فأمّا العبّاس بن عبد الله بن العبّاس:
فولد له ابن يقال له عون وبه كان يكنى وامّه حبيبة بنت الزبير بن العوام، فدرج ولا عقب له.
وأمّا محمد بن عبد الله بن العباس:
ابن عبد المطلب فولد له العباس بن محمد بن عبد الله بن العباس وهو المذهب، وكان بارع الجمال سخيا، مدحه الأخطل فقال:
ولقد غدوت على التجار بمسمح … هرّت (١) عواذله هرير الاكلب
لذّ يقبله النعيم كأنما … مسحت ترائبه (٢) بماء مذهب
لبّاس أردية الملوك تروقه … من كلّ مرتقب عيون الربرب (٣)
ينظرن من خلل الستور اذا بدا … نظر الهجان (٤) إلى الفنيق المصعب (٥)
خضل الكياس (٦) … إذا تنشّى لم يكن
خلفا مواعده كبرق الخلّب (٧)
فوهب له ألف دينار فقضى بها دينه. وانما سمي مذهبا لجماله وحسن لونه، وقال بعضهم: المذهب عبيد الله بن العباس بن عبد المطلب، وقال بعضهم: هو العباس بن محمد بن عبيد الله بن عبد الله، والأول اثبت
стр. 1437
وكان العباس المذهب ركب فرسا فصرعه فمات، وامّه ام إبراهيم بنت المسور بن مخرمة بن نوفل الزهري ولا عقب له ولا لأحد من ولد عبد الله بن العباس سوى علي بن عبد الله بن عباس السجاد.
وذكروا أنه كان لعبد الله بن عباس أيضا ابن يقال له عثمان، درج، وامّه أمّ ولد.
стр. 1438
فولد علي بن عبد الله:
محمد بن علي بن عبد الله.
وهو ذو الثفنات، شبّه أثر السجود بجبهته وأنفه ويديه بثفنات البعير، ويكنى أبا عبد الله، وأمّه العالية بنت عبيد الله بن العباس، وكان بينه وبين أبيه أربع عشرة سنة وأشهر، فلما شابا خضب علي بالسواد وخضب محمد بن علي بالحنّاء فلم يكن يفرق بينهما إلا بخضابهما لتشابههما وقرب سن بعضهما من بعض. وداود وعيسى لأم ولد، وسليمان وصالحا لأم ولد اسمها سعدى. واسماعيل، وعبد الصمد لأم ولد. ويعقوب لأم ولد. وعبد الله الأكبر لأم ولد، ويقال لأم أبيها ابنة عبد الله بن جعفر بن أبي طالب. وعبيد الله وأمّه حرشيّة. وعبد الملك، وعثمان، وعبد الرحمن، درجوا، وهم لأمهات شتى، وعبد الله الأصغر (١) الخارج بالشام، وبعضهم يسمّيه الشمّاخ وله عقب. ويحيى، واسحاق، ويعقوب، وعبد العزيز، واسماعيل الاصغر، وعبد الله الأوسط وكان أحنف، درجوا وهم لأمهات شتى.
стр. 1439
وأمينة، وأم عيسى تزوجها ابن حسن بن عبد الله بن عبيد الله بن عباس، ولبابة تزوجها ابن قثم بن العباس بن عبيد الله بن العباس وهن لأمهات أولاد. وذكر أبو اليقظان، أن أمينة ماتت ولم تزوج.
حدثني عباس بن هشام عن أبيه عن عوانة بن الحكم عن أبيه قال:
دخل عبد الملك بن عبد الله بن نديرة العذري على الوليد بن عبد الملك فسأله حمالة لزمته فمنعه إياها وزبره وقال: أنت صهر لطيم الشيطان، يعني عمرو بن سعيد الأشدق، فقال: أنا صهر أبي أميّة عمرو بن سعيد، وكانت عند عمرو أم حبيب بنت حريث بن سليم العذري من بني رزاح فولدت له أمية، وسعيدا، فأنشأ العذري ينشد شعر يحيى بن الحكم بن أبي العاص:
وما كان عمرو عاجزا غير أنه … أتته المنايا بغتة وهو لا يدري
فلو أن عمرا كان بالشام زرته … بأغوارها أو حلّ يوما على مصر
فقالت أم البنين بنت عبد العزيز امرأة الوليد، وهي جالسة خلف الستر: يا أمير المؤمنين، من هذا الأحمق؟ فقال العذري، يعرّض بأبيها عبد العزيز بن مروان وكان ضربه في الخمر:
وددت وبيت الله أني فديته … وعبد العزيز يوم يضرب في الخمر
فقالت: أجرأة عليك؟ قال: كفّي قبل أن يأتي بخيط باطل، وكان قد قيل في هذا الشعر:
غدرتم بيحيى يا بني خيط باطل … وكلكم يبني البيوت على غدر
стр. 1440
فأمر به الوليد فأخرج عنه فصار ابن نديرة إلى علي بن عبد الله فأخبره خبره، فقال عليّ: علينا المعوّل وعندنا المحتمل، فاعطاه حمالته، وأجازه وكساه، فقال العذري:
شهدت عليكم انكم خير قومكم … وانكم آل النبي محمّد
فنعم أبو الاضياف والطالبي القرى … عليّ حليف الجود في كل مشهد
فإن الذي يرجو سواكم وأنتم … بنو الوارث الزاكي لغير مسدّد
وإني لأرجو أن تكونوا أئمة … تسوسون من سستم بملك مؤيّد
وإني لمن والاكم لألوفه … وإني لمن عاداكم سمّ أسود
وحدثني محمد بن الأعرابي عن اسحاق بن عيسى بن علي عن أبيه قال: كان علي: بن عبد الله يقول لبنيه: يا بنيّ إن أسعد الرجلين بالمعروف مصطنعه فلا تخدعوا عنه.
وحدثني أحمد بن الحارث عن المدائني عن مسلمة بن محارب قال:
دخل علي بن عبد الله بن عباس على عبد الملك بن مروان في يوم شديد البرد وقد حال بينه وبينه دخان العود فقال: يا أمير المؤمنين احمد الله على ما أنت فيه من الدفء مع ما الناس فيه من البرد، ودعا له، فقال عبد الملك: يا أبا محمد أبعد ابن هند وكان أميرا عشرين سنة وخليفة مثلها أصبحت تهتز على قبره ينبوتة، ما هو إلا ما قال الشاعر:
وما الدهر والايام الا كما أرى … رزّية مال او فراق حبيب
وان امرءا قد جرب الدهر لم يخف … تصرّف عصريه لغير اريب
ثم دعا عبد الملك بغدائه فأكل عليّ معه، ودعا بشربة عسل فأتي بها في عسّ فسقاه ثم شرب بعد علي.
стр. 1441
حدثني الحرمازي عن العتبي عن أبيه قال: وقف علي بن عبد الله بن عباس وخالد بن يزيد بن معاوية بباب عبد الملك بن مروان فجرى بينهما قول تغالظا فيه فقال له عليّ: ما الظالم بسالم، ولا السيف عنه بنائم. قال:
وخرج اذن عبد الملك، فدعا بخالد فقال له عبد الملك: ما لي أراك كالغضبان؟ قال: لست بغضبان ولكني محجوج، قال: ومن حجّك، وبيانك بيانك ولسانك لسانك؟ قال: علي بن عبد الله، متّ بحرمة اعرفها وذكر القرابة التي لا أدفعها، وأعلمني أن عليه دينا وأن له عيالا وما للصنيعة عند مثله مترك، فأمر له عبد الملك بمائة ألف درهم، فخرج إليه خالد وهو يضحك ويقول: تخطّينا ما تكره إلى ما تحب، قد أمر لك أمير المؤمنين بمائة ألف درهم، فقال له خيرا.
