زيد بن حارثة، فقال: «أو غير ذلك؟ ادعوه فخيّروه، فإن اختاركم.. فهو لكم بغير فداء، وإن اختارني.. فو الله؛ ما أنا بالذي أختار على من اختارني فداء» قالوا: زدتنا على النّصف، فدعاه، فقال: «هل تعرف هؤلاء؟» قال: نعم، هذا أبي، وهذا عمي، قال: «فأنا من قد رأيت صحبتي لك، فاخترني أو اخترهما» فقال زيد: ما أنا بالذي أختار عليك أحدا، أنت مني بمكان الأب والعم، فقالا: ويحك! أتختار العبودية على الحرية، وعلى أبيك وعمك وأهل بيتك؟! فقال: نعم؛ إنّي قد رأيت من هذا الرجل شيئا ما أنا بالذي أختار عليه أحدا، فلمّا رأى رسول الله ﷺ ذلك.. أخرجه إلى الحجر فقال: «اشهدوا أنّ زيدا ابني، يرثني وأرثه» فلمّا رأى ذلك أبوه وعمه.. طابت أنفسهما وانصرفا، فدعي زيد بن محمّد، حتى جاء الله بالإسلام وأنزل قوله تعالى: ادْعُوهُمْ لِآبائِهِمْ الآية.
ولمّا تبنّاه.. زوّجه ﷺ زينب بنت جحش، بنت عمة رسول الله ﷺ ، أميمة بنت عبد المطلب، قال ابن عمر ﵄: ما كنا ندعو زيد بن حارثة إلّا زيد بن محمّد حتى نزلت ادْعُوهُمْ لِآبائِهِمْ أخرجه البخاريّ.
قال الحافظ في «الإصابة» : (ويقال: إنّ النّبيّ ﷺ سمّاه زيدا؛ لمحبة قريش في هذا الاسم، وهو اسم قصيّ) .
стр. 562
قلت: وقد تقدم في شعر أبيه ما يدل على أنّه يسمى زيدا من قبل، فلعلّ المراد- إن ثبت ما ذكر- أنّه ﵊ أثبت هذا الاسم وقرره ولم يغيّره، كما كان يغير بعض أسماء من أسلم، والله أعلم.
ثمّ قال في «الإصابة» : (قال عبد الرزاق عن معمر، عن الزّهريّ قال: ما نعلم أنّ أحدا أسلم قبل زيد بن حارثة) .
قلت: وقال غيره: أول من أسلم علي بن أبي طالب، أو خديجة بنت خويلد، أو أبو بكر الصدّيق، أو بلال، وقد أشار إلى هذا الاختلاف والجمع بين الأقوال بما يصير به الخلاف لفظيا.. الحافظ السيوطيّ في «نظم الدرر» بقوله:
واختلفوا أوّلهم إسلاما ... وقد رأوا جمعهم انتظاما
أول من أسلم في الرجال ... صدّيقهم وزيد في الموالي
وفي النسا خديجة، وذي الصّغر ... عليّ، والرق بلال استقر
مناقب زيد:
ومن المناقب التي حفظت لزيد: أنّه ذكر في القرآن باسمه العلم، وليس ذلك لغيره، وما قيل: إنّ السّجلّ في قوله تعالى: كَطَيِّ السِّجِلِّ لِلْكُتُبِ هو اسم كاتب.. فضعيف أو غلط كما قاله النووي في «التهذيب» .
стр. 563
قال في «روض النهاة» عن السهيلي: (ولمّا نزلت الآية يعني قوله تعالى: ادْعُوهُمْ لِآبائِهِمْ فامتثلها زيد، وقال:
أنا ابن حارثة. جبر الله وحشته، وشرّفه بأن سمّاه باسمه في القرآن، فقال تعالى: فَلَمَّا قَضى زَيْدٌ مِنْها وَطَراً حتى صار وحيا يتلى في المحاريب، فنوّه به غاية التنويه، فكان في هذا تأنيس له، وعوض من أبوّة سيدنا محمّد ﷺ له، ألا ترى قول أبيّ بن كعب حين قال النّبيّ ﷺ : «إنّ الله تعالى أمرني أن أقرأ عليك سورة كذا» يعني (سورة لم يكن) فبكى أبيّ، قال: وذكرت هنا لك؟! وكان بكاؤه من الفرح حين أخبر أنّ الله تعالى ذكره، فكيف بمن صار اسمه قرآنا يتلى مخلّدا لا يبيد؟ يتلوه أهل الدنيا إذا قرؤوا القرآن، وأهل الجنة كذلك في الجنان، ثمّ زاده في الآية غاية الإحسان إذ قال: وَإِذْ تَقُولُ لِلَّذِي أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِ يعني:
بالإيمان، فدلّ على أنّه عند الله من أهل الجنان، وهذه فضيلة أخرى، هي غاية منتهى أمنية الإنسان) .
قال في «الإصابة» : (شهد زيد بن حارثة بدرا وما بعدها.
وعن البراء بن عازب أنّ زيدا قال: يا رسول الله؛ آخيت بيني وبين حمزة، أخرجه أبو يعلى.
وعن محمّد بن أسامة بن زيد عن أبيه قال: قال رسول الله ﷺ لزيد بن حارثة: «يا زيد؛ أنت مولاي،
стр. 564
ومني، وإليّ، وأحب الناس إليّ» أخرجه ابن سعد بإسناد حسن.
وعن ابن عمر قال: قال رسول الله ﷺ :
«وايم الله؛ إن كان لخليقا للإمارة- يعني زيد بن حارثة- وإن كان لمن أحب الناس إليّ» أخرجه البخاري.
وعن ابن عمر أيضا: افترض عمر لأسامة أكثر ممّا فرض لي، فسألته، فقال: إنّه كان أحب إلى رسول الله ﷺ منك، وإنّ أباه كان أحب إلى رسول الله ﷺ من أبيك. قال الحافظ: صحيح) .
قلت: وهذا من سيدنا عمر تواضع وإظهار لفضيلة أسامة وأبيه، والمؤمن يهضم نفسه.
وذكر الحافظ ابن عبد البر في «الإستيعاب في أسماء الأصحاب» بسنده إلى الليث بن سعد قال: (بلغني أنّ زيد بن حارثة اكترى من رجل بغلا من الطائف، واشترط عليه المكري أن ينزله حيث شاء، قال: فمال به إلى خربة، فقال له:
انزل، فنزل، فإذا في الخربة قتلى كثيرون، قال: فلمّا أراد أن يقتله.. قال له: دعني أصلّي ركعتين، قال: صلّ؛ فقد صلّى قبلك هؤلاء، فلم تنفعهم صلاتهم شيئا، قال: فلمّا صلّيت.. أتاني ليقتلني، قال فقلت: يا أرحم الراحمين؛ قال: فسمع صوتا: لا تقتله، فهاب ذلك، فخرج يطلب صاحبه فلم يجد شيئا، فرجع إليّ، فناديت يا أرحم الرّاحمين
стр. 565
- فعل ذلك ثلاثا- فإذا أنا بفارس على فرس في يده حربة حديد، في رأسها شعلة من نار، فطعنه بها، فأنفذها من ظهره، فوقع ميتا. ثمّ قال لي: لمّا دعوت المرة الأولى:
يا أرحم الرّاحمين.. كنت في السماء السابعة، فلمّا دعوت المرة الثانية: يا أرحم الرّاحمين.. كنت في سماء الدنيا، فلمّا دعوت في المرة الثّالثة.. أتيتك) اهـ
وأشار الناظم في «عمود النسب» إلى هذه القصة بقوله:
والحب زيد اكترى من رجل ... مطية ونزلا بمنزل
ليس به غير عظام قتلا ... رجالها الرجل ذا وحملا
عليه فاستغاث زيد بالرحيم ... وعنه فرج بإهلاك الرجيم
وذكر الحافظ السيوطي وغيره: أنّه لا يعرف أربعة توالدوا صحابة لسوى أبي قحافة، وزيد بن حارثة، وأشار له في «نظم الدرر» بقوله:
وأربع توالدوا صحابه ... حارثة المولى أبو قحافه
فإنّه ولد لأسامة بن زيد ولد اسمه محمّد، على عهد النّبيّ ﷺ ، وحارثة تقدم أنّه شاهد النّبيّ ﷺ ، وأبو قحافة والد سيدنا أبي بكر
стр. 566
صحابي، وأسماء بنت أبي بكر صحابية، وولدها عبد الله بن الزّبير أيضا صحابي جليل، مصّ دم النّبيّ ﷺ من حجامته.
