وحدثني هشام بن عمّار قال: سمعت الوليد بن مسلم يقول: قرئ علينا كتاب أبي جعفر أمير المؤمنين يذكر فيه سابقة جده العباس فقال فيه:
ومن ذلك أنه جهز في جيش العسرة بثمانين ألف درهم.
حدثني عباس بن هشام عن أبيه عن جده عن أبي صالح عن جابر بن عبد الله، أن غلاما للعباس بن عبد المطلب يقال له كلاب قدم على رسول الله ﷺ المدينة بألطاف بعث بها إليه عمّه العباس، وكان رسول الله ﷺ قد شكا القيام على رجليه، وكان كلاب نجارا مجيدا، فأمره فعمل له منبره من أثل (١) الغابة درجتين ومقعدا وذلك قبل فتح مكة.
وحدثنا وهب بن بقيّة الواسطي، حدثنا يزيد بن هارون، أخبرنا أبو أمية بن يعلى عن سالم أبي النضر قال: لما كثر المسلمون على عهد عمر ضاق بهم المسجد، فاشترى عمر ما حوله من الدور إلاّ دار العباس وحجر أمهات المؤمنين، فقال عمر للعباس: يا أبا الفضل إن المسجد قد ضاق وقد ابتعت ما حوله من المنازل لأوسّع بها على المسلمين مسجدهم إلاّ دارك وحجر أمهات المؤمنين، فأما حجر أمهات المؤمنين فلا سبيل إليها، وأما دارك فإما أن تبيعنيها بما شئت من بيت المال، وإما أن أخطك خطة حيث شئت من المدينة وأبنيها لك من بيت مال المسلمين، وإما أن تتصدق بها على المسلمين فتوسّع بها مسجدهم، فقال العباس: لا ولا واحدة منها، فقال عمر:
أنت أعلم، اذهب فلن أعرض لك في دارك، قال العباس: أما إذا قلت هذا فإني قد تصدّقت بها على المسلمين، فخطّ له عمر داره التي هي له اليوم، وبناها من مال المسلمين.
стр. 1367
وحدثني عباس بن هشام عن أبيه عن جده عن أسامة بن محمد بن أسامة بن زيد عن أبيه عن دحية بن خليفة الكلبي قال: أهديت إلى النبي ﷺ زبيبا وتينا من الشام فقال: «اللهم أدخل عليّ أحبّ أهلي إليك»، فدخل العباس فقال: «ها هنا يا عمّ، دونك فكل».
حدثني عباس بن هشام عن أبيه عن جده عن أبي صالح عن ابن عباس قال: لما صار أمر السقاية والرفادة لبني عبد مناف بن قصي اقترعوا فخرج سهم هاشم فولي ذلك وقام به، فلما مات هاشم بغزّة قام بأمر السقاية والرفادة بعده بوصية منه المطلب بن عبد مناف أخوه، ثم لما مات المطلب قام بذلك عبد المطلب بن هاشم ثم ابنه الزبير بن عبد المطلب بن عبد مناف ثم أبو طالب بن عبد المطلب؛ ثم إن أبا طالب أمعر (١) واختلّت حاله فعجز عن القيام بأمر السقاية والرفادة فاستسلف من أخيه العباس بن عبد المطلب للنفقة على ذلك عشرة آلاف درهم، فلما كان العام المقبل سأله سلف خمسة عشر ألف درهم، أو قال اربعة عشر ألف درهم، فقال له العباس: انك لن تقضيني ما لي عليك فأنا أعطيك ما سألت على أنك إن لم تؤدّ إليّ مالي كله في قابل فأمر هذه المكرمة من السقاية والرفادة إليّ دونك والمال لك، فأجابه إلى ذلك، فلما كان الموسم من العام المقبل ازداد أبو طالب عجزا وضعفا لقلة ذات يده فلم تمكنه النفقة ولم يقض العباس ماله، فصارت السقاية والرفادة إليه، وكان للعباس كرم بالطائف يؤتى بزبيبه فينبذ في السقاية، فلما فتح رسول الله ﷺ مكة أخذ مفتاح الكعبة وهمّ بدفعه إلى العباس، فنزلت
стр. 1368
﴿إِنَّ اللهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَماناتِ إِلى أَهْلِها﴾ (١) فأقرّ السقاية والرّفادة في يد العباس وأقرّ الحجابة في يد عثمان بن طلحة بن أبي طلحة بن عبد العزى بن عثمان بن عبد الدار بن قصي. وقال رسول الله ﷺ حين فتح مكة: «ألا إني قد وضعت كل مأثرة ومكرمة كانت في الجاهلية تحت قدمي إلاّ سدانة البيت وسقاية الحاج».
وحدثني علي الأثرم عن أبي عبيدة قال: قام العباس بالسقاية والرفادة، ثم قام بذلك عبد الله بن عباس ثم علي بن عبد الله ثم محمد بن علي ثم داود بن علي، ثم سليمان بن علي، ثم عيسى بن علي، فلما استخلف أمير المؤمنين أبو جعفر قال: انكم تقلدون هذا الامر مواليكم فموالي أمير المؤمنين أحقّ بالقيام به، فولّى السقاية ونفقات البيت مولى له يقال له زربى، وجعلت الرفادة من بيت المال.
المدائني عن ابن جعدبة قال: دخل عثمان بن عفان على العباس رضي الله تعالى عنهما، وكان العباس خال أمه أروى بنت كريز فقال: يا خال أوصني، فقال: أوصيك بسلامة القلب، وترك مصانعة الرجال في الحق، وحفظ اللسان، فإنك متى تفعل ذلك ترض ربك وتصلح لك رعيتك.
المدائني عن ابن جعدبة عن محمد بن علي بن عبد الله، أن العباس قال لعبد الله بن العباس: يا بنيّ إن الله قد بلّغك شرف الدنيا فاطلب شرف الآخرة، واملك هواك واحرز لسانك إلاّ مما لك.
стр. 1369
حدثني عمر بن حماد بن أبي حنيفة عن محمد بن الفضيل بن غزوان عن زكريا بن عطية عن أبيه قال: أخذ كعب الأحبار بيد العباس وقال: اختبئها لي عندك للشفاعة، فقال: وهل لي شفاعة؟ قال: نعم ليس أحد من أفاضل أهل النبي يسلم إلاّ كانت له شفاعة.
حدثنا الحسين بن علي بن الأسود، حدثنا يحيى بن آدم عن أبي أسامة وعبد الرحمن بن أبي الزناد عن هشام بن عروة عن عروة بن الزبير قال: أخذ العباس بيد رسول الله ﷺ حين وافاه السبعون من الأنصار بالعقبة فجعل يأخذ لرسول الله البيعة ويعتقدها عليهم ويشترط له، قال عروة: وذلك في غرّة الاسلام وأوله وليس يعبد الله علانية.
حدثني علي بن حماد بن كثير، حدثنا الحزامي عن محمد بن طلحة عن اسحاق بن إبراهيم الأنصاري عن أبيه قال: لما قدم صفوان بن أمية الجمحي على رسول الله ﷺ قال له: «على من نزلت يا أبا وهب»؟ قال:
على عمك العباس، قال: «نزلت على أشدّ قريش لقريش حبّا».
المدائني عن حماد بن سلمة عن علي بن زيد عن الحسن عن الأحنف بن قيس قال: سمعت عمر بن الخطاب يقول: قريش رؤساء الناس وليس منهم أحد يدخل في أمر إلا دخل معه فيه طائفة، فلما طعن عمر أمر صهيبا أن يصلي بالناس ويطعمهم ثلاثة أيام حتى يجتمعوا على رجل من الستّة، فلما وضعت الموائد كفّ الناس عن الطعام، فقال العباس: أيها الناس إن رسول الله ﷺ قبض فأكلنا بعده وشربنا، وتوفي أبو بكر فأكلنا بعده وشربنا، وإنه لا بدّ من الأكل، فأكل وأكل الناس، قال: فعرفت قول عمر.
стр. 1370
ومن حديث الواقدي وغيره، إن الله فتح على نبيه ﷺ خيبر، وكان الحجاج بن علاط السّلمي قدم من غارة له يوم خيبر فأسلم وأستأذن رسول الله ﷺ في إتيان مكة ليأخذ مالا له هناك عند زوجته أم شيبة بنت عمير أخت مصعب بن عمير العبدري، فأذن له رسول الله ﷺ في ذلك، فقدم مكة وأهلها لا يعلمون بخبر خيبر ولا بإسلامه، فقال لقريش متقربا إليها: إن محمدا قد أسر ونكب أصحابه، فلما بلغ العباس ذلك اشتد عليه وغمّه فخرج مدلّها حتى لقي الحجاج في خلوة فسأله عن الخبر، فقال: اكتم عليّ فداك أبي وأمي جميع ما أقول لك ثلاثا حتى آخذ مالي عند زوجتي ثم أظهر الأمر، إني قد أسلمت وإن رسول الله قد ظفر، وجئتك وهو عروس بابنة ملك خيبر، فسرّي عنه؛ فلما مضت ثلاثة أيام وخرج الحجاج يريد رسول الله ﷺ ، غدا العباس على قريش وعليه حلّة خزّ مصبوغة وهو متعطّر فوقف على باب أم شيبة فقال: أين الحجاج؟ قالت: خرج يبتاع ممّا غنم أهل خيبر من محمد وأصحابه، فقال: ذاك والله الباطل، لقد خلص ماله، وإنك لا تحلّين له حتى تتبعي دينه، فقالت: صدقت والثواقب، ثم أتى قريشا فقالوا: ما هذا التجلد يا أبا الفضل؟ فأخبرهم الخبر فسيء بهم واكتأبوا وجعل بعضهم يصدّق وبعضهم يكذّب، حتى ورد عليهم الخبر بعد يومين أو ثلاثة أيام، وذلك في سنة سبع.
