← Ансаб

Ансаб · id 9773

أنساب الأشراف - ط الفكر

البلاذري

Полный текст (5 555 стр.). Показаны 1121–1160 · переход к 1126.

стр. 1121

أمر أبي مريم السعدي - سعد مناة بن تميم قالوا: رجع علي إلى الكوفة من النهر وبها ثلاثة آلاف من الخوارج، وألف في عسكره ممن فارق ابن وهب وجاء إلى راية أبي أيوب الأنصاري، ومن كان بالنخيلة ممن خرج يريد أهل الشام قبل النهر، فلما قاتل علي أهل النهر، أقاموا ولم يقاتلوا أهل النهر معه، وقوم بالكوفة لا يرون قتاله، ولا القتال معه. فأتى أبو مريم شهرزور في مائتين، جلهم موال، فأقام بشهرزور أشهرا يحض أصحابه ويذكرهم أمر النهر، واستجاب له أيضا قوم من غير أصحابه، فقدم المدائن في أربعمائة، ثم أتى الكوفة، فأقام على خمسة فراسخ منها، فأرسل إليه علي يدعوه إلى بيعته وأن يدخل المصر، فيكون فيه مع من لا يقاتله ولا يقاتل معه، فقال: ما بيني وبينك إلا الحرب. فبعث إليه علي شريح بن هانئ في سبعمائة فدعاه إلى بيعة علي أو دخول المصر، لا يقاتله ولا يقاتل معه. فقال: يا أعداء الله أنحن نبايع عليا ونقيم بين أظهركم تجوز علينا أحكامكم وقد قتلتم عبد الله بن وهب وزيد بن حصين،

стр. 1122

وحرقوص بن زهير، وإخواننا الصالحين، ثم تنادوا بالتحكيم وحملوا على شريح وأصحابه فانكشفوا، وبقي شريح في مائتين، فانحاز إلى بعض القرى وتراجع إليه بعض أصحابه فصار في خمسمائة، ودخل الباقون الكوفة، فأرجفوا بقتل شريح، فخرج علي بنفسه وقدّم أمامه جارية بن قدامة في خمسمائة ثم أتبعه في ألفين. فمضى جارية حتى صار بإزاء الخوارج فقال لأبي مريم: ويحك أرضيت لنفسك أن تقتل مع هؤلاء العبيد؟ والله لئن وجدوا ألم الحديد ليسلمنك، فقال: ﴿إِنّا سَمِعْنا قُرْآناً عَجَباً* يَهْدِي إِلَى الرُّشْدِ فَآمَنّا بِهِ وَ لَنْ نُشْرِكَ بِرَبِّنا أَحَداً﴾ (١) ولحقهم علي فدعاهم إلى بيعته فأبوها وحملوا على عليّ فجرحوا عدة من أصحابه، ثم قتلوا إلا خمسين رجلا استأمنوا فآمنهم عليّ. وكان في الخوارج أربعون جريحا، فأمر عليّ بإدخالهم الكوفة ومداواتهم ثم قال: الحقوا بأيّ البلاد شئتم. وكان مقتل أبي مريم في شهر رمضان سنة ثمان وثلاثين. وقال أبو الحسن المدائني: كان أبو مريم في أربعمائة من الموالي والعجم، ليس فيهم من العرب إلا خمسة من بني سعد، وأبو مريم سادسهم.

стр. 1123

أمر ابن ملجم وأمر اصحابه ومقتل أمير المؤمنين علي بن أبي طالب ﵇ المدائني عن مسلمة بن محارب، عن داود بن أبي هند: عن الشعبي قال: حجّ ناس من الخوارج سنة تسع وثلاثين وقد اختلف عامل علي وأصحاب معاوية، فاصطلح الناس على شيبة بن عثمان، فلما انقضى الموسم أقام الخوارج مجاورين فقالوا: كان هذا البيت معظما في الجاهلية، جليل الشأن في الإسلام، وقد انتهك هؤلاء حرمته، فلو أن قوما شروا أنفسهم فقتلوا هذين الرجلين اللذين قد أفسدوا في الأرض، واستحلا حرمة هذا البيت استرحنا واستراحت الأمة، واختار الناس لأنفسهم إماما، فقال عبد الرحمن بن ملجم: أنا أكفيكم عليا، وقال الحجاج بن عبد الله الصريميّ - وهو البرك - أنا أقتل معاوية، وقال زاذويه مولى بني حارثة بن كعب بن العنبر - واسمه عمرو بن بكر-: والله ما عمرو بن العاص بدونهما؛ فأنا له، فتعاقدوا على ذلك، ثم إنهم اعتمروا عمرة رجب. فقدم ابن ملجم الكوفة وجعل يكتم أمره؛ فتزوج قطام بنت علقمة من تيم الرباب - وكان علي قتل أخاها - فأخبرها بأمره، وكان أقام عندها ثلاث

стр. 1124

ليال، فقالت له في الليلة الثالثة: لشدّ ما أحببت لزوم أهلك وبيتك، وأضربت عن الأمر الذي قدمت له، فقال: إن لي وقتا واعدت عليه أصحابي ولن أجاوزه. ثم إنه قعد لعليّ فقتله، ضربه على رأسه، وضرب ابن عم له عضادة الباب، فقال علي - حين وقع به السيف - فزت ورب الكعبة. وقال الكلبي: هو عبد الرحمن بن عمرو بن ملجم بن المكشوح بن نفر بن كلدة، من حمير، وكان كلدة أصاب دما في قومه من حمير، فأتى مراد فقال: أتيتكم تجوب بي ناقتي الأرض فسمي تجوب. وحدثني أحمد بن إبراهيم الدورقي، وعمرو بن محمد الناقد، قال: حدثني أبو داود الطيالسي، أنبأنا شعبة، أنبأنا سعد بن إبراهيم قال: سمعت عبيد الله بن أبي رافع، قال: شهدت عليا وقد اجتمع الناس عليه حتى أدموا رجله فقال: اللهم إني كرهتهم وكرهوني فأرحني منهم وأرحهم مني، فما بات إلا تلك الليلة. وحدثنا زهير بن حرب أبو خيثمة، حدثنا وهب بن جرير، حدثنا ابن جعدبة: عن صالح بن كيسان قال: مكث معاوية بالشام وعلي بالعراق وعمرو بن العاص بمصر؛ بعد أن قتل ابن حديج محمد بن أبي بكر الصديق بمصر. ثم إن نفرا اجتمعوا على أن يعدوا عليهم في ساعة واحدة فيقتلوهم ليريحوا الأمة منهم، زعموا. فأما صاحب علي فقتله حين خرج لصلاة الصبح، وأما صاحب

стр. 1125

معاوية فطعنه وهو دارع - فلم يضره، وأما عمرو بن العاص فخرج أمامه خارجة بن أبي خارجة من بني عدي بن كعب، فظن الرجل انه عمرو بن العاص، فشد عليه فقتله، ورجع عمرو وراءه. فلما قتل علي تداعى أهل الشام إلى بيعة معاوية، فقال عبد الرحمن بن خالد بن الوليد: نحن المؤمنون ومعاوية أميرنا وهو أمير المؤمنين، فبايع له أهل الشام وهو بإيليا (١) لخمس ليال خلون من شهر ربيع الأول سنة أربعين، فكان ما بين قتل عثمان وبيعة الناس لمعاوية أربع سنين وشهرين وسبع عشرة ليلة. وحدثني عباس بن هشام الكلبي، عن أبيه، عن عوانة قال: قال الشعبي: لم يزل الناس خائفين لهذه الخوارج على علي مذ حكم المحكمين وقتل أهل النهروان حتى قتله ابن ملجم - لعن الله ابن ملجم-. وحدثني محمد بن سعد؛ عن الواقدي. وحدثني عباس بن هشام الكلبي عن أبيه، عن لوط بن يحيى، وعوانة بن الحكم وغيرهما قالوا: اجتمع ثلاثة نفر من الخوارج بمكة، وهم عبد الرحمن بن ملجم الحميري - وعداده في مراد؛ وهو حليف بني جبلة من كندة، ويقال: إن مراد أخواله - والبرك بن عبد الله التميمي ثم الصريمي، صريم مقاعس بن عمرو بن كعب بن سعد بن زيد مناة بن تميم - ويقال: إن اسم البرك الحجاج - وعمرو بن بكير - ويقال: بكر أحد بني سعد بن زيد مناة بن تميم - فتذاكروا أمر إخوانهم الذين قتلوا بالنهروان؛ وقالوا: والله ما لنا خير في البقاء بعدهم فلو شرينا أنفسنا فأتينا أئمة الضلال والفتنة فأرحنا

