ثمّ لخيبر ورشّح النّبي ... حيدرة وبالعقاب قد حبي
بالرحيل، وقال: «لا يمسين بها أحد من المسلمين» وركب حتى نزل بسرف، وخلف أبا رافع؛ ليحمل إليه ميمونة حين يمسي، فخرج بها مساء فبنى ﵊ على ميمونة بسرف، ولم ينزل بمكة، وإنّما ضربت له قبة من أدم بالأبطح، وكان هناك حتى سار منها، وبعث بمئتي رجل ممّن طافوا بالبيت إلى بطن يأجج، فأقاموا عند السلاح حتى أتى الآخرون، فقضوا نسكهم، وقدم المدينة ﵊ في ذي الحجة من السنة السابعة) .
(٢٤) غزوة خيبر
(ثمّ) بعد رجوعه ﷺ من الحديبية..
أقام بالمدينة ذا الحجة وبعض المحرم، كما قاله ابن إسحاق، وخرج في بقية منه متوجها (لخيبر) ولم يبق من السنة السادسة من الهجرة إلّا شهر وأيام.
وخيبر بوزن جعفر ذكر أبو عبيد البكري في «معجمه» :
(أنّها سميت باسم رجل من العماليق، وهو خيبر بن قانية بن مهلائيل، وهو أول من نزلها) اهـ
واستخلف على المدينة نميلة بن عبد الله الليثي فيما قال ابن هشام؛ وهي مدينة كبيرة ذات حصون ومزارع، إلى ناحية الشام، على نحو أربعة أيام بالسّير المعتدل من المدينة على
стр. 527
الإبل، وبالسيارة أربع ساعات؛ لعدم تعبيد الطريق، أمّا اليوم فقد عبّد، فكان المسير فيه نحو ساعة بالسيارة.
وكان الله تعالى وعده خيبر وهو بالحديبية، قال ابن كثير:
(قال شعبة عن الحكم، عن عبد الرّحمن بن أبي ليلى، في قوله تعالى: وَأَثابَهُمْ فَتْحاً قَرِيباً قال: خيبر) .
قال ابن برهان الحلبي في «سيرته» : (واستنفر ﷺ من حوله ممّن شهد الحديبية يغزون معه، وجاء المخلفون عنه في الحديبية؛ ليخرجوا معه رجاء الغنيمة، فقال: «لا تخرجوا معي إلّا راغبين في الجهاد، فأمّا الغنيمة.. فلا» ثمّ أمر مناديا ينادي بذلك، فنادى به) اهـ
وخرجت معه أم سلمة أم المؤمنين ﵂، وكانت معه في الحديبية كما تقدم.
منازل الرسول ﷺ في طريقه إلى خيبر:
قال ابن إسحاق: (وحين خرج النّبيّ ﷺ من المدينة إلى خيبر.. سلك على عصر «١» ، وبنى له فيها مسجدا، ثمّ على الصّهباء، ثمّ أقبل بجيشه حتى نزل به بواد يقال له: الرجيع «٢» ، فنزل بين أهل خيبر وبين غطفان؛
стр. 528
ليحول بينهم وبين أن يمدّوا أهل خيبر، وكانوا لهم مظاهرين على رسول الله ﷺ .
انخذال غطفان عن اليهود:
فبلغني: أنّ غطفان لما سمعوا بذلك.. جمعوا له، ثمّ خرجوا ليظاهروا اليهود عليه، حتى إذا ساروا منقلة.. سمعوا خلفهم في أموالهم وأهليهم حسّا ظنوا أنّ القوم قد خالفوا إليهم، فرجعوا على أعقابهم، فأقاموا في أموالهم، وخلوا بين رسول الله ﷺ وبين خيبر) .
قال الإمام البخاريّ: (حدّثنا عبد الله بن مسلمة عن مالك، عن يحيى بن سعيد، عن بشير بن يسار: أنّ سويد بن النعمان أخبره أنّه خرج مع رسول الله ﷺ عام خيبر، حتى إذا كانوا بالصهباء- وهي أدنى من خيبر- صلى العصر، ثمّ دعا بالأزواد، فلم يؤت إلّا بالسّويق، فأمر به فثرّي، وأكل فأكلنا، ثمّ قام إلى المغرب، فمضمض، ثمّ صلّى ولم يتوضّأ) .
دعاء الرسول ﷺ على خيبر:
قال ابن إسحاق: (وحدّثني من لا أتهمه، عن عطاء بن أبي مروان الأسلميّ، عن أبيه معتّب بن عمرو: أنّ رسول الله ﷺ لمّا أشرف على خيبر.. قال لأصحابه وأنا فيهم: «قفوا» ثمّ قال: «اللهمّ ربّ السماوات وما أظللن، وربّ الأرضين وما أقللن، وربّ الشياطين وما أضللن، وربّ
стр. 529
الرياح وما أذرين؛ فإنّا نسألك خير هذه القرية، وخير أهلها، وخير ما فيها، ونعوذ بك من شرها، وشر أهلها، وشر ما فيها، أقدموا باسم الله» قال: وكان يقولها ﵊ لكل قرية دخلها) .
وقال الإمام البخاري: (حدّثنا عبد الله بن يوسف، حدّثنا مالك عن حميد الطويل، عن أنس بن مالك: أنّ رسول الله ﷺ أتى خيبر ليلا، وكان إذا أتى قوما بليل.. لم يغربهم حتى يصبح، فلمّا أصبح.. خرجت اليهود بمساحيهم ومكاتلهم، فلمّا رأوه.. قالوا: محمّد والله، محمّد والخميس، فقال رسول الله ﷺ : «خربت خيبر، إنّا إذا نزلنا بساحة قوم.. فساء صباح المنذرين» ) .
إعطاء الراية لعلي بن أبي طالب:
(ورشّح) أي: قدّم (النّبيّ) ﷺ لأخذ الراية لفتح خيبر (حيدرة) يعني: عليّا حيث قال ﷺ : «لأعطينّ الراية رجلا يحبّه الله ورسوله» (وبالعقاب) بضم العين؛ أي: بالراية المسمّاة بالعقاب، قال الشهاب في «المواهب» : (وهي راية النّبيّ ﷺ ، وهي سوداء من برد لعائشة ﵂ (قد حبي) قد خصّ ومنح.
وأشار الناظم إلى ما رواه البخاري عن سلمة قال: (كان
стр. 530
علي بن أبي طالب ﵁ قد تخلّف عن النّبي ﷺ في خيبر، وكان رمدا، فقال: أنا أتخلف عن النّبيّ ﷺ ؟! فلحق به، فلمّا بتنا الليلة التي فتحت خيبر في صبيحتها.. قال: «لأعطينّ الراية غدا- أو ليأخذنّ الراية غدا- رجل يحبه الله ورسوله يفتح له» وفي رواية ابن إسحاق: «ليس بفرار» وفي حديث بريدة: «لا يرجع حتى يفتح الله له» فلمّا أصبح الناس.. غدوا على رسول الله ﷺ ، كلهم يرجو أن يعطاها، فقال: «أين علي بن أبي طالب؟» فقالوا: يا رسول الله؛ هو يشتكي عينيه، قال: «فأرسلوا إليه» فأتي به، فبصق ﷺ في عينيه، ودعا له، فبرأ حتى كأن لم يكن به وجع) .
وروى البخاري أيضا عن سهل بن سعد ﵁:
(أنّ رسول الله ﷺ قال يوم خيبر: «لأعطينّ هذه الراية غدا رجلا يفتح الله على يديه، يحبّ الله ورسوله، ويحبّه الله ورسوله» قال سهل: فبات الناس يدوكون- أي:
يخوضون- ليلتهم أيّهم يعطاها.