حدثني أبو أيوب سليمان الرقي المؤدب، حدثني الحجاج بن الرّصافي عن أبيه قال: كان علي بن عبد الله بالشراة من أرض دمشق لازما لمسجده يصلي فيه كل يوم خمسمائة ركعة ويسجد على لوح أتى به من زمزم، وكان لا يمر به أحد يريد الشام من الحجاز أو يريد الحجاز من الشام إلا أضافه ووصله، إن كان ممن يلتمس صلته، فقيل له إن المؤونة تعظم عليك، فتمثّل قول السّلولي:
وماذا علينا ان يوافي نارنا … كريم المحيّا شاحب المتحسّر
فيخبرنا عما يريد ولو خلت … لنا القدر لم نخبر ولم نتخبّر (١)
стр. 1442
حدثني حفص بن عمر العمري عن الهيثم بن عدي عن عوانة قال:
لقيت عجوز من قريش عليّ بن عبد الله بن عباس فشكت اليه الخلة فأمر غلامه فأعطاها مائتي دينار، فقالت: جعلني الله فداك أنت كما قالت أمّ جميل بنت حرب بن أميّة:
زين العشيرة كلها … في البدو منه والحضر
وكريمها في النائبات … وفي الرّحال وفي السّفر
ضخم الدسيعة ماجد … يعطي الجزيل بلا كدر (١)
وحدثني أبو عدنان، حدثنا ابن الكلبي عن أبيه محمد بن السائب قال: ساير علي بن عبد الله، الحارث بن خالد بن العاص بن هشام المخزومي، فأصاب ساقه ركاب عليّ فقال: سبحان الله ما رأيت أحدا يساير الناس بمثل هذا الركاب؛ فقال علي: إنه من عمل قين لنا بمكة، يعرض بالعاص بن هشام حين أسلمه ابو لهب بن عبد المطلب قينا (٢).
قال ابو عدنان: وأخبرني الهيثم بن عدي ومعمر بن المثنى، قالا:
لاعب العاص بن هشام أبا لهب على إمرة مطاعة فقمره ابو لهب فجعله قينا، ثم لا عبه فقمره ايضا فبعث به مكانه يوم بدر بديلا فقتله عمر بن الخطاب.
وفي الحارث بن خالد بن العاص يقول الشاعر:
أبا فاضل ركب علاتك والتمس … مكاسبها إن اللئيم كسوب
وحدثني عباس بن هشام الكلبي عن أبيه عن جدّه قال: لم يزل علي بن عبد الله بن عباس أثيرا عند عبد الملك بن مروان كريما عليه حتى
стр. 1443
طلق عبد الملك أم أبيها بنت عبد الله بن جعفر بن أبي طالب، فتزوجها عليّ فتغّير له وثقل عليه، فبسط لسانه بذمّه وقال: إنما صلاته رياء؛ وكان الوليد بن عبد الملك يسمع ذلك من أبيه، فلما ولي أقصاه وعابه وتجنّى عليه حتى ضربه وسيّره.
حدثني عباس بن هشام عن أبيه عن جده قال: كانت لعبد الله بن عباس جارية صفراء مولدة تخدمه، فواقعها مرة ولم يطلب ولدها فاغتنمت ذلك واستنكحت عبدا من عبيد أهل المدينة، فوقع عليها حتى حبلت وولدت غلاما، فحدّها عبد الله بن عباس واستعبد ولدها وسماه سليطا، فنشأ ظريفا جلدا، ولم يزل يخدم علي بن عبد الله وشخص معه إلي الشام فكان له من بني أميّة موقع ومن الوليد بن عبد الملك خاصّة، فادّعى انه ابن عبد الله بن عباس ودسّ اليه الوليد - لما كان في نفسه على علي بن عبد الله - أن خاصم عليّا، فخاصمه واحتال شهودا على إقرار عبد الله بأنه ابنه، فشهدوا له بذلك عند قاضي دمشق، وعرّف الوليد قاضيه رأيه في تثبيت نسب سليط، فتحامل معه على عليّ وألحقه بعبد الله بن عباس، وكان الوليد شرّيرا، ثم إن سليطا جعل يخاصم علي بن عبد الله في الميراث حتى لقي منه غما وأذى؛ وكان مع علي رجل من ولد أبي رافع مولى رسول الله ﷺ يقال له عمر الدنّ لم يزل منقطعا إليه، فقال لعليّ يوما: ألا أقتل هذا الكلب ابن الكلب وأريحك منه؟ فزبره عليّ وقال: هممت والله ان لا تدخل لي رحلا، ولا اكلمك بذات شفة أبدا. ثم إن عليا رفق بسليط حتى كفّ عنه، فإنه لفي بستان له يدعى الجنينة على فرسخ من دمشق، ومساحة البستان أربعة أجربة أو أشفّ، إذ أتى عمر الدّن ومعه سليط فجعلا يخدمان
стр. 1444
عليّا حتى أكل وقام يصلي، ثم انحاز عمر بسليط إلى ناحية من البستان فجعلا يأكلان من الفاكهة، وجرى بينهما كلام فوثب الدّن على سليط بصخرة فدمغه بها وحفر له فدفنه وأعانه على دفنه مولى لعليّ يقال له فايد أبو المهنّا، ويقال عروة أبو راشد، ثم عفّيا موضع قبره، وهرب الدّن وصاحبه الذي أعانه وعليّ مقبل على صلاته لا يعلم بشيء مما كان، وكان لسليط صاحب قد عرف دخوله البستان فطلبه فلم يجده، فصار إلى أمّ سليط فأخبرها بأنه دخل البستان ولم يخرج منه، وافتقد عليّ الدن وصاحبه وسليطا فلم يجد منهم أحدا، وخرج من البستان وقد أتي بدابته فركبها وهو يسأل عن الدنّ وصاحبه وسليط، وغدت أم سليط إلى باب الوليد مستعدية على عليّ فأتى الوليد من ذلك ما أحبّ واراد، فدعا بعلي بن عبد الله وسأله عن خبر سليط فحلف انه لا يعلم من خبره شيئا بعد قيامه للصلاة، وأنه لم يأمر فيه بأمر، فسأله احضار عمر الدن، فحلف أنه لا يعرف موضعه، فوجه الوليد إلى الجنينة من سرّح فيها الماء، فلما انته إلى موضع الحفرة التي دفن فيها سليط دخلها فانخسفت، فأمر الوليد بعلي بن عبد الله فأقيم في الشمس، وجعل على رأسه الزيت، وضربه ستين أو أحدا وستين سوطا، وألبسه جبّة صوف وحبسه ليخبره خبر سليط ويدله على الدنّ وصاحبه؛ وكان يخرج في كل يوم فيقام في الشمس، وكان عباد بن زياد له صديقا، فجاءه فألقى عليه ثيابه، وكلم الوليد في أمره فأمر أن يسير إلى دهلك، وهي جزيرة في البحر، فكلمه سليمان بن عبد الملك فيه وسأله ردّه، فأرسل من يحبسه حيث لحقه. ثم كلم الوليد عباد بن زياد في عليّ وقال: انه ليس بالفلاة موضع، فأذن له فنزل الحجر، فلم يزل بالحجر حتى هلك الوليد سنة ست
стр. 1445
وتسعين وولي سليمان بن عبد الملك فردّه إلى دمشق. وكان علي يروي في نزول الشراة أثرا فانتقل إليها.
وحدثني هشام بن عمار، حدثنا مشايخنا قالوا: تولى ضرب علي بن عبد الله بين يدي الوليد أبو الزعيزعة البربري مولاه فجزع فقال له مولى له يكنى أبا نزار: لا تجزع، فقال: إن كرام الخيل تجزع من السوط؛ ثم قال: لا تساكنّي، فنزل الشراة.
وقال الهيثم بن عدي: ضربه خمسمائة سوط وقال: لا تساكنّي، فنزل الحميمة (١).
وحدثني أبو مسعود الكوفي ابن القتّات عن اسحاق بن عيسى بن علي عن أبيه، قال: كان الوليد بن عبد الملك ينتقص علي بن عبد الله ويشتمه، فرأى عبد الملك أباه في منامه يقول له: يا هذا ما تريد من علي بن عبد الله فقد ظلمته، والله لا يبتزكم أمركم ولا يسلب ملككم إلا ولده، فازداد بذلك بغضة له وحنقا عليه، فلما ضربه كتب إلى الآفاق يشنع عليه ويقول إنه قتل أخاه.
قال أبو مسعود: وكان مما عدده المنصور أمير المؤمنين على أبي مسلم أن قال: وزعمت أنك ابن سليط، فلم ترض حتي نسبت إلى عبد الله غير ولده، لقد ارتقيت مرتقى صعبا.
