وأنا مهموم على وجهي، فلم أستفق إلّا وأنا بقرن الثعالب، فرفعت رأسي، فإذا أنا بسحابة قد أظلّتني، فنظرت، فإذا فيها جبريل، فناداني فقال: إنّ الله قد سمع قول قومك لك، وما ردوا عليك، وقد بعث إليك ملك الجبال لتأمره بما شئت فيهم، فناداني ملك الجبال، فسلم عليّ، ثم قال:
يا محمّد؛ ذلك لك إن شئت أن أطبق عليهم الأخشبين..
فعلت، - فقال ﷺ بل أرجو أن يخرج الله من أصلابهم من يعبد الله وحده لا يشرك به شيئا»
وقد حقق الله ما رجاه رسول الله ﷺ من هداية ثقيف، وقدوم وفدهم على النّبيّ ﷺ مسلمين طائعين.
وهذا الحديث موافق لقوله تعالى: فَبِما رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ وقوله تعالى: وَما أَرْسَلْناكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعالَمِينَ وإلى هذا المعنى أشار سيدي عبد العزيز الفاسي في «قرّة الأبصار» وأجاد بقوله:
وكان قادرا على التدمير ... لو شاء لكن جاد بالتأخير
حتى هدى الله به من شاء ... منهم ومن أصلابهم أبناء
ثم أعزّ دينه ونصره ... وأيّد الحق به وأظهره
стр. 702
ونوفل استشاره في أمره ... فقال هم كثعلب في جحره
ولم يؤذن له ﵊ في فتح الطائف ذلك العام.
(ونوفل) هو ابن معاوية الدّؤلي، وعدّ من المؤلّفة قلوبهم (استشاره) رسول الله ﷺ (في أمره) أي:
الطائف: أيرجع عن أهله أم لا؟ (فقال) يا رسول الله، صلّى الله عليك وسلم (هم كثعلب في جحره) بتقديم الجيم على الحاء؛ أي: ثقبه، إن أقمت عليه.. أخذته، وإن تركته..
لم يضرك.
تحرير الرسول ﷺ من خرج إليه مسلما من عبيدهم:
ثمّ أمر ﵊ مناديا ينادي: «أيّما عبد خرج إلينا.. فهو حر» فخرج منهم بضعة عشر عبدا نزلوا ببكرة، منهم نفيع بن الحارث المكنى بأبي بكرة، فدفع رسول الله ﷺ كل رجل منهم إلى رجل من المسلمين يمونه ويحمله، وأمرهم أن يقرؤوهم القرآن، ويعلّموهم السنن، فشقّ ذلك على أهل الطائف مشقة شديدة، ثمّ لمّا أسلمت ثقيف.. كلّم أشرافهم فيهم رسول الله ﷺ أن يردوهم إلى الرق، فقال: «أولئك عتقاء الله» .
ولمّا قدم وفدهم، وأسلموا.. ولى عليهم النّبيّ ﷺ عثمان بن أبي العاصي، وله المقام المحمود يوم قبض النّبيّ ﷺ ؛ فإنّه قام خطيبا وقال:
(يا معشر ثقيف؛ لا تكونوا آخر العرب إسلاما، وأوّلهم ارتدادا) فلم يرتد منهم أحد.
стр. 703
أمر الرسول ﷺ بالرحيل إذ لم يؤذن له في الفتح هذا العام:
وأمر ﵊ عمر بن الخطاب، فأذن في الناس بالرحيل، فضجّ الناس من ذلك، فقالوا: نرحل ولم يفتح علينا الطائف؟! فقال ﵊: «فاغدوا على القتال» فغدوا، فأصاب المسلمين جراحات، فقال ﵊: «إنّا قافلون إن شاء الله تعالى» فسروا بذلك وأذعنوا، وجعلوا يرحلون ورسول الله ﷺ يضحك.
قال النووي: (قصد النّبيّ ﷺ الشفقة عليهم، والرفق بهم، وبالرحيل عن الطائف؛ لصعوبة أمره، وشدة الكفار الذين هم فيه، وتقويهم بحصنهم، مع أنّه ﷺ علم أو رجا أنّه سيفتحه بعد هذا بلا مشقة، فلمّا حرص الصحابة على المقام والجهاد.. أقام، وجدّ في القتال، فلمّا أصابتهم الجراح.. رجع إلى ما كان قصده أوّلا من الرفق بهم، ففرحوا بذلك لما رأوا من المشقّة الظاهرة، ووافقوا على الرحيل، فضحك ﷺ تعجّبا من تغير رأيهم، ولمّا أرادوا أن يرتحلوا.. قال ﷺ لأصحابه: «قولوا: لا إله إلّا الله وحده، صدق وعده، ونصر عبده، وهزم الأحزاب وحده» فلمّا ارتحلوا.. قال: «قولوا:
«آئبون، تائبون، عابدون، لربّنا حامدون» .
стр. 704
عمرة الرسول ﷺ من الجعرانة:
وهنا انتهى الكلام على غزوة الطائف، وبعدها رجع ﵊ إلى الجعرانة؛ لقسم الأموال والسبايا.
قال في «الإمتاع» : (وأقام ﵊ بالجعرانة ثلاث عشرة ليلة، وخرج ليلة الأربعاء لثنتي عشرة بقيت من ذي القعدة، وأحرم- أي: بالعمرة- ولمّا كملها..
عاد إلى الجعرانة من ليلته، فكان كبائت بها، ثمّ خرج يوم الخميس على سرف إلى مرّ الظهران، واستعمل على مكة عتاب ابن أسيد، وقال له: «أتدري على من استعملتك؟» قال:
الله ورسوله أعلم، قال: «استعملتك على أهل الله» ثمّ وصل إلى المدينة المنوّرة مظفرا منصورا يوم الجمعة لثلاث بقين من ذي القعدة من السنة الثامنة، والمدينة في تلهّف وتشوّق، واستطلاع لأنواره المحمّدية، عليه أفضل الصّلاة وأزكى التحية) .
وفي السنة التاسعة خرج لغزو الروم بتبوك.
(٣٠) غزوة تبوك
تبوك: بفتح الفوقية، وضم الباء الموحدة، اسم لا ينصرف؛ للعلمية والتأنيث المعنوي: لموضع بينه وبين المدينة المنوّرة من جهة الشام أربع عشرة مرحلة على الإبل
стр. 705
ثمّ لروم بتبوك استنفرا ... (لام) ألوف عام عسر اعترى
المثقلة، وبالسيارة نحو أربع أيام؛ لأنّ الطريق غير معبّد اليوم، وتسمى غزوة العسرة، وقد عبد بعد ذلك، فلله الحمد والمنّة، فالمسافة إنّما هي ساعات قلائل.
وكانت يوم الخميس في غرة رجب سنة تسع من الهجرة، قال في «المواهب» : (بلا خلاف، وهي آخر مغازيه ﷺ ، غزاها في حرّ شديد، وجدب كثير؛ لذلك لم يورّ عنها كعادته في سائر الغزوات، قال كعب بن مالك، كما في الصحيح: لم يكن ﷺ يريد غزوة إلّا ورّى بغيرها، حتى كانت تلك الغزوة؛ غزاها في حر شديد، واستقبل سفرا بعيدا، وغزا عدوّا كثيرا، فجلّى للمسلمين أمرهم؛ ليتأهّبوا أهبة غزوتهم، فأخبرهم بوجهه الذي يريد) .
ولذلك يشير الناظم مبينا وجهته ﵊ التي صرّح بها للمسلمين، مستنفرا ثلاثين ألفا من الأصحاب الكرام فقال:
(ثم) بعد فراغه ﵊ من الطائف بنحو ستة أشهر (لروم) أي: لقتال بعض من الروم كائنين (بتبوك) لأنّهم لم يكونوا كلهم بها؛ فلذلك لم يقل للروم، ويتعلق الجار بقوله: (استنفرا) أي: طلب رسول الله ﷺ أن ينفر للروم هذا العدد المشار إليه بقوله: (لام ألوف) أي: ثلاثين ألفا ممّن أسلم من العرب والمهاجرين والأنصار،
стр. 706
ومعهم لحربه ألّب له ... غسّان لخم وجذام عامله
والخيل عشرة آلاف فرس، قال في «شرح المواهب» :
(وهذا أقل ما قيل في الجيش)
(عام عسر) أي: شدة وضيق (اعترى) أي: طرأ على المسلمين في الماء، وفي الظّهر، وفي النفقة، وحين طابت الثمار، والمسلمون يحبون المقام في ثمارهم وظلالهم؛ فلذلك سميت: (غزوة العسرة) .