فلمّا أصبح الناس.. غدوا على النّبيّ ﷺ ، كلّهم يرجو أن يعطاها، فقال: «أين علي بن أبي طالب؟» فقالوا: هو يا رسول الله يشتكي عينيه، قال:
«فأرسلوا إليه» فأتي به، فبصق رسول الله ﷺ في عينيه، ودعا له، فبرأ حتى كأن لم يكن به وجع، فأعطاه الراية، فقال عليّ: يا رسول الله؛ أقاتلهم حتى يكونوا مثلنا؟
стр. 531
فقال ﷺ : «انفذ على رسلك- بكسر الراء؛ أي: على هينتك- حتى تنزل بساحتهم، ثمّ ادعهم إلى الإسلام، وأخبرهم بما يجب عليهم من حقّ الله تعالى فيه، فوالله؛ لأن يهدي الله بك رجلا واحدا.. خير من أن يكون لك حمر النّعم» ) «١» .
وزاد مسلم في «صحيحه» من حديث إياس بن سلمة عن أبيه سلمة بن الأكوع: (وخرج مرحب فقال:
قد علمت خيبر أنّي مرحب ... شاكي السلاح بطل مجرّب
إذا الحروب أقبلت تلهّب
فقال عليّ:
أنا الّذي سمّتني أمّي حيدره ... كليث غابات كريه المنظره
أو فيهم بالصّاع كيل السّندره
قال: فضرب رأس مرحب فقتله، ثمّ كان الفتح على
стр. 532
وفاز بالفتح وكان ترّسا ... بباب حصن لا يزاح إذ رسا
يديه) كما قال الناظم: (وفاز بالفتح) وظفر بالنصر.
تترّس عليّ بباب الحصن:
(وكان) عليّ ﵁ (ترّسا بباب حصن) هو القموص- بفتح القاف، وضم الميم- أي: اتخذ باب الحصن ترسا ووقاية من العدو، وعند القتال (لا يزاح) أي:
لا ينحّى، ولا يذهب به (إذ رسا) وثبت في الأرض؛ لعظم الباب.
ويشير الناظم بهذا إلى ما رواه ابن إسحاق: (حدّثني عبد الله بن حسن، عن بعض أهله، عن أبي رافع قال:
خرجنا مع عليّ حين بعثه النّبيّ ﷺ برايته، فلمّا دنا من الحصن.. خرج إليه أهله، فقاتلهم، فضربه رجل من يهود، فطرح ترسه من يده، فتناول عليّ بابا كان عند الحصن، فترّس به عن نفسه، فلم يزل في يده وهو يقاتل حتّى فتح الله عليه، ثمّ ألقاه من يده حين فرغ، فلقد رأيتنا في نفر سبعة معي، أنا ثامنهم، نجهد على أن نقلب ذلك الباب، فلم نقلبه) اهـ
قال الشهاب في «المواهب» : (وفي رواية البيهقي: أنّ عليّا لمّا انتهى إلى الحصن.. اجتذب أحد أبوابه، فألقاه بالأرض، فاجتمع عليه بعده منا سبعون رجلا، فكان جهدهم أن أعادوا الباب مكانه) اهـ
قلت: والأحاديث في هذا الباب وإن كانت ضعيفة- كما
стр. 533
نقله الشهاب عن شيخه السخاويّ- إلّا أنّها تقبل في باب المناقب والفضائل، كما هو معلوم ومقرر في محله.
وفي هذه القصة لطيفة، وهي: أنّ من طلب شيئا أو تعرض لطلبه.. يحرمه غالبا، وأنّ من لم يطلب شيئا ولم يتعرض لطلبه.. ربما وصل إليه.
والدهر يعطي الفتى ما ليس يطلبه ... يوما ويمنعه من حيث يطعمه
فائدتان
الراية واللواء
الأولى: قال الحافظ في «الفتح» : (صرح جماعة من اللغويين بترادف الراية واللواء، وهو العلم الذي يحمل في الحرب) لكن روى أحمد والتّرمذيّ عن ابن عباس، والطّبراني عن بريدة، وابن عديّ عن أبي هريرة، قالوا: (كانت راية رسول الله ﷺ سوداء، ولواؤه أبيض. زاد أبو هريرة: مكتوب فيها لا إله إلّا الله، محمّد رسول الله) وهو ظاهر في التغاير، وبه جزم ابن العربيّ فقال: (اللواء خلاف الراية، فاللواء: ما يعقد في طرف الرمح ويلوى عليه، والراية: ما يعقد فيه ويترك حتى تصفعه الرياح، فلعلّ التفرقة بينهما عرفية، وقد ذكره ابن إسحاق- وكذا أبو الأسود- عن عروة: أنّ أوّل ما وجدت الرايات يوم خيبر، وكانوا لا يعرفون قبل ذلك إلّا الألوية) .
стр. 534
وفي المصباح: (لواء الجيش: علمه، وهو دون الراية) .
حصون خيبر:
الثانية: الحصون التي فتحها الله لرسوله بخيبر هي:
حصن ناعم: وهو أول حصونهم فتحا، كما قاله ابن إسحاق.
والقموص: بفتح القاف وضم الميم، هو الذي فتحه عليّ.
قال في شرح المواهب: (وهو أعظم حصون الكتيبة) وفيه سبيت صفية ﵂، وكانت تحت كنانة بن الرّبيع بن أبي الحقيق.
وحصن الصعب بن معاذ: قال ابن إسحاق: (حدّثني عبد الله بن أبي بكر: أنّه حدّثه بعض أسلم: أنّ بني سهم من أسلم أتوا رسول الله ﷺ ، فقالوا: والله يا رسول الله؛ لقد جهدنا، وما بأيدينا من شيء، فلم يجدوا عند رسول الله ﷺ شيئا يعطيهم إياه، فقال:
«اللهمّ؛ إنّك قد عرفت حالهم، وأن ليست بهم قوة، وأن ليس بيدي شيء أعطيهم إياه، فافتح عليهم أعظم حصونها عنهم غناء، وأكثرها طعاما وودكا» فغدا الناس، ففتح الله عليهم حصن الصعب بن معاذ، وما بخيبر حصن كان أكثر طعاما وودكا منه) اهـ
стр. 535
وحصن قلعة الزّبير: الذي صار في سهمه بعد.
قال في «شرح المواهب» : (وكان اسمه حصن قلّة؛ لكونه كان على رأس جبل) .
وحصن الوطيح: بالتكبير، سمي بالوطيح بن مازن:
رجل من ثمود، نقله في «شرح المواهب» عن البكري.
والسّلالم: بضم السين المهملة، قال ابن إسحاق فيه والذي قبله: (وكانا آخر حصون أهل خيبر افتتاحا) .
واعلم: أنّ الوطيح والسّلالم من حصون خيبر، اختصّ بهما من بقي من أهل خيبر، حتى صالحوا رسول الله ﷺ على أن يقرّهم لعمارة الأرض، ولهم نصف ما تثمر، وقال لهم رسول الله ﷺ : «نقركم ما شئنا» ثمّ أجلاهم عمر رضي الله تعالى عنه.
فائدة:
أمنا صفية المذكورة آلت زوجا للنّبيّ ﷺ لمّا قيل: إنّ امرأة من اليهود جاءت لرسول الله ﷺ فقالت: يا محمّد؛ إن صفية لا تصلح إلّا لك؛ فإنّها سيدتنا، وبنت سيدنا، فاشتراها، قيل: بسبعة أرؤس، فكانت تقول: ما رأيت أحدا قط أحسن خلقا من النّبيّ ﷺ ، لقد رأيته ركب بي من خيبر على ناقته ليلا فجعلت أنعس، فيضرب رأسي مؤخرة الرحل فيمسني بيده، ويقول: «يا هذه؛ مهلا يا بنت حيي» حتى إذا جاء
стр. 536
وغلّ قاتل سليل مسلمه ... لصنوه محمّد وأسلمه
الصهباء.. قال: «أما إنّي أعتذر إليك يا صفية ممّا صنعت بقومك؛ إنّهم قالوا لي كذا» .