قال في «روض النهاة» : (ولد لأسامة بن زيد محمّد بن أسامة على عهد النّبيّ ﷺ ، وعثر يوما فدمي وجهه، فمصّ النّبيّ ﷺ دمه، ودخل يعقوب بن محمد بن أسامة المسجد يوما يجرّ ثيابه، وعبد الله بن عمر جالس في المسجد، فغضب وقال: من هذا؟ فقيل: يعقوب بن محمّد بن أسامة، فطأطأ رأسه، ونقر بين يديه الأرض، ثمّ قال: لو رآه رسول الله ﷺ .. لأحبّه)
ذكر الإمام النوويّ في «التهذيب» : (أنّه روي لزيد عن النّبيّ ﷺ حديثان) .
وبمناسبة ذكر سيدنا زيد، لا بأس بإتمام مواليه ﷺ ؛ تتميما للفائدة:
مواليه ﷺ :
فأقول بالعطف على زيد: وابنه أسامة، وثوبان بن بجدد بضم الموحدة والدال، وإسكان الجيم، بضبط أبي زكريا النووي في «تهذيبه» وأنسة بفتح الهمزة والنون، وفضالة اليماني، وشقران، بضم الشين، ورباح بالموحدة، ويسار الراعي، وولود، وطهمان، ومأبور القبطيّ الذي أهداه
стр. 567
المقوقس، وعبيد أبو صفية، وواقد، وأبو عبيد، وأبو واقد، ورافع، وهشام، وحنين، وأحمر ويكنى أبا عسيب- وسليم ويكنى بأبي كبشة شهد بدرا، وكركر بكسر الكافين، وقيل: بفتحهما، كان على ثقل النّبيّ ﷺ ، وزيد بن بولا، وأسلم- ويكنى أبا رافع- وسفينة، وأنجشة، ومدعم بكسر الميم، وإسكان الدال، وفتح العين المهملتين، وأبو أمامة، وأبو هند، وأبو ضمرة، فجملتهم تسعة وعشرون، أشار لهم العلّامة الشيخ عبد العزيز الفاسي في منظومته «قرة الأبصار» بقوله:
بيان ما له من الموالي ... والخدم الأحرار باحتفال
زيد، أسامة، ابنه ثوبان ... انسة، فضالة، شقران
ثمّ رباح، ويسار، وارد ... طهمان، مأبور، عبيد، واقد
وأبواهما، ورافع، هشام ... حنين، أحمر، سليم ذو اهتمام
كركرة النّوبيّ، زيد، اسلم ... سفينة، أنجشة، ومدعم
أبو أمامة، أبو هند، أبو ... ضمرة، والإماء حين تحسب
стр. 568
جعفر بن أبي طالب:
أمّا سيدنا جعفر: فهو ابن أبي طالب بن عبد المطلب بن هاشم بن عبد مناف، أبو عبد الله، وابن عمّ رسول الله ﷺ ، وشقيق عليّ، أسنّ منه بعشر سنين، وعقيل أسن من جعفر بعشر سنين، وطالب أسنّ من عقيل بعشر سنين.
وأمهم فاطمة بنت أسد: أول هاشمية تزوجها هاشميّ، وأسلمت، وهاجرت إلى المدينة، وتوفّيت بها، وصلّى عليها رسول الله ﷺ ، ونزل في قبرها، وكان يكرمها، وفاطمة هذه إحدى الفواطم التي قال ﷺ لعليّ في ثوب حرير: «قسّمه بين الفواطم الثلاث» والثانية: فاطمة بنته ﷺ ، والثالثة: فاطمة بنت حمزة.
ولفاطمة بنت أسد بنتان؛ أم هانئ، وجمانة.
وجعفر: أحد السابقين الأوّلين إلى الإسلام، ثبت فيما رواه الشيخان: أنّه ﷺ قال له: «أشبهت خلقي وخلقي» .
وهو أحد الخمسة المشبهين للنّبيّ ﷺ ، المجموعين في قول بعضهم:
بخمسة شبّه المختار من مضر ... يا حسن ما خوّلوا من شبهه الحسن!
стр. 569
بجعفر وابن عمّ المصطفى قثم ... وسائب وأبي سفيان والحسن
آخى النّبيّ ﷺ بين صاحب الترجمة ومعاذ بن جبل، كما ذكره الحافظ في «الإصابة» وكان يكنيه أبا المساكين؛ لأنّه كان يحبهم ويحبونه، ويجلس إليهم، ويتحدث معهم في لين جانب ومكارم يفيضها عليهم، ففي الصحيح عن أبي هريرة: (كان جعفر خير الناس للمساكين) .
وقال في «الإصابة» : (قال خالد الحذّاء عن عكرمة:
سمعت أبا هريرة ﵁ يقول: ما احتذى النّعال، ولا ركب المطايا، ولا وطىء التراب بعد رسول الله ﷺ .. أفضل من جعفر بن أبي طالب، رواه الترمذيّ والنسائي، وإسناده صحيح.
وروى البغويّ من طريق المقبريّ عن أبي هريرة ﵁، قال: كان جعفر يحب المساكين، ويجلس إليهم، ويخدمهم ويخدمونه، ويحدّثهم ويحدثونه، فكان ﷺ يكنيه أبا المساكين) .
هاجر إلى الحبشة، وأسلم النجاشيّ ومن تبعه على يديه، وأقام عنده ومعه زوجته أسماء بنت عميس، فولدت له هناك عبد الله بن جعفر، وهو أوّل مولود ولد في الإسلام بأرض الحبشة.
ثمّ قدم من الحبشة هو ومن صحبه من المهاجرين، ومن
стр. 570
دخل في الإسلام هناك، وجاؤوا في سفينتين في البحر، فقدموا على رسول الله ﷺ بخيبر، فأسهم لهم منها، ولم يسهم لمن لم يحضرها غير أهل السفينتين، ثمّ سكن المدينة إلى أن خرج إلى مؤتة.
وفي «صحيح البخاريّ» عن أبي هريرة ﵁:
(كان خير الناس للمساكين جعفر ﵁، كان ينقلب بنا فيطعمنا ما كان في بيته، حتى إن كان ليخرج إلينا العكّة التي ليس فيها شيء؛ ليشقّها فنلعق ما فيها) .
وعنه أيضا: قال ﷺ : «رأيت جعفرا يطير في الجنة مع الملائكة» رواه الترمذيّ.
وله من الأولاد من زوجه أسماء بالحبشة: عبد الله، وعون، ومحمّد.
