← Ансаб

Ансаб · id 9773

أنساب الأشراف - ط الفكر

البلاذري

Полный текст (5 555 стр.). Показаны 1086–1125 · переход к 1091.

стр. 1086

الذلة، وشملة البلاء، وديث بالصغار، وسيم الخسف، ومنع النصف، وقد دعوتكم إلى جهاد هؤلاء القوم ليلا ونهارا، وعلانية وسرّا وأمرتكم أن تغزوهم قبل أن يغزوكم، فإنه ما غزي قوم في عقر دارهم إلا ذلوا، فتواكلتم وتخاذلتم وثقل عليكم قولي، وعصيتم أمري، واتخذتموه وراءكم ظهريّا، حتى شنّت عليكم الغارات من كل ناحية، هذا أخو غامد قد وردت خيله الأنبار، فقتل ابن حسان البكري، وأزال مسالحكم عن مواضعها، وقتل منكم رجالا صالحين، لقد بلغني أن الرجل من أهل الشام كان يدخل بيت المرأة المسلمة والأخرى المعاهدة فيأخذ حجلها وقلبها ورعاثها وقلادتها، فيا عجبا عجبا يميت القلب، ويجلب الهمّ، ويسعر الأحزان من جّد هؤلاء القوم في باطلهم، وفشلكم عن حقكم فقبحا وترحا صرتم غرضا يرمى، يغار عليكم ولا تغيرون، ويعصى الله فترضون، إذا قلت لكم: اغزوا عدوكم في الحر، قلتم: هذه حمارة القيظ من يغزو فيها؟ أمهلنا ينسلخ الحر، وإذا قلت: أغزوهم في أنف الشتاء، قلتم الصرّ والقّر، أفكّل هذا منكم فرار من الحر والقّر؟! فأنتم والله من السيف أفر، يا أشباه الرجال، ولا رجال، يا أحلام الأطفال وعقول ربات الحجال، لوددت أني لم أركم وأن الله أخرجني من بين أظهركم فلقد وريتم صدري غيظا، وجرعتموني نغب التهمام أنفاسا، وأفسدتم على رأيي بالعصيان والخذلان حتى قالت قريش: ابن أبي طالب شجاع، ولكنه لا علم له بالحرب. لله أبوهم وهل منهم أحد أشد لها مراسا ومقاساة مني، لقد نهضت فيها وقد بلغت العشرين، فهأنذا قد ذرفت على الستين. ولكنه لا رأي لمن لا يطاع. والسّلام.

стр. 1087

ثم إن عليا أتبعه سعيد بن قيس الهمداني. ويقال: قيس بن سعد بن عبادة الأنصاري، ويقال هانئ بن خطاب، فبلغ صفّين ثم انصرف، ويقال: إن سعيدا - أو قيسا - وجّه هانئ بن خطاب فأتبعه حتى بلغ أداني أرض قنسرين.

стр. 1088

غارة النعمان بن بشير الأنصاري قالوا: وبعث معاوية النعمان بن بشير الأنصاري، وأبا هريرة الدوسي بعد أبي مسلم الخولاني إلى عليّ يدعوانه إلى أن يسلّم قتلة عثمان بن عفان ليقتلوا به فيصلح أمر الناس ويكف الحرب، وكان معاوية عالما بأن عليا لا يفعل ذلك، ولكنه أحبّ أن يشهد عليه عند أهل الشام بامتناعه من إسلام أولئك؛ والتبري منهم فيشرع له أن يقول: إنه قتله فيزداد أهل الشام غيظا عليه وحنقا وبصيرة في محاربته وعداوته، فلما صارا إليه فأبلغاه ما سأله معاوية امتنع من إجابتهما إلى شيء مما قدما له فانصرف أبو هريرة إلى الشام فأمره معاوية بأن يعلم الناس ما كان بينه وبين عليّ، وأقام النعمان بعد أبي هريرة أشهرا وهو يظهر لعليّ انه معه، ثم خرج فمرّ بعين التمر وعليها مالك بن كعب الهمداني فحبسه ليكتب إلى عليّ بخبره، فركب إليه قرظة بن كعب الأنصاري - وكان على جباية الخراج بالنهرين والفلاليج ونواحيها وما والى ذلك من الطساسيج فكلمه فيه فخلى سبيله فأتى معاوية؛ فأخبره ومن قبله بمثل ما أخبرهم به أبو هريرة. وهذا في أول الأمر.

стр. 1089

قالوا: ثم إن معاوية ندب أصحابه لغارة نحو العراق فانتدب لها النعمان بن بشير، فسرحه في ألفين وأمره بتجنّب المدن والجماعات، وأن لا يغير على مسلحة، وأن تكون إغارته على من بشاطئ الفرات ثم يعجل الرجعة. فسار النعمان حتى دنا من عين التمر؛ وبها مالك بن كعب في مائة وقد كان في أكثر منها إلا إنه أذن لأصحابه في الانصراف إلى الكوفة في حوائج لهم فانصرفوا، فكتب إلى قرظة يستنجده فقال قرظة: إنما أنا صاحب خراج وليس معي إلا من يقوم بأمري فقط. ووجّه إليه مخنف بن سليم الأزدي عبد الرحمن بن مخنف في خمسين رجلا وكان واليا على الحرب فيما يليه قرظة فقاتل مالك بن كعب النعمان حتى دفعه عن القرية، فظن أهل الشام حين رأوا عبد الرحمن بن مخنف بن سليم ومن معه أنّه قد أتى مالكا مدد كثيف، فانهزموا حتى لحقوا بمعاوية، وقتل منهم ثلاثة نفر، ومن أصحاب علي رجل. وقال النعمان: سرت ليلة فضللت؛ ثم إني دفعت إلى ماء لبنى القين وإذا امرأة تطحن في خباء لها وهي تقول: شربت على الجوزاء كأسا رويّة … وأخرى على الشعراء إذ ما استقلّت مشعشعة كانت قريش تصونها … فلما استحلّت قنل عثمان حلّت فعلمت أني في حد الشام وأنه قد بلغت مأمني واهتديت. ويقال: إن هذه الغارة قبل غارة سفيان بن عوف. وقد كان علي حين أتاه خبر النعمان بالكوفة؛ خطب الناس فحمد الله وأثنى عليه ثم قال:

стр. 1090

عجبا لكم يا أهل الكوفة كلما أطلّت عليكم سرية وأتاكم منسر من أهل الشام أغلق كل امرئ منكم بابه، قد انجحر في بيته انجحار الضب في حجره والضبع في وجارها، والذليل والله من نصرتموه، ومن رمى بكم رمى بأفوق (١) ناصل، فقبحا لكم وترحا، وقد ناديتكم وناجيتكم فلا أحرار عند النداء، ولا إخوان عند النجاء، قد منيت منكم بصم لا يسمعون، وبكم لا يعقلون، وكمه لا يبصرون. فيقال: إن عليا أتبع النعمان عدي بن حاتم الطائي فمضى حتى شارف قنسرين ثم انصرف. ويقال: إن عبد الرحمن بن حوزة الأزدي قتل مع مالك بن كعب يومئذ، وإن أخاه عبد الله قتل حين لقي حجر بن عدي الضحاك بن قيس الفهري. ويقال: إن عبد الرحمن بن حوزة قاتل الحسين مع من قاتله. والثبت أن الذي قاتل الحسين رجل من بني تميم يقال له: عبد الله بن حوزة، وهو غير هذا.

