← Сира

Сира · id 9772

إنارة الدجى في مغازي خير الورى صلى الله عليه وآله وسلم

حسن بن محمد مشاط

Полный текст (820 стр.). Показаны 666–705 · переход к 671.

стр. 666

قال في «شرح المواهب» : (روى أبو القاسم البغوي والبيهقي وغيرهما عن شيبة قال ﷺ : «يا عباس؛ ناولني من الحصباء» ، فأقعد الله البغلة، فانخفضت به حتى كاد بطنها يمس الأرض، فتناول من البطحاء، فحثا به في وجوههم، وقال: «شاهت الوجوه، حم لا ينصرون» . وفي رواية لمسلم: (ثم قبض قبضة من تراب الأرض، ثمّ استقبل به وجوههم فقال: «شاهت الوجوه» فما خلق الله منهم إنسانا.. إلّا ملأت عينه ترابا تلك القبضة، فولوا منهزمين) . وروى البخاري في «التاريخ» والبيهقي عن عمرو بن سفيان قال: (قبض ﷺ يوم حنين قبضة من الحصى، فرمى بها وجوهنا، فما خيل إلينا إلّا أنّ كل حجر وشجر وفارس يطلبنا) . معجزات الرسول ﷺ : قلت: وفي هذا من المعجزات وجوه: منها: تسخير البغلة له ﷺ ، ووقوفها تحت إرادته، حتى إذا قصد الأرض ليأخذ منها الحصيات.. انخفضت له، وفي ضمن هذا ما هو معلوم من كمال شجاعته ﵊؛ إذ البغلة ليست من مركوب الحرب، ولا تصلح للكر والفر.

стр. 667

ومنها: نداؤه بمسمع من عدوه بقوله: «أنا النّبيّ لا كذب ... » إلخ؛ لأنّ العدو إنما أدار رحى الحرب عليه ومن أجله، وهو المقصود عندهم بالقتال، ثمّ هو يريهم مكانه ولا يبالي؛ اعتمادا على مولاه الذي عوده النصر على عدوه في غير موضع. ومنها: ذلك الأثر الكبير الذي فعلته الحصباء لمّا انتشرت في وجه العدوّ على قلة الحصباء. ومنها: إخباره ﵊ بهزيمة القوم، وقد وقعت. وأشار العارف «١» إلى ما فعلت تلك الحصيات بقوله: رمى بالحصى فأقصد جيشا ... ما الحصى عنده وما الإلقاء قال في «الإمتاع» : (وكان الرعب الذي قذف الله في قلوب المشركين يومئذ كوقع الحصاة في الطست له طنين، فيجدون في أجوافهم مثل ذلك، ولمّا رمى رسول الله ﷺ بذلك الكف من الحصى.. لم يبق أحد من المشركين إلّا وهو يشكو القذى في عينيه، ويجدون في صدورهم خفقانا كوقع الحصى في الطساس ما يهدأ ذلك، ورأوا رجالا بيضا على خيل بلق عليهم عمائم حمر قد أرخوها بين أكتافهم، وهم بين السماء والأرض كتائب كتائب، فما كانوا يستطيعون أن يتأمّلوهم من الرعب) .

стр. 668

حكم الرسول ﷺ بأنّ من قتل قتيلا فله سلبه: وفي هذا اليوم قال ﷺ : «من قتل قتيلا له عليه بينة.. فله سلبه» فعن ابن إسحاق قال: (حدّثني عبد الله بن أبي بكر، أنّه حدث عن أبي قتادة الأنصاري، قال: وحدّثني من لا أتهم من أصحابنا، عن نافع مولى بني غفار أبي محمّد، عن أبي قتادة قالا: قال أبو قتادة: رأيت يوم حنين رجلين يقتتلان: مسلما ومشركا، قال: وإذا رجل من المشركين يريد أن يعين صاحبه المشرك على المسلم، قال: فأتيته فضربت يده فقطعتها، واعتنقني بيده الأخرى، فوالله؛ ما أرسلني حتى وجدت ريح الدم ويروى: ريح الموت- وكاد يقتلني، فلولا أنّ الدم نزفه.. لقتلني، فسقط فضربته فقتلته، وأجهضني عن القتال، ومرّ به رجل من أهل مكة فسلبه، فلمّا وضعت الحرب أوزارها وفرغنا من القوم.. قال رسول الله ﷺ : «من قتل قتيلا.. فله سلبه» قلت: يا رسول الله؛ والله لقد قتلت قتيلا ذا سلب، فأجهضني عنه القتال، فما أدري من استلبه، فقال رجل من أهل مكة: صدق يا رسول الله، سلب ذلك القتيل عندي، فأرضه عني من سلبه، فقال أبو بكر ﵁: لا والله لا يرضيه منه، تعمد إلى أسد من أسد الله يقاتل عن دين الله تقاسمه سلبه؟! اردد عليه سلب قتيله، فقال رسول الله ﷺ : «صدق، اردد عليه سلبه» فقال أبو قتادة: فأخذته منه، فبعته، فاشتريت بثمنه مخرفا، فإنّه

стр. 669

لأوّل مال اعتقدته) اهـ، أي: جعلته عقدة، وفي الصحيح: (فكان أول مال تأثّلته في الإسلام) . هزيمة المشركين: قال في «روض النّهاة» : (ولمّا انهزمت هوازن.. استحر القتل من ثقيف في بني مالك قتل منهم سبعون رجلا، واستمرّ أيضا في بني نصر بن معاوية، ثمّ في بني رباب قبيلة مالك بن عوف، فذكر ذلك للنّبيّ ﷺ ، فقال: «اللهمّ اجبر مصيبتهم» ولعل ذلك بعد أن أسلموا؛ لأنه ﷺ لا يدعو للمشركين، بل يدعو عليهم. وقتل دريد بن الصمّة كافرا، ويروى: أنّ الذي قتله من الأنصار، وأنّه قال: ضربته بسيفي فلم يغن شيئا، فناولني سيفه، فقال: اضربني بهذا، وارفع عن العظام، واحفظ الدماغ؛ فإنّي كنت كذلك أضرب الرجال، قال: ورأيت بين رجليه كركبة البعير من طول ركوب الخيل، وأنّ الذي قتله ربيعة بن رفيع السلميّ، وأنّ دريدا قال له لما علمه الضرب: وإذا أتيت أمك.. فقل لها: أنا قتلت دريد بن الصمّة، فربّ يوم والله منعت فيه نساءك، فلمّا رجع ربيعة إلى أمه وأخبرها.. قالت: لقد أعتق أمّهات لك ثلاثا، وقيل: إنّ الذي قتله الزّبير بن العوام.

стр. 670

وثبتت مع النّبيّ طائفه ... من أهل بيته وممّن ألفه حيدرة والعمران وأبو ... سفيان جعفر ابنه المنتخب وعمّه ربيعة العبّاس ... وفضله أسامة الأكياس ذكر بعض من ثبت مع الرسول ﷺ يوم هوازن: ثمّ أراد الناظم أن يذكر من وقف مع رسول الله ﷺ يوم هوازن فقال: (وثبت مع النّبيّ) ﷺ في يوم هوازن (طائفة) ، في الأصل القطعة من الشيء، قال في الصحاح عن ابن عباس ﵄ في قوله تعالى: وَلْيَشْهَدْ عَذابَهُما طائِفَةٌ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ الطائفة: الواحد فما فوقه. والمراد هنا جماعة (من أهل بيته) الكرام، قال في «روض النّهاة» : (وعنى بهم هنا: بني عبد المطلب ومواليهم) (وممّن ألفه) بكسر اللام من مهاجري قريش، ثمّ أخذ في تعيينهم، لا على سبيل اللف والنشر المرتب فقال: (حيدرة) وهو: لقب لسيدنا علي ﵁ كما تقدم (والعمران) : أبو بكر وعمر ﵄، (وأبو سفيان) بن الحارث ابن عم رسول الله ﷺ ، وتقدم الكلام عليه وترجم آنفا، و (جعفر ابنه) أي ابن أبي سفيان بن الحارث (المنتخب) المختار، صفة مدح. (وعمه) أي: عم جعفر بن أبي سفيان، وهو (ربيعة) بن الحارث، أخو أبي سفيان المذكور، و (العباس) بن عبد المطّلب عم النّبيّ ﷺ ،