قتل قاتل محمود بن مسلمة الأنصاري:
(وغلّ) عليّ بن أبي طالب، بمعنى: أوثق (قاتل) محمود، بإلقاء رحى من حصن ناعم (سليل) أي: ابن (مسلمة) بن خالد بن عديّ، ودفعه لأخيه، كما قال (لصنوه) أي: شقيق محمود، وأبدل من (صنوه) قوله:
(محمّد) فالجار والمجرور يتعلق بقوله: (وأسلمه) بصيغة الماضي المعلوم، بمعنى: أعطاه لشقيقه محمّد.
قال في «العيون» بسنده إلى ابن عمر: (جاء رجل من الأنصار إلى رسول الله ﷺ فقال: إنّ اليهود قتلوا أخي، فقال: «لأدفعنّ الراية إلى رجل يحبّ الله ورسوله، ويحبّه الله ورسوله، فيفتح الله عليه، فيمكنه الله من قاتل أخيك» فبعث إلى عليّ ﵁، فعقد له اللواء، فقال: يا رسول الله؛ إنّي أرمد كما ترى، قال: وكان يومئذ أرمد، فتفل «١» في عينيه، قال عليّ ﵁: فما رمدت بعد يومئذ!
стр. 537
وغال مرحبا وقدّ حجرا ... من يابس الصّخر به تمغفرا
قال العوّام- يعني ابن حوشب أحد رواة الحديث-:
فحدّثني جبلة بن سحيم- أو حبيب بن أبي ثابت- عن ابن عمر، قال فمضى بذلك الوجه، فما تتامّ آخرنا حتى فتح الله على أولياء الله، فأخذ عليّ ﵁ قاتل الأنصاري، فدفعه إلى أخيه، فقتله الرجل الأنصاريّ، وهو محمّد بن مسلمة.
مقتل مرحب اليهودي:
(وغال) أي: قتل علي بن أبي طالب (مرحبا) بوزن منبر كما ضبطه شارح «القاموس» وهو بطل يهود خيبر، وكان قد خرج مرحب صاحب الحصن وعليه مغفر يماني، وحجر قد ثقبه مثل البيضة على رأسه، كما قال الناظم: (وقدّ) بتشديد الدال؛ أي: وكان قد قطع مرحب (حجرا من يابس الصخر) أي: من الصخر اليابس والحجر الصلب (به) أي: بذلك الحجر، وهو متعلق بقوله: (تمغفرا) بألف الأطلاق أي:
تمغفر به؛ أي: جعله مغفرا- بكسر الميم-: وهو ما يجعله المتسلح تحت قلنسوته «١» .
تنبيه:
إنّما أعدت الضمير في (غال) إلى (عليّ) ؛ لأنّه ظاهر النظم، وهو الموافق لما في «صحيح مسلم» من رواية
стр. 538
وعامر بن الأكوع استنشده ... خير الورى وقال إذ أنشده
إياس بن سلمة عن أبيه وفيه: (أنّ عليا ضرب رأس مرحب فقتله، فكان الفتح على يديه) وإن كان مخالفا لما قاله ابن إسحاق، من أنّ قاتل مرحب هو محمّد بن مسلمة، ورواه موسى بن عقبة عن الزّهريّ والواقديّ، عن جابر.
وقيل: إنّ الذي قتله علي، هو الحارث أخو مرحب، فاشتبه على بعض الرواة، فإن كان كذلك.. فالأمر ظاهر، وإلّا.. فما في «الصحيح» مقدم على ما سواه.
قال العلّامة الشاميّ: (ما في «مسلم» مقدم عليه من وجهين: أحدهما: أنّه أصح إسنادا، الثاني: أنّ جابرا لم يشهد خيبر، كما قاله ابن إسحاق والواقديّ وغيرهما، وقد شهدها مسلمة، وبريدة، وأبو رافع، فهم أعلم ممّن لم يشهدها) اهـ
فائدة:
قال ابن هشام: (كان شعار المسلمين يوم خيبر:
يا منصور؛ أمت أمت) .
استنشاد الرسول ﷺ عامر بن الأكوع:
(و) لما خرج (عامر بن الأكوع) وهو عم سلمة بن عمرو بن الأكوع على الصحيح إلى خيبر مع النّبيّ ﷺ (استنشده) أي: طلب منه أن ينشده (خير الورى) ﷺ ؛ لأنّه كان حدّاء، والإبل تستحث بالحداء، وقال: «انزل فحدثنا من هناتك» بضم الهاء، وفي
стр. 539
والله لولا الله ما اهتدينا ... ولا تصدّقنا ولا صلّينا
وإذ ترحّم للانشاد عليه ... هلك من رجوع سيفه إليه
رواية: «من هنيهاتك» وفي لفظ: «من هنيّاتك» بقلب الهاء الثانية ياء؛ أي: من أراجيزك وأشعارك (وقال) عامر ممتثلا (إذ أنشده) :
(والله «١» لولا الله ما اهتدينا ... ولا تصدّقنا ولا صلّينا)
وبعده كما في «العيون» :
إنّا إذا قوم بغوا علينا ... وإن أرادوا فتنة أبينا
فأنزلن سكينة علينا ... وثبّت الأقدام إن لاقينا
فقال ﷺ : «يرحمك الله» وفي رواية:
«غفر لك ربك» وما استغفر رسول الله ﷺ لإنسان يخصّه في مثل هذا الموطن إلّا استشهد، ولذا قال عمر ﵁ كما في الصحيح: (وجبت يا نبيّ الله، لو أمتعتنا به) .
استشهاد عامر بن الأكوع:
وقد أشار الناظم إلى هذا بقوله:
(وإذ ترحّم) عليه بقوله ذلك (للإنشاد) لذلك الرجز،
стр. 540
واستشعر الفاروق أن يستشهدا ... وأخبر الهادي به باد بدا
فقوله: (عليه) ، متعلق ب (ترحّم) (هلك) أي: مات، نظيره قوله تعالى: وَلَقَدْ جاءَكُمْ يُوسُفُ مِنْ قَبْلُ بِالْبَيِّناتِ فَما زِلْتُمْ فِي شَكٍّ مِمَّا جاءَكُمْ بِهِ حَتَّى إِذا هَلَكَ قُلْتُمْ الآية من (سورة غافر) (من رجوع سيفه) أي: عامر (إليه) وهو يقاتل، فأصاب ركبته.
(واستشعر) أي: فطن سيدنا عمر (الفاروق) بين الحق والباطل، والإيمان والكفر، من قوله ﷺ ذلك (أن يستشهدا) بالبناء للمفعول؛ أي: في هذه الغزوة (وأخبر) بالبناء للمفعول (الهادي) ﷺ (به) أي: بموت عامر برجوع سيفه عليه (باد) بالتنوين (بدا) بصيغة الماضي، بمعنى: أول كل شيء، وهذه الكلمة فيها لغات كثيرة، وذكرها في «القاموس» في مادة (بدأ) وضبطها السيد الزّبيدي في «شرحه» ضبطا يرجع إليه؛ فإنّ النسخ من «القاموس» في هذا الموضع في اختلاف شديد، ومصادمة بعضها مع بعض، فليكن الناظر على حذر منها.