стр. 1091

غارة ابن مسعدة الفزاري قالوا: ودعا معاوية عبد الله بن مسعدة بن حكمة بن مالك بن حذيفة الفزارى، فبعثه إلى تيماء، وضمّ إليه ألفا وسبع مائة (١) وأمره أن يصدق من مرّ به من العرب، ويأخذ؛ البيعة له على من أطاعه، ويضع السيف على من عصاه، ثم يصير إلى المدينة ومكة وأرض الحجاز، وأن يكتب إليه في كل يوم بما يعمل به ويكون منه، فانتهى ابن مسعدة إلى أمره، وبلغ خبره عليا فندب المسيّب بن نجبة الفزاري في كثف من الناس فطلبه وقال له: إنك يا مسيّب من أثق بصلاحه وبأسه، فسار حتى أتى الجناب، ثم أتى تيماء وانضمّ إلى عبد الله بن مسعدة قوم من رهطه من بني فزارة، وانضمّ إلى ابن نجبة قوم من رهطه أيضا، فالتقى هو وابن مسعدة فاقتتلوا قتالا شديدا؛ وأصابت ابن مسعدة جراحات ومضى قوم من أصحابه إلى الشام منهزمين لا يلوون عليه، وبقي معه قوم منهم فلجأ ولجأوا إلى حائط حول حصن تيماء محيط به قديم، فجمع المسيّب حوله الحطب وأشعل فيه النار، فناشدوه أن

стр. 1092

لا يحرقهم وكلم فيهم، فأمر بإطفاء تلك النار. وكان على الثلمة التي يخرج منها إلى طريق الشام عبد الرحمن بن أسماء الفزاري وهو الذي كان يقاتل يومئذ ويقول: أنا ابن أسماء وهذا مصدقي … أضربهم بصارم ذي رونق فلما جنّ عليه الليل خلى سبيلهم فمضوا حتى لحقوا بمعاوية، وأصبح المسيّب فلم يجد في الحصن أحدا، فسأله بعض أصحابه أن يأذن له في اتباع القوم فأبى ذلك. وقدم المسيب على عليّ وقد بلغه الخبر؛ فحجبه أياما ثم دعا به فوبخه وقال: حابيت قومك وداهنت وضيّعت، فاعتذر إليه؛ وكلمه وجوه أهل الكوفة في الرضاء عنه؛ فلم يجبهم وربطه إلى سارية من سواري المسجد، ويقال: إنه حبسه ثم دعابه فقال له: إنه قد كلمني فيك من أنت أرجى عندي منه، فكرهت أن يكون لأحد منهم عندك يد دوني، وأظهر الرضا عنه، وولاه قبض الصدقة بالكوفة، فأشرك في ذلك بينه وبين عبد الرحمن بن محمد الكندي، ثم إنه حاسبهما فلم يجد عليهما شيئا؛ فوجّههما بعد ذلك في عمل ولاهما إياه، فلم يجد عليهما سبيلا، فقال: لو كان الناس كلهم مثل هذين الرجلين الصالحين، ما ضرّ صاحب غنم لوخلاها بلا راع، وما ضرّ المسلمات لا تغلق عليهنّ الأبواب، وماضر تاجر لو ألقى تجارته بالعراء.

стр. 1093

غارة بسر بن أبي أرطاة القرشي قالوا: كان عبيد الله بن العباس بن عبد المطلب - عامل علي على اليمن - أشتد على أهل صنعاء فيما يجب عليهم، وطرد قوما من شيعة عثمان عنها، وكان سعيد بن نمران الهمداني على الجند، فصنع مثل ذلك، فتجمعت العثمانية وادعت أن الأمر قد أفضى إلى معاوية واجتمع الناس عليه، فكتبا بذلك إلى علي فوجّه إليهما جبر بن نوف أبا الودّاك بكتاب ينسبهما فيه إلى العجز والوهن، فأرجف عبيد الله وسعيد بن نمران بأن يزيد بن قيس الأرحبي قد فصل من عند علي في جيش عظيم يريدهم، وسألا أبا الودّاك أن يحدث بذلك ويشيعه ففعل فكتبوا إلى معاوية معاوي إلا تسرع السير نحونا … نبايع عليا أو يزيد اليمانيا وإن كان فيما عندنا لك حاجة … فأرسل أميرا لا يكن متوانيا فبعث معاوية بسر بن أبي أرطاة بن عويمر - أحد بني عامر بن لوي - في ألفين وستمائة انتخبهم بسر، وقال له: يا بسر إن مصر قد فتحت فعز وليّنا وذلّ عدونا، فسر على اسم الله، فمرّ بالمدينة فأخف أهلها وأذعرهم وهوّل

стр. 1094

عليهم حتى يروا أنك قاتلهم، ثم كفّ عنهم وصر إلى مكة فلا تعرض فيها لأحد، ثم امض إلى صنعاء فإن لنا بها شيعة فانصرهم واستعن بهم على عمال علي وأصحابه فقد أتاني كتابهم، واقتل كل من كان في طاعة علي إذا امتنع من بيعتنا، وخذ ما وجدت لهم من مال. فلما دخل بسر المدينة أخاف أهلها وقال: إن بلدكم كان مهاجر نبيكم ومحل أزواجه والخلفاء الراشدين بعده، فكفرتم نعمة الله عليكم ولم تحفظوا حق أئمتكم حتى قتل عثمان بينكم، فكنتم بين خاذل له ومعين عليه، ولم يزل يرهبهم حتى ظنّوا أنه موقع بهم، ثم دعا الناس إلى بيعة معاوية فبايعه قوم وهرب منه قوم فهدم منازلهم. وكان عامل علي على المدينة يومئذ أبا أيوب خالد بن زيد الأنصاري فتوارى فأمر بسر أبا هريرة أن يصلي بالناس. ولما قرب بسر من مكة توارى قثم بن العباس، وكان عليها، فكان شيبة بن عثمان العبدري يصلي بالناس حتى قدم بسر، فلما قدم لم يهج أهل مكة ولم يعرض لهم. وقدم على علي بن أبي طالب عين له بالشام فأخبره بخبر بسر - يقال إنه قيس بن زرارة بن عمرو بن حطيان الهمداني، وكان قيس هذا عينا له بالشام يكتب إليه بالأخبار - ويقال: إن كتابه ورد عليه بخبر بسر، فخطب علي الناس ووبخهم وندبهم للشخوص إليه، فانتدب جارية بن قدامة التميمي فأمره ان يأتي البصرة فيكون شخوصه لطلب بسر منها. ووجّه إليه وهب بن مسعود الخثعمي من الكوفة. ثم لما قرب بسر من الطائف تلقاء المغيرة بن شعبة - وكان مقيما