стр. 671

وأيمن ابن أمّه والعبدري ... شيبة رام غدر خير مضر وهو الذي نادى بأمر رسول الله ﷺ ، وكان عالي الصوت: (يا معشر الأنصار، يا معشر أصحاب السّمرة) كما تقدم. (وفضله) أي: فضل بن العباس، أضيف إليه؛ لأنّه أكبر أولاده، وبه كان العباس يكنى، وهو من أبهى قريش، ومن ثمّ قيل: من أراد البهاء والسخاء والفقه.. فليأت دار العباس، فالبهاء للفضل، والسخاء لعبيد الله، والفقه لعبد الله. و (أسامة) بن زيد، الحب بن الحب (الأكياس) جمع كيّس بتشديد الياء المكسورة، صفة مدح لأولئك السادة، بمعنى الظرفاء العقلاء، ومن أجل ذلك ثبتوا، فكان ثباتهم وثبوتهم مع رسول الله ﷺ مظهرا من مظاهر كياستهم. (وأيمن ابن أمه) أي: ابن أم أسامة؛ لأنّ أيمن بن عبيد وأسامة، أمهما بركة الحبشية مولاته ﵊، وقتل يومئذ كما قاله ابن إسحاق، يعني: بعد أن ثبت. قصة شيبة بن عثمان العبدري وإسلامه بعد قصده الغدر بالرسول ﷺ : (و) ممّن ثبت: (العبدري) «١» المنسوب إلى بني عبد الدار واسمه (شيبة) بن عثمان بن أبي طلحة بن

стр. 672

فصدّه عمّا نوى فضربه ... نبيّنا في صدره فجذبه عبد العزّى بن عثمان بن عبد الدار؛ فإنّه (رام) أي: طلب وقصد، و (بابه: قال) (غدر) هو ترك الوفاء؛ أي: أن يغدر بالنّبيّ (خير مضر) ﷺ . (فصده) أي: منعه رسول الله ﷺ (عمّا) أي: عن الغدر الذي (نوى) أي: قصده بالنّبيّ ﷺ ، والفتك به، حين خرج إلى هوازن، حتى يكون بزعمه قد أخذ بثأر قريش جميعها، فأعلم الله النّبيّ ﷺ بذلك (فضربه نبينا) أي: وضع يده الميمونة، ومسحها على شيبة (في صدره) أي: صدر شيبة (فجذبه) أي: جذب شيبة إليه، وأعاذه بالله من الشيطان، فما هي إلّا لحظة وقد هدى الله شيبة إلى الإسلام بتلك اليد المباركة، حتى كان في صفوف الثابتين مع رسول الله ﷺ ، يحمون الإسلام. قال شيبة محدثا عن إسلامه: (ما رأيت أعجب ممّا كنا فيه من لزوم ما مضى عليه آباؤنا من الضلالات، قال: لمّا كان يوم الفتح.. دخل رسول الله ﷺ عنوة قلت: أسير مع قريش إلى هوازن بحنين، فعسى إن اختلطوا أن أصيب من محمّد غرّة، فأثأر منه، فأكون أنا الذي قمت بثأر قريش كلها، وأقول لم يبق من العرب والعجم أحد إلّا اتّبع محمّدا.. ما اتّبعته أبدا، وكنت مرصدا لما خرجت له، لا يزداد الأمر في نفسي إلّا قوة.

стр. 673

فلمّا اختلطت الناس.. اقتحم رسول الله ﷺ على بغلته، وأصلتّ السيف فدنوت أريد منه ما أريد، ورفعت سيفي حتى كدت أسوره، فرفع لي شواظ من النار كالبرق يكاد يمسحني، فوضعت يدي على بصري خوفا عليه، والتفتّ إلى رسول الله ﷺ يناديني: «يا شيب؛ ادن مني» فدنوت منه، فمسح صدري، ثمّ قال: «اللهمّ؛ أعذه من الشيطان» قال: فو الله؛ لهو كان ساعتئذ أحبّ إليّ من سمعي، ومن بصري ونفسي، وأذهب الله ما كان بي. ثمّ قال: «يا شيب؛ ادن مني فقاتل» فتقدمت أمامه أضرب بسيفي، والله أعلم أنّي أحب أن أقيه بنفسي كل شيء، ولو لقيت أبي تلك الساعة حيا.. لأوقعت به السيف، فجعلت ألزمه فيمن لزمه حتى تراجع المسلمون، فكروا كرة رجل واحد، وقربت بغلة رسول الله ﷺ ، فاستوى عليها فخرج في إثرهم، حتى تفرّقوا في كل وجه، ورجع إلى معسكره، فدخل خباءه، فدخلت عليه، ما دخل عليه غيري؛ حبا لرؤية وجهه، وسرورا به، فقال: «يا شيب؛ الذي أراد الله بك خير ممّا أردت بنفسك» ثمّ حدّثني بكل ما أضمرته في نفسي ممّا لم أكن أذكره لأحد قط، فقلت: فإنّي أشهد أن لا إله إلّا الله، وأنّك رسول الله، ثمّ قلت: استغفر لي، قال: «غفر الله لك» ودفع إليه وإلى ابن عمه عثمان مفاتيح الكعبة وقال: «خذوها خالدة تالدة إلى يوم القيامة، لا ينزعها منكم إلّا ظالم» ) .

стр. 674

واعلم: أنّ هذه الأبيات الخمسة هي المثبتة في نسختي التي قرأتها وصححتها على شيخي، المرحوم الشيخ محمّد بن عبد الله زيدان، وعليها شرحت، وفي نسخة الشيخ حمّاد الذي شرح عليها مخالفة في اللفظ، أمّا المآل.. فواحد، غير أنّ في النسخة الأولى زيادة في سبب إسلام شيبة لم تكن في النسخة الثانية، كما هو ظاهر، ولفظ النسخة الثانية: وثبتت مع النّبيّ طائفه ... من أهل بيته وممّن ألفه عمر ذي الخلال شيبة، أبي ... سفيان وابنه وعمّه الأبي حيدرة أسامة أيمنه ... ثمّ أبو الفضل وفضل وابنه وقوله: (عمر) وما بعده بالجر بدل من المجرور في قوله: (من أهل بيته وممّن ألفه) وقوله: (وعمه) أي: عم جعفر بن أبي سفيان، وهو ربيعة بن الحارث أخو أبي سفيان بن الحارث، و (الأبيّ) معناه: الممتنع من الضيم. القول في فرار من فرّ من الصحابة في هذه الغزوة: واعلم: أنّ فرار الباقين من الصحابة في هذه الغزوة ليس فيه عار؛ لأنّه إنّما كان في بادئ الأمر ولم يستمر، أو أنّه كان صوريا؛ فإنّه فرار عن عود.

стр. 675

قال الطبري- كما في «المواهب» -: (الانهزام المنهي عنه، ما وقع على غير نية العود، وأمّا الاستطراد للكرّة.. فهو كالمتحيز إلى فئة) . وقال ابن سيد الناس في «العيون» : (فرارهم قد أعقبه رجوعهم إليه بسرعة، وقتالهم معه حتى كان الفتح، ففي ذلك نزل قوله تعالى: وَيَوْمَ حُنَيْنٍ إِذْ أَعْجَبَتْكُمْ كَثْرَتُكُمْ فَلَمْ تُغْنِ عَنْكُمْ شَيْئاً وَضاقَتْ عَلَيْكُمُ الْأَرْضُ بِما رَحُبَتْ ثُمَّ وَلَّيْتُمْ مُدْبِرِينَ* ثُمَّ أَنْزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلى رَسُولِهِ وَعَلَى الْمُؤْمِنِينَ وَأَنْزَلَ جُنُوداً لَمْ تَرَوْها وَعَذَّبَ الَّذِينَ كَفَرُوا وَذلِكَ جَزاءُ الْكافِرِينَ* ثُمَّ يَتُوبُ اللَّهُ مِنْ بَعْدِ ذلِكَ عَلى مَنْ يَشاءُ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ كما قال الله تعالى فيمن تولّى يوم أحد: وَلَقَدْ عَفَا اللَّهُ عَنْهُمْ وإن اختلف الحال في الوقعتين) . وفي «الروض» للسّهيليّ: (لم يجمع العلماء على أنّه من الكبائر إلّا في يوم بدر، وهو ظاهر قوله تعالى: وَمَنْ يُوَلِّهِمْ يَوْمَئِذٍ دُبُرَهُ الآية، ثمّ أنزل التخفيف في الفارين يوم أحد، وهو قوله تعالى: وَلَقَدْ عَفَا اللَّهُ عَنْهُمْ) . وفي «تفسير ابن سلام» : (كان الفرار يوم بدر من الكبائر، وكذا يكون في ملحمة الروم الكبرى، وعند الدجال) . والحاصل: أنّ هذه المعركة أسفرت عن نصر كبير للمسلمين، وفتح مبين، فقد رجع الجيش بعد التفرق إلى