قال الإمام البخاريّ في «الصحيح» من حديث طويل، من رواية يزيد بن أبي عبيد مولى سلمة، عن سلمة بن عمرو بن الأكوع وفيه: (فلمّا تصافّ القوم.. كان سيف عامر قصيرا، فتناول به ساق يهوديّ ليضربه، فرجع ذباب سيفه أي: طرفه الأعلى- فأصاب عين ركبة عامر فمات منه، قال: فلمّا قفلوا- أي: رجعوا من خيبر- قال سلمة: رآني
стр. 541
رسول الله ﷺ وهو آخذ بيدي، فلمّا رآني رسول الله ﷺ شاحبا- أي: متغير اللون- قال: «مالك؟» قلت له: فداك أبي وأمي، زعموا أنّ عامرا حبط عمله، قال النّبيّ ﷺ : «كذب من قاله، وإنّ له لأجرين- وجمع بين إصبعيه- إنّه لجاهد مجاهد، قلّ عربي مشى بها مثله» ) اهـ، والضمير في قوله «بها» للأرض أو المدينة، أو الحرب، أو الخصلة.
وقال ابن إسحاق: (حدّثني محمّد بن إبراهيم التّيمي، عن أبي الهيثم بن نصر الأسلمي، أنّ أباه حدّثه: أنّه سمع رسول الله ﷺ يقول في مسيره إلى خيبر لعامر بن الأكوع، وهو عم سلمة بن عمرو بن الأكوع، وكان اسم الأكوع سنانا: «انزل يا ابن الأكوع، فخذ لنا من هناتك» قال: فنزل يرتجز برسول الله ﷺ :
والله لولا الله ما اهتدينا ...
إلى آخر الأبيات، فقال ﷺ : «يرحمك الله» فقال عمر بن الخطاب: وجبت والله يا رسول الله، لو أمتعتنا به، فقتل يوم خيبر شهيدا، وكان قتله فيما بلغني: أنّ سيفه رجع عليه وهو يقاتل فكلمه- أي: جرحه- كلما شديدا، فمات منه، فكان المسلمون قد شكّوا فيه، وقالوا:
إنّما قتله سلاحه، حتى سأل ابن أخيه سلمة بن عمرو بن الأكوع رسول الله ﷺ عن ذلك، وأخبره بقول
стр. 542
وقتلت تسعون من يهودا ... واستشهدت (يه) ولا مزيدا
الناس، فقال رسول الله ﷺ : «إنّه لشهيد» وصلّى عليه، فصلّى عليه المسلمون. قال في «روض النّهاة» : (لأنّه تأخّر موته عن المعركة) .
(وقتلت) في غزوة خيبر (تسعون) بفوقية قبل السين (من يهودا) لعنهم الله تعالى، وزاد في «العيون» كابن سعد عليها ثلاثة فقال في «الطبقات» : (وقتل منهم ثلاثة وتسعون رجلا من يهود: الحارث أبو زينب، ومرحب، وأسير، وياسر، وعامر، وكنانة بن أبي الحقيق، وأخوه، وإنّما ذكرنا هؤلاء وسميناهم لشرفهم؛ أي: في قومهم) .
شهداء الصحابة خمسة عشر في خيبر:
(واستشهدت) من أصحاب النّبيّ ﷺ (يه) أي: خمسة عشر (ولا مزيدا) عليها.
قال ابن سعد في «الطبقات» : (واستشهد من أصحاب النّبيّ ﷺ بخيبر: ربيعة بن أكثم، وثقف بن عمرو بن سميط، ورفاعة بن مسروح، وعبد الله بن الهبيب حليف لبني أسد بن عبد العزّى- ومحمود بن مسلمة، وأبو ضياح بن ثابت بن النعمان من أهل بدر، والحارث بن حاطب من أهل بدر، وعروة بن مرة بن سراقة، وأوس بن القائد، وأنيف بن حبيب، ومسعود بن سعد بن قيس، وبشر بن البراء بن معرور- مات من الشاة المسمومة- وفضيل بن النعمان، وعامر بن الأكوع- أصاب نفسه، فدفن
стр. 543
هو ومحمود بن مسلمة في غار واحد بالرجيع بخيبر- وعمارة بن عقبة بن عباد بن مليل، ويسار العبد الأسود، ورجل من أشجع، فجميعهم خمسة عشر رجلا) .
قلت: بالعدّ يظهر أنّهم يزيدون على ذلك، والعلم عند الله تعالى.
استشهاد يسار الراعي:
قال ابن إسحاق: (وكان من حديث الأسود الراعي «١» فيما بلغني عنه: أنّه أتى رسول الله ﷺ وهو محاصر لبعض حصون خيبر، ومعه غنم له، كان فيها أجيرا لرجل من يهود، فقال: يا رسول الله؛ اعرض عليّ الإسلام، فعرضه عليه، فأسلم، وكان رسول الله ﷺ لا يحقر أحدا أن يدعوه إلى الإسلام ويعرضه عليه، فلمّا أسلم.. قال: يا رسول الله؛ إنّي كنت أجيرا لصاحب هذه الغنم، وهي أمانة عندي، فكيف أصنع بها؟ قال: «اضرب في وجوهها، فإنّها سترجع إلى ربها» أو كما قال، فقام الأسود، فأخذ حفنة من الحصى، فرمى بها في وجوهها وقال: ارجعي إلى صاحبك، فوالله لا أصحبك أبدا،
стр. 544
ومرّ راجعا إلى وادي القرى ... فشاطرت يهوده خير الورى
فخرجت مجتمعة كأنّ سائقا يسوقها، حتى دخلت الحصن على ربها، ثمّ تقدم إلى ذلك الحصن ليقاتل مع المسلمين، فأصابه حجر فقتله، وما صلّى لله صلاة قطّ، فأتي به رسول الله ﷺ ، فوضع خلفه، وسجّي بشملة كانت عليه، فالتفت إليه رسول الله ﷺ ومعه نفر من أصحابه، ثمّ أعرض عنه، فقالوا: يا رسول الله؛ لم أعرضت عنه؟ قال: «إنّ معه الآن زوجتيه من الحور العين، تنفضان التراب عن وجهه» وتقولان: ترّب الله وجه من ترّبك، وقتل من قتلك» ) .
(٢٥) غزوة وادي القرى
ثمّ ذيّل الناظم غزوة خيبر بالكلام على وادي القرى- بضم القاف، وفتح الراء مقصورا- إذ هي في طريقه إلى المدينة المنوّرة، فقال:
(ومرّ) رسول الله ﷺ من خيبر سنة سبع في جمادى الآخرة (راجعا إلى وادي القرى) وهو اسم لقرية من قرى اليهود، بين المدينة وخيبر، وهي الآن من أعمال المدينة، وتسمّى بالعلى، فدعا أهلها إلى الإسلام، فامتنعوا من ذلك، وقاتلوا، ففتحها رسول الله ﷺ عنوة، وغنّمه الله أموال أهلها، وأصاب المسلمون منهم أثاثا
стр. 545
وأهلكوا غلامه ذا الشّمله ... أغلّها فهي عليه شعله
ومتاعا، فخمّس رسول الله ﷺ ذلك، ترك الأرض والنخل في أيدي يهود، وعاملهم على نحو ما عامل عليه أهل خيبر كما قال الناظم:
(فشاطرت) أي: قاسمت بالنصف (يهوده) أي:
الوادي (خير الورى) ﷺ ، قال الحافظ:
(واستعمل ﷺ عمرو بن سعيد بن العاصي على وادي القرى، وقبض وهو عليها) .
