحمّى قد وهنتهم! لهؤلاء أجلد من كذا، وكذا، إنّهم لينفرون نفر الظبي؛ أي: الغزال. قال ابن كثير: (روى البيهقي من غير وجه عن عبد الرزاق، عن معمر، عن الزّهري عن أنس قال: لمّا دخل النّبيّ ﷺ مكّة في عمرة القضاء.. مشى عبد الله بن رواحة بين يديه وهو آخذ بغرزه، وهو يقول: خلّوا بني الكفّار عن سبيله ... قد نزّل الرّحمن في تنزيله

стр. 525

بأنّ خير القتل في سبيله ... نحن قتلناكم على تأويله وفي رواية بهذا الإسناد بعينه: خلّوا بني الكفّار عن سبيله ... اليوم نضربكم على تنزيله ضربا يزيل الهام عن مقيله ... ويذهل الخليل عن خليله يا ربّ إنّي مؤمن بقيله هذا تأويل الرؤيا التي كان رآها رسول الله ﷺ ، جاءت مثل فلق الصّبح، وذكر أنّ عمر بن الخطاب ﵁ قال: مه يا ابن رواحة، بين يدي رسول الله ﷺ ، وفي حرم الله تقول الشعر؟! فقال رسول الله ﷺ : «خلّ عنه يا عمر؛ فلهو أسرع فيهم من نضح النّبل» . ولمّا تمّت الثلاثة الأيام التي هي غاية الصلح.. جاء حويطب بن عبد العزّى ومعه سهيل بن عمرو إلى رسول الله ﷺ ، يطلبان منه الخروج هو وأصحابه، فقالوا: نناشدك الله والعقد إلّا ما خرجت من أرضنا؛ فقد مضت الثلاث، فخرج ﵊ وفاء بالعقد والعهد. قال في «الإمتاع» : (وأمر ﵊ أبا رافع

стр. 526

ثمّ لخيبر ورشّح النّبي ... حيدرة وبالعقاب قد حبي بالرحيل، وقال: «لا يمسين بها أحد من المسلمين» وركب حتى نزل بسرف، وخلف أبا رافع؛ ليحمل إليه ميمونة حين يمسي، فخرج بها مساء فبنى ﵊ على ميمونة بسرف، ولم ينزل بمكة، وإنّما ضربت له قبة من أدم بالأبطح، وكان هناك حتى سار منها، وبعث بمئتي رجل ممّن طافوا بالبيت إلى بطن يأجج، فأقاموا عند السلاح حتى أتى الآخرون، فقضوا نسكهم، وقدم المدينة ﵊ في ذي الحجة من السنة السابعة) . (٢٤) غزوة خيبر (ثمّ) بعد رجوعه ﷺ من الحديبية.. أقام بالمدينة ذا الحجة وبعض المحرم، كما قاله ابن إسحاق، وخرج في بقية منه متوجها (لخيبر) ولم يبق من السنة السادسة من الهجرة إلّا شهر وأيام. وخيبر بوزن جعفر ذكر أبو عبيد البكري في «معجمه» : (أنّها سميت باسم رجل من العماليق، وهو خيبر بن قانية بن مهلائيل، وهو أول من نزلها) اهـ واستخلف على المدينة نميلة بن عبد الله الليثي فيما قال ابن هشام؛ وهي مدينة كبيرة ذات حصون ومزارع، إلى ناحية الشام، على نحو أربعة أيام بالسّير المعتدل من المدينة على

стр. 527

الإبل، وبالسيارة أربع ساعات؛ لعدم تعبيد الطريق، أمّا اليوم فقد عبّد، فكان المسير فيه نحو ساعة بالسيارة. وكان الله تعالى وعده خيبر وهو بالحديبية، قال ابن كثير: (قال شعبة عن الحكم، عن عبد الرّحمن بن أبي ليلى، في قوله تعالى: وَأَثابَهُمْ فَتْحاً قَرِيباً قال: خيبر) . قال ابن برهان الحلبي في «سيرته» : (واستنفر ﷺ من حوله ممّن شهد الحديبية يغزون معه، وجاء المخلفون عنه في الحديبية؛ ليخرجوا معه رجاء الغنيمة، فقال: «لا تخرجوا معي إلّا راغبين في الجهاد، فأمّا الغنيمة.. فلا» ثمّ أمر مناديا ينادي بذلك، فنادى به) اهـ وخرجت معه أم سلمة أم المؤمنين ﵂، وكانت معه في الحديبية كما تقدم. منازل الرسول ﷺ في طريقه إلى خيبر: قال ابن إسحاق: (وحين خرج النّبيّ ﷺ من المدينة إلى خيبر.. سلك على عصر «١» ، وبنى له فيها مسجدا، ثمّ على الصّهباء، ثمّ أقبل بجيشه حتى نزل به بواد يقال له: الرجيع «٢» ، فنزل بين أهل خيبر وبين غطفان؛