قال الإمام النووي: (والعقب لعبد الله دون أخويه، ويوم ولد له عبد الله.. ولد فيه للنجاشيّ ولد، فسأل جعفرا: ماذا سميت ابنك يا جعفر؟ لنسمي به ابننا، فسمّاه عبد الله، وأرضعته أسماء بلبن ابنها عبد الله، فكانا يتواصلان لتلك الأخوّة، وكان قد أسلم النجاشيّ على يد جعفر) .
ولمّا قدم جعفر على النّبيّ ﷺ يوم فتح خيبر.. قال ﵊: «لا أدري بأيّهما أنا أشد فرحا: بقدوم جعفر، أم بفتح خيبر؟» .
ووجد يوم استشهد بجسده تسعون جراحة.
стр. 571
ويروي سعيد بن المسيّب مرفوعا إلى رسول الله ﷺ : «مثّل لي جعفر، وزيد، وعبد الله في خيمة من درّ فوق أسرّة، فرأيت زيدا وعبد الله، وفي أعناقهما حدود، ورأيت جعفرا مستقيما، فقيل لي: إنّهما حين غشيهما الموت.. أعرضا بوجوههما، ومضى جعفر فلم يعرض» وأمر ﷺ أن يصنع لأهل جعفر طعام؛ فإنّهم شغلوا بأمر صاحبهم.
قال السّهيلي: (وهذا أصل في طعام التعزية) .
قلت: يعني: يصنعه الناس لأهل الميت في غير كلفة ولا مباهاة، إنّما يحتسبون بذلك الأجر من الله؛ فإنّه قد نزل بأهل الميت ما قد شغلهم، أمّا فتح دار الميت بعمل الطعام، والدعوة للطعام.. فإنّها بدعة سيئة جدا، سادت في كثير، حتى ظنّ أنّها من السنن الشّرعية، أو الواجبات الدينية، وحتى ترى بعض الفقراء الذين يصابون بفقيدهم، ولا يستطيعون أن يقوموا بهذا العمل يبيعون شيئا من مخلفات الميت، وقد يوافق أنّ الميت ترك أطفالا قصّرا، بل كثيرا ما يستدينون المال الذي له بال، وينفقونه في الطعام للزائرين والزائرات في ذلك اليوم، وقد روى ابن ماجه والإمام أحمد بإسناد حسن عن جرير بن عبد الله البجليّ قال: (كنا نعد ذلك- أي: تهيئة أهل الميت الطعام- من النياحة) اهـ
وقد نهى ﷺ عن النّياحة، فينبغي أن يفهم
стр. 572
الناس هذا الأمر، وهذه البدعة حتى يقتلعوها من جذورها؛ فإنّه لا أضر على الناس من أمثال هذه العادات السيئة، نسأل الله تعالى أن يهدينا جميعا إلى اتباع سيدنا محمّد ﷺ في أقواله الرشيدة، وأفعاله السديدة.
هذا: والطعام الذي صنع لآل جعفر ذلك اليوم هو- كما روي عن ابنه عبد الله بن جعفر- شعير طحنته سلمى- مولاة للنّبيّ ﷺ ثمّ آدمته بزيت، وجعلت عليه فلفلا، فأكلوا منه، قال عبد الله: وحبسني النّبيّ ﷺ في بيته مع أخويّ ثلاثة أيام» .
ولسيدنا عليّ ﵁ مفتخرا- وما أجدره بذلك-:
محمّد النّبيّ أخي وصهري ... وحمزة سيّد الشّهداء عمّي
وجعفر الذي يضحي ويمسي ... يطير مع الملائكة ابن أمّي
وبنت محمّد سكني وعرسي ... منوطا لحمها بدمي ولحمي
وسبطا أحمد ولداي منها ... فأيّكم له فخر كفخري
سبقتكم إلى الإسلام طرّا ... صغيرا ما بلغت أوان حلمي
ولسيدنا جعفر يوم توفي ثلاث وثلاثون، أو إحدى وأربعون سنة.
стр. 573
عبد الله بن رواحة:
وأمّا سيدنا عبد الله بن رواحة: فهو أبو محمّد الأنصاري الحارثي شهد العقبة، وكان ليلتئذ نقيب بني الحارث من الخزرج، فهو أحد النقباء الاثني عشر، المجموعين في قول الناظم في «عمود النسب» :
وهم من الأوس أسيد فاعلمه ... رفاعة وسعد بن خيثمه
وتسع خزرج بنو بدور ... زرارة رواحة معرور
وابن عبادة وسعد بن الربيع ... ورافع بن مالك الشهم الرفيع
عبد الإله نجل عمرو بن حرام ... ومنذر ونجل صامت الهمام
شهد بدرا والمشاهد كلها مع رسول الله ﷺ إلّا الفتح؛ فقد علم أنّه توفي قبله.
وهو خال النعمان بن بشير؛ لأنّ أم النعمان عمرة بنت رواحة.
وكان أحد شعراء النّبيّ ﷺ ، الذين ينافحون عنه وعن الإسلام المجموعين في قول الحافظ السيوطي:
وشعراء المصطفى ذوو الشان ... ابن رواحة وكعب حسّان
стр. 574
وهم متفاوتون: كان حسّان ﵁ يطعن في أنساب المشركين، وكان كعب بن مالك يذكّرهم بوقع السيوف، وعبد الله بن رواحة يعيرهم بالكفر وعبادة ما لا ينفع، فكان شعر صاحب الترجمة يومئذ أهون على كفار قريش، وكان قول كعب وحسّان أشدّ القول عليهم، فلمّا أسلموا وفقهوا.. كان أشد القول عليهم وأنكاه فيهم قول ابن رواحة.
قال الزّبير بن العوام ﵁: ما رأيت أحدا أجرأ ولا أسرع شعرا من ابن رواحة.
وعن أبي الدرداء قال: أعوذ بالله أن يأتي يوم لا أذكر فيه عبد الله بن رواحة كان إذا لقيني.. يقول: يا عويمر؛ اجلس فلنؤمن ساعة، فنجلس فنذكر الله ما شاء الله، ثمّ يقول:
يا عويمر هذا الإيمان. اهـ
وهو الذي شجّع المسلمين في مؤتة على لقاء الكفار، بل شجع نفسه كما سبق.
وفي «الصحيحين» عن أبي الدرداء قال: خرجنا مع رسول الله ﷺ في شهر رمضان في حرّ شديد، حتى إنّ أحدنا ليضع يده على رأسه من شدة الحر، وما فينا صائم إلّا رسول الله ﷺ ، وعبد الله بن رواحة.
قال ابن سعد: (كان يكتب للنّبيّ ﷺ ، وهو الذي جاء ببشارة وقعة بدر إلى المدينة) .
стр. 575
قال الحافظ: (وفي فوائد أبي طاهر الذّهليّ، من طريق ابن أبي ذئب عن سهل، عن أبيه، عن أبي هريرة ﵁: أنّ النّبيّ ﷺ قال: «رحم الله ابن رواحة؛ إنّه يحب المجالس التي تتباهى بها الملائكة» ) اهـ
وكان إذا لقي أحدا.. قال له: اجلس بنا نؤمن ساعة.
وأخرج البيهقي بسند صحيح: كان النّبيّ ﷺ يخطب، فدخل عبد الله بن رواحة، فسمعه يقول:
«اجلسوا» فجلس مكانه خارجا من المسجد، فلمّا فرغ..
قال له: «زادك الله حرصا على طواعية الله، وطواعية رسوله» وكفى بهذه منقبة لابن رواحة، ممّا يدل في وضوح على خضوعه لأوامره وإشاراته ﷺ ؛ ابتغاء مرضاته، فهو لمن سواه القدوة والغاية المثلى.