(وأهلكوا) أي: اليهود في هذه القضية بوادي القرى (غلامه) أي: عبده المسمى: مدعما- بكسر الميم وسكون الدال وفتح المهملتين- بسهم غرب أصابه (ذا) أي: صاحب (الشّملة) بفتح الشين، هي كساء يشتمل به (أغلّها) أي:
أصابها من الغنائم، ولم تصبها المقاسم (ف) لذلك (هي عليه شعلة) من نار، والشعلة: ما تشتعل فيه النار من حطب ونحوه.
قال في «العيون» بسنده إلى أبي هريرة: (خرجنا مع رسول الله ﷺ عام خيبر، فلم نغنم ذهبا ولا ورقا إلّا الثياب والمتاع والأموال، قال: فوجّه رسول الله ﷺ نحو وادي القرى، وقد أهدي لرسول الله ﷺ عبد أسود «١» يقال له: مدعم، يحطّ رحل رسول الله ﷺ ، إذ جاءه سهم عائر فقتله،
стр. 546
فقال الناس: هنيئا له الجنة، فقال رسول الله ﷺ : «كلّا والذي نفسي بيده؛ إنّ الشّملة التي أخذها يوم خيبر من الغنائم لم تصبها المقاسم.. لتشتعل عليه نارا» فلمّا سمعوا بذلك.. جاء رجل بشراك أو شراكين إلى رسول الله ﷺ ، فقال رسول الله ﷺ :
«شراك من نار» أو «شراكان من نار» ) .
قال في «الإمتاع» : (فلمّا انتهى إلى وادي القرى..
استقبله اليهود بالرمي، فقتل مدعم بسهم، فعبأ ﵊ أصحابه، وصفّهم للقتال، ثمّ دعاهم إلى الإسلام فأبوا، وبرزوا فقتل منهم أحد عشر رجلا، وبات عليهم، وغدا لقتالهم، فأعطوا بأيديهم، فأخذها عنوة، وغنم ما فيها، فقسمه وعامل يهود على النخل، وانصرف ﵊ من وادي القرى وقد أقام أربعة أيام يريد المدينة، فلمّا قرب منها.. نزل وعرّس، فنام ومن معه عن صلاة الصبح حتى طلعت الشمس، ثمّ صلّى بهم، فلمّا سلّم قال: «كانت أنفسنا بيد الله، فلو شاء.. قبضها، فلمّا ردها إلينا.. صلينا» .
ولمّا نظر ﵊ إلى أحد قال: «هذا جبل يحبنا ونحبه، اللهم إنّي حرمت ما بين لابتي المدينة» ولما قدم المدينة.. اتخذ المنبر، وله درجتان والمستراح، وخطب عليه، فحنّ الجذع الذي كان يستند إليه إذا خطب) اهـ
стр. 547
ثمّ إلى الرّوم النّبيّ استنفرا ... بمؤتة جيشا عليه أمّرا
(٢٦) غزوة مؤتة
مؤتة: بالهمزة والميم المضمومة، قال السهيليّ في «الروض الأنف» : (وهي مهموزة الواو، وهي قرية من أرض البلقاء من الشام، وأمّا الموتة بلا همز.. فضرب من الجنون، وفي الحديث: أنّ النّبيّ ﷺ كان يقول في صلاته: «أعوذ بالله من الشيطان الرجيم؛ من همزه، ونفخه، ونفثه» وفسّره راوي الحديث فقال: نفثه:
الشعر، ونفخه: الكبر، وهمزه: الموتة) اهـ
وعدّها من الغزوات مع عدم حضوره ﷺ فيها؛ تبعا لابن سيد الناس اليعمري في «العيون» ولمن قبله.
قال ابن إسحاق في «سيرته» : (ذكر غزوة مؤتة من أرض الشام) وترجم الإمام البخاري في «جامعه الصحيح» بقوله:
(غزوة مؤتة) وإلّا.. فهي من جملة السّرايا.
وكانت في جمادى الأولى سنة ثمان من مهاجر رسول الله ﷺ ، على ما ذكره ابن إسحاق، قال الحافظ: (وأهل المغازي لا يختلفون في ذلك، إلّا ما ذكر خليفة في «تاريخه» : أنّها كانت سنة سبع، ووقع في «جامع الترمذيّ» : أنّها كانت قبل عمرة القضاء، قال البرهان: وهو غلط بلا شك) .
(ثم إلى) قتال (الروم) جيل قيصر، وهم بنو روم بن
стр. 548
زيد بن حارثة ثمّ جعفرا ... فابن رواحة ولأيا انبرا
عيص بن سيدنا إسحاق، ويقال لهم: بنو الأصفر بن روم؛ أو لأنّ جيلا آخر غلبهم، فوطئ نساءهم فجئن بأولاد صفر، قاله في «روض النّهاة» (النّبي) ﷺ (استنفرا) أي: طلب جيشا أن ينفر (بمؤتة) بالتنوين لضرورة الشعر، قال في «الأساس» كما نقله عنه في «شرح القاموس» : (استنفر الإمام الرعية: كلّفهم أن ينفروا خفافا وثقالا) (جيشا) عدده ثلاثة آلاف، والكفار مئتا ألف.
سبب هذه الغزوة:
وسبب هذا الاستنفار: ما ذكره الحافظ اليعمريّ في «العيون» وجزم به: (أنّ رسول الله ﷺ بعث الحارث بن عمير الأزديّ- أحد بني لهب- بكتابه إلى الشام، إلى ملك الروم، وقيل: إلى ملك بصرى، فعرض له شرحبيل بن عمرو الغسّانيّ، فأوثقه رباطا، ثم قدّم فضرب عنقه صبرا، ولم يقتل لرسول الله ﷺ رسول غيره، فاشتدّ ذلك عليه حين بلغه الخبر عنه فبعث هذا الجيش) .
وأمّر عليه واحدا، ثمّ واحدا، من ثلاثة على الترتيب، كما قال: (عليه أمّرا زيد بن حارثة، ثمّ جعفرا) إن أصيب زيد (فابن رواحة) عبد الله، إن أصيب جعفر بن أبي طالب، ومن هنا سمّي هذا الجيش بجيش الأمراء.
روى أحمد والنّسائي- وصححه ابن حبان- من حديث
стр. 549
أبي قتادة: (بعث رسول الله ﷺ جيش الأمراء: وقال: «عليكم زيد بن حارثة، فإن أصيب زيد..
فجعفر ... » الحديث، وفيه: فوثب جعفر وقال: بأبي أنت وأمّي يا رسول الله، ما كنت أرهب أن تستعمل عليّ زيدا، قال: «امض؛ فإنّك لا تدري أيّ ذلك خير» ) .
قال الشهاب في «المواهب» : (وعقد لهم رسول الله ﷺ لواء أبيض، ودفعه إلى زيد، وأوصاهم أن يأتوا مقتل الحارث بن عمير، وهو مؤتة، وأن يدعوا من هناك إلى الإسلام، فإن أجابوا، وإلّا.. استعينوا عليهم بالله وقاتلوهم) .
قال الزرقاني: (فأسرع الناس بالخروج، وعسكروا بالجرف، وخرج رسول الله ﷺ مشيّعا لهم حتى بلغ ثنية الوداع، فوقف وودّعهم) .
وصية الرسول ﷺ للجيش:
روى الواقديّ عن زيد بن أرقم رفعه، قال: «أوصيكم بتقوى الله، وبمن معكم من المسلمين خيرا، اغزوا باسم الله في سبيل الله، فقاتلوا من كفر بالله، لا تغدروا ولا تغلّوا، ولا تقتلوا وليدا، ولا امرأة، ولا كبيرا فانيا، ولا منعزلا بصومعة، ولا تقربوا نخلا، ولا تقطعوا شجرا، ولا تهدموا بناء» «١» .