стр. 1095

بالطائف معتزلا لأمورهم لم يشخص إلى البصرة ولا حضر صفين، إلا إنه شخص مع من شهد أمر الحكمين ثم انصرف إلى الطائف - فقال له: أحسن الله جزاك فقد بلغتني شدتك على العدو، وإحسانك إلى الولي، فدم على صالح ما أنت عليه فإنما يريد الله بالخير أهله. فقال: يا مغيرة إني أريد أن أوقع بأهل الطائف حتى يبايعوا لأمير المؤمنين معاوية. فقال: يا بسر ولم؟ أتثب على أولياءك بما تثب على أعدائك؟ لا تفعل فيصير الناس جميعا أعداؤك. فقال: صدقتني ونصحت لي. وقتل بسر كعب بن عبدة وهو ذو الحبكة، بتثليث (١). ومضى بسر حتى إذا شارف اليمن؛ هرب عبيد الله وسعيد - وذلك الثبت - ويقال: أقاما حتى قدم فتحصنا، ثم خرجا ليلا فلحقا بعلي، وخلف عبيد الله بن العباس على اليمن عبد الله بن عبد المدان الحارثي، فلما قدمها بسر قتله وقتل ابنه مالك بن عبد الله. ثم دعا الناس إلى بيعة معاوية فبايعوه له، وقتل جماعة من شيعة علي. وقال الهيثم بن عدي: حدثني يعقوب بن داود: أن عبيد الله كان عاملا لعلي على اليمن، فخرج إلى علي وخلف على صنعاء عمرو بن أراكة الثقفي، فقدم عليه بسر من قبل معاوية فقتله، فخرج عليه أخوه عبد الله فقال أبو أراكة: لعمري لقد أردى ابن ارطاة فارسا … بصنعاء كالليث الهزبر إلى أجر فقلت لعبد الله إذحنّ باكيا … تعزّ وماء العين منحدر يجري

стр. 1096

فإنك إن تبعث عنيك لما مضى … من الدهر أو ساق الحمام إلى قبر لتنفدن ماء الشؤون بأسره … وإن كنت تمريهنّ من ثبج البحر تبين فإن كان البكا ردّ هالكا … على أحد فاجهد بكاك على عمرو ولاتبك ميتا بعد ميت أجلّة … علي وعباس وآل أبي بكر وكان عبيد الله بن العباس قد جعل ابنيه عبد الرحمن وقثم في قوم أمهما - وهي أم حكيم واسمها جويرية بنت قارظ الكناني - فلما انتهى بسر إلى بلاد قومها قال: ائتوني بابني عبيد الله فلما أتي بهما قدمهما له فقتلهما فخرج نسوة من بني كنانة فقلن: هب الرجال يقتلون فما بال الولدان؟! والله ما كانوا يقتلون في الجاهلية؟ وإن سلطانا لا يسدد إلا بقتل الأطفال لسلطان سوء، فأراد أن يوقع بهن ثم أمسك. وغيّب الغلامين أياما طمعا في أن يأتيه أبوهما؛ ثم قتلهما: ذبحهما ذبحا، فرثتهما أمهما بأبيات وهي: ها من أحسّ بنييّ اللذين هما … كالدرتين تشّظا عنهما الصدف ها من أحس بنيي اللذين هما … قلبي وسمعي فقلبي اليوم مختطف ها من أحس بنيي اللذين هما … مخ العظام فمخي اليوم مزدهف نبئت بسرا وما صدقت ما زعموا … من قولهم ومن الإفك الذي اقترفوا أنحى على ودجي طفليّ مرهفة … مشحوذة وكذاك الإثم يقترف من دلّ والهة حرّاء ثاكلة … على صبيين ضلا إذ غدا السلف وقالت أيضا: ألا من أبصر الأخوين أمّهما هي الثكلى … تسائل من رأى ابنيها وتستبغي فما تبغى وسار جارية بن قدامة السعدي حتى أتى اليمن فحرق بها وقتل قوما

стр. 1097

من شيعة عثمان، وطلب بسرا فهرب فاتبعه إلى مكة، وظفر بقوم من أصحابه فقتلهم. وقال جارية لأهل مكة. يا عباد الله بايعوا أمير المؤمنين عليا، فقالوا: إنه قد هلك. قال: فبايعوا لمن بايعه أصحاب عليّ ففعلوا ذلك، ثم أتى المدينة وقد اصطلح أهلها أن يصلي بهم أبو هريرة، فقال لهم جارية: يا عباد الله بايعوا للحسن بن عليّ. فبايعوه ثم أقبل نحو الكوفة وتركهم فردّوا أبا هريرة فصلى بهم حتى اصطلح الناس. وأما وهب بن مسعود الخثعمي فسار فلم يلحق بسرا، ولم يظفر بأحد من أصحابه ويقال: إن عليا ردّه من الطريق. وحدثنا أبو مسعود الكوفي، عن عوانة، أنّ وائل بن حجر الحضرميّ، كان عثمانيا فاستأذن عليا في إتيان اليمن ليصلح له ما هناك، ثم تعجل الرجوع فأذن له في ذلك، فمالأ بسرا وأعانه على شيعة عليّ. وحدثني عباس بن هشام الكلبي عن أبيه، عن أبي مخنف في إسناده: أنّ عليا لما بلغه خبر بسر بن أبي أرطاة، وتوجيه معاوية إياه صعد المنبر، فحمد الله وأثنى عليه ثم قال: «أما بعد فإني دعوتكم عودا وبدءا وسرا وجهرا، في الليل والنهار، والغدو والآصال، فما زادكم دعائي إلا فرارا؛ وإدبارا، أما ينفعكم العظة والدعاء إلى الهدى؟ وإني لعالم بما يصلحكم ويقيم أودكم، ولكني والله لا أرى إصلاحكم بفساد نفسي، إن من ذل المسلمين وهلاك هذا الدين ان ابن أبي سفيان يدعو الأشرار فيجاب وأدعوكم وأنتم الأفضلون الأخيار فتراوغون وتدافعون». وولىّ علي بن أبي طالب يزيد بن حجية بن عامر من بني تيم الله بن

