← Сира

Сира · id 9772

إنارة الدجى في مغازي خير الورى صلى الله عليه وآله وسلم

حسن بن محمد مشاط

Полный текст (820 стр.). Показаны 631–670 · переход к 636.

стр. 631

من لطفه أنّ صحائف الذّنوب ... وهي عظيمة تروّع القلوب لا تزن التّهليل في بطاقه ... كأنّها الظّفر في الدّقاقه عنده حسنة كاملة» فأكّدها بكاملة، وإن عملها.. كتبها سيئة واحدة، فأكّد تقليلها ب «واحدة» ولم يؤكدها ب «كاملة» فلله الحمد والمنّة، سبحانه لا نحصي ثناء عليه، وبالله التوفيق) . حديث البطاقة: (من لطفه) أي: رفق الله تعالى بعباده وبرّه بهم (أنّ صحائف الذنوب وهي عظيمة تروّع) بضم المثنّاة وتشديد الواو المكسورة؛ أي: تخوف (القلوب) وتفزعها لعظمها، وكل ذنب إذا قوبل بجلال الله وعظمته.. فهو عظيم، وهذه الجملة معترضة، وقعت بين اسم إن وخبرها الذي هو: (لا تزن التهليل) أي: كلمة «لا إله إلّا الله» الثابتة (في بطاقة) بكسر الباء؛ أي: رقعة صغيرة، قال في «النهاية» : (سميت بذلك؛ لأنّها تشد بطاقة في الثوب) فتكون الباء حينئذ زائدة (كأنّها) أي: البطاقة (الظفر) بالضم، وبضمّتين، والكسر شاذ، يكون للإنسان وغيره، قاله أبو البقاء في «كلياته» وذكر الناظم وجه الشبه بين البطاقة والظفر بقوله: (في الدقاقه) بضم الدال؛ أي: الدقة. ويشير بهذا إلى الحديث الذي رواه الإمام أحمد بسنده إلى عبد الله بن عمرو بن العاصي قال: قال رسول الله ﷺ : «إنّ الله يستخلص رجلا من أمّتي على

стр. 632

رؤوس الخلائق يوم القيامة، فينشر عليه تسعة وتسعين سجلا، كل سجل مدّ البصر، يقول: أتنكر من هذا شيئا؟ أظلمتك كتبتي الحافظون؟ قال: لا يا ربّ، قال: أفلك عذر؟ قال: فبهت الرجل، فيقول: لا يا ربّ، فيقول: بلى إنّ لك عندنا حسنة واحدة، لا ظلم عليك اليوم، فتخرج له بطاقة فيها: أشهد أن لا إله إلّا الله، وأشهد أنّ محمّدا رسول الله، فيقول: أحضروه، فيقول: يا رب؛ ما هذه البطاقة مع هذه السجلات؟ فيقول: إنّك لا تظلم، قال: فتوضع السجلات في كفّة، والبطاقة في كفّة، قال: فطاشت السجلات، وثقلت البطاقة، قال: ولا يثقل شيء مع اسم الله» رواه الترمذيّ وابن ماجه من حديث الليث بن سعد، وقال الترمذي: حسن. السجلات: جمع سجل، وهو الصك والكتاب، وطاش من الطيش، وهو الخفة؛ أي: خفت السجلات. *** وبعد ما فرغ الناظم من هذه الأبيات الاستطرادية؛ لمناسبة تدارك الله تعالى هبارا بالعناية، وبسط يد رسوله ﷺ بالعفو.. أراد أن يذكر ما ناله هبار من سوء المعاملة بالمدينة؛ لما فعله مع البضعة الطاهرة الزّكية، وكيف ردّهم رسول الله ونبيّ الرحمة ﷺ عنه رأفة به فقال:

стр. 633

بسبّه من سبّه آنسه ... نبيّنا أن عيّروه نخسه صلّى عليه الله ما أحلمه ... عن سيّىء الحوب وما أكرمه عطف الرسول ﷺ على هبار بن الأسود: (بسبّه) أي: هبار، وهو مضاف إلى فاعله، ومتعلق بقوله (آنسه) يعني: آنسه رسول الله ﷺ بالإذن في أن يسب هبّار (من سبّه) وعيّره بنخس جمل السيدة زينب ونحو ذلك، قالوا: وكان هبار سبابا في الجاهلية (آنسه) وهو ضد أوحشه؛ أي: أدخل عليه الأنس بذلك، (نبينا) ب (أن عيّروه) عابوه بذلك (نخسه) أي: طعنه الجمل بزينب ﵂. والحاصل: أنّه لما أسلم هبار، وأمّنه النّبيّ ﷺ .. قدم المدينة، فجعلوا يسبّونه؛ لنخسه بزينب بنته ﷺ يوم خروجها من مكة إلى المدينة، فشكى ذلك لحضرة الرسول الأعظم ﷺ ، فقال له: «سبّ من سبّك، فكفّوا عنه» قال في «شرح المواهب» : (رواه ابن شاهين من مرسل الزّهريّ) . (صلّى عليه الله ما أحلمه) أي: أكثر حلمه، وصفحه (عن سيئ الحوب) أي: الإثم الصادر قديما من هبار، ومن غيره (وما أكرمه) فقد عفا وصفح عن أعدائه مع المقدرة منه في حال السلم والحرب، بما لم يعرف من غيره، كما يعلم ذلك من درس أحواله ﷺ .

стр. 634

وكأبي سفيان وابن عمّته ... وكابن عمّه وأهل بكّته وحسبك قوله ﵊ يوم فتح مكة في عشرة آلاف من أصحابه الصناديد الأسود، وقد خضعت تلك الرقاب التي كانت تؤذيه وتحاربه، ونكست من رؤوسها: «ماذا ترون أنّي فاعل بكم؟» قالوا: أخ كريم، وابن أخ كريم، قال: «اذهبوا فأنتم الطلقاء» إلى غير ذلك ممّا تجده في هذه الورقات، وغيرها من الأسفار والمجلدات. رضاء الرسول ﷺ عن أبي سفيان بعد إسلامه وإكرامه إياه: (وكأبي سفيان) صخر بن حرب، وهو معطوف على قوله سابقا: (كابن أبي سرح) أي: وفاز من لجأ إلى رسول الله ﷺ كابن أبي سرح، وكأبي سفيان؛ فإنّه ممّن لاذ به مع العباس عمه، وفاز بالإسلام، وكان تولى بعد بدر رياسة قريش وحرب النّبيّ ﷺ ، ولمّا أسلم.. كان يمازح النّبيّ ﷺ ويقول: تركتك وتركتك العرب ولم تنتطح فيّ عنزان، فجعل النّبيّ ﷺ يضحك ويقول: «أنت تقول هذا يا أبا حنظلة» . وأقبل رسول الله ﷺ يوم الفتح من المسجد على أبي سفيان، فلمّا رآه.. قال في نفسه: ليت شعري بم غلبني؟ فضرب ﷺ بين كتفيه فقال: بالله غلبتك يا أبا حنظلة، فقال أشهد أنّك رسول الله. وفقئت عيناه: الأولى يوم الطائف، والثانية يوم اليرموك، تحت لواء ابنه يزيد.