стр. 1126

العباد منهم ثائرين بإخواننا لرجونا الفوز عند الله غدا، فتعاهدوا وتعاقدوا ليقتلن علي بن أبي طالب، ومعاوية بن أبي سفيان وعمرو بن العاص، ثم توجّه كل رجل منهم إلى البلد الذي فيه صاحبه، فقدم عبد الرحمن [بن] ملجم (١) الكوفة، وشخص البرك إلى الشام، وشخص عمرو بن بكير - ويقال: بكر - إلى مصر وجعلوا ميعادهم ليلة واحدة وهي ليلة سبع عشرة من شهر رمضان (٢). فأما البرك فإنه انطلق في ليلة ميعادهم فقعد لمعاوية، فلما خرج ليصلي الغداة شد عليه بسيفه، فأدبر معاوية فضرب طرف إليته ففلقها ووقع السيف في لحم كثير، وأخذ فقال: إن لك عندي خبرا سارا: قد قتل في هذه الليلة علي بن أبي طالب، وحدثه بحديثهم. وعولج معاوية حتى برأ وأمر بالبرك فقتل. وقيل: ضرب البرك معاوية وهو ساجد، فمذ ذاك جعل الحرس يقومون على رؤوس الخلفاء في الصلاة، اتخذ معاوية المقصورة. وروى بعضهم أن معاوية لم يولد بعد الضربة، وان معاوية كان أمر بقطع يد البرك ورجله ثم تركه فصار إلى البصرة فولد له في زمن زياد فقتله وصلبه وقال له: ولد لك وتركت أمير المؤمنين لا يولد له. وأما عمرو بن بكير - ويقال: بكر - فرصد عمرو بن العاص في ليلة سبع عشرة من شهر رمضان، فلم يخرج في تلك الليلة لعلة وجدها في بطنه، وصلى بالناس خارجة بن حذافة العدوي، فشد عليه، وهو يظنه عمرا فقتله، وأخذ فأتي به عمرو فقتله، وقال: أردت عمرا وأراد الله

стр. 1127

خارجة، فذهبت مثلا. وأما ابن ملجم قاتل عليّ فإنه أتى الكوفة، فكان يكتم أمره، ولا يظهر الذي قصد له، وهو في ذلك يزور أصحابه من الخوارج فلا يطلعهم على إرادته، ثم إنه أتى قوما من تيم الرباب فرأى امرأة منهم جميلة يقال لها: قطام بنت شجنة، كان علي قتل أباها شجنة بن عدي، وأخاها الأخضر بن شجنة يوم النهروان - فهويها حتى أذهلته عن أمره فخطبها، فقالت لا أتزوجك إلا على عبد، وثلاثة آلاف درهم، وقينة، وقتل علي بن أبي طالب، فقال: أما الثلاثة الآلاف والعبد والقينة فمهر، وأما قتل علي بن أبي طالب. فما ذكرته وأنت تريديني، فقالت: بلى تلتمس غرته، فإن أصبته وسلمت شفيت نفسي ونفعك العيش معي، وإلا فما عند الله خير لك مني، فقال: والله ما جاء بي إلا قتل علي. ولقي ابن ملجم رجلا من أشجع يقال له شبيب بن بجرة فدعاه إلى مظاهرته على قتل علي، فقال: أقتل عليا مع سابقته وقرابته برسول الله ﷺ عليه وسلم؟ فقال: إنه قتل إخواننا فنحن نقتله ببعضهم. فأجابه. وجاء ليلة الجمعة لثلاث عشرة ليلة بقيت من شهر رمضان سنة أربعين، وهذا الثبت، وبعضهم يقول: جاء لإحدى عشرة ليلة خلت من شهر رمضان ويقال: لإحدى عشرة ليلة خلت من غيره، وذلك باطل، وكانت تلك الليلة الميعاد الذي ضربه وصاحباه في قتل علي ومعاوية وعمرو، فجلس ابن ملجم مقابل السدة التي كان علي يخرج منها، ولم يكن ينزل القصر إنما نزل في خصاص في الرحبة التي يقال لها رحبة علي، فلما خرج لصلاة الصبح وثب ابن ملجم فقال: الحكم لله يا علي لا لك فضربه على

стр. 1128

قرنه فجعل علي يقول: لا يفوتنكم الرجل، وشد الناس عليه فأخذوه. ويقال؛ إن المغيرة بن نوفل بن الحارث بن عبد المطلب استقبله بقطيفة فضرب بها وجهه ثم اعترضه فصرعه وأوثقه. وضرب شبيب بن بجرة ضربة أخطأت عليا ووقعت بالباب، ودخل بين الناس فنجا، ثم إنه بعد ذلك خرج يعترض الناس بقرب الكوفة، فبعث إليه المغيرة بن شعبة وهو واليها؛ خيلا فقتله. وكان مع ابن ملجم وشبيب رجلا يقال له: وردان بن المجالد التيمي - وهو ابن عم قطام بنت شجنة - فهرب وتلقاه عبد الله بن نجبة بن عبيد، أحد بني تيم الرباب أيضا، فقال له: مالي أرى السيف معك - وكان معصبّا بالحرير لكي يفلت إذا تعلق به - فلما سأله عن السيف لجلج وقال: قتل ابن ملجم وشبيب بن بجرة أمير المؤمنين، فأخذ السيف منه فضرب به عنقه فأصبح قتيا في الرباب. وكان علي آدم شديد الادمة، ثقيل العينين، ضخم البطن، أصلع ذا عضلات ومناكب، في أذنيه شعر قد خرج من أذنه، وكان إلى القصر أقرب. قالوا: لم يزل ابن ملجم تلك الليلة عند الأشعث بن قيس يناجيه حتى قال له الأشعث: قم فقد فضحك الصبح. وسمع ذلك من قوله حجر بن عدي الكندي، فلما قتل علي قال له حجر: يا أعور أنت قتلته. وقال المدائني قال مسلمة بن محارب: سمع الكلام عفيف عم الأشعث، فلما قتل علي قال عفيف: هذا من عملك وكيدك يا أعور. ويقال: إن رجلا من حضر موت لحق ابن بجرة فصرعه، وأخذ

стр. 1129

سيفه فقال الناس: خذوا صاحب السيف. فخاف أن يتغاووا عليه ولا يسمعوا منه؛ فألقى السيف ومضى وهرب ابن بجرة. وحدثني أبو مسعود الكوفي، وغيره أن عوانة بن الحكم حدث أن ابن ملجم كان في بكر بن وائل، فمرت به جنازة أبجر بن جابر العجلي - وكان نصرانيا ونصارى الحيرة يحملونه - ومع ابنه حجار بن أبجر: شقيق بن ثور، وخالد بن المعمر، وحريث بن جابر وجماعة من المسلمين يمشون في ناحية إكراما لحجار، فلما رآهم ابن ملجم أعظم ذلك وأراد غيرا منهم، ثم قال. لولا أني أعدّ سيفي لضربة هي أعظم عند الله أجرا وثوابا من ضرب هؤلاء؛ لاعترضتهم فإنهم قد أتوا أمرا عظيما؛! فأخذ وأتي به [إلى] علي فقال: هل أحدث حدثا؟ قالوا: لا. فخلى سبيله. قالوا: وكان ابن ملجم يعرض سيفه، فإذا أخبر أن فيه عيبا أصلحه، فلما قتل علي قال: لقد أحددت سيفي بكذا وسممته بكذا، وضربت به عليا ضربة لو كانت بأهل المصر؛ لأتت عليهم. وروي عن الحسن بن علي قال. أتيت أبي سحيرا فجلست إليه فقال: إني بت الليلة أرقا؛ ثم ملكتني عيني وأنا جالس فسنح لي رسول الله ﷺ فقلت له: يا رسول الله ماذا لقيت من أمتك من الأود واللدد؟ فقال: ادع عليهم، فقلت: اللهم أبدلني بهم خيرا لي منهم، وأبدلهم بي شرا لهم مني. ودخل ابن النباح عليه فقال: الصلاة. فأخذت بيده فقام ومشى ابن النباح بين يديه ومشيت خلفه، فلما خرج من الباب نادى أيها الناس الصلاة الصلاة، وكذلك كان يصنع في كل يوم، ويخرج ومعه درته يوقظ الناس، فاعترضه الرجلان، فرأيت بريق السيف وسمعت قائلا يقول: الحكم

стр. 1130

يا علي لله لا لك. ثم رأيت سيفا ثانيا، فأما سيف ابن ملجم فأصاب جبهته إلي قرنه ووصل إلى دماغه، وأما سيف ابن بجرة فوقع في الطاق وقال علي: لا يفوتنكم الرجل. فشد الناس عليهما من كل جانب، فأما شبيب بن بجرة فأفلت، وأما ابن ملجم فأخذ وأدخل على علي، فقال اطيبوا طعامه وألينوا فراشه، فإن أعش فأنا ولي دمي فإما عفوت وإما اقتصصت، وإن امت فألحقوه بي ﴿وَلا تَعْتَدُوا إِنَّ اللهَ لا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ﴾ (١). قالوا: وبكت أم كلثوم بنت علي وقالت لابن ملجم - وهو أسير-: يا عدو الله قتلت أمير المؤمنين، قال: لم أقتل أمير المؤمنين ولكني قتلت أباك فقالت: والله إني لأرجو أن لا يكون عليه بأس. قال: فلم تبكين إذا، أعليّ تبكين؟ والله لقد أرهفت السيف ونفيت الخوف، وحثثت الأجل، وقطعت الأمل، وضربته ضربة لو كانت بأهل عكاظ - ويقال: بربيعة ومضر - لأتت عليهم، والله لقد سممته شهرا فإن أخلفني فأبعده الله سيفا وأسحقه. ويقال: إن أمامة بنت أبي العاص بن الربيع، وليلى بنت مسعود النهشلية، وأم كلثوم بكين عليه؛ وقلن: يا عدو الله لا بأس على أمير المؤمنين. فقال فعلى من تبكين إذا أعلي تبكين؟! قالوا: وبعث الأشعث بن قيس ابنه قيس بن الأشعث صبيحة ضرب علي فقال أي بني انظر كيف أصبح الرجل وكيف تراه؛ فنظر إليه ثم رجع فقال: رأيت عينيه داخلتين في رأسه. فقال الأشعث: عينا دميغ ورب الكعبة. قالوا: ومكث علي يوم الجمعة ويوم السبت، وتوفي ليلة الأحد