قال الحافظ: (وفي «الزهد» لابن المبارك بسند صحيح عن عبد الرّحمن بن أبي ليلى، قال: تزوج رجل امرأة عبد الله بن رواحة، فسألها عن صنيعه، فقالت: كان إذا أراد أن يخرج من بيته.. صلّى ركعتين، وإذا دخل بيته.. صلّى ركعتين، لا يدع ذلك، وكان عبد الله أول خارج إلى الغزو، وآخر قافل) .
وقال ابن إسحاق: (حدّثني عبد الله بن أبي بكر بن حزم، قال: كان زيد بن أرقم يتيما في حجر عبد الله بن رواحة، فخرج معه إلى سريّة مؤتة، فسمعه في الليل يقول:
стр. 576
إذا أدنيتني وحملت رحلي ... مسيرة أربع بعد الحساء
فشأنك فانعمي وخلاك ذمّ ... ولا أرجع إلى أهلي ورائي
وجاء المؤمنون وخلّفوني ... بأرض الشام مشهود الثّواء
فبكى زيد بن أرقم، فخفقه «١» بالدّرة، فقال: ما عليك يا لكع أن يرزقني الله الشهادة، وترجع بين شعبتي الرحل) فذكر القصة في صفة قتله في غزوة مؤتة ... بعد أن قتل جعفر، وقبله زيد بن حارثة.
وقال ابن سعد: (أنبأنا يزيد بن هارون، أنبأنا حماد عن هشام، عن أبيه: لما نزلت وَالشُّعَراءُ يَتَّبِعُهُمُ الْغاوُونَ قال عبد الله بن رواحة: قد علم الله أنّي منهم، فأنزل الله: إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ الآية) .
وقال ابن سعد: (حدّثنا عبيد الله بن موسى، حدّثنا عمر بن أبي زائدة عن مدرك بن عمارة، قال: قال عبد الله بن رواحة: مررت في مسجد الرسول ورسول الله ﷺ جالس، وعنده أناس من الصحابة في ناحية منه، فلمّا رأوني.. قالوا: يا عبد الله بن رواحة؛ فجئت، فقال:
стр. 577
«اجلس ههنا» فجلست بين يديه، فقال: «كيف تقول الشعر؟» قلت: أنظر في ذلك، ثمّ أقول، قال: «فعليك بالمشركين» ولم أكن هيّأت شيئا، فنظرت، ثمّ أنشدته:
إنّي تفرّست فيك الخير أعرفه ... والله يعلم أن ما خانني البصر
أنت النبيّ ومن يحرم شفاعته ... يوم الحساب لقد أزرى به القدر
فثبّت الله ما أتاك من حسن ... تثبيت موسى ونصرا كالذي نصروا
قال: فأقبل بوجهه مبتسما، وقال: «وإياك فثبّتك الله» قال هشام بن عروة: فثبته الله أحسن الثبات، فقتل شهيدا، وفتحت له الجنة فدخلها.
قال المرزباني في «معجم الشعراء» : (كان عظيم القدر في الجاهلية والإسلام، وكان يناقض قيس بن الخطيم في حروبهم، ومن أحسن ما مدح به النّبيّ ﷺ قوله:
لو لم تكن فيه آيات مبينة ... كانت بديهته تنبيك بالخبر
وقصته مع زوجته حين وقع على أمته مشهورة، وذلك أنّه مشى ليلة إلى أمة له فنالها، وفطنت له امرأته فلامته، فجحدها وكانت قد رأت جماعه لها- فقالت له: إن كنت صادقا..
стр. 578
فاقرأ القرآن؛ فالجنب لا يقرأ القرآن، فقال:
شهدت بأنّ وعد الله حقّ ... وأنّ النار مثوى الكافرينا
وأنّ العرش فوق الماء حقّ ... وفوق العرش ربّ العالمينا
وتحمله ملائكة غلاظ ... ملائكة الإله مسوّمينا
فقالت امرأته: صدق الله، وكذبت عيني، وكانت لا تحفظ القرآن ولا تقرؤه) .
قال الحافظ ابن عبد البر في «الإستيعاب» : (ورويناها من وجوه صحاح)
وذكر أصل هذه القصة أيضا الإمام أبو زكريا النّوويّ في «شرح المهذّب» احتجاجا على حرمة القراءة على الجنب، على ضعف في إسنادها وانقطاع.
وذكرها خاتمة المحققين بمصر القاهرة: العلامة الأمير، وزاد في آخرها: (فأتى ابن رواحة رسول الله ﷺ ، فحدّثه، فضحك ولم يعيّره، وقال: أخرج ذلك ابن عساكر عن عبد العزيز بن أخي الماجشون بلاغا عن ابن رواحة.
قال: وأخرج أيضا عن عكرمة مولى ابن عباس: أنّ عبد الله بن رواحة كان مضطجعا إلى جنب امرأته، فخرج إلى
стр. 579
الحجرة، فواقع جارية له، فاستيقظت المرأة ولم تره، فخرجت فإذا هو على بطن الجارية، فرجعت فأخذت الشّفرة، وجاءت، فقال: مهيم؛ مهيم، فقالت مهيم؟ أما إنّي لو وجدتك حيث كنت.. لوجأتك بها، قال: وأين كنت؟
قالت: على بطن الجارية، قال: ما كنت، قالت: بلى، قال: فإنّ رسول الله ﷺ نهى أن يقرأ أحدنا القرآن وهو جنب، قالت اقرأه، فقال:
أتانا رسول الله يتلو كتابه ... كما لاح مشهور من الصبح ساطع
أتى بالهدى بعد العمى فقلوبنا ... به موقنات أنّ ما قال واقع
يبيت يجافي جنبه عن فراشه ... إذا استثقلت بالكافرين المضاجع
فقالت: أما إذ قرأت القرآن.. فإنّي أتهم ظنّي وأصدقك، قال ابن رواحة: فغدوت إلى النّبيّ ﷺ فأخبرته، فضحك حتى بدت نواجذه، حتى ردّ يده على فيه، وقال: «إنّ خياركم خيركم لنسائه، لقد وجدتها ذات فقه في الدين» ) .
وهذا الحديث مشهور بين علماء الحديث، وقوله:
(مهيم) كلمة استفهام؛ أي: ما حالك وشأنك؟ أو ما وراءك؟ أو أحدث لك شيء؟
стр. 580
فإن قلت: كيف يصح لابن رواحة أن يقرأ الأبيات جوابا لقول امرأته: إن كنت صادقا فاقرأ القرآن؟ وكيف يقره رسول الله ﷺ على ذلك؟
قلت: أجاب العلّامة الأمير في رسالة له صغيرة الحجم، جمة العلم، جعلها ردا على من يقول بكفر اللاحن في القرآن:
بأنّ ابن رواحة ﵁ لم يقل: هذا قرآن، وإنّما عدل إلى شيء آخر غير ما أمرت به زوجته، وليس امتثال أمرها واجبا عليه، ولا توهّمها هي في نفسها أنّ هذا قرآن بملحق به إثما، وقد جاء في بعض روايات هذا الحديث أنّه ﷺ قال: «هذا لعمري من معاريض الكلام» يعني والله أعلم-: أنّه مال إلى عرض وجانب آخر، غير ما يريده المخاطب، والله أعلم بحقيقة الحال.