стр. 635

وعن سعيد بن المسيب قال: خفتت الأصوات يوم اليرموك إلّا صوتا ينادي: يا نصر الله اقترب، فنظرت، فإذا صوت أبي سفيان تحت لواء ابنه يزيد. وتوفي في خلافة عثمان، وتوفيت هند زوجه في خلافة أبي بكر، رضوان الله عليهم أجمعين، وتقدم الكلام على كثير من حياة أبي سفيان وقصة إسلامه. عطف الرسول ﷺ على عبد الله بن أبي أميّة وأبي سفيان بن الحارث وأهل مكة: (و) ك (ابن عمته) وهو عبد الله بن أبي أميّة بن المغيرة، أمه عاتكة بنت عبد المطلب عمة رسول الله ﷺ ، (وك) أبي سفيان (ابن عمه) الحارث بن عبد المطلب؛ فإنّهما ممّن لاذ بالنّبي ﷺ ، ففازا بالقبول، وسبق الكلام عليهما آنفا. (و) ك (أهل بكّته) بفتح الباء وتشديد الكاف، من أسماء مكة؛ لأنّها تبك؛ أي: تدق أعناق الجبابرة؛ فإنّهم فازوا به لما لجأوا إليه، وقال لهم: «يا معشر قريش؛ ماذا ترون أنّي فاعل بكم؟» قالوا: خيرا؛ أخ كريم، وابن أخ كريم، وقد قدرت، فقال ﷺ : «فإنّي أقول كما قال أخي يوسف: لا تثريب عليكم اليوم، يغفر الله لكم وهو أرحم الرّاحمين، اذهبوا فأنتم الطلقاء» .

стр. 636

واختلفوا فيها فقيل أمّنت ... والحقّ عنوة وكرها أخذت هل فتح مكة كان عنوة أو صلحا ؟ ثمّ شرع يذكر الخلاف بين العلماء في مكة، هل كان فتحها عنوة أو صلحا؟ فقال: (واختلفوا فيها) أي: في مكة (فقيل: أمنت) بالبناء للمجهول؛ أي: فتحت أمنا على أهلها وصلحا، وإليه ذهب الإمام الشافعيّ؛ لقوله ﵊: «من دخل دار أبي سفيان.. فهو آمن، ومن أغلق عليه داره.. فهو آمن» حيث أضيفت الدور إلى أهلها، ولأنّها لم تقسم، ولأنّ الغانمين لم يملكوا دورها، وإلّا.. لجاز إخراج أهل الدور منها، وينبني على هذا القول: أنّ لأهلها بيع دورهم، وإكرائها (والحق عنوة) أي: فتحت بالاستعانة بالسلاح (وكرها أخذت) بالكره من قريش بالخيل والركاب، وإنّما كان هذا هو الحق.. لأنّه قول الجمهور، ولقوة الدليل. قال في «المواهب» و «شرحها» : (وحجتهم ما وقع التصريح به في الأحاديث الصحيحة من الأمر بالقتال، ووقوعه من خالد بن الوليد، وتصريحه ﵊ بأنّها أحلّت له ساعة من نهار، ونهيه عن التأسّي به في ذلك؛ لأنّه من خصائصه، فهذه أربع حجج قوية، كل منها بانفراده كاف في الحجّية) اهـ وعلى هذا القول: لا يجوز لأهل مكة بيع دورهم وكراؤها، بل هي مناخ لمن سبق، كما روي ذلك عن أمنا

стр. 637

عائشة ﵂، وكان عمر بن الخطاب ﵁ يأمر بنزع أبواب دور مكة إذا قدم الحاج، وكتب عمر بن عبد العزيز إلى عامله بمكة أن ينهى أهلها عن كراء دورها إذا جاء الحاج؛ فإنّ ذلك لا يحلّ لهم، وقال الإمام مالك ﵀: إن كان الناس ليضربون فساطيطهم بدور مكة، لا ينهاهم أحد. قال السّهيليّ بعد هذا: (وهذا كله منتزع من أصلين: أحدهما: قوله ﵎: وَالْمَسْجِدِ الْحَرامِ الَّذِي جَعَلْناهُ لِلنَّاسِ سَواءً الْعاكِفُ فِيهِ وَالْبادِ قال ابن عمر وابن عباس: الحرم كله مسجد. والأصل الثّاني: أنّ النّبيّ ﷺ دخلها عنوة، غير أنّه منّ على أهلها بأنفسهم وأموالهم، ولا يقاس عليها غيرها من البلاد، كما ظنّ بعض الفقهاء؛ فإنّها مخالفة لغيرها من وجهين: أحدهما: ما خصّ الله به نبيه؛ فإنّه قال: قُلِ الْأَنْفالُ لِلَّهِ وَالرَّسُولِ. والثّاني: ما خصّ الله به مكة؛ فإنّه جاء: «لا تحل غنائمها، ولا تلتقط لقطتها، وهي حرم الله تعالى وأمنه» فكيف تكون أرضها أرض خراج؟ فليس لأحد افتتح بلدا أن يسلك به سبيل مكة، فأرضها إذن ودورها لأهلها، ولكن أوجب الله عليهم التوسعة على الحجيج إذا قدموها،

стр. 638

ولا يأخذوا منهم كراء في مساكنها، فهذا حكمها، فلا عليك بعد هذا؛ فتحت عنوة أو صلحا، وإن كانت ظواهر الأحاديث أنّها فتحت عنوة) اهـ مناظرة الإمام الشافعي مع ابن راهويه في مكة: ويحسن هنا أن نذكر مناظرة الإمام الشافعي مع ابن راهويه في هذا الموضوع، وقد ذكرها الإمام النووي في «مجموعه» في (كتاب البيوع) مع مذاهب العلماء في ذلك، وذكر حجج كل فريق؛ قال: (روى الإمام البيهقيّ بإسناده عن إبراهيم بن محمّد الكوفي قال: رأيت الشافعي بمكّة يفتي الناس، ورأيت إسحاق بن راهويه وأحمد بن حنبل حاضرين فقال أحمد لإسحاق: تعال حتى أريك رجلا لم تر عيناك مثله، فقال إسحاق: لم تر عيناي مثله؟ فقال: نعم، فجاء به فوقفه على الشافعيّ ... فذكر القصة إلى أن قال: ثمّ تقدم إسحاق إلى مجلس الشافعيّ، فسأله عن كراء بيوت مكة، فقال الشافعيّ: هو عندنا جائز، قال رسول الله ﷺ : «وهل ترك لنا عقيل من دار؟» فقال إسحاق: حدّثنا يزيد بن هارون عن هشام، عن الحسن: أنّه لم يكن يرى ذلك، وعطاء وطاووس لم يكونا يريان ذلك، فقال الشافعيّ لبعض من عرفه: من هذا؟ قال: هذا إسحاق بن راهويه الحنظليّ الخراسانيّ، فقال له الشافعيّ: أنت الذي يزعم أهل خراسان أنّك فقيههم؟ قال