стр. 1131

لإحدى عشرة ليلة بقيت من شهر رمضان سنة أربعين، وغسله الحسن، والحسين، وعبد الله بن جعفر، وابن الحنفية، وكفن في ثلاثة أثواب ليس فيها قميص، ونزل في قبره هؤلاء جميعا، ودفنه معهم عبيد الله بن العباس، وحضره جماعة من أهل بيته والناس بعد، وصلى عليه الحسن ابنه وكبر عليه أربعا. وحدثني الحسين بن علي بن الأسود؛ وغيره قالوا: حدثنا وكيع، عن يحيى بن مسلم، عن عاصم بن كليب، عن أبيه. وحدثني عمرو الناقد، عن شبابة بن سوار، عن قيس بن الربيع، عن بيان، عن الشعبي: أن الحسن بن علي صلى على علي وكبر أربعا. حدثني بكر بن الهيثم، عن عبد الرزاق، عن معمر، عن الكلبي، عن أبي صالح، قال: لما قتل علي صلى عليه الحسن، وإليه أوصى، وكبر عليه أربعا. وحدثني عمرو بن محمد، وبكر بن الهيثم، وأبو بكر بن الأعين قالوا: حدثنا أبو نعيم الفضل بن دكين، عن خالد بن إلياس، عن إسماعيل بن عمرو بن سعيد بن العاص بمثله. قالوا: ودفن علي بالكوفة عند مسجد الجماعة في الرحبة مما يلي أبواب كندة، قبل انصراف الناس من صلاة الفجر. ويقال: دفن في الغري (١) ويقال في الكناسة. ويقال: بالسدة. وغمي قبره مخافة أن ينبشه الخوارج فلم يعرف. وروي عن شريك بن عبد الله انه قال: حمل الحسين بن علي

стр. 1132

بعد صلح الحسن معاوية أباه في تابوت فدفن بالمدينة عند فاطمة ﵉. قالوا: وكان الحسين بالمدائن قد قدّمه أبوه إليها وهو يريد المسير إلى الشام، فكتب إليه الحسن بما حدث من أمر أبيه مع زحر بن قيس الجعفي فلما أتاه زحر بالكتاب انصرف بالناس إلى الكوفة، وقال بعضهم: إن الحسين كان حاضرا قتل أبيه. وكانت خلافة علي رضي الله تعالى عنه أربع سنين وتسعة أشهر. ويقال: عشرة أشهر. وكان له يوم توفي ثلاث وستون سنة - وذلك الثبت-، ويقال: إنه توفي وله تسع وخمسون سنة. حدثنا محمد بن سعد عن الواقدي، عن ابن أبي سبرة، عن عبد الله بن محمد بن عقيل، قال: سمعت ابن الحنفية يقول حين دخلت سنة إحدى، وثمانون - وهي سنة الجحاف (١) -ونوّه: لي خمس وستون، قد جاوزت عمر أبي، قلت: فكم كانت سنّه يوم قتل؟ قال: قتل وله ثلاث وستون سنة (٢). حدثنا أحمد بن إبراهيم الدورقي، وعبد الله بن أبي شيبة، قالا: حدثنا أبو نعيم الفضل بن دكين، عن شريك، عن أبي إسحاق قال: توفي علي وله ثلاث وستون سنة. حدثنا محمد بن ربيعة الكلابي، عن طلق الأعمى، عن جدّته قالت: كنت أنوح أنا وأم كلثوم بنت علي على علي.

стр. 1133

حدثني عمرو بن محمد الناقد، وإسحاق الفروي أبو موسى قالا: حدثنا عبد الله بن نمير، عن إسماعيل بن أبي خالد، عن أبي إسحاق، عن هبيرة بن يريم، قال: سمعت الحسن يخطب فذكر أباه وفضله وسابقته ثم قال: والله ما ترك صفراء ولا بيضاء إلا سبعمائة درهم فضلت من عطائه أراد أن يشتري بها خادما. المدائني عن يعقوب بن داود الثقفي، عن الحسن بن بزيع: أن عليا خرج الليلة التي ضرب في صبيحتها في السحر وهو يقول: أشدد حيازيمك للمو … ت فإن الموت لاقيك ولا تجزع من الموت … إذا حلّ بواديك (١) فلما ضربه ابن ملجم قال: «فزت ورب الكعبة». وكان آخر ما تكلم به: ﴿فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقالَ ذَرَّةٍ خَيْراً يَرَهُ * وَ مَنْ يَعْمَلْ مِثْقالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ﴾ (٢). حدثنا محمد بن سعد، أنبأنا عبيد الله بن موسى، عن موسى بن عبيدة، عن أبي بكر بن عبد الله بن أنس - أو أيوب بن خالد أو كليهما - شك عبيد الله بن موسى - ان النبي ﷺ قال: «أشقى الأولين عاقر الناقة، وأشقى الآخرين من هذه الأمة الذي يطعنك يا علي» وأشار إلى حيث طعن (٣). وحدثني محمد بن سعد، عن أبي نعيم، عن فطر، حدثني أبو

стр. 1134

الطفيل قال: دعا علي الناس للبيعة فجاءه عبد الرحمن بن ملجم المرادي، فرده مرتين ثم أتاه وقال: ما يجلس أشقاها ليخضبنّ - أو قال: ليصبغن هذه اللحية من جبهته ثم تمثل: أشدد حيازيمك للمو … ت فإن الموت لاقيك ولا تجزع من الموت … إذا حلّ بواديك وقال محمد: في حديث آخر: والله إنه لعهد النبي الأمّي إليّ (١). حدثني عمرو بن محمد، حدثنا إسماعيل بن إبراهيم عن عمارة بن أبي حفصة، عن أبي مجلز، قال: جاء رجل من مراد إلى علي وهو في المسجد فقال: احترس فإن هاهنا قوما من مراد يريدون قتلك، فقال: إن مع كل إنسان ملكين موكلين يحفظانه، فإذا جاء القدر خليّا بينه وبينه، وإن الأجل جنّة حصينة. حدثني أبو بكر الأعين، ومحمد بن سعد، قالا: حدثنا الفضل بن دكين أبو نعيم، حدثنا سليمان بن القاسم الثقفي، قال: حدثتني أمي، عن أم جعفر سرية علي، قالت: إني لأصبّ على يديه الماء إذ رفع رأسه فأخذ بلحيته فرفعها إلى أنفه ثم قال: واها لك لتخضبن بدم. قالت فأصيب يوم الجمعة. حدثنا عباس بن هشام، عن أبيه، عن جده قال: رفع علي لحيته إلى أنفه ثم قال: لتخضبن هذه بدم هذه يعني جبهته. حدثنا وهب بن بقية، عن ابن هارون، عن هشام بن حسان، عن محمد بن عبيدة، قال: قال علي: ما يحبس أشقاكم أن يجيء فيقتلني،

стр. 1135

اللهم إني قد سئمتهم وسئموني فأرحني منهم وأرحهم مني. حدثنا محمد بن سعد، حدثنا خالد بن مخلد، ومحمد بن الصلت قالا: حدثنا الربيع بن المنذر، عن أبيه عن ابن الحنفية قال: دخل علينا ابن ملجم الحمام، وأنا والحسن والحسين جلوس في الحمام فكأنهما اشمأزّا منه فقالا: ما أجرأك ما أدخلك علينا؟ فقلت لهما: دعاه عنكما فلعمري إنّ ما يريد بكما لأجسم من هذا. فلما كان يوم أتي به أسيرا قال ابن الحنفية: ما أنا اليوم بأعرف به مني يوم دخل علينا الحمام، فقال عليّ: إنه أسير فأحسنوا نزله وأكرموا مثواه، فإن بقيت قتلت أو عفوت، وإن متّ فاقتلوه قتلتي ﴿لا تَعْتَدُوا إِنَّ اللهَ لا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ﴾. حدثنا محمد بن سعد، حدثنا عفان، حدثنا يزيد بن إبراهيم التستري، عن محمد بن سيرين قال: قال علي ﵇ للمرادي: أريد حباءه ويريد قتلي … عذيرك من خليلك من مراد (١) حدثنا عمرو الناقد، حدثنا أبو معاوية، عن حجاج، عن أبي إسحاق، عن عمرو بن الأصمّ قال: قيل للحسن بن علي: إن ناسا من شيعة أبي الحسن يزعمون أنه دابة الأرض وأنه سيبعث قبل يوم القيامة، فقال: كذبوا ليس أولئك شيعته، ولكنهم أعداؤه، ولو علمنا ذلك ما قسمنا ميراثه، ولا أنكحنا نساءه. حدثنا يوسف بن موسى القطان، وشجاع بن مخلد الفلاس، قالا: حدثنا جرير بن عبد الحميد الضبي، حدثنا مغيرة، عن قثم مولى علي قال:

стр. 1136

كتب علي في وصيته: «إن وصيتي إلى أكبر ولدي غير طاعن عليه في بطن ولا فرج». حدثني عمر بن بكير، عن الهيثم بن عدي، عن مجالد، عن الشعبي، عن زحر بن قيس قال: لما قتل علي أتيت المدائن فلقيني رجل فسألني عن الخبر فأعلمته بمقتل علي فقال: لو جئتنا بدماغه في صرّة لعلمنا أنه لا يموت حتى يذودكم بعصا. حدثني محمد بن عبد الله بن خالد الطحان، عن أبيه، عن ابن أبي ليلى عن عبد الرحمن بن جندب قال: لما ضرب علي قلت: يا أمير المؤمنين أبايع حسنا؟ قال: لا آمرك ولا أنهاك. ثم دعا ولده فأمرهم بتقوى الله والزهد في الدنيا، وأن لا يأسوا على ما صرف عنهم منها. المدائني، عن علي بن هاشم، عن الضحاك بن عمير قال: رأيت قميص علي الذي أصيب فيه كرابيس سنبلاني، ورأيت أثر دمه فيه كالدندي (١). قال علي: وحدثني أبي قال: سمعت زيد بن علي يقول: البراءة من أبي بكر وعمر وعلي سواء. حدثني الحسين بن الأسود، عن يحيى بن آدم، عن شريك وغيره، قال: أوصى علي: هذا ما وقف علي بن أبي طالب أوصى به أنه وقف أرضه التي بين الجبل والبحر أن ينكح منها الأيمّ، ويفكّ الغارم، فلا تباع ولا تشترى ولا توهب حتى يرثها الله الذي يرث الأرض ومن عليها، وأوصى

стр. 1137

إلى الحسن بن علي غير طاعن عليه في بطن ولا فرج. قالوا: وأوصى أن يقوم في أرضه ثلاثة من مواليه ولهم قوتهم، وإن هلك الحسن قام بأمر وصيتي الأكبر فالأكبر من ولدي ممن لا يطعن عليه. قالوا: وكان ابن ملجم رجلا أسمر حسن الوجه أبلج، شعره مع شحمة أذنيه، مستجدا - يعنون أن في وجهه أثر السجود - فلما فرغ من أمر علي ودفنه؛ أخرج إلى الحسن ليقتله، فاجتمع الناس وجاؤوا بالنفط والبواري والنار فقالوا: نحرقه. فقال ولده وعبد الله بن جعفر: دعونا نشف أنفسنا منه، فقالت أم كلثوم بنت علي: يا عدو الله قتلت أمير المؤمنين؟ قال: لو كان أمير المؤمنين ما قتلته، ثم بدر عبد الله بن جعفر فقطع يديه ورجليه وهو ساكت لا يتكلم، ثم عمد إلى مسمار محمّي فكحل به عينيه فلم يجزع وجعل يقول: كحلت عمك بملمول له مض (١)، ثم قرأ: ﴿اِقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ﴾ حتى فرغ منها وعيناه تسيلان، ثم عولج عن لسانه ليقطع فجزع وما نعهم، فقيل له: أجزعت؟ قال: لا ولكني أكره أن أبقى فواقا - أو قال: وقتا - لا أذكر الله فيه بلساني، فقطعوا [لسانه]، ثم إنهم جعلوه في قوصرة كبيرة ويقال: في بواري وأحرق بالنار، والعباس بن علي يومئذ صغير لم يستبان بلوغه. ويقال: إن الحسن ضرب عنقه وقال: لا أمثل به. ومضى إلى الحجاز بمقتل علي سفيان بن أمية بن أبي سفيان بن أمية بن عبد شمس ولا ينعيه له فلما بلغ عائشة خبره أنشدت قول البارقي: فألقت عصاها واستقرت بها النوى … كما قرّ عينا بالإياب المسافر

стр. 1138

وروى بعضهم أن سيف ابن ملجم وقع في الحائط، وأن سيف بن بجرة وقع بعلي، وذلك باطل. وقال المدائني في بعض روايته: ذكر بنو ملجم: عبد الرحمن وقيس ويزيد، أمر النبي ﷺ وأبي بكر وعمر وعثمان، وما بعدهم، وأمر الحكمين، فأجمعوا على قتل علي، ومعاوية، وعمرو بن العاصي فنهاهم أبوهم عن ذلك وأمرتهم أمّهم به فقال أبوهم: ودّعوا أهلكم فإنكم غير راجعين. فمضوا فخرج عبد الرحمن إلى الكوفة، وقيس إلى الشام ويزيد إلى مصر، فتولوا أمرهم، ووثب رجل من كلب على قيس فقتله. وهذا خبر شاذّ لا يرويه إلا قوم من الخوارج، وزعم من روى هذا الخبر أن ابن ملجم قال: لقد حملتكم أمّكم بجهالة … على آلة شنعاء من كل جانب فما تركت فيكم لها من مؤمل … يؤمّله الآباء من رجع غائب وقال الشاعر في قتل ابن ملجم عليا ﵇: تضمّن للحسناء لادّر درّه … فلاقى عقابا عزّها غير مضرم ولا مهر أغلى من علي وإن غلا … ولا فتك إلا دون فتك ابن ملجم ثلاثة آلاف وعبد وقينة … وضرب عليّ بالحسام المصمّم وقالت أم العريان بنت الهيثم في علي: وكنا قبل مقتله بخير … نرى مولى رسول الله فينا يقيم الحدّ لا يرتاب فيه … بعدل في البعيد والا قربينا وقال الكميت يذكر قتل عليّ: والوصي الذي أمال التجوب … يّ به عرش أمة لانهدام

стр. 1139

قتلوا يوم ذاك إذ قتلوه … حكما لا كسائر الحكام (١) يعني بالتجوبي ابن ملجم لأن جدّه تجوب، والذي قتل عثمان التجيبي وقد ذكرنا خبره. حدثني عبد الرحمن بن صالح الأزدي، عن من حدّثه، عن الشعبي، عمن سمع النادبة تندب عليا بشعر كعب بن زهير وهو: إنّ عليا لميمونة نقيبته … بالصالحات من الأعمال محصور صهر النبي وخير الناس كلهم … فكل من رامه بالفخر مفخور صلى الإله على الأمّي أوّلهم (٢) … قبل العباد وربّ الناس مكفور بالعدل قام صليبا حين فارقه … أهل الهوى من ذوي البهتان والزور يا خير من حملت نعلا له قدم … الأنبياء لديه البغى مهجور (٣) وقال أبو الأسود الدولي: ألا أبلغ معاوية بن حرب … فلا قرت عيون الشامتينا قتلتم خير من ركب المطايا … وأكرمهم ومن ركب السفينا ومن لبس النعال ومن حذاها … ومن قرأ المثاني والمبينا وقد علمت قريش حيث كانت … بأنك خيرهم حسبا ودينا (٤) وقال هشام بن الكلبي: قال ابن ميناس المرادي: نحن ضربنا يا ابنة الخير حيدرا … أبا حسن مأمومة فتفطرا

стр. 1140

ونحن خلعنا ملكه عن نصابه … بضربة فصل إذ علا وتجبرا وعادتنا قتل الملوك وعزّنا … صدور القنا لما لبسنا السنورا ونحن كرام في الصباح أعزّة … إذا الموت بالموت ارتدى وتأزّرا وقال النجاشي الشاعر: وكنا إذا ماحيّة أعيت الرقى … وآبت بصرّ يقطر السمّ نابها دسنا لها تحت العجاج ابن ملجم … جريا إذا ما جاء نفسا كتابها وحدثني عباس بن هشام، عن أبيه، عن عوانة عن عبد الملك بن عمير أن الحجاج بن يوسف عمل في القصر بالكوفة عملا فوجد شيخا أبيض الرأس واللحية مدفونا فقال: أبو تراب والله، وأراد أن يصلبه فكلمه عنبسة بن سعيد في ذلك وسأله أن لا يفعل فأمسك. وقال مصقلة بن هبيرة: قضى وطرا منها علي فأصبحت … إمارته فينا أحاديث راكب

стр. 1141

أمر الحسن بن علي بن أبي طالب ﵉ وكان الحسن بن علي يكنى أبا محمد وكان يشبه النبي ﷺ من أعلى رأسه إلى سرته، وكان الحسين يشبه النبي ﷺ من سرته إلى قدميه، ويقال إنه كانت فيه مشابه من النبي ﷺ في وجهه إلا أن الحسن كان أشبه الناس فيه وجها. وكانت فاطمة عليهاالسّلام إذا زفنته - أي رقّصته - قالت: وايايي شبه النبي … غير شبيه بعلي وحدثني الأعين، عن روح بن عبادة، عن محمد بن أبي حفصة، عن الزهري، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه أن رسول الله ﷺ كان يقبل الحسن، فقال له الأقرع بن حابس: لي عشرة من الولد ما قبلت أحدا منهم قط، فقال ﷺ : «من لا يرحم لا يرحم». وكان الحسن سيدا سخيا حليما فروي عن علي أنه قال: أنا أخبركم عن أهلي. أما الحسن ففتى من الفتيان صاحب جفنة وخوان، وأما عبد الله بن جعفر فصاحب لهو، وأما الحسين ومحمد فهما مني وأنا منهما