стр. 550
بكاء عبد الله بن رواحة خوفا من النار:
وذكر ابن إسحاق من مرسل عروة: أنّه لمّا حضر خروجهم.. ودّع الناس أمراء رسول لله ﷺ ، وسلّموا عليهم، فلمّا ودّع عبد الله بن رواحة مع من ودّع من أمراء رسول الله ﷺ .. بكى، فقالوا:
ما يبكيك يا بن رواحة؟ فقال: أما والله ما بي حبّ الدنيا، ولا صبابة بكم، ولكني سمعت رسول الله ﷺ يقرأ آية من كتاب الله يذكر فيها النار وَإِنْ مِنْكُمْ إِلَّا وارِدُها كانَ عَلى رَبِّكَ حَتْماً مَقْضِيًّا «١» فلست أدري كيف لي بالصدر بعد الورود.
قيل: إنّ عبد الله بن رواحة بعد ذلك قال: إن كانت زوجتي.. فهي طالق، وإن كان عبدي.. فهو حر لوجه الله، وإن كان مالي.. فهو صدقة للمسلمين، فأخذ سلاحه وسار،
стр. 551
وقال لهم المسلمون: صحبكم الله، ودفع عنكم، وردّكم إلينا صالحين غانمين، فقال عبد الله بن رواحة:
لكنّني أسأل الرّحمن مغفرة ... وضربة ذات فرغ «١» تقذف الزّبدا
أو طعنة بيدي حرّان مجهزة ... بحربة تنفذ الأحشاء والكبدا
حتّى يقال إذا مرّوا على جدثي ... أرشده الله من غاز وقد رشدا
قال ابن إسحاق: (ثمّ إنّ القوم تهيّؤوا للخروج، فأتى عبد الله بن رواحة رسول الله ﷺ فودّعه) .
ثمّ قال فيما ذكره ابن هشام:
أنت الرسول فمن يحرم نوافله ... والوجه منه فقد أزرى به القدر
فثبّت الله ما آتاك من حسن ... في المرسلين، ونصرا كالذي نصروا
إنّي تفرّست فيك الخير نافلة ... فراسة خالفت فيك الذي نظروا
стр. 552
تشجيع ابن رواحة الجيش على لقاء هرقل:
ثمّ مضوا حتى نزلوا معان «١» من أرض الشام، فبلغ الناس أنّ هرقل قد نزل مآب- بفتح الهمزة ومدها، آخره موحدة- من أرض البلقاء في مئة ألف من الروم، وانضمّ إليهم من لخم، وجذام، والقين، وبهراء، وبليّ مئة ألف.
فلمّا بلغ ذلك المسلمين.. أقاموا على معان ليلتين يفكرون في أمرهم، وقالوا: نكتب إلى رسول الله ﷺ ، فنخبره بعدد عدوّنا؛ فإمّا أن يمدّنا بالرجال، وإمّا أن يأمرنا بأمره، فنمضي له، فشجع الناس عبد الله بن رواحة وقال: يا قوم؛ والله إنّ التي تكرهون للّتي خرجتم لها تطلبون: الشهادة، وما نقاتل الناس بعدد، ولا قوة، ولا كثرة، ولا نقاتلهم إلّا بهذا الدين الذي أكرمنا الله به، فانطلقوا، فإنّما هي إحدى الحسنيين: إمّا ظهور، وإمّا شهادة، فقال الناس: قد والله صدق ابن رواحة، فمضى الناس، حتى إذا كانوا بتخوم البلقاء.. لقيتهم جموع هرقل من الروم والعرب، بقرية من قرى البلقاء يقال لها: المشارف، ثمّ دنا العدوّ، وانحاز المسلمون إلى مؤتة، فالتقى الناس عندها، فتعبّى لهم المسلمون، فجعلوا على ميمنتهم قطبة بن قتادة العذريّ، وعلى ميسرتهم عباية بن مالك الأنصاريّ.
стр. 553
استشهاد زيد وجعفر وابن رواحة:
ثمّ التقى الفريقان، فقاتل زيد بن حارثة براية رسول الله ﷺ حتى شاط في رماح القوم، وقتل طعنا بالرماح، ثمّ أخذها جعفر فقاتل بها، حتى إذا ألحمه القتال..
نزل عن فرس له شقراء عقرها «١» ، فقاتل حتى قتل، فكان جعفر أول رجل من المسلمين عقر في الإسلام، فقاتل حتى قتل وهو يقول:
يا حبّذا الجنة واقترابها ... طيّبة وباردا شرابها
والروم روم قد دنا عذابها ... كافرة بعيدة أنسابها
عليّ إذ لاقيتها ضرابها
قال ابن هشام: (وحدّثني من أثق به من أهل العلم: أنّ جعفر بن أبي طالب أخذ اللواء بيمينه.. فقطعت، فأخذه بشماله.. فقطعت، فاحتضنه بعضديه حتى قتل ﵁
стр. 554
وهو ابن ثلاث وثلاثين سنة، فأثابه الله بذلك جناحين «١» في الجنة يطير بهما حيث شاء، ويقال: إنّ رجلا من الروم ضربه يومئذ ضربة فقطعه بنصفين. فلمّا قتل جعفر.. أخذ اللواء عبد الله بن رواحة، وتقدم به وهو على فرسه، فجعل يستنزل نفسه، ويتردد بعض التردد، ثمّ قال:
أقسمت يا نفس لتنزلنّه ... لتنزلنّ أو لتكرهنّه
стр. 555
إن أجلب الناس وشدّوا الرّنّه ... ما لي أراك تكرهين الجنّه
قد طالما قد كنت مطمئنّه ... هل أنت إلّا نطفة في شنّه
وقال أيضا:
يا نفس إن لم تقتلي تموتي ... هذا حمام الموت قد صليت
وما تمنّيت فقد أعطيت ... إن تفعلي فعلهما هديت
يريد ب (فعلهما) : فعل زيد وجعفر، فلمّا نزل.. أتاه ابن عمه بعرق من لحم، فقال: شدّ بهذا صلبك؛ فإنّك قد لقيت في أيامك هذه ما لقيت، فأخذه من يده، ثمّ انتهس منه نهسة، ثمّ سمع الحطمة في ناحية الناس، فقال: وأنت في الدنيا؟ ثمّ ألقاه من يده، ثمّ أخذ سيفه، فتقدم فقاتل حتى قتل.
تأمر خالد بن الوليد:
ثمّ أخذ الراية ثابت بن أقرم أخو بني العجلان فقال:
يا معشر المسلمين؛ اصطلحوا على رجل منكم، قالوا:
أنت، قال: ما أنا بفاعل، فاصطلح الناس على خالد بن
стр. 556
الوليد، فلمّا أخذ الراية.. دافع القوم وخاشاهم «١» حتى انصرف الناس.
وروى الطّبراني من حديث أبي اليسر الأنصاريّ، كما نقله عنه في «الفتح» قال: أنا دفعت الراية إلى ثابت بن أقرم لمّا أصيب عبد الله بن رواحة، فدفعها إلى خالد بن الوليد، وقال: أنت أعلم بالقتال مني.
وقول الناظم: (ولأيا انبرا) أي: مشى عبد الله بن رواحة بعد لأي- بفتح اللام وسكون الهمزة- أي: بطء، وذلك أنّه ﵁ تلكأ في المسير، وبكى، ثمّ قال: والله؛ ما بي حب الدنيا ... إلى آخر ما تقدم.
ويحتمل أن يكون المعنى: أنّ الجيش المذكور انبرى، وسار في هذه الغزوة بعد جهد ومشقة؛ لقلّة المسلمين، وكثرة الكافرين، وبعد السفر والشقة وإن كانت العاقبة للمسلمين.
