← Сира

Сира · id 9772

إنارة الدجى في مغازي خير الورى صلى الله عليه وآله وسلم

حسن بن محمد مشاط

Полный текст (820 стр.). Показаны 596–635 · переход к 601.

стр. 596

إلى قريش رقعة مع مره ... فأودعتها قرنها تلك المره فأخبر الهادي بها فأرسلا ... من جاءه كرها بها وامتثلا جيشه ﷺ (شرعت) بتاء التأنيث المكسورة للرويّ، وقوله: (إلى) كبار (قريش) وهم: سهيل، وصفوان، وعكرمة، وقد أسلموا بعد، ﵃، وهو يتعلق ب (أرسل) أي: أرسل حاطب إلى قريش بمكة إذ ذاك (رقعة) بالضم، واحدة الرّقاع: التي تكتب (مع) بفتح الميم والعين في مع (مرة) بتثليث الميم وفتح الراء المخففة: لغة في امرأة، استأجرها بدينار أو عشرة دنانير، واسمها سارة بنت صيفيّ بن أبي صيفيّ بن هاشم، كانت مغنيّة أهل مكة، جاءت إلى رسول الله ﷺ تسأله، فقال ﷺ : «أجئت مهاجرة؟» قالت: لا، قال: «فما جئت له؟» قالت: أنتم الأهل ولا مواسي، فقال لها رسول الله ﷺ : «ما كان في غنائك ما يغنيك؟» قالت: إنّ قريشا منذ قتل منهم من قتل ببدر تركوا الغناء، فأعطاها رسول الله ﷺ نفقة وثيابا، ولمّا ناولها حاطب الرقعة.. قال لها: أخفيها ما استطعت، ولا تمرّي على الطريق؛ فإن عليه حرسا، فأخذت الرقعة (فأودعتها قرنها) بفتح القاف وسكون الراء: ذؤابتها (تلك المرة) . وأطلع الله على ذلك نبيه ﵊، وجاءه الخبر من السماء، كما قال الناظم: (فأخبر الهادي بها) أي: بالمرأة وخبرها لمّا جاء الوحي

стр. 597

بذلك (فأرسلا) بألف الإطلاق، كالألف في قوله بعد: (وامتثلا) ، (من جاءه كرها) أي: من المرأة، ويتعلق بقوله: (جاءه) قوله: (بها) والذي جاءه بها عليّ، والزّبير، والمقداد، كما أخرجه الشيخان من طريق عبيد الله بن أبي رافع، عن علي ﵁ قال: بعثني رسول الله ﷺ أنا، والزّبير، والمقداد، فقال: «انطلقوا حتى تأتوا روضة خاخ «١» على بريد من المدينة؛ فإنّ بها ظعينة «٢» معها كتاب، فخذوه منها» (وامتثلا) أمره ﷺ . قال عليّ- في تمام الحديث المذكور-: فذهبنا تعادى بنا خيلنا، حتى أتينا الروضة، فإذا نحن بالظعينة، فقلنا: أخرجي الكتاب، فقالت: ما معي من كتاب، قلنا: لتخرجنّ الكتاب أو لنلقينّ الثياب، فأخرجته من عقاصها «٣» ، فأتينا به رسول الله ﷺ ، فإذا فيه: من حاطب بن أبي بلتعة إلى أناس من المشركين بمكّة، يخبرهم ببعض أمر رسول الله ﷺ ، فقال النّبيّ ﷺ : «ما هذا يا حاطب؟» قال: لا تعجل عليّ يا رسول الله: إنّي كنت امرأ ملصقا في قريش، ولم أكن من

стр. 598

أنفسها، وكان من معك من المهاجرين لهم قرابات يحمون بها أهليهم وأموالهم بمكة، فأحببت إذ فاتني ذلك من النسب فيهم، أن أصطنع إليهم يدا يحمون بها قرابتي، وما فعلت ذلك كفرا ولا ارتدادا عن ديني، فقال النّبيّ ﷺ : «أما إنّه قد صدقكم» فقال عمر: دعني «١» يا رسول الله فلأضرب عنق هذا المنافق، فقال: «إنّه شهد بدرا، وما يدريك لعلّ الله اطّلع على أهل بدر فقال: اعملوا ما شئتم؛ فقد غفرت لكم؟!» قال عمرو- يعني ابن دينار، أحد رواة الحديث-: ونزلت فيه يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وَعَدُوَّكُمْ أَوْلِياءَ تُلْقُونَ إِلَيْهِمْ بِالْمَوَدَّةِ وَقَدْ كَفَرُوا بِما جاءَكُمْ مِنَ الْحَقِّ يُخْرِجُونَ الرَّسُولَ وَإِيَّاكُمْ أَنْ تُؤْمِنُوا بِاللَّهِ رَبِّكُمْ إِنْ كُنْتُمْ خَرَجْتُمْ جِهاداً فِي سَبِيلِي وَابْتِغاءَ مَرْضاتِي تُسِرُّونَ إِلَيْهِمْ بِالْمَوَدَّةِ وَأَنَا أَعْلَمُ بِما أَخْفَيْتُمْ وَما أَعْلَنْتُمْ وَمَنْ يَفْعَلْهُ مِنْكُمْ فَقَدْ ضَلَّ سَواءَ السَّبِيلِ. قال السّهيلي في «الروض» : (زاد البخاريّ في بعض روايات الحديث فقال: «فاغرورقت عينا عمر ﵁،

стр. 599

وقال: الله ورسوله أعلم» يعني: حين سمعه يقول في أهل بدر ما قال. وفي «مسند الحارث» : أنّ حاطبا قال: يا رسول الله؛ كنت عريرا في قريش، وكانت امي بين ظهرانيهم، فأردت أن يحفظوني فيها، أو نحو هذا. ثمّ فسّر العزيز، وقال: هو الغريب. وقد قيل: كان في الكتاب الذي كتبه حاطب: أنّ النّبيّ ﷺ قد توجه إليكم بجيش كالليل، يسير كالسيل، وأقسم بالله؛ لو سار إليكم وحده.. لنصره الله عليكم؛ فإنّه منجز له ما وعده. وفي «تفسير ابن سلّام» : أنّه كان في الكتاب الذي كتبه حاطب: أنّ النّبيّ محمّدا قد نفر: إمّا إليكم، وإمّا إلى غيركم، فعليكم الحذر) . فائدة: ذكر في «روض النّهاة» : (أنّه ﷺ لمّا أرسل القوم إلى المرأة.. زوّدهم ماء، فلمّا حلوا السّقاء ليشربوا.. وجدوه لبنا أطيب ما يكون، ووجدوا على فم السقاء زبدا أطيب ما يكون) . وقال في «قرّة الأبصار» في ضمن ذكر معجزاته ﷺ التي ذكرها:

стр. 600

وللنّبيّ عرض ابن عمّته ... ونجل عمّه عزيز فئته والماء قد زودت قوما رفدا ... فعاد أيضا لبنا وزبدا ولكنه لم يعين القوم. قصة عبد الله بن أبي أمية وإعراض الرسول ﷺ عنه: ثمّ أراد الناظم أن يذكر بعض من خرج من مكة، ووافى رسول الله ﷺ بالطريق متوجّها إلى مكة، فأعرض ﵊ عنه في أول الأمر؛ تأديبا له، فقال: (وللنّبيّ عرض) أي: ظهر له بين السّقيا والعرج، عبد الله بن أبي أميّة القرشيّ المخزوميّ «١» (ابن عمّته) ﷺ ، عاتكة بنت عبد المطلب.