стр. 1142

وقال المدائني عن أبي معشر، عن الضمري، عن زيد بن أرقم: أن الحسن خرج وعليه بردة له والنبي ﷺ يخطب، فعثر الحسن فسقط، فنزل رسول الله ﷺ من المنبر وابتدر الناس فحملوه إليه، فتلقاه ﷺ فحمله ووضعه في حجره، وقال: إن الولد فتنة. حدثنا خلف بن هشام البزار، ثنا أبو شهاب الخيّاط، عن يحيى بن سعيد، عن عكرمة، قال: عقّ النبي ﷺ عن الحسن والحسين ﵉، وقال ﷺ : «الحسن والحسين سيدا شباب أهل الجنة». وقال رجل من بني أسد في الحسن: كأنّ جفانه أحياض نهي … إذا وضعت على ظهر الخوان ويبذل ما يفيد وكلّ شيء … من الأشياء إلا الأجوفان المدائني عن خلاد بن عبيدة، عن علي بن زيد قال: حج الحسن ﵀ خمس عشرة حجة ماشيا والنجائب تنقاد معه، وخرج من ماله لله مرتين، وقاسم الله ماله ثلاث مرات، حتى ان كان ليعطي نعلا ويمسك نعلا، ويمسك خفا ويعطي خفا. وروي أن النبي ﷺ سابق بين الحسن والحسين فسبق الحسن فأجلسه على فخذه اليمنى، ثم جاء الحسين فأجلسه على اليسرى، فقيل له: يا رسول الله أيهما أحبّ إليك؟ فقال: «أقول كما قال إبراهيم وقيل له: أيّ ابنيك أحبّ إليك؟ فقال: أكبرهما، وهو الذي يلد محمدا - يعني اسماعيل ﵉». المدائني عن إبراهيم بن محمد، عن زيد بن أسلم قال: دخل رجل على الحسن بالمدينة وفي يده صحيفة فقال له: ما هذه بأبي أنت وأمي؟

стр. 1143

قال: هذه من معاوية يعد فيها ويتوعّد. فقال: قد كنت تقدر على النّصف منه، قال: أجل، ولكني خفت أن يأتي يوم القيامة سبعون أو ثمانون ألفا أو أكثر من ذلك أو أقل كلهم تنضح أو داجه دما، يقول: يا رب فيم هريق دمي. المدائني عن قيس بن الربيع، عن بدر بن الخليل عن مولى للحسن بن علي إنه قال: أتعرف معاوية بن حديج إذا رأيته؟ قال: نعم، قال فأرنيه إذا لقيته، فرآه خارجا من دار عمرو بن حريث بالكوفة، فقال: هو هذا. فقال له: ادعه، فدعاه، فقال له الحسن: أنت الشاتم عليا عند ابن آكلة الأكباد، أما والله لئن وردت الحوض - ولن ترده - لترينّه مشمرا عن ساقيه يذود عنه المنافقين. المدائني عن سليمان بن أيوب، عن الأسود بن قيس العبدي قال: لقي الحسن يوما حبيب بن مسلمة الفهري فقال له: يا حبيب، رب مسير لك في غير طاعة الله. قال: أمّا مسيري إلى أبيك فلا. قال: بلى، ولكنك أطعت معاوية على دنيا قليلة زائلة فلئن قام بك في دنياك، لقد قعد بك في آخرتك، ولو كنت إذ فعلت شرا قلت خيرا كان ذلك كما قال الله : ﴿خَلَطُوا عَمَلاً صالِحاً وَآخَرَ سَيِّئاً﴾ (١)، ولكنك كما قال: ﴿بَلْ رانَ عَلى قُلُوبِهِمْ ما كانُوا يَكْسِبُونَ﴾ (٢). وقال علي لابنه الحسن، ورآه يوما يتوضأ: أسبغ الوضوء. فقال:

стр. 1144

قد قتلتم أمس رجلا كان يسبغ الوضوء. فقال علي؛ لقد أطال الله حزنك على عثمان. وقال سعيد بن عبد العزيز التنوخي عن الزهري: تفاخرت قريش عند معاوية وعنده الحسن وهو ساكت، فقال معاوية: ما يمنعك أبا محمد من الكلام؟ فو الله ما أنت بكليل اللسان ولا مأشوب الحسب. فقال: والله ما ذكروا مكرمة ولا فضيلة إلا ولي محضها ولبابها. ثم قال: فيم الكلام وقد سبقت مبرزا … سبق الجياد من المدى المتنفس المدائني عن عبد الله بن عبد الرحمن، عن عبد الله بن أبي بكر بن محمد بن عمرو، قال: خطب الحسن بن علي امرأة من بني شيبان فقيل له: إنها ترى رأي الخوارج. فقال: أكره أن أضم إلى صدري جمرة من جهنم. المدائني عن عبد الله بن سلم الفهري قال: خطب علي إلى سعيد بن قيس ابنته أم عمران لابنه الحسن فشاور الأشعث فقال: زوّجها ابني محمدا فهو ابن عمها فدفعها فزوجه إياها، ثم دعا الأشعث الحسن فغداه واستسقى ماء فقال لابنته: اخرجي فاسقيه، فسقته، فقال الأشعث: لقد سقتك جارية ما خدمت الرجال وهي ابنتي، فأخبر الحسن أباه فقال: تزوجها. قال المدائني: ويقال إن عليا قال للأشعث: اخطب على الحسن ابنة سعيد بن قيس، فأتى سعيدا فخطبها على ابنه فزوجه، فقال علي: خنت. فقال: أزوجه من ليس بدونها، فزوجه جعدة بنت الأشعث فسمّت الحسن، فخلف عليها يعقوب بن طلحة ثم العباس، ثم عبد الله بن العباس.

стр. 1145

وقال المدائني: قال ابن فسوة التميمي (١) للحسن بن علي ﵉: فليت قلوصي عرّيت أو رحلتها … إلى حسن في داره وابن جعفر إلى ابن رسول الله يأمر بالتقى … ويقرأ آيات الكتاب المطهّر المدائني عن عبد الله بن سلام، عن عمرو بن ميمون بن مهران قال: تنازع عمرو بن سعيد والحسن بن علي فقال عمرو: أما والله لطال ما سلكتم مسلكا صعب المنحدر، طلبا للفتنة والفرقة فلم يركم الله فيها ما تحبون. فقال له الحسن: إنك لو كنت تسمو بفعلك ما سلكت فج قصد ولا حللت برابية مجد، ولتوشك أن تقع بين لحيي ضرغامة رأس قروش (٢) الأعادي فلا ينجيك الروغان إذا التقتا عليك حلقتا البطان (٣). المدائني عن عبد الرحمن العجلاني، عن سعيد بن عبد الرحمن قال: تفاخر رجال من قريش فذكر كل امرئ ما فيهم فقال معاوية للحسن: يا أبا محمد، ما يمنعك من القول؟ فما أنت بكليل اللسان. قال: يا أمير المؤمنين، ما ذكر مكرمة ولا فضيلة إلا ولي محضها ولبابها، ثم قال: فيم الكلام وقد سبقت مبرزا … سبق الجياد إلى المدى المتنفس المدائني عن الهذلي، عن ابن سيرين قال: خطب الحسن بن علي إلى رجل فزوجه، فقال: إني لأزوجك وأنا أعلم أنك غلق طلقة، ولكنك خير الناس نفسا، وأرفعهم جدا وبيتا.

стр. 1146

المدائني عن أبي اليقظان قال: نعى الحسن بالبصرة عبد الله بن سلمة بن المحبق، أخو سنان بن سلمة، نعاه إلى زياد، فخرج الحكم بن أبي العاص فنعاه إلى الناس فبكوا، وأبو بكرة يسمع البكاء فقال: ما هذا؟ فقالت امرأته ابنة سحامة: مات الحسن بن علي فالحمد لله الذي أراح الناس منه، فقال أبو بكرة: ويحك اسكتي فقد والله أراحه الله من شر طويل، وفقد الناس منه خيرا كثيرا. وقال الجارود بن أبي سبرة: إذا كان شر سار يوما وليلة … وإن كان خير قصد السير أربعا إذا ما يريد الشر أقبل نحونا … لإحدى الدواهي الربد جاء فأسرعا (١) حدثنا بسام الجمال، ثنا حماد بن سلمة عن ثابت، عن الحسن، أن الحسن بن علي كان يأتي النبي ﷺ وهو ساجد فيجلس عند رأسه فإذا رفع رأسه من السجود أخذه فأقعده في حجره. قال المدائني: ولقي أبو هريرة الحسن بن علي فقال له: ائذن لي أقبل منك حيث رأيت النبي ﷺ يقبل منك، فرفع قميصه عن سرته فقبلها. وروي عن البهي مولى الزبير عن عبد الله بن الزبير أن الحسن كان يجيء والنبي ﷺ راكع فيفرج له بين رجليه حتى يخرج من الجانب الآخر. وروى بعض المدنيين أن النبي ﷺ قال: «الحسن ريحانتي من الدنيا،