стр. 676

رسول الله ﷺ ، وأمرهم بطلب العدوّ، فانتهى بعضهم إلى الطائف، كمالك بن عوف في جماعة من أشراف قومه. قال في «شرح المواهب» : (إنّهم لمّا انهزموا.. وقف مالك على ثنية في شبان أصحابه فقال: قفوا حتى يمضي ضعفاؤكم، ويتتام آخركم، فبصر بهم الزّبير، فحمل عليهم حتى أهبطهم من الثنية، وهرب مالك إلى الطائف، ويقال: تحصن في قصر بليّة على أميال من الطائف، فغزاهم ﷺ بنفسه كما يأتي، وهدم القصر) . قال في «المواهب» : (واستشهد من المسلمين أربعة، ومنهم أيمن، وقتل من المشركين أكثر من سبعين قتيلا) ا هـ الغنائم والسبي: ونال المسلمون من الغنائم الشيء الكثير، فمن الإبل أربعة وعشرون ألفا، ومن الغنم أكثر من أربعين ألفا، ومن الفضة أربعة آلاف أوقية، وسبوا نساءهم وأبناءهم، وأمر ﵊ بجمع ذلك في الجعرانة إلى أن يرجعوا من الطائف. قال في «الإمتاع» : (وانتهى ﵊ إلى الجعرانة ليلة الخميس، لخمس خلون من ذي القعدة، والسبي والغنائم بها محبوسة) وإليه الإشارة بقوله:

стр. 677

ووقف السّبي إلى أن رجعا ... من طائف لعلّ أن يسترجعا (ووقف) أي: حبس رسول الله ﷺ (السبي) الذي سباه من هوازن، وكانوا ستة آلاف آدمي، سوى الغنم، والنعم، والأموال، فلم يقسمه، وإطلاق السبي على الجميع على التغليب. قال ابن التلمساني: (ولا يكون السبي إلّا في النساء) نقله عن الخفاجي في «شرح الشفاء» وأمر بالجميع أن يجمع بالجعرانة (إلى أن رجعا) بألف الإطلاق للقافية (من طائف) أي: من غزوة الطائف، وإنّما فعل ذلك (لعلّ) أي: رجاء (أن يسترجعا) بالبناء للمجهول؛ أي: يسترجع السبي أهله، فيرده لهم، ولكنه ﵊ لمّا ترجى ذلك، وانتظر أهل السبي بضعة عشر يوما.. لم يفعلوا حتى قسمه في مستحقيه، ووقعت المقاسم مواقعها. قدوم وفد هوازن على الرسول ﷺ ، وردّه السبي إليهم: وبعد ذلك قدم وفد هوازن، وهم أربعة عشر رجلا مسلمين، ورأسهم زهير بن صرد الخشمي، وأبو برقان عم رسول الله ﷺ من الرضاعة، فقالوا: يا رسول الله؛ إنا أهل وعشيرة، وقد أصابنا من البلاء ما لا يخفى عليك. وقال زهير: يا رسول الله؛ إنّما في الحظائر عماتك وخالاتك، وحواضنك اللّاتي كنّ يكفلنك؛ أي: لأنّ مرضعته ﷺ حليمة كانت من هوازن، وقال له

стр. 678

أيضا: ولو ملحنا- أي: أرضعنا- للحارث بن أبي شمر أي: ملك الشام- أو للنعمان بن المنذر ملك العراق، ثمّ نزل منا بمثل ما نزلت به.. رجونا عطفه وعائدته علينا، وأنت خير المكفولين، وأنشده أبياتا يستعطفه ﷺ بها، وهي: أمنن علينا رسول الله في كرم ... فإنّك المرء نرجوه وننتظر أمنن على بيضة قد عاقها قدر ... ممزّق شملها في دهرها غير يا خير طفل ومولود ومنتخب ... في العالمين إذا ما حصّل البشر إن لم تداركهم نعماء تنشرها ... يا أرجح الناس حلما حين تختبر أمنن على نسوة قد كنت ترضعها ... إذ فوك تملؤه من مخضها الدّرر إذ كنت طفلا صغيرا كنت ترضعها ... وإذ يزينك ما تأتي وما تذر لا تجعلنّا كمن شالت نعامته ... واستبق منا فإنّا معشر زهر يا خير من مرحت كمت الجياد به ... عند الهياج إذا ما استوقد الشّرر

стр. 679

إنّا لنشكر آلاء وإن كفرت ... وعندنا بعد هذا اليوم مدّخر إنّا نؤمل عفوا منك تلبسه ... هذي البرية إذ تعفو وتنتصر فاعف عفا الله عمّا أنت راهبه ... يوم القيامة إذ يهدى لك الظفر فقال ﷺ : «إنّ أحسن الحديث أصدقه، أبناؤكم ونساءكم أحبّ إليكم أم أموالكم؟» فقالوا: ما كنا نعدل بالأحساب شيئا، اردد علينا نساءنا وأبناءنا؛ فهم أحبّ إلينا، ولا نتكلم في شاة ولا بعير، فقال ﷺ : «إذا أنا صلّيت الظهر بالناس.. فقوموا فقولوا: إنّا نستشفع برسول الله ﷺ إلى المسلمين، وبالمسلمين إلى رسول الله ﷺ في أبنائنا ونسائنا» . فلمّا صلّى الظهر.. قاموا فتكلّموا بما أمروا به، فقال ﷺ بعد أن أثنى على الله بما هو أهله: «أمّا بعد: فإنّ إخوانكم هؤلاء جاؤوا تائبين، وإنّي رأيت أن أرد إليهم سبيهم، فمن أحبّ أن يطيب بذلك.. فليفعل، ومن أحبّ منكم أن يكون على حظه حتى نعطيه إياه من أول ما يفيء الله علينا.. فليفعل» . وقال ﷺ : «أمّا ما كان لي ولبني عبد المطّلب.. فهو لكم» فقال المهاجرون والأنصار

стр. 680

رضوان الله تعالى عليهم: ما كان لنا فهو لرسول الله ﷺ ، وقال الأقرع بن حابس: أمّا أنا وبنو تميم.. فلا، وقال عيينة بن حصن: أمّا أنا وبنو فزارة.. فلا، وقال العباس بن مرداس: أمّا أنا وبنو سليم.. فلا، فقالت بنو سليم: بلى، ما كان لنا فهو لرسول الله ﷺ ، فقال العباس بن مرداس: وهّنتموني- أي: أضعفتموني حيث جعلتموني منفردا- ثمّ ردّ جميع السبي لأهله، إلّا عجوزا صارت إلى عيينة بن حصن، وقال حين أخذها: أرى عجوزا، إني لأحسب أنّ لها في الحي نسبا، وعسى أن يعظم فداؤها، ثمّ ردها بعد ذلك بعشر من الإبل، أخذ ذلك من ولدها بعد أن ساومه فيها مئة من الإبل، وقال له ولدها: والله؛ ما ثديها بناهد، ولا بطنها بوالد، ولا فوهها ببارد، ولا صاحبها بواجد- أي: بحزين لفراقها- ولا درها بناكد- أي: ليس لبنها بغزير- فقال عيينة: خذها، لا بارك الله لك فيها. قال ابن برهان في «الحلبية» : (وذلك ببركة دعائه ﷺ على من أبى أن يرد من السبي شيئا أن يبخس؛ فإنّ ولدها دفع له فيها مئة من الإبل فأبى، ثمّ غاب عنه، ثمّ مرّ عليه معرضا عنه، فقال: خذها بالمئة، فقال: لا أدفع إلّا خمسين، فأبى، فغاب عنه، ثمّ مرّ عليه معرضا عنه، فقال: خذها بخمسين، فقال: لا أدفع إلّا خمسة وعشرين، فأبى، فغاب عنه، ثمّ مرّ عليه معرضا عنه فقال:

стр. 681

خذها بالخمسة والعشرين، فقال: لا آخذها إلّا بعشرة- وفي رواية: إلّا بستة- ولمّا أخذها ولدها.. قال لعيينة: إنّ رسول الله ﷺ كسى السبي قبطية قبطية، فقال: لا والله؛ ما ذاك لها عندي، فما فارقها حتى أخذ لها ثوبا منه، والقبطية: بضم القاف ثوب أبيض من ثياب مصر) . قصة الشيماء بنت الحارث: وقدمت على النّبيّ ﷺ الشيماء بنت الحارث السعدية أخته من الرضاع، وذكرت له أنّها أخته من الرضاع، بعلامة كان ﵊ يعرفها، وهي عضة عضها في ظهرها وهي متوركته، فبسط لها رداءه، وأجلسها عليه، وخيّرها بين أن تكون عنده محببة مكرمة، وبين أن ترجع إلى قومها ممتعة، قالت: بل تمتعني وتردني إلى قومي، ففعل. قال في «العيون» : (فزعمت بنو سعد: أنّه أعطاها غلاما له اسمه مكحول، وجارية، فزوجت إحداهما الآخر، فلم يزل فيهم من نسلهما بقية، أسلمت وأسلم أبوها الحارث ﵄ . وإلى عفوه ﷺ عن هوازن، وما لقيت أخته من الرضاع من الكرامة، والبر بها حسبما يليق بخلقه الشريف، أشار العارف «١» ﵁ بقوله:

стр. 682

أعطى عطايا شهدت بالكرم ... يومئذ له ولم تجمجم منّ فضلا على هوازن إذ كا ... ن له قبل ذاك فيهم رباء وأتى السّبي فيه أخت رضاع ... وضع الكفر قدرها والسّباء فحباها برّا توهّمت النّا ... س به أنّما السّباء هداء بسط المصطفى لها من رداء ... أيّ فضل حواه ذاك الرداء فغدت فيه، وهي سيدة النّس ... وة والسيدات فيه إماء سخاؤه ﷺ في عطاياه: ثمّ أشار الناظم إلى مظهر آخر من مظاهر جوده ﵊ في ذلك اليوم؛ بقسم الأموال العظيمة، وإعطاء المؤلفة قلوبهم أول الناس؛ ليرسخ الإيمان في قلوبهم فقال: (أعطى عطايا) جساما (شهدت بالكرم يومئذ) أي: يوم حنين (له) أي: لرسول الله ﷺ ، وهو متعلق بقوله: (شهدت) والمراد بالكرم هنا: النبوة؛ فإنّه لمّا أعطى صفوان ما أعطى.. قال: أشهد أنّه نبي؛ فإنّه لا تطيب بهذا إلّا نفس نبي (ولم تجمجم) معطوف على قوله: (شهدت) مأخوذ من التجمجم، وهو أن لا يظهر المتكلم كلامه؛ أي: شهدت بالكرم تلك العطايا شهادة فصيحة ولم تكتمها.

стр. 683

قال الحافظ ابن سيد الناس في «العيون» : (فأعطى أبا سفيان بن حرب أربعين أوقية، ومئة من الإبل، قال: ابني يزيد؟ قال: أعطوه أربعين أوقية، ومئة من الإبل، قال: ابني معاوية؟ قال: أعطوه أربعين أوقية، ومئة من الإبل، قال أبو سفيان- كما في «الإمتاع» -: إنّك لكريم، فداك أبي وأمي، والله؛ لقد حاربتك.. فنعم المحارب كنت، ثمّ سالمتك.. فنعم المسالم أنت، جزاك الله خيرا- وأعطى حكيم بن حزام مئة من الإبل، ثمّ سأله مئة أخرى فأعطاه. وأعطى النّضر بن الحارث بن كلدة مئة من الإبل، وأعطى أسيد بن جارية الثقفي مئة من الإبل، وأعطى العلاء بن جارية الثقفي خمسين بعيرا، وأعطى مخرمة بن نوفل خمسين بعيرا. وأعطى الحارث بن هشام مئة من الإبل، وأعطى سعيد بن يربوع خمسين من الإبل، وأعطى صفوان بن أمية مئة من الإبل، وأعطى قيس بن عدي مئة من الإبل. وأعطى عثمان بن وهب خمسين من الإبل. وأعطى سهيل بن عمرو مئة من الإبل، وأعطى حويطب بن عبد العزّى مئة من الإبل، وأعطى هشام بن عمرو العامري خمسين من الإبل، وأعطى الأقرع بن حابس التميمي مئة من الإبل، وأعطى عيينة بن حصن مئة من الإبل، وأعطى مالك بن عوف مئة من الإبل.

стр. 684

وكيف لا ومستمدّ سيبه ... من سيب ربّ ذي عناية به وأعطى العباس بن مرداس أربعين من الإبل، فقال في ذلك شعرا، فأعطاه مئة من الإبل، ويقال: خمسين. وأعطى ذلك كله من الخمس، وهو أثبت الأقاويل عندنا، ثمّ أمر زيد بن ثابت بإحصاء الناس والغنائم، ثمّ فضها على الناس، فكانت سهمانهم لكل رجل أربعا من الإبل أو أربعين شاة، فإن كان فارسا.. أخذ اثنتي عشرة من الإبل، أو عشرين ومئة شاة، وإن كان معه أكثر من فرس واحد.. لم يسهم له. (وكيف لا) يعطي هذا العطاء الجم وأشباهه (ومستمد) أي: والحال أنّ مأخذ (سيبه) بفتح الأوّل؛ أي: عطائه (من سيب) أي: من عطاء (رب ذي عناية به) ﷺ ! وإذن فلا غرابة في ذلك؛ فقد أعطاه الله الدنيا والآخرة، وهو يعطي ما شاء لمن شاء، قال الله تعالى: وَلَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ فَتَرْضى وقال تعالى: وَإِنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ وقال تعالى: لَعَمْرُكَ إِنَّهُمْ لَفِي سَكْرَتِهِمْ يَعْمَهُونَ إلى غير ذلك من الآيات الدالة على أنّ عناية الله تعالى بسيدنا ونبينا ﷺ فوق عنايته بغيره من الأنبياء والمرسلين؛ فإنه تعالى لم يقل مثل ذلك لغيره من النبيين. أقول: ولو لم يكن من كرمه وجوده عليه ألف صلاة، وألف سلام إلّا وقوفه في ذلك اليوم العظيم، الذي يكون كل واحد مهتما فيه بنفسه، والأنبياء تقول: نفسي نفسي، وهو

стр. 685

عليه الصّلاة والسّلام يقول: «أمّتي أمّتي» حتى يخر ساجدا لله تعالى، ويلهمه الله ما يلهمه من الثناء الحسن، فيقال له: ارفع رأسك، وسل تعط، واشفع تشفّع، فعند ذلك يشفع للأمة، لا بل لجميع الخلق في ذلك اليوم لإراحتهم من ذلك الموقف الهائل العظيم.. لكفى. وفي بعض نسخ «الشفاء» : (قد قال أبو علي الدقاق، من شيوخ المتصوفة المشاهير وعلمائهم النحارير، وتكلّم في الفتوة، وهي غاية الكرم والإيثار، على رأيهم واصطلاحهم في ألفاظهم: إنّ هذا الخلق لا يكون بكماله إلّا لرسول الله ﷺ ؛ فإن كل أحد في القيامة يقول: نفسي نفسي، وهو ﷺ يقول: «أمّتي أمّتي» فلو لم يكن من كرمه إلّا هذا.. لكفى، وكفى) . وأظن أنّه لا ينازع في هذا أحد، فنسأل الله تعالى بمنّه وكرمه وجوده، وبنبيّ الرّحمة ﷺ : أن يجعلنا ووالدينا ومشايخنا وأحبابنا ممّن كتبت له العناية والسعادة، وأن يدخلنا في شفاعته الخاصة والعامّة يوم القيامة، آمين. قال الشيخ حماد في «روض النّهاة» : (أنشد الناظم رحمه الله تعالى قوله: «وكيف لا ومستمد سيبه» البيت، الفقيه محمّد بن المختار بن الفغ موسى، فقال: أنا ضامن لك الجنة بهذا البيت ولو لم يكن لك غيره من عمل، ثمّ أوصاني