سبب هذه الغزوة:
وسببها- كما قاله ابن سعد في «طبقاته» : (أنّه بلغ رسول الله ﷺ أنّ الروم قد جمعت جموعا كثيرة بالشام، وأنّ هرقل قد رزق أصحابه لسنة، وأجلب معهم لخم، وجذام، وعاملة، وغسان، وغيرهم من متنصرة العرب، وقدّموا مقدماتهم إلى البلقاء، فندب رسول الله ﷺ الناس إلى الخروج، وأعلمهم بالمكان الذي يقصده؛ ليتأهّبوا له) .
وأشار الناظم إلى من انضمّ من القبائل هناك إلى صفوف الروم بقوله:
(ومعهم) أي: ومع الروم (لحربه) ﷺ (ألب) بفتح الهمزة وتشديد اللام المفتوحة؛ أي: جمع (له) أي: لحربه وقتاله، فهو بدل من قوله: (لحربه) (غسان) بفتح الغين المعجمة، وتشديد السين، و (لخم) بسكون الخاء المعجمة (وجذام) و (عاملة) والأربعة قبائل من ولد سبأ بن يشجب بن يعرب بن قحطان.
стр. 707
وحضّ الاغنيا على الحملان ... ونكصوا دون مدى عثمان
حث الرسول ﷺ الأغنياء على الإنفاق في سبيل الله:
(و) لمّا جدّ رسول الله ﷺ في سفره، والسير إلى تبوك، وأمر الناس بالجهاز (حض) أي: حثّ أصحابه (الأغنيا على) النفقة، و (الحملان) بضم الحاء وسكون الميم؛ أي: على حملان الفقراء، بأن يعطوهم الشيء الذي يركبون عليه، ويحملوهم في سبيل الله تعالى، فأجابوا.
قال في «شرح المواهب» عن الواقديّ: (وجاؤوا بصدقات كثيرة، فكان أول من جاء أبو بكر ﵁ بماله كله، أربعة آلاف درهم، فقال ﷺ : «هل أبقيت لأهلك شيئا؟» قال: أبقيت لهم الله ورسوله، وجاء عمر بنصف ماله، فسأله: «هل أبقيت لهم شيئا؟» قال:
نعم، نصف مالي، وحمل العباس، وطلحة، وسعد بن عبادة، وجاء عبد الرّحمن بن عوف بمئتي أوقية إليه ﷺ ، وتصدّق عاصم بن عدي بسبعين وسقا من تمر) اهـ
تجهيز عثمان ثلث الجيش:
(و) مع ذلك (نكصوا) وتأخروا (دون مدى) أي: غاية سيدنا (عثمان) بالكسر للضرورة؛ فإنّه جهز ثلث الجيش، حتى كان يقال: ما بقيت لهم حاجة، حتى كفاهم
стр. 708
شنق «١» أسقيتهم.
قال ابن إسحاق: (أنفق عثمان في ذلك الجيش نفقة عظيمة لم ينفق أحد مثلها) .
قال ابن هشام: (حدّثني من أثق به: أنّ عثمان بن عفان أنفق في جيش العسرة في غزوة تبوك ألف دينار «٢» ، فقال رسول الله ﷺ : «اللهمّ؛ ارض عن عثمان؛ فإنّي عنه راض» ) اهـ
وروى عبد الرّحمن بن سمرة قال: جاء عثمان بن عفّان ﵁ بألف دينار في كمه حين جهز جيش العسرة، فنثرها في حجره ﷺ ، فرأيت رسول الله ﷺ يقلبها في حجره ويقول: «ما ضرّ عثمان ما فعل بعد اليوم» قالها مرارا. رواه الترمذيّ.
قال سيدي أبو عبد الله محمّد بن سعيد في «أم القرى» :
وابن عفان ذي الأيادي التي طا ... ل إلى المصطفى بها الإسداء
حفر البئر جهز الجيش أهدى ال ... هدي لما أن صده الأعداء
стр. 709
على بعير عشرة تعتقب ... وعزّ مطعم وعزّ مشرب
يقتسم النّفر تمرة ومن ... فرث الأباعر شراب قد يعن
عسرة المجاهدين:
(على بعير) واحد يتعلق بقوله: (تعتقب) أي (عشرة) من الرجال (تعتقب) على بعير؛ أي: يركب واحد ساعة، وينزل فيركب الآخر، وهو يشمل الجمل والناقة، كالإنسان للرجل والمرأة (وعزّ) أي: قل (مطعم، وعز مشرب) وكان زادهم التمر والشعير.
(يقتسم النفر) بفتح النون المشددة والفاء: الرجال من الثلاثة إلى العشرة (تمرة) واحدة (ومن فرث) بوزن فلس، مضاف إلى (الأباعر) وهو في الأصل السّرجين في الكرش، والمراد ما في الكرش من الماء (شراب قد يعن) لهم؛ أي:
يعرض، ومن هنا سميت بغزوة العسرة.
وحثّ ﵊ المياسير على إعانة المعاسير، ويشير بهذا إلى ما رواه الحاكم في «مستدركه» بسند صحيح على شرط الشيخين: (أنّ ابن عباس قال لعمر بن الخطاب:
حدّثنا عن شأن ساعة العسرة، فقال عمر: خرجنا إلى تبوك في قيظ شديد، فنزلنا منزلا أصابنا فيه عطش، حتى ظننا رقابنا ستنقطع، حتى إنّ الرجل لينحر بعيره فيعصر فرثه فيشربه، ثمّ يجعل ما بقي على كبده، فقال أبو بكر الصدّيق:
يا رسول الله؛ إنّ الله قد عودك في الدعاء خيرا، فادع الله،
стр. 710
قال: «أتحب ذلك؟» قال: نعم، فرفع يديه، فلم يرجعهما حتى خالت السماء فأظلت، ثم سكبت فملؤوا ما معهم، ثمّ ذهبنا ننظر فلم نجدها جاوزت العسكر) اهـ
وهذا من جملة معجزاته ﷺ في استجابة الدعاء، وفيه منقبة ظاهرة لسيدنا أبي بكر ﵁؛ حيث أشار على النّبيّ ﷺ بذلك، واستشاره ﷺ .
قال في «شرح بهجة المحافل» عن البغويّ: (كان زادهم التمر المسوس «١» ، والشعير المتغير، وكان النفر منهم يخرجون ما معهم إلّا التمرات بينهم، فإذا بلغ الجوع أحدهم.. أخذ التمرة فلاكها حتى يجد طعمها، ثمّ يعطيها صاحبه فيمصّها فيشرب عليها جرعة ماء كذلك، حتى تأتي على آخرهم، فلا يبقى من التمرة إلّا النواة) .
البكاؤون للتخلف عن الجهاد:
ثمّ إنّ رجالا من خيار المسلمين لمّا سمعوا رسول الله ﷺ يستنفر المسلمين للغزو.. جاؤوا يستحملون رسول الله ﷺ ، وكلهم ذو حاجة، ولا يحب التخلف عن مشهد خرج له رسول الله ﷺ ، فقال ﵊: «لا أجد
стр. 711
وقعد الباكون والمعذّرون ... وعسكرت فربّت المنافقون
ما أحملكم عليه» فتولّوا وأعينهم تفيض من الدمع؛ حزنا ألّا يجدوا ما ينفقون، وإلى هذا أشار الناظم بقوله:
(وقعد) عن الخروج مع النّبيّ ﷺ إلى تبوك (الباكون) لعدم قدرتهم على الخروج، ولم يجد رسول الله ﷺ ما يحملهم عليه، وهم:
سالم بن عمير، وعلبة بن زيد، وعبد الرّحمن بن كعب الأوسي المازنيّ، والعرباض بن سارية السلمي، وهرمي بن عبد الله الواقفي، وعمرو بن عنمة الأنصاري، وعبد الله بن مغفّل المزني، وعبد الله بن عمرو المزنيّ، وعمرو بن الحمام بن الجموح، أخو عمير المستشهد ببدر من بني سلمة، ومعقل بن يسار المزنيّ، وحرميّ بن مازن، والنعمان بن مقرّن، وسويد بن مقرّن، ومعقل بن مقرن، وعقيل بن مقرن، وسنان بن مقرن، وعبد الرّحمن بن مقرن، وعبد الله بن مقرن «١» .