стр. 639

وأخبر النّبيّ بارىء النّسم ... بقولهم يسكن بعدها الحرم إسحاق: هكذا يزعمون، قال الشافعي: ما أحوجني أن يكون غيرك في موضعك، فكنت آمر بفرك أذنيه، أنا أقول: قال رسول الله ﷺ ، وأنت تقول: قال طاووس والحسن وعطاء، وهؤلاء لا يرون ذلك، وهل لأحد مع النّبيّ ﷺ حجة ... وذكر كلاما طويلا. ثمّ قال الإمام الشافعيّ: قال الله تعالى: لِلْفُقَراءِ الْمُهاجِرِينَ الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيارِهِمْ أفتنسب الديار إلى مالكين أو غير مالكين؟ فقال إسحاق: إلى مالكين، قال الشافعيّ: قول الله أصدق الأقاويل، وقد قال رسول الله ﷺ : «من دخل دار أبي سفيان.. فهو آمن» وقد اشترى عمر بن الخطاب ﵁ دار الحجامين ... وذكر الإمام الشافعيّ له جماعة من أصحاب رسول الله ﷺ ، فقال له إسحاق: سَواءً الْعاكِفُ فِيهِ وَالْبادِ قال الشافعي: قال الله تعالى: وَالْمَسْجِدِ الْحَرامِ الَّذِي جَعَلْناهُ لِلنَّاسِ سَواءً الْعاكِفُ فِيهِ وَالْبادِ والمراد المسجد خاصة، وهو الذي حول الكعبة، ولو كان كما يزعم.. لكان لا يجوز لأحد أن ينشد في دور مكة وفجاجها ضالّة، ولا ينحر فيها البدن، ولا يلقي فيها الأرواث، ولكن هذا في المسجد خاصة، فسكت إسحاق ولم يتكلم، فسكت عنه الشافعي) اهـ إخبار الله رسوله ﷺ بما قاله الأنصار بعد الفتح: (وأخبر النّبيّ) ﷺ ، وهو مفعول مقدم

стр. 640

وبالّذي قالوه إذ لم يرهقا ... تداركته رحمة فأشفقا ل (أخبر) على فاعله الذي هو (بارئ) أي: خالق (النسم) والبارئ من أسمائه تعالى البالغة مئة إلّا واحدا، من أحصاها.. دخل الجنة، والنسم، بتشديد النون المفتوحة، جمع نسمة: الإنسان. والمعنى: أنّه بينما تتحدث الأنصار بعضها مع بعض في شأن سكنى رسول الله ﷺ ببلده التي فتحها اليوم، وقومه الذين تربّى بينهم، ونشأ فيهم، إذ جاءه الوحي بما تحدثوا به، والمخبر به هو (بقولهم) فهو يتعلق بقوله: (أخبر) والضمير المضاف إليه عائد للأنصار المعلومين من المقام (يسكن بعدها) أي: بعد هذه الغزوة (الحرم) أي: مكة؛ لأنّها مسقط رأسه. (و) أخبره بارىء النسم أيضا (بالذي) أي: بالقول الذي (قالوه) أي: الأنصار؛ ضنا برسوله ﷺ (إذ لم يرهقا) أي: لم يدخل الإرهاق والكلفة على قومه، ومقول قولهم: (تداركته) أي: الرسول الأعظم (رحمة) في عشيرته، ورغبة في قريته (فأشفقا) عليهم، وأطلقهم من الأسر، وقال لهم: «أقول كما قال أخي يوسف: لا تثريب عليكم اليوم، يغفر الله لكم، وهو أرحم الرّاحمين، اذهبوا فأنتم الطلقاء» . وهذا مأخوذ ممّا رواه مسلم وغيره عن أبي هريرة ﵁: أنّه ﷺ لمّا فرغ من طوافه.. أتى

стр. 641

وبالّذي قالوه في المؤذّن ... وبالّذي به فضالة عني الصفا، فعلا منه حتى يرى البيت، فرفع يديه، وجعل يحمد الله ويذكره، ويدعو بما شاء الله أن يدعو، والأنصار تحته، فقال بعضهم لبعض: أمّا الرجل.. فأدركته رغبة في قريته، ورأفة بعشيرته، قال أبو هريرة: وجاء الوحي، وكان إذا جاء الوحي.. لم يخف علينا، فليس أحد من الناس يرفع طرفه إليه، فلمّا قضى الوحي.. قال: «يا معشر الأنصار» قالوا: لبّيك يا رسول الله، قال: «قلتم: أمّا الرجل فأدركته رغبة في قريته، ورأفة بعشيرته؟» قالوا: قلنا ذلك يا رسول الله، قال: «فما اسمي إذا؟ كلّا، إنّي عبد الله ورسوله، هاجرت إلى الله وإليكم، المحيا محياكم، والممات مماتكم» فأقبلوا إليه يبكون، يقولون: والله يا رسول الله، ما قلنا الذي قلنا إلّا الضّن «١» بالله ورسوله، فقال ﷺ : «فإنّ الله ورسوله يعذرانكم ويصدقانكم» . إخبار الله رسوله ﷺ بما تحدثت به قريش عند أذان بلال: (و) أخبر بارىء النسم رسول الله ﷺ (ب) الكلام (الذي قالوه) أي: قريش (في) سيدنا بلال بن

стр. 642

رباح «١» (المؤذن) بأمر رسول الله ﷺ على

стр. 643

ظهر الكعبة للظهر؛ ليغيظ المشركين، وقريش فوق رؤوس الجبال، وقد فرّ جماعة من وجوههم وتغيّبوا، وأبو سفيان، وعتاب بن أسيد- بفتح الهمزة- وأخوه خالد، والحارث بن هشام جلوس بفناء الكعبة، وقد أسلموا بعد ﵃، فقال عتاب وخالد: لقد أكرم الله أسيدا أن لا يسمع هذا فيغيظه، وقال الحارث: أما والله؛ لو أعلم أنّه محق.. لاتّبعته، إن يكن الله يكره هذا.. فسيغيره، وقال أبو سفيان:

стр. 644

لا أقول شيئا، لو تكلمت.. لأخبرت عني هذه الحصى، وقال بعض بني سعيد بن العاصي: لقد أكرم الله سعيدا أن قبضه الله قبل أن يرى هذا الأسود على ظهر الكعبة، وقال الحكم بن أبي العاصي: هذا والله هو الحدث العظيم، أن يصبح عبد بني جمح على بنية بني طلحة. هذا الذي قالوه في شأن سيدنا بلال، وهو ما أراده الناظم، ورواه أبو يعلى عن ابن عباس، والبيهقي عن ابن إسحاق، وعروة وابن أبي شيبة عن أبي سلمة، كما في «شرح المواهب» وبعده: (فأتى جبريل فأخبره ﷺ خبرهم، فخرج عليهم، وقال: «قد علمت الذي قلتم» وأخبرهم، فقال الحارث وعتاب: نشهد أنّك رسول الله، وما اطّلع على هذا أحد كان معنا فنقول أخبرك) . إخبار الله رسوله ﷺ بما قاله فضالة بن عمير: (و) أخبر الله نبيه ﷺ أيضا (بالذي) همّ (به فضالة) بفتح الفاء، ابن عمير بن الملوح الليثي، فقوله: (به) يتعلق بقوله: (عني) كرضي، ويصح بناؤه للمجهول، والذي قصده فضالة هو قتل رسول الله ﷺ وهو يطوف بالبيت، فلمّا دنا منه.. قال له رسول الله ﷺ : «أفضالة؟» قال: نعم يا رسول الله، قال: «ماذا كنت تحدّث به نفسك؟» قال: لا شيء، كنت أذكر الله، فضحك رسول الله صلى الله عليه