стр. 686

أعطى عطايا أخجلت دلح الدّيم ... إذ ملأت رحب الفضا من النّعم زهاء ألفي ناقة منها وما ... ملأبين جبلين غنما لرجل وبله ما لحلقه ... منها ومن رقيقه وو رقه رحمه الله تعالى إن أنا متّ.. فاكتبه في رقعة وادفنها معي، ولم أحضر مصيبتنا به) اهـ عطاؤه ﷺ للمؤلّفة قلوبهم: ولمّا كان المقام مقام إطناب.. أخذ الناظم في تفصيل بعض ما أجمله، فقال: (أعطى عطايا أخجلت) وأدهشت لعظمها (دلح) بضم فسكون، جمع دلوح، قال في «الصحاح» : (وسحابة دلوح: كثيرة الماء، وسحائب دلح مثل قدوم وقدم) وهي مضافة إلى قوله: (الدّيم) بكسر الدال وفتح المثنّاة التحتية؛ أي: السحاب الغزيرة بالماء جمع ديمة؛ فإنّ تلك العطايا لعظمها وسماحة نفس معطيها، أوجبت محبته ﵊، والدخول في حظيرة الإسلام، فأيّ مناسبة في جوده المدرار وجود الديم الغزار (إذ ملأت) عطاياه (رحب الفضا) بالقصر للضرورة، وهو ما اتّسع من الأرض، وهو من إضافة الصفة للموصوف؛ أي: ملأت الفضاء الرحب (من النعم) الإبل والبقر والغنم. (زهاء) بضم الزاي؛ أي: مقدار (ألفي ناقة منها) أي: من النعم أعطاها للمؤلّفة قلوبهم كما تقدم، (وما) أي: وزهاء الذي (ملأ بين جبلين غنما لرجل) هو صفوان بن

стр. 687

أميّة؛ فإنّه أعطاه ذلك، وأعطاه مئة ناقة، وكان هرب يوم الفتح، وأمّنه رسول الله ﷺ ، وبعث إليه مع وهب بن عمير بردائه- أو ببرده- أمانا له، فانصرف صفوان مع وهب إلى رسول الله ﷺ حتى وقف، وناداه في جماعة الناس: يا محمّد؛ إنّ هذا وهب يزعم أنّك أمنتني على أن أسير شهرين، فقال له رسول الله ﷺ : «انزل أبا وهب» فقال: لا، حتى تبيّن لي، فقال رسول الله ﷺ : «انزل، فلك مسيرة أربعة أشهر» ولمّا أعطاه ما أعطاه وأكثر.. قال: أشهد بالله؛ ما طابت بهذا إلّا نفس نبي، فكان سبب إسلامه. روى مسلم في «صحيحه» عن أنس ﵁: ما سئل رسول الله ﷺ على الإسلام شيئا إلّا أعطاه، ولقد جاءه رجل فأعطاه غنما بين جبلين فرجع إلى قومه فقال: يا قوم أسلموا؛ فإنّ محمّدا يعطي عطاء من لا يخشى الفقر، وإن كان الرجل ليسلم ما يريد إلّا الدنيا، فما يلبث إلّا يسيرا حتى يكون الإسلام أحبّ إليه من الدنيا وما عليها. (وبله) بفتح الباء، اسم فعل أمر بمعنى: دع (ما) أي: الذي أعطاه ﵊ (لحلقه) بكسر الحاء وفتح اللام: جمع حلقة؛ أي: لقومه وجماعته من بني هاشم وبني المطّلب (منها) أي: من الغنم (ومن رقيقه وو رقه) أي: فضته.

стр. 688

منها أفاد العمّ ما ناء به ... فهال منه عمّه عن ثوبه والحاصل: أنّ حديث جوده متواتر، وخبر كرمه مستفيض مشهور، وعن البحر حدّث ولا حرج. عطاؤه ﷺ لعمّه العباس: (منها) أي: من العطايا التي أعطاها لجماعته من بني هاشم (أفاد) أعطى وأكسب (العم) وهو العباس ﵁ (ما) أي: الشيء الكثير من المال الكثير الّذي (ناء به) أي: ثقل بالعباس أن يحمله على عظيم قوته، قال في «المختار» : (ناء بالحمل: نهض به مثقلا، وناء به الحمل: أثقله) وطلب العباس من النّبيّ ﷺ أن يعينه على حمله فلم يفعل (فهال) أي: صب (منه) أي: من المال في الأرض (عمه عن ثوبه) ليستطيع حمله؛ إذ لم يجد بدّا من ذلك. وهذا الذي ذكره الناظم هنا فيه نظر؛ فإنّ المشهور: أنّ هذه القضية كانت بالمدينة، حين ورد مال البحرين على النّبيّ ﷺ من عامله بها، وهو العلاء بن الحضرميّ، وكان أكثر مال أتى فنثر في المسجد، فأتاه العباس ﵁ فقال: أعطني؛ فإنّي فاديت نفسي وعقيلا، فقال له ﷺ : «خذ» فحثا في ثوبه، ثمّ ذهب ليقلّه- أي: ليحمله- فلم يستطع، فقال: مر من يرفعه عليّ، فقال: «لا» فقال: ارفعه أنت عليّ، فقال: «لا»

стр. 689

ووكل الأنصار خير العالمين ... لدينهم إذ ألّف المؤلّفين فوجدوا عليه أن منعهم ... فأرسل النّبيّ من جمعهم وقال قولا كالفريد المونق ... عن نظمه ضعف سلك منطقي فنثر منه، ثمّ ذهب يقله فلم يقدر، فقال له كالأول، فنثر منه، ثمّ احتمله على كاهله وانطلق، فأتبعه ﷺ بصره تعجّبا منه! ولم يقم ﵊ حتى فرقه، فلم يبق منه درهم. موقف الأنصار ورضاهم بما فعل الرسول ﷺ بعد خطبته فيهم: (ووكل) بصيغة الماضي المعلوم؛ أي: سلم (الأنصار خير العالمين) ﷺ (لدينهم) أي: لقوته ولرسوخه في قلوبهم (إذ ألّف المؤلفين) من قريش وقبائل العرب بالعطايا، ولم يعط الأنصار شيئا. (فوجدوا عليه) ل (أن منعهم) من ذلك، وقالوا: يغفر الله لرسوله ﷺ ، يعطي قريشا ويتركنا، وسيوفنا تقطر من دمائهم؟! فحدّث رسول الله ﷺ عن مقالتهم (فأرسل النبيّ من جمعهم) وهو سعد بن عبادة. فأتاهم رسول الله ﷺ ، فحمد الله، وأثنى عليه بما هو أهله (وقال قولا) في نفاسته (كالفريد) هو الدر إذا نظم وفصل بغيره (المونق) الحسن المعجب (عن نظمه) في هذه الأرجوزة، وهو متعلق بقوله: (ضعف سلك) بكسر أوله، في الأصل: الخيط يجعل فيه اللؤلؤ، وهو مضاف إلى