стр. 601

قصة أبي سفيان بن الحارث وإعراض الرسول ﷺ عنه: (و) عرض أيضا للنّبيّ ﷺ أبو سفيان بن الحارث بن عبد المطلب «١» (نجل) أي: ابن (عمّه)

стр. 602

وعنهما أعرض جرّا مأثمه ... فاستشفعا له بأمّ سلمه الحارث، أخي عبد الله، والد النّبيّ ﷺ (عزيز) بالجر صفة للعم (فئته) أي: طائفته قريش، ويجمع على: فئون، كما في «المختار» . ولما عرضا لرسول الله ﷺ يريدان الإسلام.. أعرض عنهما؛ لأنّهما كانا من أكبر القائمين على رسول الله ﷺ ، وأشدّ الناس أذى له. شفاعة أم سلمة فيهما: وإلى هذا يشير بقوله: (وعنهما أعرض) وصدّ؛ لأنّهما (جرّا) على أنفسهما (مأثمة) أي: إثما بذلك الأذى والهجو لرسول الله ﷺ ، والهاء للسكت؛ إذ وبال ذلك راجع إليهما، (فاستشفعا) أي: طلبا الشفاعة (له)

стр. 603

أي: عند رسول الله ﷺ ؛ ليقبلهما (بأم سلمة) أم المؤمنين ﵂، فكلمته أم سلمة، فقالت: يا رسول الله؛ ابن عمك، وابن عمتك وصهرك، قال: «لا حاجة لي بهما؛ أمّا ابن عمي.. فهتك عرضي، وأمّا ابن عمّتي وصهري.. فهو الذي قال لي بمكة ما قال» يعني قوله: والله؛ لا آمنت بك حتى تتّخذ سلّما إلى السماء، فتعرج فيه وأنا أنظر، ثمّ تأتي بصكّ وأربعة من الملائكة، يشهدون أنّ الله أرسلك، فقالت له أم سلمة: لا يكن ابن عمك وابن عمتك أشقى الناس بك. وقال عليّ بن أبي طالب كرّم الله وجهه لأبي سفيان فيما حكاه أبو عمر: (ائت رسول الله ﷺ من قبل وجهه فقل له ما قال إخوة يوسف ليوسف: قالُوا تَاللَّهِ لَقَدْ آثَرَكَ اللَّهُ عَلَيْنا وَإِنْ كُنَّا لَخاطِئِينَ فإنّه لا يرضى أن يكون أحد أحسن منه قولا، ففعل ذلك أبو سفيان، فقال له ﷺ : «لا تَثْرِيبَ عَلَيْكُمُ الْيَوْمَ يَغْفِرُ اللَّهُ لَكُمْ وَهُوَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ» ) . خروج الرسول ﷺ إلى مكة بجيشه: هذا: ولمّا رجع أبو سفيان إلى مكة ولم ينل مطلوبه، وقبل ﵊ عذر حاطب في كتابه لأهل مكة.. خرج قاصدا مكة لعشر مضين من رمضان بعد العصر سنة ثمان، وهو صائم والناس معه صيام، ولمّا بلغ الكديد- ماء

стр. 604

وأقبلت جنود صفوة الأمم ... أمامه حتّى انتهوا إلى الحرم بين قديد وعسفان- أفطر؛ وذلك بعد أن استخلف على المدينة أبا رهم كلثوم بن الحصين بن عتبة الغفاريّ، على الصحيح الذي رواه ابن إسحاق وغيره. وأشار الناظم إلى مسيره إلى مكة تتقدمه جنود الله وعسكر الإسلام، حتى وصل إلى بيت الله الحرام بقوله: (وأقبلت جنود) جمع جند، هو: العسكر والأعوان (صفوة) مثلث الأول، ككلّ ما كان على هذا الوزن واويّ اللام. والمراد بصفوة (الأمم) : رسول الله الأعظم ﷺ ، وصفه بالصفوة وليست من أسمائه المشهورة؛ لأنّ الله تعالى اصطفى العرب من الناس، واصطفى قريشا من العرب، واصطفى بني هاشم من قريش، واصطفى رسول الله ﷺ من بني هاشم، فمن ثمّ كان الصفوة، والصفوة: خلاصة الشيء، فهو خلاصة الشرف، بل والكمالات كلها (أمامه) ﷺ . قال في «الإمتاع» : (وكان المهاجرون سبع مئة، ومعهم ثلاث مئة فرس، وكانت الأنصار أربعة آلاف، ومعهم خمس مئة فرس، ومزينة ألفا، ومعها مئة فرس، ومئة درع، وأسلم أربع مئة، ومعها ثلاثون فرسا، وجهينة ثمان مئة، ومعها خمسون فرسا، وبنو كعب بن عمرو خمس مئة، وخرج يوم الأربعاء لعشر خلون من رمضان بعد العصر) اهـ

стр. 605

وضربت له هناك قبّه ... أرضى بها الله وأرضى حزبه وأخذوا في السير (حتى انتهوا إلى الحرم) أي: مكة شرفها الله تعالى؛ لأنّه ﷺ حرّمها بقوله: «مكة حرام، لا تحل لأحد قبلي، ولا تحل لأحد بعدي، وإنّما أحلّت لي ساعة من نهار» . (وضربت له هناك) أي: بالحجون من أرض الحرم بمكة (قبة) يستظل «١» بها (أرضى بها الله، وأرضى حزبه) جنده أو قومه الذين هم على رأيه، أو طائفته. قال في «روض النّهاة» : (وكل ذلك محتمل هنا؛ إذ يصح أن يكون أراد قريشا؛ لأنّه ﷺ أرضاهم ذلك اليوم بأفعاله الكريمة وأقواله الحميدة. كقوله: «اليوم يوم المرحمة» وقوله: «ما تروني فاعلا بكم؟» قالوا: خيرا؛ أخ كريم، وابن أخ كريم، فقال: «اذهبوا، فأنتم الطّلقاء» ولأنّه ﷺ لم يسبّ أحدا، ولم يغنم ناطقا ولا صامتا وهو فيما هو فيه من المقدرة، وجهد أصحابه في المعيشة، وقد ردّ المفتاح على أهله قبل من بني عبد الدار. ويصح أن يكون المراد بالحزب الأنصار، وهم قومه الذين

стр. 606

فاحترم الحرم إذ هو الحرم ... محرّم مؤمّن ممّن هجم على رأيه، وأرضاهم أيضا ذلك اليوم بقوله ﷺ : «المحيا محياكم، والممات مماتكم» وأن يكون المراد به المهاجرين والأنصار؛ لأنّهم جنده. وأرضى المهاجرين أيضا بعفوه عن قريش، وقد شفّع عثمان، وعبد الرّحمن بن عوف منهم، هذا كله على أنّ الضمير في (حزبه) يعود على النّبيّ ﷺ ، ويحتمل عوده على لفظ الجلالة قال تعالى: فَإِنَّ حِزْبَ اللَّهِ هُمُ الْغالِبُونَ وقد ظهر لقريش اليوم استمرار الغلب عليهم منذ يوم بدر، فأذعنوا وأسلموا. (فاحترم الحرم) أي: مكة، فلم يسفك بها دما (إذ هو) أي: مكة، وذكّر الضمير؛ مراعاة للخبر الذي هو (الحرم) وقوله: (محرّم) خبر بعد خبر، كقوله: (مؤمّن ممّن هجم) «١» وأغار عليه. والآيات في القرآن على تأمينه كثيرة، قال تعالى: وَقالُوا إِنْ نَتَّبِعِ الْهُدى مَعَكَ نُتَخَطَّفْ مِنْ أَرْضِنا أَوَلَمْ نُمَكِّنْ لَهُمْ حَرَماً آمِناً يُجْبى إِلَيْهِ ثَمَراتُ كُلِّ شَيْءٍ رِزْقاً مِنْ لَدُنَّا وَلكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لا يَعْلَمُونَ. وقال تعالى: فَلْيَعْبُدُوا رَبَّ هذَا الْبَيْتِ* الَّذِي أَطْعَمَهُمْ مِنْ جُوعٍ وَآمَنَهُمْ مِنْ خَوْفٍ.