стр. 712
وهم الّذين قال الله تعالى فيهم: وَلا عَلَى الَّذِينَ إِذا ما أَتَوْكَ لِتَحْمِلَهُمْ قُلْتَ لا أَجِدُ ما أَحْمِلُكُمْ عَلَيْهِ تَوَلَّوْا وَأَعْيُنُهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ حَزَناً أَلَّا يَجِدُوا ما يُنْفِقُونَ ومن هنا سموا بالباكين والبكّائين.
وقال رسول الله ﷺ فيهم مرجعه من تبوك: «إنّ بالمدينة أقواما ما سرتم مسيرا، ولا قطعتم واديا.. إلّا وهم معكم» قالوا: يا رسول الله؛ وهم بالمدينة؟ قال: «نعم، حبسهم العذر» .
ذكر في «الإمتاع» : (أنّ رسول الله ﷺ لمّا قدم المدينة من تبوك في رمضان.. قال:
«الحمد لله على ما رزقنا في سفرنا هذا من أجر وحسبة، ومن بعدنا شركاؤنا فيه» فقالت عائشة ﵂:
أصابكم العسر والشدة في السفر، ومن بعدكم شركاؤكم فيه؟! فقال: «إنّ بالمدينة لأقواما ما سرنا ... »
الحديث، ثمّ قال: «أو ليس الله يقول في كتابه: وَما كانَ الْمُؤْمِنُونَ لِيَنْفِرُوا كَافَّةً فنحن غزاتهم، وهم قعدتنا، والذي نفسي بيده؛ لدعاؤهم أنفذ في عدونا من سلاحنا» وفي قول عائشة ﵂ دعابة وإدلال واضح يدل على ذكائها وفطنتها) .
موقف المعذّرين والمنافقين:
(و) قعد (المعذّرون) بشد الذال المكسورة، جمع معذر: من عذّر في الأمر، إذا قصر فيه موهما أنّ له عذرا ولا عذر له.
стр. 713
وهم كما قال ابن سعد: (اثنان وثمانون رجلا، استأذنوا النّبيّ ﷺ في التخلّف عن الغزو، وتعلّلوا بالجهد وكثرة العيال، فأذن لهم في التخلّف، ولكن لم يقبل عذرهم لكذبهم، وفيهم نزل قوله تعالى: وَجاءَ الْمُعَذِّرُونَ مِنَ الْأَعْرابِ لِيُؤْذَنَ لَهُمْ ثمّ نزل فيهم: سَيَحْلِفُونَ بِاللَّهِ لَكُمْ إِذَا انْقَلَبْتُمْ إِلَيْهِمْ لِتُعْرِضُوا عَنْهُمْ فَأَعْرِضُوا عَنْهُمْ إِنَّهُمْ رِجْسٌ وَمَأْواهُمْ جَهَنَّمُ جَزاءً بِما كانُوا يَكْسِبُونَ.
وقعد آخرون من المنافقين بغير عذر؛ جراءة على الله ورسوله، وقد عناهم الله تعالى بقوله: وَقَعَدَ الَّذِينَ كَذَبُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ سَيُصِيبُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ.
قال العلّامة السّهيلي: (وأهل التفسير يقولون: إنّ آخر «براءة» نزل قبل أولها، وإنّ أول ما نزل منها: انْفِرُوا خِفافاً وَثِقالًا) .
(وعسكرت) أي: اجتمعت المنافقون، (فربت) بتشديد الباء؛ أي: أقامت (المنافقون) مع رئيسهم عبد الله بن أبيّ وحلفائه من اليهود على ثنية الوداع، وكان ﵊ ضرب عسكره أيضا على ثنية الوداع.
قال ابن إسحاق: (وضرب عبد الله بن أبيّ معه على حدة عسكره أسفل منه نحو ذباب «١» ، وكان فيما يزعمون ليس بأقل
стр. 714
وقعد الثّلاثة الّذينا ... تاب عليهم ربّنا يقينا
العسكرين- أي عددا- فلمّا سار رسول الله ﷺ ..
تخلّف عنه عبد الله بن أبيّ فيمن تخلّف من المنافقين) .
قال ابن هشام: (واستخلف رسول الله ﷺ على المدينة وعلى عياله علي بن أبي طالب) كما في «الصحيحين» ورجحه جهابذة الحفاظ، ومنهم ابن عبد البر، وناهيك به كما سيأتي.
فتحصل: أنّ الذين قعدوا عن الخروج للغزو ما بين مؤمن رسخ الإيمان في قرارة قلبه، باك لعدم الحملان، ومنافق متثاقل ملتمس للأعذار، ومنافق لم يأت أصلا وكذب الله ورسوله، ومنافق أظهر الخروج ثمّ نكص على عقبيه، فدخل المدينة، وهناك فريق ثالث من المسلمين ليس إيمانهم بأقل من الرعيل الأول، ولكن أبطأت بهم النية عن رسول الله ﷺ حتى تخلّفوا عنه ولا شكّ ولا نفاق لديهم، وهم كعب بن مالك، ومرارة بن الرّبيع، وهلال بن أميّة.
الثّلاثة المؤمنون المتخلفون:
وإليهم الإشارة بقول الناظم: (وقعد الثلاثة الذين تاب عليهم ربنا) توبة (يقينا) نزل بها الوحي على رسول الله ﷺ .
قال تعالى عطفا على قوله: لَقَدْ تابَ اللَّهُ عَلَى النَّبِيِّ الآية: وَعَلَى الثَّلاثَةِ الَّذِينَ خُلِّفُوا أي: عن التوبة، لا عن الغزو؛ لما سيأتي، وهم:
стр. 715
كعب بن مالك مرارة الرّبيع ... وابن أميّة هلال الرّفيع
(كعب بن مالك) الأنصاري السّلمي و (مرارة) بن (الرّبيع) بضم الميم بعدها راء مخففة، الأنصاري العمري، بسكون الميم نسبة إلى بني عمرو بن عوف بن مالك بن الأوس، وسبب تخلفه: أنّه كان له حائط زها، فقال في نفسه: قد غزوت قبلها، فلو أقمت عامي هذا، فلمّا تذكر ذنبه.. قال: اللهمّ؛ إنّي أشهدك أنّي قد تصدّقت به في سبيلك (وابن أميّة) وهو (هلال الرفيع) الدرجة، وكلهم كذلك، وهلال ينسب إلى بني واقف، فهو واقفي، وقد جمعهم مع آبائهم القائل:
أسما الذين خلفوا عن الرسول ... في (مكة) نظمها بعض الفحول
مرارة، كعب، هلال، واسما ... آبائهم في (عكة) خذ بالقبول
قال في «شرح المواهب» : (ذكر في مرسل الحسن: أنّ سبب تخلفه أنّه كان له أهل تفرّقوا، ثمّ اجتمعوا، فقال: لو أقمت هذا العام عندهم، فلمّا تذكّر.. قال: اللهمّ؛ لك عليّ ألّا أرجع إلى أهل ولا مال) .
وحديث هؤلاء السادة في تخلّفهم ومعاملتهم الحق تعالى بالصدق، والرجوع إليه في «صحيح الإمام أبي عبد الله البخاريّ» وهو ما رواه من طريق عبد الرّحمن بن عبد الله بن كعب بن مالك: (أنّ عبد الله بن كعب بن مالك وكان قائد
стр. 716
كعب من بنيه حين عمي، قال: سمعت كعب بن مالك يحدث حين تخلّف عن قصة تبوك قال كعب: لم أتخلف عن رسول الله ﷺ في غزوة غزاها إلّا في غزوة تبوك، غير أنّي كنت تخلّفت في غزوة بدر، ولم يعاتب أحدا تخلّف عنها، إنّما خرج رسول الله ﷺ يريد عير قريش، حتى جمع الله بينهم وبين عدوهم على غير ميعاد، ولقد شهدت مع رسول الله ﷺ ليلة العقبة حين تواثقنا على الإسلام، وما أحب أنّ لي بها مشهد بدر، وإن كانت بدر أذكر في الناس منها.