стр. 690

قوله: (منطقي) وفيه استعارة حيث جعل لمنطقه سلكا يدخل فيه ما ينظمه من مسائل الفن، التي هي كالدرر. وأشار بهذا إلى ما ذكره ابن إسحاق عن أبي سعيد الخدريّ ﵁، قال: (لما أعطى رسول الله ﷺ ما أعطى من تلك العطايا في قريش وفي قبائل العرب، ولم يكن في الأنصار منها شيء.. وجد هذا الحي من الأنصار في أنفسهم حتى كثرت منهم القالة، حتى قال قائلهم: لقي والله رسول الله ﷺ قومه، فدخل عليه سعد بن عبادة فقال: يا رسول الله؛ إنّ هذا الحي من الأنصار قد وجدوا عليك في أنفسهم؛ لما صنعت في هذا الفيء الذي أصبت، قسمت في قومك، وأعطيت عطايا عظاما في قبائل العرب، ولم يك في هذا الحي من الأنصار منها شيء، قال: «فأين أنت من ذلك يا سعد؟» قال: يا رسول الله؛ ما أنا إلّا من قومي، قال: «فاجمع لي قومك في هذه الحظيرة» قال: فخرج سعد، فجمع الأنصار في تلك الحظيرة. قال: فجاء رجال من المهاجرين فتركهم فدخلوا، وجاء آخرون فردهم، فلمّا اجتمعوا.. أتاه سعد فقال: قد اجتمع لك هذا الحي من الأنصار، فأتاهم رسول الله ﷺ ، فحمد الله، وأثنى عليه بما هو أهله، ثمّ قال: «يا معشر الأنصار؛ ما قالة بلغتني عنكم، وجدة وجدتموها علي في أنفسكم؟ ألم آتكم ضلّالا فهداكم الله؟ وعالة

стр. 691

فأغناكم الله؟ وأعداء فألّف الله بين قلوبكم؟» قالوا: بلى، الله ورسوله أمنّ وأفضل، ثمّ قال: «ألا تجيبوني يا معشر الأنصار؟» قالوا: بماذا نجيبك يا رسول الله؛ لله ولرسوله المنّ والفضل، قال ﷺ : «أمّا والله؛ لو شئتم.. لقلتم ولصدقتم: أتيتنا..- كذا وكذا- أوجدتم يا معشر الأنصار في أنفسكم في لعاعة من الدنيا، تألّفت بها قوما ليسلموا، ووكلتكم إلى إسلامكم؟ ألا ترضون يا معشر الأنصار أن يذهب الناس بالشاة والبعير، وترجعوا برسول الله إلى رحالكم؟ فو الّذي نفس محمّد بيده؛ لولا الهجرة.. لكنت امرأ من الأنصار، ولو سلك الناس شعبا، وسلكت الأنصار شعبا.. لسلكت شعب الأنصار، اللهمّ ارحم الأنصار، وأبناء الأنصار، وأبناء أبناء الأنصار» قال: فبكى القوم حتى أخضلوا لحاهم، وقالوا: رضينا برسول الله قسما وحظا، ثمّ انصرف رسول الله ﷺ وتفرّقوا) . وفي الصحيح: (أنّهم لمّا سئلوا: «ما حديث بلغني عنكم؟» قال فقهاء الأنصار: أمّا رؤساؤنا.. فلم يقولوا شيئا، وأمّا ناس منا حديثة أسنانهم.. فقالوا: يغفر الله لرسوله ﷺ يعطي قريشا.. إلخ، ولذلك قال الحافظ في فوائد هذه المقالة، بين هذا الأب الرحيم وأبنائه البررة: منها: حسن أدب الأنصار في تركهم المماراة، والمبالغة في الحياء، وبيان أنّ الذي نقل عنهم إنّما كان عن شبانهم، لا عن شيوخهم وكهولهم.

стр. 692

وفيه: مناقب عظيمة لهم؛ لما اشتمل عليه من ثناء الرسول البالغ عليهم، وأنّ الكبير ينبه الصغير على ما يغفل عنه، ويوضح له وجه الشبهة ليرجع إلى الحق. وفيه: المعاتبة، واستعطاف المعاتب، وإعتابه عن عتبه. وفي الصحيح زيادة: (أنّه ﵊ قال لهم في خاتمة كلامه معهم: «ستجدون بعدي أثرة شديدة، فاصبروا حتى تلقوا الله ورسوله ﷺ ؛ فإنّي على الحوض» ) اهـ ففيه علم من أعلام النبوة؛ إذ كان ما قال ﵊. وقد صحّ عن جبير بن مطعم ﵁ قال: (بينا أسير مع رسول الله ﷺ ومعه الناس مقفله من حنين.. علقت الأعراب برسول الله ﷺ يسألونه، حتى اضطروه إلى سمرة، فعلقت رداءه- أو كلمة تشبهها- قال: فوقف رسول الله ﷺ فقال: «أعطوني ردائي، فلو كان لي عدد هذه العضاه نعما.. لقسمته بينكم، ثمّ لا تجدوني بخيلا، ولا كذوبا، ولا جبانا» ) انظر «صحيح البخاري» . بعث أبي عامر الأشعري إلى أوطاس: ولمّا دارت الهزيمة على هوازن، وفرغ ﵊ من حنين.. بعث في طلب الفارين من هوازن إلى

стр. 693

وأدرك الفلّ بأوطاس السّري ... عمّ أبي موسى الشّجاع الأشعري وغال تسع إخوة مبارزه ... وفرّ عاشر لدى المبارزه أوطاس «١» أبا عامر الأشعري، وانتهى إليهم فإذا هم مجتمعون، فقتل منهم أبو عامر تسعة إخوة مبارزة وهرب العاشر، ورمي أبو عامر بسهم فقتل، فأخذ الراية أبو موسى، فقاتلهم حتى فتح الله عليه، وهزمهم الله، وإلى هذه الإشارة يقول الناظم رحمه الله تعالى: (وأدرك الفلّ) بفتح الفاء؛ أي: الجماعة المنهزمين؛ أي: بعضهم، قال في «القاموس» و «شرحه» : (قوم فلّ: منهزمون، يستوي فيه الواحد والجمع) (بأوطاس) يتعلق بأدرك (السريّ) : الشريف، وهو فاعل أدرك (عم أبي موسى) على الأشهر الذي قاله في «الفتح» واسمه: عبيد بن سليم بتصغيرهما، ويكنى بأبي عامر (الشجاع الأشعري) صفتان للعم، وذلك أنّهم لمّا انهزموا أتوا الطائف، وعسكر بعضهم بأوطاس، وتوجّه بعضهم نحو نخلة.. فبعث رسول الله ﷺ أبا عامر في آثار من توجه قبل أوطاس، وناوشوه القتال. (وغال) أي: قتل (تسع إخوة) حال كون القتال

стр. 694

وإذ توى دوّخهم حفيده ... وجاء بالفلّ وهم عبيده (مبارزة) واحدا بعد واحد (وفر عاشر لدى) أي: عند (المبارزة) . (وإذ توى) مات أبو عامر، قيل: رمي بسهم فقتل، قال ابن سعد: قتل أبو عامر تسعة مبارزة، ثمّ برز العاشر معلما بعمامة صفراء، فضرب أبا عامر فقتله (دوّخهم) أذلهم (حفيده) ابن أخيه، وهو أبو موسى عبد الله بن قيس الأشعريّ ﵁ (وجاء بالفلّ) أي: المهزومين (وهم) أي: الفلّ (عبيده) . دعاء الرسول ﷺ لأبي عامر: قال في «المواهب» : (لمّا قتل أبو عامر.. خلفه أبو موسى الأشعريّ، فقاتلهم حتى فتح الله عليه، وقتل قاتل أبي عامر، فقال ﷺ : «اللهمّ؛ اغفر لأبي عامر، واجعله من أعلى أمّتي في الجنة» ) . وفي «البخاري» : (قال- يعني أبا عامر لأبي موسى لمّا رمي بالسهم-: يابن أخي؛ أقرئ النّبيّ ﷺ السلام، وقل له استغفر لي، ثمّ مات، فرجعت، فدخلت على النّبيّ ﷺ في بيته وهو على سرير مرمّل وعليه فراش، قد أثر رمال السرير في ظهره وجنبه، فأخبرته بخبرنا وخبر أبي عامر، وأنّه قال: قل له استغفر لي، فدعا بماء فتوضّأ، ثمّ رفع يديه، وقال: «اللهمّ؛ اغفر لعبيد أبي عامر» ورأيت بياض إبطيه، ثمّ قال: «اللهمّ؛ اجعله يوم

стр. 695

القيامة في الجنة فوق كثير من خلقك من الناس» فقلت: ولي فاستغفر، قال: «اللهمّ، اغفر لعبد الله بن قيس ذنبه، وأدخله يوم القيامة مدخلا كريما» قال أبو بردة- يعني ابن أبي موسى راوي الحديث-: إحداهما- أي الدعوتين- لأبي عامر، والأخرى لأبي موسى) اهـ والمرمل- براء مهملة، ثمّ ميم مثقلة- أي: معمول بالرمال، وهي حبال الحصر التي تضفر بها الأسرة. ويستفاد من هذا الحديث: استحباب الطهارة لإرادة الدعاء، ورفع اليدين في الدعاء. اهـ (٢٩) غزوة الطائف الطائف: هي بلد كبير على ثلاث مراحل بسير الإبل من مكة، وعلى خمس ساعات بسير السيارات الحديثة، على طريق وعر غير معبّد، واليوم مهّد الطريق إليه من عرفة إلى جبل الكر الذي حطم لتعبيد الطريق إلى جبل الهدى، ومنه النزول إلى وادي محرم، ولو تمّ هذا العمل «١» .. تكون المسافة إلى الطائف نحو ساعة أو أقل.