стр. 1098

ثعلبة؛ الري ودستبي وتستر فكسر الخراج فبعث إليه فحبسه ثم خرج فلحق بمعاوية. وحدثني عباس بن هشام، عن أبيه: أن عبيد الله بن العباس لما صار إلى معاوية؛ وفارق الحسن بن علي؛ رأى بسرا، فقال له: أنت أمرت هذا اللعين بقتل ولديّ؟ فقال: والله ما فعلت ولقد كرهت ذلك. فغضب بسر لقولهما وألقى سيفه إلى معاوية وقال له: خذه عني ولكن أمرتني أن أخبط به الناس فانتهيت إلى أمرك، ثم أنت تقول لهذا ما تقول وهو بالأمس عدوك؛ وأنا نصيحك دونه وظهيرك عليه فقال: خذ سيفك فإنك ضعيف الرأي حين تلقي سيفا بين يدي رجل من بني هاشم وقد قتلت ابنيه، فأخذ سيفه، وقال عبيد الله: ما كنت لأقتل بسرا، بأحد ابني، هو ألأم وأوضع وأحقر من ذلك، والله ما أرى أني أدرك ثأرهما إلا بيزيد وعبد الله ابني معاوية، فضحك معاوية وقال: ما ذنب يزيد وعبد الله فو الله ما أمرت ولا علمت ولا هويت.- وكان معاوية مائلا إلى ولد العباس لأن جدته أم أبيه كانت صفية بنت حزن، وكانت أم بني العباس لبابة بنت الحارث بن حزن - فقال ابن لعبيد الله من سرية تدعى جمانة: والله لا نرضى إلا بيزيد وعبد الله. فقال معاوية: لا أم لك فلولا كرامة أبيك لأطلت حبسك. ثم إن بسرا بعد ذلك وسوس، وكان يهذي بالسيف، فجعل له سيف من خشب أو من عيدان، وكانت الوسادة تدنى إليه فيضربها حتى يغشى عليه، وربما أدني إليه زق فيضربه، فلم يزل كذلك حتى مات في خلافة عبد الملك بن مروان، ولم يزل معاوية يصل عبيد الله بالمال العظيم بعد المال حتى سلّ ما في قلبه.

стр. 1099

وقال هشام بن الكلبي: أغار البياغ الكلبي على بكر بن وائل؛ فأخذ سبيهم، فبعث إليه عليّ الأسود بن عميرة بن جزء النهدي فردّ عليه البياغ السبي فقال: رهنت يميني عن قضاعة كلها … فإبت حميدا فيهم غير مغلق

стр. 1100

قدوم يزيد بن شجرة الرهاوي مكة قالوا: بعث معاوية يزيد بن شجرة الرهاوي، من مذحج إلى مكة لإقامة الحج، وكان على الموسم من قبل علي قثم بن العباس بن عبد المطلب وكان يزيد بن شجرة متألها متوقيا، فلما أمره معاوية بالمسير؛ قال له: إن كان لا يرضيك إلا الغشم، وإخافة البريء فابعث غيري فقال له معاوية: سر راشدا؛ فقد رضيت رأيك. وكان عثمانيا ممن شهد صفين مع معاوية. فمضى وكتم أمره، فأتى وادي القرى، ثم الجحفة، ثم قدم مكة؛ في غرة من ذي حجة فأراد قثم بن العباس التنحي عن مكة، إذ لم يكن في منعة وكان أبو سعيد الخدري حاجّا، وكان له ودّا، فأشار عليه أن لا يفعل، وبلغه أن معقل بن قيس الرياحي موافيه في جمع بعث بهم علي حين بلغه فصول ابن شجرة من الشام. فأقام وأمر ابن شجرة مناديه فنادى في الناس بالأمان، وقال: إني لم آت لقتال وإنما أصلي بالناس، فإن شئتم فعلت ذلك، وإلا فاختاروا من يقيم لكم الحج، والله ما مع قثم منعة، ولو أشاء أن آخذه لأخذته، ولكني

стр. 1101

لا أفعل، ولا أصلي معه، وأتى أبا سعيد فقال له: إن رأيت والي مكة كره ما جئنا له ونحن للصلاة معه كارهون، فإن شاء اعتزل الصلاة وأعتزلها، وتركنا أهل مكة يختارون من أحبّوا. فاصطلحوا على شيبة بن عثمان بن أبي طلحة العبدري، فقال أبو سعيد: ما رأيت في أهل الشام مثل هذا؟ وهب إلينا قبل أن نطلب إليه. وقدم معقل يريد يزيد بن شجرة؛ فلقي أخريات أصحابه بوادي القرى فأسر منهم ولم يقتل، ثم صار إلى دومة الجندل وانصرف إلى الكوفة. حدثني عباس بن هشام الكلبي، [عن أبيه] عن أبي مخنف في إسناده قال: لما بلغ عليا توجيه معاوية يزيد بن شجرة، دعا معقل بن قيس الرياحي فقال: إني أريد أن أرسلك إلى مكة لترد عنها قوما من أهل الشام قد وجه إليها. فقال: أنا لهم فعقد اللواء واستنفر علي الناس معه، فخطب فقال: «الحمد لله الذي لا يعز من غالبه، ولا يفلح من كايده، إنه بلغني أن خيلا وجهت نحو مكة؛ فيها رجل؛ قد سمي لي، فانتدبوا إليها رحمكم الله مع معقل بن قيس، واحتسبوا في جهادكم والانتداب معه أعظم الأجر، وصالح الذخر». فسكتوا فقام معقل فقال: أيها الناس انتدبوا فإنما هي أيام قلائل حتى ترجعوا إن شاء الله، فإني أرجو أن لو قد سمعوا بنفيركم إليهم تفرقوا تفرق معزى الغزر (١) فو الله إن الجهاد في سبيل الله خير من المقام تحت سقوف البيوت، والتضجيع خلف أعجاز النساء. فقام الرباب بن صبرة بن هوذة الحنفي فقال: أنا أول منتدب.

стр. 1102

ثم وثب طعين بن الحارث الكندي، فقال: وأنا منتدب وانتدب الناس. فشخص لاثنتي عشرة ليلة بقيت من ذي الحجة في ألف وتسعمائة - ويقال: سبع مائة - وأعطاهم علي مائة مائة. وشخص يزيد بن شجرة من مكة لليلتين بقيتا من ذي الحجة، وأغذ السير حتى خرج من أرض مكة والمدينة، وهو يحمد الله على تمام حجه وأنه لم يقاتل في الحرم. ولحق معقل أخريات أصحاب يزيد، دون وادي القرى فأصاب منهم عشرة نفر، وكره ابن شجرة أن يرجع للقتال، فمضى إلى معاوية.

стр. 1103

أمر ابن العشبة وأصحابه بالسماوة قالوا: وبعث معاوية رجلا من كلب يقال له: زهير بن مكحول؛ من بني عامر الأجدار؛ إلى السماوة، فجعل يصدّق الناس، فبلغ ذلك عليا فبعث ثلاثة نفر: جعفر بن عبد الله الأشجعي، وعروة بن العشبة من كلب، من بني عبدودّ، والجلاس بن عمير؛ من بني عدي بن خباب الكلبي، وجعل الجلاس كاتبا له ليصدّقوا من كان في طاعته من كلب، وبكر بن وائل، فأخذوا على شاطئ الفرات حتى وافوا أرض كلب، ووافوا زهير الأجداري فاقتتلوا، فهزم زهير أصحاب علي، وقتل جعفر بن عبد الله وأفلت الجلاس، وأتى ابن العشبة عليا فعنفه وقال: جبنت وتعصبت فانهزمت، وعلاه بالدرّة، فغضب ولحق بمعاوية، فهدم علي داره، وكان زهير حمل ابن العشبة على فرس فلذلك اتهمه عليّ، وقال ابن العشبة: أبلغ أبا حسن إذا ما جئته … يدنيك منه الصبح والأمساء لو كنت آتينا عشية جعفر … جاشت اليك النفس والأحشاء إذ نحسب الشجرات خلف ظهورنا … خيلا وان أمامنا صحراء