حدثني الوليد بن صالح عن ابراهيم بن سعد عن محمد بن اسحاق بن يسار عن رجل عن عكرمة عن ابن عباس.
وعن محمد بن اسحاق عن يزيد بن رومان عن عروة بن الزبير، أن عاتكة بنت عبد المطلب رأت في منامها - قبل قدوم ضمضم بن عمرو
стр. 1371
الغفاري مكة برسالة أبي سفيان، حين استأجره وأرسله إلى قريش، يعلمها طلب رسول الله ﷺ العير التي قدم بها أبو سفيان من الشام ويأمرها بالخروج لمنعها والذبّ عنها بثلاثة أيام - كأنّ راكبا أقبل على بعيره حتى وقف بالأبطح ثم قال بأعلى صوته: ألا انفروا يا آل غدر لمصارعكم في ثلاث، ثم دخل المسجد والناس يتبعونه فمثل به بعيره فوق الكعبة ثم صرخ بمثل ذلك، ثم مثل به بعيره فوق أبي قبيس فصرخ بمثل ذلك، ثم أخذ صخره فأرسلها فأقبلت تهوي حتى ارفضّت فما بقي بيت من بيوت مكة إلا دخلته منها فلقة، فقال لها العباس: اكتمي رؤياك يا أخت، وخرج فلقي الوليد بن عتبة بن ربيعة بن عبد شمس وكان له صديقا ونديما مع أبي سفيان بن حرب، فذكر له الرؤيا فأخبر بها الوليد أباه عتبة، ففشا الحديث حتى جعلت قريش تقول:
امضوا بنا إلى الوليد بن عتبة نسأله عن رؤيا عمّه محمد، ولقي أبو جهل العباس فقال: يا بني عبد المطلب متى حدثت فيكم هذه النّبية! أما رضيتم ان يتنبأ رجالكم حتى تنبّت نساؤكم! والله لئن مضت ثلاثة أيام ولم يكن لهذه الرؤيا تأويل لنكتبنّ عليكم كتابا أنكم اكذب العرب. قال العباس:
فانكرت الرؤيا، ثم لم يلبث ان جاء ضمضم وقد جدع أنف بعيره وحوّل رحله وشقّ قميصه وهو يقول: اللطيمة اللطيمة، أموالكم أموالكم، فقد عرض لها محمد، الغوث الغوث! فتجهز الناس سراعا، وخاف العباس على نفسه فخرج معهم ليوري بذلك عليهم، وأطعم مع المطعمين تجلدا، وأظهر انه داخل فيما دخلوا فيه لئلا يقال انه مسلم فيصيبوه بشرّ. وقالت عاتكة بعد بدر:
стр. 1372
ألم تكن الرؤيا بحقّ أتاكم … بتأويلها فلّ من القوم هارب
أتى فأتاكم باليقين الذي رأى … بعينيه ما تفري السيوف القواضب
فقلتم، ولم اكذب، كذبت وانّما … يكذّبني بالصدق من هو كاذب
وسمعت أن العباس قال لأبي جهل، حين قال لنكتبن عليكم كتابا أنكم أكذب العرب: يا مصفّر استه، أنت أولى منّا بالكذب (١).
وأنشدني بعض قريش شعرا ذكر أنه قاله ربيعة بن الحارث بن عبد المطلب، ويقال غيره:
يا قوم كيف رأيتم … تأويل رؤيا عاتكه
قلتم لها يا آفكه … جهلا وما هي آفكه
حتى بدا تأويلها … بكداء غير متاركه
خصّت وعمّت معشرا … أرحامهم متشابكه
هلكوا ببدر كلهم … فابكوا النفوس الهالكه
قالوا: ولما كانت عمرة القضاء، وقدم رسول الله ﷺ مكة، زوّجه العباس ميمونة بنت الحارث اخت امرأته أمّ الفضل لبابة بنت الحارث.
حدثني بكر بن الهيثم، حدثنا عبد الله بن صالح المصري عن معاوية بن صالح عن علي بن أبي طلحة قال: خرج العباس من مكة مجاهرا باسلامه فلقي النبي ﷺ بذي الحليفة وهو يريد مكة، فأمره أن يمضي ثقله إلى المدينة ويكون هو معه وقال: «هجرتك يا عم آخر هجرة كما أن نبوّتي آخر نبوة».
стр. 1373
وقد روي أنه لقي النبي ﷺ بالسّقيا فلم يفارقه حتى دخل معه مكة ففتحها، ثم انصرف معه إلى المدينة. وكان العباس وهب رسول الله ﷺ غلامه أبا رافع، ورسول الله بمكة، فلمّا قدم على رسول الله ﷺ بشّر أبو رافع رسول الله بقدومه معلنا لإسلامه فأعتقه.
وحدثني عباس بن هشام عن أبيه عن أبي السائب المخزومي عن أبيه قال: كان العباس أكرم قريش: له ثوب لعاريهم، وجفنة لجائعهم، ومقطرة لجاهلهم؛ وكان في الجاهلية نديما لأبي سفيان، فجاور رجل من بني سليم رجلا لم يحمد جواره، فقال له عباس بن مرداس السلمي:
إن كان جارك لم تنفعك ذمّته … حتى سقيت بكاس الذلّ أنفاسا
فأت القباب فكن من أهلها سددا … تلقى ابن حرب وتلقى المرء عباسا
قرمي قريش وحلاّ في ذوائبها … بالمجد والحزم ما حازا وما ساسا
ساقي الحجيج وهذا ما جد أنف … والمجد يورث أخماسا وأسداسا (١)
وحدثني بكر بن الهيثم، حدثنا عبد الله بن صالح عن معاوية بن صالح عن علي بن أبي طلحة عن ابن عباس قال: كان أبي أبيض بضّا رجل الشعر (٢)، حسن اللحية في رقة، تام القامة رحب الجبهة أهدب الأشفار، أو قال اوطف، أقنى الأنف عظيم العينين سهل الخدين بادنا جسيما، وكان قبل أن تكبر سنّه ذا ضفيرتين، وكفّ بصره قبل موته بخمس سنين، وقد كان خضب ثم ترك الخضاب.
стр. 1374
وقال الواقدي وغيره: توفي العباس في شهر رمضان سنة اثنتين وثلاثين، وهو ابن ثمان وثمانين سنة، وكان معتدل القناة، ودفن بالمدينة بالبقيع، وصلى عليه عثمان بن عفان، وكان يقول حين نشب الناس في أمر عثمان:
اللهم اسبق بي أمرا لا أحبّ أن أدركه.
قالوا: ونزل في حفرة العباس: علي بن أبي طالب، وعبد الله وعبيد الله ابنا العباس، والحسن والحسين ابنا علي، وقثم بن العباس، ويقال إن عثمان بن عفان نزل في قبره، وقال عبد الله بن العباس: لقد كنا محتاجين إلى نزول أكثر منّا لبدنه وعظمه.
стр. 1375
فولد العباس بن عبد المطلب
الفضل وبه كان يكنى، وعبد الله، وعبيد الله، وقثم، وعبد الرحمن، ومعبد بن العباس، وأم حبيب، وأمهم لبابة بنت الحارث بن حزن بن بجير بن الهزم بن رؤيبة بن عبد الله بن هلال بن عامر بن صعصعة، وأمها هند بنت عمرو وهي خولة، ويقال إن أباها عوف من حمامة من جرش؛ وتمّام بن العباس؛ وكثير بن العباس، وأمهما أم ولد.
والحارث بن العباس وأمه حجيلة بنت جندب بن الربيع، هذليّة. وصفيّة بنت العباس وأمها أم ولد. وآمنة بنت العباس، ويقال أمينة، كانت عند العباس بن عتبة بن أبي لهب فولدت له الفضل الشاعر وأمها أم ولد. وكانت أم حبيب عند الأسود بن سفيان بن عبد الأسد المخزومي فولدت له رزق بن الأسود، ولبابة بنت الأسود وهم يسكنون مكة، وكانت صفية عند محمد بن عبد الله بن مسروح واسمه الحارث بن يعمر أحد بني سعد بن بكر.