كان من خبري: أنّي لم أكن قطّ أقوى ولا أيسر حين تخلّفت عنه في تلك الغزاة، والله ما اجتمعت عندي قبله راحلتان قط، حتى جمعتهما في تلك الغزوة، ولم يكن رسول الله ﷺ يريد غزوة إلّا ورّى بغيرها، حتى كانت تلك الغزوة غزاها رسول الله ﷺ في حر شديد، واستقبل سفرا بعيدا، ومفازا «١» ، وعدوا كثيرا، فجلّى «٢» للمسلمين أمرهم؛ ليتأهّبوا أهبة غزوهم، فأخبرهم بوجهه الذي يريد، والمسلمون مع رسول الله ﷺ كثير، ولا يجمعهم كتاب حافظ- يريد الديوان- قال كعب: فما رجل يريد أن يتغيب إلّا ظنّ أنّه سيخفي أمره ما لم ينزل فيه وحي من الله .
стр. 717
وغزا رسول الله ﷺ تلك الغزوة حين طابت الثمار والظلال، وتجهّز رسول الله ﷺ والمسلمون معه، فطفقت أغدو لكي أتجهّز معهم، فأرجع ولم أقض شيئا، فأقول في نفسي: أنا قادر عليه، فلم يزل يتمادى بي حتى اشتدّ بالناس الجدّ، فأصبح رسول الله ﷺ والمسلمون معه، ولم أقض من جهازي شيئا، فقلت: أتجهز بعده بيوم أو يومين ثمّ ألحقهم، فغدوت بعد أن فصلوا لأتجهّز، فرجعت ولم أقض شيئا، ثمّ غدوت، ثمّ رجعت ولم أقض شيئا، فلم يزل بي حتى أسرعوا وتفارط الغزو، وهممت أن أرتحل فأدركهم وليتني فعلت، فلم يقدّر لي ذلك، فكنت إذا خرجت في الناس بعد خروج رسول الله ﷺ فطفت فيهم.. أحزنني أنّي لا أرى إلّا رجلا مغموصا عليه النفاق، أو رجلا ممّن عذر الله من الضعفاء، ولم يذكرني رسول الله ﷺ حتى بلغ تبوك، فقال وهو جالس في القوم بتبوك: «ما فعل كعب؟» فقال رجل من بني سلمة، وهو عبد الله بن أنيس السّلمي:
يا رسول الله؛ حبسه برداه ونظره في عطفيه، فقال معاذ بن جبل: بئس ما قلت، والله يا رسول الله؛ ما علمنا عليه إلّا خيرا، فسكت رسول الله ﷺ .
قال كعب بن مالك: فلمّا بلغني أنّه توجه قافلا..
حضرني همي، فطفقت أتذكر الكذب، وأقول: بماذا أخرج من سخطه غدا؟ واستعنت على ذلك بكل ذي رأي من أهلي،
стр. 718
فلمّا قيل: إنّ رسول الله ﷺ قد أظلّ قادما..
زاح عني الباطل، وعرفت أنّي لن أخرج منه أبدا بشيء فيه كذب، فأجمعت صدقه، وأصبح رسول الله ﷺ قادما، وكان إذا قدم من السفر.. بدأ بالمسجد، فيركع فيه ركعتين، ثمّ جلس للناس: فلمّا فعل ذلك.. جاءه المخلفون، فطفقوا يعتذرون إليه- صلوات الله وسلامه عليه- ويحلفون له، وكانوا بضعة وثمانين رجلا، فقبل منهم رسول الله ﷺ علانيتهم، وبايعهم، واستغفر لهم، ووكل سرائرهم إلى الله، فجئته، فلمّا سلّمت عليه..
تبسّم تبسّم المغضب، ثمّ قال: «تعال» فجئت أمشي حتى جلست بين يديه، فقال لي: «ما خلفك؟ ألم تكن قد ابتعت ظهرك؟» فقلت: بلى، إنّي والله لو جلست عند غيرك من أهل الدنيا.. لرأيت أن سأخرج من سخطه بعذر، ولقد أعطيت جدلا، ولكني والله لقد علمت لئن حدّثتك اليوم حديث كذب ترضى به عني.. ليوشكنّ الله أن يسخطك عليّ، ولئن حدّثتك حديث صدق تجد عليّ فيه.. إنّي لأرجو فيه عفو الله، لا والله ما كان لي من عذر، والله ما كنت قط أقوى ولا أيسر مني حين تخلّفت عنك، فقال رسول الله ﷺ : «أمّا هذا.. فقد صدق، فقم حتى يقضي الله فيك» فقمت.
وثار رجال من بني سلمة فأتبعوني، فقالوا لي: والله؛ ما علمناك كنت أذنبت ذنبا قبل هذا، ولقد عجزت ألّا تكون اعتذرت إلى رسول الله ﷺ كما اعتذر
стр. 719
المتخلفون؛ فقد كان كافيك ذنبك استغفار رسول الله ﷺ لك، فو الله ما زالوا يؤنبونني حتى أردت أن أرجع فأكذب نفسي، ثمّ قلت لهم: هل لقي هذا معي أحد؟ قالوا:
نعم، رجلان قالا مثل ما قلت، فقيل لهما مثل ما قيل لك، فقلت: من هما؟ قالوا: مرارة بن الرّبيع العمري، وهلال بن أميّة الواقفي، فذكروا لي رجلين صالحين قد شهدا بدرا، فيهما أسوة، فمضيت حين ذكروهما لي.
ونهى رسول الله ﷺ المسلمين عن كلامنا أيّها الثلاثة من بين من تخلف عنه، فاجتنبنا الناس، وتغيّروا لنا، حتى تنكرت في نفسي الأرض، فما هي التي أعرف، فلبثنا على ذلك خمسين ليلة، فأمّا صاحباي.. فاستكانا وقعدا في بيوتهما يبكيان، وأمّا أنا.. فكنت أشبّ القوم وأجلدهم، وكنت أخرج فأشهد الصّلاة مع المسلمين، وأطوف في الأسواق، ولا يكلّمني أحد، وآتي رسول الله ﷺ فأسلم عليه وهو في مجلسه بعد الصّلاة، فأقول في نفسي: هل حرّك شفتيه برد السّلام عليّ أم لا؟ ثمّ أصلّي قريبا منه، فأسارقه النظر، فإذا أقبلت على صلاتي.. أقبل إليّ، وإذ التفت نحوه.. أعرض عني.
حتى إذا طال عليّ ذلك من جفوة الناس.. مشيت حتى تسوّرت جدار حائط أبي قتادة- وهو ابن عمي، وأحبّ الناس إليّ- فسلّمت عليه، فوالله؛ ما ردّ عليّ السلام، فقلت:
يا أبا قتادة، أنشدك بالله: هل تعلمني أحب الله ورسوله؟
стр. 720
فسكت، فعدت له فنشدته فسكت، فعدت له فنشدته، فقال: الله ورسوله أعلم، ففاضت عيناي، وتولّيت حتى تسوّرت الجدار، قال: فبينما أنا أمشي بسوق المدينة إذا نبطيّ من أنباط أهل الشام، ممّن قدم بالطعام يبيعه بالمدينة يقول:
من يدلّني على كعب بن مالك، فطفق الناس يشيرون له، حتى إذا جاءني دفع إليّ كتابا من ملك غسّان، فإذا فيه: أمّا بعد:
فإنّه قد بلغني أنّ صاحبك قد جفاك، ولم يجعلك الله بدار هوان ولا مضيعة، فالحق بنا نواسك.