стр. 645

وسلم، ثمّ قال: «استغفر الله» ثمّ وضع يده المباركة الميمونة على صدره، فسكن قلبه، فكان فضالة يقول: والله؛ ما رفع يده عن صدري حتى ما خلق الله شيئا أحبّ إليّ منه، قال فضالة: فرجعت إلى أهلي، فمررت بامرأة كنت أتحدث إليها فقالت: هلمّ إلى الحديث، فقلت: لا، وانبعث فضالة يقول: قالت هلمّ إلى الحديث فقلت لا ... يأبى عليّ الله والإسلام لو ما رأيت محمّدا وقبيله ... بالفتح يوم تكسّر الأصنام لرأيت دين الله أضحى بيّنا ... والشرك يغشى وجهه الإظلام تحطيم الأصنام حول الكعبة: ويشير «١» بقوله: (يوم تكسر الأصنام) إلى أنّه ﵊ لمّا وصل إلى البيت الحرام.. وجد حوله ثلاث مئة وستين صنما، ملزقة بالرصاص والنحاس، فكان كلّما مرّ بصنم.. أشار إليه بقضيبه وهو يقول: جاءَ الْحَقُّ وَزَهَقَ الْباطِلُ إِنَّ الْباطِلَ كانَ زَهُوقاً فيقع الصنم مكسرا لوجهه. قال الشهاب في «المواهب» : (وفي تفسير العلّامة أبي

стр. 646

وأخذ المفتاح ثمّ ردّه ... عن رغم قومه الّذين عنده عبد الله بن محمّد النقيب المقدسيّ: إنّ الله تعالى لمّا أعلم رسوله ﷺ بأنّه قد أنجز له وعده بالنصر على أعدائه، وفتحه مكة، وإعلاء كلمة دينه، أمره إذا دخل مكة.. أن يقول: وَقُلْ جاءَ الْحَقُّ وَزَهَقَ الْباطِلُ فصار ﷺ يطعن الأصنام التي حول الكعبة بمحجنه «١» ويقول: «جاء الحق، وزهق الباطل» فيخر ساقطا، مع أنّها كلها كانت مثبتة بالحديد والرصاص، وكانت ثلاث مئة وستين صنما، بعدد أيام السنة) . خلود سدانة الكعبة في بني طلحة: (وأخذ) النّبيّ ﷺ من عثمان بن طلحة على الأصح- يوم الفتح (المفتاح) للكعبة، وكان عند أمه محفوظا، وقد أبت أن تسلّمه إيّاه، فقال عثمان: والله لتعطينّه، أو ليخرجنّ هذا السيف من صلبي، فأعطته إياه، فجاء به إلى النّبيّ ﷺ ، فدفعه إليه، ففتح الباب، (ثمّ ردّه) أي: ردّ النّبيّ ﷺ المفتاح إلى عثمان بن طلحة، وقال: «خذوها- أي: سدانة الكعبة- خالدة تالدة، لا ينزعها منكم إلّا ظالم» . ولمّا خرج ﷺ من البيت.. سأله العباس

стр. 647

أن يعطيه المفتاح، ويجمع له بين السقاية «١» والسدانة فأبى، وإليه أشار بقوله: (عن رغم) بالراء مثلثة؛ أي: عن كره (قومه) وهم: العباس، وعلي، وبنو هاشم (الذين) كانوا (عنده) ﷺ لمّا فتح البيت وخرج منه. قال في «عيون الأثر» : (روينا عن سعيد بن المسيّب: أنّ العباس تطاول يومئذ لأخذ المفتاح، في رجال من بني هاشم، فدفعه رسول الله ﷺ لعثمان) . وقال الشهاب في «المواهب» : (عن ابن سعد في «طبقاته» عن عثمان بن طلحة، قال: كنا نفتح الكعبة في الجاهلية يوم الإثنين والخميس، فأقبل النّبيّ ﷺ يوما يريد أن يدخل الكعبة مع الناس، فأغلظت له ونلت منه، فحلم عني، ثمّ قال: «يا عثمان؛ لعلّك سترى هذا المفتاح يوما بيدي أضعه حيث شئت» فقلت: لقد هلكت قريش يومئذ وذلّت، قال: «بل عمرت وعزّت يومئذ» ودخل الكعبة، فوقعت كلمته مني موقعا ظننت أنّ الأمر سيصير إلى ما قال. قال: فلمّا كان يوم الفتح.. قال: «يا عثمان؛ ائتني بالمفتاح» فأتيته به، فأخذه مني ثمّ دفعه إليّ، وقال:

стр. 648

«خذوها خالدة تالدة، لا ينزعها منكم إلّا ظالم، يا عثمان: إنّ الله استأمنكم على بيته، فكلوا ممّا يصل إليكم من هذا البيت بالمعروف» «١» قال: فلمّا وليت.. ناداني، فرجعت إليه فقال: «ألم يكن الذي قلت لك؟ فذكرت قوله لي بمكة قبل الهجرة: «لعلّك سترى هذا المفتاح يوما بيدي، أضعه حيث شئت» قلت: بلى، أشهد أنّك رسول الله) . ومن شعر حسان بن ثابت ﵁ يهجو المشركين، ويمدح النّبيّ ﷺ والأصحاب الكرام، ويذكرهم بفتح مكة، قوله ﵁: عفت ذات الأصابع فالجواء ... إلى عذراء منزلها خلاء ديار من بني الحسحاس قفر ... تعفّيها الروامس والسّماء

стр. 649

وكانت لا يزال بها أنيس ... خلال مروجها نعم وشاء فدع هذا، ولكن من لطيف ... يؤرّقني إذا ذهب العشاء لشعثاء الّتي قد تيّمته ... فليس لقلبه منها شفاء كأنّ سبيئة من بيت راس ... يكون مزاجها عسل وماء على أنيابها أو طعم غضّ ... من التفّاح هصّره الجناء إذا ما الأشربات ذكرن يوما ... فهنّ لطيّب الراح الفداء نولّيها الملامة إن ألمنا ... إذا ما كان مغث أو لحاء ونشربها فتتركنا ملوكا ... وأسدا ما ينهنهنا اللّقاء عدمنا خيلنا إن لم تروها ... تثير النّقع موعدها كداء يبارين الأعنّة مصعدات ... على أكتافها الأسل الظّماء تظلّ جيادنا متمطّرات ... تلطّمهنّ بالخمر النّساء

стр. 650

فإمّا تعرضوا عنّا اعتمرنا ... وكان الفتح وانكشف الغطاء وإلّا فاصبروا لجلاد يوم ... يعزّ الله فيه من يشاء وجبريل رسول الله فينا ... وروح القدس ليس له كفاء وقال الله قد أرسلت عبدا ... يقول الحقّ إن نفع البلاء شهدت به فقوموا صدّقوه ... فقلتم لا نقوم ولا نشاء وقال الله قد سيّرت جندا ... هم الأنصار عرضتها اللّقاء لنا في كلّ يوم من معدّ ... سباب، أو قتال، أو هجاء فنحكم بالقوافي من هجانا ... ونضرب حين تختلط الدماء ألا أبلغ أبا سفيان عنّي ... مغلغلة فقد برح الخفاء بأنّ سيوفنا تركتك عبدا ... وعبد الدّار سادتها الإماء هجوت محمّدا فأجبت عنه ... وعند الله في ذاك الجزاء

стр. 651

أتهجوه ولست له بكفء ... فشرّكما لخيركما الفداء هجوت مباركا برّا حنيفا ... أمين الله شيمته الوفاء فمن يهجو رسول الله منكم ... ويمدحه وينصره سواء فإنّ أبي ووالده وعرضي ... لعرض محمّد منكم وقاء فإمّا تثقفنّ بنو لؤيّ ... جذيمة إنّ قتلهم شفاء أولئك معشر نصروا علينا ... ففي أظفارنا منهم دماء قال بعض من علّق على هذه القصيدة، عن مصعب الزّبيريّ: كان حسان قد ابتدأ هذه القصيدة في الجاهلية، ثمّ أكملها في الإسلام من عند قوله: (عدمنا خيلنا إن لم تروها) . قلت: ويؤيده ما جاء أنّه مرّ بفتية يشربون الخمر في الإسلام فنهاهم، فقالوا: والله؛ لقد أردنا تركها، فيزينها لنا قولك: (ونشربها فتتركنا ملوكا) فقال: والله؛ لقد قلتها في الجاهلية، وما شربت منذ أسلمت.