واللأي: كالسعي، قال زهير بن أبي سلمى:
وقفت بها من بعد عشرين حجّة ... فلأيا عرفت الدّار بعد توهّم
стр. 557
ورفعت للهاشميّ المعركه ... فعاين الّذي أتوا وأدركه
إخبار الرسول ﷺ أصحابه بما وقع قبل وصول الخبر:
وكشفت الأرض لرسول الله ﷺ حتى نظر إلى معترك القوم عيانا، كما أشار إلى ذلك الناظم بقوله:
(ورفعت للهاشميّ) ﷺ (المعركة) بفتح الراء وتضم؛ أي: موضع قتال القوم (فعاين الذي أتوا) من نزال الأمراء الثلاثة، وكيف استشهدوا، وغير ذلك ممّا سبق لك، وأخبر به أصحابه بالمدينة قبل وصول الخبر بأيام وقال: «إنّ الله زوى لي الأرض حتى رأيت معترك القوم» .
وقوله: (وأدركه) أي: تحققه، أتى به بعد قوله:
(وعاين) زيادة في الفائدة، وذلك أنّ الإنسان قد يرى شيئا، ويعاينه، ولم يتحققه، فكان هذا أقرب إلى التأسيس منه إلى التأكيد، خلافا لما ذكره في «روض النّهاة» من أنّه لمحض التأكيد؛ إذ التأسيس هو الأليق أن يحمل الكلام عليه مهما أمكن، ويساعد هذا الحمل ما علّل هو به ممّا ذكرته هنا.
قال الشهاب في «المواهب» : (وذكر موسى بن عقبة في «المغازي» : أنّ يعلى بن أميّة قدم بخبر أهل مؤتة، فقال له رسول الله ﷺ : «إن شئت.. فأخبرني، وإن شئت.. أخبرتك» قال: أخبرني، فأخبره خبرهم، فقال: والذي بعثك بالحق؛ ما تركت من حديثهم حرفا لم تذكره) وتمامه كما عند الزرقاني: (وإنّ أمرهم لكما ذكرت، فقال ﷺ : «إنّ الله رفع لي الأرض حتى رأيت معتركهم» ) .
стр. 558
وروى الإمام البخاري في «جامعه» عن أنس ﵁: (أنّ النّبيّ ﷺ نعى زيدا وجعفرا وابن رواحة للناس، قبل أن يأتيهم خبرهم، فقال: «أخذ الراية زيد فأصيب، ثمّ أخذها جعفر فأصيب، ثمّ أخذها ابن رواحة فأصيب- وعيناه تذرفان- حتى أخذ الراية سيف من سيوف الله، حتى فتح الله عليهم» وفي رواية: «ثمّ أخذ اللواء خالد بن الوليد، ولم يكن من الأمراء، وهو أمير نفسه، ثمّ قال ﷺ : «اللهمّ؛ إنّه سيف من سيوفك، فأنت تنصره» فمن يومئذ سمّي سيف الله.
انتصار جيش المسلمين:
وفي قوله ﷺ هذا: دليل على أنّ أهل مؤتة رجعوا منصورين، قال الشهاب عن الحاكم: (قاتلهم خالد بن الوليد، فقتل منهم مقتلة عظيمة، وأصاب غنيمة؛ أي: فكانت الهزيمة على المشركين) .
ومن أجل ذلك لمّا قال في «المواهب» : (إنّه قتل من قتل من المسلمين) أي: وهم اثنا عشر.. قال الزرقاني:
(وفي هذا عناية من الله بالإسلام وأهله، ومزيد إعزاز ونصر لهم؛ إذ جيش عدّته ثلاثة آلاف، يلقى أكثر من مئتي ألف، فلا يقتل منهم إلّا اثنا عشر، مع أنّهم اقتتلوا مع المشركين سبعة أيام) .
ولمّا دنا الجيش من المدينة قافلا.. لقيهم الصبيان
стр. 559
يشتدون، ورسوله الله ﷺ مقبل مع القوم على دابة، فقال: خذوا الصبيان فاحملوهم، وأعطوني ابن جعفر، فأتي بعبد الله، فحمله بين يديه، وجعل الناس يحثون التراب على الجيش، ويقولون: يا فرّار، فررتم في سبيل الله؟! فيقول رسول الله: «ليسوا بالفرار، ولكنّهم الكرّار إن شاء الله تعالى» .
التعريف بالأمراء الثلاثة:
وحيث حدابنا المقام إلى هؤلاء الأمراء الثلاثة.. فلا بأس أن نلمّ بشيء من التعريف بهم؛ تيمّنا بذكراهم وإن كانوا في غنية عن التعريف؛ لشرفهم العظيم بالانتساب الحقيقي إلى الجناب النبويّ، رضوان الله تعالى عليهم، لكنّا في شديد الحاجة إلى معرفة حياتهم في ذلك العصر النبويّ؛ لنقتفي آثارهم، ونتيمّن بمآثرهم، ونعطر النواحي بأريج شذاهم، فأقول، وبهم على العدا أصول:
زيد بن حارثة:
أمّا سيدنا زيد: فهو ابن حارثة بن شراحيل- بفتح الشين- ابن كعب الكلبيّ نسبا، القرشيّ بالولاء، حبّ رسول الله، وأبو حبّه، وأمّه سعدى بنت ثعلبة من بني معن من طيء، يقال: إنّها زارت قومها وزيد معها، فأغارت خيل لبني القين بن جسر في الجاهلية على أبيات بني معن، فاحتملوا زيدا وهو غلام يفعة، فأتوا به في سوق عكاظ، فعرضوه
стр. 560
للبيع، فاشتراه حكيم بن حزام لعمته خديجة بأربع مئة درهم، وهو ابن ثمان سنين، كما قاله في «تهذيب الأسماء» فلمّا تزوّجها رسول الله ﷺ .. وهبته له، وكان أبوه حارثة حين فقده قال:
بكيت على زيد ولم أدر ما فعل ... أحيّ فيرجى أم أتى دونه الأجل
من أبيات استوفاها الحافظ ابن عبد البر في «الإستيعاب» ثمّ إنّه حجّ ناس من كلب، فرأوا زيدا، فعرفهم وعرفوه، فقال: أبلغوا أهلي هذه الأبيات:
أحنّ إلى قومي وإن كنت نائيا ... فإنّي قعيد البيت عند المشاعر
فكفّوا من الوجد الذي قد شجاكم ... ولا تعملوا في الأرض نص الأباعر
فإنّي بحمد الله في خير أسرة ... كرام معدّ، كابرا، بعد كابر
فانطلقوا فأعلموا أباه، ووصفوا له موضعه، فخرج حارثة وكعب أخوه بفدائه، فقدما مكة، فسألا عن النّبيّ ﷺ ، فقيل: هو في المسجد، فدخلا عليه، فقالا:
يا ابن عبد المطلب، يا ابن سيد قومه؛ أنتم أهل حرم الله:
تفكّون العاني، وتطعمون الأسير، جئناك في ولدنا عبدك، فامنن علينا، وأحسن في فدائه، قال: «وما ذاك؟» قالوا:
стр. 561
زيد بن حارثة، فقال: «أو غير ذلك؟ ادعوه فخيّروه، فإن اختاركم.. فهو لكم بغير فداء، وإن اختارني.. فو الله؛ ما أنا بالذي أختار على من اختارني فداء» قالوا: زدتنا على النّصف، فدعاه، فقال: «هل تعرف هؤلاء؟» قال: نعم، هذا أبي، وهذا عمي، قال: «فأنا من قد رأيت صحبتي لك، فاخترني أو اخترهما» فقال زيد: ما أنا بالذي أختار عليك أحدا، أنت مني بمكان الأب والعم، فقالا: ويحك! أتختار العبودية على الحرية، وعلى أبيك وعمك وأهل بيتك؟! فقال: نعم؛ إنّي قد رأيت من هذا الرجل شيئا ما أنا بالذي أختار عليه أحدا، فلمّا رأى رسول الله ﷺ ذلك.. أخرجه إلى الحجر فقال: «اشهدوا أنّ زيدا ابني، يرثني وأرثه» فلمّا رأى ذلك أبوه وعمه.. طابت أنفسهما وانصرفا، فدعي زيد بن محمّد، حتى جاء الله بالإسلام وأنزل قوله تعالى: ادْعُوهُمْ لِآبائِهِمْ الآية.