فقلت: لمّا قرأتها: وهذا أيضا من البلاء، فتيممت بها التنور، فسجرته بها، حتى إذا مضت أربعون ليلة من الخمسين.. إذا رسول رسول الله ﷺ يأتيني فقال: إنّ رسول الله ﷺ يأمرك أن تعتزل امرأتك، فقلت: أطلقها أم ماذا أفعل؟ قال: لا، بل اعتزلها ولا تقربها، وأرسل إلى صاحبيّ مثل ذلك. فقلت لامرأتي:
الحقي بأهلك، فكوني عندهم حتى يقضي الله في هذا الأمر، قال كعب: فجاءت امرأة هلال بن أميّة رسول الله ﷺ ، فقالت: يا رسول الله؛ إنّ هلال بن أميّة شيخ ضائع ليس له خادم، فهل تكره أن أخدمه؟ قال: لا، ولكن لا يقربك، قالت: إنّه والله ما به حركة إلى شيء، والله ما زال يبكي منذ كان من أمره ما كان إلى يومه هذا، فقال لي بعض أهلي: لو استأذنت رسول الله ﷺ في امرأتك كما أذن لامرأة هلال بن أميّة أن تخدمه، فقلت: والله؛
стр. 721
لا أستأذن فيها رسول الله ﷺ ، وما يدريني ما يقول رسول الله ﷺ لو استأذنته فيها وأنا رجل شاب؟
فلبثت بعد ذلك عشر ليال حتى كملت لنا خمسون ليلة من حين نهى رسول الله ﷺ عن كلامنا، فلمّا صلّيت صلاة الفجر صبح خمسين ليلة، وأنا على ظهر بيت من بيوتنا، فبينما أنا جالس على الحال التي ذكر الله، قد ضاقت عليّ نفسي، وضاقت عليّ الأرض بما رحبت.. سمعت صوت صارخ أوفى على جبل سلع بأعلى صوته: يا كعب بن مالك؛ أبشر، قال: فخررت ساجدا، وعرفت أن قد جاء فرج، وآذن رسول الله ﷺ بتوبة الله علينا، حين صلّى صلاة الفجر، فذهب الناس يبشروننا، وذهب قبل صاحبيّ مبشرون، وركض إليّ رجل فرسا، وسعى ساع من أسلم، فأوفى على ذروة الجبل، وكان الصوت أسرع من الفرس.
فلمّا جاءني الذي سمعت صوته يبشرني.. نزعت له ثوبيّ فكسوته إياهما ببشراه، والله ما أملك غيرهما يومئذ، واستعرت ثوبين فلبستهما، وانطلقت إلى رسول الله ﷺ ، فيتلقاني الناس فوجا فوجا يهنّئونني بالتوبة، يقولون: لتهنك توبة الله عليك، قال كعب: حتى دخلت المسجد، فإذا رسول الله ﷺ جالس وحوله الناس، فقام إليّ طلحة بن عبيد الله يهرول حتى صافحني وهنّأني، والله ما قام إليّ رجل من المهاجرين غيره، ولا أنساها لطلحة.
стр. 722
قال كعب: فلمّا سلمت على رسول الله ﷺ ، قال رسول الله ﷺ وهو يبرق وجهه من السرور: «أبشر بخير يوم مرّ عليك منذ ولدتك أمك» قال: قلت: أمن عندك يا رسول الله أم من عند الله؟ قال «لا، بل من عند الله» .
وكان رسول الله ﷺ إذا سرّ.. استنار وجهه كأنّه قطعة قمر، وكنا نعرف ذلك منه، فلمّا جلست بين يديه.. قلت: يا رسول الله: إنّ من توبتي أن أنخلع من مالي صدقة إلى الله وإلى رسول الله ﷺ ، قال رسول الله ﷺ : أمسك عليك بعض مالك..
فهو خير لك، قلت: فإنّي أمسك سهمي الذي بخيبر، فقلت: يا رسول الله؛ إنّ الله إنّما نجّاني بالصدق، وإنّ من توبتي أن لا أحدّث إلّا صدقا ما بقيت، فوالله؛ ما أعلم أحدا من المسلمين أبلاه الله في صدق الحديث منذ ذكرت ذلك لرسول الله ﷺ .. أحسن ممّا أبلاني، ما تعمدت منذ ذكرت ذلك لرسول الله ﷺ إلى يومي هذا كذبا، وإنّي لأرجو أن يحفظني الله فيما بقيت، وأنزل الله تعالى على رسول الله ﷺ : لَقَدْ تابَ اللَّهُ عَلَى النَّبِيِّ وَالْمُهاجِرِينَ وَالْأَنْصارِ إلى قوله:
وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ فوالله ما أنعم الله عليّ من نعمة قط بعد أن هداني للإسلام.. أعظم في نفسي من صدقي لرسول الله ﷺ ألّا أكون كذبته، فأهلك كما هلك الذين
стр. 723
كذبوا، فإنّ الله تعالى قال للذين كذبوا حين أنزل الوحي شر ما قال لأحد، فقال ﵎: سَيَحْلِفُونَ بِاللَّهِ لَكُمْ إِذَا انْقَلَبْتُمْ إلى قوله: فَإِنَّ اللَّهَ لا يَرْضى عَنِ الْقَوْمِ الْفاسِقِينَ
قال كعب: وكنا تخلّفنا أيّها الثلاثة عن أمر أولئك الذين قبل منهم رسول الله ﷺ حين حلفوا له، فبايعهم، واستغفر لهم، وأرجأ رسول الله ﷺ أمرنا حتى قضى الله فيه، فبذلك قال الله: وَعَلَى الثَّلاثَةِ الَّذِينَ خُلِّفُوا وليس الذي ذكر الله مما خلفنا عن الغزو، وإنّما هو تخليفه إيّانا، وإرجاؤه أمرنا عمّن حلف له) .
قال العلّامة أبو القاسم السهيليّ في «الروض» : (وإنّما اشتدّ غضبه ﷺ على من تخلف، ونزل فيهم من الوعيد ما نزل، حتى تاب الله على الثلاثة منهم، وإن كان الجهاد من فروض الكفاية لا من فروض الأعيان.. لكونه «١» في حق الأنصار خاصة كان فرض عين، وعليه بايعوا النّبيّ ﷺ ، ألا تراهم يقولون يوم الخندق وهم يرتجزون:
نحن الذين بايعوا محمّدا ... على الجهاد ما بقينا أبدا
ومن تخلّف منهم يوم بدر إنّما تخلّف؛ لأنّهم خرجوا لأخذ عير، ولم يظنوا أن سيكون قتال، فكذلك كان تخلفهم
стр. 724
وأبوا خيثمة وذرّ ... قد لحقا وجاء أرض الحجر
عن رسول الله ﷺ في هذه الغزاة كبيرة؛ لأنّه كالنكث لبيعتهم، كذلك قال ابن بطّال ﵀ في هذه المسألة، ولا أعرف لها وجها غير الذي قال) .
وذكر الحافظ وجها غير هذا في تغليظ الأمر على هؤلاء، وهو أنّهم تركوا الواجب بلا عذر؛ لأنّ الإمام إذا استنفر الجيش عموما لزمهم النفير، ولحق اللوم بكل فرد فرد [أن لو تخلف] ، ونقله في «شرح المواهب» عنه، قائلا: فهذا وجه ثان غير الذي ذكر؛ أي: عن ابن بطّال.
قلت: ولمّا كان هؤلاء شاركوا المنافقين في صورة التخلّف عن الغزو بلا عذر وهم برآء من النفاق.. كانت توبتهم على الحال الذي ذكر في الحديث؛ ليميز الله الخبيث من الطيّب، ويظهر قوة إيمان هؤلاء الأصحاب السادة الغرّ الميامين، ﵃ أجمعين، وجمعنا بهم في مستقر رحمته ودار كرامته بمنّه وفضله، آمين.
قصة إبطاء أبي خيثمة وأبي ذرّ في الخروج:
وأشار الناظم إلى إبطاء أبي خيثمة وأبي ذرّ عن النّبيّ ﷺ في المسير، ولحوقهما له بعد فقال:
(وأبوا خيثمة) بالتنوين للضرورة (وذر) قد أبطأا عن السير، ولكنهما (قد لحقا) بالنّبيّ ﷺ بعد ذلك:
стр. 725
أمّا أبو خيثمة- واسمه سعد من بني سالم بن عوف بن عمرو بن عوف بن الخزرج-: فذكر خبره ابن إسحاق، وهو: (أنّه رجع بعد أن سار رسول الله ﷺ أياما إلى أهله في يوم حار، فوجد امرأتين له في عريشين في حائطه، قد رشت كل واحدة منهما عريشها، وبردت له فيه ماء، وهيّأت له فيه طعاما، فلمّا دخل.. قام على باب العريش، فنظر إلى امرأتيه وما صنعتا له فقال: رسول الله ﷺ في الضّح والريح والحر، وأبو خيثمة في ظل بارد، وطعام مهيّأ، وامرأة حسناء في ماله مقيم؟ ما هذا بالنّصف! ثمّ قال: والله؛ لا أدخل عريش واحدة منكما حتى ألحق برسول الله ﷺ ، فهيّئا لي زادا، ففعلتا، ثمّ قدّم ناضحه فارتحله، ثمّ خرج في طلب رسول الله ﷺ حتى أدركه حين نزل تبوك، وكان قد أدرك أبا خيثمة عمير بن وهب الجمحي في الطريق يطلب رسول الله ﷺ ، فترافقا، حتى إذا دنوا من تبوك.. قال أبو خيثمة لعمير بن وهب: إنّ لي ذنبا فلا عليك أن تخلّف عني حتى آتي رسول الله ﷺ ، ففعل، حتى إذا دنا من رسول الله ﷺ وهو نازل بتبوك.. قال الناس: هذا راكب على الطريق مقبل، فقال رسول الله ﷺ : كن أبا خيثمة «١» فقالوا: يا رسول الله؛
стр. 726
هو والله أبو خيثمة، فلمّا أناخ.. أقبل فسلّم على رسول الله ﷺ ، فقال له رسول الله ﷺ : أولى لك يا أبا خيثمة، ثمّ أخبر رسول الله ﷺ الخبر، فقال رسول الله ﷺ خيرا، ودعا له بخير) .