стр. 652

(٢٨) غزوة حنين في شوال سنة ثمان حنين: واد قرب ذي المجاز، وهو سوق كان للعرب على فرسخ من عرفة «١» ، سميت الغزوة به. ويقال لها: غزوة أوطاس، سميت بالموضع الذي كانت فيه الموقعة، ويقال لها أيضا: غزوة هوازن، بفتح الهاء وكسر الزاي: قبيلة كبيرة من العرب، فيها عدة بطون، ينسبون إلى هوازن بن منصور بن عكرمة، سميت بذلك؛ لأنّهم الذين أتوا لقتاله ﷺ . سبب هذه الغزوة: قال الشهاب في «المواهب» : (وسببها: أنّ النّبيّ ﷺ لمّا فرغ من فتح مكة وتمهيدها، وأسلم عامة أهلها.. مشت أشراف هوازن وثقيف بعضهم إلى بعض، وحشدوا وقصدوا محاربة المسلمين، وكان رئيسهم مالك بن عوف بن سعد النصري، فخرج إليهم رسول الله ﷺ من مكّة سنة ثمان، يوم السبت، لستّ

стр. 653

ثمّ إلى وادي حنين انحدر ... عن مكّة من الألوف اثنا عشر فوجدوا هوازنا تأهّبوا ... بكلّ مخرم لهم وألّبوا خلون من شوال، في اثني عشر ألفا من المسلمين، وأشار الناظم إلى هذا بقوله: (ثم) بعد أن فرغ من مكة وفتحها، وأخرج الأصنام منها، وطهّر ساحتها.. انحدر عن مكة (إلى وادي حنين) بالتصغير (انحدر) أي: هبط (عن مكة) بالتنوين للضرورة، واستعمل عليها عتاب بن أسيد بالتكبير أميرا، وكان معه (من الألوف اثنا عشر) : عشرة آلاف من أهل المدينة، منهم من الأنصار أربعة آلاف، ومن جهينة ألف، ومن مزينة ألف، ومن أسلم ألف، ومن غفار ألف، ومن أشجع ألف، ومن المهاجرين وغيرهم ألف، وألفان ممّن أسلم من أهل مكة (فوجدوا هوازنا) وعددهم يربو على عشرين ألفا (تأهّبوا) أي: استعدوا (بكل مخرم) يتعلق بقوله: (ألبوا) آخر البيت، وهو بفتح الميم، وبعدها خاء معجمة ساكنة وراء مكسورة؛ أي: طريق (لهم) قال في «اللسان» : (مخارم الطرق: جمع مخرم- بكسر الراء- وهو الطريق في الجبل أو الرمل) . (وألبوا) بفتح الهمزة وشد اللام المفتوحة؛ أي: جمعوا وهيّؤوا لقتال النّبيّ ﷺ بكل ما لديهم من قوة وعتاد، ورئيسهم مالك بن عوف النصريّ، وهو الذي جمعهم للقتال، وعمره ثلاثون سنة، وقد أسلم بعد، وحسن إسلامه ﵁، وضمّ إلى الناس أموالهم ونساءهم وأبناءهم.

стр. 654

معارضة دريد بن الصمّة لمالك بن عوف النصري: فلمّا نزل بأوطاس.. اجتمع إليه الناس، وفيهم دريد بن الصّمة شيخ كبير مجرّب، زاد عمره على المئة، وعمي بصره، فلمّا نزل.. قال: بأي واد أنتم؟ قالوا: بأوطاس، قال: نعم مجال الخيل، لا حزن «١» ضرس، ولا سهل دهس، ما لي أسمع رغاء البعير، ونهاق الحمير، وبكاء الصغير، ويعار الشاء؟ قالوا: ساق مالك بن عوف مع الناس أموالهم، ونساءهم، وأبناءهم، قال: أين مالك؟ قيل: هذا مالك، ودعي له فقال: يا مالك؛ إنّك قد أصبحت رئيس قومك، وإنّ هذا يوم كائن له ما بعده من الأيام، ما لي أسمع رغاء البعير، ونهاق الحمير، وبكاء الصغير، ويعار الشاء؟ قال: سقت مع الناس أموالهم، وأبناءهم، ونساءهم، قال: ولم ذاك؟ قال: أردت أن أجعل خلف كل رجل منهم أهله وماله؛ ليقاتل عنهم، قال: فانقضّ به دريد «٢» ، ثمّ قال: راعي ضأن والله، ما له وللحرب، وصفّق بإحدى يديه على الأخرى تعجّبا، وقال: هل يرد المنهزم شيء؟ إنّها إن كانت لك.. لم ينفعك إلّا رجل بسيفه ورمحه، وإن كانت عليك.. فضحت في أهلك ومالك.

стр. 655

ثمّ قال: ما فعلت كعب وكلاب؟ قال: لم يشهدها منهم أحد، قال: غاب الحدّ والجدّ «١» ، ولو كان يوم علاء ورفعة.. لم تغب عنه كعب ولا كلاب، ولوددتم أنّكم فعلتم ما فعلت كعب وكلاب، فمن شهدها منكم؟ قالوا: عمرو بن عامر، وعوف بن عامر، قال: ذانك الجذعان من عامر لا ينفعان ولا يضرّان، يا مالك؛ إنّك لم تصنع بتقديم البيضة بيضة هوازن إلى نحور الخيل شيئا، ارفعهم إلى ممتنع بلادهم، وعليا قومهم، ثمّ الق الصّبّاء «٢» على متون الخيل، فإن كانت لك.. لحق بك من وراءك، وإن كانت عليك.. ألفاك ذلك وقد أحرزت أهلك ومالك، قال: لا والله؛ لا أفعل ذلك؛ إنّك قد كبرت وكبر عقلك، والله؛ لتطيعنني يا معشر هوازن، أو لأتكئنّ على هذا السيف حتى يخرج من ظهري، وكره أن يكون لدريد بن الصمّة فيها ذكر أو رأي، قالوا: أطعناك، فقال دريد بن الصمّة: هذا يوم لم أشهده ولم يفتني: يا ليتني فيها جذع ... أخبّ فيها وأضع أقود وطفاء الزّمع ... كأنّها شاة صدع

стр. 656

ثمّ قال مالك للناس: إذا رأيتموهم ... فاكسروا جفون سيوفكم، ثمّ شدّوا شدّة رجل واحد. الملائكة وعيون مالك بن عوف: ثمّ إنّ مالك بن عوف بعث عيونا من رجاله، فأتوه وقد تفرّقت أوصالهم رعبا وخوفا، فقال: ويلكم، ما شأنكم؟ فقالوا: رأينا رجالا بيضا على خيل بلق، فو الله؛ ما تماسكنا أن أصابنا ما ترى، فو الله؛ ما نقاتل أهل الأرض، إن نقاتل إلّا أهل السماء، وإن أطعتنا.. رجعت بقومك؛ فإنّ الناس إن رأوا مثل الذي رأينا.. أصابهم مثل الذي أصابنا، فقال: أفّ لكم، بل أنتم أجبن أهل العسكر، فحبسهم عنده خوفا أن يشيع ذلك الرعب في العسكر، وقال: دلّوني على رجل شجاع، فأجمعوا له على رجل، فخرج ثمّ رجع إليه قد أصابه كنحو ما أصاب من قبله، قال: ما رأيت؟ قال: رأيت رجالا بيضا على خيل بلق ما يطاق النظر إليهم، فو الله؛ ما تماسكت أن أصابني ما ترى، فلم يرد ذلك مالكا عن وجهه. تعرّف الرسول ﷺ أخبار القوم: ووجّه رسول الله ﷺ عبد الله بن أبي حدرد الأسلميّ، وأمره أن يدخل معهم، ويقيم حتى يعلم خبرهم ويأتيه به، فانطلق فدخل عسكرهم، فطاف بهم وجاء بخبرهم، وممّا سمعه من مالك أنّه يقول لأصحابه: إنّ محمّدا لم يقاتل قوما قط قبل هذه المرة، وإنّما كان يلقى قوما أغمارا

