والشاهد لعلي سبقه القديم وفضله المبين، وأنصار الدين الذين ذكروا في القرآن، فهم حوله عصائب، وبجنيبتيه كتائب يرجون الفضل في اتبّاعه ويخافون الشقاء في خلافه، فكيف تعدل نفسك بعليّ وهو كان أول الناس لرسول الله ﷺ اتباعا، وآخرهم به عهدا، يشركه في أمره، ويطلعه على سرّه، وأنت عدوه وابن عدوه، فتمتع بباطلك وليمدد لك عمرو في غوايتك، فكأن قد أنقضى أجلك، ووهن كيدك فتستبين لمن تكون العاقبة.
واعلم أنك يا معاوية إنما تكايد ربك الذي قد أمنت كيده ومكره، ويئست من روحه، وهو لك بالمرصاد، وأنت منه في غرور، وبالله ورسوله وأهل بيته عنك الغنى، والسّلام على من تاب وأناب».
فأجابه معاوية:
من معاوية بن أبي سفيان إلى محمد بن أبي بكر الزاري على أبيه.
سلام على من اتبع الهدى وتزود التقوى.
أما بعد فقد أتاني كتابك تذكر فيه ما الله أهله وما اصطفى له رسوله، مع كلام لفقته وصنعته لرايك فيه تضعيف ولك فيه تعنيف، ذكرت حق ابن أبي طالب وسوابقه وقرابته من رسول الله ونصرته إياه، واحتججت عليّ بفضل غيرك لا بفضلك، فاحمد إلها صرف عنك ذلك الفضل وجعله لغيرك، فقد كنا وأبوك معنا في حياة من نبينا نرى حق ابن أبي طالب لنا لازما وفضله علينا مبرزا، فلما اختار الله لنبيه ما عنده، وأتمّ له وعده وافلج حجته، وأظهر دعوته؛ قبضه الله إليه، فكان أبوك - وهو صديقه - وعمر - وهو فاروقه - أول من أنزله منزلته عندهما، فدعواه إلى أنفسهما فبايع لهما لا يشركانه في أمرهما ولا يطلعانه على سرّهما حتى مضيا وانقضى أمرهما، ثم قام عثمان ثالثا يسير
стр. 1052
بسيرتهما ويهتدي بهديهما، فعبته أنت وصاحبك حتى طمع فيه الأقاصي من أهل المعاصي وظهرتما له بالسوء وبطنتما حتى بلغتما فيه منا كما، فخذ - يا بن أبي بكر - حذرك وقس شبرك بفترك تقصر عن أن تسامي أو توازي من يزن الجبال حلمه، ويفصّل بين أهل الشك علمه، ولا تلين على قسر قناته. أبوك مهّد مهاده وثنى لملكه وساده فإن كان ما نحن فيه صوابا فأبوك أوله، وإن كان خطأ فأبوك أسّسه ونحن شركاؤه، برأيه اقتدينا وفعله احتذينا، ولولا ما سبقنا إليه أبوك وانه لم يره موضعا للأمر؛ ما خالفنا علي بن أبي طالب ولسلمنا إليه، ولكنا رأينا أباك فعل أمرا اتبعناه واقتفونا أثره، فعب أباك ما بدا لك أو دع، والسّلام على من أجاب، وردّ غوايته وأناب».
قالوا: ولم يمكث محمد بن أبي بكر إلا يسيرا حتى بعث إلى أولئك القوم المعتزلين الذين كان قيس وادعهم فقال لهم: إما أن تبايعوا وتدخلوا في طاعتنا، وإما أن ترحلوا عنّا. فامتنعوا وأخذوا حذرهم وكانوا له هائبين؛ حتى أتى خبر الحكمين فاجترأوا عليه ونابذوه، فبعث ابن جميهان البلوي إلى يزيد بن الحارث الكناني ومن قبله من أهل القرية التي كان بها، فقاتلوه فقتلوه، فبعث إليهم ابن أبي بكر رجلا من كلب فقتلوه أيضا.
وخرج معاوية بن حديج الكندي ثم السكوني، فدعا إلى الطلب بدم عثمان، وذلك أن معاوية دس إليه في ذلك وكاتبه فيما يقال وأرغبه، فأجاب ابن حديج بشر كثير، وفسدت مصر على محمد بن أبي بكر، وبلغ عليا فساد أمره وانتشاره.
وكان علي قد ولىّ قيس بن سعد - بعد أمر النهروان - أذربيجان وولّى الأشتر الجزيرة، فكان مقامه بنصيبين، فقال: ما لمصر إلا أحد هذين
стр. 1053
الرجلين، فكتب إلى مالك الأشتر: «إنك ممن أستظهر به على إقامة الدين، وأقمع ببأسه ونجدته نخوة الأثيم، وأسدّ به وبحزم رأيه الثغر المخوف».
وأخبره بأمر ابن أبي بكر، وشرحه له، وأمره أن يستخلف على عمله بعض ثقاته ويقدم عليه، ففعل فولاه مصر.
وأتت معاوية عيونه بشخوص الأشتر واليا على مصر، فبعث إلى رأس أهل الخراج بالقلزم فقال له: إن الأشتر قادم عليك؛ فإن أنت لطفت لكفايتي إياه لم آخذ منك خراجا ما بقيت، فاحتل له بما قدرت عليه.
فخرج الأشتر حتى إذا أتى القلزم - وكان شخوصه من العراق في البحر - استقبله الرجل فأنزله وأكرمه وأتاه بطعام، فلما أكل قال له: أي الشراب أحب إليك أيّها الأمير؟ قال: العسل. فأتاه بشربة منه قد جعل فيها سمّا، فلما شربها قتلته من يومه أو من غده.
وبلغت معاوية وفاته فقال: كانت لعلي يدان - يعني قيس بن سعد والأشتر - فقد قطعنا إحداهما، وجعل يقول: إن لله لجندا من عسل.
وحدثنا أحمد بن إبراهيم الدورقي، حدثنا وهب بن جرير، عن ابن جعدبة، عن صالح بن كيسان قال: وجّه عليّ الأشتر إلى مصر واليا عليها حين وهن أمر ابن أبي بكر، فلما صار بعين شمس شرب شربة من عسل - يقال:
انه سمّ فيها-؛ فمات، فكان عمرو بن العاص يقول: إن لله لجندا من عسل.
قالوا: ولما ورد على عليّ خبر الأشتر، كتب إلى محمد بن أبي بكر وقد كان وجد من تولية الأشتر مكانه:
«أما بعد فإني لم أولّ الأشتر عملك استبطاء لك في الجهد، ولا استقصارا لأمرك في الجدّ، ولو نزعت ما تحت يدك من سلطانك لوليّتك
стр. 1054
ما هو أيسر عليك مؤونة، وأحبّ إليك ولاية منه، وإن الرجل الذي وليته أمر مصر؛ كان لنا نصيحا، وعلى عدوك وعدونا شديدا، فقد استكمل أيامه ولاقى حمامه ونحن راضون عنه، فأصحر للعدو، وشمر للحرب و ﴿اُدْعُ إِلى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ﴾ (١) واستعن بالله واستكفه يعنك ويكفك إن شاء الله.
قالوا: ولما انصرف الحكمان وتفرقا وبويع معاوية بالخلافة، قوي أمره واستعلى شأنه، واختلف أهل العراق على علي؛ فلم يكن لمعاوية همة إلا مصر، وقد كان لأهلها هائبا، لقربهم منه وشدتهم على من كان يرى رأيه، فدعا عمرو بن العاص فولاه إياها على ما كان افترقا عليه ويقال: إنه دعا: عمرو بن العاص، وحبيب بن مسلمة، والضحاك بن قيس الفهري، وبسر بن أبي أرطاة، وعبد الرحمن بن خالد بن الوليد، وأبا الأعور السلمي، ومرّة بن مالك الهمداني وشرحبيل بن السمط الكندي، فعرض ولايتها وحرب ابن أبي بكر عليهم فكرهوا ذلك إلا عمرو بن العاص، ويقال: إن عمرا استبطأ معاوية في أمر مصر؛ وما كان وعده من توليته إياها فدسّ إليه من أنشده هذين البيتين:
يا لك الخير انتهزها فرصة … واشبب النار لمقرود يكزّ
أعطه مصر وزده مثلها … انما مصر لمن عزّ فبزّ
فلما أراد الشخوص إلى مصر تقدم إليه معاوية في محاربة محمد بن أبي بكر وكتب ابن أبي بكر إلى علي؛ يعلمه ولاية عمرو بن العاص مصر، من قبل معاوية ويقول له: إنه توجه في جيش لجب، وبمن قبلي من الفشل
стр. 1055
والوهن ما لا انتفاع بهم معه، فإن كانت لك بمصر حاجة فأمدّني بالأموال والرجال.
فكتب إليه يأمره بالتحرز والاحتراس، وإذكاء العيون وجمع شيعته إليه، وأن يندب كنانة بن بشر بن عتاب بن عوف السكوني - وهو الذي ضرب عثمان بن عفان بعمود على رأسه - إلى عدوه، ويعلمه انه باعث إليه بالرجال على كل صعب وذلول، فإن الله قد يعزّ أقل الفئتين بالحق، ويذل أكثرهما بالباطل.