стр. 1147

وهو سيد، وسيصلح الله به بين فئتين من المسلمين، اللهم إني أحبه وأحب من يحبه». حدثنا هشام بن عمار الدمشقي، ثنا عيسى بن يونس، ثنا الأوزاعي عن يحيى بن أبي كثير قال: سمع رسول الله ﷺ بكاء الحسن والحسين ﵉ فقام فزعا فقال: «أيها الناس لقد قمت وما أعقل». حدثني أبو الصلت الهروي عن محمد بن السري، عن عبد الله بن حسن بن حسين قال: قال الحسن: حفظت عن رسول الله ﷺ تعليمه إياي الصلوات الخمس، وقوله لي: «قل إذا صليت: اللهم اهدني فيمن هديت، وعافني فيمن عافيت، وتولني فيمن توليت، وبارك لي فيما أعطيت، وقني شر ما قضيت، إنه لا يذلّ من واليت، تباركت وتعاليت». المدائني قال: بلغنا أن الحسن كان إذا أراد أن يطلق امرأة جلس إليها فقال: أيسرك أني أهب لك كذا؟ فتقول: ما شئت، أو تقول: نعم. فيقول: هو لك، فإذا قام أرسل إليها بمالها الذي سماه وبالطلاق. قال: وتزوج الحسن هند بنت سهيل بن عمرو، وكانت عند عبد الله بن عامر، فطلقها فكتب معاوية إلى أبي هريرة أن يخطبها على يزيد، فلقيه الحسن فقال: أين تريد؟ قال: أخطب هند بنت سهيل على يزيد بن معاوية، قال: اذكرني لها فأتاها أبو هريرة فأخبرها الخبر فقالت: خر لي، فقال: أختار لك الحسن، فتزوجها، فقدم ابن عامر المدينة فقال للحسن: إن لي عندها وديعة فدخل إليها والحسن معه فجلست بين يديه، فرقّ ابن عامر حين نظر إليها فقال الحسن: ألا أنزل لك عنها فلا أراك تجد محللا لكما خيرا مني. قال: وديعتي فأخرجت سفطين فيهما جوهر ففتحهما فأخذ من

стр. 1148

كل واحد قبضة وترك الباقي عليهما. وكانت عند عبد الرحمن بن عتاب بن أسيد قبل أن تكون عند ابن عامر وهو أبو عذرتها فكانت تقول: سيدهم جميعا الحسن وأسخاهم ابن عامر، وأحبهم إلي عبد الرحمن بن عتاب. المدائني عن محمد بن عمر العبدي، عن أبي سعيد أن معاوية قال لرجل من أهل المدينة من قريش: أخبرني عن الحسن. فقال: يا أمير المؤمنين، إذا صلى الغداة جلس في مصلاه حتى تطلع الشمس ثم يساند ظهره فلا يبقى في مسجد رسول الله ﷺ أحد له شرف إلا أتاه فيتحدثون عنده حتى إذا ارتفع النهار صلى ركعتين ثم ينهض فيأتي أمهات المؤمنين فيسلم عليهن فربما أتحفنه، ثم ينصرف إلى منزله، ثم يروح الى المسجد فيصلي ويتحدث الناس إليه، فقال: ما نحن معه في شيء. حدثني بعض أصحابنا عن زبير بن بكار عن عمه مصعب، بلغه أن حسنا لم يقل لأحد سوء قط في وجهه ولا في غيبته فقال يوما وكانت بين الحسين وعمرو بن عثمان خصومة: ماله عندنا إلا ما يسوءه ويرغم أنفه. المدائني عن سعيد بن عثمان، ولم يكن بالحصيف أنه قال للحسن: ما بال أصداغنا تشيب قبل عنافقنا (١)، وعنافقكم تشيب قبل أصداغكم؟ فقال: إن أفواهنا عذبة فنساؤنا لا يكرهن لثامنا، ونساؤكم يكرهن لثامكم فتصرف وجوهها فتتنفس في أصداغكم فتشيب. المدائني عن سحيم، عن حفص، عن عيسى بن أبي هارون قال: تزوج الحسن حفصة بنت عبد الرحمن بن أبي بكر، وكان المنذر بن الزبير

стр. 1149

هويها فأبلغ الحسن عنها شيئا، فطلقها الحسن وكان مطلاقا، فخطبها المنذر فأبت أن تتزوجه وقالت: نهرني، فخطبها عاصم بن عمر بن الخطاب فتزوجها فرقى إليه المنذر شيئا فطلقها، ثم خطبها المنذر فقيل لها: تزوجيه فيعلم الناس أنه كان يعضهك (١) بباطل، فتزوجته فعلم الناس ما أراد وأنه كان كذب عليها فقال الحسن لعاصم بن عمر: انطلق بنا حتى نستأذن المنذر فندخل على حفصة فاستأذناه فشاور أخاه عبد الله بن الزبير فقال: دعهما يدخلان عليها فدخلا فكانت إلى عاصم أكثر نظرا منها إلى الحسن، وكانت إليه أشد انبساطا في الحديث، فقال الحسن للمنذر: خذ بيدها، وقام الحسن وعاصم فخرجا، وكان الحسن يهواها وإنما طلقها لما رقى إليه المنذر. وقال الحسن يوما لابن أبي عتيق، وحفصة عمته وهو عبد الله بن محمد بن عبد الرحمن بن أبي بكر: هل لك في العقيق؟ فقال: نعم، فخرجا فمرا بمنزل حفصة، فدخل إليها الحسن فتحدثا طويلا ثم خرج فقال لابن أبي عتيق يوما آخر: هل لك في العقيق؟ قال: نعم. فمرا بمنزل حفصة فدخل، ثم قال له مرة أخرى: هل لك في العقيق؟ فقال له: يا بن أم ألا تقول هل لك في حفصة؟. المدائني عن أبي أيوب القرشي، عن أبيه، أن الحسن بن علي أعطى شاعرا مالا فقال له رجل: سبحان الله، أتعطي شاعرا يعصى الرحمن ويقول البهتان؟ فقال: إن خير ما بذلت من مالك ما وقيت به عرضك، وإن من ابتغاء الخير اتقاء الشر. قالوا: وتداق الحسن ومعاوية في أمر فقال الحسن: بيني وبينك سعد بن

стр. 1150

أبي وقاص، فقال معاوية: لا أحكم رجلا من أهل بدر، قال الحسن: فترضى عبيد الله بن أبي بكرة بالعراق؟ قال معاوية: لا أرضى به. حدثني علي بن المغيرة الأثرم عن أبي عبيدة عن يونس بن حبيب قال: مدح شاعر الحسن بن علي فأعطاه عشرة آلاف درهم، فقيل: أتعطيه عشرة آلاف درهم؟ قال: ان خير المال ما وقى العرض واكتسب به حسن الأحدوثة، والله ما أخاف أن يقول لست بابن رسول الله ﷺ ولا ابن علي ولا ابن فاطمة، ولكني أخاف أن يقول إنك لا تشبه رسول الله ولا عليا ولا فاطمة والله إنهم لخير مني، وأخرى إن الرجل أملني ورجاني. المدائني عن ابن جعدبة عن ابن أبي مليكة قال: تزوج الحسن بن علي خولة بنت منظور بن زبان بن سيار بن عمرو الفزاري، فبات ليلة على سطح له أجم لا ستر له فشدت خمارها برجله والطرف الآخر بخلخالها فقام من الليل فقال: ما هذا؟ فقالت: خفت أن تقوم بوسنك في الليل فتسقط فأكون أشأم سخلة على العرب، فأحبها فأقام عندها سبعة أيام، فقال ابن عمر: لم نر أبا محمد منذ أيام فانطلقوا بنا إليه، فأتوه فقالت خولة: احتبسهم حتى نهيء لهم غداء، فقال: نعم. قال ابن عمر: فابتدأ الحسن حديثا ألهانا بالاستماع إعجابا به حتى جاءنا بالطعام وكانت خولة عند محمد بن طلحة فخلف عليها، وكانت أختها عند عبد الله بن الزبير، فعبد الله زوجه إياها، واسم أختها تماضر بنت منظور، فغضب أبوها ثم رضي. وقال قوم: الذي شدت خمارها برجله هند بنت سهيل بن عمرو، والأول أثبت. قالوا: وتزوج الحسن امرأة من أهل اليمن فبعث إليها بعشرة آلاف

стр. 1151

درهم وطلاقها، فقالت: متاع قليل من حبيب مفارق، فقال الحسن: لو راجعت امرأة راجعت هذه. حدثني عباس بن هشام الكلبي عن أبيه عن جده عن أبي صالح قال: أحصن الحسن بن علي تسعين امرأة. فقال علي: لقد تزوج الحسن وطلق حتى خفت أن يجني بذلك علينا عداوة أقوام. حدثني روح بن عبد المؤمن المقرئ، ثنا المعتمر عن قرة بن خالد، عن ابن سيرين قال: كان الحسن بن علي يقول: الطعام أيسر من أن يقسم عليه إذا دعي الرجل إلى أكله فلم يأكل. المدائني عن أبي زكريا العجلاني قال: قال مخرمة بن نوفل: بنو هاشم أكمل سخاء من بني أمية. وقال جبير بن مطعم: بنو أمية أسخى، فقال له مخرمة: امتحن ذلك ونمتحنه، فأتى جبير سعيد بن العاص، وابن عامر، ومروان فسألهم فأعطاه كل امرئ منهم عشرة آلاف، وأتى مخرمة الحسن والحسين وعبد الله بن جعفر فأعطاه كل واحد منهم مائة ألف درهم فردّها وقال: إنما أردت امتحانكم. وحدثني عباس بن هشام عن أبيه عن جده، عن أبي صالح عن جابر بن عبد الله قال: أبطأ كلام الحسن بن علي فخرج رسول الله ﷺ الى البيت وهو معه، فلما كبّر رسول الله ﷺ كبّر الحسن فسرّ ذلك رسول الله ﷺ حتى تبينا السرور في وجهه، وكبّر رسول الله ﷺ فكبّر الحسن إلى سبع تكبيرات، فوقف الحسن عند السابعة، وقرأ رسول الله ﷺ وركع، ثم قام في الركعة الثانية، فكبّر النبي ﷺ وكبّر الحسن حتى انتهى إلى خمس تكبيرات فوقف الحسن عندها وتلك سنّة العيد.