وقالوا: لما فرغ مسلم بن عقبة المري من أمر الحرة أخذ الناس بأن يبايعوا ليزيد بن معاوية على انهم عبيد قنّ، وبعث إلى علي بن عبد الله وهو
стр. 1446
يومئذ بالمدينة، وذلك قبل موت أبيه عبد الله بن عباس بأربع سنين، فمر في العسكر بفسطاط على بابه جماعة فسأل عن صاحبه فقيل له: هذا الحصين بن نمير السكوني، فقال لمولى له: ائته فأخبره بمكاني، فأتاه فقال له: ان ابن اختك علي بن عبد الله وقد أخرج من منزله يراد به مسلم بن عقبة، فأرسل ناسا فانتزعوه من أيدي الحرس فجاذبوهم فقال الحصين:
ميلوا عليهم بالسياط، فضربوا حتى فرّوا، وانطلق الحصين معه إلى مسلم حتى بايعه ليزيد كما يبايع السلطان، ثم انصرف.
المدائني عن أبي الوليد القرشي عن أبي نزار مولى علي بن عبد الله قال:
كنت مع علي بن عبد الله يوما وعنده ابنه محمد بن علي وأبو هاشم عبد الله بن محمد بن علي بن أبي طالب، فقال: يا أبا هاشم إن أهل المغرب يؤمّلونك، وقال لابنه محمد: إن أهل المشرق يؤمّلونك، ثم نظر إلى حمار بين شجرتين فقال: والله لا تليان حتى يلي هذا الحمار، كبرتما عن تبيّن صاحب هذا الأمر.
وقال الواقدي: توفي علي بن عبد الله في سنة ثماني عشرة ومائة وله ثمان وسبعون سنة وإنه لمعتدل القناة.
وقال الهيثم بن عدي: توفي علي بن عبد الله بالحميمة من عمل دمشق في سنة سبع عشرة ومائة وله ثمان وسبعون سنة، وذلك في أيام هشام بن عبد الملك.
وقال أبو اليقظان: مات بالحميمة في سنة سبع عشرة ومائة وقد بلغ ثمانين سنة.
стр. 1447
فأما محمد بن علي بن عبد الله:
ابن العبّاس وهو ذو الثفنات، ويكنى ابا عبد الله، فقد أخبرنا بقرب سنّه من سنّ أبيه وكان بينهما في الموت، في قول هشام بن الكلبي، خمس سنين أو نحوها، مات سنة اثنتين وعشرين ومائة.
وقال الواقدي: الثبت أنه توفي سنة خمس وعشرين ومائة، قبل قتل الوليد بن يزيد بقليل، وكان له يوم مات سبعون سنة.
وولد المهدي أمير المؤمنين في السنّة التي مات فيها محمد بن علي فسمّي باسمه وكني أبا عبد الله بكنيته، وكانت وفاة المهدي سنة تسع وستين ومائة وله ثلاث وأربعون سنة.
وقال ابو اليقظان: مات وله ثمان وثلاثون سنة؛ وولد محمد بن سليمان بن علي والمهدي في سنة واحدة.
وقال المدائني: توفي محمد بن علي سنة اربع وعشرين ومائة وقتل الوليد بن يزيد سنة ست وعشرين ومائة.
стр. 1448
قالوا: وكانت الشيعة تروي أن الامام محمد بن علي، فيظن أنه ابن الحنفية، فلما مات ابن الحنفية قالوا: الامام ابنه عبد الله بن محمد بن علي، وهو أبو هاشم، فلما سمّم أبو هاشم في طريقه وهو يريد الحجاز عدل إلى محمد بن علي بن عبد الله بن عباس بالحميمة فأوصى إليه وأعطاه كتبه وجمع بينه وبين قوم من الشيعة، فقال: إنا كنا نظن أن الإمامة والأمر فينا فقد زالت الشبهة وصرح اليقين بأنك الإمام والخلافة في ولدك، فمال إليه الناس فثبتوا إمامته وإمامة ولده.
حدثنا أبو مسعود الكوفي، حدثني بعض آل خالد بن عبد الله القسري قال: لم يكن خالد يشك في إمامة محمد بن علي بن عبد الله بن عباس، فكان إذا بعث إلى وجوه الناس بالهدايا مع ما يبعث به إلى هشام، بعث إلى محمد بن علي بدنانير، فبعث اليه مرّة من المرات بثلاثة آلاف دينار ولم يبعث بغير ذلك كراهة الشّهرة، وكتب إليه كتابا عنوانه: من خالد بن عبد الله إلى محمد بن علي، وفي باطنه: لأبي عبد الله أصلحه الله من خالد بن عبّد الله، فقال محمّد: وصل الله أبا الهيثم وحفظه فو الله مازال يبرّنا مذ ولي.
وحدثني الحسن بن علي الحرمازي عن أبي سليمان مولى بني هاشم قال: كان الخراسانيون الذين قدموا لطلب الامام يقولون: هذا أمر لا يصلح الا لذي شرف ودين وسخاء، فتبعه قوم لشرفه وآخرون لدينه وآخرون لسخائه، وأتوا رجلا من ولد علي بن طالب فدلّهم على محمّد بن علي بن عبد الله وقال: هو صاحبكم وهو أفضلنا فأتوه.
وحدثني العمري عن الهيثم بن عدي عن أبيه قال: أن محمد بن علي اختار خراسان وقال: لا أرى بلدا إلاّ وأهله يميلون عنا إلى غيرنا، أمّا أهل
стр. 1449
الكوفة فميلهم إلى ولد علي بن أبي طالب، وأما أهل البصرة فعثمانية، وأما أهل الشام فسفيانية مروانية، وأما أهل الجزيرة فخوارج، وأما أهل المدينة فقد غلب عليهم حبّ أبي بكر وعمر، ومنهم من يميل إلى الطالبيّين، ولكن أهل خراسان قوم فيهم الكثرة والقوة والجلد وفراغ القلوب من الأهواء، فبعث إلى خراسان، وقد كان أبو هاشم عبد الله بن محمد بن الحنفية سمّى له قوما من أهل الكوفة.
وحدثني حفص بن عمر العمري عن الهيثم بن عدي عن معن بن يزيد، وحدثني محمد بن الأعرابي عن بعض ولد قحطبة قالوا: قدم على محمد بن علي ناس من أهل خراسان من الشيعة بعد مولد أبي العباس، فأخرجه إليهم في خرقة وقال: هذا صاحبكم الذي يتم الأمر على يده، فقبلوا أطرافه.
وحدثني العمري عن الهيثم بن عدي، والمدائني عن ابن فايد وغيره، وأبو اليسع الأنطاكي عن أشياخه قالوا: كانت ريطة بنت عبيد الله بن عبد الله بن عبد المدان الحارثي عند عبد الله بن عبد الملك بن مروان فمات عنها فتزوجها بعده الحجاج بن عبد الملك بن مروان فطلقها، فقدم محمد بن علي بن عبد الله من الشراة وهو يريد الصائفة فسأل عمر بن عبد العزيز، وهو يومئذ خليفة، ان يأذن له في تزوجها، فقال: ومن يمنعك رحمك الله من ذلك إن رضيت، هي أملك بنفسها، فتزوجها بحاضر قنسرين في دار طلحة بن مالك الطائي، واشتملت على أبي العباس وولدته في سنة مائة، وقيل في سنة إحدى ومائة.
стр. 1450
المدائني عن الحسن بن رشيد ويحيى بن الطفيل، أن الامام محمد بن علي قال: لنا ثلاثة أوقات: موت الطاغية يزيد، ورأس المائة، وفتق بإفريقية، فعند ذلك يدعو لنا الدعاة ثم يقبل أنصارنا من المشرق حتى يوردوا خيولهم أرض المغرب ويستخرجوا ما كنز الجبارون فيها، فلما قتل يزيد بن أبي مسلم بإفريقية، وانتقضت البربر، بعث رجلا إلى خراسان فأمره أن يدعوا إلى الرضا من آل محمد ولا يسمّي أحدا، ومثّل له مثالا يعمل به، فأجابه ناس، فلما صاروا سبعين جعل منهم اثني عشر نقيبا.
وحدثت عن أميّة بن خالد البصري عن أبيه عن وضاح بن خيثمة قال: لما استخلف عمر بن عبد العزيز دفع إليّ يزيد بن أبي مسلم فحبسته، فنذر دمي، ووليّ إفريقية وكنت بها فجعلت أتفارّ منه، ثم إنه ظفر بي فقال: طال ما نذرت دمك، قلت: وأنا والله طال ما استعذت بالله منك، قال: فو الله ما أعاذك، والله لو ان ملك الموت يسابقني إلى قبض روحك لسبقته، قال: وأمر بالنطع فبسط وكتّفت وقدم السيف لتضرب عنقي، وأقيمت صلاة العصر فوثب ليصلي، فو الله ما فرغ من صلاته حتى قطع إربا إربا ثم جاءوا فحلّوا كتافي. قال: وكان جنده من البربر فوسمهم على أيديهم، في إحدى يدي الرجل اسمه وفي الأخرى حرسيّ، وأساء سياستهم فوثبوا فقتلوه.
