← Ансаб

Ансаб · id 9773

أنساب الأشراف - ط الفكر

البلاذري

Полный текст (5 555 стр.). Показаны 1471–1510 · переход к 1476.

стр. 1471

وأما صالح بن علي: ويكنى أبا الفضل، فهو المتوجه إلى مصر لمحاربة مروان بن محمد وعلى مقدمته عامر بن اسماعيل المسلي، فقتل مروان وفتح مصر، ولم يحل عن طاعة أبي العباس، ولا مال إلى عبد الله بن علي، وقدم معه ابن لهيعة والليث بن سعد. وكان قد أخذ خصيّا لمروان فدلهم على البرد والقعب والمخضب والقضيب. ويقال: ان البرد لم يكن فيما دلّ عليه. وحدثني عبيد الله بن عبد العزيز من ولد صالح بن علي قال: لما أتي صالح برأس مروان وأمر بأن ينتف وينفض انقطع لسانه فتناوله هر، فقال صالح: ماذا ترينا الأيّام من العجائب، هذا لسان مروان في فم هرّ! وقال الشاعر: قد فتّح الله مصرا عنوة لكم … وأهلك الفاجر الجعديّ إذ ظلما فلاك مقوله هرّ يجرّره … وكان ربّك من ذي الكفر منتقما وإنما قيل لمروان «الجعديّ» لأنه نسب إلى الجعد بن درهم معلّمه وأليفه، والجعد بن درهم مولى لسويد بن غفلة الجعفي، ويقال، إنه مولى

стр. 1472

لآل مروان، وكان زنديقا أو دهريا فقيل لهشام بن عبد الملك: ان الجعد كافر، وشهد عليه أن ميمون بن مهران وعظه فقال: لشاة قياد أحبّ إلي مما تدين به، فقال له: قتلك الله وهو قاتلك. ويقال إن ميمون بن مهران شهد عليه، فطلبه فهرب إلى حران، ثم إنه ظفر به فحمل إلى هشام فأخرجه من الشام والجزيرة إلى العراق، وكتب إلى خالد بن عبد الله القسري يأمره بحبسه، فلم يزل محبوسا حينا ثم رفعت امرأته إلى هشام قصة في أمره، فقال هشام: أو حيّ هو؟ قالوا: نعم، فكتب إلى خالد يلومه على حبسه ويعزم عليه أن يقتله، فقال خالد في يوم أضحى بعد فراغه من خطبته: أيها الناس انصرفوا إلى أضاحيكم فاني مضحّ بعدوّ الله الجعد بن درهم، فلما انصرفوا قتله، فيقال انه ذبحه ويقال انه ضرب عنقه. وقوم يزعمون ان الجعد كان يقول بقول غيلان (١) وقد كذبوا.

стр. 1473

وأما اسماعيل بن علي: ويكنى أبا الحسن، فولاه المنصور فارس والبصرة وكسكر، ولما توفي أبو العباس تزوج امرأته أمّ سلمة بنت يعقوب، فغضب عليه المنصور وقال: أتنكح امرأة أمير المؤمنين! فطلقها، ويقال إنه خطبها فلما غضب عليه أمسك، ثم إنه رضي عنه. وقال ابن الدمينة الخثعمي لأحمد بن اسماعيل: يا أحمد الخير ابن اسماعيلا … إليك اشكو الغلّ والكبولا وغشم ظلم من بني سلولا … أزجي إليك شارفا نسولا أظلّ فوق رحلها معدولا