стр. 607

وقال ﵊ في اليوم الثّاني من يوم الفتح، بعد أن حمد الله تعالى، وأثنى عليه بما هو أهله: «أيّها الناس؛ إنّ الله حرّم مكة يوم خلق السماوات والأرض، فهي حرام بحرمة الله إلى يوم القيامة، فلا يحلّ لامرئ يؤمن بالله واليوم الآخر أن يسفك بها دما، أو يعضد بها شجرة، فإن أحد ترخّص فيها لقتال رسول الله ﷺ .. فقولوا له: إنّ الله قد أذن لرسوله، ولم يأذن لكم، وإنّما أحلّت لي ساعة من نهار، وقد عادت حرمتها الآن كحرمتها بالأمس، فليبلغ الشاهد الغائب» . تاريخ أنصاب الحرم: قال العلّامة أبو الوليد محمّد بن عبد الله الأزرقيّ، بسنده إلى ابن عباس ﵁: (أوّل من نصب أنصاب الحرم إبراهيم ﵇، يريه ذلك جبريل ﵇، فلمّا كان يوم فتح مكة.. بعث رسول الله ﷺ تميم بن أسد الخزاعيّ، فجدد ما رثّ منها) . وذكر أيضا أبو الوليد بالسند إلى عبيد الله بن عتبة: (أنّ إبراهيم ﵇ نصب أنصاب الحرم، يريه جبريل ﵇، ثمّ لم تحرّك حتى كان قصيّ فجدّدها، ثمّ لم تحرك حتى كان رسول الله ﷺ ، فبعث عام الفتح تميم بن أسد الخزاعي فجدّدها، ثمّ لم تحرك حتى كان عمر بن الخطاب ﵁، فبعث أربعة من قريش، كانوا يتبدّون

стр. 608

وحين حلّ بإزاء الحرم ... أمر أن يوقد كلّ مسلم نارا فأبصر أبو سفيانا ... وكان يرتقبه النّيرانا في بواديها، فجدّدوا أنصاب الحرم، منهم مخرمة بن نوفل، وأبو هود سعيد بن يربوع المخزوميّ، وحويطب بن عبد العزّى، وأزهر بن عبد عوف الزهريّ) . إرهاب قريش بإيقاد عشرة آلاف نار: ثمّ أراد الناظم أن يذكر ما أمرهم به النّبيّ الأعظم ﷺ حينما قارب مكة؛ ممّا جعل قريشا في رعب منهم، فقال: (وحين حلّ) ونزل رسول الله ﷺ (بإزاء) أي: بمقابل (الحرم) بموضع يسمى مرّ الظّهران: بفتح الميم، وتشديد الراء، هو المعروف اليوم بوادي فاطمة مسيرة ليلة من مكة على الجمال، وساعة بالسيارة (أمر أن يوقد كل مسلم نارا) لتراها قريش، فترعب من كثرتها، فأوقدوا عشرة آلاف نار (فأبصر أبو سفيانا) بالألف الزائدة لإطلاق القافية قوله: (وكان يرتقبه) أي: النّبيّ ﷺ ؛ أي: يخاف أن يخرج في أصحابه لقتاله، جملة معترضة بين أبصر، ومفعوله الذي هو (النيرانا) أي: فأبصر أبو سفيان هذه النيران الكثيرة حتى قال: ما هذه النيران؟ لكأنّها نيران عرفة، وكانت قد جرت عادتهم بإيقاد النيران الكثيرة ليلة عرفة.

стр. 609

فارتاع فانسلّ إذن عمّ النّبي ... فالتقيا فجا به عن كثب فزع أبي سفيان من جيش المسلمين: وقد كان أبو سفيان يرتقب النّبيّ ﷺ أن يغزوه مع قومه (فارتاع) أي: أصاب أبا سفيان الروع والخوف. قال الشهاب: (ولم يبلغ قريشا مسيره، وهم مغتمّون خائفون من غزوه، فبعثوا أبا سفيان، فقالوا: إن لقيت محمّدا.. فخذ لنا منه أمانا، فخرج أبو سفيان، وحكيم بن حزام، وبديل بن ورقاء- وقد أسلموا كلّهم ﵃ حتى أتوا مرّ الظهران، فلمّا رأوا العسكر.. أفزعهم) . قصة إسلام أبي سفيان وما كان من العباس معه: وفي «صحيح الإمام البخاري» : فإذا هم بنيران كأنّها نيران عرفة، فقال أبو سفيان: ما هذه النيران؟ والله لكأنّها نيران عرفة، فقال له بديل: نيران بني عمرو (أي: خزاعة) فقال أبو سفيان: بنو عمرو أقل من ذلك، فرآهم ناس من حرس رسول الله ﷺ ، فأدركوهم، فأخذوهم، فأتوا بهم رسول الله ﷺ ، فأسلم أبو سفيان؛ أي: انقاد إذ ذاك، وخضع لرسول الله ﵊ (فانسلّ) بتشديد اللام؛ أي: فخرج (إذن) أي: حين رأى تلك النيران، وذلك الجيش العرموم العباس (عمّ النّبيّ) ﷺ ، فركب بغلة رسول الله ﷺ ، وأخذته الرقّة والشفقة لأهل مكة، حتى جاء الأراك لعلّه يجد بعض الحطّابة، أو ذا الحاجة، يخبر أهل مكة بمكان

стр. 610

رسول الله ﷺ ؛ ليخرجوا إليه فيستأمنوه قبل أن يدخلها عنوة، قال العباس: فو الله؛ إنّي لأسير عليها إذ سمعت كلام أبي سفيان وبديل بن ورقاء وهما يتراجعان، وأبو سفيان يقول: ما رأيت كالليلة نيرانا قطّ ولا عسكرا، قال: يقول بديل: هذه والله خزاعة حمشتها الحرب، فيقول أبو سفيان: خزاعة أذل وأقل من أن تكون هذه نيرانها وعسكرها، قال: فعرفت صوته، فقلت: أبا حنظلة؟ فعرف صوتي، فقال: أبو الفضل؟ قلت: نعم، قال: مالك فداك أبي وأمّي، قال: قلت: والله: هذا رسول الله ﷺ في الناس، قد جاءكم بما لا قبل لكم به، فقال: واصباح قريش والله! قال: فما الحيلة فداك أبي وأمّي؟ قال: قلت: والله لئن ظفر بك.. ليضربنّ عنقك، فاركب في عجز هذه البغلة، حتى آتي بك رسول الله ﷺ ، فأستأمنه لك، فركب خلفي ورجع صاحباه، وهذا هو المشار إليه بقول الناظم: (فالتقيا) أي: العباس وأبو سفيان (فجا) بالقصر: لغة في (جاء) بالمد؛ أي: فجاء العباس (به) أي: بأبي سفيان وقد أردفه على عجز الدابة إلى رسول الله ﷺ (عن كثب) بفتح الكاف والمثلثة؛ أي: عن قرب، وكان كلّما مرّ به العباس على نار من نيران المسلمين.. قالوا: من هذا؟ وإذا رأوا بغلة رسول الله ﷺ والعباس عليها قالوا: عم رسول الله ﷺ على بغلته.

стр. 611

قال العباس: حتى مررت بنار عمر بن الخطاب، فقال: من هذا؟ وقام إليّ، فلمّا رأى أبا سفيان على عجز الدابة.. قال: أبو سفيان عدوّ الله؟ الحمد لله الذي أمكن منك بغير عقد ولا عهد، ثمّ خرج يشتد نحو رسول الله ﷺ ، وركضت البغلة، فسقت، فاقتحمت عن البغلة، فدخلت على رسول الله ﷺ ، ودخل عليه عمر، فقال: يا رسول الله؛ هذا أبو سفيان، فدعني فلأضرب عنقه، قال: قلت: يا رسول الله؛ إنّي قد أجرته، ثمّ جلست إلى رسول الله ﷺ ، فأخذت برأسه، فقلت: والله، لا يناجيه الليلة رجل دوني، فلمّا أكثر عمر في شأنه.. قلت: مهلا يا عمر، فو الله؛ لو كان من رجال بني عديّ بن كعب.. ما قلت مثل هذا، قال: مهلا يا عباس، فو الله؛ لإسلامك يوم أسلمت كان أحبّ إليّ من إسلام الخطاب لو أسلم، وما بي إلّا أنّي قد عرفت أنّ إسلامك كان أحبّ إلى رسول الله ﷺ من إسلام الخطاب. فقال رسول الله ﷺ : «اذهب به يا عباس إلى رحلك، فإذا أصبحت.. فأتني به» فذهبت به، فلمّا أصبح.. غدوت به إلى رسول الله ﷺ ، فلمّا رآه رسول الله ﷺ .. قال: «ويحك يا أبا سفيان! ألم يأن لك أن تعلم أن لا إله إلّا الله؟» قال: بأبي أنت وأمّي، ما أحلمك، وأكرمك، وأوصلك! لقد ظننت أن لو كان مع الله إله غيره لقد أغنى شيئا بعد، قال:

стр. 612

«ويحك يا أبا سفيان! ألم يأن لك أن تعلم أنّي رسول الله؟» قال: بأبي أنت وأمّي، ما أحلمك، وأكرمك، وأوصلك! أمّا والله هذه؛ فإنّ في النفس حتى الآن منها شيئا، فقال له العباس: ويحك أسلم، واشهد أن لا إله إلّا الله وأنّ محمّدا رسول الله قبل أن تضرب عنقك، قال: فشهد شهادة الحقّ، فأسلم. قال العباس: قلت يا رسول الله؛ إنّ أبا سفيان رجل يحب الفخر، فاجعل له شيئا «١» ، قال: «نعم، من دخل دار أبي سفيان.. فهو آمن، ومن أغلق بابه عليه.. فهو آمن، ومن دخل المسجد.. فهو آمن» . ثمّ أمر العبّاس أن يحبس أبا سفيان بمضيق الجبل، عند خطم الجبل؛ حتى تمر به جنود الله فيراها، ففعل، فمرّت القبائل على راياتها، كلّما مرّت قبيلة.. قال: يا عباس من هذه؟ فأقول: سليم، قال: ما لي ولسليم، ثمّ تمر به القبيلة فيقول: يا عباس؛ من هؤلاء؟ فأقول مزينة، فيقول: ما لي ولمزينة، حتى نفدت القبائل، ما تمر به قبيلة.. إلّا سألني عنها، فإذا أخبرته بهم.. قال: ما لي ولبني فلان، حتى مرّ به رسول الله ﷺ في كتيبته الخضراء فيها المهاجرون والأنصار، لا يرى منهم إلّا الحدق من الحديد،

стр. 613

وإنّما قيل لها: الخضراء لكثرة الحديد وظهوره فيها، قال: سبحان الله يا عباس! من هؤلاء؟ قلت: هذا رسول الله ﷺ في المهاجرين والأنصار، قال: ما لأحد بهؤلاء قبل ولا طاقة! وفي «صحيح البخاريّ» : أنّ كتيبة الأنصار جاءت مع سعد بن عبادة ومعه الراية، قال: ولم ير مثلها، ثم جاءت كتيبة هي أقل الكتائب «١» - أي: عددا- وأكثرها إجلالا، فيهم رسول الله ﷺ وأصحابه، وراية النّبيّ ﷺ مع الزّبير، فقال أبو سفيان: والله يا أبا الفضل؛ لقد أصبح ملك ابن أخيك اليوم عظيما، قال: قلت: يا أبا سفيان، إنّها النبوة، قال: فنعم إذن، قال: قلت: النجاء إلى قومك، حتى إذا جاءهم صرخ بأعلى صوته: يا معشر قريش؛ هذا محمّد قد جاءكم فيما لا قبل لكم به، فمن دخل دار أبي سفيان.. فهو آمن، فقامت إليه زوجه هند بنت عتبة، فأخذت بشاربه فقالت: اقتلوا الحميت «٢» الدّسم الأحمس، قبح من طليعة قوم! قال: ويلكم! لا تغرنّكم هذه من أنفسكم؛ فإنّه قد جاءكم ما لا قبل لكم به، من دخل دار أبي سفيان.. فهو آمن، قالوا: قاتلك الله،

стр. 614

وما تغني عنا دارك؟ قال: ومن أغلق عليه داره.. فهو آمن، ومن دخل المسجد.. فهو آمن، فتفرق الناس إلى دورهم وإلى المسجد. وذكر الطبريّ: أنّ النّبيّ ﷺ وجّه حكيم بن حزام مع أبي سفيان بعد إسلامهما إلى مكة، وقال: من دخل دار حكيم.. فهو آمن، وهي بأسفل مكة، ومن دخل دار أبي سفيان.. فهو آمن، وهي بأعلى مكة، فكان هذا أمانا منه لكل من لم يقاتل من أهل مكة. قال ابن إسحاق: (فحدّثني عبد الله بن أبي بكر: أنّ رسول الله ﷺ لمّا انتهى إلى ذي طوى.. وقف على راحلته معتجرا بشقة برد حبرة حمراء، وإنّ رسول الله ليضع رأسه تواضعا لله حين رأى ما أكرمه الله به من الفتح، حتى إنّ عثنونه ليكاد يمس واسطة الرحل) اهـ والعثنون: اللحية. وقال في «روض النّهاة» : (إنّ أبا سفيان قال لمّا احتمله العباس إلى قبته، فأصبح عنده، رأى الناس قد ثاروا إلى ظهورهم «١» .. فقال أبو سفيان: يا أبا الفضل؛ ما للناس؟ أمروا فيّ بشيء؟ قال: لا، ولكنهم قاموا إلى الصلاة، فأمره العباس فتوضّأ، ثمّ انطلق به إلى رسول الله ﷺ ، فلمّا دخل به ﵊ في الصّلاة وكبّر،

стр. 615

وزعم ابن قيس ان سيحفدا ... رجالهم خلّته وأنشدا فكبّر الناس بتكبيره، وركع فركعوا، ورفع فرفعوا.. قال أبو سفيان: ما رأيت كاليوم طاعة قوم، جمعهم من ههنا وههنا، ولا فارس ولا الروم ذوات القرون بأطوع منهم له! ولمّا عرض عليه الإسلام.. قال: كيف أصنع بالعزّى؟ فسمعه عمر من وراء القبة، فقال له: تخرأ عليها! فقال أبو سفيان: ويحك يا عمر! إنّك رجل فاحش، دعني وابن عمي فإياه أكلم. ولمّا قالت هند المقالة السابقة، وقد أخذ الإسلام من قلبه كل مأخذ.. قال لها: والله؛ لتسلمنّ أو لأضربنّ عنقك، فأسلمت قبل انقضاء عدّتها، وبايعت، وأقرهما رسول الله ﷺ على نكاحهما) . استعداد حماس بن قيس لقتال الرسول ﷺ ثمّ انهزامه: (وزعم) حماس (بن قيس) بن خالد، بكسر أوله، وتخفيف ثانيه، وآخره مهملة، على ما ضبطه الحافظ في «الإصابة» وذكره في القسم الأول من حرف الحاء وقال: (إنّه الأصح من تسمية ابن عبد البر له خناس بن قيس) . والزعم يطلق على القول الحق، ومنه حديث: «زعم جبريل» وعلى القول الكذب، ومنه قوله تعالى: زَعَمَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنْ لَنْ يُبْعَثُوا ويطلق أيضا على القول غير الموثوق به ومنه قوله:

стр. 616

إن يغلبوا اليوم فما لي علّه ... هذا سلاح كامل وألّه نبّئت قيسا ولم أبله ... كما زعموا خير أهل اليمن وحديث الترمذيّ: «بئس مطية الكذب زعموا» فجعله ابن عطية من الثاني، قاله الأبيّ في «شرحه على مسلم» ولعلّ الثاني، أو الثّالث هو المراد هنا؛ أي: كذب في (أن سيحفدا) أي: يخدم (رجالهم) أي: رجال المسلمين (خلّته) بضم الخاء؛ أي: زوجته، أي يأسرهم؛ فيكونوا خولا وخدما لزوجته، ولم تسمّ؛ وذلك أنّه كان يشحذ سلاحه ويصلحه قبل قدوم رسول الله ﷺ ، فقالت له امرأته: لماذا تعدّ سلاحك؟ فيقول: لمحمّد وأصحابه، فتقول: لا أرى محمّدا وأصحابه يقوم لهم شيء، فيقول: أرجو أن أخدمك منهم. (وأنشدا) عند ذلك: (إن يغلبوا) بالبناء للفاعل؛ أي: أصحاب رسول الله ﷺ (اليوم فما لي) أي: فليس لي (علّة) ولا سبب؛ لأنّ (هذا سلاح كامل وألّه) بفتح الهمزة، وبعدها لام مشددة: جمع ألّ بالفتح أيضا، بمعنى: السلاح العريض، يقول في زعمه: إنّه لم يكن هناك سبب لغلبهم لنا؛ فإنّ لدينا من أسباب النصر ما يكفينا من أداة القتال، وما درى أنّ الله ناصر نبيه والمسلمين لا محالة، مهما كان العدوّ، ومهما كانت المعدّات الحربية، قال الله تعالى: هُوَ الَّذِي أَيَّدَكَ بِنَصْرِهِ وَبِالْمُؤْمِنِينَ* وَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ وقال تعالى: وَلَيَنْصُرَنَّ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ.