حدثني أبو حفص الشامي عن أبيه عن أبي معن الكدادي قال: مرّ قوم من سفهاء بني أميّة بالحميمة فتكلموا في محمد بن علي وولده بكلام قبيح، فقال محمد بن علي: دعوهم فربما كان السكوت جوابا والحلم أبلغ في
стр. 1451
رضى الله من الانتقام، وجعل يقول: ومن ﴿بُغِيَ عَلَيْهِ لَيَنْصُرَنَّهُ اللهُ﴾ (١).
حدّثني عبد الله بن مالك الكاتب عن أبي عبيد الله قال: كان محمد بن علي الامام يقول: الصّدق محمود في كل موطن إلاّ صدق ذي السعاية والنميمة، فإنه شرّ ما يكون أصدق ما يكون.
وحدّثني أبو مسعود الكوفي عن غالب بن سعيد عن زياد بن أبي عامر الشروي قال: سمعت محمد بن علي يقول: كان يقال إذا سمعت العوراء فتطأطأ لها تخطك. قال: وسمعته يقول، أو يحدث عن أبيه أنه قال: طاعة المحبّة أفضل من طاعة الهيبة.
حدّثني ابن القتّات عن اسحاق بن عيسى بن علي قال: كان محمد بن علي يقول: لن يبلغ الرجل غاية الحلم حتى يعدّ ذليلا، قال: وكان يقول:
كفاك من حظّ البلاغة ان تقول فتفهم، وتصف فتوجز.
وحدّثني ابن القتات قال: قال محمد بن علي: لا يدرك الشباب بالخضاب، ولا الغنى بالمنى، ولا العلم بالادّعاء. قال: وكان محمد بن علي يقول: شر الآباء من دعاه البرّ إلى الافراط، وشر الأبناء من دعاه التقصير إلى العقوق.
وحدّثني بعض الهاشميين أن موسى بن محمد بن علي غزا مع أبيه في غزاة ذي الشامة المعيطي فمات ببلاد الروم فقدّم محمد بن علي ذا الشامة فلم يتقدم، فصلى عليه ووقف ذو الشامة على قبره حتى دفن، فشكر ذلك له بنو العباس فلم ينالوا معيطيا بمكروه.
стр. 1452
حدّثني أبو مسعود بن القتات عن زهير بن المسيب الضبي عن أبيه قال: وفد محمد بن علي الامام على هشام بن عبد الملك فلما دخل عليه قال:
ما جاء بك؟ قال: حاجة يا أمير المؤمنين، قال: انتظر بها دولتكم التي تتوقعونها وتروون فيها الأحاديث وترشحون لها أحداثكم، فقال: اعيذك بالله يا أمير المؤمنين، ثم نظر الى حاجبه نظرة مغضب لإذنه له، فدنا الحاجب منه فقال، أصدقك والله يا أمير المؤمنين، إني رجل عقيم فسمعني أشكو ذلك فقال: إن عندي دعوات رويتها عن أبي عن أبيه عن رسول الله ﷺ يدعو بها مثلك فيرزق الولد، فإن علمتك إياها تأذن لي؟ فضمنت له فعلمنيها ووفيت له، فقال: قبحك الله فما أعجز رأيك، لهممت أن أضرب عنقك، إنّ هؤلاء قوم جعلوا رسول الله لهم سوقا. ثم قال لمحمد بن علي: ان عامل ناحيتك كتب يعلمنا أن الولاة قبله تركوا لكم من الخراج مائة ألف درهم في سنين لغير حقّ واجب فأدّ ذلك، وأمر ان يؤخذ بالمائة الألف فيقام في الشمس ويبسط عليّه العذاب. وكان في عسكر هشام يومئذ عيسى بن إبراهيم أبو موسى السراج الذي كان أبو مسلم يتعلم منه السراجة ويخدمه، وأبو مسلم يومئذ معه، وكان عيسى يومئذ من أهل الكوفة، ورئيسا من رؤساء الشيعة، وكان موسرا يأتي بالسّروج إليها وإلى أصبهان والجبال، والرقّة، ونصيبين، وآمد، ونواحي البلاد فيبيعها بها، فجمع نفرا من الشيعة ذوي يسار وانطلق بهم إلى سالم كاتب هشام فضمنوا ما على محمد بن علي وجعلوا يؤدّون عنه الأوّل فالأوّل منه، وأبو مسلم يأتي محمد بن علي برسالة صاحبه وألطافه وما يجب معرفته من الخبر، فلما أدّيت المائة الالف كلّم هشام في محمد بن علي فخلّى سبيله، فرجع إلى الحميمة،
стр. 1453
ورجع أبو موسى السراج إلى الكوفة وأبو مسلم معه وهو يومئذ ابن عشرين سنة، وكان أبو مسلم يسمى إبراهيم بن حيّكان، فتسمى عبد الرحمن بن مسلم، ويقال إن الذي سماه عبد الرحمن وكنّاه أبا مسلم إبراهيم بن محمّد الإمام.
حدّثني هشام بن عمار عن أشياخهم أن هشام بن عبد الملك همّ بحبس محمد بن علي وولده وقال: إنهم يزعمون أن الخلافة تصير إليهم فقد استشرف الناس لهم، فقال له الأبرش الكلبي، واسمه سعيد بن الوليد بن عبد عمرو: إن كان في المقدور أن ينالوا الخلافة فلا بد والله أن ينالوها، فلا تقطع أرحامهم وتأثم بربّك فيهم، وصانعهم فإن مصانعتك إياهم لعقبك لهو الرأي والحزم، والاّ يكونوا، من هذا الأمر في شيء فما خوفك لما ليس بمقدور؟ على أن إظهارك التخوف لهم تنبيه للناس عليهم، فأمسك.
وحدّثني سليمان المؤدب الرقي عن الحجاج الرّصافي عن أبيه، قال:
نظر عبد الملك بن مروان إلى محمد بن علي وهو غلام، وكان جميلا، فقال:
هذا والله يفتن المرأة الشريفة، فقال خالد بن يزيد بن معاوية: أما والله إن ولده لأصحاب هذا الأمر، فقال عبد الملك: كلا، فقال خالد: هو والله ذاك، إنّ تبيعا أخبرني عن كعب أن هذا الأمر يصير إلى بني العباس وأنه لا يليه رجل من آل أبي طالب إلا أن يخرج على وال فيقتل، وأنها لولد العباس إلى أن ينزل المسيح، قال: وتبيع ابن امرأة كعب.
وكان محمد بن علي يقدم المدينة في كل سنة فيقيم بها الشهر والشهرين ويؤتى بالمال فيفرقه، وكان يمر بمولى لبني أميّة يبيع الحديد فاذا رآه ومعه أهل بيته قال: هؤلاء الزنادقة الذين يتمنون الباطل، والله لا يخرج هذا الأمر من
стр. 1454
موضعه أبدا. فقال محمد لابن شعبة مولاه: امض فترفق به حتى تدخله إليّ، فأتاه فجالسه أياما ثم لطف به حتى أدخله الدار ثم أمر بابها فأغلق واحتمله وغلمان معه حتى أدخل على محمد بن علي، ومعه قوم من أهل بيته وغيرهم يأكلون، فرحّب به وأدناه وأجلسه بينه وبين عبد الله بن حسن، وجعل يلقمه بيده، ثم خلع عليه وأعطاه ثلاثمائة دينار وثيابا لعياله، فلما مرّ به بعد ذلك في أهل بيته قال: هؤلاء أقمار الدجى، وأهل النبوة والخلافة والهدى، فقال محمد لابن شعبة: قل له عليك بالقصد لا هذا كله، ولا الذي كان قبله.