стр. 657

لا علم لهم بالحرب، فيظهر عليهم، فإذا كان السّحر.. فصفوا مواشيكم ونساءكم وأبناءكم من ورائكم، ثمّ صفوا، ثمّ تكون الحملة منكم، واكسروا جفون سيوفكم، فتلقونه بعشرين ألف سيف مكسورة الجفون، واحملوا حملة رجل واحد، واعلموا أنّ الغلبة لمن حمل أولا. فأقبل عبد الله حتى أتى رسول الله ﷺ ، فأخبره الخبر، فقال لعمر: «ألا تسمع ما يقول؟» فقال: كذب، قال ابن أبي حدرد: لئن كذّبتني يا عمر، فربّما كذبت بالحق.. فقد كذبت من هو خير مني، فقال عمر: يا رسول الله؛ ألا تسمع ما يقول ابن أبي حدرد؟ فقال ﷺ : «قد كنت ضالا فهداك الله يا عمر» . استعارة الرسول ﷺ أدرعا وسلاحا من صفوان بن أميّة: ولمّا أجمع رسول الله ﷺ السير إلى هوازن.. ذكر له أنّ عند صفوان بن أميّة أدرعا وسلاحا، فأرسل إليه وهو يومئذ مشرك، فقال: «يا أبا أميّة؛ أعرنا سلاحك نلق فيه عدونا» فقال صفوان: أغصبا يا محمّد؟ فقال: «بل عارية مضمونة حتى نردها إليك» قال: ليس بهذا بأس، فأعطى له مئة درع بما فيها من السلاح، فسأله ﷺ أن يكفيهم حملها، فحملها إلى أوطاس.

стр. 658

وبينما الجيش إليهم ينحدر ... بغلس شدّوا إليه وهو غر ثمّ سار ﷺ وقد ركب بغلته دلدل، ولبس درعين والمغفر والبيضة «١» ، واستقبل الصفوف، فطاف عليهم ينحدرون من الوادي، فحضّهم على القتال، وبشّرهم بالفتح إن صدقوا وصبروا، وقدم خالد بن الوليد في بني سليم وأهل مكة، وجعل ميمنة وميسرة، وقلبا كان ﷺ فيه. (وبينما الجيش) أي: جيش المسلمين (إليهم) أي: إلى هوازن (ينحدر) أي: يهبط من واد من الأودية (بغلس) بفتح المعجمة واللام مفتوحة؛ أي: في وقت الغلس، وهو ظلمة آخر الليل (شدوا) أي: حملت هوازن (إليه) أي: إلى جيش المسلمين، حملة رجل واحد (وهو) أي: والحال أنّ جيش المسلمين (غر) بكسر الغين المعجمة؛ أي: غافل. التحام القتال وثبات الرسول ﷺ وبعض أصحابه: وحاصل المعنى: ما رواه ابن إسحاق بسنده إلى جابر بن عبد الله ﵁ قال: (لمّا استقبلنا وادي حنين.. انحدرنا في واد من أودية تهامة أجوف ذي خطوط، له مضايق وشعوب، وإنّما نتحدر فيه انحدارا، قال: وكان في عماية

стр. 659

الصبح، وكان القوم قد سبقونا إلى الوادي، فكمنوا لنا في شعابه وأحنائه ومضايقه، وقد أجمعوا وتهيّؤوا وأعدّوا، فو الله؛ ما راعنا ونحن منحطون إلّا الكتائب قد شدّوا علينا شدّة رجل واحد، وانشمر الناس راجعين لا يلوي أحد على أحد، وانحاز رسول الله ﷺ ذات اليمين، ثمّ قال: «أيّها الناس؛ هلمّوا إليّ، أنا محمّد بن عبد الله» قال: «فلأيّ شيء حملت الإبل بعضها على بعض» فانطلق الناس، إلّا أنّه قد بقي مع رسول الله ﷺ نفر من المهاجرين والأنصار وأهل بيته، وفيمن ثبت معه من المهاجرين: أبو بكر وعمر، ومن أهل بيته: علي، والعباس، وأبو سفيان بن الحارث، وابنه جعفر، والفضل بن عباس، وربيعة بن الحارث، وأسامة بن زيد، وأيمن بن أم أيمن، قتل يومئذ) . واعلم: أنّ هذا يبين سبب انكشاف المسلمين، وأن انكشافهم كان بمجرد التلاقي، وهو ما وقع عند ابن سعد، وهو مخالف لما رواه البخاري من حديث البراء، وهو: (أنّ هوازن كانوا رماة، ولمّا حمل المسلمون عليهم.. كشفوهم، فأكبّوا على المغانم، فاستقبلوهم بالسهام) وهذا صريح في أنّهم لم يفروا بمجرد التلاقي، بل قاتلوا المشركين حتى كشفوهم، واشتغلوا بالغنيمة، قال في «شرح المواهب» إثر هذا: (وذكر الحافظ السببين، ولم يجمع بينهما) .

стр. 660

فاستنفروا بهم لذلك الرّكاب ... وأدبرت تخدي بهم غلب الرّقاب واستنزلوا وادّرعوا وهي تمر ... مرّ جهام بالبهاليل نفر قلت: وسكت عنه الزرقاني، وسكوته يدل على أنّه لم يظهر له وجه الجمع، وقد نصّوا على أنّه عند عدم إمكان الجمع يصار إلى الترجيح، ومعلوم أنّ ما في الصحيح مقدم على ما في غيره، والله أعلم. ثمّ فرّع الناظم على ما تضمّنه هذا البيت، فقال: (فاستنفروا) أي: هوازن؛ أي: فعلوا ما أوجب النفور للإبل (بهم) أي: بالمسلمين (لذلك) أي: لأجل شدهم عليهم والمسلمون غافلون، ومفعول (استنفروا) قوله: (الركاب) أي: فعلوا بالمسلمين ما أوجب نفور الإبل بهم (وأدبرت) غلب الرقاب (تخدي) أي: تسرع (بهم) أي: بالمسلمين وهم عليها (غلب) بضم الغين المعجمة، وسكون اللام، وإضافته إلى (الرقاب) أي: الإبل الغلاظ، وهو فاعل تنازع فيه (أدبر) و (تخدي) . (واستنزلوا) أي: وطلب المسلمون النزال، أي: دعوا نزال نزال (وادّرعوا) أي: لبسوا دروعهم، وأخذوا أسلحتهم، وأصله: اتدرعوا (وهي) أي: غلب الرقاب (تمر) أي: حال كونها تسير (مرّ) أي: سيرا كسير (جهام) بفتح الجيم؛ أي: السحاب الذي أهرقت ماؤها (بالبهاليل) جمع بهلول؛ أي: بالسادة الكرام، وقوله: (نفر) بضم