وخطب عليّ أهل الكوفة ودعاهم إلى إغاثة محمد بن أبي بكر ومن معه من أهل مصر، فتقاعدوا ثم انتدب منهم جنيد أنفذهم إلى مصر؛ مع كعب بن مالك الهمداني، فلم يبلغوا حتى أتى عليا مقتل محمد بن أبي بكر، فردهم من بعض الطريق وخطب فقال:
«الحمد لله الذي ابتلاني بمن لا يطيعني إذا أمرت، ولا يجيبني إذا دعوت». في كلام له.
وكتب معاوية إلى محمد ابن أبي بكر كتابا يأمره فيه بالتنّحي والاعتزال. وشخص عمرو بن العاص من قبل معاوية في ستة آلاف ضمهم إليه، فلما دنا من مصر؛ كتب إلى ابن أبي بكر: «ان تنح عني بدمك فإني أكره أن يصيبك مني ظفر، وقد صحّ عندي ووضح لي أن أهل البلد قد شنأوك ورفضوا رأيك وندموا على اتباعك». فكتب محمد بن أبي بكر إلى معاوية وعمرو جواب كتابيهما بالتكذيب لهما فيما ادعيا لو ترك إجابتهما إلى ما أرادا، وعزم على لقاء عمرو، فقدم كنانة بن بشر - وهو التجيبي نسب إلى تجيب بنت ثوبان بن سليم من مذحج وهي أم ولد أشرس بن شبيب بن
стр. 1056
السكون - وضمّ إليه زهاء ألفي رجل، وأتبعه في مثل أولئك، وورد عمرو فسرح الكتائب إليه كتيبة بعد كتيبة، وجعل كنانة يستقدم فلا يلقى كتيبة إلا صبر على قتالها فيمن معه، حتى جاء معاوية بن حديج بن جفنة بن قتير السكوني في الدهم فأحيط بكنانة ومن معه من خلفهم وأمامهم، فأصيبوا ونزل كنانة فجالد بسيفه حتى قتل، وأقبل الجيش نحو محمد بن أبي بكر فتفرق عنه أصحابه حتى بقي وما معه أحد، فلما رأى ذلك خرج متعجلا فمضى على الطريق حتى انتهى إلى خربة فآوى إليها، وجاء عمرو فدخل القصر، وخرج ابن حديج في طلب ابن أبي بكر، فانتهى إلى أعلاج من القبط على قارعة الطريق فسألهم هل مرّ بهم أحد ينكرونه ويستريبون به؟ فقال أحدهم: لا والله ولكني دخلت تلك الخربة فوجدت فيها رجلا جالسا فقال ابن حديج: هو هو ورب الكعبة، فانطلقوا يركضون دوابهم حتى دخلوا عليه فاستخرجوه وقد كاد يموت عطشا، فأقبلوا به نحو الفسطاط، ووثب أخوه عبد الرحمن بن أبي بكر إلى عمرو وكان معه فقال: أيقتل أخي صبرا؟ ابعث إلى ابن حديج فانهه عن قتله. فبعث إليه عمرو أن يأتيه بمحمد بن أبي بكر، فقال: قتلتم كنانة بن بشر وهو ابن عمي وأخليّ عن محمد، هيهات هيهات.
واستسقي محمد ماء فقال له ابن حديج: منعتم عثمان أن يشرب حتى قتلتموه صائما فتلقاه الله بالرحيق المختوم، والله لأقتلنك ظمآن حتى يلقاك الله بالحميم والغساق. فقال له: ليس هذا إليك لا أم لك، أما والله لو أن سيفي في يدي ما بلغتم بي هذا - وكان ألقى سيفه ليختلط بالناس فلا يعرف - فقال معاوية بن حديج: إني قاتلك بعثمان الخليفة المظلوم،
стр. 1057
فقال محمد: إن عثمان عمل بالجور، وترك حكم الكتاب فنقمنا ذلك عليه، فقدمه فقتله وجعله في جوف حمار وحرقه بالنار.
فلما بلغ ذلك عائشة - رضي الله تعالى عنها - جزعت عليه، وقبضت عياله وولده إليها، ولم تأكل مذ ذاك شواءا حتى توفيت، ولم تعثر قط إلا قالت: تعس معاوية بن حديج.
وفي بعض رواية الواقدي: ان كنانة بن بشر قتل يوم الدار، وذلك باطل.
قالوا: وكتب عمرو بن العاص إلى معاوية بن أبي سفيان: «إنا لقينا محمد بن أبي بكر، وكنانة بن بشر وهما في جموع أهل مصر؛ فدعوناهم إلى الهدى والتنبه فغمطوا الحق، وتهوكوا في الضلال فجاهدناهم واستنصرنا الله عليهم، فضرب الله وجوههم وأدبارهم ومنحنا أكتافهم فقتل الله محمد بن أبي بكر؛ وكنانة بن بشر، وأماثل من كان معهما، والحمد لله رب العالمين.
والسّلام».
وبلغ عليا مقتل ابن أبي بكر؛ فخطب الناس فقال: «ألا إن محمد ابن أبي بكر ﵀ قتل، وتغلب ابن النابغة - يعني عمرو بن العاص - على مصر، فعند الله نحتسب محمدا، فقد كان ممن ينتظر القضاء ويعمل للجزاء». فتكلم بكلام كثير وبخ فيه أصحابه واستبطأهم وقال لهم:
«دعوتكم إلى غياث أصحابكم بمصر مذ بضع وخمسون ليلة فجرجرتم جرجرة البعير الأسرّ، وتثاقلتم إلى الأرض تثاقل من ليست له نية في الجهاد ولا اكتساب الأجر في المعاد، ثم خرج إليه منكم جنيد ضعيف ﴿كَأَنَّما
стр. 1058
يُساقُونَ إِلَى الْمَوْتِ وَ هُمْ يَنْظُرُونَ﴾ (١).
وقيل لعلي: لشدّ ما جزعت على ابن أبي بكر؟! فقال: «رحم الله محمدا انه كان غلاما حدثا، ولقد أردت تولية مصر، هاشم بن عتبة ولو وليّته إياها ما خلا لهم العرصة، بلا ذمّ لمحمد، فقد كان لي ربيبا وكان لبني أخي جعفر أخا، وكنت أعده ولدا».
وكانت أم عبد الله بن جعفر أسماء بنت عميس فخلف عليها أبو بكر، ثم علي رضي الله تعالى عنهما، وكان محمد ربيب علي رضي الله تعالى عنهما.
وحدثني زهير بن حرب - أبو خيثمة - وأحمد بن إبراهيم الدورقي، قالا: حدثنا وهب بن جرير بن حازم عن أبيه جرير بن حازم قال سمعت محمد بن سيرين قال: بعث علي قيس بن سعد بن عبادة أميرا على مصر، فكتب إليه معاوية وعمرو بن العاص كتابا أغلظا فيه وشتماه فكتب إليهما بكتاب لطيف قاربهما فيه، فكتبا إليه يذكران شرفه وفضله، فكتب إليهما بمثل جوابه كتابهما الأول، فقالا: إنا لا نطيق مكر قيس بن سعد، ولكنا نمكر به عند عليّ، فبعثا بكتابه الأول إلى علي فلما قرأه قال أهل الكوفة:
غدر والله قيس فاعزله. فقال عليّ: ويحكم أنا أعلم بقيس إنه والله ما غدر ولكنها إحدى فعلاته. قالوا: فإنا لا نرضى حتى تعزله. فعزله وبعث مكانه محمد بن أبي بكر، فلما قدم عليه قال: إن معاوية وعمرو سيمكران بك، فإذا كتبا إليك بكذا فاكتب بكذا، فإذا فعلا كذا فافعل كذا ولا تخالف ما آمرك به فإن خالفته قتلت.
قالوا: وكتب علي إلى عبد الله بن عباس بمقتل محمد بن أبي بكر
стр. 1059
وعبد الله بالبصرة، قبل أن يكتب أبو الأسود الديلي إلى علي فيه، وقبل أن تقع بينهما المنافرة، وكان عبد الله قد نافر عليا بالنهروان ولحق بمكة.
وأما محمد بن أبي حذيفة:
فإن محمد بن أبي بكر خلّفه حين زحف إلى عمرو بن العاص على ما تحت يده، فلما قتل ابن أبي بكر؛ جمع من الناس مثل ما كان مع ابن أبي بكر وزحف نحو عمرو وأصحابه فآمنه عمرو؛ ثم غدر به وحمله إلى معاوية ومعاوية بفلسطين، فحبسه في سجن له، فمكث غير طويل ثم إنه هرب وكان معاوية يحبّ نجاته، فقال رجل من خثعم يقال له عبيد الله بن عمرو بن ظلام - وكان عثمانيا-: أنا أتبعه، فخرج في خيل فلحقه بحوران وقد دخل غارا فدلّ عليه فأخرجه وخاف أن يستبقيه معاوية - إن أتاه به - فضرب عنقه.
ويقال أيضا: إن ابن أبي حذيفة توارى، فطلبه عمرو بن العاص حتى قدر عليه وحمله إلى معاوية فحبسه، ثم هرب من حبسه فلحق فقتل.
وقوم يقولون: إن ابن أبي حذيفة حين أخذ لم يزل في حبس معاوية إلى بعد مقتل حجر بن عدي، ثم إنه هرب فطلبه مالك بن هبيرة بن خالد الكندي ثم السكوني، ووضع الأرصاد عليه، فلما ظفر به قتله غضبا لحجر، وقد كان مالك بن هبيرة هذا التمس خلاص حجر حين قدم به على معاوية، فألفاه قد قتل، فأمر له معاوية بمائة ألف درهم حتى رضي.