قال سيدنا حسّان- ﵁ يبكي جعفرا وصاحبيه:
تأوّبني ليل بيثرب أعسر ... وهمّ إذا ما نوّم الناس مسهر
لذكرى حبيب هيّجت ثمّ عبرة ... سفوحا وأسباب البكاء التذكر
بلاء وفقدان الحبيب بليّة ... وكم من كريم يبتلى ثمّ يصبر
رأيت خيار المؤمنين تواردوا ... شعوب وقد خلّفت فيمن يؤخّر
стр. 581
فلا يبعدنّ الله قتلى تتابعوا ... بمؤتة منهم ذو الجناحين جعفر
وزيد وعبد الله حين تتابعوا ... جميعا وأسباب المنيّة تخطر
غداة غدوا بالمؤمنين يقودهم ... إلى الموت ميمون النّقيبة أزهر
أغرّ كلون البدر من آل هاشم ... أبيّ إذا سيم الظّلامة مجسر
فطاعن حتى مات غير موسّد ... بمعترك فيه القنا يتكسّر
فصار مع المستشهدين ثوابه ... جنان وملتفّ الحدائق أخضر
وكنا نرى في جعفر من محمّد ... وفاء وأمرا حازما حين يأمر
فما زال في الإسلام في آل هاشم ... دعائم عزّ لا ترام ومفخر
هم جبل الإسلام والناس حوله ... رضام إلى طود يروق ويقهر
بهم تكشف الّلأواء في كل مأزق ... عماس إذا ما ضاق بالقوم مصدر
هم أولياء الله أنزل حكمه ... عليهم وفيهم ذا الكتاب المطهّر
стр. 582
بهاليل منهم جعفر وابن أمّه ... عليّ ومنهم أحمد المتخيّر
وحمزة والعباس منهم ومنهم ... عقيل وماء العود من حيث يعصر
قلت: ومناقب هؤلاء الأمراء الأفذاذ- رضوان الله عليهم- مشهورة، وهي فوق ما ذكرنا.
ولنختم الكلام على ترجمتهم بحديث فيه فضيلة عظيمة لهم، ذكره الحافظ عماد الدين إسماعيل بن كثير عن الإمام الحافظ أبي زرعة عبيد الله بن عبد الكريم الرّازي نضّر الله وجهه، في كتابه «دلائل النبوة» وهو كتاب جليل.
قال: (حدّثنا صفوان بن صالح الدمشقيّ، حدّثنا الوليد، حدّثنا ابن جابر.
وحدّثنا عبد الرّحمن بن إبراهيم الدمشقي، حدّثنا الوليد وعمرو، - يعني ابن عبد الواحد- قالا: حدّثنا ابن جابر، سمعت سليم بن عامر الخبائريّ يقول: أخبرني أبو أمامة الباهلي: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «بينا أنا نائم، إذ أتاني رجلان، فأخذا بضبعي، فأتيا بي جبلا وعرا، فقالا: اصعد، فقلت: لا أطيقه، فقالا: إنّا سنسهله لك، قال: فصعدت، حتى إذا كنت في سواء الجبل.. إذا أنّا بأصوات شديدة، فقلت: ما هؤلاء الأصوات؟ فقالا: عواء أهل النّار.
стр. 583
ثمّ انطلقا بي، فإذا بقوم معلّقين بعراقيبهم مشققة، تسيل أشداقهم دما، فقلت: ما هؤلاء؟ فقالا: هؤلاء الذين يفطرون قبل تحلّة صومهم. فقال: خابت اليهود والنصارى، قال سليم: سمعه من رسول الله ﷺ أم من رأيه؟!
ثمّ انطلقا بي، فإذا قوم أشدّ شيء انتفاخا، وأنتن شيء ريحا، كأن ريحهم المراحيض، قلت: من هؤلاء؟ قالا:
هؤلاء قتلى الكفار، ثمّ انطلقا بي فإذا بقوم أشدّ انتفاخا وأنتن شيء ريحا، كأنّ ريحهم المراحيض، قلت: من هؤلاء؟
قالا: هؤلاء الزّانون والزواني.
ثمّ انطلقا بي فإذا بنساء ينهشن ثديّهنّ الحيات، فقلت:
ما بال هؤلاء؟ قالا: هؤلاء اللاتي يمنعن أولادهنّ ألبانهن «١» .
ثم انطلقا بي، فإذا بغلمان يلعبون بين بحرين، قلت:
من هؤلاء؟ قالا: هؤلاء ذراريّ المؤمنين، ثم أشرفا بي شرفا، فإذا بنفر ثلاثة يشربون من خمر لهم، فقلت: من هؤلاء؟ قالا: هذا جعفر بن أبي طالب، وزيد بن حارثة، وعبد الله بن رواحة، ثمّ أشرفا بي شرفا آخر، فإذا أنا بنفر
стр. 584
ثلاثة، فقلت: من هؤلاء؟ قالا: هذا إبراهيم، وموسى، وعيسى ﵈، وهم ينتظرونك» ) .
(٢٧) غزوة الفتح الأعظم
فتح مكة زادها الله شرفا، وأهلها إنافة وكرما وتسمى فتح الفتوح؛ لأنّ العرب كانت تنتظر بإسلامها إسلام قريش، وتقول: هم أهل الحرم، وقد أجارهم الله من أصحاب الفيل، فإن غلبوا.. فلا طاقة لأحد بمحمّد، فلمّا فتح الله مكة.. دخلوا في دين الله أفواجا، بعد أن كانوا يدخلون فيه فرادى، ولم يقم بعده للشرك قائمة.
ولذلك قال العلّامة ابن القيّم في «زاد المعاد في هدي خير العباد» : (إنّه الفتح الأعظم، الذي أعزّ الله به دينه ورسوله وجنده وحرمه الأمين، واستنقذ به بلده وبيته، الذي جعله هدى للعالمين، من أيدي الكفار والمشركين، وهو الفتح الذي استبشر به أهل السماء، وضربت أطناب عزّه على مناكب الجوزاء، ودخل الناس في دين الله أفواجا، وأشرق به وجه الأرض ضياء وابتهاجا) اهـ
تاريخ هذه الغزوة وسببها:
وكان تاريخ هذه الغزوة في السنة الثّامنة من الهجرة، في شهر رمضان.
стр. 585
ثمّ إلى الفتح الخزاعيّ ذمر ... عشرة آلاف فعزّ وانتصر
وسببها: ما ذكره ابن إسحاق وغيره من أرباب السير، من نقض قريش للعهد الذي وقع بالحديبية.
وخلاصة ذلك: أنّه كان بين بني بكر- وقد دخلت في عقد قريش- وبين خزاعة- وقد دخلت في عقد رسول الله ﷺ عداوة وحروب في الجاهلية، فلمّا ظهر الإسلام.. تشاغلوا عن ذلك حتى كانت هدنة الحديبية، فخرج نوفل بن معاوية الدّيلي، من بني بكر في بني الدّيل، حتى بيّت خزاعة- أي: جاءهم ليلا على ماء لهم، يقال له: الوتير، بناحية عرنة- فأصاب منهم رجلا، ولمّا علمت بهم خزاعة..
اقتتلوا إلى أن دخلوا الحرم، ولم يتركوا القتال، وأمدّت قريش بني بكر بالسلاح، وقاتل بعض من قريش معهم ليلا في خفية.
قدوم عمرو بن سالم الخزاعي على الرسول ﷺ :
ولمّا انتهى القتال خرج عمرو بن سالم الخزاعيّ في أربعين راكبا من خزاعة.. فقدموا على رسول الله ﷺ يخبرونه بالذي أصابهم، ويستنصرونه، فقال ﷺ : «لا نصرت إن لم أنصركم بما أنصر به نفسي» وإلى هذا أشار الناظم بقوله:
(ثمّ إلى الفتح) لأم القرى عمرو بن سالم (الخزاعي ذمر) بوزن نصر؛ أي: حضّ وحثّ (عشرة آلاف) من المسلمين (فعزّ) أي: غلب الخزاعيّ (وانتصر)
стр. 586
وهو الّذي تهلّلت لنصره ... سحابة ومن بليغ شعره
يا ربّ إنّي ناشد محمّدا ... حلف أبينا وأبيه الأتلدا
فإنّه ﷺ أجابه بقوله: «نصرت يا عمرو بن سالم» .