قال عبد الله بن بريد الهلالي:
стр. 1376
ما ولدت نجيبة من فحل … بجبل نعلمه أو سهل
كستة من بطن أمّ الفضل … أكرم بها من كهلة وكهل
عمّ النبيّ المصطفى ذي الفضل … وخاتم الرّسل وخير الرسل
وقال أيضا:
ونحن ولدنا الفضل والحبر بعده … عنيت أبا العباس ذا الدين والندى
ألا وعبيد الله ثم ابن امه … ألا قثما أعني وذا الباع معبدا
غيوث على العافين خرس عن الخنا … أسود إذا ما موقد الحرب أوقدا
اذا افتخرت يوما قريش رأيتهم … يفوقونهم حلما وجودا وسؤددا
وقال أيضا:
ألا إنني صهر النبيّ محمد … وخال بني العباس والخال كالأب
стр. 1377
الفضل بن العباس
فأما الفضل بن العباس:
ابن عبد المطلب ويكنى أبا محمد، فإن رسول الله ﷺ دفع من المزدلفة وهو ردفه إلى منى فسمى الرّدف، وكان ممن غسل رسول الله ﷺ ، ونزل في حفرته. وقال له رسول الله ﷺ : «يا غلام احفظ أمر الله يحفظك، واعلم أن ما اصابك لم يكن ليخطئك وأن ما أخطأك لم يكن ليصيبك، وأن الخلائق جميعا لو اجتمعوا على إعطائك شيئا لم يقدّر لك لم يقدروا عليه، ولو أطبقوا على منعك شيئا قد قدر لك لم يستطيعوه». ويقال انه قال ذلك لعبد الله بن عباس.
وحدثني حفص بن عمر المعروف بالعمري عن هشام بن الكلبي عن أبيه قال: لما أراد الفضل بن العباس الخروج إلى الشام ودّع أباه فقال له أبوه: أي بني إن عمود الجهاد النيّة، وتمامه الصبر والاحتساب فجاهد صابرا محتسبا فإنّ نبيّ الله قال: «الجهاد رهبانية الاسلام»، وانك ستسأل عن حديث رسول الله ﷺ لموضعك منه فلا تعد في ذلك اليقين والغ الشك، واجعل ما رويت عنه تديّنا ولا تجعله فخرا.
стр. 1378
وحدثني العمري عن الهيثم بن عدي عن ابن عياش الهمداني عن أبي علاقة الحضرمي عن أبيه قال: حضرت الفضل بن عباس في سفره إلى الشام فكان يطعم طعامه ويأمر فيتصدّق بفضلته ويقول: كثرة الطعام وسعته في السفر من المروءة. وكان إذا سار تعجل على فرسه حتى يسبق ثقله ورفقاءه، ثم لا يزال يصلي حتى يلحقوا به وهو مطول لفرسه وفرسه يرعى وعنانه في يده، وكان يجدّد الوضوء لكل صلاة مكتوبة، وينام من أول الليل ثم يقوم فيصلي إلى وقت الرّحيل، واذا مرّ بركب من المسلمين سلّم عليهم، وأتاه مولى له وقد نال الناس طاعون عمواس فقال له: بأبي أنت وأمي لو انتقلت إلى مكان كذا، فقال: والله ما أخاف ان أسبق أجلي، ولا أحاذر أن يغلظ (١) بي، وان ملك الموت لبصير بأهل كلّ بلد.
المدائني عن حباب بن موسى عن جعفر بن محمد، وأنه ذكر العباس وولده فقال: كان عبد الله أعلم الناس بكل شيء، وكان عبيد الله أجود الناس كفّا وأوسعهم بذلا، وكان الفضل أجمل الناس وجها وأثبتهم زهدا وأصدقهم قولا.
حدثني علي بن محمد النوفلي عن أبيه قال: كان يقال من أراد الجمال والفقه والسّخاء فليأت دار العباس بن عبد المطلب: الجمال للفضل، والفقه لعبد الله، والسخاء لعبيد الله.
حدثني عمرو الناقد، حدثنا محمد بن الفضيل بن غزوان الضبي عن يزيد بن أبي زياد مولى بني هاشم عن عبد الله بن الحارث عن عبد المطلب بن
стр. 1379
ربيعة بن الحارث بن عبد المطلب قال: مشى بنو عبد المطلب الى العباس فقالوا له: تكلّم لنا رسول الله ﷺ في أن يجعل إلينا ما يجعل إلى الناس من هذه السّعاية على الصدقات، قال: فبعث العباس ابنه الفضل، وبعثني أبي ربيعة بن الحارث إلى النبي ﷺ حتى دخلنا عليه فأجلسنا عن يمينه وشماله، ثم أخذ رسول الله بأذني وأذن الفضل فقال: «أخرجا ما تسرّان»، فقلنا:
بعثنا إليك عمّك واجتمع اليه بنو عبد المطلب يسألون ان تجعل لهم نصيبا في هذه السعاية، فقال: «إن الله أبى لكم يا بني عبد المطلب أن يطعمكم أوساخ أيدي الناس - أو قال غسالة أيدي الناس - ولكن لكما عندي الحباء والكرامة، اما أنت يا فضل فقد زوجتك فلانة، واما انت يا عبد المطلب فقد زوجتك فلانة»، فرجعنا فأخبرنا بقول رسول الله ﷺ .
وحدثني عمرو الناقد قال: ويروى عن أبي اسحاق وغيره أن العباس مشى إلى النبي ﷺ ومعه الفضل، وعبد المطلب بن ربيعة بن الحارث فكلّمه في توليتهما مما ولاّه الله وقال: إن هذين ابنا عمك، وقد بلغا وليس لهما نساء فلعلهما يصيبان مما يصيب الناس فيتزوجان، فقال رسول الله ﷺ : «انما هي أوساخ الناس وما أنا بموليهما».
حدثني عباس بن هشام عن أبيه عن أبي السائب المخزومي عن أبيه قال: أخبرني رجل من قريش أنه سمع الفضل بن العباس يقول بالشام:
والله ما بخل بالمال من أيقن بالخلف، ولا استغني بالكثير من لم يغنه الكفاف، ولا خاف العواقب من أمن شرّ الناس.
وقال هشام بن محمد الكلبي: قال الفضل بن عباس حين نزل به
стр. 1380
الموت: هذا أمر الله الذي لا مردّ له، فصبرا واحتسابا وتسليما، والله ما أخاف الموت الذي له خلقت ولكني أخاف التقصير في العمل.
حدثني أبو حفص الشامي، حدثني أبو الزبير الدمشقي عن أبيه قال:
بلغني أنه لما نزل الطاعون قال الفضل بن عباس، وكان فتى قريش يومئذ عقلا وجمالا وشجاعة ومروءة: إن أحقّ ما صبر عليه ما لا سبيل إلى تبديله.
وحدثني أبو حفص عن أبي الزبير، حدثني أبي قال: نفق فرس لرجل كان مع الفضل بن عباس في رفقته، فأعطاه فرسا كان يجنبه، فعاتبه بعض المنتصحين إليه فقال: أبتبخيلي تنتصح إليّ؟! إنه كفى لؤما أن تمنع الفضل وتترك المواساة، والله ما رأيت الله حمد في كتابه إلا المؤثرين ﴿عَلى أَنْفُسِهِمْ وَ لَوْ كانَ بِهِمْ خَصاصَةٌ﴾ (١).
قالوا: وتوفي الفضل في طاعون عمواس بالشام سنة ثماني عشرة، وكان له يوم قبض النبي ﷺ ثماني عشرة سنة وأشهر، ولم يولد للفضل إلا أم كلثوم بنت الفضل، وأمها صفيّة بنت محمية بن جزء الزبيدي حليف بني جمح، وأمها جمحيّة، فتزوج الحسن بن علي أم كلثوم وكان أبا عذرها، وهي أول من تزوج من النساء، فولدت له ثلاثة بنين وابنة درجوا كلهم، وفارقها فخلف عليها أبو موسى عبد الله بن قيس الأشعري فولدت له موسى بن أبي موسى، ويقال إنها ولدت له أيضا ولدين آخرين، وتوفي أبو موسى عنها فخلف عليها عمران بن طلحة بن عبيد الله، ثم فارقها فرجعت إلى دار أبي موسى بالكوفة فماتت بها، وهي أول قرشية دفنت في ظهر
стр. 1381
الكوفة، ويقال بل دفنت قبلها أم عمرو بن سعيد الأشدق. وكان أول من دفن بظهر الكوفة من الرجال خباب بن الأرتّ في سنة سبع وثلاثين أو ست وثلاثين.
وقال بعض الرواة: وكانت أم كلثوم بنت الفضل عند أبي موسى فمات عنها وتزوجها الحسن، فتوفي عنها في سنة تسع وأربعين أو سنة خمسين، فتزوجها عمران بن طلحة ولا عقب له.
стр. 1382
عبد الله بن عباس
وأما عبد الله بن عباس:
فيكنى أبا العباس وهو حبر الأمة، ولد قبل الهجرة بثلاث سنين.