стр. 661

فاقتحموا عنها وآبوا للنّبي ... وزحزحوا عنه زحوف العرب النون والفاء، خبر قوله: (وهي) أي: فعلوا ما ذكر وهي باقية على نفورها، كما علم من التقرير. رجوع المسلمين إلى الرسول ﷺ بعد التفرق ثمّ انتصارهم: (فاقتحموا) «١» أي: رمي المسلمون بأنفسهم (عنها) أي: عن الإبل لما أبصروا رسول الله ﵊ (وآبوا) أي: رجعوا (للنّبي) ﷺ ، ومعه الذين ثبتوا (وزحزحوا) أي: دفعوا (عنه) أي: عن رسول الله ﷺ (زحوف) جمع زحف؛ أي: جيش (العرب) أي: هوازن. ويشير الناظم إلى ما رواه ابن إسحاق قال: (حدّثني الزّهري عن كثير بن العباس عن أبيه العباس بن عبد المطلب ﵁ قال: إنّي لمع رسول الله ﷺ آخذ بحكمة «٢» بغلته البيضاء، قد شجرتها بها، قال: وكنت امرأ جسيما شديد الصوت، قال: ورسول الله صلى الله عليه

стр. 662

وسلم يقول حين رأى ما رأى من الناس: «أين أيّها الناس؟» فلم أر الناس يلوون على شيء، فقال: «يا عباس؛ اصرخ: يا معشر الأنصار، يا أصحاب السمرة» قال: فأجابوا لبّيك، لبّيك، قال: فيذهب الرجل ليثني بعيره فلا يقدر على ذلك، فيأخذ درعه فيقذفها في عنقه، ويأخذ سيفه وترسه، ويقتحم عن بعيره ويخلي سبيله، فيؤم الصوت، حتى ينتهي إلى رسول الله ﷺ ، حتى إذا اجتمع إليه منهم مئة..، استقبلوا الناس، فاقتتلوا. وكانت الدعوة أول ما كانت: يا للأنصار، ثمّ خلصت أخيرا: يا للخزرج، وكانوا صبرا عند الحرب، فأشرف رسول الله ﷺ في ركائبه، فنظر إلى مجتلد القوم وهم يجتلدون فقال: «الآن حمي الوطيس» «١» ) اهـ

стр. 663

وما زال القوم يجتلدون حتى أسفرت الهزيمة على هوازن، ورجعت راجعة الناس حتى وجدوا الأسارى مكبولين عند رسول الله ﷺ . قصة أم سليم بنت ملحان: قال ابن إسحاق: (وحدّثني عبد الله بن أبي بكر: أنّ رسول الله ﷺ التفت فرأى أم سليم بنت ملحان، وكانت مع زوجها أبي طلحة، وهي حازمة وسطها ببرد لها، وإنّها لحامل بعبد الله بن أبي طلحة، ومعها جمل أبي طلحة وقد خشيت أن يعزّها الجمل «١» ، فأدنت رأسه منها، فأدخلت يدها في خزامته «٢» مع الخطام، فقال لها رسول الله ﷺ : «أم سليم» قالت: نعم، بأبي أنت وأمّي يا رسول الله، أقتل هؤلاء الذين ينهزمون عنك كما تقتل الذين يقاتلونك؛ فإنّهم لذلك أهل، فقال رسول الله ﷺ : «أو يكفي الله يا أم سليم؟» قال: ومعها خنجر، فقال لها أبو طلحة: ما هذا الخنجر معك

стр. 664

فأرسل الله جنود الفرج ... وقبضة التّرب قضت بالفلج يا أم سليم؟ قالت: خنجر أخذته، إن دنا مني أحد من المشركين.. بعجته به، قال: يقول أبو طلحة: ألا تسمع يا رسول الله ما تقول أم سليم الرميصاء) . مدد الملائكة للمسلمين: ثمّ أشار الناظم إلى نصر الله رسوله والمؤمنين في هذا اليوم، بإرسال جند الملائكة، وبما أظهره على يد حضرة الرسول من المعجزة الكبيرة، فقال: (فأرسل الله) مددا: الملائكة الكرام (جنود الفرج) سموا بذلك؛ لأنّهم السبب في كشف ما نزل بالمؤمنين من الهزيمة أول الأمر. قال ابن إسحاق: (وحدّثني أبي إسحاق بن يسار عن جبير بن مطعم، قال: لقد رأيت قبل هزيمة القوم والناس يقتتلون مثل البجاد الأسود، أقبل من السماء حتى سقط بيننا وبين القوم، فنظرت فإذا نمل أسود مبثوث قد ملأ الوادي، لم أشك أنّها الملائكة، ثمّ لم يكن إلّا هزيمة القوم) . قال الإمام السهيلي: (وقول جبير: لقد رأيت مثل البجاد، يعني: الكساء من النمل مبثوثا، يعني: رآه ينزل من السماء، قال: لم أشك أنّها الملائكة. وقد قدم ابن إسحاق قول الآخر: رأيت رجالا بيضا على خيل بلق، وكانت الملائكة، فأراهم الله لذلك الهوازني على

стр. 665

صور الخيل والرجال ترهيبا للعدو، وأراهم جبير على صورة النمل المبثوث إشعارا بكثرة عددها؛ إذ النمل لا يستطاع عدها، مع أنّ النمل يضرب بها المثل في القوة فيقال: أقوى من النملة؛ لأنّها تحمل ما هو أكبر من جرمها بأضعاف، وقد قال رجل لبعض الملوك: جعل الله قوتك قوة النملة، فأنكر عليه، فقال: ليس في الحيوان ما يحمل ما هو أكبر منه إلّا النملة، وهذا المثل ذكره الأصبهاني في كتاب «الأمثال» مقرونا بهذا الخبر، وقد أهلك بالنمل أمة من الأمم وهم جرهم) . قال في «المواهب» عن الدمياطي في «سيرته» : (إنّ سيما الملائكة يوم حنين عمائم حمر، أرخوها بين أكتافهم) . رمي الرسول ﷺ وجوه المشركين بالحصباء: (وقبضة الترب) بضم القاف، على أنّ المراد ما حوته الكف من الحصباء، وعلى أنّ المراد المصدر بفتح القاف (قضت) وحكمت (بالفلج) بفتح الفاء واللام؛ أي: بالظفر والنصر للمؤمنين، وبالهزيمة للمشركين، وذلك أنّه لما نظر إلى القوم وهم يجتلدون وقال: «الآن حمي الوطيس» ، وزاد في رواية: «أنا النّبي لا كذب أنا ابن عبد المطلب» .. أخذ حصيات من الأرض وكان على بغلته البيضاء، فرمى بها أوجه الكفار، ثم قال: «انهزموا ورب محمّد» قال العباس فما زلت أرى حدهم كليلا، وأمرهم مدبرا.