وخرج بذلك العدد لقتال قريش لمّا علم أنّهم نقضوا العهد الذي كان أبرم يوم الحديبية بقتال حلفائه خزاعة، وتقدم أنّ خزاعة كانت عيبة نصح لرسول الله ﷺ في الجاهلية والإسلام (وهو) أي: الخزاعيّ (الذي تهلّلت) :
تلألأت (لنصره سحابة) وهي: قطعة من الغيم، وقال عند ذلك رسول الله ﷺ : «إنّ هذه السحابة لتستهلّ بنصر بني كعب» يعني خزاعة، وقال ﷺ لعمرو بن سالم وأصحابه: «ارجعوا وتفرّقوا في الأودية» فرجعوا وتفرّقوا؛ فذهبت فرقة إلى الساحل، وفرقة لزمت الطريق، وقصد بذلك رسول الله ﷺ إخفاء أمر مجيئهم.
(ومن بليغ شعره) أي: ومن شعر الخزاعيّ البليغ الذي يذكر فيه الحلف القديم، ونقض بني بكر للعهد، وتعدّيهم عليهم، وحثّ المسلمين على قتالهم وغير ذلك.. قوله وقد دخل المسجد على رسول الله ﷺ : (يا ربّ إنّي ناشد) طالب (محمّدا) ﷺ (حلف أبينا وأبيه) يريد عبد المطلب (الأتلدا) أي: الحلف القديم الذي بيننا.
стр. 587
وذلك: أنّ خزاعة كانت حلفاء عبد المطلب بن هاشم، ناصروه على عمه نوفل بن عبد مناف؛ فإنّ المطلب لمّا مات.. وثب نوفل على أفنية كانت لعبد المطّلب، واغتصبه إياها، فاستنهض لردّها همم قومه، واستدرّ عطفهم، فلم ينهض معه أحد منهم، وأبوا أن يدخلوا بين عبد المطّلب وبين عمه نوفل، فكتب إلى أخواله بني النجار، فجاء منهم سبعون راكبا، فقالوا لنوفل: وربّ البنيّة؛ لتردّنّ على ابن أختنا ما أخذت، وإلّا.. ملأنا منك السيف، فردّه، ثمّ حالف خزاعة بعد أن حالف نوفل بني أخيه عبد شمس، وكان ﷺ يعلم بهذا الحلف؛ فإنّهم وقفوه على كتاب عبد المطّلب، وهو مذكور بنصه في «السيرة الحلبية» للعلّامة ابن برهان الحلبي، ولأجل ذلك ذكّره الخزاعيّ بقوله: (حلف أبينا وأبيه الأتلدا) وهذا البيت ضمنه الناظم من أبيات للخزاعيّ، وهي:
قد كنتم ولدا وكنّا والدا «١» ... ثمّت أسلمنا فلم ننزع يدا «٢»
стр. 588
فانصر هداك الله نصرا أيّدا «١» ... وادع عباد الله يأتوا مددا
فيهم رسول الله قد تجرّدا ... أبيض مثل السّيف يسمو صعدا
إن سيم «٢» خسفا وجهه تربّدا ... في فيلق «٣» كالبحر يجري مزبدا
إنّ قريشا أخلفوك الموعدا ... ونقضوا ميثاقك المؤكّدا
وجعلوا لي في كداء «٤» رصدا ... وزعموا أن لست أدعو أحدا «٥»
وهم أذلّ وأقلّ عددا ... هم بيّتونا بالوتير هجّدا
وقتلونا ركّعا وسجّدا
стр. 589
لدعوة النّبيّ أخّر الخبر ... عن مكّة فلم يورّ بل جهر
(لدعوة) أي: لأجل دعاء (النّبيّ) ﷺ ، وهو قوله: «اللهمّ؛ خذ العيون والأخبار عن قريش؛ حتى نبغتها في بلادها» وفي رواية: «خذ على أسماعهم وأبصارهم، فلا يرونا إلّا بغتة، ولا يسمعون بنا إلّا فجأة» (أخّر الخبر) بالبناء للمفعول: أي: أخّر الله تعالى خبر خروجه ﷺ (عن) أهل (مكة) وهذا يقتضي أنّه صدر منه ﷺ الخبر بقصد الغزو، إلّا أنّ هذا الخبر لم يصل إلى العدوّ، ولذا قال الناظم:
(فلم يورّ) من التّورية: إذا أظهر شيئا وأراد غيره، بل لمّا أعلم أصحابه بالمسير إلى مكة.. أمرهم بالتجهيز والجدّ في الأمر، وكان من هديه ﵇ في غزوه: أنّه كان إذا أراد غزوا.. ورّى فيه، إلّا هذه وتبوك؛ لحكمة علمها ﷺ ، وساس الناس بها، فكان القدوة الحسنة، والمثل الأعلى لمن بعده (بل جهر) ﷺ بذلك وأمر أهله أن يجهّزوه، ودخل أبو بكر على ابنته وهي تغربل حنطة، وتصنع في جهاز النّبيّ ﷺ ، فقال:
أي بنيّة؛ أمرك رسول الله ﷺ بتجهيزه؟
قالت: نعم، فتجهّز، قال: فأين ترينه يريد؟ قالت: لا والله ما أدري؛ أي: أنّها لا تعلم وجهة قصده للغزو، وهذا كان في أول الأمر، ثمّ بعد ذلك أعلم الناس، وأعلن بالوجه الذي يريده، وهو قريش بمكة.
стр. 590
بعث الرسول ﷺ ضمرة إلى قريش إعذارا لها:
ولمّا قدم ركب خزاعة على رسول الله ﷺ ، وأخبروه خبرهم.. قال ﵊: «فمن تهمتكم وظنتكم؟» قالوا: بني بكر، قال: «أكلها؟» قالوا: لا، ولكن بنو نفاثة، ورأسهم نوفل، قال: «هذا بطن من بني بكر- يعني بني نفاثة- وأنا باعث إلى أهل مكة، فسائلهم عن هذا الأمر، ومخيّرهم في خصال ثلاث» فبعث إليهم ضمرة، يخيرهم بين أن يدوا قتلى خزاعة، أو يبرؤوا من حلف بني نفاثة، أو ينبذ إليهم على سواء، فأتاهم ضمرة فأخبرهم، فقال قرطة بن عمرو: لا ندي، ولا نبرأ، لكنّا ننبذ إليه على سواء، فرجع بذلك، فندمت قريش على ما ردّوا، وبعثت أبا سفيان.
قلت: روى هذا ابن عائذ عن ابن عمر، ونقله في «شرح المواهب» وقد استحسنت ذكر هذا الخبر هنا، عقب قدوم وفد خزاعة؛ لبيان أنّه ﵊ لم يفاجئ قريشا على غرة حتى تثبت في الأمر، وسأل الركب عمّن كانوا يتّهمون، ولمّا علم من خبر الوفد أنّ تهمتهم كانت على بني نفاثة.. قال ﵊: «هذا بطن من بني بكر» يريد- والله أعلم- أنّ من الممكن أن تكون هذه الشّرذمة، أو هذا البطن من بني بكر، عصت على عصبتها الكبيرة وشذّت عنها، وأنّ قريشا بمكة لم تدخل في هذا الأمر، ولم ترض به، فهي على
стр. 591
وخاب صخر إذ أتى يرأب ما ... أثاه غدر قومه فانفصما
العهد مقيمة، فلذلك بعث ﵊ ضمرة إلى قريش يسألهم عن هذا الأمر؛ ليزداد الموقف وضوحا، ولما لم يبق مجال للشكّ في أنّ القوم قد قاموا بما يوجب نقض العهد الذي أبرم أمس.. خيّرهم بين أمور ثلاثة، فكان ﵊ قد أنذر وأعذر، وقام بالعهد المبرم.