وحدثني عباس بن هشام عن أبيه عن جده عن أبي صالح قال: ولد عبد الله بن عباس وبنو عبد المطلب في الشّعب، وذلك قبل هجرة النبي ﷺ إلى المدينة بثلاث سنين، فجاء به أبوه إلى النبي ﷺ فقبّله ومسح وجهه ورأسه ودعا له، فقال: «اللهم املأ جوفه فهما وعلما، واجعله من عبادك الصالحين، ثم قال: يا عم، هذا عن قليل حبر امتّي وفقيهها والمؤدي لتأويل التنزيل».
قال أبو صالح: وكان عبد الله بن عباس مقدّما عند أبي بكر وعمر وعثمان رضي الله تعالى عنهم، وحجّ بالناس سنة خمس وثلاثين بأمر عثمان وعثمان محصور، وولاه علي بن أبي طالب البصرة وشخص معه إلى صفين، ثم رجع إليها واليا عليها، ثم كتب أبو الاسود فيه إلى علي فغاضب عليّا وشخص إلى الحجاز.
стр. 1383
وحدثني الوليد بن صالح عن الواقدي عن خالد بن الياس عن شعبة مولى ابن عباس عن عبد الله بن عباس قال: ولدت قبل الهجرة بثلاث ونحن في الشعب، وتوفي رسول الله ﷺ ولي ثلاث عشرة سنة.
وحدثني مصعب بن عبد الله الزبيري عن أبيه عن مالك بن أنس عن الزهري عن عبيد الله بن عبد الله بن عتبة عن ابن عباس قال: كنت في حجة رسول الله ﷺ مراهقا للحلم (١).
وحدثني الزبير بن بكار عن سفيان بن عيينة عن عبيد الله بن أبي يزيد قال: سمعت ابن عباس يقول: أنا في من قدّمه رسول الله ﷺ من ضعفة أهله مع الثقل من المزدلفة إلى منى.
حدثني الحسين بن علي بن الأسود، حدثنا يحيى بن آدم، أخبرنا زهير بن معاوية عن عبد الله بن عثمان بن خثيم عن سعيد بن جبير أنه سمع عبد الله بن عباس يقول: وضع رسول الله ﷺ يده بين كتفي، أو قال منكبيّ، وقال: «اللهم فقّهه في الدين وعلّمه التأويل».
حدثنا عفان بن مسلم، أخبرنا حماد بن سلمة، أخبرنا عبد الله بن عثمان بن خثيم عن سعيد بن جبير أنه سمع ابن عباس يقول: إن رسول الله ﷺ كان في بيت ميمونة، قال: فوضعت له وضوءا من الليل، فقالت ميمونة: يا رسول الله وضع لك هذا ابن عباس، فقال: «اللهمّ فقّهه في الدين وعلّمه التأويل».
стр. 1384
حدثنا الحسين بن علي بن الاسود، حدثنا يحيى بن آدم، أخبرنا أبو كدينة يحيى بن المهلب البحلي عن أبيه عن مجاهد عن ابن عباس انه قال:
رأيت جبريل مرتين ودعا لي رسول الله ﷺ ان يؤتيني الله الحكمة مرتين.
حدثنا إبو بكر عبد الله بن محمد بن أبي شيبة، حدثنا معاوية بن هشام، حدثنا سفيان عن أبي بكير عن عكرمة عن ابن عباس، أنه دخل إلى النبي ﷺ وعنده رجل فقال له: من هذا يا رسول الله؟ قال: «جبريل».
حدثنا عبد الله بن صالح المقرئ عن حماد بن سلمة عن عمار بن أبي عمار عن ابن عباس قال: كنت وأبي عند النبي ﷺ فكان كالمعرض فلما خرجنا قال لي أبي: أي بنيّ ألم تر إلى النبي كأنه معرض عني؟ فقلت: إنه كان يناجي رجلا، فرجعنا إليه، فقال له: إني قلت لعبد الله كذا فقال كذا أفكان معك أحد يا رسول الله؟ فقال رسول الله ﷺ : «أرأيته يا عبد الله؟ قلت: نعم، قال: ذاك جبريل».
وحدثت عن عاصم بن علي بن عاصم عن زينب بنت سليمان بن علي قالت: حدثني أبي عن أبيه قال: دخل عبد الله بن عباس على رسول الله ﷺ وعنده رجل فقام عبد الله ورآه فالتفت النبي ﷺ فقال: «متى جئت يا حبيبي؟ قال: منذ ساعة. فقال: هل رأيت عندي أحدا؟ قال: نعم رأيت رجلا، فقال ﷺ : ذاك جبريل لم يره خلق إلاّ عمي إلاّ أن يكون نبيا، ولكن أسأل الله أن يجعل ذلك في آخر عمرك، ثم قال: اللهم فقّهه في الدين وعلمه التأويل واجعله من أهل الايمان».
стр. 1385
حدثنا عبيد الله بن عمر القواريري، حدثنا عبد الوارث، أخبرنا خالد الحذاء عن عكرمة عن ابن عباس قال: ضمّني رسول الله ﷺ وقال:
«اللهمّ علمه الحكمة».
حدثنا عبد الله بن أبي شيبة، حدثنا عبد الله بن بكر السهمي عن حاتم بن أبي صغيرة عن عمرو بن دينار، أن كريبا أخبره عن ابن عباس قال: «دعا لي رسول الله ﷺ أن يزيدني الله علما وفهما».
حدثني محمد بن حاتم المروزي، حدثنا محمد بن عبد الله الانصاري عن اسماعيل بن مسلم المكي عن عمرو بن دينار عن طاووس عن ابن عباس قال: دعاني رسول الله ﷺ فمسح ناصيتي وقال: «اللهم علمه الحكمة وتأويل الكتاب».
حدثنا سريج بن يونس أبو الحارث، حدثنا محمد بن فضيل بن غزوان عن الكلبي عن أبي صالح عن ابن عباس في قوله: ﴿ما يَعْلَمُهُمْ إِلاّ قَلِيلٌ﴾ (١) قال: أنا من أولئك القليل.
حدثنا وهب بن بقية عن يزيد بن هارون عن جويبر عن الضحاك عن ابن عباس بمثله.
حدثني الحسين بن علي بن الاسود، حدثنا يحيى بن آدم، أخبرنا عبد الله بن ادريس الأودي عن ليث عن طاووس قال: أدركت سبعين شيخا من أصحاب رسول الله ﷺ كانوا إذا تدارؤوا في شيء أتوا ابن عباس حتى يبيّنه لهم ويقررهم به فينتهون إلى قوله.
стр. 1386
وحدثني عمرو بن محمد الناقد، أخبرنا عبد الله بن ادريس عن ليث عن طاووس قال: ادركت سبعين شيخا من أصحاب محمد فتركتهم وانقطعت إلى هذا الفتى، يعني ابن عباس، فاستغنيت به.
وحدثنا عمرو بن محمد، حدثنا قبيصة عن سفيان عن ابن جريج عن طاووس قال: ما رأيت رجلا قط أعلم من ابن عباس.
وحدثني عبد الله بن صالح عن يحيى بن يمان عن سفيان عن مسعر عن حبيب بن أبي ثابت عن طاووس أنه قال: ما رأيت رجلا خالف ابن عباس قط فتركه ابن عباس حتى يقرره بما قال.
حدثنا عبد الرحمن بن صالح الازدي والحسين بن علي بن الأسود قالا: حدثنا يحيى بن آدم، أخبرنا قيس بن الربيع عن الاعمش عن أبي الضحى مسلم بن صبيح عن مسروق عن عبد الله بن مسعود أنه قال: نعم ترجمان القرآن ابن عباس.
وحدثني محمد بن حاتم بن ميمون المروزي، حدثنا عبد الله بن نمير عن مالك بن مغول عن سلمة بن كهيل عن ابن مسعود بمثله.
حدثنا خلف بن هشام البزار، حدثنا شريك بن عبد الله عن الاعمش عن أبي الضحى عن مسروق أنه قال: كنت إذا رأيت ابن عباس قلت أجمل الناس، فاذا تكلم قلت أفصح الناس، فاذا حدّث قلت أعلم الناس.
حدثني الحسن بن عرفة عن عمار بن محمد عن خشيش بن فرقد عن الحسن عن ابن عباس قال: قال رسول الله ﷺ : يا غلام - أو يا غليم - الا أعلمك شيئا ينفعك الله به، احفظ الله يحفظك، اذكر الله يذكرك، تعرّف إلى الله في الرخاء يعرفك في الشدة، واذا سألت فاسأل الله، واذا
стр. 1387
استعنت فاستعن بالله، واعلم ان النصر مع اليقين، وان الفرج مع الكرب، وان مع العسر يسرا، وانه لو اجتمع الخلائق على ان يعطوك شيئا لم يقضه الله لك لم يستطيعوا، ولو اجتمعوا على أن يمنعوك شيئا قضاه الله لم يستطيعوا.