стр. 1474

وأما عبد الصمد بن علي: ويكنى أبا محمد، فكان مع عبد الله بن علي بالشام، فلما خلع عبد الله صيّره ولي عهده، فحارب أهل خراسان فظفر به، وكلّم المنصور فيه إسماعيل بن علي فرضي عنه. وأنشد المنصور: قل لاسماعيل لولا أنت لم … ينج مني سالما عبد الصّمد وهو شعر قيل في عبد الصمد بن عبد الأعلى الشيباني، وذلك أن سعيد بن عبد الرحمن بن حسان بن ثابت وفد على الشام، وكان غلاما، فكان يختلف إلى عبد الصمد بن عبد الأعلى، وهو يؤدب الوليد بن يزيد بن عبد الملك بسبب الأدب، فراوده عبد الصمد على نفسه، فدخل على هشام مغضبا فقال: انه والله لولا أنت لم … ينج مني سالما عبد الصمد قال هشام ولم ذاك؟ قال: إنه قد رام منّي خطّة … لم يرمها قبله مني أحد فهو فيما كان منه كالذي … يبتغي الصيّد لدي خيس الأسد

стр. 1475

وقد ولي عبد الصمد للمنصور وغيره ولايات، وحجّ بالناس غير مرة. وتوفي عبد الصمد ببغداد في سنة خمس وثمانين ومائة، وإلى عبد الصمد تنسب هذه القباب التي يقال لها العبد الصّمديّة. وكان مولد عبد الله بن الحارث بن نوفل بن الحارث بن عبد المطلب بن هاشم الذي يقال له ببّة على عهد النبي ﷺ ، ومولد عبد الصمد في سنة تسع ومائة وهما في القعدد إلى هاشم سواء، وحج عبد الصمد سنة خمسين ومائة، وحج يزيد بن معاوية في سنة خمسين وهما في القعدد إلى عبد مناف سواء، وبين عبد الصمد وبين خالد بن عبد الله ذي الجدّين بن عمرو بن الحارث بن همّام بن مرّة بن ذهل بن شيبان بن ثعلبة بن عكابة بن صعب بن علي بن بكر بن وائل بن قاسط بن هنب بن أفصى بن دعمي بن جديلة بن أسد بن ربيعة بن نزار من الآباء إلى نزار سواء، وذو الجدّين جاهلي، وبين طرفة بن العبد بن سفيان بن سعد بن مالك بن ضبيعة بن قيس بن ثعلبة بن عكابة وبين نزار من الآباء أقل ممن بين عبد الصمد ونزار من الآباء بأب واحد. وبين عبد الصمد وسعيد بن زيد بن عمرو بن نفيل بن عبد العزّى بن رياح بن عبد الله بن قرط بن رزاح بن عدي بن كعب إلى كعب من الآباء سواء، وسعيد من أصحاب النبي ﷺ . وكان في عصر عبد الصمد من بينه وبين علي بن عبد الله خمسة آباء، وهو جعفر بن الفضل بن العباس بن عيسى بن موسى بن محمد بن علي. وقال بعضهم: إن عبد الصمد واسماعيل بن محمد بن عبد الله بن قيس بن مخرمة وعبد الله بن عروة بن الزبير ورثوا آخر من بقي من بني عبد قصي بالقعدد.

стр. 1476

وقال الشاعر يمدحه: استمع مدحة اتتك ابتدارا … جمعت شدة وعنفا ولينا فاغر بين الأبيات لا مكرهات … مثل ما يكره السباق الحرونا فتغنّى يا طيب (١) … عن كل قطر بالأمير الذي به تغبطينا وأما يعقوب بن علي ابن عبد الله وهو أبو الاسباط فلا عقب له.

стр. 1477

وأما عبد الله بن علي الأصغر: فيكنى أبا محمد، ولاه أبو العباس محاربة مروان بن محمد وضمّ إليه وجوه قواد خراسان، فلقي مروان بالزابي نحو الموصل ومروان في مائة ألف فقاتله وهزمه، وقتل من أصحابه خلقا كثيرا فكان من غرق في الزابي أكثر ممن قتل، وكان ممن غرق ابراهيم بن الوليد بن عبد الملك المخلوع فيما يقال، ويقال إن إبراهيم لم يحضر هذه الحرب وأن مروان كان قتله وصلبه. ويقال أيضا إن عبد الله بن علي قتله بنهر أبي فطرس (١) مع من قتل من بني أمية، وقتل في هذه الوقعة سعيد بن هشام بن عبد الملك، ويقال: قتله عبد الله بالشام. ومضى مروان إلى حران ثم إلى دمشق، فاقتطع أهل حمص بعض ثقله، ومضى من دمشق إلى مصر وخلف بدمشق الوليد بن معاوية بن مروان بن عبد الملك بن مروان فحصره عبد الله بن علي وافتتحها وقتل الوليد بن معاوية، ويقال بل بعث به إلى العباس فقتله وصلبه بالحيرة.