حدثني بكر بن الهيثم، حدثني عبد الله بن صالح؛ عن الليث بن سعد، قال: بلغنا أن محمد بن أبي حذيفة لما ولي قيس بن سعد شخص عن مصر يريد المدينة - أو يريد عليا - وبلغ معاوية خبر شخوصه فوضع عليه
стр. 1060
الأرصاد حتى أخذ، وحمل إليه فحبسه، فتخلص من الحبس واتبعه رجل من اليمانية فقتله.
وحدثني أحمد بن إبراهيم الدورقي، حدثنا وهب بن جرير بن حازم، عن ابن جعدبة؛ عن صالح بن كيسان قال: خرج ابن أبي حذيفة من مصر، يريد معاوية، فحبسه فأفلت ودخل مغارة بفلسطين، فأقبل رجل على دابة له وهو لا يشعر بمكانه، فدخلت نعرة في منخر دابته (١) فنفرت حتى دخلت المغارة، فأراد بعض من مع ابن أبي حذيفة قتله وقد عرفوه فنهاهم ابن أبي حذيفة عنه، فمضى حتى دلّ عليهم، فقتل ابن أبي حذيفة يومئذ.
وحدثني أبو خيثمة، وخلف بن سالم، قالا: حدثنا وهب بن جرير عن ابن جعدبة عن صالح بن كيسان قال: لما اجتمع أمر معاوية وعمرو بن العاص بعد الجمل وقبل صفين، سار عمرو في جيش إلى مصر، فلما قرب منها لقيه محمد بن أبي حذيفة في الناس، فلما رأى عمرو كثرة من معه أرسل إليه فالتقيا واجتمعا، فقال له عمرو: إنه قد كان ما ترى وقد بايعت هذا الرجل وتابعته، وما أنا راض بكثير من أمره ولكن له سنا، وإني لأعلم أن صاحبك عليا أفضل من معاوية نفسا وقدما، وأولى بهذا الأمر، ولكن واعدني موعدا التقي أنا وأنت فيه على مهل في غير جيش تأتي في مائة راكب ليس معهم إلا السيوف في القرب وآتي في مثلهم. فتعاقدا وتعاهدا على ذلك، واتعدا العريش لوقت جعلاه بينهما، ثم تفرقا، ورجع عمرو إلى معاوية؛ فأخبره الخبر، فلما حل الأجل، سار كل واحد منهما إلى صاحبه في
стр. 1061
مائة راكب، وجعل عمرو له جيشا خلفه، وكان ابن أبي حذيفة يتقدمه فينطوي خبره فلما التقيا بالعريش قدم جيش عمرو على إثره، فعلم محمد أنه قد غدر به، فانحاز إلى قصر بالعريش فتحّصن فيه، فرماه عمرو بالمنجنيق حتى أخذ أخذا فبعث به عمرو إلى معاوية فسجنه عنده، وكانت ابنة قرظة امرأة معاوية ابنة عمة محمد بن أبي حذيفة - أمها فاطمة بنت عتبة بن ربيعة - تصنع له طعاما وترسل به إليه وهو في السجن، فلما سار معاوية إلى صفين، أرسلت ابنة قرظة بشيء فيه مساحل من حديد إلى ابن أبي حذيفة؛ فقطع بها الحديد عنه، ثم جاء فاختبأ في مغارة بجبل الذيب بفلسطين فدل نبطي عليه رشدين مولى أبي حذيفة أبيه، وكان معاوية خلفّه على فلسطين فأخذه فقال له محمد: أنشدك الله لما خلّيت سبيلي فقال له: أخلي سبيلك فتذهب إلى ابن أبي طالب وتقاتل معه ابن عمتك وابن عمك معاوية، وقد كنت فيمن شايع عليا على قتل عثمان، فقدمه فضرب عنقه.
وقال المدائني: وقد قيل إن محمد بن أبي حذيفة كان في جيش ابن أبي بكر، فأخذ وبعث به إلى معاوية. والله أعلم.
стр. 1062
أمر الخرّيت بن راشد السامي في خلافة علي
﵇
قال أبو مخنف وغيره: كان الخرّيت بن راشد السامي - من ولد سامة بن لويّ - مع عليّ بن أبي طالب في ثلاثمائة من بني ناجية، فشهد معه الجمل بالبصرة، وشخص معه إلى صفين فشهد معه الحرب، فلما حكم الحكمان مثّل بين يدي عليّ بالكوفة فقال له: والله لا أطعت أمرك ولا صليت خلفك، فقال له عليّ ثكلتك أمك إذا تعصي ربّك وتنكث عهدك ولا تضر إلا نفسك؛ ولم تفعل ذلك؟ قال: لأنّك حكّمت في الكتاب، وضعفت عن الحق حين جدّ الجدّ، وركنت إلى القوم الذين ظلموا أنفسهم، فأنا عليك زار وعليهم ناقم، فدعاه عليّ إلى أن يناظره ويفاتحه فقال: أعود إليك غدا.
ثم أتى قومه فأعلمهم ما جرى بينه وبين عليّ، ولم يأت عليا وسار من تحت ليلته من الكوفة ومعه قومه؛ وتوجه نحو كسكر، فلقيه رجل من المسلمين في طريقه فسأله وأصحابه عن قوله في عليّ؟ فقال فيه خيرا، فوثبوا عليه بأسيافهم فقطعوه، فكتب قرظة بن كعب وكان على طساسيج السواد،
стр. 1063
إلى علي: أنّ يهوديا سقط إلينا فأخبرنا أن خيلا أقبلت من ناحية الكوفة، قأتت قرية يقال لها: «نفّر» (١) فلقيت بها رجلا من أهل تلك القرية يقال له:
زاذان فرّوخ فسألته عن دينه قال: أنا مسلم. ثم سألوه عن أمير المؤمنين.
فقال إمام هدى. فقطعوه بأسيافهم وانهم سألوا اليهودي عن دينه فقال: أنا يهودي. فخلوا سبيله فأتانا فأخبرنا بهذه القصة.
فكتب علي إلى أبي موسى الأشعري (٢): إني كنت أمرتك بالمقام في دير أبي موسى فيمن ضممت إليك إلى أن يتضح خبر القوم الظالمي أنفسهم الباغين على أهل دينهم، وقد بلغني أن جماعة مرّوا بقرية يقال لها: «نفر» فقتلوا رجلا من أهل السواد مصليا، فانهض إليهم على اسم الله، فإن لحقتهم فادعهم إلى الحق، فإن أبوه فناجزهم واستعن بالله عليهم. ففاتوه ولم يلقهم. وذلك قبل خروج أبي موسى للحكم.
ويقال: إن عليا لم يكتب إلى أبي موسى في هذا الشيء، وكان عليّ قد وجّه زياد بن خصفة وعبد الله بن وائل التيمي نحو البصرة في كثف، فلحقهم زياد بالمزار، وقد أقاموا هناك ليستريحوا ويرتحلوا، فكره زياد حربهم على تلك الحال - وكان رفيقا حازما مجرّبا - ثم دعا زياد الخريت إلى أن ينتبذا ناحية فيتناظرا، فتنحيا حجرة مع كل واحد منهما خمسة من أصحابه، فسأل زياد الخريت عن الذي أخرجه إلى ما فعل فقال: لم أرض صاحبكم ولا سيرته، فرأيت أن أعتزل وأكون مع من دعا إلى الشورى، فسأله أن
стр. 1064
يدفع إليه قتله الرّجل المصلي، فأبى ذلك وقال: ما إليه سبيل، فهلا أسلم صاحبك قتلة عثمان؟ فدعا كل واحد أصحابه فاقتتلوا أشدّ قتال حتى تقصفت الرماح وانثنت السيوف وعقرت عامة خيلهم وحال بينهم الليل فتحاجزوا.
ثم إنهم مضوا من ليلتهم إلى البصرة؛ واتبعهم زياد بن خصفة حين أصبح، فلما صار إلى البصرة بلغه مضيّهم إلى الأهواز، فلما صاروا إليها تلاحق بهم قوم كانوا بالكوفة من أصحابهم اتبعوهم بعد شخوصهم وانضم إليهم أعلاج وأكراد، فكتب زياد إلى عليّ بخبرهم، وبما كان بينه وبينهم بالمزار، فكتب إليه علي بالقدوم.
وقام معقل بن قيس الرياحي فقال: أصلح الله أمير المؤمنين إن لقاءنا هؤلاء بأعدادهم ابقاء عليهم، إن القوم عرب؛ والعدة تصبر للعدة فتنتصف منها، والرأي أن توجه إلى كل رجل عشرة من المسلمين ليجتاحوهم فأمره بالشخوص وندب معه أهل الكوفة ألفين فيهم يزيد بن المغفّل الأزدي، وكتب إلى ابن عباس أن يشخص جيشا إلى الأهواز ليوافوا معقلا بها وينضموا إليه. فوجه إليه خالد بن معدان الطائي في ألفي رجل من أهل البصرة فلحقوا به. فلما وافوا معقلا نهض لمناجزة الخريت وألفافه وقد بلغه انه يريد قلعة برامهرمز، فأجد السير نحوه حتى لحقه بقرب الجبل، فحاربه وعلى ميمنته يزيد بن المغفل، وعلى ميسرته منجاب بن راشد الضبي من أهل البصرة، فما لبث السامي وأصحابه إلا قليلا حتى قتل من بني ناجية سبعون رجلا، ومن اتباعه من العلوج والأكراد ثلاثمائة؛ وولوا منهزمين حتى لحقوا بأسياف البحر، وبها جماعة من قومهم من بني سامة بن لويّ، ومن عبد
стр. 1065
القيس؛ فأفسدهم الخريت على عليّ ودعاهم إلى خلافه، فصار معه بشر كثير منهم وممن والاهم من سائر العرب، وقال: إن حكم علي الذي رضي به قد خلعه، والأمر بين المسلمين شورى، وقال لمن يرى رأي عثمان: إنه قتل مظلوما وأنا أطلب بدمه.