стр. 528

ليحول بينهم وبين أن يمدّوا أهل خيبر، وكانوا لهم مظاهرين على رسول الله ﷺ . انخذال غطفان عن اليهود: فبلغني: أنّ غطفان لما سمعوا بذلك.. جمعوا له، ثمّ خرجوا ليظاهروا اليهود عليه، حتى إذا ساروا منقلة.. سمعوا خلفهم في أموالهم وأهليهم حسّا ظنوا أنّ القوم قد خالفوا إليهم، فرجعوا على أعقابهم، فأقاموا في أموالهم، وخلوا بين رسول الله ﷺ وبين خيبر) . قال الإمام البخاريّ: (حدّثنا عبد الله بن مسلمة عن مالك، عن يحيى بن سعيد، عن بشير بن يسار: أنّ سويد بن النعمان أخبره أنّه خرج مع رسول الله ﷺ عام خيبر، حتى إذا كانوا بالصهباء- وهي أدنى من خيبر- صلى العصر، ثمّ دعا بالأزواد، فلم يؤت إلّا بالسّويق، فأمر به فثرّي، وأكل فأكلنا، ثمّ قام إلى المغرب، فمضمض، ثمّ صلّى ولم يتوضّأ) . دعاء الرسول ﷺ على خيبر: قال ابن إسحاق: (وحدّثني من لا أتهمه، عن عطاء بن أبي مروان الأسلميّ، عن أبيه معتّب بن عمرو: أنّ رسول الله ﷺ لمّا أشرف على خيبر.. قال لأصحابه وأنا فيهم: «قفوا» ثمّ قال: «اللهمّ ربّ السماوات وما أظللن، وربّ الأرضين وما أقللن، وربّ الشياطين وما أضللن، وربّ

стр. 529

الرياح وما أذرين؛ فإنّا نسألك خير هذه القرية، وخير أهلها، وخير ما فيها، ونعوذ بك من شرها، وشر أهلها، وشر ما فيها، أقدموا باسم الله» قال: وكان يقولها ﵊ لكل قرية دخلها) . وقال الإمام البخاري: (حدّثنا عبد الله بن يوسف، حدّثنا مالك عن حميد الطويل، عن أنس بن مالك: أنّ رسول الله ﷺ أتى خيبر ليلا، وكان إذا أتى قوما بليل.. لم يغربهم حتى يصبح، فلمّا أصبح.. خرجت اليهود بمساحيهم ومكاتلهم، فلمّا رأوه.. قالوا: محمّد والله، محمّد والخميس، فقال رسول الله ﷺ : «خربت خيبر، إنّا إذا نزلنا بساحة قوم.. فساء صباح المنذرين» ) . إعطاء الراية لعلي بن أبي طالب: (ورشّح) أي: قدّم (النّبيّ) ﷺ لأخذ الراية لفتح خيبر (حيدرة) يعني: عليّا حيث قال ﷺ : «لأعطينّ الراية رجلا يحبّه الله ورسوله» (وبالعقاب) بضم العين؛ أي: بالراية المسمّاة بالعقاب، قال الشهاب في «المواهب» : (وهي راية النّبيّ ﷺ ، وهي سوداء من برد لعائشة ﵂ (قد حبي) قد خصّ ومنح. وأشار الناظم إلى ما رواه البخاري عن سلمة قال: (كان

стр. 530

علي بن أبي طالب ﵁ قد تخلّف عن النّبي ﷺ في خيبر، وكان رمدا، فقال: أنا أتخلف عن النّبيّ ﷺ ؟! فلحق به، فلمّا بتنا الليلة التي فتحت خيبر في صبيحتها.. قال: «لأعطينّ الراية غدا- أو ليأخذنّ الراية غدا- رجل يحبه الله ورسوله يفتح له» وفي رواية ابن إسحاق: «ليس بفرار» وفي حديث بريدة: «لا يرجع حتى يفتح الله له» فلمّا أصبح الناس.. غدوا على رسول الله ﷺ ، كلهم يرجو أن يعطاها، فقال: «أين علي بن أبي طالب؟» فقالوا: يا رسول الله؛ هو يشتكي عينيه، قال: «فأرسلوا إليه» فأتي به، فبصق ﷺ في عينيه، ودعا له، فبرأ حتى كأن لم يكن به وجع) . وروى البخاري أيضا عن سهل بن سعد ﵁: (أنّ رسول الله ﷺ قال يوم خيبر: «لأعطينّ هذه الراية غدا رجلا يفتح الله على يديه، يحبّ الله ورسوله، ويحبّه الله ورسوله» قال سهل: فبات الناس يدوكون- أي: يخوضون- ليلتهم أيّهم يعطاها. فلمّا أصبح الناس.. غدوا على النّبيّ ﷺ ، كلّهم يرجو أن يعطاها، فقال: «أين علي بن أبي طالب؟» فقالوا: هو يا رسول الله يشتكي عينيه، قال: «فأرسلوا إليه» فأتي به، فبصق رسول الله ﷺ في عينيه، ودعا له، فبرأ حتى كأن لم يكن به وجع، فأعطاه الراية، فقال عليّ: يا رسول الله؛ أقاتلهم حتى يكونوا مثلنا؟
следующие страницы →