стр. 1104

إنا لقينا معشرا قبض الخصا … فكأنهم يوم الوغى شجراء ومرّ الجلاس براع فأعطاه جبّة خزّ، وأعطاه الراعي عباءة، وأخذ العلبة في يده وأدركته الخيل فقال: أين أخذ هؤلاء الترابيون؟ فأشار إليه أخذوا هاهنا، ثم أقبل إلى الكوفة فقال الجواس بن المعطل: ونجا جلاسا علبة وعباءة … وقولك إني جيد الصرّ حالب ولو ثقفته بالشّعيب خيولهم … لأودى كما أودى سمير وحاطب وصار لقى بين الفريقين مسلما … جبارا ولم يثأر به الدهر طالب قال هشام بن الكلبي: هو عروة بن العشبة، وسمي عوف بن عمرو بن عبدود «العشبة»؛ لأنه كان كالعشب لقومه، وعروة من ولده، وبعضهم يقول عمرو بن العشبة، وذلك باطل.

стр. 1105

أمر مسلم بن عقبة المري بدومة الجندل قالوا: وبعث معاوية ابن عقبة المري إلى أهل دومة الجندل - وكانوا قد توقفوا عن البيعة لعلي ومعاوية جميعا - فدعاهم إلى طاعة معاوية وبيعته، وبلغ ذلك عليا فبعث إلى مالك بن كعب الهمداني أن خلّف على عملك من تثق به وأقبل إليّ. ففعل واستخلف عبد الرحمن بن عبد الله الكندي فبعثه علي إلى دومة الجندل في ألف فارس، فلم يشعر مسلم إلا وقد وافاه فاقتتلوا يوما ثم انصرف مسلم منهزما، وأقام مالك أياما يدعو أهل دومة الجندل إلى البيعة لعلي فلم يفعلوا، وقالوا: لا نبايع حتى يجتمع الناس على إمام. فانصرف.

стр. 1106

غارة الحارث بن نمر التنوخي قالوا: لما قدم يزيد بن شجرة على معاوية، وجه الحارث بن نمر التنوخي على خيل مقدّحة (١) فأمره أن يأتي الجزيرة فيسأل عمن كان في طاعة على فيأتيه فأخذ من أهل دارا (٢) سبعة نفر من بني تغلب ثم أقبل بهم وشبيب بن عامر الأزدي عامل علي على نصيبين - وهو جد الكرماني صاحب خراسان - وقد كانت جماعة من بني تغلب انحازت عن علي إلى معاوية؛ فكلموه في السبعة النفر فلم يجبهم إلى إطلاقه، فاعتزلوه أيضا. فكتب معاوية إلى علي: إن في أيديكم أسارى من أهل طاعتنا كان معقل بن قيس أخذهم بناحية وادي القرى، ممن كان مع يزيد بن شجرة، وفي أيدينا رجال من شيعتك أصبناهم، فان أحببت خلينا من في أيدينا وخليتم من في أيديكم، فأخرج عليّ النفر الذين قدم بهم معقل بن قيس من أصحاب ابن شجرة الرهاوي وكانوا محتبسين فبعث بهم إلى معاوية مع سعد مولاه؛ وأطلق معاوية السبعة الذين أخذوا بدارا.

стр. 1107

قالوا: وبعث علي رجلا من خثعم يقال له: عبد الرحمن إلى ناحية الموصل والجزيرة لتسكين الناس، فلقيه أولئك التغلبيون الذين اعتزلوا عليا ومعاوية فتشاتموا ثم تقاتلوا فقتلوه، فأراد علي أن يوجّه إليهم جيشا، فكلمته ربيعة فيهم، وقالوا: هم معتزلون لعدوك داخلون في أهل طاعتك، وإنما قتلوا الخثعمي خطأ، فأمسك عنهم، وكان على هذه الجماعة من بني تغلب قرثع بن الحارث التغلبي.

стр. 1108

غارة مالك الأشتر وهو عامل علي على الجزيرة - قبل شخوصه إلى مصر - واستخلافه شبيب بن عامر على الجزيرة قالوا: بعث معاوية الضحاك بن قيس الفهري على ما كان من سلطانه [من] الجزيرة والرقة، وحران، والرها، وقرقيسيا، فبلغ ذلك الأشتر، فسار من نصيبين يريد الضحاك واستمدّ الضحاك أهل الرقة - وكان جلّ من بها عثمانية هربوا من علي - فأمدّوه عليهم سماك بن مخرمة الأسديّ، فعسكروا جميعا بين الرقة وحران، وأقبل إليهم الأشتر فاقتتلوا قتالا شديدا وفشت فيهم الجراح، وأسرع الأشتر فيهم، فلما حجز الليل بينهم سار الضحاك من ليلته فنزل حران، وأصبح الأشتر فأتبعهم حتى حاصرهم بحران، وأتى الصريخ معاوية؛ فدعا عبد الرحمن بن خالد بن الوليد المخزومي، فأمره بالمسير لإنجاد الضحاك؛ فلما بلغ الأشتر ذلك كتّب كتائبه ليعاجل الضحاك، ثم نادى ألا إن الحي عزيز، ألا إن الذمار منيع ألا تنزلون أيتها الثعالب الروّاغة، ثم مضى فمرّ بالرقة فتحصنوا منه وأتى قرقيسيا فتحصنوا منه، وبلغ عبد الرحمن بن خالد انصرافه فأقام وقال أيمن بن خريم بن فاتك الأسدي:

стр. 1109

لولا مقام عشيرتي وطعانهم … وجلادهم بالسيف أيّ جلاد لأتاك أشتر مذحج لا ينثني … بالسيف ذا حنق وذا إرعاد (١)

стр. 1110

غارة عبد الرحمن بن قباث بن أشيم الكناني قالوا: وكان كميل بن زياد النخعي على هيت في جند من شيعة علي فلما أغار سفيان بن عوف على الأنبار، كان كميل قد أتى ناحية قرقيسيا لمواقعة قوم بلغه انهم قد أجمعوا على أن يغيروا على هيت ونواحيها، فقال: أبدأهم قبل أن يبدأوني فإنه يقال: ابدأهم بالصراخ يفر. فاستخلف على هيت وشخص بجميع أصحابه، فلما قربهم جيش سفيان عبر أهل هيت ومن بقي بها من أصحاب كميل وكانوا خمسين رجلا، فأغضب ذلك عليا وأحفظه فكتب إليه: «إن تضييع المرء ما وليّ وتكلفه ما كفي عجز، وإن تركك عملك وتخطيّك إياه إلى قرقيسيا خطأ وجهل ورأي شعاع». ووجد عليه وقال: إنه لا عذر لك عندي، فكان كميل مقيما على نجوم (١) وغمّ لغضب عليّ؛ فبينا هو على ذلك إذ أتاه كتاب شبيب بن عامر الأزدي من نصيبين في رقعة كأنها لسان كلب يعلمه فيه أن عينا له كتب إليه يعلمه أن معاوية قد وجّه عبد الرحمن بن قباث نحو الجزيرة، وأنه لا يدري أيريد