وكتب عليّ إلى أهل الأسياف يدعوهم إلى الطاعة، وأمر معقل بن قيس أن ينصب لهم راية أمان؛ فنصبها فانفضّ عن الخريت عامة من اتبعه من الناس، وكان معه قوم من النصارى أسلموا فاغتنموا فتنته فارتدّوا وأقاموا معه، وارتدّ قوم ممن وراءهم.
وقال الخريت لقومه: امنعوا يا قوم حريمكم. فقال له رجل منهم:
هذا ما جنيته علينا. فقال: سبق السيف العذل وقد صابت بقر (١).
وكان الخريت يوهم للخوارج انه على رأيهم، ويوهم للعثمانية انه يطلب بدم عثمان.
ثم إن معقلا عبأ أصحابه وانشب الحرب بينه وبين الخريت ومن معه، فصبرا ساعة؛ وحمل النعمان بن صهبان على الخريت فطعنه طعنة فصرعه ونزل إليه فوجده قد استقل، فحمل الخريت عليه فاختلفا ضربتين فقتله النعمان بضربته، وقتل أكثر ذلك الجمع وهرب فلهّم يمينا وشمالا.
وبعث معقل الخيل في مظان بني ناجية فأتى منهم برجال ونساء وصبيان. فأما من كان منهم مسلما فإنه منّ عليه وخلّى سبيله، وأمّا من كان نصرانيا أو مرتدا فإنه عرض عليهم الإسلام فمن قبله تركه، ومن لم يقبله وكان نصرانيا سباه.
стр. 1066
وكتب معقل إلى عليّ: أما بعد فإني أخبر أمير المؤمنين أنا دفعنا إلى عدونا بالأسياف فوجدناهم قبائل ذات عدد وحدّ وجدّ، قد جمعوا لنا وتحازبوا علينا، فدعوناهم إلى الجماعة وبصّرناهم الرشد، ورفعنا لهم راية أمان ففاءت منهم إلينا طائفة، وبقيت طائفة أخرى منابذة فقاتلناهم، فضرب الله وجوههم ونصرنا عليهم، فأما من كان مسلما فمننا عليه وأخذنا بيعته وقبضنا صدقة ماله، وأما من ارتد فإنا عرضنا عليه الإسلام فأسلموا إلا رجلا واحدا فقتلناه، وأما النصارى فإنا سبيناهم وأقبلنا بهم ليكونوا نكالا لمن بعدهم من أهل الذمة؛ كيلا يمنعوا الجزية ويجترئوا على قتال أهل القبلة.
وكان مصقلة بن هبيرة الشيباني عاملا على أردشير خرّة من فارس، فمرّ بهم عليه وهم خمسمائة إنسان فصاحوا إليه يا أبا الفضل يا فكاك العناة وحمال الأثقال وغياث المعصبين امنن علينا وافتدنا فأعتقنا - وكانت كنية مصقلة أبو الفضيل ولكنهم كرهوا تصغيرها - فوجّه مصقلة إلى معقل بن قيس من يسأل بيعتهم منه، فسامه معقل بهم ألف ألف درهم، فلم يزل يراوضه ويستنقصه حتى سلمهم إليه بخمسمائة ألف درهم، ويقال بأربعمائة ألف درهم ودفعهم إليه، فلما صاروا إلى مصقلة قال له معقل: عليّ بالمال.
فقال: أنا باعث منه في وقتي هذا بصدر ثم متبعه صدرا حتى لا يبقى عليّ شيء منه.
وقدم معقل على عليّ فأخبره الخبر؛ فصوبّه فيما صنع، وامتنع مصقلة من البعثة بشيء من المال وكسره وخلى سبيل الأسرى فكتب عليّ في حمله وأنفذ الكتاب مع أبي حرة الحنفي وأمره بأخذه بحمل ذلك المال فإن لم يفعل
стр. 1067
أشخصه إلى ابن عباس ليأخذه به، لأنه كان عامله على البصرة والأهواز وفارس، والمتولّى لحمل ما في هذه النواحي من الأموال إليه، فلم يدفع إليه من المال شيئا، فأشخصه إلى البصرة، فلما وردها قيل له: إنك لو حملت هذا الشيء قومك لاحتملوه، فأبى أن يكلفهم إياه، ودافع ابن عباس به، وقال: أما والله لو أني سألت ابن عفان أكثر منه لوهب لي، وقد كان أطعم الأشعث خراج آذربيجان.
ثم انه احتال حتى هرب فلحقّ بمعاوية، فقال عليّ: ماله ترّحه الله فعل فعل السيد وفرّ فرار العبد.
وقد يقال: إن أمر الخريت كان قبل شخوص ابن عباس إلى الشام في أمر الحكومة.
ويقال: أيضا: إنه كان بعد انصرافه من الحكومة.
وحدثنا علي بن عبد الله المديني، حدثنا سفيان بن عيينة عن عمار الدهني انه سمعه من أبي الطفيل: ان عليا سبى بني ناجية وكانوا نصارى قد أسلموا ثم ارتدّوا: فقتل مقاتلتهم وسبى الذرية فباعهم من مصقلة بمائة ألف فأدّى خمسين وبقيت خمسون فأعتقهم ولحق بمعاوية، فأجاز علي عتقهم. قال عمار: وأتى عليّ داره فشعثها.
وحدثني عبد الله بن صالح العجلي، حدثنا سفيان، عن عمار الدهني قال: قدمت مكة فلقيت أبا الطفيل عامر بن واثلة فقلت: إن قوما يزعمون أن عليا سبى بني ناجية وهم مسلمون. فقال: إن معقل بن قيس الرياحي لما فرغ من حرب الخريت بن راشد الحروري سار على أسياف فارس؛ فأتى على قوم من بني ناجية فقال: ما أنتم؟ قالوا: قوم مسلمون. فتخطاهم ثم
стр. 1068
أتى قوما آخرين من بني ناجية فقال: ما أنتم؟ قالوا: نصارى وقد كنا أسلمنا ثم رجعنا إلى النصرانية لعلمنا بفضلها على غيرها من الأديان.
فوضع فيهم السيف فقتل وسبى، وهم الذين باعهم عليّ من مصقلة بن هبيرة الشيباني.
قالوا: وكتب وجوه بكر بن وائل إلى مصقلة يذّمون رأيه في لحوقه بمعاوية وتركه عليا، فأقرأ معاوية الكتاب فقال له: إنك عندي لغير ظنين فلا عليك أن لا تقرئني مثل هذا.
وكان نعيم بن هبيرة أخو مصقلة من شيعة علي، فكتب إليه أن صر إليّ فقد كلمت معاوية في تأميرك واختصاصك ووطأت لك عنده ما تحب.
وبعث بالكتاب مع نصراني من نصارى تغلب يقال له: جلوان، فظهر علي عليه وعلى الكتاب، ورفع إليه أيضا انه يتجسس فأمر به فقطعت يده فمات، فقال نعيم بن هبيرة:
لا تأمنن هداك الله عن ثقة … ريب الزمان ولا تبعث كجلوانا
ماذا أردت إلى إرساله سفها … ترجو سقاط امرئ ما كان خوانا
عرّضته لعلي إنه أسد … يمشي العرضنة من آساد خفّانا
قد كنت في منظر عن ذا ومستمع … تأوي العراق وتدعى خير شيبانا
لو كنت أديت مال القوم مصطبرا … للحق أحييت بالإفضال موتانا
لكن لحقت بأهل الشام ملتمسا … فضل ابن هند وذاك الرأي أشجانا
فالآن تكثر قرع السن من ندم … وما تقول وقد كان الذي كانا
وظلت تبغضك الأحياء قاطبة … لم يرفع الله بالبغضاء إنسانا
ثم إن معاوية بعد ذلك ولّى مصقلة طبرستان وبعثه في جيش عظيم،
стр. 1069
فأخذ العدو عليه المضائق فهلك وجيشه، فقيل في المثل: حتى يرجع مصقلة من طبرستان.
وقالت بنو تغلب لمصقلة حين بلغها فعل عليّ بجلوان: عرّضت صاحبنا للقتل، فودّاه.
وقال الكلبي: هدم عليّ دار مصقلة حين هرب إلى معاوية، وتمثّل قول الشاعر:
أرى حربا مفرّقة وسلما … وعقدا ليس بالعقد الوكيع
وقال مصقلة حين بلغه قتل علي:
قضى وطرا منها علي فأصبحت … إمارته فينا أحاديث راكب
وقال مصقلة:
لعمرى لئن عاب أهل العراق … عليّ انتعاشي بني ناجية
لأعظم من عتقهم رقهم … وكفي بعتقهم عالية
وزايدت فيهم لإطلاقهم … وغاليت إن العلى غالية
قالوا لعلي حين هرب مصقلة: اردد سبايا بني ناجية إلى الرق فإنك لم تستوف أثمانهم، فقال: ليس ذاك في القضاء؛ قد عتقوا، وقال: أعتقهم مبتاعهم وصارت أثمانهم دينا على معتقهم.