قال ابن هشام: وقال أبو خيثمة في ذلك شعرا:
ولمّا رأيت الناس في الدين نافقوا ... أتيت التي كانت أعفّ وأكرما
وبايعت باليمنى يدي لمحمّد ... فلم أكتسب إثما ولم أغش محرما
تركت خصيبا في العريش وصرمة ... صفايا كراما بسرها قد تحمّما
وكنت إذا شكّ المنافق أسمحت ... إلى الدّين نفسي شطره حيث يمّما
وأمّا أبو ذرّ- واسمه جندب بن جنادة على ما صححه السهيلي-: فسبب إبطائه أنّ بعيره كان أعجف فقال: أعلفه أياما، ثمّ ألحقه ﵊، فعلفه أياما، ثمّ خرج فلم ير به حركة، فحمل متاعه على ظهره وسار، وبينما يمشي أبو ذرّ.. إذ نظر ناظر من المسلمين فقال: يا رسول الله؛ إنّ هذا الرجل يمشي على الطريق وحده، فقال ﷺ : «كن أبا ذر» فلمّا تأمّله القوم.. قالوا:
стр. 727
يا رسول الله، هو والله أبو ذرّ، فقال: «رحم الله أبا ذر؛ يمشي وحده، ويموت وحده، ويبعث وحده» .
تنبيه:
قال في «شرح المواهب» : (هكذا الرواية عن ابن مسعود، عند ابن إسحاق وأتباعه، فما يقع في نسخ «يعيش» بدل «يبعث» تحريف من النساخ) .
فلمّا قدم على رسول الله ﷺ ، وأخبره خبره، قال: «لقد غفر الله لك يا أبا ذرّ بكل خطوة ذنبا إلى أن لقيتني» ووضع متاعه عن ظهره، ثمّ استسقى، فأتي بإناء من ماء فشربه.
وفي قوله ﷺ : «رحم الله أبا ذرّ ... »
إلخ: معجزة إثر معجزة؛ فقد وقع ما أخبر به ﵊، وذلك أنّ أبا ذرّ أشار له الخليفة الثّالث سيدنا عثمان ﵁: أن لو اعتزلت الناس «١» ؛ لأنّه كان يريد أن
стр. 728
يحمّلهم ما لا يستطيع حمله عموم الناس، فخرج إلى الربذة، ولم يكن معه إلّا امرأته وغلامه، فأوصاهما إذا هو مات: أن غسّلاني وكفّناني، ثمّ ضعاني على قارعة الطريق، فأوّل ركب يمر بكم فقولوا: هذا أبو ذرّ صاحب رسول الله ﷺ ، فأعينونا على دفنه، فلمّا مات.. فعلا ذلك به.
وأقبل ابن مسعود في رهط من أهل العراق عمّارا، فلم يرعهم إلّا والجنازة على ظهر الطريق، قد كادت الإبل تطؤها، وقام إليهم الغلام، فقال: هذا أبو ذرّ صاحب رسول الله ﷺ ، فأعينونا على دفنه، فاستهلّ عبد الله بن مسعود يبكي ويقول: صدق رسول الله ﷺ :
«تمشي وحدك، وتموت وحدك، وتبعث وحدك» ثمّ نزل هو وأصحابه فدفنوه، ثمّ حدثهم ابن مسعود بالحديث.
توفي [أبو ذر] سنة (٣٢) على ما قاله ابن إسحاق.
مرور الرسول ﷺ بديار ثمود ونهيه عن شرب مائها:
ولمّا جاء رسول الله ﷺ في مسيره إلى تبوك ديار ثمود.. نزل بها، وقال: «لا تشربوا من مائها شيئا، ولا يخرجنّ أحد منكم الليلة إلّا ومعه صاحب له، ففعل الناس إلّا رجلين من بني ساعدة، خرج أحدهما
стр. 729
فذبّ عن مياهه وأمرا ... أن لا يمرّ أحد كما يرى
لحاجته، والآخر في طلب بعيره، فصرع الأوّل، واحتملت الريح الثّاني، فطرحته بجبلي طيئ، فقال رسول الله ﷺ لمّا أخبر بذلك: «ألم أنهكم؟» ودعا للّذي صرع فشفي، وأهدت طيئ الآخر لرسول الله ﷺ حين قدم المدينة، وإلى هذا أشار الناظم بقوله:
(وجاء) رسول الله ﷺ ، ونزل (أرض الحجر) بكسر الحاء وسكون الجيم، وهي منازل ثمود قوم سيدنا صالح عليه وعلى نبينا الصّلاة والسّلام.
(فذبّ) بالذال المعجمة- أي: دفع- ومنع الأصحاب (عن) شرب (مياهه) فقال: «لا تشربوا من مائها شيئا» لئلّا يورثهم شربه قسوة في قلوبهم، أو ضررا في أبدانهم، قال القسطلانيّ في «شرح البخاري» : (زاد ابن إسحاق:
«ولا تتوضّؤوا منه للصّلاة، وما كان من عجين عجنتموه..
فاعلفوه الإبل، ولا تأكلوا منه شيئا» ) .
نهى الرسول أصحابه عن الانفراد في السير بأرض ثمود، (وأمر) ﵊ (أن لا يمر أحد) من الأصحاب (كما يرى) وحده، بل إن أراد.. فمع صاحب له، قال في «شرح المواهب» : (لحكمة علمها ﷺ ، لعلّها أنّ الجن لا تقدم على اثنين وقد روى الإمام مالك في «الموطأ» مرفوعا: «إنّ الشيطان يهم بالواحد» قال الباجي:
يحتمل أن يريد أنّه يهم باغتياله والتسلط عليه، وأنّه يهم بغيه، وصرفه عن الحق، وإغرائه بالباطل) اهـ
стр. 730
فعقّه المخنوق فوق مذهبه ... ومن وفود طيّىء أتته به
وأخرج أصحاب السنن بإسناد حسن- وصححه ابن خزيمة والحاكم- مرفوعا: «الراكب شيطان، والراكبان شيطانان، والثلاثة ركب» .
قصة الرجلين اللذين خالفا النهي:
(ف) فعل الناس ما أمر به رسول الله ﷺ بكل إذعان وامتثال، غير باحثين عن حكمة ذلك، وإن كانت أقواله ﷺ وأفعاله كلها عن أسرار وحكم، و (عقّه) هو ضد بره؛ أي: خالفه (المخنوق) أي:
المصروع (فوق) أي: على (مذهبه) بفتح الميم والهاء، وهو الموضع الذي يتغوّط فيه، وقد شفاه الله تعالى ببركة دعاء الرسول ﷺ ، فذهب عنه الصّرع (و) عقه (من) أي: الرجل الذي (وفود طيّئ) لما وفدوا على النّبيّ ﷺ بالمدينة (أتته به) أي: بالرجل الذي خرج في طلب بعيره، فطرحته الريح بجبلي طيئ.