стр. 1478

ومكث الناس يقتتلون بالمدينة ساعات وهدم عبد الله سور مدينة دمشق. ثم توجه عبد الله إلى فلسطين وصار إلى نهر أبي فطرس، ووجه أخاه صالح بن علي إلى مصر في طلب مروان وعلى مقدمته عامر بن اسماعيل بن عامر بن نافع أحد بني مسلية، وهو عمرو بن عامر بن عمرو بن علّة بن خالد فقتل مروان ببوصير من مصر. ويقال إن أبا العباس كتب إلى عبد الله بن علي يأمره بتوجيه صالح إلى مصر، وبعث صالح برأس مروان إلى عبد الله فأنفذه إلى أبي العباس وهو بالكوفة فنصب بها، ويقال بل بعث به صالح إلى أبي العباس. ولما صار عبد الله بن علي إلى نهر أبي فطرس أمر فنودي في بني أمية بالأمان فاجتمعوا إليه فعجلت الخراسانية إليهم بالعمد فقتلوهم، وقتل عبد الله جماعة منهم ومن أشياعهم، وأمر بنبش قبر معاوية فما وجد من معاوية إلاّ خط، ونبش قبر يزيد بن معاوية فوجد من يزيد سلاميّات رجلة ووجد من عبد الملك بن مروان بعض شؤون رأسه، ولم يوجد من الوليد وسليمان إلاّ رفات، ووجد هشام صحيحا إلاّ شيئا من أنفه وشيئا من صدغه، وذلك أنه كان طلي بالزئبق والكافور وماء الفوّة، ووجدت جمجمة مسلمة فاتخذت غرضا حتى تناثرت، ولم يعرض لعمر بن عبد العزيز، وجمع ما وجد في القبور فأحرق. ولما توفي أبو العباس كتب إليه عيسى بن علي وعيسى بن موسى بن محمد بوفاته وتوليته عهده أبا جعفر عبد الله بن محمد، وعيسى بن موسى بن محمد إن كان بعده، وكان أبو جعفر حاجا فشخص إليه بالكتاب بذلك أبو غسان حاجب أبي العباس ومولاه واسمه زياد، ويقال يزيد، والهيثم بن

стр. 1479

زياد الخزاعي، فلما قرأ الكتاب قال: إن أمير المؤمنين ندب الناس إلى مروان، فتثاقلوا عنه فقال: من انتدب له من أهل بيتي فهو الخليفة بعدي، فانتدبت له، فصدقه أبو غسان وسلم عليه بالخلافة، ووعظه الهيثم فقال له: نشدتك الله أن تهيج الفتنة وتعرض نفسك وأهل بيتك للهلكة وزوال النعمة، وخطب عبد الله بن علي فقال: ان أمير المؤمنين ﵀ استخلفني، فصدّقه أبو غسان وكذبه الهيثم فأمر به فضربت عنقه. وقال المدائني: كتب أبو العباس إلى عبد الله بن علي يأمره بغزو الصّائفة، فوافاه خبر وفاته وهو ممايلي درب الحدث يريد دخول بلاد الروم فدعا عبد الحميد بن ربعي الطائي وخفاف بن منصور المازني ونصير بن المحتفز المزني وحبّاش بن حبيب الطائي صاحب جوبة حبّاش ببغداد في ظهر ربض حميد بن قحطبة، فقال: إنّ أبا العباس وجهني إلى مراون على أن لي الامر بعده، فقاموا له فسلموا عليه بالخلافة. وأرسل إلى الحكم بن ضبعان الجذامي، وزفر بن عاصم الهلالي، وبكار بن مسلم العقيلي، وعثمان بن سراقة بن عبد الأعلى بن سراقة الأزدي فقال لهم مثل مقالته لأبي غانم وأصحابه، فقال بكار: أنا سهمك، وقال زفر: إنكم أهل البيت لم تطمعوا في بني أمية حتى اختلفوا، فأنا أحذّرك الاختلاف فإن اجتمع أمرك وأمر من بالانبار عززتم وإن اختلفتم فهي الفتنة، وقال ابن ضبعان: ان كان عهد إليك وعقد لك عند وفاته فقد كفيت الأمر وإلا فلست من الأمر على ثقة، وقال ابن سراقة: إن بلاءك عند أهل الشام غير جميل فلن ينفعك إلا مثلي ممن لك عنده بلاء حسن وأيادي متظاهرة أو رجل صاحب فتنة يلتمس ان يدرك فيها شرفا. فعزم على ادعاء الخلافة وخطب الناس بين