وقال الشاعر في بني ناجية:
سما لكم بالخيل قودا عوابسا … أخو ثقة ما يبرح الدهر غازيا
فصبّحكم في رجله وخيوله … بضرب يرى منه المدجج هاويا
فأصبحتم من بعد كبر ونخوة … عبيد العصا لا تمنعون الذراريا
стр. 1070
أمر عبد الله بن عامر الحضرمي في خلافة
أمير المؤمنين علي بن أبي طالب ﵇
قالوا: لما قتل محمد بن أبي بكر معاوية بن حديج من قبل عمرو بن العاص وظهر معاوية على مصر، وذلك بعد الجمل وصفين والحكمين؛ بعث معاوية عبد الله بن الحضرمي إلى البصرة وقال له: إن جلّ أهلها يرون رأينا في عثمان وقد قتلوا في الطلب بدمه، فهم يودّون أن يأتيهم من يجمعهم وينظم أمرهم وينهض بهم في الطلب بثارهم ودم إمامهم، فتودد الأزد؛ فإنّ الأزد كلها سلمك، ودع ربيعة فلن ينحرف عنك أحد سواهم لأنهم ترابية كلهم. وكتب إلى عمرو بن العاص:
إني نظرت في أمر البصرة، فوجدت جلّ أهلها لنا أولياء، ولعلي وشيعته أعداء، وقد أوقع بهم الوقعة التي قد علمت، فأحقاد تلك ثابتة في صدورهم، والغلّ بها غير مزايل لقلوبهم، وقد أطفأ الله بقتل ابن أبي بكر وفتح مصر نيرانا كانت بها الآفاق مشتعلة مشبوبة مستعرّة، ورفع بذلك رؤوس أنصارنا وأشياعنا حيث كانوا من البلاد، وقد رأيت أن أبعث إلى أهل البصرة عبد الله بن عامر الحضرمي فينزل البصرة ويتودّد إلى الأزد،
стр. 1071
وينعى دم عثمان، ويذكرهم وقعة علي فإنها أتت على صالحيهم من إخوتهم وآبائهم وأبنائهم.
فكتب إليه عمرو:
إنه لم يكن منك مذ نهضنا في هذه الحرب؛ وانتضينا لها ونابذنا أهلها رأي هو أضرّ لعدوك، وأسرّ لوليك من رأيك هذا الذي ألهمته، ووفقت له، فأمضه يا أمير المؤمنين مسددا؛ فإنك توجه الصليب الأريب النصيح غير الظنين.
فلما جاءه كتاب عمرو؛ سرح ابن الحضرمي إلى البصرة، وأوصاه أن ينزل في مضر، ويحذر ربيعة، ويتودد إلى الأزد. فسار حتى قدم البصرة ونزل في بني تميم، فأتاه العثمانية مسلمين عليه معظمين له مسرورين به، فخطبهم فقال: إن إمامكم إمام الهدى قتله علي بن أبي طالب ظلما فطلبتم بدمه وقاتلتم من قتله، فجزاكم الله من أهل مصر خيرا.
فقام إليه الضحاك بن قيس بن عبد الله الهلالي - وكان عبد الله بن عباس ولاه شرطته أيام ولايته - وقال: قبحّ الله ما جئتنا به وما تدعونا إليه أتيتنا والله بمثل ما أتانا به طلحة والزبير، وإنهما جاءآنا وقد بايعنا عليا وبايعاه، واستقامت أمورنا فحملانا على الفرقة حتى ضرب بعضنا بعضا، ونحن الآن مجتمعون على بيعة هذا الرجل أيضا، وقد أقال العثرة وعفا عن المسيء، فتأمرنا الآن أن ننتضي أسيافنا ثم نضرب بها بعضنا بعضا ليكون معاوية أميرا، والله ليوم من أيام عليّ مع النبي ﷺ خير من معاوية وآل معاوية.
ثم قام عبد الله بن خازم السلمي فقال للضحاك: أسكت فلست
стр. 1072
بأهل أن تتكلم في أمور العامة، ثم أقبل على ابن الحضرمي فقال: نحن أنصارك ويدك، القول قولك.
ثم أمر ابن الحضرمي بقراءة كتاب كان معه من معاوية يذكرهم فيه آثار عثمان فيهم وحبّه العافية لهم وسدّه لثغورهم واعطاءه إياهم حقوقهم، ويصف حاله وقتل من قتله مسلما محرما صائما بغير دم انتهكه، ويدعوهم إلى الطلب بدمه ويضمن لهم أن يعمل فيهم بالسنة، ويعطيهم عطاءين في كل سنة، ولا يحمل عنهم فضلا من فيئهم أبدا.
فلما فرغ من قراءة الكتاب قام الأحنف بن قيس وقال: لا ناقتي في هذا ولا جمل واعتزل القوم.
وقام عمرو بن مرحوم العبدي فقال: أيها الناس الزموا طاعتكم وجماعتكم ولا تنكثوا بيعتكم فتقع بكم الواقعة، وتصيبكم القارعة.
وقد كانت جماعة من العثمانية كتبوا إلى معاوية يهنونه بفتح مصر، وقتل محمد بن أبي بكر، ويسألونه أن يوجه إلى البصرة رجلا يطلب بدم عثمان ليسمعوا له ويطيعوا، فيقال: إن ذلك حدا معاوية على توجيه ابن الحضرمي.
وكان عباس بن صحار العبدي مخالفا لقومه في حب علي، فلما دعا ابن الحضرمي الناس إلى بيعة معاوية والطلب بدم عثمان قام إليه فقال: إني والذي له أسعى، وإياه أخشى لننصرنك بأيدينا وألسنتنا.
فقال له المثنى بن مخربة العبدي: والله لئن لم ترجع إلى المكان الذي جئت منه لنجاهدنك بأسيافنا ونبالنا وأسنّة رماحنا، فلا يغرّنك قول هذا - يعني عباس بن صحار - أترانا ندع طاعة ابن عم نبينا وندخل في طاعة حزب
стр. 1073
من الأحزاب.
ثم أقبل ابن الحضرمي على صبرة بن شيمان العبدي فقال: يا صبرة أنت ناب من أنياب العرب، وأحد الطلبة بدم عثمان فانصرني. فقال: لو نزلت في داري لنصرتك.
قالوا: وكثرت غاشية ابن الحضرمي وأتباعه فهال ذلك زياد بن أبي سفيان ورعّبه وراعه - وكان عبد الله بن عباس حين شخص إلى مكة مغاضبا لعليّ خلفّه على البصرة، فلم ينزعه علي، وكان يكاتبه عن ابن عباس على انه خليفته، ثم كاتبه عليّ دون ابن عباس - فكاتب زياد عليا، فلما رأى زياد ما صار إليه أمر ابن الحضرمي؛ بعث إلى مالك بن مسمع وغيره من وجوه أهل البصرة فدعاهم إلى نصرته فلم يبعدوا ولم يحققوا، وقال ابن مسمع:
لن نسلمك، فبعث زياد إلى صبرة بن شيمان فاستجار به فقال له: إن تحملت حتى تنزل في داري أجرتك وحميتك، ففعل وانتقل إلى دار صبرة في الحدّان ليلا وحمل معه ما كان في بيت المال من المال ويقال: إن أبا الأسود الدولي أشار على زياد بالبعث إلى صبرة والاستجارة به، ولم يقلّد ابن عباس أبا الأسود شيئا من البصرة حين شخص، لأنه كان كتب فيه إلى عليّ، وكتب زياد بالخبر إلى علي عن نفسه، وقال بعضهم: كتب به إلى علي عن ابن عباس، وقيل بل كان ابن عباس عند علي وكتب به زياد إلى ابن عباس فأنهاه إلى عليّ، ومن قال هذا قال: إن ابن عباس قد كان قدم على عليّ بعد مقتل ابن أبي بكر، ثم عاد إلى البصرة، وليس ذلك بثبت.
قالوا: وأشار العثمانية على ابن الحضرمي بنزول دار الإمارة حين خلاها زياد، فلما تهيأ لذلك ودعا أصحابه لنزولها ركبت الأزد؛ وقالوا:
стр. 1074
والله لا ينزلها. وركب الأحنف بن قيس فقال لأصحاب ابن الحضرمي:
لستم والله أحق بالقصر من القوم. فأمسكوا.
وكان نزول ابن الحضرمي في بني تميم في دار سنبيل، وبعض البصريين يقول: صنبيل.
قالوا: واتخذ صبرة بن شيمان لزياد في مسجدهم - وهو مسجد الحدّان - منبرا وسريرا فصلى بهم زياد الجمعة، وغلب ابن الحضرميّ على مايليه، وخطب زياد فأثنى على الأزد وحضّهم على نصرته، وقال: قد أصبح دمي فيكم مضمونا وصرت عندكم أمانة مؤداة، وقد رأينا فعلكم يوم الجمل، فاصبروا مع الحق كصبركم على الباطل، فإنكم حيّ لا تخمدون على نجدة، ولا تغدرون بغدر وختر.