حدثنا الحسين بن علي الأسود، حدثنا يحيى بن آدم، أخبرنا عبد الرحمن بن أبي الزناد عن أبيه عن عبيد الله بن عبد الله بن عتبة قال:
ما رأيت أحدا كان أعلم بالسنّة، ولا أجلد رأيا، ولا أثقب نظرا من ابن عباس، وان كان عمر بن الخطاب ليقول له: إنه قد طرأت علينا عضل أقضية أنت لها ولأمثالها، فإذا قال فيها رضي قوله، وعمر ما عمر في نظره للمسلمين وجدّه في ذات الله.
حدثنا عمرو الناقد وعلي بن عبد الله قالا: ثنا سفيان بن عيينة، أخبرنا ابن أبي نجيح عن مجاهد قال: ما سمعت فتيا أحسن من فتيا ابن عباس إلا أن يقول: قال رسول الله.
حدثني نصر بن علي الجهضمي، حدثنا أبو داود الطيالسي عن شعبة عن منصور عن مجاهد قال: كنت إذا رأيت ابن عباس يفسّر القرآن أبصرت على وجهه نورا.
حدثنا عبد الأعلى بن حماد النّرسي أبو يحيى، حدثنا عبد الجبار بن الورد عن عطاء بن أبي رباح قال: ما رأيت مجلسا أكرم من مجلس ابن عباس، لا أعظم جفنة ولا أكثر علما، أصحاب القرآن في ناحية، وأصحاب الفقه في ناحية، وأصحاب الشعر في ناحية، يوردهم في واد رحب.
стр. 1388
وحدثني الحسين بن علي بن الأسود، حدثنا أحمد بن عبد الله بن يونس عن سعيد بن سالم القداح عن عبد الجبار بن الورد عن عطاء بمثله، وزاد فيه: وأصحاب الانساب وأيام العرب في ناحية.
حدثنا محمد بن الصبّاح البزاز، حدثنا هشيم بن بشير عن أبي بشر عن سعيد بن جبير عن ابن عباس قال: جمعت المحكم على عهد رسول الله ﷺ ، قلت: وما المحكم؟ قال: المفصّل.
حدثنا عفان بن مسلم، حدثنا حماد بن زيد عن علي بن زيد عن سعيد بن جبير ويوسف بن مهران عن ابن عباس أنه كان يسأل عن القرآن فيقول: هو كذا، أما سمعتم الشاعر يقول كذا؟
حدثنا محمد بن الصباح وعمرو الناقد قالا: حدثنا هشيم عن أبي بشر عن سعيد بن جبير عن ابن عباس قال: كان عمر يأذن لأهل بدر ويأذن لي معهم، فذكر أنه سأله وسألهم فأجابه، فقال لهم: كيف تلومونني على ابن عباس بعد ما ترون؟
حدثني محمد بن سعد عن الواقدي عن عبد الله بن الفضيل عن أبيه عن عطاء بن يسار، أن عمر وعثمان كانا يدعوان ابن عباس مع أهل بدر، وكان يفتي في عهد عثمان إلى أن مات.
حدثنا علي بن عبد الله المديني، حدثنا سفيان بن عيينة عن عبيد الله بن أبي يزيد قال: كان ابن عباس اذا سئل عن الأمر فكان في القرآن أخبر به، فان لم يكن في القرآن وكان عن رسول الله ﷺ أخبر به، فان لم يكن في القرآن ولا عن رسول الله وكان عن أبي بكر وعمر أخبر به، فإن لم يكن في شيء من ذلك اجتهد رأيه.
стр. 1389
حدثنا أبو الربيع سليمان بن داود الزهراني، حدثنا جرير بن عبد الحميد عن مغيرة قال: قيل لابن عباس: بم أصبت هذا العلم؟ فقال:
بلسان سؤول وقلب عقول.
وحدثني بكر بن الهيثم، حدثنا عبد الله بن صالح المصري عن معاوية بن صالح عن علي بن أبي طلحة، أن ابن عباس قال: سلوني عن التفسير فإن ربي وهب لي لسانا سؤولا، وقلبا عقولا.
حدثنا خلف بن هشام البزار، حدثنا حماد بن زيد عن الزبير بن الخريت عن عكرمة قال: كان ابن عباس أعلم بالقرآن من علي بن أبي طالب، وكان علي أعلم بالمبهمات منه.
حدثنا عمرو بن محمد الناقد، حدثنا أبو أسامة حماد بن أسامة، أخبرنا الاعمش عن مجاهد قال: كان عبد الله بن عباس يسمّى البحر لكثرة علمه.
حدثني أبو صالح الفرّاء الأنطاكي، حدثنا حجاج بن محمد عن ابن جريج عن عطاء أنه كان يقول: قال البحر كذا، وأفتى البحر بكذا، يعني ابن عباس.
حدثنا محمد بن حاتم بن ميمون المروزي وعمرو بن محمد قالا:
حدثنا اسحاق بن يوسف الأزرق عن عبد الملك بن أبي سليمان عن سعيد بن جبير قال: وجد ناس من المهاجرين على عمر بن الخطاب في إدنائه ابن عباس دونهم، فقال عمر: اما إني سأريكم اليوم منه ما تعرفون به فضله، فسألهم عن هذه السورة ﴿إِذا جاءَ نَصْرُ اللهِ وَالْفَتْحُ﴾ فقال بعضهم: أمر الله نبيه اذا رأى الناس يدخلون في دين الله افواجا أن يحمده على ذلك
стр. 1390
ويستغفره، فقال عمر: يا بن عباس تكلم، فقال أعلمه أنه ميت، يقول:
﴿إِذا جاءَ نَصْرُ اللهِ وَالْفَتْحُ * وَ رَأَيْتَ النّاسَ يَدْخُلُونَ فِي دِينِ اللهِ أَفْواجاً﴾ (١) فهي آيتك في الموت، ثم سألهم عن ليلة القدر فأكثروا القول فيها، فقال بعضهم: ليلة احدى وعشرين، وقال بعضهم: ليلة ثلاث وعشرين، وقال بعضهم: ليلة سبع وعشرين، فقال لابن عباس: تكلم، فقال ابن عباس: إن الله وتر يحبّ الوتر، خلق السموات سبعا والأرضين سبعا، وجعل عدة الأيام سبعة، وجعل الانسان من سبع، فقال: ﴿وَ لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسانَ مِنْ سُلالَةٍ مِنْ طِينٍ * ثُمَّ جَعَلْناهُ نُطْفَةً فِي قَرارٍ مَكِينٍ * ثُمَّ خَلَقْنَا النُّطْفَةَ عَلَقَةً فَخَلَقْنَا الْعَلَقَةَ مُضْغَةً فَخَلَقْنَا الْمُضْغَةَ عِظاماً فَكَسَوْنَا الْعِظامَ لَحْماً ثُمَّ أَنْشَأْناهُ خَلْقاً آخَرَ فَتَبارَكَ اللهُ أَحْسَنُ الْخالِقِينَ﴾ (٢) ثم جعل رزق الانسان من سبع فقال ﴿أَنّا صَبَبْنَا الْماءَ صَبًّا* ثُمَّ شَقَقْنَا الْأَرْضَ شَقًّا* فَأَنْبَتْنا فِيها حَبًّا* وَ عِنَباً وَ قَضْباً* وَ زَيْتُوناً وَ نَخْلاً* وَ حَدائِقَ غُلْباً* وَفاكِهَةً وَ أَبًّا* مَتاعاً لَكُمْ وَ لِأَنْعامِكُمْ﴾ (٣) فاما السبعة فمتاع لبني آدم، وأمّا الأبّ فهو ما تنبت الأرض للانعام، وما نراها إن شاء الله إلا لثلاث وعشرين تمضي ولسبع يبقين، فقال عمر: كيف تلومونني على ابن عباس؟.
حدثني عباس بن هشام عن أبيه عن عوانة بن الحكم عن أبيه قال:
قيل لعبد الله بن عباس: أرجل كثير الذنوب كثير الحسنات أحب إليك أم رجل قليل الذنوب قليل الحسنات؟ فقال: ما أعدل بالسلامة شيئا.
стр. 1391
حدثني روح بن عبد المؤمن المقرئ، حدثنا معتمر بن سليمان عن أبيه عن الحسن قال: أول من عرّف (١) بالبصرة ابن عباس، وكان كثير العلم، قرأ سورة البقرة ففسّرها آية آية وحرفا حرفا.
حدثنا وهب بن بقيّة عن يزيد بن هارون عن محمد بن عمرو عن أبي سلمة عن ابن عباس قال: وجدت عامّة حديث رسول الله ﷺ عند الانصار، فان كنت لآتي الرجل منهم فأجده نائما ولو أشاء أن يوقظ لي أوقظ، فأجلس على بابه تسفي الريح على وجهي التراب حتى يستيقظ متى استيقظ، فأسأله عمّا أريد ثم أنصرف.
حدثني أبو مسعود القتّات، حدثني بقيّة بن الوليد الحمصي عن سليمان الأنصاري، أن ابن عباس كان يقول: من حلم ساد ومن تفهّم ازداد.