стр. 1152

المدائني عن الهذلي عن الحسن أن فاطمة أتت النبي ﷺ بالحسن والحسين ﵈ فقالت: انحلهما. فقال: «قد نحلت الحسن الحلم والحياء، وقد نحلت الحسين الجود والمهابة»، وأجلس حسنا على فخذه اليمنى وحسينا على اليسرى. وحدثني عبد الله بن صالح عن حماد بن سلمة عن هشام بن عروة عن عروة قال: خطب أبو بكر يوما فجاء الحسن فقال: انزل عن منبر أبي. فقال علي: ليس هذا عن ملأ منا. وحدثني أبو خيثمة زهير بن حرب، ثنا جرير عن قابوس بن أبي ظبيان عن أبيه قال: وقع مغيرة بن عبد الله بن أبي عقيل الثقفي على الحسن بن علي وشتمه فقال رجل: يا أبا ظبيان، وقع المغيرة في الحسن وسبّه. فقال: ولم قل خيره، فو الله لقد كان النبي ﷺ يفرج رجليه ويقبل زبيبه! حدثني عباس بن هشام الكلبي عن أبيه عن أبي مخنف وعوانه بن الحكم في اسنادهما، وحدثني عبد الله بن صالح العجلي عن الثقة عن ابن جعدبة عن صالح بن كيسان قالوا: لما قتل علي بن أبي طالب بالكوفة، قام قيس بن سعد بن عبادة الأنصاري فخطب وحمد الله وأثنى عليه، ثم وصف فضل علي وسابقته وقرابته والذي كان عليه في هديه وعدله وزهده وقرّظ الحسن ووصف حاله ومكانه من رسول الله ﷺ والذي هو أهله في هديه وحلمه واستحقاقه الأمر بعد أبيه، ورغّبهم في بيعته، ودعاهم إلى طاعته، وكان قيس أول من بايعه ثم ابتدر الناس بيعته. وقد كان قيس عامل علي على آذربيجان فكتب إليه في القدوم للغزو معه، فقدم فشهد مقتله.

стр. 1153

وخرج عبيد الله بن العباس بن عبد المطلب إلى الناس بعد وفاة علي ودفنه فقال: إن أمير المؤمنين رحمه الله تعالى قد توفي برّا تقيّا، عدلا مرضيا، أحيا سنة نبيه وابن عمه، وقضى بالحق في أمته. وقد ترك خلفا رضيا مباركا حليما فإن أحببتم خرج إليكم فبايعتموه، وإن كرهتم ذلك فليس أحد على أحد. فبكى الناس وقالوا: يخرج مطاعا عزيزا، فخرج الحسن فخطبهم فقال: اتقوا الله أيها الناس حق تقاته فإنا امراؤكم وأضيافكم، ونحن أهل البيت الذين قال الله: ﴿لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ [أَهْلَ الْبَيْتِ] وَ يُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيراً﴾ (١). والله لو طلبتم ما بين جابلق وجابرس (٢) مثلي في قرابتي وموضعي ما وجدتموه، ثم ذكر ما كان عليه أبوه من الفضل والزهد والأخذ بأحسن الهدى، وخروجه من الدنيا خميصا لم يدع إلا سبعمائة درهم فضلت من عطائه، فأراد أن يبتاع بها خادما. فبكى الناس ثم بايعوه، وكانت بيعته التي أخذ على الناس أن يحاربوا من حارب ويسالموا من سالم، فقال بعض من حضر: والله ما ذكر السلم إلا ومن رأيه أن يصالح معاوية أو كما قال. ثم مكث أياما ذات عدد يقال خمسين ليلة، ويقال أكثر منها وهو لا يذكر حربا ولا مسيرا إلى الشام، وكتب إليه عبد الله بن عباس كتابا يعلمه فيه أن عليا لم يجب إلى الحكومة، إلاّ وهو يرى أنه إذا حكم بالكتاب يرد الأمر إليه، فلما مال القوم إلى الهوى فحكموا به ونبذوا حكم الكتاب رجع إلى أمره الأول فشمّر للحرب ودعا إليها أهل طاعته، فكان رأيه الذي فارق

стр. 1154

الدنيا عليه جهاد هؤلاء القوم، ويشير عليه أن ينهد إليهم وينصب لهم ولا يعجز ولا يهن. قالوا: وأتى أهل الشام قتل علي فقام معاوية خطيبا فذكر عليا وقال: إن الله أتاح له من قتله بقطيعته وظلمه وقد ولي الكوفة بعده ابنه وهو حدث غرّ لا علم له بالحرب، وقد كتب اليّ وجوه من قبله يلتمسون الأمان فانتدب معه أهل الأجناد، فأقبل عمرو بن العاص في أهل فلسطين، وعبد الرحمن بن خالد بن الوليد في أهل الأردن، فكتب الحسن إلى معاوية يعلمه أن الناس قد بايعوه بعد أبيه ويدعوه إلى طاعته، فكتب إليه في جواب ذلك يعلمه أنه لو كان يعلم أنه أقوم بالأمر وأضبط للناس وأكيد للعدو وأحوط على المسلمين وأعلم بالسياسة، وأقوى على جمع المال منه لأجابه إلى ما سأل لأنه يراه لكل خير أهلا، وقال له في كتابه: إن أمري وأمرك شبيه بأمر أبي بكر وأمركم بعد وفاة رسول الله ﷺ ، ووعده أن يسوّغه ما في بيت مال العراق، وخراج أي الكور شاء يستعين به على مؤنه ونفقاته. وكان رسول الحسن بكتابه إلى معاوية جندب بن عبد الله بن ضبّ، وهو جندب الخير الأزدي، فلما قدم جندب على الحسن بجواب كتابه أخبره باجتماع أهل الشام وكثرتهم وعدتهم، وأشار عليه بتعجيل السير إليهم قبل أن يسيروا إليه، فلم يفعل حتى قيل له أن معاوية قد شخص إليك وبلغ جسر منبج، فتحرك عند ذلك ووجه حجر بن عدي الكندي إلى العمال يأمرهم بالجد والاستعداد إلى أن يمر بهم، وأتاه سعيد بن قيس الهمداني فقال له: أخرج فعسكر نسر معك. فخطب الحسن الناس فحضّهم على الجهاد، وعرّفهم فضله وما في الصبر عليه من الأجر، وأمرهم أن يخرجوا

стр. 1155

إلى معسكرهم فما أجابه أحد، فقال لهم عدي بن حاتم الطائي: سبحان الله، ألا تجيبون إمامكم أين خطباء مضر ثم قال عدي للحسن: أصاب الله بك سبيل رشده يا أمير المؤمنين فقد سمعنا وأطعنا، وهذا وجهي إلى المعسكر ومضى. ثم قام قيس بن سعد وزياد بن خصفة، ومعقل بن قيس فأحسنوا القول وأخبروا بمسارعتهم إلى أمرهم، وخفوفهم للجهاد معه، وأنهم لا يخذلونه فصدق مقالتهم، وردّ عليهم خيرا. ثم إنه دعا بعبيد الله بن عباس وهو بمعسكره فقال له: يا بن عم. إني باعث معك اثني عشر ألفا من فرسان العرب ووجوه أهل المصر فسربهم وألن كنفك وابسط لهم وجهك، وأدنهم من مجلسك، وسر على شاطئ الفرات حتى تقطع الفرات إلى أرض الأنبار ومسكن ثم تمضى فتستقبل معاوية وتحبسه حتى آتيك، وليكن خبرك عندي كل يوم، واستشر قيس بن سعد، وسعيد بن قيس الهمداني واسمع منهما ولا تقطع أمرا دونهما، وإن قاتلك معاوية قبل قدومي فقاتله فإن أصبت فالأمير قيس بن سعد فإن أصيب فسعيد بن قيس. فأخذ عبيد الله على قرية شاهى (١) ثم لزم الفرات حتى قطع الفلوجة، وجاز الفرات إلى دممّا ثم أتى الأخنونية (٢). وروى بعضهم أن قيس بن سعد كان على الجيش، وأن عبيد الله كان معه، والأول أثبت. فلما شخص عبيد الله بن العباس، سار الحسن بعده، واستخلف