قال الحلبي في «إنسان العيون» : (لمّا ارتحل ﵊ إلى تبوك.. لا زال سائرا حتى نزل على البئر التي كانت تشرب منها الناقة، وأخبرهم ﷺ أنّها تهب عليهم الليلة ريح شديدة؛ أي: وقال: «من كان له بعير.. فليشدّ عقاله» ) ونهى الناس في تلك الليلة عن أن يخرج واحد منهم وحده، فخرج شخص وحده لحاجته فخنق، وخرج آخر وحده في طلب بعير له، فاحتملته الريح،
стр. 731
حتى ألقته بجبلي طيئ، فأخبر بذلك رسول الله ﷺ ، فقال: «ألم أنهكم أن يخرج أحد منكم إلّا ومعه صاحبه» ثمّ دعا للّذي خنق فشفي، وأمّا الذي ألقته الريح بجبلي طيّئ فأرسلته طيئ له ﷺ حين قدم المدينة.
تنبيهان
الأوّل:
علم من التقرير أنّه ﷺ نزل ديار ثمود، وعليه ترجم الإمام البخاريّ في «جامعه» فقال:
(نزول النّبيّ ﷺ الحجر) وأخرج في أحاديث الأنبياء حديث ابن عمر: (أنّ رسول الله ﷺ لمّا نزل الحجر في غزوة تبوك.. أمرهم ألّا يشربوا من بئرها، ولا يستقوا منها ... ) الحديث.
وأخرج الشيخان عن ابن عمر: (أنّ الناس نزلوا معه ﷺ أرض ثمود الحجر، فاستقوا من بئرها ... ) الحديث.
قلت: فهذا تصريح من ابن عمر بالنزول، ولذلك حملت كلام الناظم عليه، وأمّا ما رواه البخاري عقب الترجمة عن ابن عمر: (لمّا مر ﷺ بالحجر.. قال:
«لا تدخلوا مساكن الذين ظلموا أنفسهم؛ أن يصيبكم مثل ما أصابهم، إلّا أن تكونوا باكين» ثمّ قنّع رأسه، وأسرع السير حتى جاوز الوادي) .. فليس فيه التصريح بعدم النزول فيه،
стр. 732
فأصبح النّاس ولا ماء لهم ... فأرسل الله سحابة تؤم
فليحمل المرور على كونه بعد النزول، وقوله ذلك لهم.
الثّاني:
ما ذكره الناظم من حديث الرجلين، وأنّ ذلك كان بالحجر هو ما رواه ابن إسحاق عن عبد الله بن أبي بكر بن حزم، وهو لا ينافي حديث أبي حميد في «الصحيحين» :
(انطلقنا حتى قدمنا تبوك، فقال رسول الله ﷺ : «ستهب عليكم الليلة ريح شديدة، فلا يقم أحد منكم، فمن كان له بعير فليشدّ عقاله» فهبّت ريح شديدة، فقام رجل، فحملته الريح حتّى ألقته بجبلي طيئ) لأنّه يحتمل أنّهما قصتان: إحداهما بالحجر، وهي التي ذكرها اليعمريّ تبعا لابن إسحاق، والثانية بتبوك، وهي التي في «الصحيحين» .
ويؤيّد التعدد أنّ في الأولى رجلين، وفي الثانية رجلا، وتحتمل الاتحاد، وأنّ قصة الذي خرج لحاجته كانت بالحجر، والذي ألقته الريح كانت بتبوك، فجمع بينهما في الذكر في مرسل ابن إسحاق، والله أعلم بحقيقة الحال.
آية وقعت بالحجر استجابة لدعاء الرسول ﷺ :
ثمّ أشار الناظم إلى آية وقعت وهم في الحجر أحوج ما يكونون إليها، ازداد بها المؤمنون إيمانا إلى إيمانهم، وزاد بها المنافقون نفاقا فقال:
(ف) بينما القوم بالحجر إذ (أصبح الناس و) الحال أنّه (لا ماء لهم) ، فشكوا حالهم تلك للنّبيّ صلى الله عليه
стр. 733
وسلم، فدعا (فأرسل الله) بفضله (سحابة) غزيرة بالماء (تؤم) أي: تقصدهم، حتى شربوا وحملوا ما أرادوا.
قال ابن إسحاق مفرّعا على مرورهم بالحجر: (فلمّا أصبح الناس ولا ماء معهم.. شكوا ذلك له ﷺ ، فدعا، فأرسل الله سحابة، فأمطرت حتى ارتوى الناس، وحملوا حاجتهم من الماء) .
وقال أيضا: حدّثني عاصم بن عمر عن محمود بن لبيد، عن رجال من بني عبد الأشهل قال: (كان رجل معروف نفاقه يسير مع رسول الله ﷺ حيثما سار، فلمّا كان من أمر الحجر ما كان، ودعا ﷺ فأرسل الله السحابة، فأمطرت حتى ارتوى الناس.. أقبلنا عليه نقول:
ويحك! هل بعد هذا شيء؟ قال: سحابة مارة) اهـ
وقال في «شرح المواهب» : (روى الإمام أحمد، وابنا خزيمة وحبّان، والحاكم، عن عمر قال: خرجنا إلى تبوك في يوم قيظ شديد، فنزلنا منزلا، وأصابنا فيه عطش، حتى ظننا أنّ رقابنا ستنقطع، حتى إن كان الرجل ليذهب يلتمس الرجل، فلا يرجع حتى يظن أنّ رقبته ستنقطع، حتى إن كان الرجل لينحر بعيره، فيعصر فرثه، فيشربه، ويجعل ما بقي على كبده، فقال أبو بكر: يا رسول الله؛ إنّ الله قد عودك في الدعاء خيرا، فادع الله لنا، قال: «أتحب ذلك؟» قال:
نعم، فرفع يديه نحو السماء، فلم يرجعهما حتى قالت السماء
стр. 734
فأظلت، ثم سكبت، فملؤوا ما معهم، ثمّ ذهبنا ننظر فلم نجدها جاوزت العسكر) .
قال العبد الضعيف: فهذا يؤيد ظاهر النظم، أنّ هذه الآية كانت بالحجر، وأمّا ما رواه ابن أبي حاتم. عن أبي حرزة قال: (نزلت هذه الآية في غزوة تبوك، ونزلوا الحجر، فأمرهم ﷺ أن لا يحملوا من مائها شيئا، ثمّ ارتحل ونزل منزلا آخر وليس معهم ماء، فشكوا إليه ﷺ ، فقام فصلّى ركعتين، ثمّ دعا، فأرسل الله سحابة فأمطرت عليهم حتى استقوا منها، فقال أنصاريّ لآخر من قومه يتّهم بالنفاق: ويحك! قد ترى ما دعا ﷺ حتى أمطر الله علينا السماء، فقال: إنّما مطرنا بنوء كذا وكذا؛ فأنزل الله تعالى وَتَجْعَلُونَ رِزْقَكُمْ أَنَّكُمْ تُكَذِّبُونَ) .. فيمكن الجمع بأن قول الناظم: (فأصبح الناس) أي: بعد أن ساروا ونزلوا منزلا بعد الحجر، وكذا قول ابن إسحاق يحمل عليه، وأنّه لمّا طلب منه أبو بكر الدعاء.. صلّى ثمّ مدّ يديه ودعا، والله أعلم.
هذا وقد ورد من الأحاديث والأخبار الثابتة في استسقاء النّبيّ ﷺ ربّه لأمته، ومسارعته تعالى له في استجابة ما طلب لمّا دهمتهم الخطوب والنوائب، ونزل بهم ما لا يطيقون من الفزع والشكوى الشيء الكثير، فمن ذلك ما رواه الإمام البيهقي في «دلائل النبوة» عن أنس ﵁: أنّ أعرابيا جاء إلى النّبيّ ﷺ فقال:
стр. 735
يا رسول الله؛ أتيناك وما لنا بعير يئط، ولا صبي يغط، ثمّ أنشد:
أتيناك والعذراء يدمي لبانها ... وقد شغلت أم الصبي عن الطفل
وألقى بكفّيه الفتيّ استكانة ... من الجوع ضعفا ما يمر ولا يحلي
ولا شيء ممّا يأكل الناس عندنا ... سوى الحنظل العامي والعلهز الفسل
وليس لنا إلّا إليك فرارنا ... وأين فرار الناس إلّا إلى الرسل
فقام يجر رداءه حتى صعد المنبر فرفع يديه فقال:
«اللهمّ؛ اسقنا غيثا مغيثا، مريعا، غدقا، طبقا، نافعا، غير ضار، عاجلا غير رائث، تملأ به الضرع، وتنبت به الزرع، وتحيي به الأرض بعد موتها» قال: فما ردّ النّبيّ ﷺ يديه حتى ألقت السماء بأرواقها، وجاء الناس يضجون: الغرق الغرق، فقال ﷺ :
«حوالينا ولا علينا» فانجاب السحاب عن المدينة، وضحك النّبيّ ﷺ حتى بدت نواجذه، ثمّ قال: ( «لله در أبي طالب، لو كان حيا.. لقرّت عيناه، من ينشدنا قوله؟» ) فقال علي ﵁: كأنّك تريد قوله:
وأبيض يستسقى الغمام بوجهه ... ثمال اليتامى عصمة للأرامل
стр. 736
على تخلّف بطيبة علي ... خصّ بسهمين بسهمه العلي
يطوف به الهلاك من آل هاشم ... فهم عنده في نعمة وفواضل
قال ﵊: «أجل» .