بعث قريش أبا سفيان إلى الرسول ﷺ :
ولمّا ردّت قريش ضمرة لذلك: على أن لا يدوا، ولا يبرؤوا، ولكنهم ينبذون على سواء.. ندمت على ذلك، فبعثت أبا سفيان إلى المدينة يسأله ﷺ أن يجدّد العهد ويزيد في المدّة، فلم يردّ عليه شيئا، ورجع لمكة، ولم يأت بنجح، كما قال الناظم:
(وخاب) أبو سفيان (صخر) بن حرب ولم يظفر بمطلوبه، وكان هو سيد قريش، والمقدّم فيها بعد أبي جهل (إذ أتى) وقدم على النّبيّ ﷺ المدينة (يرأب) أي: يصلح (ما) أي: الأمر الذي (أثآه) يقال:
رأب الثأي: أصلح الفساد، وأثأى في القوم: أي: جرح فيهم، وأثأى الشيء أي: أفسده (غدر) بفتح الغين المعجمة؛ أي: ترك وفاء (قومه) قريش بإعانتهم بني بكر على خزاعة حلفاء المسلمين، ودخول بعض من قريش في ميدان القتال خفية ليلا، وظهور ذلك ظهور نار القرى.
стр. 592
ولمّا دخل على ابنته أم المؤمنين أم حبيبة ﵂..
ذهب ليجلس على فراشه ﷺ ، فطوته عنه، فقال: ما أدري: أرغبت بي عن هذا الفراش، أم رغبت به عني؟ قال: بل هو فراش رسول الله ﷺ ، وأنت رجل مشرك نجس، ولم أحبّ أن تجلس على فراشه ﷺ . قال: والله؛ لقد أصابك يا بنيّة بعدي شرّ، فقالت: بل هداني الله للإسلام، فأنت يا أبت سيّد قريش وكبيرها، كيف يسقط عنك الدخول في الإسلام، وأنت تعبد حجرا لا يسمع ولا يبصر؟ فقام من عندها، فأتى رسول الله ﷺ في المسجد، فكلمه أن يجدّد العهد ويزيد في المدّة، فلم يرد عليه شيئا.
قال في «شرح المواهب» : (وعند الواقديّ: فقال:
يا محمّد؛ إنّي كنت غائبا في صلح الحديبية، فأجدد العهد، وزدنا في المدة، فقال ﷺ : «فلذلك جئت؟» قال: نعم، فقال: «هل كان من حدث؟» فقال:
معاذ الله! نحن على عهدنا وصلحنا، لا نغيّر ولا نبدّل، فقال ﷺ : «فنحن على ذلك» فأعاد أبو سفيان القول، فلم يرد عليه شيئا، فذهب إلى أبي بكر، فكلّمه أن يكلم رسول الله ﷺ ، فقال: ما أنا بفاعل، فأتى عمر، فقال: أأنا أشفع لكم؟ والله؛ لو لم أجد إلّا الذّرّ لجاهدتكم به، ثمّ دخل على عليّ وعنده فاطمة، وحسن غلام يدب بين يديها، فقال: يا عليّ؛ إنّك أمسّ القوم
стр. 593
بي رحما، وإنّي جئت في حاجة، فلا أرجع كما جئت خائبا، فاشفع لي، فقال علي: ويحك يا أبا سفيان! والله؛ لقد عزم رسول الله ﷺ على أمر ما نستطيع أن نكلمه فيه، فالتفت إلى فاطمة، فقال: يا بنت محمّد؛ هل لك أن تأمري بنيّك هذا فيجير بين الناس، فيكون سيد العرب إلى آخر الدهر؟ قالت: والله؛ ما بلغ بنيّ أن يجير بين الناس، وما كان يجير أحد على رسول الله ﷺ ، ثمّ قال لعليّ: يا أبا حسن؛ إنّي أرى الأمور وقد اشتدّت عليّ فانصحني، قال: والله؛ ما أعلم شيئا يغني عنك، ولكنك سيد بني كنانة، فقم فأجر بين الناس، ثمّ الحق بأرضك، قال: أو ترى ذلك مغنيا عني شيئا؟ قال: لا والله ما أظنه، ولكن لا أجد لك غير ذلك، فقام أبو سفيان في المسجد فقال: أيّها الناس؛ قد أجرت بين الناس، ولا والله ما أظن أن يخفرني أحد، ثمّ ركب بعيره وانطلق ولم يأت بظفر، كما قال: (فانفصما «١» ) أي: انقطع وانكسر أبو سفيان.
ما كان من هند لزوجها أبي سفيان:
ولمّا قدم مكة لذلك، وقد طالت غيبته حتى رمته قريش بأشد التهمة، وقالوا: صبأ واتبع محمّدا سرّا.. دخل على امرأته هند بنت عتبة ليلا فقالت له: لقد غبت حتى اتهمك قومك، فإن كنت مع طول الإقامة جئتهم بنجح.. فأنت
стр. 594
الرجل، ثمّ جلس منها مجلس الرجل من امرأته فقالت:
ما صنعت؟ فأخبرها الخبر، وقال: لم أجد إلّا ما قال لي عليّ، فضربت برجلها في صدره، وقالت: قبّحت من رسول قوم! فما جئت بخير.
قال في «شرح المواهب» : (فلمّا أصبح.. حلق رأسه عند إساف ونائلة، وذبح لهما، ومسح بالدم رؤوسهما، وقال: لا أفارق عبادتكما حتى أموت؛ إبراء لقريش ممّا اتهموه به، فقالوا له: ما وراءك؟ هل جئت بكتاب من محمّد، أو زيادة في مدة ما نأمن به أن يغزونا؟ فقال: والله؛ لقد أبى عليّ، ثمّ جئت أبا بكر، فلم أجد فيه خيرا، ثمّ جئت ابن الخطّاب فوجدته أدنى العدّو، - وفي لفظ: أعدى العدو- وكلّمت عليه أصحابه، فما قدرت على شيء منهم إلّا أنّهم يرمونني بكلمة واحدة، وما رأيت قوما يوما أطوع لملك عليهم منهم له، إلّا أنّ عليا لمّا ضاقت بي الأمور.. قال: أنت سيد بني كنانة، فأجر بين الناس، فناديت بالجوار، قالوا: هل أجاز ذلك محمّد؟ قال: لا، قالوا: رضيت بغير رضا، وجئتنا بما لا يغني عنّا ولا عنك شيئا ولعمر الله؛ إن زاد عليّ على أن بجائز، وإنّ إخفارك عليهم لهين، والله؛ إن زاد عليّ على أن تلعب بك تلعبا، فقال: والله؛ ما وجدت غير ذلك، وتركتهم فيما بينهم يتشاورون) .