وحدّثني سليمان، حدثنا الحجاج الرصافي عن أبيه، قال: كان هشام بن عبد الملك بالرصافة (١) قاعدا في منظرة له فرفع له ركب، فقال يا غلام: ائتني بخبر هؤلاء، فمضى بعض من كان بين يديه حتى تلقاهم فقال: من أنتم؟ قالوا: هذا محمد بن علي بن عبد الله بن عباس وأخوته، قال: فما أقدمكم؟ قالوا: قدمنا نشكو إلى أمير المؤمنين حالنا وديننا، فرجع إلى هشام فأخبره، فقال: ارجع فقل لمحمد ارجع من حيث جئت وانتظر أن يقضي دينك ودين أخوتك ابن الحارثية - يعني أبا العباس - فقال محمد بن علي: قل لأمير المؤمنين إن كان الأمر صائرا إلى ابن الحارثية فما عليك أن يكون لكم عنده يد، وإلاّ يكن ذلك فعلام تحرمنا فضلك وصلتك وعائدتك! فقال هشام للرسول: قل له ما قلت لك وازعجهم حتى يرجعوا عودهم على بدئهم، فقال محمد: دعونا لنريح فقد نصبنا وتعبنا، فابلغوا قولهم هشاما فأذن لهم فأراحوا، فلما جن عليهم الليل أتى محمدا بعض
стр. 1455
جلساء هشام يعرض عليه مالا فلم يقبله، وسأله عن ابن الحارثية فأراه أبا العباس وهو صبي ثم رجع الى الشراة وقال: اللهم ان هذا بعينك.
قالوا: وكانت لمحمد بن علي بالحميمة خمسمائة شجرة، فكان يصلي تحت كل شجرة ركعتين، وتوفي محمّد في سنة أربع وعشرين ومائة.
стр. 1456
وأما داود بن علي:
فيكنى أبا سليمان، وكان لسنا خطيبا، ولي مكة والمدينة لأبي العباس، وأقطعه قطائع، وهو كان المتكلم يوم استخلف أبو العباس.
وكان داود في أيام بني أمية مع خالد بن عبد الله القسري، وكان خالد مكرما له، ولما قدم داود مكة واليا عليها قام خطيبا فقال بعد حمد الله والثناء عليه:
والله ما قمنا إلاّ لإحياء الكتاب والسنة والعمل بالحق والعدل، وربّ هذه البنية، ووضع يده على الكعبة، لا نهيج منكم أحدا إلاّ أن يحدث بعد يومه هذا حدثا، أمن الأسود والأبيض، ممّن لم يأت بعد هذا اليوم سوءا ولم يحاول لأمرنا نقضا ولا علينا بغيا، ما بال الوحوش والطير تأمن في حرم الله ويخاف من أمنّاه على سالف ما كان منه؟
حدّثني المدائني عن إسحاق بن عيسى بن علي قال: ولم يكن منّا من يرتجل الكلام ويبلغ حاجته في الخطب إلاّ المنصور، وداود بن علي، فلما رقي داود منبر الكوفة، حين ظهر أبو العباس بالكوفة وقام دونه على المنبر ليخطب، خفنا أن يتكلم بحلاوة لسانه وتصاريف لفظه ولطف حيلته فيدعو
стр. 1457
إلى نفسه، وليس بوقت خلاف، فتكلم في بيعة أبي العباس وبلغ له ما كنا نريد.
وحدّثني أبو مسعود الكوفي، حدّثني أبو الحسن إسحاق بن عيسى قال: لما أراد أبو العباس قتل أبي سلمة الداعية لميله إلى آل أبي طالب قال له داود: لا تتولّ قتله فيحتجّ عليك أبو مسلم بذلك، ولكن اكتب اليه فليوجّه من يقتله، ففعل، فكان ذلك أصوب رأي، ومدحه ابن هرمة وفيه يقول:
داود داود لا تفلت حبائله … واشدد يديك بباقي الودّ وصّال (١)
في أبيات.
قالوا: ولما بلغ داود قتل ابن هبيرة وقتل مروان وهو بالحجاز التقط قوما من بني أميّة فقتلهم ببطن مرّ (٢)، ووجّه [أبا] حماد إبراهيم بن حسان الأبرص إلى المثنى بن يزيد بن عمر بن هبيرة وهو باليمامة فقتله، ويقال بل بعث به إليه من العراق، وتوفي داود بالمدينة سنة ثلاث وثلاثين ومائة فولي مكانه موسى بن داود ثم صرف، وولّى أبو العباس مكانه زياد بن عبيد الله الحارثي، وسيب بني داود ببغداد نسب إلى بني داود بن علي.
حدثني العمري عن الهيثم عن ابن عياش، قال: قدم داود بن علي وزيد بن علي، ومحمد بن علي، ومحمد بن عمر بن علي بن أبي طالب على خالد القسري وهو بالعراق فأجازهم ورجعوا إلى المدينة، فلما ولي يوسف بن عمر كتب إلى هشام بخبرهم، وكتب يذكر أن خالدا ابتاع من زيد أرضا بالمدينة بعشرة آلاف درهم، ثم ردّ الأرض عليه. فكتب هشام إلى عامله
стр. 1458
بالمدينة أن يشخصهم إليه ففعل، فسألهم هشام عما كتب به يوسف فأقروا بالجائزة وأنكروا ما سوى ذلك، وأنكر زيد أمر الأرض، وحلفوا فصدّقهم، وقال هشام لداود، أنت أصدق من ابن النصرانية (١) فصر إلى يوسف فأكذبه في وجهه، قال ابن هرمة في شعر له يمدح داود:
اروع لا يخلف العدات ولا … يمنع منه نواله العلل
لكنّه سابغ عطيّته … يدرك منه السؤّال ما سألوا
يسبق بالفعل ظنّ صاحبه … ويذهب الرّيث عرفه العجل
حلّ من المجد والمكارم في … في خير محلّ يحله رجل (٢)
стр. 1459
وأما عيسى بن علي:
ويكنى أبا العباس، فإن أمير المؤمنين أبا العباس ولاه فارس، فلما قدمها وجد بها محمد بن الأشعث الخزاعي من قبل أبي مسلم، وجّهه من خراسان، فلم يسلّمها وأراد قتله: ثم أحلفه أن لا يلي عملا أبدا، ولا يتقلد سيفا، إلا لغزو، وكان عيسى أثيرا عند أبي العباس وأبي جعفر، ونهر عيسى وقطيعة عيسى ببغداد عند فرضة الرّكاب إلى واسط والبصرة ينسبان إليه، وقصر عيسى معروف، وفيه توفي إسحاق بن عيسى، ثم نزلته أم جعفر زبيدة بنت جعفر بن المنصور، ثم صار بعدها لولد أمير المؤمنين المأمون.
سمعت إبراهيم بن السندي بن شاهك يحدث عن أبيه، قال: ولأني المنصور الشرقيّة ببغداد فمر بي عيسى بن علي، فقمت إليه فقبّلت يده، فقال: يا سندي أقلل الضرب وأطل الحبس، وأهن السبال في الشفاعات، ففعلت ما أمرني به، فكنت محمودا عند المنصور (١).
стр. 1460
وأما سليمان بن علي:
ويكنى أبا أيوب، فإنه كان مقدّما عند أبي العباس وأبي جعفر، وولي البصرة وكور دجلة والأهواز والبحرين وعمان للمنصور بعد أبي العباس، وكان كريما جوادا مرّ برجل قد حمل عشر ديات، فهو يسأل فيها فأمر له بها كلها، وسمع وهو في سطح له نسوة كنّ يغزلن في سطح لهنّ بقربه يقلن ليت الأمير اطلع علينا فأغنانا، فقام فجعل يدور في قصره فجمع حليا من ذهب وفضة وجوهر وصير ذلك في منديل، ثم أمر فالقي إليهن فماتت إحداهن فرحا، ويقال إنه أخبر بقول النسوة ففعل ذلك.
وكانت له بالبصرة آثار جميلة، كان الناس بها يستعذبون الماء من الأبلة حتى قدم سليمان بن علي فاتخذ المغيثة وضرب مسناتها على البطيحة وسكّر القندل (١) فعذب ماء أهل البصرة، وأنفق على المغيثة ألف ألف درهم حتى استخرجها من بطن البطيحة، وبنى مساجد كثيرة فقال الشاعر:
стр. 1461
كم من يتيم ومسكين وأرملة … جبرته بعد فقر يا سليمان
ومسجد خرب لله تعمره … فيه كهول وأشياخ وشبّان
واحتفر الحوض الذي في رحبة بني هاشم، واتخذ منارا بين البصرة ومكة، فقال الراجز:
إن الأمير قد بنى المنارا … واضحة يهدي بها السفارا
وجرى وادي العقيق بالبصرة فأخرب دورا من دور العتيك، فدفع إلى جرير بن حازم مائة ألف درهم، فعمر بها ما خرب من دورهم.