стр. 666

قال في «شرح المواهب» : (روى أبو القاسم البغوي والبيهقي وغيرهما عن شيبة قال ﷺ : «يا عباس؛ ناولني من الحصباء» ، فأقعد الله البغلة، فانخفضت به حتى كاد بطنها يمس الأرض، فتناول من البطحاء، فحثا به في وجوههم، وقال: «شاهت الوجوه، حم لا ينصرون» . وفي رواية لمسلم: (ثم قبض قبضة من تراب الأرض، ثمّ استقبل به وجوههم فقال: «شاهت الوجوه» فما خلق الله منهم إنسانا.. إلّا ملأت عينه ترابا تلك القبضة، فولوا منهزمين) . وروى البخاري في «التاريخ» والبيهقي عن عمرو بن سفيان قال: (قبض ﷺ يوم حنين قبضة من الحصى، فرمى بها وجوهنا، فما خيل إلينا إلّا أنّ كل حجر وشجر وفارس يطلبنا) . معجزات الرسول ﷺ : قلت: وفي هذا من المعجزات وجوه: منها: تسخير البغلة له ﷺ ، ووقوفها تحت إرادته، حتى إذا قصد الأرض ليأخذ منها الحصيات.. انخفضت له، وفي ضمن هذا ما هو معلوم من كمال شجاعته ﵊؛ إذ البغلة ليست من مركوب الحرب، ولا تصلح للكر والفر.

стр. 667

ومنها: نداؤه بمسمع من عدوه بقوله: «أنا النّبيّ لا كذب ... » إلخ؛ لأنّ العدو إنما أدار رحى الحرب عليه ومن أجله، وهو المقصود عندهم بالقتال، ثمّ هو يريهم مكانه ولا يبالي؛ اعتمادا على مولاه الذي عوده النصر على عدوه في غير موضع. ومنها: ذلك الأثر الكبير الذي فعلته الحصباء لمّا انتشرت في وجه العدوّ على قلة الحصباء. ومنها: إخباره ﵊ بهزيمة القوم، وقد وقعت. وأشار العارف «١» إلى ما فعلت تلك الحصيات بقوله: رمى بالحصى فأقصد جيشا ... ما الحصى عنده وما الإلقاء قال في «الإمتاع» : (وكان الرعب الذي قذف الله في قلوب المشركين يومئذ كوقع الحصاة في الطست له طنين، فيجدون في أجوافهم مثل ذلك، ولمّا رمى رسول الله ﷺ بذلك الكف من الحصى.. لم يبق أحد من المشركين إلّا وهو يشكو القذى في عينيه، ويجدون في صدورهم خفقانا كوقع الحصى في الطساس ما يهدأ ذلك، ورأوا رجالا بيضا على خيل بلق عليهم عمائم حمر قد أرخوها بين أكتافهم، وهم بين السماء والأرض كتائب كتائب، فما كانوا يستطيعون أن يتأمّلوهم من الرعب) .

стр. 668

حكم الرسول ﷺ بأنّ من قتل قتيلا فله سلبه: وفي هذا اليوم قال ﷺ : «من قتل قتيلا له عليه بينة.. فله سلبه» فعن ابن إسحاق قال: (حدّثني عبد الله بن أبي بكر، أنّه حدث عن أبي قتادة الأنصاري، قال: وحدّثني من لا أتهم من أصحابنا، عن نافع مولى بني غفار أبي محمّد، عن أبي قتادة قالا: قال أبو قتادة: رأيت يوم حنين رجلين يقتتلان: مسلما ومشركا، قال: وإذا رجل من المشركين يريد أن يعين صاحبه المشرك على المسلم، قال: فأتيته فضربت يده فقطعتها، واعتنقني بيده الأخرى، فوالله؛ ما أرسلني حتى وجدت ريح الدم ويروى: ريح الموت- وكاد يقتلني، فلولا أنّ الدم نزفه.. لقتلني، فسقط فضربته فقتلته، وأجهضني عن القتال، ومرّ به رجل من أهل مكة فسلبه، فلمّا وضعت الحرب أوزارها وفرغنا من القوم.. قال رسول الله ﷺ : «من قتل قتيلا.. فله سلبه» قلت: يا رسول الله؛ والله لقد قتلت قتيلا ذا سلب، فأجهضني عنه القتال، فما أدري من استلبه، فقال رجل من أهل مكة: صدق يا رسول الله، سلب ذلك القتيل عندي، فأرضه عني من سلبه، فقال أبو بكر ﵁: لا والله لا يرضيه منه، تعمد إلى أسد من أسد الله يقاتل عن دين الله تقاسمه سلبه؟! اردد عليه سلب قتيله، فقال رسول الله ﷺ : «صدق، اردد عليه سلبه» فقال أبو قتادة: فأخذته منه، فبعته، فاشتريت بثمنه مخرفا، فإنّه

стр. 669

لأوّل مال اعتقدته) اهـ، أي: جعلته عقدة، وفي الصحيح: (فكان أول مال تأثّلته في الإسلام) . هزيمة المشركين: قال في «روض النّهاة» : (ولمّا انهزمت هوازن.. استحر القتل من ثقيف في بني مالك قتل منهم سبعون رجلا، واستمرّ أيضا في بني نصر بن معاوية، ثمّ في بني رباب قبيلة مالك بن عوف، فذكر ذلك للنّبيّ ﷺ ، فقال: «اللهمّ اجبر مصيبتهم» ولعل ذلك بعد أن أسلموا؛ لأنه ﷺ لا يدعو للمشركين، بل يدعو عليهم. وقتل دريد بن الصمّة كافرا، ويروى: أنّ الذي قتله من الأنصار، وأنّه قال: ضربته بسيفي فلم يغن شيئا، فناولني سيفه، فقال: اضربني بهذا، وارفع عن العظام، واحفظ الدماغ؛ فإنّي كنت كذلك أضرب الرجال، قال: ورأيت بين رجليه كركبة البعير من طول ركوب الخيل، وأنّ الذي قتله ربيعة بن رفيع السلميّ، وأنّ دريدا قال له لما علمه الضرب: وإذا أتيت أمك.. فقل لها: أنا قتلت دريد بن الصمّة، فربّ يوم والله منعت فيه نساءك، فلمّا رجع ربيعة إلى أمه وأخبرها.. قالت: لقد أعتق أمّهات لك ثلاثا، وقيل: إنّ الذي قتله الزّبير بن العوام.

стр. 670

وثبتت مع النّبيّ طائفه ... من أهل بيته وممّن ألفه حيدرة والعمران وأبو ... سفيان جعفر ابنه المنتخب وعمّه ربيعة العبّاس ... وفضله أسامة الأكياس ذكر بعض من ثبت مع الرسول ﷺ يوم هوازن: ثمّ أراد الناظم أن يذكر من وقف مع رسول الله ﷺ يوم هوازن فقال: (وثبت مع النّبيّ) ﷺ في يوم هوازن (طائفة) ، في الأصل القطعة من الشيء، قال في الصحاح عن ابن عباس ﵄ في قوله تعالى: وَلْيَشْهَدْ عَذابَهُما طائِفَةٌ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ الطائفة: الواحد فما فوقه. والمراد هنا جماعة (من أهل بيته) الكرام، قال في «روض النّهاة» : (وعنى بهم هنا: بني عبد المطلب ومواليهم) (وممّن ألفه) بكسر اللام من مهاجري قريش، ثمّ أخذ في تعيينهم، لا على سبيل اللف والنشر المرتب فقال: (حيدرة) وهو: لقب لسيدنا علي ﵁ كما تقدم (والعمران) : أبو بكر وعمر ﵄، (وأبو سفيان) بن الحارث ابن عم رسول الله ﷺ ، وتقدم الكلام عليه وترجم آنفا، و (جعفر ابنه) أي ابن أبي سفيان بن الحارث (المنتخب) المختار، صفة مدح. (وعمه) أي: عم جعفر بن أبي سفيان، وهو (ربيعة) بن الحارث، أخو أبي سفيان المذكور، و (العباس) بن عبد المطّلب عم النّبيّ ﷺ ،
следующие страницы →