ولمّا تبنّاه.. زوّجه ﷺ زينب بنت جحش، بنت عمة رسول الله ﷺ ، أميمة بنت عبد المطلب، قال ابن عمر ﵄: ما كنا ندعو زيد بن حارثة إلّا زيد بن محمّد حتى نزلت ادْعُوهُمْ لِآبائِهِمْ أخرجه البخاريّ.
قال الحافظ في «الإصابة» : (ويقال: إنّ النّبيّ ﷺ سمّاه زيدا؛ لمحبة قريش في هذا الاسم، وهو اسم قصيّ) .
стр. 562
قلت: وقد تقدم في شعر أبيه ما يدل على أنّه يسمى زيدا من قبل، فلعلّ المراد- إن ثبت ما ذكر- أنّه ﵊ أثبت هذا الاسم وقرره ولم يغيّره، كما كان يغير بعض أسماء من أسلم، والله أعلم.
ثمّ قال في «الإصابة» : (قال عبد الرزاق عن معمر، عن الزّهريّ قال: ما نعلم أنّ أحدا أسلم قبل زيد بن حارثة) .
قلت: وقال غيره: أول من أسلم علي بن أبي طالب، أو خديجة بنت خويلد، أو أبو بكر الصدّيق، أو بلال، وقد أشار إلى هذا الاختلاف والجمع بين الأقوال بما يصير به الخلاف لفظيا.. الحافظ السيوطيّ في «نظم الدرر» بقوله:
واختلفوا أوّلهم إسلاما ... وقد رأوا جمعهم انتظاما
أول من أسلم في الرجال ... صدّيقهم وزيد في الموالي
وفي النسا خديجة، وذي الصّغر ... عليّ، والرق بلال استقر
مناقب زيد:
ومن المناقب التي حفظت لزيد: أنّه ذكر في القرآن باسمه العلم، وليس ذلك لغيره، وما قيل: إنّ السّجلّ في قوله تعالى: كَطَيِّ السِّجِلِّ لِلْكُتُبِ هو اسم كاتب.. فضعيف أو غلط كما قاله النووي في «التهذيب» .
стр. 563
قال في «روض النهاة» عن السهيلي: (ولمّا نزلت الآية يعني قوله تعالى: ادْعُوهُمْ لِآبائِهِمْ فامتثلها زيد، وقال:
أنا ابن حارثة. جبر الله وحشته، وشرّفه بأن سمّاه باسمه في القرآن، فقال تعالى: فَلَمَّا قَضى زَيْدٌ مِنْها وَطَراً حتى صار وحيا يتلى في المحاريب، فنوّه به غاية التنويه، فكان في هذا تأنيس له، وعوض من أبوّة سيدنا محمّد ﷺ له، ألا ترى قول أبيّ بن كعب حين قال النّبيّ ﷺ : «إنّ الله تعالى أمرني أن أقرأ عليك سورة كذا» يعني (سورة لم يكن) فبكى أبيّ، قال: وذكرت هنا لك؟! وكان بكاؤه من الفرح حين أخبر أنّ الله تعالى ذكره، فكيف بمن صار اسمه قرآنا يتلى مخلّدا لا يبيد؟ يتلوه أهل الدنيا إذا قرؤوا القرآن، وأهل الجنة كذلك في الجنان، ثمّ زاده في الآية غاية الإحسان إذ قال: وَإِذْ تَقُولُ لِلَّذِي أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِ يعني:
بالإيمان، فدلّ على أنّه عند الله من أهل الجنان، وهذه فضيلة أخرى، هي غاية منتهى أمنية الإنسان) .
قال في «الإصابة» : (شهد زيد بن حارثة بدرا وما بعدها.
وعن البراء بن عازب أنّ زيدا قال: يا رسول الله؛ آخيت بيني وبين حمزة، أخرجه أبو يعلى.
وعن محمّد بن أسامة بن زيد عن أبيه قال: قال رسول الله ﷺ لزيد بن حارثة: «يا زيد؛ أنت مولاي،
стр. 564
ومني، وإليّ، وأحب الناس إليّ» أخرجه ابن سعد بإسناد حسن.
وعن ابن عمر قال: قال رسول الله ﷺ :
«وايم الله؛ إن كان لخليقا للإمارة- يعني زيد بن حارثة- وإن كان لمن أحب الناس إليّ» أخرجه البخاري.
وعن ابن عمر أيضا: افترض عمر لأسامة أكثر ممّا فرض لي، فسألته، فقال: إنّه كان أحب إلى رسول الله ﷺ منك، وإنّ أباه كان أحب إلى رسول الله ﷺ من أبيك. قال الحافظ: صحيح) .
قلت: وهذا من سيدنا عمر تواضع وإظهار لفضيلة أسامة وأبيه، والمؤمن يهضم نفسه.
وذكر الحافظ ابن عبد البر في «الإستيعاب في أسماء الأصحاب» بسنده إلى الليث بن سعد قال: (بلغني أنّ زيد بن حارثة اكترى من رجل بغلا من الطائف، واشترط عليه المكري أن ينزله حيث شاء، قال: فمال به إلى خربة، فقال له:
انزل، فنزل، فإذا في الخربة قتلى كثيرون، قال: فلمّا أراد أن يقتله.. قال له: دعني أصلّي ركعتين، قال: صلّ؛ فقد صلّى قبلك هؤلاء، فلم تنفعهم صلاتهم شيئا، قال: فلمّا صلّيت.. أتاني ليقتلني، قال فقلت: يا أرحم الراحمين؛ قال: فسمع صوتا: لا تقتله، فهاب ذلك، فخرج يطلب صاحبه فلم يجد شيئا، فرجع إليّ، فناديت يا أرحم الرّاحمين
стр. 565
- فعل ذلك ثلاثا- فإذا أنا بفارس على فرس في يده حربة حديد، في رأسها شعلة من نار، فطعنه بها، فأنفذها من ظهره، فوقع ميتا. ثمّ قال لي: لمّا دعوت المرة الأولى:
يا أرحم الرّاحمين.. كنت في السماء السابعة، فلمّا دعوت المرة الثانية: يا أرحم الرّاحمين.. كنت في سماء الدنيا، فلمّا دعوت في المرة الثّالثة.. أتيتك) اهـ
وأشار الناظم في «عمود النسب» إلى هذه القصة بقوله:
والحب زيد اكترى من رجل ... مطية ونزلا بمنزل
ليس به غير عظام قتلا ... رجالها الرجل ذا وحملا
عليه فاستغاث زيد بالرحيم ... وعنه فرج بإهلاك الرجيم
وذكر الحافظ السيوطي وغيره: أنّه لا يعرف أربعة توالدوا صحابة لسوى أبي قحافة، وزيد بن حارثة، وأشار له في «نظم الدرر» بقوله:
وأربع توالدوا صحابه ... حارثة المولى أبو قحافه
فإنّه ولد لأسامة بن زيد ولد اسمه محمّد، على عهد النّبيّ ﷺ ، وحارثة تقدم أنّه شاهد النّبيّ ﷺ ، وأبو قحافة والد سيدنا أبي بكر