وكتب عبد الله بن حسن بن حسن بن علي إلى سليمان يستميحه، فأرسل إليه بألف دينار وأمر كاتبه غسّان بن عبد الحميد أن يكتب إليه فيعلمه أنّ البقيا عليه وعلى نفسه منعته من أن يزيده.
وقال سفيان بن عيينة: كلّم سليمان في أهل عسقلان فأمر لهم بثلاثين ألفا، فيقال إنه سليمان بن علي ويقال إنه سليمان بن عبد الملك.
وقدم سليمان بن علي واليا على البصرة والحجاج بن أرطاة يلي قضاءها فعزله، وولّى عباد بن منصور، ثم عزله وولّى سوّار بن عبد الله فاستعفى فأعفاه وأعاد عبادا وفيه يقول الشاعر:
ألا أيها القاضي … الذي الجور له عاده
أعادوك لكي تقضي … لمعروف بحمّاده
وكان سليمان أول من قدّم الصّلاة قبل الخطبة في العيد من عمّال أبي العباس فضجّ الناس وقالوا: ذهبت السنّة.
قالوا: وكان سليمان حليما رفيقا لم يعرض لمن كان بالبصرة من بني أميّة فلم يسلموا في بلد سلامتهم بالبصرة، وكتب أبو العباس إلى سليمان بن
стр. 1462
علي في قبض أموال بني زياد بن أبي سفيان، فأرسل إلى مسلمة بن محارب بن سلم بن زياد وغيره: إن أمير المؤمنين كتب إليّ في قبض كل خضراء وبيضاء لكم، فإني [إن] كتبت أني لم أجد لكم خضراء ولا بيضاء لم آمن أن يأتيكم من يقبض ذلك، فإن احببتم فحدّوا لي من أموالكم شيئا ظاهرا أقطع به عنّي قالته وسوء ظنه، فحدّوا له ثماني مائة جريب أظهروها فقبضها، ولما صار عبد الله بن علي إلى سليمان رأى رجلا على بغل أو برذون فاره وله سرج نظيف، ولجامه محلّى، فقال: من هذا؟ قال له سليمان: هذا سلم بن حرب بن زياد، فقال: أو قد بقي من آل زياد مثل هذا؟ فقال سليمان:
نعم لم أجد إليهم سبيلا، منعني منهم الحق، قال: اما والله لئن بقيت لهم لأبيدنّهم، فبلغ ذلك سلما فهرب عن البصرة فلم يدخلها حتى شخص بعبد الله عنها.
قالوا: وقدم الحكم، ومحمد، وعمر بنو الصلت بن يوسف بن عمر البصرة فنزلوا في بني سعد مستخفين، فظهرت لهم هيئة في لباسهم ومطعمهم، فحسدهم بعض جيرانهم أصحاب الدار التي نزلوها فسعوا بهم إلى سليمان بن علي، فأرسل إليهم من أتاه بهم في ستر، فقال: من أنتم؟ فانتسبوا له، فقال: يا بني اخي كان ينبغي لكم إذ اخترتم هذه الناحية أن تستخفوا في الزطّ والأندغار، وإلا ففي عبد القيس أو بني راسب، ثم أطلقهم.
حدّثني عمر بن شبّة عن محمد بن عبيد بن عمر، وأخبرني طارق بن المبارك عن أبيه قال: قال لي عمرو بن معاوية بن عمرو بن عتبة بن أبي سفيان: جاءت هذه الدولة وأنا حديث السن منتشر الاموال، فكنت
стр. 1463
لا أكون في قبيلة إلا شهر أمري، فلما رأيت ذلك عزمت على أن أفدي حرمي بنفسي؛ قال: فأرسل إليّ أن القني على باب الأمير سليمان بن علي، فانتهيت اليه فاذا عليه طيلسان مطبق جديد وسراويل وشي مسدولة، فقلت: يا سبحان الله ما تصنع الحداثة، أهذا لبس هذا اليوم؟ فقال:
لا ولكنه ليس عندي ثوب إلا وهو أشهر ممّا ترى، قال: فأعطيته طيلساني وأخذت طيلسانه وشمرت سراويله إلى ركبتيه، قال فدخل على سليمان ثم خرج مسرورا، فقلت له: حدثني بما جرى، فقال: دخلت على أكرم الناس وأحلمهم وأنبلهم، فلما وصلت اليه ولم يرني قط قلت: أصلح الله الامير لفظتني البلاد إليك، ودلّني فضلك عليك فإمّا قبلتني غانما أو رددتني سالما، قال: ومن أنت؟ فانتسبت له، فقال: مرحبا بك، اقعد فتكلّم آمنا، ثم أقبل علي فقال: حاجتك يا بن اخي، قلت: إن الحرم اللائي أنت أقرب الناس إليهن معنا وأنت أولى الناس بهن بعدنا، وقد خفن لخوفنا، ومن خاف خيف عليه. قال: فبكى ثم قال: يا بن أخي يحقن الله دمك ويحفظك في حرمك، ويوفر عليك مالك، ولو أمكنني ذلك في جميع أهلك لفعلت، فكن متواريا كظاهر ولتأتني رقاعك في حوائجك وأمورك، قال: فكنت والله أكتب إليه كما يكتب الرجل إلى أبيه وعمّه.
قال: فلما فرغ من حديثه رددت عليه طيلسانه، فقال: مهلا فإن ثيابنا إن فارقتنا لم ترجع إلينا.
وقال عبد الله بن علي لسليمان: اخرج بنا إلى بعض المتنزهات، فخرجا ومعهما حميد الطويل، فمّرا بمنزل عطاء السليمي فدخلوا عليه فلم يزل يعظهم حتى بكى سليمان وأمر بما حمل معه من الطعام أن يتصدق به على
стр. 1464
فقراء الخريبة، وانصرف، فجعل عبد الله بن علي يقول: ما لنا ولعطاء السّليمي.
وحدثت أن سليمان بن علي أعتق خلقا، كان يعتق في كل عشية عرفة مائة نسمة، فهم متفرقون بالبصرة، فإذا كانت كتب لعطاء: اكتبوا في الموالي، وكانوا يشترون له في سائر السنة فإذا كان ذلك اليوم أعتقهم، ويقال إنه أنفق في الموسم في صلات قريش والأنصار وسائر الناس في الصّدقات خمسة آلاف ألف درهم، ويقال ألف ألف درهم. وتوفي في سنة أثنتين وأربعين ومائة وهو ابن ثلاث وستين سنة وصلى عليه عبد الصمد بن علي.
وقال أبو نخيلة (١) في سليمان بن علي:
جاورت بالبصرة قرما ماجدا … أمسى لسادات الرجال سائدا
بنو علي فرّجوا الشدائدا … أكرم بهم وبعليّ والدا
يا خير خلق مقدما وصافدا
في أبيات. وقال أبو القوافي الاعرابي يمدح سليمان في أرجوزة طويلة:
يطلبن بالمدح عجالا شرّبا … جدوى سليمان فلا مستجدبا
خير قريش من قريش منصبا … وخيرها خالا وعمّا وأبا
وخير ذي قربى لمن تقربا
ومدحه رؤبه وغيره.
قالوا: وكان المنصور جعل لسليمان جميع ما يجتبي من عمله، فكان يقسم في السنة أموالا عظاما.
стр. 1465
فولد سليمان بن علي: جعفرا، ومحمدا، وابراهيم، وهارون، وموسى، وعليّا، وعبد الرحمن، وعبد الرحيم، وعيسى، وعبد الله، واسحاق، لأمهات شتى. وكان له بنات منهن: عائشة بنت سليمان تزوجها عبد الوهاب بن إبراهيم الامام، ومنهن زينب بنت سليمان تزوجها محمد بن إبراهيم الامام. وكان جعفر ومحمد ابنا سليمان بن علي لأم الحسن بنت جعفر بن حسن بن حسن بن علي بن أبي طالب، وولي عبد الرحمن بن سليمان - ويكنى أبا الفضل - للرشيد السّند. وولي عبد الله بن سليمان - ويكنى ابا العباس - للمهدي اليمن، وفيه يقول الشاعر:
قل لعبد الله يا حلف الندى … وربيع الناس في قحط الزمن
أشرقت بغداد لما جئتها … واقشعّرت حزنا أرض اليمن
وولي إسحاق بن سليمان - ويكنى ابا يعقوب - المدينة، والبصرة، والسّند، ومصر لهارون الرشيد، وولي حمص، وأرمينية لمحمد بن الرشيد.