стр. 617

وشهد المأزق فيه حطما ... رمز (يب) من قومه فانهزما وجاء فاستغلق بابه البتول ... فاستفهمته أين ما كنت تقول ثمّ شهد الخندمة مع صفوان بن أميّة، وعكرمة بن أبي جهل، وسهيل بن عمرو، فلمّا لقيهم المسلمون من أصحاب خالد.. ناوشوهم شيئا من القتال، فقتل كرز بن جابر الفهري، وحبيش بن خالد الخزاعي- وكانا في خيل خالد فشذا عنه وسلكا طريقا غير طريقه فقتلا- وأصيب من المشركين نحو اثني عشر، ثمّ انهزموا، فخرج حماس منهزما حتى دخل بيته، ثمّ قال لامرأته: أغلقي عليّ بابي، قالت: فأين ما كنت تقول؟ فأنشد الأبيات، وإلى هذا أشار بقوله: (وشهد) حماس (المأزق) بوزن مجلس، أصله: المضيق، واستعاره الناظم لموضع القتال، قال في «الصحاح» : (المأزق: المضيق، ومنه سمي موضع الحرب مأزقا) «١» (فيه) أي: في موضع القتال (حطما) بالبناء للمفعول؛ أي: كسر (رمز «يب» ) أي: اثنا عشر (من قومه) المشركين، يرمز إليهم، ويشار بالياء والباء من حروف الجمّل (فانهزما) بألف الإطلاق مع قومه. (وجاء) ابن قيس مبادرا من ساحة القتال إلى داره (فاستغلق) أي: طلب أن تغلق عليه (بابه) بالنصب، معمول لاستغلق (البتول) أي: زوجه البتول، وهو وصف

стр. 618

فقال والفزع زعفر دمه: ... إنّك لو شهدت يوم الخندمه إذ فرّ صفوان وفرّ عكرمه ... واستقبلتنا بالسّيوف المسلمه مدح، قال في «روض النّهاة» : (ولعلّ هذه المرة أسلمت؛ لوصفه إيّاها به) . (فاستفهمته أين ما كنت تقول) من وعدك أنّك تهزم جماعة محمّد، وتجعل لي منهم خدما وخولا. (فقال) في جواب ذلك (والفزع) أي: والحال أنّ الخوف (زعفر دمه) أي: جعله كلون الزعفران، وإنّما يعتري الإنسان ذلك من أجل شدة الذعر والخوف، والجملة معترضة بين القول ومقوله الذي هو: (إنّك) مخاطبا لامرأته، وهو بكسر الهمزة (لو شهدت يوم الخندمه) اسم جبل بمكة، وقع عنده القتال مع خالد بن الوليد (إذ فرّ صفوان) نجل أميّة (وفرّ عكرمه) بن أبي جهل، ومكانهما في الشجاعة والبسالة بالمقام المعروف، وقد أسلما بعد ﵄، وبعد البيت: وأبو يزيد قائم كالمؤتمه ... (واستقبلتنا بالسيوف المسلمه) يقطعن كل ساعد وجمجمه ... ضربا فلا تسمع إلّا غمغمه لهم نهيت خلفنا وهمهمه ... لم تنطقي باللوم أدنى كلمه وأبو يزيد: هو سهيل بن عمرو، وتقدم أنّه أسلم ﵁، والمؤتمة: المرأة ذات أيتام، والمسلمة:

стр. 619

وفاز من لاذ به واسترحمه ... يومئذ إذ هو يوم المرحمه المسلمون، والغمغمة: الأصوات التي لا تفهم من اختلاطها، والنهيت مكبرا: صوت الصدر، والهمهمة: الكلام الخفيّ. *** ثمّ أراد الناظم أن يذكر بعض مظاهر شفقة نبينا نبي الرحمة ﷺ ، بقبول من استجار به في ذلك اليوم مع القدرة عليه، وعظيم ما صدر منه من جناية فقال: (وفاز من لاذ) أي: لجأ (به، واسترحمه) أي: طلب رحمته وعطفه (يومئذ) أي: يوم الفتح لمكة (إذ هو) أي: ذلك اليوم (يوم المرحمة) «١» لقريش، أعزّها الله فيه. واعلم: أنّ رسول الله ﷺ ، كان قد عهد إلى أمرائه حين أمرهم بدخول مكة، أن لا يقاتلوا إلّا من قاتلهم إلّا نفرا سمّاهم؛ فإنّهم يقتلون ولو وجدوا تحت أستار

стр. 620

كابن أبي سرح وزير الخلفا ... وناخس البكر ببنت المصطفى الكعبة، منهم عبد الله بن سعد بن أبي سرح، لكن لمّا لاذ بحضرة الرسول، بشفاعة أخيه عثمان من الرضاعة.. فاز بالرضا والقبول. قصة ابن أبي سرح ﵁: وإليها يشير الناظم بقوله: (كابن أبي سرح) بفتح السين وسكون الراء، وبالحاء المهملات، وهو عبد الله بن سعد القرشي العامريّ؛ فإنّه كان ممّن أهدر النّبيّ ﷺ دمه يوم الفتح؛ لأنّه كان أسلم بمكة، وكان يكتب للنّبيّ ﷺ بها، ثمّ ارتد ولحق بالكفار. قال في «شرح المواهب» : (روى أبو داوود والحاكم عن ابن عباس قال: كان عبد الله بن سعد يكتب للنّبيّ ﷺ ، فأزلّه الشيطان، فلحق بالكفار، فأمر ﷺ بقتله، فاستجار بعثمان، فأجاره، وأخرج ابن جرير عن عكرمة في قوله تعالى: وَمَنْ قالَ سَأُنْزِلُ مِثْلَ ما أَنْزَلَ اللَّهُ أنّها أنزلت فيه، كان يكتب للنّبيّ ﷺ فيملي عليه «عزيز حكيم» فيكتب «غفور رحيم» ثمّ يقرأ عليه، فيقول هو: نعم، سواء، فرجع عن الإسلام، ولحق بقريش. وروى الحاكم عن سعد بن أبي وقّاص: أنّه اختبأ عند عثمان، فجاء به حتى أوقفه على النّبيّ صلى الله عليه وسلم

стр. 621

وهو يبايع الناس، فقال: يا رسول الله؛ بايع عبد الله، فبايعه بعد ثلاث، ثمّ أقبل على أصحابه فقال: «أما كان فيكم رجل رشيد يقوم إلى هذا حين كففت يدي عن مبايعته فيقتله؟» فقال رجل: هلّا أو مأت إليّ؟ فقال: «إنّ النّبيّ لا ينبغي أن تكون له خائنة الأعين» ) اهـ ثمّ أدركته العناية الأزلية، وأتته السعادة الأبدية، فأسلم وحسن إسلامه، وعرف فضله وجهاده في سبيل الله تعالى، وكان وزيرا لسيدنا عمر بن الخطاب وسيدنا عثمان بن عفان، كما يشير الناظم بقوله: (وزير) أي: معين (الخلفا) ء الراشدين؛ فإنّه ولّاه سيدنا عمر، وكان على ميمنة عمرو بن العاصي حين افتتح مصر، ثمّ ولّاه عثمان، وافتتح إفريقيا عام سبع وعشرين. قال في «شرح المواهب» : (وكان من أعظم الفتوح، بلغ سهم الفارس ثلاثة آلاف دينار، واعتزل الفتنة حتى توفي سنة سبع وخمسين؛ أي: بعسقلان) . وروى البغويّ بإسناد صحيح عن يزيد بن أبي حبيب، قال: (لمّا كان عند الصبح.. قال ابن أبي سرح: اللهمّ؛ اجعل آخر عملي الصبح، فتوضّأ، ثمّ صلّى، فسلّم عن يمينه، ثمّ ذهب يسلم عن يساره، فقبض الله روحه، ﵁ . قال السّهيلي في «الروض» : وهو القائل في حصار عثمان ﵁:

стр. 622

وهلكت لنخسه وألقت ... ذا بطنها والبرح منه لاقت أرى الأمر لا يزداد إلّا تفاقما ... وأنصارنا بالمكّتين قليل وأسلمنا أهل المدينة والهدى ... إلى أهل مصر، والذليل ذليل قصة هبّار بن الأسود ﵁: وممّن أهدر دمه، ثمّ لاذ بالنبي المعظّم وفاز: هبّار بن الأسود بن المطّلب بن أسد بن عبد العزّى بن قصيّ القرشيّ الأسديّ، وهو المراد بقوله: (وناخس) بالجر، عطف على (ابن أبي سرح) أي: طاعن (البكر) بفتح الباء: هو الفتيّ من الإبل أي: طاعن الجمل (ببنت المصطفى) ﷺ وهي زينب؛ فإنّه عرض لها حين هاجرت، وردها زوجها أبو العاصي للنّبيّ ﷺ على العهد الذي عهد إليه، فنخس بها الجمل حتى سقطت على صخرة، وأسقطت جنينها، وأهراقت الدماء، ولم تزل مريضة حتى ماتت سنة ثمان، كما قال: (وهلكت لنخسه وألقت) بكسر تاء التّأنيث؛ للرويّ (ذا بطنها) أي: جنينها (والبرح منه) بالنصب معمول لقوله: (لاقت) أي: ولاقت زينب من هبّار وأفعاله القبيحة البرح والشدة، والشر ممّا لا يليق بشرفها؛ فلذا أهدر ﵊ دمه، وأمر بقتله، بعد أن أمر بحرقه، ثمّ رجع إلى قتله فقط، لكن تداركته العناية الرّبّانية، فأسلم وحسن إسلامه، وفي هذا يقول الناظم:

стр. 623

بحرقه أمر ثمّ رجعا ... لقتله والنّار عنه دفعا وبعد ما أشفى على الإحراق ... تداركته رحمة الخلّاق (بحرقه) يتعلّق بقوله: (أمر) أي: أمر رسول الله ﷺ بحرق هبّار، فقال: «إن وجدتم هبارا.. فأحرقوه بالنار» ثم قال: «اقتلوه؛ فإنّه لا يعذّب بالنار إلّا ربّ النار» . (ثمّ رجعا) بألف الإطلاق، والضمير للنّبيّ ﷺ (لقتله) أي: عن قتل هبار؛ أي رجع عن حرقه إلى قتله- ولو عبر بعن.. لكان أولى (والنار) بالنصب معمول ل (دفع) (عنه) يتعلق بقوله: (دفعا) أي: دفع عنه التعذيب لما ذكر. (وبعد ما) هي مصدرية داخلة على الفعل الذي هو: (أشفى) أي: أشرف (على الإحراق تداركته) أي: هبّارا (رحمة الخلّاق) فحبّب إليه الإسلام، فأسلم بعد الفتح، وحسن إسلامه، وصحب النّبيّ ﷺ . وقال في «شرح المواهب» : (أخرج الواقديّ عن جبير بن مطعم قال: كنت جالسا مع رسول الله ﷺ منصرفه من الجعرّانة، فطلع هبّار، فقالوا: يا رسول الله؛ هبّار بن الأسود، قال: «قد رأيته» فأراد رجل القيام إليه، فأشار إليه: أن اجلس، فوقف هبّار، فقال: السلام عليك يا نبيّ الله، أشهد أن لا إله إلّا الله، وأشهد أنّ محمّدا رسول الله، وقد هربت منك في البلاد، وأردت

стр. 624

فحقن الله بالاسلام دمه ... سبحانه من راحم ما أرحمه اللّحاق بالأعاجم، ثمّ ذكرت عائدتك وصلتك وصفحك عمّن جهل عليك، وكنّا يا رسول الله أهل شرك، فهدانا الله بك وأنقذنا من الهلكة، فاصفح عن جهلي، وعمّا كان يبلغك عني؛ فإنّي مقرّ بسوء فعلي، معترف بذنبي فقال ﷺ : «قد عفوت عنك، وقد أحسن الله إليك حيث هداك إلى الإسلام، والإسلام يجبّ ما قبله» ) . (ف) من أجل ذلك (حقن) أي: منع (الله) تعالى رسوله (بالاسلام دمه) أن يسفك (سبحانه) تنزّه الله عن كل ما لا يليق به (من راحم ما أرحمه) ! قلت: ويشير بهذا إلى الحديث الصحيح، الذي رواه البخاريّ ومسلم في «صحيحيهما» واللفظ لمسلم، بسنده إلى عمر بن الخطاب، قال: قدم على رسول الله ﷺ سبي، فإذا امرأة من السّبي تبتغي، إذ وجدت صبيا في السّبي فأخذته فألصقته ببطنها وأرضعته، فقال لنا رسول الله ﷺ : «أترون هذه المرأة طارحة ولدها في النار؟» قلنا: لا والله، وهي تقدر على أن لا تطرحه، فقال ﷺ : «لله أرحم بعباده من هذه بولدها» . وروى مسلم بسنده إلى سلمان ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «إنّ الله خلق يوم خلق السماوات والأرض مئة رحمة، كل رحمة طباق ما بين السماء

стр. 625

أحنى وأرأف من الأمّ بنا ... وهكذا رسوله كان لنا والأرض، فجعل منها في الأرض رحمة، فبها تعطف الوالدة على ولدها، والوحش والطير بعضها على بعض، فإذا كان يوم القيامة.. أكملها بهذه الرحمة» . نسأل الله تعالى أن يشملنا برحمته الواسعة- فإنّا فقراء- منّا وفضلا، إنّ لله رحمة، وأحق الناس بالرحمة الضعفاء. وفي الباب أحاديث كثيرة تدل على سعة رحمة الله تعالى، وإذا كانت رحمة واحدة في هذه الدار المبنية على الأكدار، التي منها الإسلام والقرآن والصّلاة والرّحمة في قلبه، وغير ذلك ممّا أنعم الله به.. فكيف الظن بمئة رحمة في الدار الآخرة وهي دار القرار ودار الجزاء؟! (أحنى) من الحنوّ؛ أي: أعطف (وأرأف) من الرأفة، وهي أشد الرحمة، فعطفها من عطف الخاص على العام؛ أي: أكثر رحمة (من الأمّ) المشفقة (بنا وهكذا) أي: مثل هذا (رسوله) ﷺ (كان لنا) قال الله تعالى: لَقَدْ جاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ ما عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَؤُفٌ رَحِيمٌ وقال تعالى: وَما أَرْسَلْناكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعالَمِينَ. ومن طالع أحواله وسيره ومعاملته ﷺ مع أصحابه والوافدين إليه من جهلة الأعراب والبوادي يقضي العجب من شفقة نبيّ الرحمة ورأفته، فجزاه الله عنا خير الجزاء، وفرّحنا به في عرصات القيامة ويوم الجزاء بمنّه وكرمه، آمين.