حدثنا عمرو بن محمد، حدثنا اسماعيل بن عليّة عن ابن عون عن عكرمة أن عليا أحرق ناسا ارتدوا عن الاسلام، فبلغ ذلك ابن عباس فقال: ما كنت لأحرقهم لأن رسول الله ﷺ قال: «لا تعذبوا بعذاب الله»، ولكني كنت أقتلهم فإن رسول الله ﷺ قال: «من بدّل دينه منكم فاقتلوه»، فبلغ ذلك عليا فقال: لله درّ ابن عباس.
حدثنا يحيى بن أيوب الزاهد، حدثنا اسماعيل بن عليّة عن عيينة بن عبد الرحمن بن جوشن عن أبيه عن ابن عباس انه نعي اليه أخوه قثم وهو في سفر، فاسترجع ثم عدل عن الطريق فأناخ راحلته وصلى ركعتين أطال فيهما، ثم عاد إلى راحلته فركبها، فقيل له: ما رأينا كما فعلت، فقال:
стр. 1392
أما سمعتم الله يقول: ﴿وَاسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلاةِ وَ إِنَّها لَكَبِيرَةٌ إِلاّ عَلَى الْخاشِعِينَ﴾ (١).
حدثني عبد الله بن صالح، حدثني يحيى بن يمان عن سفيان الثوري عن ابن طاووس عن أبيه عن ابن عباس، أن معاوية قال له: أنت على ملّة علي؟ فقال: لا ولا على ملة عثمان، ولكني على ملّة محمد رسول الله ﷺ .
حدثني بكر بن الهيثم، حدثنا عبد الوهاب بن عطاء عن سعيد بن أبي عروبة عن قتادة، أن عليا قال في قوله: ﴿وَالْعادِياتِ ضَبْحاً﴾ (٢) هنّ الإبل، وقال ابن عباس: هي الخيل، فبلغ ذلك عليا فقال: صدق والله ابن عباس.
حدثنا يعقوب بن إبراهيم الدّورقي، حدثنا جرير بن عبد الحميد الضبي عن يزيد بن أبي زياد عن عبد الله بن الحارث قال: كان رسول الله ﷺ يصفّ عبد الله وعبيد الله وكثيرا بني العباس ويقول: «من سبق إليّ فله كذا، فيستبقون إليه ويقعون على صدره وظهره فيقبّلهم ويلتزمهم».
حدثني مصعب بن عبد الله الزبيري عن ابن الدراوردي عن جعفر بن محمد عن أبيه قال: لم يبايع رسول الله ﷺ ممن لم يبلغ الامناء إلا عبد الله بن العباس والحسن والحسين وعبد الله بن جعفر.
حدثني أحمد بن إبراهيم الدّورقي، حدثنا وكيع عن سفيان عن عبد الرحمن بن عابس قال: قلت لابن عباس: أشهدت العيد مع رسول الله ﷺ ؟ فقال: نعم ولولا مكاني منه ما شهدته
стр. 1393
حدثني أحمد بن إبراهيم، حدثنا عبد الرحمن بن مهدي، حدثنا سفيان عن سلمة بن كهيل عن الحسن العرني عن ابن عباس قال: قدمنا ونحن أغيلمة من بني عبد المطلب على حمراتنا ليلة المزدلفة فجعل النبي ﷺ يلطح (١) على أفخاذنا ويقول: «لا ترموا الجمرة حتى تطلع الشمس».
حدثنا يوسف بن موسى القطان، حدثنا جرير بن عبد الحميد عن ليث عن طاووس قال: ما رأيت ابن عباس مفطرا جمعة تامة قط.
حدثني القاسم بن سلام أبو عبيد، حدثنا نعيم بن حماد، حدثنا نوح بن أبي مريم عن يزيد النحوي عن عكرمة قال: كان ابن عباس في العلم بحرا، فلما عمي أتاه ناس من أهل الطائف معهم علم من علمه، أو قال: كتب من كتبه، فجعلوا يستقرئونه وجعل يقدم ويؤخر، فلما رأى ذلك قال: إني قد بلهت من مصيبتي هذه، فمن كان علم من علمي شيئا فليقرأه عليّ فانّ إقراري له به كقراءتي إياه عليه، قال: فقرأوا عليه.
حدثني أبو بكر الأعين، حدثنا اسحاق بن اسماعيل، حدثنا سفيان عن نافع عن ابن أبي مليكة قال: كان ابن عباس يجلس في الصفّة وكان الناس يتصدعون عن فتياه، فيقول السقاة: كأنّه رسول الله ﷺ إلا أنه لم يبعث.
حدثنا عمرو بن محمد، حدثنا ابن يمان العجلي عن عمار بن رزيق عن عمير بن بشر الخثعمي قال، قال ابن عمر: ابن عباس أعلم الناس بما أنزل على محمد ﷺ .
стр. 1394
حدثني الزبير بن بكار، حدثني ساعدة بن عبد الله عن داود عن ابن عطاء عن زيد بن أسلم عن ابن عمر قال: قال عمر لابن عباس: أني رأيت رسول الله ﷺ دعاك يوما فمسح رأسك وتفل في فيك وقال: «اللهم فقّهه في الدين وعلمه التأويل»، فكان يقرّ به.
حدثني عبد الله بن صالح وعمرو قالا: حدثنا يحيى بن يمان عن عبد الملك بن أبي سليمان عن سعيد بن جبير قال: قال عمر بن الخطاب لابن عباس: لقد علمت علما ما علمناه.
حدثنا الاعين، حدثنا اسحاق بن اسماعيل عن سفيان عن أبي بكر الهذلي عن الحسن قال: لقد كان ابن عباس من الاسلام بمكان، ومن علم القرآن بمنزلة رفيعة، وكان عمر إذا ذكره قال: ذاكم كهل الفتيان.
حدثنا أحمد بن إبراهيم الدورقي، حدثنا اسماعيل بن عليّة عن سعيد بن أبي عروبة عن قتادة بن دعامة قال: كان ابن عباس منطقيا.
حدثنا سريج بن يونس: حدثنا مروان بن شجاع، حدثنا سالم الأفطس عن سعيد بن جبير قال: لقيني رجل من يهود الحيرة فقال: يا عبد الله أيّ الأجلين قضى موسى؟ قلت: لا أدري، ثم لقيت ابن عباس بعد فسألته فقال: قضى أكبرهما وأتمهما، فلقيت اليهوديّ فأعلمته ذلك فقال:
صاحبك والله عالم.
حدثني عمرو بن محمد، حدثنا حفص بن غياث عن الأعمش، حدثنا شقيق بن سلمة قال: شهدت ابن عباس وهو على الموسم فخطب ثم تلا سورة النور وفسّرها، فقال رجل: ما رأيت كلاما أحسن من هذا، سمعه الترك والروم لأسلموا.
стр. 1395
حدثني يحيى بن معين، حدثنا يزيد بن هارون عن كهمس عن الحسن عن عبد الله بن بريدة قال: أسمع رجل ابن عباس كلاما فقال له ابن عباس: اما انك تسمعني وفيّ ثلاث خلال: إني لأسمع بالحاكم العدل من حكام المسلمين فأفرح به ولعلّي لا أقاضي إليه أبدا، وإني لأسمع بالغيث يصيب بلدا من بلدان المسلمين فأفرح له وما لي بالبلد سائمة، وإني لآتي على الآية من كتاب الله فأودّ أن الناس جميعا يعلمون منها ما أعلم.
حدثنا عباس بن الوليد وروح بن عبد المؤمن قالا: حدثنا المعتمر بن سليمان عن شعيب بن درهم عن أبي رجاء العطاردي قال: رأيت هذا المكان من ابن عباس مثل الشّراك البالي من الدموع، ووضع أبو رجاء يده عليه، قال عباس: ووضع معتمر يده على مجرى الدموع.
حدثنا خلف بن هشام، حدثنا هشيم عن العّوام بن حوشب عن ابراهيم التيمي قال: خلا عمر بن الخطاب يوما ففكر كيف تختلف الامة ونبيها واحد وقبلتها واحدة وكتابها واحد، فدعا ابن عباس فسأله عن ذلك فقال ابن عباس: أنزل القرآن علينا فقرأناه وعلمنا فيما نزل، وسيكون بعدنا أقوام يقرأونه ولا يدرون فيما نزل فيكون لهم فيه رأي، فإذا كان ذلك اختلفوا، فزبره عمر، ثم إنه أرسل إليه فقال: أعد عليّ قولك، فأعاده فعرف عمر صوابه وأعجبه.
حدثني أحمد بن إبراهيم الدّورقي وشجاع بن مخلد الفلاّس قالا:
حدثنا يزيد بن هارون، أخبرنا العوام بن حوشب، حدثني القاسم بن عوف الشيبانى، أن عبد الله بن عباس قال لكعب الأحبار: إني سائلك عن
стр. 1396
أشياء، فلا تحدثني بما حرّف من الكتاب ولا بأحاديث الرجال، وإن لم تعلم فقل لا أعلم فإنه أعلم لك.