стр. 1111

ناحيته أم ناحية الفرات وهيت. فقال كميل إن كان ابن قباث يريدنا لنتلقينه، وإن كان يريد إخواننا بنصيبين؛ لنعترضنه فإن ظفرت أذهبت موجدة أمير المؤمنين فأغنيت عنه، وإن استشهدت فذلك الفوز العظيم، وإن أبقى رجوت الأجر الجزيل، فأشير عليه؛ باستئمار علي، فأبى ذلك ونهض يريد ابن قباث في أربعمائة فارس، وخلف رجالته وهم ستمائة في هيت، وجعل يحبس من لحقه ليطوي الأخبار عن عدوه، وأتاه الخبر بانحيازه من الرقة نحو رأس العين، ومصيره إلى كفرتوثا (١) وكان ينشد في طريقه كثيرا: يا خير من جر له خير القدر … فالله ذو الآلاء أعلى وأبرّ يخذل من شاء ومن شاء نصر ثم أغذّ السير نحو كفرتوثا، فتلقاه ابن قباث ومعن بن يزيد السلمي بها في أربعمائة وألفين، فواقعهما كميل ففضّ عسكرهما وغلب عليه وقتل من أصحابهما بشرا، فأمر أن لا يتبع مدبر ولا يجهز على جريح، وقتل من أصحاب كميل رجلان، وكتب بالفتح إلى علي، فجزاه الخير وأجابه جوابا حسنا. قالوا: وأقبل شبيب بن عامر؛ من نصيبين في ستمائة فارس ورجالة، ويقال: في أكثر من هذا العدد، فوجد كميلا قد أوقع بالقوم واجتاحهم فهنّاه بالظفر وقال: والله لأتبعن القوم فإن لقيتهم لم يزدهم لقائي ألا هلاكا وفلا، وإن لم ألقهم لم أثنّ أعنة الخيل حتى أطأ أرض الشام وطوى

стр. 1112

خبره عن أصحابه فلم يعلمهم أين يريد، فسار حتى صار إلى جسر منبج فقطع الفرات، ووجّه خيله فأغارت ببعلبك (١) وأرضها، وبلغ معاوية خبر شبيب، فوجه حبيب بن مسلمة للقائه، فرجع شبيب فأغار على نواحي الرقة فلم يدع للعثمانية بها ماشية إلا استاقها ولا خيلا ولا سلاحا إلا أخذه، وكتب بذلك إلى علي حين انصرف نواحي نصيبين، فكتب إليه ينهاه عن أخذ مواشي الناس وأموالهم إلا الخيل والسلاح الذي يقاتلون به، وقال: رحم الله شبيبا لقد أبعد الغارة وعجل الانتصار.

стр. 1113

غارة زياد بن خصفة بن ثقف التميمي على جانب الشام واستثارة علي أهل الكوفة لقتال معاوية قالوا: لما استنفر علي أهل الكوفة فتثاقلوا وتباطأوا؛ عاتبهم ووبّخهم، فلما تبين منهم العجز وخشي منهم التمام على الخذلان، جمع أشراف أهل الكوفة ودعا شيعته الذين يثق بمناصحتهم وطاعتهم فقال: الحمد لله، وأشهد أن لا إله إلا الله، وأن محمدا عبده ورسوله أما بعد أيها الناس فإنكم دعوتموني إلى هذه البيعة فلم أردّكم عنها، ثم بايعتموني على الإمارة ولم أسألكم أيّاها فتوثب علي متوثبون؛ كفى الله مؤونتهم وصرعهم لخدودهم وأتعس جدودهم، وجعل دائرة السوء عليهم، وبقيت طائفة تحدث في الاسلام أحداثا، تعمل بالهوى، وتحكم بغير الحق، ليست بأهل لما ادّعت، وهم إذا قيل لهم: تقدّموا قدما تقدّموا، وإذا قيل لهم أقبلوا [أقبلوا] لا يعرفون الحقّ كمعرفتهم الباطل، ولا يبطلون كإبطالهم الحق، أما إني قد سئمت من عتابكم وخطابكم فبينوا لي ما أنتم فاعلون، فإن كنتم شاخصين معي إلى عدوي، فهو ما أطلب وأحب، وإن كنتم غير فاعلين فاكشفوا لي عن أمركم أرى رأيي، فو الله لئن لم تخرجوا معي بأجمعكم إلى

стр. 1114

عدوكم فتقاتلوهم ﴿حَتّى يَحْكُمَ اللهُ بَيْنَنا﴾ وبينهم ﴿وَ هُوَ خَيْرُ الْحاكِمِينَ﴾ (١) لأدعون الله عليكم، ثم لأسيرن إلى عدوكم ولو لم يكن معي إلا عشرة، أأجلاف أهل الشام وأعرابها أصبر على نصرة الضلال، وأشد اجتماعا على الباطل منكم على هداكم وحقكم، ما بالكم، ما دواؤكم؟ إن القوم أمثالكم لا ينشرون إن قتلوا إلى يوم القيامة. فقام إليه سعيد بن قيس الهمداني فقال: يا أمير المؤمنين مرنا بأمرك؛ والله ما يكبر جزعنا على عشائرنا إن هلكت، ولا على أموالنا إن نفدت في طاعتك ومؤازرتك. وقام إليه زياد بن خصفة فقال: يا أمير المؤمنين أنت والله أحق من استقامت له طاعتنا، وحسنت مناصحتنا، وهل ندخر طاعتنا بعدك لأحد مثلك، مرني بما أحببت مما تمتحن به طاعتي. وقام إليه سويد بن الحارث التيمي من تيم الرباب فقال: يا أمير المؤمنين مر الرؤساء من شيعتك فليجمع كل امرئ منهم أصحابه فيحثهم على الخروج معك، وليقرأ عليهم القرآن، ويخوفهم عواقب الغدر والعصيان، ويضم إليه من أطاعه وليأخذهم بالشخوص. فلقي الناس بعضهم بعضا، وتعاذلوا وتلاوموا، وذكروا ما يخافون من استجابة دعائه عليهم إن دعا، فأجمع رأي الناس على الخروج وبايع حجر بن عديّ أربعة آلاف من الشيعة على الموت، وبايع زياد بن خصفة البكري نحو من ألفي رجل، وبايع معقل بن قيس نحو من ألفي رجل، وبايع عبد الله بن وهب السبأي (٢) نحو من ألف رجل.