стр. 626

مثل من رأفة الرسول ﷺ وحسن معاملته: فمن ذلك ما هو مشهور عند أهل السير: أنّ أعرابيا جاء يطلب من رسول الله ﷺ فأعطاه، ثمّ قال: «أحسنت إليك؟» قال الأعرابي: لا، ولا أجملت، فغضب المسلمون، وقاموا إليه، فأشار إليهم: أن كفّوا، ثمّ قام، ودخل منزله، وأرسل إلى الأعرابي شيئا وزاده شيئا، ثمّ قال: «أحسنت إليك؟» قال: نعم، فجزاك الله من أهل وعشيرة خيرا، فقال ﷺ : «إنّك قلت ما قلت وفي أنفس أصحابي من ذلك شيء؛ فإن أحببت.. فقل بين أيديهم ما قلت بين يديّ؛ حتى يذهب ما في صدورهم عليك» قال: نعم، فلمّا كان الغد أو العشيّ.. جاء فقال ﷺ : «إنّ هذا الأعرابي قال ما قال فزدناه، فزعم أنّه رضي، أكذلك؟» قال: نعم، فجزاك الله من أهل وعشيرة خيرا، فقال ﷺ : «مثلي ومثل هذا، مثل رجل له ناقة شردت عليه فاتّبعها الناس، فلم يزيدوها إلّا نفورا، فناداهم صاحبها: خلوا بيني وبين ناقتي؛ فإنّي أرفق بها منكم. وأعلم، فتوجّه لها بين يديها، فأخذ لها من قمام الأرض، فردّها حتى جاءت واستناخت، وشدّ عليها رحلها واستوى عليها، وإنّي لو تركتكم حيث قال الرجل ما قال فقتلتموه.. دخل النار» . قال أبو الفضل عياض بن موسى اليحصبيّ: (ومن شفقته على أمّته ﷺ : تخفيفه وتسهيله عليهم،

стр. 627

وكراهته أشياء؛ مخافة أن تفرض عليهم؛ كقوله ﵊: «لولا أن أشقّ على أمّتي.. لأمرتهم بالسّواك مع كل وضوء» وخبر صلاة الليل، ونهيهم عن الوصال، وكراهة دخول الكعبة؛ لئلّا يعنت أمّته، وأنّه كان يسمع بكاء الصبيّ فيتجوز في صلاته) . ومن شفقته ﷺ : أن دعا ربه وعاهده، فقال: «أيّما رجل سببته أو لعنته.. فاجعل ذلك له زكاة، ورحمة، وصلاة، وطهورا، وقربة تقرّبه بها إليك يوم القيامة» . ولمّا كذبه قومه.. أتاه جبريل ﵇، فقال له: إنّ الله تعالى قد سمع قول قومك لك، وما ردّوا عليك، وقد أمر ملك الجبال؛ لتأمر بما شئت فيهم، فناداه ملك الجبال، وسلّم عليه، وقال: مرني بما شئت؛ إن شئت أن أطبق عليهم الأخشبين، قال النّبيّ ﷺ : «بل أرجو أن يخرج الله من أصلابهم من يعبد الله وحده، ولا يشرك به شيئا» . وإن شئت المزيد..، فعليك ب «الشفاء» للقاضي عياض و «المواهب» و «شرحها» وغير ذلك من الدواوين التي تبحث عن أحواله ﷺ ورحمته لأمته، ومع ذلك فما ذكر إنّما هو قلّ من كثر، وغيض من فيض. نسأل الله تعالى أن يعمّنا برحمته وشفقته، آمين.

стр. 628

يدخلنا الجنّة إلّا من شرد ... عنه وعن توحيده أبى وصد يقرب بالذّراع أو بالباع ... للمدّني بشبر أو ذراع ومن أتى يمشي أتاه هروله ... فضاعف الأجر له وأجز له جزاء المطيعين لله الجنة: (يدخلنا) الله ﵎ معشر الموحّدين (الجنّة) بفضله المحض (إلّا من شرد) أي: فرّ ونفر (عنه وعن توحيده) يتعلق بقوله: (أبى) أي: امتنع عن توحيده (وصدّ) أي: أعرض. ثمّ ذكر الناظم من تنزلات مولانا لعباده المؤمنين، ما يحثّهم على المبادرة لطاعاته، والمسارعة إلى مرضاته، فقال: قرب العبد من ربه وقرب الرب من عبده: (يقرب بالذراع) لمن تقرّب إليه شبرا (أو بالباع) لمن تقرّب إليه ذراعا، والباع: قدر مدّ اليدين، ولذا قال: (للمدّني) بضم الميم وتشديد الدال المفتوحة اسم فاعل، مأخوذ من: ادّنى مشدد الدال، قال السيد محمّد مرتضى في «تاج العروس» : (وادّنى ادّناء: افتعل، من الدنوّ؛ أي: قرب) (بشبر أو ذراع) وفيه لف ونشر مرتب. (ومن أتى يمشي) من المتقرّبين إليه (أتاه هرولة) بفتح الهاء: ما بين العدو والمشي، ولفظ الحديث بسند مسلم إلى أبي هريرة ﵁، عن النّبيّ ﷺ قال:

стр. 629

«قال الله : إذا تقرب عبدي مني شبرا.. تقرّبت منه ذراعا، وإذا تقرّب مني ذراعا.. تقرّبت منه باعا- أو بوعا- وإذا أتاني يمشي.. أتيته هرولة» ذكره في موضوع (من أحبّ لقاء الله.. أحب الله لقاءه) . وذكر في (كتاب الذكر والدعاء) بسنده إلى أبي هريرة، قال قال رسول الله ﷺ : «يقول الله : أنا عند ظن عبدي بي، وأنا معه حين يذكرني، إن ذكرني في نفسه.. ذكرته في نفسي، وإن ذكرني في ملأ.. ذكرته في ملأهم خير منهم، وإن تقرّب مني شبرا.. تقربت منه ذراعا، وإن تقرّب مني ذراعا.. تقربت منه باعا، وإن أتاني يمشي.. أتيته هرولة» وهذا الحديث كسابقه من أحاديث الصفات، يجب الإيمان به، ويصرف عن إرادة ظاهره؛ لقوله تعالى: لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ. قال الإمام أبو زكريا النوويّ في «شرح مسلم» : (ومعناه: من تقرب إليّ بطاعتي.. تقربت إليه بالرحمة، والتوفيق، والإعانة، وإن زاد.. زدت، فإن أتاني يمشي وأسرع في طاعتي.. أتيته هرولة؛ أي: صببت عليه الرحمة، وسبقته بها، ولم أحوجه إلى المشي الكثير في الوصول إلى المقصود، والمراد: أنّ جزاءه يكون تضعيفه له على حسب تقربه) ولذا قال الناظم: (فضاعف الأجر له وأجز له) أي: أكثره.

стр. 630

يضاعف الأجر لسبع مئة ... ففوق يؤجر بحسن النّيّة ثمّ بيّن أنّ المضاعفة تكون على حسب حال العاملين، وحسن نياتهم وإخلاصهم بقوله: (يضاعف الأجر لسبع مئة ففوق) بالبناء على الضم؛ أي: ففوق السبع مئة ضعف (يؤجر) العامل (بحسن النية) قال الله : مَثَلُ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ كَمَثَلِ حَبَّةٍ أَنْبَتَتْ سَبْعَ سَنابِلَ فِي كُلِّ سُنْبُلَةٍ مِائَةُ حَبَّةٍ وَاللَّهُ يُضاعِفُ لِمَنْ يَشاءُ وَاللَّهُ واسِعٌ عَلِيمٌ. وعن ابن عباس عن رسول الله ﷺ ، عن ربه ﵎: «إنّ الله كتب الحسنات والسيئات» ثمّ بيّن ذلك بقوله: «فمن همّ بحسنة فلم يعملها.. كتبها الله عنده حسنة كاملة، وإن همّ بها فعملها.. كتبها الله عنده عشر حسنات، إلى سبع مئة ضعف، إلى أضعاف كثيرة، وإن همّ بسيئة فلم يعملها.. كتبها الله عنده حسنة كاملة، وإن همّ بها فعملها.. كتبها الله عنده سيئة واحدة» رواه البخاري ومسلم في «صحيحيهما» . وهذا الحديث عظيم شريف، بيّن النّبيّ ﷺ به مقدار تفضّل الله على خلقه، قال الإمام أبو زكريا النووي: (فانظر يا أخي- وفقنا الله وإيّاك- إلى عظيم لطف الله تعالى، وتأمل هذه الألفاظ، وقوله: «عنده» إشارة إلى الاعتناء بها، وقوله: «كاملة» للتأكيد وشدة الاعتناء بها، وقال في السيئة التي همّ بها ثمّ تركها: «كتبها الله