وأمّا محمد بن سليمان - ويكنى أبا عبد الله - فإنه ولي الكوفة والبصرة لأبي جعفر المنصور، وكان عليها قبله سلم بن قتيبة، فكتب إليه في هدم دور من خرج مع إبراهيم بن عبد الله بن حسن بن حسن، فكتب إليه يسأله الصّفح عنهم، فقال: لو كتبت اليه في شربة ماء لراجعني، فعزله وولّى محمدا مكانه. ثم ولي: البصرة، وكور دجلة، وفارس، والأهواز، واليمامة، وعمان والبحرين للمهدي، ولموسى، وهارون ومات وهو ابن احدى وخمسين سنة.
стр. 1466
قال عبد الله بن صالح المقرئ: ولي محمد بن سليمان الكوفة لأبي جعفر فولى شرطته المساور بن سوّار الجرميّ، واستخلف المساور زهدما، فقال الشاعر:
قل للمساور إن زهدم جائر … فخف الاله وأعفنا من زهدم
ما أن يبالي ويحه من لامه … من خلق ربك كلهم في الدرهم
وحدّثني أبو محمد التوزي النحوي، حدّثني أبو عبيدة عن أبي سفيان بن العلاء قال: كنا بالكوفة مع محمد بن سليمان، فسأل عن إبراهيم النخعي أعربيّ هو أم مولى؟ فاختلفوا عليه فيه، فأرسل إلى عرفاء النخع فأتوه بديوانهم فوجد في الديوان مولى.
وقال التوزي: وقد سألت ابن الكلبي عنه فقال: هو إبراهيم بن يزيد بن الأسود بن عمرو بن ربيعة بن حارثة بن سعد بن مالك بن النخع، ويكنى أبا عمران وكان أعور.
وحدّثني عبد الله بن صالح العجلي عن أبي زبيد عبثر قال: ولّى أبو جعفر محمد بن سليمان بن علي الكوفة بمشورة عيسى بن علي، فشهدت جماعة من أهل السوق على عبد الكريم بن نويره - وهو ابن أبي العوجاء الذهلي - أنه رأى عدلا قد كتب عليه صاحبه آية الكرسي فقال له: لم كتبت هذا؟ قال:
لئلا يسرق، فقال عبد الكريم: فقد رأينا مصحفا سرق، وشهد عليه انه صلى فقيل له: أنت لا تؤمن بما جاء به فلم تصلي؟ فقال: هي عادة الجسد (١)، وسنة البلد، وإرضاء الأهل والولد. فأمر بحبسه، فكلم فيه
стр. 1467
فقال: أذكرتموني أمره ودعا به فضرب عنقه، قال عبثر: فزعموا أنه لما أيقن بالقتل قال: لئن قتلتموني لقد وضعت في احاديثكم أربعة آلاف حديث.
قال عبد الله بن صالح: وأنكر المنصور على محمد بن سليمان قتله ابن أبي العوجاء من غير مؤامرة له وقال: أيقتل رجل من العرب بغير علمي، وأغضبه ذلك. وكان معن بن زائدة يشكو فعل محمد بن سليمان إلى المنصور ويقول: قتل رجلا بريئا مما قرف به، وإنما قتله لأنه قال: انا تلميذ الحسن، فقال: «تلميذ» من قول الزنادقة. وبعث المنصور إلى عيسى بن علي فقال له: أيقتل محمد بن سليمان رجلا بشهادة قوم رعاع لا يدرى من هم؟ لقد هممت أن أقيده به، فقال له عيسى: إن محمدا قتله على زندقة هو ينسب إليها، فإن كان قتله صوابا فهو لك وإن كان خطأ فهو على محمد، والله لئن عذلت محمدا على ما صنع ليذهبن بالثناء والذكر ولترجعنّ القالة من العامة عليك، وقد كان المنصور أمر بعزل محمد وكتبت الكتب، فدعا بها فمزقت، وقال لعيسى: أغررتني من هذا الغلام.
وقال أبو اليقظان: أتى أبو الزحف بن عطاء بن الخطفي محمد بن سليمان فأمره أن ينشده وهو سكران فقال:
يا بن سليمان أقلني عثرتي … يا بن الملوك وأسغني ربقتي
حتى تجلّي عن فؤادي غمتي … ثم اجمع الرّجاز عند صولتي
كل فزاريّ دهين اللمّة … أبو بدويّ ودع ذي ثلّة
وحدّثت، أن جعفر بن سليمان بن علي ولي المدينة بعد قتل محمد بن عبد الله بن الحسن بن الحسن، وكان أبو بكر بن أبي سبرة، وهو أبو بكر بن عبد الله بن محمد بن عبد الله بن أبي سبرة بن أبي رهم، أحد بني عامر بن
стр. 1468
لؤي، الفقيه، عاملا على الصدقات من قبل عامل المنصور، فلما خرج محمد بن عبد الله أتاه بما اجتمع عنده من المال فقواه به، فحبسه عيسى بن موسى بن محمد بن علي حين قتل محمدا، وخرج سودان بالمدينة وعليهم رجل منهم يقال له اويتوا فكسروا باب السجن وأخرجوه فيمن اخرجوا، وأرادوا فك حديده فأبى وعاد إلى محبسه. وقيل له حين أخرج: صلّ بالناس، فقال: كيف يصلي بالناس أسير؟! وبلغ ذلك أبا جعفر المنصور فرضي عنه وأوصى به جعفرا وقال: أطلقه وارفعه فقد أحسن بعد أن أساء، ولعله فعل ما فعل ابقاء على نفسه وحقنا لدمه، فلما قدم جعفر المدينة أخرج ابن أبي سبرة وأطلقه وبره وأكرمه، فقال له: أصلح الله الأمير إن حالي مختلة وديني كثير لما نالني، وبيني وبين معن بن زائدة مودّة فاكتب لي إليه بالوصاة والصّلة. فإنه إذا قرأ كتابك بذلك لم يستوحش مني، فكتب له بما سأل.
فلقي الراتجي (١) فدعاه إلى الخروج معه وأعطاه دنانير خلفها نفقة لعياله، وسار إلى مكة فاعتمرا، ثم مضيا جميعا إلى اليمن، فقال معن لابن أبي سبرة: إن جعفرا أقدر على صلتك مني، وكيف قدمت عليّ وقد عرفت ما كان منك ومن غضب أمير المؤمنين عليك؟! فأخبره خبره وحلف له على رضى المنصور عنه؛ فقال له: كم دينك؟ قال: أربعة آلاف دينار، فأمر له بسبعة آلاف دينار وقال: إني إنما كلمتك بما كلمتك به على رؤوس الناس وما كنت لأخيّبك ولو استمحتني وأنت في محبسك لوصلتك، وأخبره بخبر الراتجي، فلما راح إلى معن أدخله معه، فأنشد الراتجي معنا:
стр. 1469
الراتجي يقول في مدح … لأبي الوليد أخي الندى الغمر
ملك بصنعاء الملوك له … ما بين بيت الله والشحر
لو جاودته الريح مرسلة … لجرى بجود فوق ما تجري
حملت به أم مباركة … فكأنها بالحمل لم تدري
فقال معن: فكان ويحك ماذا؟ قال:
حتى إذا ما تمّ تاسعها … ولدته أوّل ليلة القدر
فقال معن: ثم ماذا ويحك؟ قال:
وأتت به بيضا أسرّته … يرجى لحمل نوائب الدهر
مسح القوابل وجهه فبدا … كالبدر أو أبه من البدر
فنذرن حين رأين غرته … إن عاش أن سيفين بالنّذر
لله صوما شكر نعمته … والله أهل الحمد والشكر
قال معن: ويحك ثم ماذا؟ قال:
فأتى بحمد الله حين أتى … حسن المروءة باقي الذكر
حتى إذا ما طر شاربه … خشع الملوك لسيد قهر
فإذا وهى ثغر يقال له … يا معن أنت سداد ذا الثغر
فأمر له بألف دينار فأخذها وانصرف مع ابن أبي سبرة، فأعطاه ابن أبي سبرة ألف دينار أخرى.