стр. 696

وهي مدينة بناحية المشرق، طيبة الهواء، كثيرة الفواكه، ترتفع عن سطح البحر بمقدار ألف قدم، قيل: سميت بالطائف؛ لأنّها كانت بالشام، فنقلها الله إلى الحجاز بدعوة إبراهيم عليه وعلى نبيّنا الصّلاة والسّلام، أو لأنّ رجلا من الصّدف أصاب دما بحضرموت، ففرّ إلى وجّ «١» ، وحالف مسعود بن معتّب، وكان له مال عظيم؛ فقال: هل لكم أن أبني لكم طوفا عليكم يكون لكم ردءا من العرب؟ فقالوا: نعم، فبناه، وهو الحائط المطيف به، أو لأنّه طاف على الماء في الطوفان، أو لأنّ جبريل طاف بها على البيت، ذكر هذه الأقوال صاحب «القاموس» . وقال السهيليّ: (ذكر بعض المفسّرين وجها آخر في تسميتها بالطائف، فقال في الجنة التي ذكرها الله في «سورة ن» حيث يقول: فَطافَ عَلَيْها طائِفٌ مِنْ رَبِّكَ وَهُمْ نائِمُونَ قال: كان الطائف جبريل ﵇، اقتلعها من موضعها، فأصبحت كالصّريم، وهو الليل، أصبح موضعها كذلك، ثمّ سار بها إلى مكة، فطاف بها حول البيت، ثمّ أنزلها حيث الطائف اليوم، فسميت باسم الطائف الذي طاف عليها وطاف بها، وكانت تلك الجنة بصوران على فراسخ من صنعاء، ومن ثمّ كان الماء والشجر بالطائف دون ما حولها من الأرضين، وكانت قصة أصحاب الجنة بعد عيسى ابن مريم

стр. 697

فلثقيف وهي في حصون ... بطائف أقبل من حنين صلّى الله عليه وعلى نبينا وسلّم بيسير، ذكر هذا الخبر النقاش وغيره) اهـ قلت: فهذه وجوه خمسة في التسمية، ولم أر من اعتمد واحدا منها وردّ الآخر، أو اعتمد غيرها. تحصن ثقيف بحصنهم في الطائف: وكانت هذه الغزوة في شوال سنة ثمان، على ما قاله جمهور أهل المغازي. واعلم: أنّه ﵊ لمّا فرغ من حنين منصورا مظفرا، وبعث بغنائمها إلى وادي الجعرانة كما تقدم.. توجه لثقيف كما قال الناظم: (فلثقيف) أي: فبعد حنين أقبل ﵊ لثقيف، فالجار والمجرور يتعلق ب (أقبل) وقوله: (وهي) أي: ثقيف متحصنة (في حصون بطائف) جملة معترضة بين قوله فلثقيف وقوله: (أقبل من) وادي (حنين) . قال في «العيون» عن ابن سعد: (قالوا: خرج رسول الله ﷺ من حنين يريد الطائف، وقدّم خالد بن الوليد على مقدمته، وقد كانت ثقيف رمّوا حصنهم، وأغلقوه عليهم، وتهيّؤوا للقتال، وسار رسول الله ﷺ ، فنزل قريبا من حصن الطائف- قال الزرقانيّ: ولا مثل له في حصون العرب- وعسكر هناك، فرموا

стр. 698

فسألوه الكفّ عن قطع الكرم ... بالله والرّحم فارتادوا الكرم المسلمين بالنّبل رميا شديدا كأنّه رجل جراد «١» ، حتى أصيب ناس من المسلمين بجراحة، وقتل منهم اثنا عشر رجلا، فارتفع رسول الله ﷺ إلى موضع مسجد الطائف اليوم «٢» ، وكان معه من نسائه أم سلمة وزينب، فضرب لهما قبتين، وكان يصلي بين القبتين حصار الطائف كله، فحاصرهم ثمانية عشر يوما، وأمر بقطع أعنابهم ونخلهم، فقطع المسلمون قطعا ذريعا- أي: سريعا- ثمّ سألوه أن يدعها لله وللرحم، فقالوا: لم تقطع أموالنا؟ إمّا أن تأخذها إن ظهرت علينا، وإمّا أن تدعها لله وللرحم، فقال ﵊: «إنّي أدعها لله وللرحم» «٣» ) ، وإليه الإشارة بقوله: (فسألوه الكف) أي: المنع (عن قطع الكرم) أي: العنب، والراء في الأصل ساكنة، وحركت بالفتح للضرورة (بالله والرحم) يتعلق ب (سألوه)

стр. 699

فهابه والمنجنيق ضربا ... وسئل الدّعا عليهم فأبى (فارتادوا) أي: فطلبوا من النّبيّ ﷺ (الكرم) الذي هو ضد اللؤم، يقال: ارتاد الكلأ: طلبه، فلا إيطاء. فإن قيل: قد سمى الناظم العنب كرما، وقد نهى عنه في قوله ﷺ : «لا تسموا العنب الكرم» أخرجه الشيخان عن أبي هريرة ﵁؟ قلت: النهي محمول على التنزيه، وعلة النهي: كونه يتخذ منه الخمر، ولأنّ فيها تقريرا لما كانوا يتوهمونه من تكريم شاربها. (فهابه) أي: هاب الله تعالى لما سألوه به، وقال: «أدعها لله وللرحم» وكفّ . ضرب المسلمين حصونهم بالمنجنيق: (والمنجنيق) بفتح الميم وتكسر: آلة ترمى بها الحجارة قال في شرح المواهب: (مؤنث عند الأكثر، ويذكر، معرب، والميم أصلية عند سيبويه والنون زائدة، ولذا أسقطت في الجمع، قال كراع: كل كلمة فيها جيم وقاف أو جيم وكاف مثل كيلجة.. فهي أعجمية، ذكره في «الروض» ) اهـ وهو بالنصب على حذف الخافض؛ أي: وبالمنجنيق (ضربا) ﵊ ثقيفا، وهو أول منجنيق رمى به في الإسلام، وكان قدم به الطفيل الدوسي معه لما رجع من

стр. 700

سرية ذي الكفين «١» ، فرمتهم ثقيف بالنبل، فقتل من المسلمين اثنا عشر رجلا. إباء الرسول ﷺ الدعاء على ثقيف: (و) لمّا أحرقتهم نبال ثقيف (سئل) أي: سأل الصحابة النّبيّ ﷺ (الدعا عليهم) فقالوا: يا رسول الله؛ ادع على ثقيف، (فأبى) ﵊؛ لعظيم حلمه، وكريم أخلاقه، ولنظره السامي أن يخرج الله من أصلابهم من يؤمنون بالله ، ورجاء أن يهديهم الله للدخول في حظيرة الإسلام، ومن ثمّ لمّا سئل ذلك.. أبى، وقال ﵊: «اللهمّ؛ اهد ثقيفا، وائت بهم مسلمين» . ومن ألقى نظرة إلى سوء ما عاملت به ثقيف رسول الله ﷺ ، وأنّهم آذوه أشد الأذى يوم أتاهم للدعوة إلى دين الله، وإلى ما يقوله ﵊ في شأنهم في هذا اليوم يرى سموّ أخلاقه، وكرم نفسه الشريفة؛ فقد قالت عائشة ﵂: يا رسول الله؛ هل مرّ عليك يوم كان أشد عليك من يوم أحد؟ فقال: «ما لقيت من قومك، وكان أشد ما لقيت منهم يوم العقبة؛ إذ عرضت نفسي على ابن عبد يا ليل بن عبد كلال، فلم يجبني إلى ما أردت، فانطلقت