وقام أبو صفرة - ولم يكن شهد الجمل - فقال: يا قوم إنكم كنتم أمس على عليّ فكونوا اليوم له، واعلموا أن ردّكم جوار جاركم عليه ذل، وخذلانكم إياه عار، وأنتم قوم عادتكم الصبر، وغايتكم الوفاء.
وقوم يزعمون أن المتكلم بهذا الكلام غير أبي صفرة، وأن أبا صفرة كان توجه مع ابن عباس إلى صفين فمات في الطريق.
قالوا: وقام صبرة فقال: يا قوم هبوا لنا أنفسكم وامنعوا جاركم.
وبعث تميم إلى الأزد: أن أخرجوا صاحبكم ونخرج صاحبنا فنبلغ كل واحد منهما مأمنه، ثم يكون لنا أمير ولكم أمير حتى تتفق الناس على إمام. فأبت الأزد ذلك وقالوا: قد أجرنا زيادا ولن نخذ له ولا نسلمه ولا نصير إلى شيء دون إرادته.
فكتب زياد إلى عليّ بخبر بني تميم، فلما وصل إليه كتابه دعا أعين بن
стр. 1075
ضبيعة المجاشعي، فقال له: يا أعين أما بلغك ميل قومك مع ابن الحضرمي على عاملي ونصرتهم له التماسا لشقاقي ومشايعة للقاسطين عليّ، قال: فابعثني إليه أكفك إياه. فبعث به وكتب معه إلى زياد يعلمه أنه وجهه ليفرق قومه عن ابن الحضرمي فإن تفرقوا عنه وخذلوه وإلا نهض إلى ابن الحضرمي بمن أطاعه وتبعه منهم ومن غيرهم فحاكمه إلى الله وحده لا شريك له وحاربه.
فلما قدم أعين بن ضبيعة البصرة، اجتمع إليه وجوه قومه فوعظهم، ثم خرج بجماعة منهم فلقيت جماعة من أصحاب ابن الحضرميّ فناوشوهم، ثم تحاجزوا، ورجع أعين إلى منزله وتبعه عشرة، يظن الناس أنهم خوارج - وكانوا من قيس - فلما آوى إلى فراشه بكعوه (١) بأسيافهم على الفراش، فخرج عريانا يعدو فلحقوه فقتلوه بالطريق.
وأراد زياد محاربة ابن الحضرمي حين أصيب أعين بن ضبيعة فأرسلت تميم إلى الأزد: إنا والله ما أردنا بجاركم مكروها فعلام تريدون المكروه بجارنا؟ فكفوا وأمسكوا.
وكتب زياد إلى علي: أن أعين بن ضبيعة قدم علينا بجدّ ومناصحة وصدق يقين، فجمع إليه من أطاعه ونهض بهم - وفسرّ له خبر وقعته؛ ثم قال:- وإن قوما من هذه الحرورية المارقة البريئة من الله ورسوله اتبعوه، فلما آوى إلى فراشه أصابوه.
حدثني علي بن الأثرم، عن معمر بن المثنى قال: دسّ ابن الحضرمي إلى أعين بن ضبيعة النفر الذين قتلوه.
стр. 1076
ويقال: إنه كان معهم متنكرا فطرقوه ليلا، فجعل يقول - حين ضربوه - يا تميم ولا تميم، يا حنظلة ولا حنظلة، يا مجاشع ولا مجاشع، وحمل إلى الأزد؛ فدفن هناك فقبره في الأزد.
قالوا: ولما أتى عليا كتاب زياد؛ بمقتل أعين بن ضبيعة، دعا جارية بن قدامة التميمي - وكان قبله أشخصه ابن عباس إليه لمحاربة أهل النهروان، فلم ينصرف إلى البصرة - فقال له: إن قومك بدّلوا ونكثوا ونقضوا بيعتي، ومن العجب أن تمنع الأزد عاملي وتشاقني مضر؛ وتنابذني؟ فقال: يا أمير المؤمنين ابعثني فبعثه.
فلما قدم البصرة بدأ بزياد؛ فسلم عليه، فحذره زياد ما لقي صاحبه، فخرج جارية فقام في الأزد فجزاهم الخير، وقال: عرفتم الحق إذ جهله غيركم وحفظتموه إذ ضيعوه، وقرأ كتابا كتبه عليّ إلى أهل البصرة معه يوبخهم فيه أشدّ التوبيخ، ويعنفهم أشد التعنيف، ويتوعدهم بالمسير إليهم إن ألجأوه إلى ذلك حتى يوقع بهم وقعة تكون وقعة يوم الجمل عندها لقعه ببعره (١).
وكان صبرة حاضرا لقراءة الكتاب فقال: سمعا وطاعة، نحن لمن حارب أمير المؤمنين حرب، ولمن سالم سلم.
وقام أبو صفرة فقال لزياد: والله لو أدركت الجمل ما قاتل قومي عليا، وهو يوم بيوم، وأمر بأمر، والله إلى الجزاء بالحسنى أسرع منه إلى المكافاة بالسوء، والتوبة مع الحوبة والعفو مع الندم.
وقال صبرة - أو غيره-: إنا والله نخاف من حرب عليّ في الآخرة؛
стр. 1077
أعظم مما نخاف من حرب معاوية في الدنيا.
فلما أصبحوا سارت الأزد بزياد بن أبي سفيان - وكان يومئذ ينتسب إلى عبيد - وسار جارية بمن قدم معه ومن سارع إليه من بني تميم؛ ودلفوا إلى ابن الحضرمي، وعلى خيل ابن الحضرمي عبد الله بن خازم السّلمي فاقتتلوا ساعة، وأقبل شريك بن الأعور الحارثي فصار مع جارية، فما لبثوا: ابن الحضرمي وأصحابه أن هزموهم واضطروهم إلى دار سنبيل السعدي فحصروهم فيها يومهم، وكان في الدار مع ابن الحضرمي عبد الله بن خازم، فجاءت أمه - وكانت اسمها عجلى وكانت حبشية - فنادته فأشرف عليها، فأخرجت ثدييها وقالت: أسألك بدريهما لما نزلت. فأبى، فقالت:
والله لتنزلن أو لأتعرنّ فأهوت بيدها إلى ثيابها، فلما رآها نزل فمضت به إلى منزلها. ويقال: إنها حسرت قناعها فإذا شعرها أبيض، ثم قالت: لئن لم تنزل لأتعرّن.
قالوا: وأحاط جارية بن قدامة بالدار الحطب والنار فقالت الأزد:
لسنا من النار في شيء، وهم قومك وأنت أعلم. فحرقها فهلك فيها ابن الحضرمي في سبعين رجلا أحدهم عبد الرحمن بن عمير، وسمي جارية محرّقا.
فلما هلك ابن الحضرمي قالت الأزد لزياد: أبقي علينا حق؟ قال:
لا. قالوا: فبرئنا من جوارك؟ قال: نعم. فانصرفوا إلى رحالهم، واستقام لزياد أمره ونزل القصر وحول إليه بيت المال، وكتب بالفتح إلى علي مع ظبيان بن عمارة: «أما بعد فإن العبد الصالح جارية بن قدامة قدم من عندك فيمن أنهدت معه؛ فناهض جمع ابن الحضرمي ففضه ثم اضطر ابن
стр. 1078
الحضرمي إلى دار من دور البصرة في عدة من أصحابه، فمنهم من حرق بالنار، ومنهم من ألقي عليه جدار، ومنهم من هدم عليه البيت من أعلاه سوى من قتل بالسيف، فبعدا لمن عصى وغوى، والسّلام».
وحدثني أبو الحسن المدائني قال: كانت دار سنبيل - ويقال:
صنبيل - قصرا قديما للفرس في الجاهلية، وحوله خندق.
وحدثني العقوي الدلال عن أبي اليقظان، عن أشياخه قالوا: اقتتل أصحاب ابن الحضرمي وأصحاب علي عند الجسر قتالا شديدا، فانهزم أصحاب ابن الحضرمي حتى دخلوا قصر سنبيل، فطلب ابن الحضرمي الأمان من جارية بن قدامة فلم يؤمنه، وطلب الأمان من زياد فلم يجبه إليه، وكان معه عبد الله بن خازم، فنادته أمه لينزل فأبى فكشفت رأسها كأنه ثغامة (١)، وثديين كأنهما دلوان، وأرادت التعري فنزل حين رأى ذلك، وأحرق جارية الدار فاحترق ابن الحضرمي، وذراع بن بدر الغّداني أخو حارثة بن بدر الغداني وسبعون رجلا، ورجع زياد إلى إمرته.