стр. 1115

وأتى زياد بن خصفة عليا فقال له: أرى الناس مجتمعين على المسير معك؛ فأحمد الله يا أمير المؤمنين. فحمد الله ثم قال: ألا تدلوني على رجل حسيب صليب يحشر الناس علينا من السواد ونواحيه؛ فقال سعيد بن قيس: أنا والله أدلك عليه: معقل بن قيس الحنظلي، فهو الحسيب الصليب الذي قد جربته وبلوته، وعرفناه وعرفته، فدعاه علي وأمره بتعجيل الخروج لحشر الناس، فإن الناس قد انقادوا للخروج. ثم قال زياد بن خصفة: يا أمير المؤمنين قد اجتمع لي من قد اجتمع فأذن لي أن أخرج بأهل القوة منهم، ثم ألزم بشاطئ الفرات حتى أغير على جانب من الشام وأرضها؛ ثم أعجل الانصراف قبل وقت الشخوص واجتماع من بعث أمير المؤمنين في حشره، فإن ذلك مما يرهبهم ويهدهم. قال: فامض على بركة الله؛ فلا تظلمنّ أحدا، لا تقاتلن إلا من قاتلك، ولا تعرضنّ للأعراب. فأخذ على شاطئ الفرات فأغار على نواحي الشام، ثم انصرف، ووجه معاوية عبد الرحمن بن خالد بن الوليد في طلبه ففاته، وقدم زياد هيت فأقام بها ينتظر قدوم علي. وخرج معقل لما وجّه له، فلما صار بالدسكرة بلغه أنّ الأكراد قد أغارت على شهرزور، فخرج في آثارهم فلحقهم حتى دخل الجبل فانصرف عنهم، ثم لما فرغ من حشر الناس وأقبل راجعا فصار إلى المدائن بلغه نعي علي، فسار حتى دخل الكوفة، ورجع زياد من هيت. وحدثني عباس بن هشام الكلبي، عن أبيه عن عوانة بن الحكم قال: خطب علي الناس ودعاهم إلى الخفوف إلى غزو أهل الشام، وأمر الحارث الأعور بالنداء فيهم فلم يوافه إلا نحو من ثلاثمائة، فخطبهم

стр. 1116

ووبخهم فاستحيوا فاجتمع منهم ألوف فتعاقدوا على الشخوص معه، وأجمع رأيهم على الإقامة شتوتهم ثم الخروج في الفصل، فإنهم على ذلك إذ أصيب علي ﵇. وحدثني أبو مسعود الكوفي، عن عوانة: أن عليا كتب إلى قيس بن سعد وهو عامله على أذربيجان: «أما بعد فاستعمل على عملك عبد الله بن شبيل الأحمسي وأقبل فإنه قد اجتمع ملأ المسلمين وحسنت طاعتهم، وانقادت لي جماعتهم ولا يكن لك عرجة ولا لبث، فإنا جادّون مغذّون، ونحن شاخصون إلى المحلين، ولم أؤخر المسير إلا انتظارا لقدومك علينا إن شاء الله. والسّلام. وقال أبو مسعود: قال عوانة: قال عمرو بن العاص - حين بلغه ما عليه عليّ من الشخوص إلى الشام، وأن أهل الكوفة قد انقادوا له - لا تحسبني يا عليّ غافلا … لأوردن الكوفة القبائلا ستين ألفا فارسا وراجلا فقال عليّ: لأبلغن العاصي بن العاصي … ستين ألفا عاقدي النواصي مستحقبين حلق الدلاص (١) …

стр. 1117

أمر أشرس بن عوف الشيباني في خلافة علي ﵇ قالوا: أول من خرج على عليّ بعد مقتل أهل النهروان أشرس بن عوف الشيباني، خرج بالدسكرة في مائتين ثم صار إلى الأنبار، فوجه إليه علي الأبرش بن حسان في ثلاثمائة فواقعه فقتل أشرس في شهر ربيع الأول سنة ثمان وثلاثين. وكان أشرس لما توجه يريد النهر لقيه علي بن الحارث بن يزيد بن رويم ليمنعه فطعنه وقال: خذها من ابن عم لك مفارق لولا نصرته الحق كان بك ضنينا، فيقال: إنه قتله: والثبت أنه بقي وكان فيمن لقيه فضربه وقال: خذها من ابن عم لك شان.

стр. 1118

أمر هلال بن علفة قالوا: ثم خرج هلال بن علفة من تيم الرباب ومعه أخوه مجالد، وقال بعضهم: إن الرئاسة كانت لمجالد؛ ومعه هلال، فأتى ما سبذان يدعو إلى ماربه رأيه، ويقاتل من قاتله، فوجه إليه علي معقل بن قيس الرياحي فقتله وقتل أصحابه وهم أكثر من مائتين، وكان مقتلهم في جمادى الأول سنة ثمان وثلاثين.

стр. 1119

أمر الأشهب بن بشير العرني وبعضهم يقول: الأشعث من بجيلة وهو كوفي قالوا: ثم خرج الأشهب في جمادى الآخرة سنة ثمان وثلاثين في مائة وثلاثين (١) فأتى المعركة التي أصيب ابن علفة وأصحابه فيها، فصلى عليه، وأجن من قدر عليه منهم، فوجه إليه علي جارية بن قدامة التميمي، ويقال: حجر بن عدي الكندي، فأقبل إليهم الأشهب فالتقوا بجرجرايا (٢) من أرض جوخى، فقتل الأشهب وأصحابه في جمادى الآخرة سنة ثمان وثلاثين.

стр. 1120

أمر سعيد بن قفل التيمي من تيم الله بن ثعلبة بن عكابة قالوا: ثم خرج سعيد بن قفل التيمي في رجب بالبندنيجين، وكان معه مائتا رجل، فأقبل حتى أتى قنطرة الدرزيجان (١) وهي على فرسخين من المدائن، فكتب علي إلى سعد بن مسعود الثقفي - عم المختار بن أبي عبيد بن مسعود، وكان عامله على المدائن - في أمره، فخرج إلى ابن قفل وأصحابه فواقعهم فقتلهم في رجب سنة ثمان وثلاثين، وبعضهم يقول: هو سعد بن قفل.

стр. 1121

أمر أبي مريم السعدي - سعد مناة بن تميم قالوا: رجع علي إلى الكوفة من النهر وبها ثلاثة آلاف من الخوارج، وألف في عسكره ممن فارق ابن وهب وجاء إلى راية أبي أيوب الأنصاري، ومن كان بالنخيلة ممن خرج يريد أهل الشام قبل النهر، فلما قاتل علي أهل النهر، أقاموا ولم يقاتلوا أهل النهر معه، وقوم بالكوفة لا يرون قتاله، ولا القتال معه. فأتى أبو مريم شهرزور في مائتين، جلهم موال، فأقام بشهرزور أشهرا يحض أصحابه ويذكرهم أمر النهر، واستجاب له أيضا قوم من غير أصحابه، فقدم المدائن في أربعمائة، ثم أتى الكوفة، فأقام على خمسة فراسخ منها، فأرسل إليه علي يدعوه إلى بيعته وأن يدخل المصر، فيكون فيه مع من لا يقاتله ولا يقاتل معه، فقال: ما بيني وبينك إلا الحرب. فبعث إليه علي شريح بن هانئ في سبعمائة فدعاه إلى بيعة علي أو دخول المصر، لا يقاتله ولا يقاتل معه. فقال: يا أعداء الله أنحن نبايع عليا ونقيم بين أظهركم تجوز علينا أحكامكم وقد قتلتم عبد الله بن وهب وزيد بن حصين،