стр. 631

من لطفه أنّ صحائف الذّنوب ... وهي عظيمة تروّع القلوب لا تزن التّهليل في بطاقه ... كأنّها الظّفر في الدّقاقه عنده حسنة كاملة» فأكّدها بكاملة، وإن عملها.. كتبها سيئة واحدة، فأكّد تقليلها ب «واحدة» ولم يؤكدها ب «كاملة» فلله الحمد والمنّة، سبحانه لا نحصي ثناء عليه، وبالله التوفيق) . حديث البطاقة: (من لطفه) أي: رفق الله تعالى بعباده وبرّه بهم (أنّ صحائف الذنوب وهي عظيمة تروّع) بضم المثنّاة وتشديد الواو المكسورة؛ أي: تخوف (القلوب) وتفزعها لعظمها، وكل ذنب إذا قوبل بجلال الله وعظمته.. فهو عظيم، وهذه الجملة معترضة، وقعت بين اسم إن وخبرها الذي هو: (لا تزن التهليل) أي: كلمة «لا إله إلّا الله» الثابتة (في بطاقة) بكسر الباء؛ أي: رقعة صغيرة، قال في «النهاية» : (سميت بذلك؛ لأنّها تشد بطاقة في الثوب) فتكون الباء حينئذ زائدة (كأنّها) أي: البطاقة (الظفر) بالضم، وبضمّتين، والكسر شاذ، يكون للإنسان وغيره، قاله أبو البقاء في «كلياته» وذكر الناظم وجه الشبه بين البطاقة والظفر بقوله: (في الدقاقه) بضم الدال؛ أي: الدقة. ويشير بهذا إلى الحديث الذي رواه الإمام أحمد بسنده إلى عبد الله بن عمرو بن العاصي قال: قال رسول الله ﷺ : «إنّ الله يستخلص رجلا من أمّتي على

стр. 632

رؤوس الخلائق يوم القيامة، فينشر عليه تسعة وتسعين سجلا، كل سجل مدّ البصر، يقول: أتنكر من هذا شيئا؟ أظلمتك كتبتي الحافظون؟ قال: لا يا ربّ، قال: أفلك عذر؟ قال: فبهت الرجل، فيقول: لا يا ربّ، فيقول: بلى إنّ لك عندنا حسنة واحدة، لا ظلم عليك اليوم، فتخرج له بطاقة فيها: أشهد أن لا إله إلّا الله، وأشهد أنّ محمّدا رسول الله، فيقول: أحضروه، فيقول: يا رب؛ ما هذه البطاقة مع هذه السجلات؟ فيقول: إنّك لا تظلم، قال: فتوضع السجلات في كفّة، والبطاقة في كفّة، قال: فطاشت السجلات، وثقلت البطاقة، قال: ولا يثقل شيء مع اسم الله» رواه الترمذيّ وابن ماجه من حديث الليث بن سعد، وقال الترمذي: حسن. السجلات: جمع سجل، وهو الصك والكتاب، وطاش من الطيش، وهو الخفة؛ أي: خفت السجلات. *** وبعد ما فرغ الناظم من هذه الأبيات الاستطرادية؛ لمناسبة تدارك الله تعالى هبارا بالعناية، وبسط يد رسوله ﷺ بالعفو.. أراد أن يذكر ما ناله هبار من سوء المعاملة بالمدينة؛ لما فعله مع البضعة الطاهرة الزّكية، وكيف ردّهم رسول الله ونبيّ الرحمة ﷺ عنه رأفة به فقال:

стр. 633

بسبّه من سبّه آنسه ... نبيّنا أن عيّروه نخسه صلّى عليه الله ما أحلمه ... عن سيّىء الحوب وما أكرمه عطف الرسول ﷺ على هبار بن الأسود: (بسبّه) أي: هبار، وهو مضاف إلى فاعله، ومتعلق بقوله (آنسه) يعني: آنسه رسول الله ﷺ بالإذن في أن يسب هبّار (من سبّه) وعيّره بنخس جمل السيدة زينب ونحو ذلك، قالوا: وكان هبار سبابا في الجاهلية (آنسه) وهو ضد أوحشه؛ أي: أدخل عليه الأنس بذلك، (نبينا) ب (أن عيّروه) عابوه بذلك (نخسه) أي: طعنه الجمل بزينب ﵂. والحاصل: أنّه لما أسلم هبار، وأمّنه النّبيّ ﷺ .. قدم المدينة، فجعلوا يسبّونه؛ لنخسه بزينب بنته ﷺ يوم خروجها من مكة إلى المدينة، فشكى ذلك لحضرة الرسول الأعظم ﷺ ، فقال له: «سبّ من سبّك، فكفّوا عنه» قال في «شرح المواهب» : (رواه ابن شاهين من مرسل الزّهريّ) . (صلّى عليه الله ما أحلمه) أي: أكثر حلمه، وصفحه (عن سيئ الحوب) أي: الإثم الصادر قديما من هبار، ومن غيره (وما أكرمه) فقد عفا وصفح عن أعدائه مع المقدرة منه في حال السلم والحرب، بما لم يعرف من غيره، كما يعلم ذلك من درس أحواله ﷺ .

стр. 634

وكأبي سفيان وابن عمّته ... وكابن عمّه وأهل بكّته وحسبك قوله ﵊ يوم فتح مكة في عشرة آلاف من أصحابه الصناديد الأسود، وقد خضعت تلك الرقاب التي كانت تؤذيه وتحاربه، ونكست من رؤوسها: «ماذا ترون أنّي فاعل بكم؟» قالوا: أخ كريم، وابن أخ كريم، قال: «اذهبوا فأنتم الطلقاء» إلى غير ذلك ممّا تجده في هذه الورقات، وغيرها من الأسفار والمجلدات. رضاء الرسول ﷺ عن أبي سفيان بعد إسلامه وإكرامه إياه: (وكأبي سفيان) صخر بن حرب، وهو معطوف على قوله سابقا: (كابن أبي سرح) أي: وفاز من لجأ إلى رسول الله ﷺ كابن أبي سرح، وكأبي سفيان؛ فإنّه ممّن لاذ به مع العباس عمه، وفاز بالإسلام، وكان تولى بعد بدر رياسة قريش وحرب النّبيّ ﷺ ، ولمّا أسلم.. كان يمازح النّبيّ ﷺ ويقول: تركتك وتركتك العرب ولم تنتطح فيّ عنزان، فجعل النّبيّ ﷺ يضحك ويقول: «أنت تقول هذا يا أبا حنظلة» . وأقبل رسول الله ﷺ يوم الفتح من المسجد على أبي سفيان، فلمّا رآه.. قال في نفسه: ليت شعري بم غلبني؟ فضرب ﷺ بين كتفيه فقال: بالله غلبتك يا أبا حنظلة، فقال أشهد أنّك رسول الله. وفقئت عيناه: الأولى يوم الطائف، والثانية يوم اليرموك، تحت لواء ابنه يزيد.

стр. 635

وعن سعيد بن المسيب قال: خفتت الأصوات يوم اليرموك إلّا صوتا ينادي: يا نصر الله اقترب، فنظرت، فإذا صوت أبي سفيان تحت لواء ابنه يزيد. وتوفي في خلافة عثمان، وتوفيت هند زوجه في خلافة أبي بكر، رضوان الله عليهم أجمعين، وتقدم الكلام على كثير من حياة أبي سفيان وقصة إسلامه. عطف الرسول ﷺ على عبد الله بن أبي أميّة وأبي سفيان بن الحارث وأهل مكة: (و) ك (ابن عمته) وهو عبد الله بن أبي أميّة بن المغيرة، أمه عاتكة بنت عبد المطلب عمة رسول الله ﷺ ، (وك) أبي سفيان (ابن عمه) الحارث بن عبد المطلب؛ فإنّهما ممّن لاذ بالنّبي ﷺ ، ففازا بالقبول، وسبق الكلام عليهما آنفا. (و) ك (أهل بكّته) بفتح الباء وتشديد الكاف، من أسماء مكة؛ لأنّها تبك؛ أي: تدق أعناق الجبابرة؛ فإنّهم فازوا به لما لجأوا إليه، وقال لهم: «يا معشر قريش؛ ماذا ترون أنّي فاعل بكم؟» قالوا: خيرا؛ أخ كريم، وابن أخ كريم، وقد قدرت، فقال ﷺ : «فإنّي أقول كما قال أخي يوسف: لا تثريب عليكم اليوم، يغفر الله لكم وهو أرحم الرّاحمين، اذهبوا فأنتم الطلقاء» .
следующие страницы →