وحدثني علي بن المغيرة الأثرم، عن أبي عبيدة، قال: قدم جارية بن قدامة من عند علي في ألف - أو ألف وخمسمائة - فلما بلغ ذلك ابن الحضرمي أعدّ طعاما وشرابا للحصار، ورمّ حصنا كان لفارس في الجاهلية على نشز، وكان معاوية قد وعده أن يبعث إليه بالامداد، فلما اقتتل وجارية بن قدامة عند الجسر، انهزم حتى دخل الحصن، وهو يومئذ لرجل يقال له:
صنبيل، فحصره فيه، وكان معه عبد الله بن خازم بن أسماء بن الصلت السّلمي - وأمه حبشية يقال لها: عجلى - فكشفت رأسها وثدييها وأرادت أن
стр. 1079
تتعرى، فلما رأى ذلك من شأنها نزل، فوهن أمر ابن الحضرمي في نفسه، وطلب الأمان فلم يعطه، وأمر جارية بجمع الحطب حول الدار، فنقل ما بلغ أعلى الحيطان ثم أشعل فيه النّار وأعان ذلك بالهدم، فاحترق ابن الحضرمي، ومن كان معه، وعاد زياد إلى دار الإمارة، فقال بعض الأزد - وقال المدائني: قالها العرندس-:
أجرنا زيادا وقد أصفقت … عليه تميم وخاف العطب
فلما رأوا أننا دونه … وقد خام عنه جميع العرب
عوى الحضرمي عواء الكلاب … وبصبص من خوفنا بالذنب
ومن كانت الأزد أنصاره … أصاب بنصرتهم ما طلب
رددنا زيادا إلى داره … ودار تميم رماد ذهب
وقال أبو الاسود الدولي:
أبي الله إلا أن للأزد فضلها … وأنهم أوتاد كل بلاد
أجاروا زيادا حين أسلم نفسه … إليهم وكان الرأي رأي زياد
فأصبح في الحدّان والأزد دونه … بسمر كأشطان الجرور حداد
له منبر يرقاه في كل جمعة … وآلة ملك شرطة ومناد (١)
وحثني أحمد بن إبراهيم الدورقي، حدثنا أبو داود الطيالسي، حدثنا قرة بن خالد السدوسي، عن محمد بن سيرين، عن عبد الرحمن بن أبي بكرة قال: لما كان يوم الدار - يعني دار ابن الحضرمي - أشرفوا على ابن أبي بكرة فجعلوا يسبّونه، فقال لهم جارية بن قدامة: لا تؤذوا أبا بكرة ولا تقولوا له
стр. 1080
إلا خيرا، قال: فأخبرتني أمي أن أبا بكرة قال: لو دخلوا إلىّ ما بهشت (١) إليهم بقضيب.
وحدثني أحمد بن إبراهيم، حدثنا وهب بن جرير، حدثنا أبي قال:
سمعت محمد بن الزبير الحنظلي يحدث قال: لما قدم ابن الحضرمي وقدم جارية بن قدامة البصرة نزل ابن الحضرمي دار الحداني في جانب دار أبي بكرة؛ فأتاه أصحاب علي فأحاطوا بالدار، وكان في الدار، رجل قد سماه فأتته أمه - وكان يقال لها: عجلى وكانت حبشية راعية - فقالت لابنها: إن أنت نزلت وإلا ألقيت قناعي. قال: فالقت قناعها فإذا شعرها مثل الثغامة (٢) فلم ينزل فقالت: إن نزلت وإلا ألقيت ردائي فألقت رداءها فلم ينزل، فقالت: إن نزلت وإلا ألقيت قميصي فلم ينزل، فألقت قميصها وكانت في إزار - فقالت: إن نزلت وإلا ألقيت إزاري. فنزل، وجاء أصحاب علي فأحاطوا بالدار وحرقوها بمن فيها.
وحدثنا خلف بن سالم، حدثنا وهب، عن أبيه، عن محمد بن الزبير الحنظلي، قال: بعث معاوية عبد الله بن عامر الحضرمي - وكان ابن خالة عثمان، أمه أم طلحة بنت كريز - إلى البصرة، وكان جارية بن قدامة قدم على معاوية فقال له: ابعث معي رجلا، فإن لك بالبصرة شيعة، فبعث معه ابن الحضرمي، فلما قدم ابن الحضرمي البصرة أتته الأزد فقالوا: انتقل إلى دورنا لنمنعك فإنا نخاف أن يغدر بك بنو سعد.
فقال: أخرجوا زيادا فإني غير جامعة في قوم. وكان زياد عاملا لابن
стр. 1081
عباس بفارس فأصاب مالا فلجأ إلى الأزد فألجأه صبرة بن شيمان الحدّاني وأنزل معه فأبوا أن يخرجوه، وأبى ابن الحضرمي أن ينتقل إليهم إلا بإخراج زياد، وأنزله جارية في دار في مربعة الأحنف، وأتاه ناس فيهم عبد الله بن خازم، ثم تركه جارية فسار إليه أصحاب علي وأحاطوا بداره وقالوا: من خرج عنه فهو آمن. فخرج ناس من الناس، ولم يخرج ابن خازم فأتته أمه - وكانت حبشية راعية اسمها عجلى - فنادته فأشرف عليها فقالت: انزل، فألقت درعها وقامت في إزار، وقالت: لتنزلنّ أو لألقينّ إزاري فأفضحك؟ فنزل واشتعلت النيران في دار ابن الحضرمي التي كان عليها، فاحترق هو ومن معه فيها، فقال ابن أبي العرندس:
رددنا زيادا إلى داره … وجار تميم دخانا ذهب
لحى الله قوما شووا جارهم … ولم يدفعوا عنه حرّ اللهب
والثبت: إنّ جارية لم يأت معاوية، والخبر هو الأول.
(١) - في هامش الأصل: بلغ العرض بالأصل الثالث، ولله الحمد.
стр. 1082
أمر الغارت بين علي ومعاوية
غارة الضحاك بن قيس الفهري:
قالوا: وجّه معاوية الضحاك بن قيس الفهري - ويكنى أبا أنيس حين بلغه أن عليا يدعو الناس إلى الخروج إليه وأن أصحابه مختلفون عليه - في خيل كثيفة جريدة، وأمره أن يمرّ بأسفل واقصة فيغير على الأعراب ممّن كان على طاعة عليّ وعلى غيرهم ممن كان في طاعته ممن لقيه مجتازا، وأن يصبح في بلد ويمسي في آخر، ولا يقيم لخيل إن سرّحت إليه، وإن عرضت له قاتلها، وكانت تلك أول غارات معاوية.
فأقبل الضحاك إلى القطقطانة فيما بين ثلاثة آلاف إلى أربعة آلاف، وجعل يأخذ أموال الناس من الأعراب وغيرهم ويقتل من ظنّ أنه على طاعة عليّ أو كان يهوى هواه حتى بلغ الثعلبيّة، وأغار على الحاج فأخذ امتعتهم، ثم صار إلى القطقطانة منصرفا، ولقيه بالقطقطانة على طريق الحاج عمرو بن عميس بن مسعود؛ أخي عبد الله بن مسعود فقتله - فلما ولاه معاوية الكوفة كان يقول: يا أهل الكوفة أنا أبو أنيس قاتل ابن عميس، يعلمهم بذلك
стр. 1083
أنه لا يهاب القتل وسفك الدماء - وأخذ طريق السماوة منصرفا، فلما بلغ عليا خبره قام في أهل الكوفة خطيبا فدعاهم إلى الخروج لقتال عدوّهم ومنع حريمهم، فردّوا عليه ردّا ضعيفا ورأى منهم فشلا وعجزا، فقال: «وددت والله أنّ لي بكلّ عشرة منكم رجلا من أهل الشام، وأنيّ صرفتكم كما يصرف الذهب، ولوددت أنيّ لقيتهم على بصيرتي فأراحني الله من مقاساتكم ومداراتكم كما يداري البكار العمدة والثياب المنهرئة كلما خيطت من جانب تهتكت من جانب.
ثم خرج يمشي إلى نحو الغريّين، حتى لحقه عبد الله بن جعفر؛ بدابة فركبها ولحقه الناس بعد، فسرّح لطلبه حجر بن عدي الكندي في أربعة آلاف أعطاهم خمسين درهما خمسين درهما.
فسار حجر حتى لحق الضحاك نحو تدمر فقاتله فأصاب من أصحابه تسعة عشر رجلا - ويقال: سبعة عشر رجلا - وقتل من أصحاب عليّ رجلان يقال: إنهما عبد الله وعبد الرحمن ابنا حوزة - وهما من الأزد - وحجز الليل بينهم فهرب الضحاك في الليل، وأقام حجر يوما أو يومين فلم يلق أحدا فانصرف.
وحدثني عبد الله بن صالح المقرئ، حدثني أبو بكر بن عياش، أنبأنا أبو حصين قال: خطب الضحاك بن قيس بالكوفة - وكان معاوية ولاه إياها حين مات زياد - فقال: إنه بلغني أن فيكم رجالا يشتمون أئمة الهدى وينتقصون أمير المؤمنين عثمان، والله لئن لم ينتهوا لأضعنّ فيكم سيف زياد وقلوسه (١) ثم لا تجدوني ضعيف السورة، ولا كليل الشفرة، والله إني لأول
стр. 1084
من غزا بلادكم وأغار عليها في الإسلام، أنا الضحاك بن قيس أبو أنيس، قاتل ابن عميس فأتّقوني.
قالوا: وخطب عليّ وبلغه أن قوما ينتقصون أبا بكر وعمر ﵃، فذكر أبا بكر فقال: كان والله خير من بقي، شبهه رسول الله بميكائيل رحمة وبإبراهيم حلما ووقارا، فسار سيره رسول الله ﷺ حتى مضى.