كتاب حاطب بن أبي بلتعة لقريش:
ولمّا أجمع رسول الله ﷺ المسير إلى
стр. 595
وحاطب إبن أبي بلتعة ... أرسل إذ زحوفه شرعت
مكة.. كتب حاطب بن أبي بلتعة كتابا أعطاه امرأة، وجعل لها جعلا على أن تبلغه قريشا، كما أشار له الناظم بقوله:
(وحاطب) «١» بالتنوين لضرورة النظم (إبن) عمرو بن عمير اللخميّ (أبي بلتعة) بموحدة مفتوحة، ولام ساكنة، ففوقية، فعين مهملة مفتوحتين (أرسل إذ زحوفه) أي:
стр. 596
إلى قريش رقعة مع مره ... فأودعتها قرنها تلك المره
فأخبر الهادي بها فأرسلا ... من جاءه كرها بها وامتثلا
جيشه ﷺ (شرعت) بتاء التأنيث المكسورة للرويّ، وقوله: (إلى) كبار (قريش) وهم: سهيل، وصفوان، وعكرمة، وقد أسلموا بعد، ﵃، وهو يتعلق ب (أرسل) أي: أرسل حاطب إلى قريش بمكة إذ ذاك (رقعة) بالضم، واحدة الرّقاع: التي تكتب (مع) بفتح الميم والعين في مع (مرة) بتثليث الميم وفتح الراء المخففة:
لغة في امرأة، استأجرها بدينار أو عشرة دنانير، واسمها سارة بنت صيفيّ بن أبي صيفيّ بن هاشم، كانت مغنيّة أهل مكة، جاءت إلى رسول الله ﷺ تسأله، فقال ﷺ : «أجئت مهاجرة؟» قالت: لا، قال: «فما جئت له؟» قالت: أنتم الأهل ولا مواسي، فقال لها رسول الله ﷺ : «ما كان في غنائك ما يغنيك؟» قالت:
إنّ قريشا منذ قتل منهم من قتل ببدر تركوا الغناء، فأعطاها رسول الله ﷺ نفقة وثيابا، ولمّا ناولها حاطب الرقعة.. قال لها: أخفيها ما استطعت، ولا تمرّي على الطريق؛ فإن عليه حرسا، فأخذت الرقعة (فأودعتها قرنها) بفتح القاف وسكون الراء: ذؤابتها (تلك المرة) .
وأطلع الله على ذلك نبيه ﵊، وجاءه الخبر من السماء، كما قال الناظم:
(فأخبر الهادي بها) أي: بالمرأة وخبرها لمّا جاء الوحي
стр. 597
بذلك (فأرسلا) بألف الإطلاق، كالألف في قوله بعد:
(وامتثلا) ، (من جاءه كرها) أي: من المرأة، ويتعلق بقوله: (جاءه) قوله: (بها) والذي جاءه بها عليّ، والزّبير، والمقداد، كما أخرجه الشيخان من طريق عبيد الله بن أبي رافع، عن علي ﵁ قال: بعثني رسول الله ﷺ أنا، والزّبير، والمقداد، فقال: «انطلقوا حتى تأتوا روضة خاخ «١» على بريد من المدينة؛ فإنّ بها ظعينة «٢» معها كتاب، فخذوه منها» (وامتثلا) أمره ﷺ .
قال عليّ- في تمام الحديث المذكور-: فذهبنا تعادى بنا خيلنا، حتى أتينا الروضة، فإذا نحن بالظعينة، فقلنا:
أخرجي الكتاب، فقالت: ما معي من كتاب، قلنا: لتخرجنّ الكتاب أو لنلقينّ الثياب، فأخرجته من عقاصها «٣» ، فأتينا به رسول الله ﷺ ، فإذا فيه: من حاطب بن أبي بلتعة إلى أناس من المشركين بمكّة، يخبرهم ببعض أمر رسول الله ﷺ ، فقال النّبيّ ﷺ : «ما هذا يا حاطب؟» قال: لا تعجل عليّ يا رسول الله: إنّي كنت امرأ ملصقا في قريش، ولم أكن من
стр. 598
أنفسها، وكان من معك من المهاجرين لهم قرابات يحمون بها أهليهم وأموالهم بمكة، فأحببت إذ فاتني ذلك من النسب فيهم، أن أصطنع إليهم يدا يحمون بها قرابتي، وما فعلت ذلك كفرا ولا ارتدادا عن ديني، فقال النّبيّ ﷺ : «أما إنّه قد صدقكم» فقال عمر: دعني «١» يا رسول الله فلأضرب عنق هذا المنافق، فقال: «إنّه شهد بدرا، وما يدريك لعلّ الله اطّلع على أهل بدر فقال: اعملوا ما شئتم؛ فقد غفرت لكم؟!»
قال عمرو- يعني ابن دينار، أحد رواة الحديث-:
ونزلت فيه يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وَعَدُوَّكُمْ أَوْلِياءَ تُلْقُونَ إِلَيْهِمْ بِالْمَوَدَّةِ وَقَدْ كَفَرُوا بِما جاءَكُمْ مِنَ الْحَقِّ يُخْرِجُونَ الرَّسُولَ وَإِيَّاكُمْ أَنْ تُؤْمِنُوا بِاللَّهِ رَبِّكُمْ إِنْ كُنْتُمْ خَرَجْتُمْ جِهاداً فِي سَبِيلِي وَابْتِغاءَ مَرْضاتِي تُسِرُّونَ إِلَيْهِمْ بِالْمَوَدَّةِ وَأَنَا أَعْلَمُ بِما أَخْفَيْتُمْ وَما أَعْلَنْتُمْ وَمَنْ يَفْعَلْهُ مِنْكُمْ فَقَدْ ضَلَّ سَواءَ السَّبِيلِ.
قال السّهيلي في «الروض» : (زاد البخاريّ في بعض روايات الحديث فقال: «فاغرورقت عينا عمر ﵁،
стр. 599
وقال: الله ورسوله أعلم» يعني: حين سمعه يقول في أهل بدر ما قال.
وفي «مسند الحارث» : أنّ حاطبا قال: يا رسول الله؛ كنت عريرا في قريش، وكانت امي بين ظهرانيهم، فأردت أن يحفظوني فيها، أو نحو هذا. ثمّ فسّر العزيز، وقال: هو الغريب.
وقد قيل: كان في الكتاب الذي كتبه حاطب: أنّ النّبيّ ﷺ قد توجه إليكم بجيش كالليل، يسير كالسيل، وأقسم بالله؛ لو سار إليكم وحده.. لنصره الله عليكم؛ فإنّه منجز له ما وعده.
وفي «تفسير ابن سلّام» : أنّه كان في الكتاب الذي كتبه حاطب: أنّ النّبيّ محمّدا قد نفر: إمّا إليكم، وإمّا إلى غيركم، فعليكم الحذر) .
فائدة:
ذكر في «روض النّهاة» : (أنّه ﷺ لمّا أرسل القوم إلى المرأة.. زوّدهم ماء، فلمّا حلوا السّقاء ليشربوا.. وجدوه لبنا أطيب ما يكون، ووجدوا على فم السقاء زبدا أطيب ما يكون) .
وقال في «قرّة الأبصار» في ضمن ذكر معجزاته ﷺ التي ذكرها:
стр. 600
وللنّبيّ عرض ابن عمّته ... ونجل عمّه عزيز فئته
والماء قد زودت قوما رفدا ... فعاد أيضا لبنا وزبدا
ولكنه لم يعين القوم.
قصة عبد الله بن أبي أمية وإعراض الرسول ﷺ عنه:
ثمّ أراد الناظم أن يذكر بعض من خرج من مكة، ووافى رسول الله ﷺ بالطريق متوجّها إلى مكة، فأعرض ﵊ عنه في أول الأمر؛ تأديبا له، فقال:
(وللنّبيّ عرض) أي: ظهر له بين السّقيا والعرج، عبد الله بن أبي أميّة القرشيّ المخزوميّ «١» (ابن عمّته) ﷺ ، عاتكة بنت عبد المطلب.