حدثني بكر بن الهيثم، قال: سمعت عبد الرزاق يحدث، قال: قدم ابن أبي سبرة على معن فأعطاه وكساه، فقال ابن أبي سبرة: إن الله جعل من عباده معادن الخير، ومعن بن زائدة من أفضلهم، وبلغ المنصور خبر ابن أبي سبرة، فكتب إلى جعفر بن سليمان: ما حملك على أن أذنت لابن أبي سبرة
стр. 1470
في الشخوص إلى اليمن، واستوصلت له معنا؟ فكتب إليه: أوصيتني به وقلت أطلقه وأرفقه، فكان عندي من الاستيصاء به وارفاقه أن كتبت له إلى معن، فكتب إلى معن: ما حملك على ما صنعت بابن أبي سبرة؟ فكتب إليه: إن جعفر بن سليمان كتب إليّ برضى أمير المؤمنين عنه واستماحني له، فظننت أنه لم يكن ليفعل ذلك إلاّ بأمر أمير المؤمنين.
ومدح إبراهيم بن علي بن هرمة جعفر بن سليمان بأبيات يقول فيها:
إذا هاشم قادت لفخر جيادها … أتوه فقادوه أغرّ محجّلا
فاحرز غايات الرهان ونحتها … مريحا بأدنى شأوه متمهّلا
إذا كسد الجود الربيح بسوقه … أتى جعفر فابتاعه ثم أجزلا
أرى جعفرا والله جار لجعفر … يجوّد في كسب العلا ويعمّلا
وقال فيه أيضا:
وإن أمير المؤمنين برأفة … علينا وخصيصاه أمّر جعفرا
وثقنا بخير منك لا شرّ بعده … فأسهل منّا آمنا من توعّرا (١)
في أبيات، ومدحه شعرا فأعطاه. وقال فيه ابن المولى:
أوحشت الجمّاء (٢) … من جعفر
وطال ما كانت به تعمر
كم صارخ يدعو وذي كربة … يا جعفر الخيرات يا جعفر
стр. 1471
وأما صالح بن علي:
ويكنى أبا الفضل، فهو المتوجه إلى مصر لمحاربة مروان بن محمد وعلى مقدمته عامر بن اسماعيل المسلي، فقتل مروان وفتح مصر، ولم يحل عن طاعة أبي العباس، ولا مال إلى عبد الله بن علي، وقدم معه ابن لهيعة والليث بن سعد. وكان قد أخذ خصيّا لمروان فدلهم على البرد والقعب والمخضب والقضيب. ويقال: ان البرد لم يكن فيما دلّ عليه.
وحدثني عبيد الله بن عبد العزيز من ولد صالح بن علي قال: لما أتي صالح برأس مروان وأمر بأن ينتف وينفض انقطع لسانه فتناوله هر، فقال صالح: ماذا ترينا الأيّام من العجائب، هذا لسان مروان في فم هرّ! وقال الشاعر:
قد فتّح الله مصرا عنوة لكم … وأهلك الفاجر الجعديّ إذ ظلما
فلاك مقوله هرّ يجرّره … وكان ربّك من ذي الكفر منتقما
وإنما قيل لمروان «الجعديّ» لأنه نسب إلى الجعد بن درهم معلّمه وأليفه، والجعد بن درهم مولى لسويد بن غفلة الجعفي، ويقال، إنه مولى
стр. 1472
لآل مروان، وكان زنديقا أو دهريا فقيل لهشام بن عبد الملك: ان الجعد كافر، وشهد عليه أن ميمون بن مهران وعظه فقال: لشاة قياد أحبّ إلي مما تدين به، فقال له: قتلك الله وهو قاتلك.
ويقال إن ميمون بن مهران شهد عليه، فطلبه فهرب إلى حران، ثم إنه ظفر به فحمل إلى هشام فأخرجه من الشام والجزيرة إلى العراق، وكتب إلى خالد بن عبد الله القسري يأمره بحبسه، فلم يزل محبوسا حينا ثم رفعت امرأته إلى هشام قصة في أمره، فقال هشام: أو حيّ هو؟ قالوا: نعم، فكتب إلى خالد يلومه على حبسه ويعزم عليه أن يقتله، فقال خالد في يوم أضحى بعد فراغه من خطبته: أيها الناس انصرفوا إلى أضاحيكم فاني مضحّ بعدوّ الله الجعد بن درهم، فلما انصرفوا قتله، فيقال انه ذبحه ويقال انه ضرب عنقه. وقوم يزعمون ان الجعد كان يقول بقول غيلان (١) وقد كذبوا.
стр. 1473
وأما اسماعيل بن علي:
ويكنى أبا الحسن، فولاه المنصور فارس والبصرة وكسكر، ولما توفي أبو العباس تزوج امرأته أمّ سلمة بنت يعقوب، فغضب عليه المنصور وقال: أتنكح امرأة أمير المؤمنين! فطلقها، ويقال إنه خطبها فلما غضب عليه أمسك، ثم إنه رضي عنه.
وقال ابن الدمينة الخثعمي لأحمد بن اسماعيل:
يا أحمد الخير ابن اسماعيلا … إليك اشكو الغلّ والكبولا
وغشم ظلم من بني سلولا … أزجي إليك شارفا نسولا
أظلّ فوق رحلها معدولا
стр. 1474
وأما عبد الصمد بن علي:
ويكنى أبا محمد، فكان مع عبد الله بن علي بالشام، فلما خلع عبد الله صيّره ولي عهده، فحارب أهل خراسان فظفر به، وكلّم المنصور فيه إسماعيل بن علي فرضي عنه. وأنشد المنصور:
قل لاسماعيل لولا أنت لم … ينج مني سالما عبد الصّمد
وهو شعر قيل في عبد الصمد بن عبد الأعلى الشيباني، وذلك أن سعيد بن عبد الرحمن بن حسان بن ثابت وفد على الشام، وكان غلاما، فكان يختلف إلى عبد الصمد بن عبد الأعلى، وهو يؤدب الوليد بن يزيد بن عبد الملك بسبب الأدب، فراوده عبد الصمد على نفسه، فدخل على هشام مغضبا فقال:
انه والله لولا أنت لم … ينج مني سالما عبد الصمد
قال هشام ولم ذاك؟ قال:
إنه قد رام منّي خطّة … لم يرمها قبله مني أحد
فهو فيما كان منه كالذي … يبتغي الصيّد لدي خيس الأسد
стр. 1475
وقد ولي عبد الصمد للمنصور وغيره ولايات، وحجّ بالناس غير مرة. وتوفي عبد الصمد ببغداد في سنة خمس وثمانين ومائة، وإلى عبد الصمد تنسب هذه القباب التي يقال لها العبد الصّمديّة. وكان مولد عبد الله بن الحارث بن نوفل بن الحارث بن عبد المطلب بن هاشم الذي يقال له ببّة على عهد النبي ﷺ ، ومولد عبد الصمد في سنة تسع ومائة وهما في القعدد إلى هاشم سواء، وحج عبد الصمد سنة خمسين ومائة، وحج يزيد بن معاوية في سنة خمسين وهما في القعدد إلى عبد مناف سواء، وبين عبد الصمد وبين خالد بن عبد الله ذي الجدّين بن عمرو بن الحارث بن همّام بن مرّة بن ذهل بن شيبان بن ثعلبة بن عكابة بن صعب بن علي بن بكر بن وائل بن قاسط بن هنب بن أفصى بن دعمي بن جديلة بن أسد بن ربيعة بن نزار من الآباء إلى نزار سواء، وذو الجدّين جاهلي، وبين طرفة بن العبد بن سفيان بن سعد بن مالك بن ضبيعة بن قيس بن ثعلبة بن عكابة وبين نزار من الآباء أقل ممن بين عبد الصمد ونزار من الآباء بأب واحد.
وبين عبد الصمد وسعيد بن زيد بن عمرو بن نفيل بن عبد العزّى بن رياح بن عبد الله بن قرط بن رزاح بن عدي بن كعب إلى كعب من الآباء سواء، وسعيد من أصحاب النبي ﷺ . وكان في عصر عبد الصمد من بينه وبين علي بن عبد الله خمسة آباء، وهو جعفر بن الفضل بن العباس بن عيسى بن موسى بن محمد بن علي.
وقال بعضهم: إن عبد الصمد واسماعيل بن محمد بن عبد الله بن قيس بن مخرمة وعبد الله بن عروة بن الزبير ورثوا آخر من بقي من بني عبد قصي بالقعدد.