رحمة الله على أبي بكر الصديق، ثم ولي عمر الأمر بعده واستشار المسلمين في ذلك فمنهم من رضي ومنهم من كره فكنت فيمن رضي فلم يفارق الدنيا حتى رضي به من كان كره فأقام الأمر على منهاج صاحبيه؛ يتبع آثارهما كاتباع الفصيل أمّه، وكان والله رحيما للضعفاء ناصرا للمظلومين شديدا على الظالمين، قويا في أمر الله لا يأخذه فيه لومة لائم ضرب الله بالحق على لسانه حتى كنا نظنّ ان ملكا ينطق على لسان عمر، شبهه رسول الله ﷺ بجبرائيل في غلظته في الأعداء، وللغيظ على الكفار فمن أحبني فليحبهما ولكنه إن من أبغضهما فقد أبغضني وأنا منه بريء ولو كنت تقدمت إلى القائل ما قال لعاقبته فإنه لا ينبغي العقوبة قبل التقدمة، فمن أتيت به يقول هذا القول جلّدته حدّ المفتري (١).
حدثني أبو مسعود الكوفي، عن أبيه، عن أبي بكر بن عياش، عن أبي حصين بمثله:
стр. 1085
غارة سفيان بن عوف بن المغفل
الأزدي ثم الغامدي
قالوا: ودعا معاوية سفيان بن عوف الأزدي ثم الغامدي؛ فسرّحه في ستة آلاف من أهل الشام ذوي بأس وأداة وأمره أن يلزم جانب الفرات الغربي حتى يأتي هيت فيغير على مسالح علي وأصحابه بها؛ وبنواحيها؛ ثم يأتي الأنبار فيفعل بها مثل ذلك حتى ينتهي إلى المدائن، وحذّره أن يقرب الكوفة، وقال له: إن الغارة تنخب قلوبهم وتكسر حدّهم وتقوي أنفس أوليائنا ومنّتهم، فشخص سفيان في الستة آلاف المضمومين إليه، فلما بلغ أهل هيت قربه منهم قطعوا الفرات إلى العبر الشرقي، فلم يجد بها أحدا، وأتى الأنبار فأغار عليها فقاتله من بها من قبل علي فأتى على كثير منهم، وأخذ أموال الناس وقتل أشرس بن حسان البكري عامل علي، ثم انصرف. وأتى عليا علج، فأخبره الخبر، وكان عليلا لا يمكنه الخطبة، فكتب كتابا قرئ على الناس، وقد أدني عليّ من السدة التي كان يخرج منها ليسمع القراءة، وكانت نسخة الكتاب:
أما بعد فإن الجهاد باب من أبواب الجنة، فمن تركه ألبس ثوب
стр. 1086
الذلة، وشملة البلاء، وديث بالصغار، وسيم الخسف، ومنع النصف، وقد دعوتكم إلى جهاد هؤلاء القوم ليلا ونهارا، وعلانية وسرّا وأمرتكم أن تغزوهم قبل أن يغزوكم، فإنه ما غزي قوم في عقر دارهم إلا ذلوا، فتواكلتم وتخاذلتم وثقل عليكم قولي، وعصيتم أمري، واتخذتموه وراءكم ظهريّا، حتى شنّت عليكم الغارات من كل ناحية، هذا أخو غامد قد وردت خيله الأنبار، فقتل ابن حسان البكري، وأزال مسالحكم عن مواضعها، وقتل منكم رجالا صالحين، لقد بلغني أن الرجل من أهل الشام كان يدخل بيت المرأة المسلمة والأخرى المعاهدة فيأخذ حجلها وقلبها ورعاثها وقلادتها، فيا عجبا عجبا يميت القلب، ويجلب الهمّ، ويسعر الأحزان من جّد هؤلاء القوم في باطلهم، وفشلكم عن حقكم فقبحا وترحا صرتم غرضا يرمى، يغار عليكم ولا تغيرون، ويعصى الله فترضون، إذا قلت لكم:
اغزوا عدوكم في الحر، قلتم: هذه حمارة القيظ من يغزو فيها؟ أمهلنا ينسلخ الحر، وإذا قلت: أغزوهم في أنف الشتاء، قلتم الصرّ والقّر، أفكّل هذا منكم فرار من الحر والقّر؟! فأنتم والله من السيف أفر، يا أشباه الرجال، ولا رجال، يا أحلام الأطفال وعقول ربات الحجال، لوددت أني لم أركم وأن الله أخرجني من بين أظهركم فلقد وريتم صدري غيظا، وجرعتموني نغب التهمام أنفاسا، وأفسدتم على رأيي بالعصيان والخذلان حتى قالت قريش: ابن أبي طالب شجاع، ولكنه لا علم له بالحرب. لله أبوهم وهل منهم أحد أشد لها مراسا ومقاساة مني، لقد نهضت فيها وقد بلغت العشرين، فهأنذا قد ذرفت على الستين. ولكنه لا رأي لمن لا يطاع.
والسّلام.
стр. 1087
ثم إن عليا أتبعه سعيد بن قيس الهمداني. ويقال: قيس بن سعد بن عبادة الأنصاري، ويقال هانئ بن خطاب، فبلغ صفّين ثم انصرف، ويقال: إن سعيدا - أو قيسا - وجّه هانئ بن خطاب فأتبعه حتى بلغ أداني أرض قنسرين.
стр. 1088
غارة النعمان بن بشير الأنصاري
قالوا: وبعث معاوية النعمان بن بشير الأنصاري، وأبا هريرة الدوسي بعد أبي مسلم الخولاني إلى عليّ يدعوانه إلى أن يسلّم قتلة عثمان بن عفان ليقتلوا به فيصلح أمر الناس ويكف الحرب، وكان معاوية عالما بأن عليا لا يفعل ذلك، ولكنه أحبّ أن يشهد عليه عند أهل الشام بامتناعه من إسلام أولئك؛ والتبري منهم فيشرع له أن يقول: إنه قتله فيزداد أهل الشام غيظا عليه وحنقا وبصيرة في محاربته وعداوته، فلما صارا إليه فأبلغاه ما سأله معاوية امتنع من إجابتهما إلى شيء مما قدما له فانصرف أبو هريرة إلى الشام فأمره معاوية بأن يعلم الناس ما كان بينه وبين عليّ، وأقام النعمان بعد أبي هريرة أشهرا وهو يظهر لعليّ انه معه، ثم خرج فمرّ بعين التمر وعليها مالك بن كعب الهمداني فحبسه ليكتب إلى عليّ بخبره، فركب إليه قرظة بن كعب الأنصاري - وكان على جباية الخراج بالنهرين والفلاليج ونواحيها وما والى ذلك من الطساسيج فكلمه فيه فخلى سبيله فأتى معاوية؛ فأخبره ومن قبله بمثل ما أخبرهم به أبو هريرة. وهذا في أول الأمر.
стр. 1089
قالوا: ثم إن معاوية ندب أصحابه لغارة نحو العراق فانتدب لها النعمان بن بشير، فسرحه في ألفين وأمره بتجنّب المدن والجماعات، وأن لا يغير على مسلحة، وأن تكون إغارته على من بشاطئ الفرات ثم يعجل الرجعة.
فسار النعمان حتى دنا من عين التمر؛ وبها مالك بن كعب في مائة وقد كان في أكثر منها إلا إنه أذن لأصحابه في الانصراف إلى الكوفة في حوائج لهم فانصرفوا، فكتب إلى قرظة يستنجده فقال قرظة: إنما أنا صاحب خراج وليس معي إلا من يقوم بأمري فقط. ووجّه إليه مخنف بن سليم الأزدي عبد الرحمن بن مخنف في خمسين رجلا وكان واليا على الحرب فيما يليه قرظة فقاتل مالك بن كعب النعمان حتى دفعه عن القرية، فظن أهل الشام حين رأوا عبد الرحمن بن مخنف بن سليم ومن معه أنّه قد أتى مالكا مدد كثيف، فانهزموا حتى لحقوا بمعاوية، وقتل منهم ثلاثة نفر، ومن أصحاب علي رجل.
وقال النعمان: سرت ليلة فضللت؛ ثم إني دفعت إلى ماء لبنى القين وإذا امرأة تطحن في خباء لها وهي تقول:
شربت على الجوزاء كأسا رويّة … وأخرى على الشعراء إذ ما استقلّت
مشعشعة كانت قريش تصونها … فلما استحلّت قنل عثمان حلّت
فعلمت أني في حد الشام وأنه قد بلغت مأمني واهتديت.
ويقال: إن هذه الغارة قبل غارة سفيان بن عوف.
وقد كان علي حين أتاه خبر النعمان بالكوفة؛ خطب الناس فحمد الله وأثنى عليه ثم قال:
стр. 1090
عجبا لكم يا أهل الكوفة كلما أطلّت عليكم سرية وأتاكم منسر من أهل الشام أغلق كل امرئ منكم بابه، قد انجحر في بيته انجحار الضب في حجره والضبع في وجارها، والذليل والله من نصرتموه، ومن رمى بكم رمى بأفوق (١) ناصل، فقبحا لكم وترحا، وقد ناديتكم وناجيتكم فلا أحرار عند النداء، ولا إخوان عند النجاء، قد منيت منكم بصم لا يسمعون، وبكم لا يعقلون، وكمه لا يبصرون.
فيقال: إن عليا أتبع النعمان عدي بن حاتم الطائي فمضى حتى شارف قنسرين ثم انصرف.
ويقال: إن عبد الرحمن بن حوزة الأزدي قتل مع مالك بن كعب يومئذ، وإن أخاه عبد الله قتل حين لقي حجر بن عدي الضحاك بن قيس الفهري.
ويقال: إن عبد الرحمن بن حوزة قاتل الحسين مع من قاتله. والثبت أن الذي قاتل الحسين رجل من بني تميم يقال له: عبد الله بن حوزة، وهو غير هذا.