حدثنا سريج بن يونس والقاسم بن سلام قالا: حدثنا محمد بن يزيد الواسطي، حدثنا أبو ثوبان عمن سمع الضحاك يحدث عن ابن عباس انه قال: قال لي رسول الله ﷺ : «حدّث اذا حدّثت، إلاّ ان تجد قوما تحدثهم بشيء لا تضبطه عقولهم فيكون ذلك فتنة لبعضهم»؛ قال: فكان ابن عباس يخفي أشياء ويفشيها إلى أهل العلم.
حدثني روح بن عبد المؤمن، حدثنا معتمر بن سليمان عن أبي عامر الخّزاز عن عبد الله بن أبي مليكة قال: سافرت مع ابن عباس فكان يسير النهار وينزل الليل، فيقوم فيصلي في نصف الليل، يقرأ القرآن، فيكثر ان يقرأ ﴿وَجاءَتْ كُلُّ نَفْسٍ مَعَها سائِقٌ وَ شَهِيدٌ﴾ (١) ثم يبكي حتى نسمع له نشيجا.
حدثني بكر بن الهيثم، حدثنا ابو نعيم الفضل بن دكين عن طلحة بن عمرو عن عطاء عن ابن عباس انه قال: لو أخبر الناس ببعض تأويل القرآن لرجموني بالحجارة.
حدثني أحمد بن إبراهيم الدورقي، حدثنا يحيى بن معين، حدثنا الحجاج بن محمد، حدثني ابن جريج قال: قال لي ابن أبي مليكة جاء ابن الزبير مال أوّل ما جاءه، فانطلق ابن عباس إليه وهو في قعيقعان (٢) فقال: انك قد دعوت الناس الى ما قد علمت، وقد جاءك مال وبالناس حاجة، فقال
стр. 1397
ابن الزبير: وما أنت وهذا؟ إنك أعمى، أعمى الله قلبك، قال ابن عباس: بل أعمى الله قلبك، قال ابن الزبير: والله ما أنت بفقيه، فقال ابن عباس: والله لأنا أفقه منك ومن أبيك، فلما خرج قال لقائده: من عنده؟ قال: ابنته وامرأته، قال: فهلا أخبرتني، فو الله لو علمت ما أسمعتهما شتمه؛ قال: ثم أرسل اليه ابن الزبير أبا قيس الزرقي بأنّا لسنا باوّل ابني عمّ استبّا، فاكفف عنى وأكفّ عنك، قال ابن عباس: ان كفّ كففت، وإن أذاع أذعت.
قال ابن جريج: قال ابن أبي ملكية: وكان بينهما شيء، فغدوت على ابن عباس فقلت: أتريد أن تقاتل ابن الزبير فتحل حرم الله؟ فقال: معاذ الله، إن الله كتب بني أمية وابن الزبير محلّين، وإني والله لا أحلّه أبدا، قال الناس: بايع لابن الزبير، فقلت: وأنّى بهذا الأمر عنه، أما أبوه فحواريّ رسول الله ﷺ ، وأما جدّه فصاحب الغار، يعني أبا بكر، وأما أمه فذات النطاق، وأما خالته فعائشة أم المؤمنين، وأما عمته فخديجة زوج النبي ﷺ ، وأما عمّة رسول الله ﷺ صفية فجدته، ثم عفيف في الاسلام قارئ للقرآن، والله لأحاسبنّ نفسي له محاسبة ما حاسبتها لأبي بكر ولا عمر؛ ان ابن أبي العاص برز يمشي القدميّة - يعني عبد الملك - وإنه لوى ذنبه، يعني ابن الزبير.
المدائني عن ابن مجالد عن أبيه عن الشعبي، أن ابن الزبير قال لابن عباس: قاتلت أم المؤمنين وحواريّ رسول الله، وأفتيت بتزويج المتعة، فقال: أما أم المؤمنين فأنت أخرجتها وأبوك، وبنا سميت أم المؤمنين وكنّا لها بخير بنين، فتجاوز الله عنها، وقاتلت أنت وأبوك عليّا، فإن كان علي مؤمنا
стр. 1398
فقد ضللتم بقتال المؤمنين، وإن كان كافرا فقد بؤتم بسخط من الله لفراركم من الزحف، وأما المتعة فقد بلغني أن رسول الله ﷺ رخّص فيها، وأن أول مجمر سطع في المتعة لمجمر في آل الزبير.
حدثني عباس بن هشام الكلبي عن أبيه عن جده، وعن أبي مخنف وعوانة قالوا: قال عبد الله بن الزبير يوما وهو على منبر مكة وابن عباس حاضر: إن هاهنا رجلا أعمى الله قلبه كما أعمى بصره، يزعم أن متعة النساء حلال من الله ورسوله، يفتي في القملة والنملة وقد حمل ما في بيت مال البصرة وترك أهلها يرضخون (١) النوى، وكيف يلام على ذلك وقد قاتل أمّ المؤمنين وحواري رسول الله ﷺ ومن وقاه بيده، يعني طلحة، فقال ابن عباس لقائده - يقال انه سعيد بن جبير مولى بني أسد بن خزيمة-: استقبل بي ابن الزبير، ثم حسر عن ذراعيه فقال: يا بن الزبير:
إنّا إذا ما فئة نلقاها … نردّ أولاها على أخراها
حتى يصير ضرعا دعواها … «قد أنصف القارة من راماها» (٢)
يا بن الزبير: أما العمى فان الله يقول ﴿فَإِنَّها لا تَعْمَى الْأَبْصارُ وَلكِنْ تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ﴾ (٣)، واما فتياي في القملة والنملة فان فيهما حكمين لا تعلمهما أنت ولا أصحابك، وأما حمل مال البصرة فانه كان مالا
стр. 1399
جبيناه ثم أعطينا كلّ ذي حق حقه، وبقيت منه بقية هي دون حقنا في كتاب الله وسهامه فأخذناه بحقنا، وأما المتعة فانّ أول مجمر سطع في المتعة مجمر في آل الزبير، فسل أمك عن بردي عوسجة (١)، وأما قتال أم المؤمنين فبنا سميت أم المؤمنين لا بك وبآبائك، وانطلق أبوك وخالك - يعني طلحة - فعمدا إلى حجاب مدّه الله عليها فهتكاه عنها ثم اتخذاها فئة يقاتلان دونها، وصانا حلائلهما في بيوتهما، فو الله ما أنصفا الله ولا محمدا في ذلك، وأما قتالنا إياكم فإن كنا لقيناكم زحفا ونحن كفار فقد كفرتم بفراركم من الزحف، وإن كنا مؤمنين فقد كفرتم بقتالكم إيانا، وأيم الله لولا مكان خديجة فينا وصفيّة فيكم ما تركت لك عظما مهموزا إلا كسرته.
فلما نزل ابن الزبير سأل أمه عن بردي عوسجة فقالت: ألم أنهك عن ابن عباس وبني هاشم فانهم كعم الجواب إذا بدهوا، قال: بلى فعصيتك، قالت فاتّقه فان عنده فضائح قريش؛ فقال في ذلك أيمن بن خريم بن فاتك الأسدي:
يا بن الزبير لقد لاقيت بائقة … من البوائق فالطف لطف محتال
لقيته هاشميا طاب مغرسه … في منبتيه كريم العمّ والخال
ما زال يقرع منك العظم مقتدرا … على الجواب بصوت مسمع عال
حتى رأيتك مثل الكلب منجحرا … خلف الغبيط (٢) وكنت البادئ الغالي
ان ابن عباس المحمول حكمته … حبر الانام له حال من الحال
стр. 1400
عيّرته المتعة المتبوع سنّتها … وبالقتال وقد عيّرت بالمال
لما رماك على رسل بأسهمه … جرى عليك كسوف الحال والبال
فاعلم بانك إن حاولت نقصته … عادت عليك مخاز ذات أذيال (١)
وقال حسان بن ثابت الانصاري في عبد الله بن العباس:
اذا قال لم يترك مقالا لقائل … بمنتظمات لا ترى بينها فصلا
كفى وشفى ما في النفوس ولم يدع … لذي إربة في القول جدّا ولا هزلا
سموت إلى العليا بغير مشقة … فنلت ذراها لا دنيّا ولا وغلا (٢)
ويقال انه قال هذا الشعر فيه لأنه كلم عاملا في الأنصار، وكلمه فيهم غيره، فلم يبلغ أحد منهم مبلغه في الكلام حتى قضيت حاجتهم.
حدثني محمد بن حاتم الثغري عن حجاج بن محمد الأعور عن ابن جريج عن عطاء، أن ابن عباس قال: المعروف أوثق الحصون وأرشد الأمور، ولن يصلح المعروف الا بتعجيله وستره وتصغيره، فانك اذا عجّلته هنّأته، واذا سترته اتممته، واذا صغرته عظّمته، واذا مطلته نكدته ونغّصته (٣).