стр. 1156

على الكوفة المغيرة بن نوفل بن الحارث بن عبد المطلب، وذلك بعد شهرين ويقال ثلاثة أشهر من بيعته. ثم سار الحسن فأتى دير كعب فبات به، ثم سار حتى أتى ساباط المدائن فنزل دون جسرها مما يلي ناحية الكوفة، فخطب الناس فقال: إني أرجو أن أكون أنصح خلف لخلقه، وما أنا محتمل على أحد ضغينة ولا حقدا ولا مريد به غائلة ولا سوءا، ألا وإن ما تكرهون في الجماعة خير لكم مما تحبون في الفرقة، ألا وإني ناظر لكم خيرا من نظركم لأنفسكم فلا تخالفوا أمري ولا تردوا عليّ، غفر الله لي ولكم. فنظر بعض الناس إلى بعض وقالوا: عزم والله على صلح معاوية وضعف وخار، وشدوا على فسطاطه فدخلوه وانتزعوا مصلاة من تحته وانتهبوا ثيابه، ثم شدّ عليه عبد الرحمن بن عبد الله بن أبي جعال الأزدي فنزع مطرفه عن عاتقه فبقى متقلدا سيفه فدهش، ثم رجع ذهنه، فركب فرسه وأطاف به الناس فبعضهم يعجّزه ويضعّفه، وبعضهم ينحّي أولئك عنه ويمنعهم منه. وانطلق رجل من بني أسد بن خزيمة من بني نصر بن الهون بن الحارث بن ثعلبة بن دودان بن أسد، ويقال له الجراح بن سنان وكان يرى رأي الخوارج إلى مظلم ساباط فقعد فيه ينتظره، فلما مر الحسن به دنا من دابته فأخذ بلجامها ثم أخرج مغولا (١) كان معه وقال: أشركت يا حسن كما أشرك أبوك من قبل، وطعنه بالمغول في أصل فخذه فشقّ في فخذه شقا كاد يصل إلى العظم، وضرب الحسن وجهه ثم اعتنقا وخرّا إلى الأرض، ووثب

стр. 1157

عبدك لام بن الحمل الطائي، وبعضهم يقول عبد الله بن الحصل فنزع المغول من يد الجراح وأخذ ظبيان بن عمارة التميمي بأنفه فقطعه، وضرب بيده إلى قطعة آجرة فشدخ بها وجهه ورأسه حتى مات. وحمل الحسن إلى المدائن وعليها سعد بن مسعود عم المختار بن أبي عبيد الثقفي وكان عليّ ولاه إياها فأدخلوه منزله فأشار عليه المختار أن يوثقه ويسير به إلى معاوية على أن يطعمه خراج جوخى سنة، فأبى ذلك وقال للمختار: قبّح الله رأيك، أنا عامل أبيه وقد ائتمنني وشرفني، وهبني نسيت بلاء أبيه، أأنسى رسول الله ﷺ ولا أحفظه في ابن ابنته وحبيبه. ثم إن سعد بن مسعود أتى الحسن بطبيب وقام عليه حتى برئ، وحوله إلى أبيض المدائن. وتوجه معاوية إلى العراق واستخلف الضحاك بن قيس الفهري، وجدّ في المسير وقال: قد أتتني كتب أهل العراق يدعونني إلى القدوم عليهم فأومن بريئهم ويدفعون إليّ بغيتي، وأتتني رسلهم في ذلك فسيروا إليها أيها الناس فإن كدر الجماعة خير من صفو الفرقة، وكانوا يدعونه أمير المؤمنين. ولما رأى عمرو جدّ معاوية في المسير واخذامه (١) إياه قال: قد علم معاوية والله أن الليث عليا قد هلك وغالته شعوب. قالوا: ومر معاوية بالرقة ثم بنصيبين وهو يسكنّ الناس ويؤمّن من مر به، ثم أتى الموصل، ثم صار إلى الأخنونية فنزل بإزاء عبيد الله بن العباس، وأرسل عبد الرحمن بن سمرة بن حبيب بن عبد شمس إلى عبيد الله وأصحابه أنّ كتب الحسن قد أتتني مع رسله يسألني فيها الصلح، وإنما

стр. 1158

جئت لذلك، وقد أمرت أصحابي بالكف عنكم فلا تعرضوا لهم حتى أفرغ مما بيني وبين الحسن، فكذبوه وشتموه. ثم بعث معاوية بعد ذلك عبد الرحمن بن سمرة إلى عبيد الله فخلا به، وحلف له أن الحسن قد سأل معاوية الصلح، وجعل لعبيد الله ألف ألف درهم إن صار إليه. فلما علم عبيد الله رأي الحسن وأنه إنما يقصد قصد الصلح، وحقن الدماء، صار إلى معاوية فأكرمه وبرّه، وحفظ له مسارعته إليه. وقام بأمر الناس بعد عبيد الله، قيس بن سعد، وقال في عبيد الله قولا قبيحا، وذكر أخاه وما كان بينه وبين عليّ، ونسب عبيد الله إلى الخيانة والغدر والضعف والجبن، فبايع قيسا أربعة آلاف على الموت. وظن معاوية أن مصير عبيد الله قد كسر الحسن فأمر بسر بن أبي أرطاة، وكان على مقدمته وناسا معه فصاحوا بالناس من جوانب العسكر فوافوهم وهم على تعبئة فخرجوا إليهم فضاربوهم، واجتمع إلى بسر خلق فهزمهم قيس وأصحابه. وجاءهم بسر من الغد في الدهم فاقتتلوا فكشف بسر وأصحابه وقتل بين الفريقين قتلى، وعرض معاوية على قيس مثل الذي عرضه على عبيد الله فأبى، ثم بعث إليه ثانية فقال له: على ماذا تقتل نفسك وأصحاب الحسن قد اختلفوا عليه، وقد جرح في مظلم ساباط فهو لما به (١). فتوقف عن القتال ينظر ما يكون من أمر الحسن ففعل، وجعل وجوه أهل العراق يأتون معاوية فيبايعونه، فكان أول من أتاه خالد بن معمر فقال: أبايعك عن ربيعة كلها

стр. 1159

ففعل، وبايعه عفاق بن شرحبيل بن رهم التيمي فلذلك يقول الشاعر: معاوي أكرم خالد بن المعمر … فإنك لولا خالد لم تؤمّر وبلغ ذلك الحسن فقال: يا أهل العراق، أنتم الذين أكرهتم أبي على القتال والحكومة ثم اختلفتم عليه، وقد أتاني أن أهل الشرف منكم قد أتوا معاوية فبايعوه، فحسبي منكم لا تغرّوني في ديني ونفسي. قال المدائني: وكتب معاوية إلى قيس يدعوه إلى نفسه وهو بمسكن في عشرة آلاف فأبي أن يجيبه، ثم كتب إليه: إنما أنت يهودي بن يهودي، إن ظفر أحب الفريقين إليك عزلك واستبدل بك وإن ظفر أبغضهما إليك قتلك ونكّل بك، وقد كان أبوك أوتر غير قوسه، ورمى غير غرضه فأكثر الحزّ وأخطأ المفصل فخذله قومه، وأدركه يومه فهلك بحوران طريدا والسّلام. فكتب إليه قيس بن سعد بن عبادة: أما بعد يا معاوية، فإنما أنت وثن بن وثن من أوثان مكة، دخلت في الإسلام كرها، وخرجت منه طوعا، لم يقدم إيمانك، ولم يحدث نفاقك. وقد كان أبي وتر قوسه ورمى غرضه فاعترض عليه من لم يبلغ كعبه ولم يشقّ غباره، وكان أمرا مرغوبا عنه مزهودا فيه، ونحن أنصار الدين الذي خرجت منه، وأعداء الدين الذي صرت إليه. فقال له عمرو: أجبه. فقال: أخاف أن يجيبني بما هو شر من هذا. قالوا: ووجّه معاوية إلى الحسن عبد الله بن عامر بن كريز بن ربيعة بن حبيب بن عبد شمس، فقال ابن عامر: اتّق الله في دماء أمة محمد أن تسفكها لدنيا تصيبها وسلطانا تناله لعل أن يكون متاعك به قليلا، إن معاوية قد لجّ، فنشدتك الله أن تلجّ فيهلك الناس بينكما، وهو يوليك الأمر من بعده، ويعطيك كذا.

стр. 1160

وكلّمه عبد الرحمن بن سمرة بمثل كلام عبد الله أو نحوه، فقبل ذلك منهما، وبعث معهما عمرو بن سلمة الهمداني ثم الأرحبي ومحمد بن الأشعث الكندي ليكتبا على معاوية الشرط ويعطياه الرضى. فكتب معاوية كتابا نسخته: «بسم الله الرحمن الرحيم، هذا كتاب للحسن بن علي من معاوية بن أبي أبي سفيان، إني صالحتك على أن لك الأمر من بعدي، ولك عهد الله وميثاقه وذمته وذمة رسوله محمد ﷺ وأشد ما أخذه الله على أحد من خلقه من عهد وعقد، لا أبغيك غائلة ولا مكروها، وعلى أن أعطيك في كل سنة ألف ألف درهم من بيت المال، وعلى أن لك خراج فسا، ودرأبجرد، تبعث إليهما عمالك وتصنع بهما ما بدالك». شهد عبد الله بن عامر، وعبد الله بن سلمة الهمداني وعبد الرحمن بن سمرة ومحمد بن الأشعث الكندي. وكتب في شهر ربيع الآخر سنة إحدى وأربعين. فلما قرأ الحسن الكتاب قال: يطمعني معاوية في أمر لو أردت لم أسلمه إليه. ثم بعث الحسن عبد الله بن الحارث بن نوفل بن الحارث بن عبد المطلب، وأمه هند بنت أبي سفيان فقال له: ائت خالك فقل له إن أمنت بالناس بايعتك، فدفع معاوية إليه صحيفة بيضاء قد ختم في أسفلها وقال: اكتب فيها ما شئت، فكتب الحسن:
следующие страницы →