استخلاف علي على المدينة:
واعلم: أنّه ﵊ استخلف علي بن أبي طالب على المدينة وعلى أهله، فكان كمن حضرها؛ فلذلك ضرب له النّبيّ ﷺ بسهم، وأعطى جبريل سهمه له، وإلى هذا يشير الناظم بقوله:
(على تخلّف بطيبة علي) على الناس وعلى عياله، كما رجّحه الزرقاني في «شرح المواهب» ونقل ذلك عن الحافظ العراقي، وقال: رواه عبد الرزاق في «مصنفه» بسند صحيح عن سعد بن أبي وقاص: (أنّ رسول الله ﷺ لمّا خرج إلى تبوك.. استخلف على المدينة علي بن أبي طالب) .
وروى الحاكم في «الإكليل» من مرسل عطاء أنّه قال:
«يا علي؛ اخلفني في أهلي، واضرب، وخذ، وعظ» ثمّ دعا نساءه فقال: «اسمعن لعلي وأطعن» .
وأخرج ابن إسحاق عن سعد بن أبي وقاص قال:
(خلف ﷺ عليا على أهله، وأمره بالإقامة فيهم، فأرجف به المنافقون، وقالوا: ما خلفه إلّا استثقالا
стр. 737
له، وتخفّفا منه، فأخذ عليّ سلاحه، ثمّ أتى رسول الله ﷺ وهو نازل بالجرف فقال: يا نبيّ الله؛ زعم المنافقون أنّك إنّما خلفتني؛ لأنّك استثقلتني وتخففت مني، فقال: «كذبوا، ولكن خلفتك لما تركت ورائي، فارجع في أهلي وأهلك، أفلا ترضى يا عليّ أن تكون مني بمنزلة هارون من موسى؟ إلّا أنّه لا نبيّ بعدي» فرجع إلى المدينة، ومضى ﷺ على سفره) .
وفي «الصحيحين» من حديث سعد بن أبي وقّاص ﵁: (أنّ رسول الله ﷺ خرج إلى تبوك، واستخلف عليا فقال: أتخلفني في الصبيان والنساء؟
قال: «ألا ترضى أن تكون مني بمنزلة هارون من موسى؟ إلّا أنّه لا نبيّ بعدي» ) قال في «شرح المواهب» : (زاد أحمد:
فقال عليّ: رضيت ثمّ رضيت ثمّ رضيت) فقوله: (استخلف عليا) ظاهر في أنّه على المدينة، وتأيّد هذا الظاهر بورود هذه اللفظة في نفس حديث سعد في «مصنّف عبد الرزاق» والروايات يفسّر بعضها بعضا، لا سيّما والمخرج متحد، ومن ثمّ جزم الحافظ العراقي بعزوه لهما استخلافه على المدينة، ورجّحه الحافظ ابن عبد البر، وتبعه الحافظ ابن دحية، وقطع به القسطلانيّ في «شرح البخاري» لأنّ ما في أرفع الصحيح لا معدل عنه.
وقول الناظم: (على تخلف) يتعلق بقوله: (خصّ) مبنيا للمفعول؛ أي: خصه النّبيّ ﷺ على
стр. 738
وسهم جبريل وكان حضرا ... وبذله به النّبيّ أمرا
تخلفه، دون غيره ممّن تخلف (بسهمين بسهمه العلي) لأنّه تخلف بأمره ﷺ على المدينة.
(وسهم جبريل) ﵇ (وكان) جبريل (حضرا) غزوة تبوك (وبذله) بالرفع على أنّه مبتدأ، وقوله: (به النّبي) بالنصب مفعول ل (أمر) مقدم عليه؛ أي: إعطاء السهم؛ أي: سهم جبريل (أمر) جبريل النّبيّ به لعليّ، فحاز عليّ ﵁ السهمين: سهم على تخلفه وقيامه عنه بالمدينة على من بقي- رضي الله تعالى عنه- وسهم من جبريل.
وظهر بهذا أنّ الأجر على قدر الاتباع وامتثال- الأمر، كما نصّ عليه العلّامة الشيخ أحمد زروق في «قواعده» فقال:
(الأجر على قدر الاتباع، لا على قدر المشقة؛ لفضل الإيمان، والمعرفة والذكر والتلاوة، على ما هو أشد منها بكثير من الحركات الجسمانية) .
قلت: وهذا يدل على أنّه حصل من المسلمين قتال مع الكفار، حتى غنموهم وقسمت السهام، وهو مناف لما سيأتي، فترقّب.
جهالة الشيعة وافتراؤهم:
تنبيه:
لا دلالة للشيعة في التمسك بذلك الخبر، على أنّ علي بن
стр. 739
أبي طالب أحقّ بالخلافة من غيره من الصحابة؛ لأنّه ﵊ بيّن وجه الاتصال بينه وبين عليّ في قوله:
«أنت مني بمنزلة هارون من موسى» بقوله ﵊: «إلّا أنّه لا نبيّ بعدي» أي: فالاتصال من ناحية الخلافة، لا من ناحية النبوّة.
ونحن معشر أهل السنة والجماعة نقول: إنّ هذه الخلافة خاصة في حياته ﵊، كما يستفاد من هذا الحديث؛ فإنّ هارون المشبّه به، إنّما كان خليفة في حياة موسى، ويزيد هذا تأييدا: أنّ هارون المشبّه به توفي «قبل موسى ﵊، قيل: بأربعين سنة، كما حكاه في «شرح المواهب» عن المصنف، أو بسنة كما هو أحد قولي البيضاويّ.
وليعلم: أنّ مذهب الشيعة مبني على أوهام وعقائد لا تتفق مع العقائد السليمة الصحيحة، شأن كل بدعيّ، وأنشد بعض الشيعة بما يدل على خبث بواطنهم في الصحابة الكرام المعدلين من قبل الحق تعالى قبل بروزهم إلى عالم الوجود وحقّ لهم ذلك، فإنّ الوجود لم يشاهد مثلهم في جماعات الكمالات والخير، حتى قال بعضهم: لو لم يكن لهذا النّبيّ الكريم من الآيات على صدقه إلّا أصحابه.. لكفى، ﵃، وجمعنا بهم في دار كرامته ومستقر رحمته آمين- فقال:
стр. 740
وقال إذ أضلّ راحلته ... مجرمهم ما قال فابتهته
نحن أناس قد غدا شأننا ... حبّ عليّ بن أبي طالب
يلومنا الجاهل في حبه ... فلعنة الله على الكاذب
وكشف عن ذلك بعض «١» أهل السنّة، ورد عليه بقوله:
ما عيبكم هذا ولكنه ... بغض الذي لقّب بالصاحب
وقولكم فيه وفي بنته ... فلعنة الله على الكاذب
مقالة المنافق زيد بن اللّصيت:
(و) لمّا سار رسول الله ﷺ من الحجر، فكان ببعض الطريق (قال إذ أضلّ) فقد (راحلته) وهي القصواء، كما قاله الواقديّ، وهو بالنصب مفعول (أضل) ، وفاعل (قال) قوله: (مجرمهم) أي: مجرم المجتمعين أو المسلمين، وهو زيد بن اللّصيت- مصغرا- كما في «الإصابة» وكان من المنافقين، ويقال: ابن لصيب بالباء، كما قال ابن هشام (ما) أي: القول الشنيع الذي (قال) وهو: أليس يزعم محمّد أنّه نبي، ويخبركم عن خبر السماء