حدثني روح بن عبد المؤمن، حدثنا عبد الرحيم بن موسى، حدثني أبو روح عمارة بن أبي حفصة عن عبد الله بن بريدة عن كعب الأحبار، أنه كان عند معاوية فقرأ معاوية: في عين حامية، فقال كعب: (في عين حمئة) (٤)،
стр. 1401
فلم يقبل منه وقال: عليّ بابن عباس، فلما جاء قال كيف تقرأونها؟ فوافق كعبا، فلم يرجع معاوية فغضب كعب، فقال له ابن عباس: لا تغضب يا كعب فانك من الذين أوتوا الكتاب يؤمن به ومعاوية من الأحزاب ينكر بعضه، فقال معاوية: أمشاتمي أنت يا بن عباس! فقال: إن شئت، قال: شئت، فقال: لولا البيعة التي لك عندي ولولا السلطان لفعلت، قال: فلا بيعة لي عليك ولا سلطان فقل، قال: بل أجلّك يا أمير المؤمنين واكرمك، فسكن بعض غضبه ثم قام إلى الصلاة وقال: أطبق المصحف يا غلام فاني ما أرى الحرف إلا كما قالا.
حدثني اسحاق الفروي أبو موسى، حدثنا زافر بن سليمان عن أبي عصام الخراساني قال: لما أنكر الخوارج على عليّ بن أبي طالب تحكيم الحكمين فانحازوا عنه، خرج اليهم ابن عباس فقالوا له: مرحبا بك يابن عباس، ما جاء بك؟ قال: جئت لأخبركم عن أصحاب محمد فليس فيكم رجل منهم، فقال بعضهم لبعض: لا تخاصموه فان الله يقول: ﴿بَلْ هُمْ قَوْمٌ خَصِمُونَ﴾ (١). فقال ابن عباس: أخبروني ما الذي نقمتم على ابن عم رسول الله علي؟ قالوا: نقمنا عليه انّه حكم الرجال في دين الله ولا حكم إلاّ لله، وأنه قتل ولم يسب، ومحا أمير المؤمنين وكتب اسمه، فقال ابن عباس: أمّا قولكم: حكّم الرجال، فان الله ﵎ حكّم الرجال في دينه في الشقاق بين الرجال والنساء وفي أرنب ثمنها ربع درهم يصيبها المحرم فقال: ﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَقْتُلُوا الصَّيْدَ وَ أَنْتُمْ حُرُمٌ وَ مَنْ قَتَلَهُ مِنْكُمْ﴾
стр. 1402
﴿مُتَعَمِّداً فَجَزاءٌ مِثْلُ ما قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ يَحْكُمُ بِهِ ذَوا عَدْلٍ مِنْكُمْ﴾ (١) فالحكم في حقن الدماء وصلاح ذات البين أفضل، قالوا: نعم؛ قال: واما قولكم:
قتل ولم يسب، فأيّكم كان يأخذ عائشة أمّ المؤمنين في سهمه وهي أمّكم، فإن قلتم انها ليست بأمّنا فقد كفرتم، وإن قلتم نأخذها ضللتم؛ وأما قولكم: محا عليّ اسمه، فان رسول الله ﷺ وهو خير من علي وادع قريشا بالحديبية فكتب: «هذا ما اصطلح عليه محمد رسول الله»، فقالوا: لو أقررنا بأنك رسول الله لم نخالفك، فقال: «امح واكتب: هذا ما اصطلح عليه محمد بن عبد الله»، قال فاتبعه ألفان وبقيت بقيتهم.
حدثنا عثمان بن محمد بن أبي شيبة، أخبرنا أبو الاحوص عن سماك عن عكرمة عن ابن عباس قال: أتيت في منامي فقيل لي هذه ليلة القدر، فقمت وأنا ناعس فتعلقت ببعض أطناب فسطاط رسول الله ﷺ فنظرت فإذا هي ليلة ثلاث وعشرين.
حدثني أبو محمد الشامي المؤدب عن أبيه قرّان بن تمام عن موسى بن عبيدة الربذي عن محمد بن كعب قال: قال ابن عباس بعد أن أصيب ببصره: ما آسى على شيء فاتني إلا أني لم أحجّ ماشيا لأني سمعت الله يقول ﴿وَ أَذِّنْ فِي النّاسِ بِالْحَجِّ يَأْتُوكَ رِجالاً وَ عَلى كُلِّ ضامِرٍ﴾ (٢).
حدثني الوليد بن صالح عن الفيّاض بن محمد عن عمرو بن عيسى انه بلغه عن وبرة بن عبد الرحمن المسلي (٣) أنه قال: قال ابن عباس: إياك
стр. 1403
والكلام فيما يعنيك إذا كان في غير موضعه، ولا تمار سفيها ولا حليما، فان السفيه يؤذيك وإن الحليم يقليك، واذكر أخاك في غيبته بما تحب أن يذكرك به، ودعه مما تحبّ أن يدعك منه.
المدائني قال: قال ابن عباس لوبرة: دع الكلام فيما لا يعنيك فانه فضل، ولا تتكلم فيما يعنيك إذا لم تصب موضعه فإنه جهل.
المدائني عن يحيى الأنصاري قال: قيل لابن عباس ان ابن الزبير يتنقّصك، فقال ابن عباس: دبّي حجل، لو ذات سوار لطمتني (١)، أما والله اني لأعرف دخلا ودخيلا، وما ساببت قرشيا قط إلا يحيى بن الحكم، فاشتفى من لحم سمين واشتفيت من مثله.
المدائني عن مسلمة بن محارب قال: عزّى معاوية عبد الله بن عباس عن الحسن بن علي فقال: لا يسوءك الله، فقال: لا يسوءني ما أبقى الله أمير المؤمنين. ثم ان يزيد ركب الى ابن عباس فجلس مجلس المعزّي، فلما قام قال ابن عباس: ما تكاد تعدم من الأموي عقلا وكرما.
حدثني الأعين عن روح بن عبادة عن الثوري عن قابوس بن أبي ظبيان عن أبيه عن ابن عباس قال: الهدي الصالح والسمت الحسن والاقتصاد في الأمور جزء من أجزاء النبوة.
حدثنا سعيد بن سليمان، حدثنا عباد بن العوام، أخبرنا داود بن هند عن محمد بن أبي موسى عن ابن عباس، أنه فقد غلاما له فحلف بالله ليضربنه، فلما جاء الغلام قال له: أين كنت؟ قال: كنت في موضع كذا،
стр. 1404
فعفا عنه ولم يضربه، فقيل: أولست قد حلفت؟ قال: أو لم أعف عنه، احداهما بالأخرى.
حدثني عمرو بن أبي عمرو الشيباني عن أبيه قال: حدّثت أن ابن عباس لما كفّ بصره قال أو تمثل:
ما زال عمري على الأيام منتقصا … حتى فنيت وحبل الدهر ممدود
أقدّم العود قدّامي وأتبعه … وكنت أمشي وما يمشي بي العود
حدثنا إسحاق بن أبي اسرائيل واسحاق الفروي قالا: حدثنا سفيان بن عيينة، أخبرنا عمرو قال: لما وقع في عين ابن عباس الماء أراد أن يتعالج منه فقيل له: إنك تمكث كذا وكذا يوما لا تصلي إلا مضطجعا فكره ذلك.
حدثني اسحاق الفروي عن العباس الأنصاري عن أبي عمرو بن العلاء عن عبد الله بن كثير الأنصاري - أحسبه عن مجاهد - قال: أتى ابن عباس عثمان بن عفان وعنده زيد بن ثابت فخرجا جميعا، فأراد زيد أن يركب فأخذ ابن عباس بركابه، فامتعض زيد من ذلك وقال: ما هذا فداك أبي وأمي! فقال ابن عباس: هكذا أمرنا أن نفعل بعلمائنا، فقبل زيد يده وقال: هكذا أمرنا أن نفعل بأهل بيت نبينا.
حدثني أحمد بن إبراهيم الدورقي، حدثنا عبيد الله بن موسى وزيد بن الحباب العكلي جميعا قالا: حدثنا سفيان بن سعيد الثوري عن ابن جريج عن عثمان بن أبي سليمان أن ابن عباس كان يبتاع الرداء بألف درهم.
стр. 1405
حدثني أحمد بن إبراهيم أخبرنا معاوية عن أبي حيان التيمي عن حبيب بن أبي ثابت قال: رأيت على ابن عباس قميصا سابريا (١) يتبيّن إزاره من رقته.
وحدثني أبو مسعود الكوفي عن الكلبي عن أبي صالح، قال: أنشد الأحوص بن محمد بن عبد الله الأنصاري ابن عباس:
الله بيني وبين قيّمها … يفرّ مني بها وأتّبعه (٢)
فقال ابن عباس: بيني وبين قيّمها وبينك.
حدثني أبو مسعود الكوفي عمر بن عيسى قال: سمعت ابن كناسة يقول: لما قال عمر بن أبي ربيعة قصيدته التي أولها:
تشطّ غدا دار جيراننا
أنشدها ابن عباس، فلما قال عمر: «تشطّ غدا دار جيراننا»، قال ابن عباس:
وللدار بعد غد أبعد (٣)
فقال: كذا والله قلت، جعلت فداك، فقال ابن عباس: الكلام مشترك. فلما أنشد:
تحمّل للبين جيراننا