стр. 1122

وحرقوص بن زهير، وإخواننا الصالحين، ثم تنادوا بالتحكيم وحملوا على شريح وأصحابه فانكشفوا، وبقي شريح في مائتين، فانحاز إلى بعض القرى وتراجع إليه بعض أصحابه فصار في خمسمائة، ودخل الباقون الكوفة، فأرجفوا بقتل شريح، فخرج علي بنفسه وقدّم أمامه جارية بن قدامة في خمسمائة ثم أتبعه في ألفين. فمضى جارية حتى صار بإزاء الخوارج فقال لأبي مريم: ويحك أرضيت لنفسك أن تقتل مع هؤلاء العبيد؟ والله لئن وجدوا ألم الحديد ليسلمنك، فقال: ﴿إِنّا سَمِعْنا قُرْآناً عَجَباً* يَهْدِي إِلَى الرُّشْدِ فَآمَنّا بِهِ وَ لَنْ نُشْرِكَ بِرَبِّنا أَحَداً﴾ (١) ولحقهم علي فدعاهم إلى بيعته فأبوها وحملوا على عليّ فجرحوا عدة من أصحابه، ثم قتلوا إلا خمسين رجلا استأمنوا فآمنهم عليّ. وكان في الخوارج أربعون جريحا، فأمر عليّ بإدخالهم الكوفة ومداواتهم ثم قال: الحقوا بأيّ البلاد شئتم. وكان مقتل أبي مريم في شهر رمضان سنة ثمان وثلاثين. وقال أبو الحسن المدائني: كان أبو مريم في أربعمائة من الموالي والعجم، ليس فيهم من العرب إلا خمسة من بني سعد، وأبو مريم سادسهم.

стр. 1123

أمر ابن ملجم وأمر اصحابه ومقتل أمير المؤمنين علي بن أبي طالب ﵇ المدائني عن مسلمة بن محارب، عن داود بن أبي هند: عن الشعبي قال: حجّ ناس من الخوارج سنة تسع وثلاثين وقد اختلف عامل علي وأصحاب معاوية، فاصطلح الناس على شيبة بن عثمان، فلما انقضى الموسم أقام الخوارج مجاورين فقالوا: كان هذا البيت معظما في الجاهلية، جليل الشأن في الإسلام، وقد انتهك هؤلاء حرمته، فلو أن قوما شروا أنفسهم فقتلوا هذين الرجلين اللذين قد أفسدوا في الأرض، واستحلا حرمة هذا البيت استرحنا واستراحت الأمة، واختار الناس لأنفسهم إماما، فقال عبد الرحمن بن ملجم: أنا أكفيكم عليا، وقال الحجاج بن عبد الله الصريميّ - وهو البرك - أنا أقتل معاوية، وقال زاذويه مولى بني حارثة بن كعب بن العنبر - واسمه عمرو بن بكر-: والله ما عمرو بن العاص بدونهما؛ فأنا له، فتعاقدوا على ذلك، ثم إنهم اعتمروا عمرة رجب. فقدم ابن ملجم الكوفة وجعل يكتم أمره؛ فتزوج قطام بنت علقمة من تيم الرباب - وكان علي قتل أخاها - فأخبرها بأمره، وكان أقام عندها ثلاث

стр. 1124

ليال، فقالت له في الليلة الثالثة: لشدّ ما أحببت لزوم أهلك وبيتك، وأضربت عن الأمر الذي قدمت له، فقال: إن لي وقتا واعدت عليه أصحابي ولن أجاوزه. ثم إنه قعد لعليّ فقتله، ضربه على رأسه، وضرب ابن عم له عضادة الباب، فقال علي - حين وقع به السيف - فزت ورب الكعبة. وقال الكلبي: هو عبد الرحمن بن عمرو بن ملجم بن المكشوح بن نفر بن كلدة، من حمير، وكان كلدة أصاب دما في قومه من حمير، فأتى مراد فقال: أتيتكم تجوب بي ناقتي الأرض فسمي تجوب. وحدثني أحمد بن إبراهيم الدورقي، وعمرو بن محمد الناقد، قال: حدثني أبو داود الطيالسي، أنبأنا شعبة، أنبأنا سعد بن إبراهيم قال: سمعت عبيد الله بن أبي رافع، قال: شهدت عليا وقد اجتمع الناس عليه حتى أدموا رجله فقال: اللهم إني كرهتهم وكرهوني فأرحني منهم وأرحهم مني، فما بات إلا تلك الليلة. وحدثنا زهير بن حرب أبو خيثمة، حدثنا وهب بن جرير، حدثنا ابن جعدبة: عن صالح بن كيسان قال: مكث معاوية بالشام وعلي بالعراق وعمرو بن العاص بمصر؛ بعد أن قتل ابن حديج محمد بن أبي بكر الصديق بمصر. ثم إن نفرا اجتمعوا على أن يعدوا عليهم في ساعة واحدة فيقتلوهم ليريحوا الأمة منهم، زعموا. فأما صاحب علي فقتله حين خرج لصلاة الصبح، وأما صاحب

стр. 1125

معاوية فطعنه وهو دارع - فلم يضره، وأما عمرو بن العاص فخرج أمامه خارجة بن أبي خارجة من بني عدي بن كعب، فظن الرجل انه عمرو بن العاص، فشد عليه فقتله، ورجع عمرو وراءه. فلما قتل علي تداعى أهل الشام إلى بيعة معاوية، فقال عبد الرحمن بن خالد بن الوليد: نحن المؤمنون ومعاوية أميرنا وهو أمير المؤمنين، فبايع له أهل الشام وهو بإيليا (١) لخمس ليال خلون من شهر ربيع الأول سنة أربعين، فكان ما بين قتل عثمان وبيعة الناس لمعاوية أربع سنين وشهرين وسبع عشرة ليلة. وحدثني عباس بن هشام الكلبي، عن أبيه، عن عوانة قال: قال الشعبي: لم يزل الناس خائفين لهذه الخوارج على علي مذ حكم المحكمين وقتل أهل النهروان حتى قتله ابن ملجم - لعن الله ابن ملجم-. وحدثني محمد بن سعد؛ عن الواقدي. وحدثني عباس بن هشام الكلبي عن أبيه، عن لوط بن يحيى، وعوانة بن الحكم وغيرهما قالوا: اجتمع ثلاثة نفر من الخوارج بمكة، وهم عبد الرحمن بن ملجم الحميري - وعداده في مراد؛ وهو حليف بني جبلة من كندة، ويقال: إن مراد أخواله - والبرك بن عبد الله التميمي ثم الصريمي، صريم مقاعس بن عمرو بن كعب بن سعد بن زيد مناة بن تميم - ويقال: إن اسم البرك الحجاج - وعمرو بن بكير - ويقال: بكر أحد بني سعد بن زيد مناة بن تميم - فتذاكروا أمر إخوانهم الذين قتلوا بالنهروان؛ وقالوا: والله ما لنا خير في البقاء بعدهم فلو شرينا أنفسنا فأتينا أئمة الضلال والفتنة فأرحنا
следующие страницы →