стр. 701

وأنا مهموم على وجهي، فلم أستفق إلّا وأنا بقرن الثعالب، فرفعت رأسي، فإذا أنا بسحابة قد أظلّتني، فنظرت، فإذا فيها جبريل، فناداني فقال: إنّ الله قد سمع قول قومك لك، وما ردوا عليك، وقد بعث إليك ملك الجبال لتأمره بما شئت فيهم، فناداني ملك الجبال، فسلم عليّ، ثم قال: يا محمّد؛ ذلك لك إن شئت أن أطبق عليهم الأخشبين.. فعلت، - فقال ﷺ بل أرجو أن يخرج الله من أصلابهم من يعبد الله وحده لا يشرك به شيئا» وقد حقق الله ما رجاه رسول الله ﷺ من هداية ثقيف، وقدوم وفدهم على النّبيّ ﷺ مسلمين طائعين. وهذا الحديث موافق لقوله تعالى: فَبِما رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ وقوله تعالى: وَما أَرْسَلْناكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعالَمِينَ وإلى هذا المعنى أشار سيدي عبد العزيز الفاسي في «قرّة الأبصار» وأجاد بقوله: وكان قادرا على التدمير ... لو شاء لكن جاد بالتأخير حتى هدى الله به من شاء ... منهم ومن أصلابهم أبناء ثم أعزّ دينه ونصره ... وأيّد الحق به وأظهره

стр. 702

ونوفل استشاره في أمره ... فقال هم كثعلب في جحره ولم يؤذن له ﵊ في فتح الطائف ذلك العام. (ونوفل) هو ابن معاوية الدّؤلي، وعدّ من المؤلّفة قلوبهم (استشاره) رسول الله ﷺ (في أمره) أي: الطائف: أيرجع عن أهله أم لا؟ (فقال) يا رسول الله، صلّى الله عليك وسلم (هم كثعلب في جحره) بتقديم الجيم على الحاء؛ أي: ثقبه، إن أقمت عليه.. أخذته، وإن تركته.. لم يضرك. تحرير الرسول ﷺ من خرج إليه مسلما من عبيدهم: ثمّ أمر ﵊ مناديا ينادي: «أيّما عبد خرج إلينا.. فهو حر» فخرج منهم بضعة عشر عبدا نزلوا ببكرة، منهم نفيع بن الحارث المكنى بأبي بكرة، فدفع رسول الله ﷺ كل رجل منهم إلى رجل من المسلمين يمونه ويحمله، وأمرهم أن يقرؤوهم القرآن، ويعلّموهم السنن، فشقّ ذلك على أهل الطائف مشقة شديدة، ثمّ لمّا أسلمت ثقيف.. كلّم أشرافهم فيهم رسول الله ﷺ أن يردوهم إلى الرق، فقال: «أولئك عتقاء الله» . ولمّا قدم وفدهم، وأسلموا.. ولى عليهم النّبيّ ﷺ عثمان بن أبي العاصي، وله المقام المحمود يوم قبض النّبيّ ﷺ ؛ فإنّه قام خطيبا وقال: (يا معشر ثقيف؛ لا تكونوا آخر العرب إسلاما، وأوّلهم ارتدادا) فلم يرتد منهم أحد.

стр. 703

أمر الرسول ﷺ بالرحيل إذ لم يؤذن له في الفتح هذا العام: وأمر ﵊ عمر بن الخطاب، فأذن في الناس بالرحيل، فضجّ الناس من ذلك، فقالوا: نرحل ولم يفتح علينا الطائف؟! فقال ﵊: «فاغدوا على القتال» فغدوا، فأصاب المسلمين جراحات، فقال ﵊: «إنّا قافلون إن شاء الله تعالى» فسروا بذلك وأذعنوا، وجعلوا يرحلون ورسول الله ﷺ يضحك. قال النووي: (قصد النّبيّ ﷺ الشفقة عليهم، والرفق بهم، وبالرحيل عن الطائف؛ لصعوبة أمره، وشدة الكفار الذين هم فيه، وتقويهم بحصنهم، مع أنّه ﷺ علم أو رجا أنّه سيفتحه بعد هذا بلا مشقة، فلمّا حرص الصحابة على المقام والجهاد.. أقام، وجدّ في القتال، فلمّا أصابتهم الجراح.. رجع إلى ما كان قصده أوّلا من الرفق بهم، ففرحوا بذلك لما رأوا من المشقّة الظاهرة، ووافقوا على الرحيل، فضحك ﷺ تعجّبا من تغير رأيهم، ولمّا أرادوا أن يرتحلوا.. قال ﷺ لأصحابه: «قولوا: لا إله إلّا الله وحده، صدق وعده، ونصر عبده، وهزم الأحزاب وحده» فلمّا ارتحلوا.. قال: «قولوا: «آئبون، تائبون، عابدون، لربّنا حامدون» .

стр. 704

عمرة الرسول ﷺ من الجعرانة: وهنا انتهى الكلام على غزوة الطائف، وبعدها رجع ﵊ إلى الجعرانة؛ لقسم الأموال والسبايا. قال في «الإمتاع» : (وأقام ﵊ بالجعرانة ثلاث عشرة ليلة، وخرج ليلة الأربعاء لثنتي عشرة بقيت من ذي القعدة، وأحرم- أي: بالعمرة- ولمّا كملها.. عاد إلى الجعرانة من ليلته، فكان كبائت بها، ثمّ خرج يوم الخميس على سرف إلى مرّ الظهران، واستعمل على مكة عتاب ابن أسيد، وقال له: «أتدري على من استعملتك؟» قال: الله ورسوله أعلم، قال: «استعملتك على أهل الله» ثمّ وصل إلى المدينة المنوّرة مظفرا منصورا يوم الجمعة لثلاث بقين من ذي القعدة من السنة الثامنة، والمدينة في تلهّف وتشوّق، واستطلاع لأنواره المحمّدية، عليه أفضل الصّلاة وأزكى التحية) . وفي السنة التاسعة خرج لغزو الروم بتبوك. (٣٠) غزوة تبوك تبوك: بفتح الفوقية، وضم الباء الموحدة، اسم لا ينصرف؛ للعلمية والتأنيث المعنوي: لموضع بينه وبين المدينة المنوّرة من جهة الشام أربع عشرة مرحلة على الإبل

стр. 705

ثمّ لروم بتبوك استنفرا ... (لام) ألوف عام عسر اعترى المثقلة، وبالسيارة نحو أربع أيام؛ لأنّ الطريق غير معبّد اليوم، وتسمى غزوة العسرة، وقد عبد بعد ذلك، فلله الحمد والمنّة، فالمسافة إنّما هي ساعات قلائل. وكانت يوم الخميس في غرة رجب سنة تسع من الهجرة، قال في «المواهب» : (بلا خلاف، وهي آخر مغازيه ﷺ ، غزاها في حرّ شديد، وجدب كثير؛ لذلك لم يورّ عنها كعادته في سائر الغزوات، قال كعب بن مالك، كما في الصحيح: لم يكن ﷺ يريد غزوة إلّا ورّى بغيرها، حتى كانت تلك الغزوة؛ غزاها في حر شديد، واستقبل سفرا بعيدا، وغزا عدوّا كثيرا، فجلّى للمسلمين أمرهم؛ ليتأهّبوا أهبة غزوتهم، فأخبرهم بوجهه الذي يريد) . ولذلك يشير الناظم مبينا وجهته ﵊ التي صرّح بها للمسلمين، مستنفرا ثلاثين ألفا من الأصحاب الكرام فقال: (ثم) بعد فراغه ﵊ من الطائف بنحو ستة أشهر (لروم) أي: لقتال بعض من الروم كائنين (بتبوك) لأنّهم لم يكونوا كلهم بها؛ فلذلك لم يقل للروم، ويتعلق الجار بقوله: (استنفرا) أي: طلب رسول الله ﷺ أن ينفر للروم هذا العدد المشار إليه بقوله: (لام ألوف) أي: ثلاثين ألفا ممّن أسلم من العرب والمهاجرين والأنصار،
следующие страницы →