стр. 1480

دلوك ورعبان (١)، وقد كان قدم عليه أبو غسان والهيثم بن زياد فاستشهدهما، فأما أبو غسان فشهد له، وأما الهيثم فقال: أشهد أن أبا العباس ولّى الخلافة أبا جعفر، فقتله. وبايع الناس عبد الله بن علي، وبايعه حميد بن قحطبة، وسار فنزل قنسرين فاستعمل عليها زفر بن عاصم، وولّى عثمان بن عبد الأعلى دمشق، والحكم بن ضبعان فلسطين، وكتب إلى الحسن بن قحطبة وهو بأرمينية، وإلى مالك بن الهيثم وهو بأذربيجان، وإلى محمد بن صول وهو بشمشاط مقيم في خمسة آلاف يدعوهم فلم يجيبوه، فسار إلى حران وعليها مقاتل بن حكيم العكّي وهو في أربعة آلاف وهو على الجزيرة فحصره ووضع عليها المجانيق، ثم طلب مقاتل الصلح فصالحه ودخل مدينة حران في صفر سنة سبع وثلاثين ومائة، ثم إلى الرقة، واستعمل على الجزيرة عبد الصمد بن علي أخاه ولاّه عهده وصيّر على شرطته منصور بن جعونة بن الحارث أحد بني عامر بن ربيعة، وبعث بالعكي إلى ابن سراقة وأمره أن يقتله وابنه خالدا، فلم يفعل وحبسه. واستعمل حميد بن قحطبة على قنسرين وعزل زفر بن عاصم في الظاهر وكتب إلى زفر: إذا ورد عليك حميد فاقتله ومن معه، فعلم حميد بذلك فسار إلى المنصور حتى قدم عليه، فأمره أن يلحق بأبي مسلم. وكان أبو مسلم كتب إلى أبي العباس يستأذنه في الحج فأذن له فقدم فحج، وكان المنصور حاجا أيضا، فلما قدما الأنبار قال أبو مسلم لأبي

стр. 1481

جعفر: إن شئت جمعت ثيابي في منطقتي وخدمتك وان شئت أتيت خراسان فأمددتك بالجنود، وإن شئت شخصت إلى عبد الله بن علي فحاربته، فوجهه لمحاربة عبد الله بن علي وشيّعه إلى عكبرا. وكان الحسن بن قحطبة بأرمينية فكتب إليه المنصور في اللحاق بأبي مسلم فوافاه بالكحيل من أرض الموصل في ألف، فصيّره أبو مسلم على مقدمته، ووافى مالك بن الهيثم أبا مسلم بالموصل لكتاب المنصور إليه في اللحاق به والسمع والطاعة له، ودسّ المنصور محمد بن صول إلى عبد الله بن علي ليفتك به إن أمكنه ذلك ويكتب إليه بأخباره فأتاه وصار معه، فكتب بعض عيون عبد الله بن علي في عسكر المنصور: صل بابن صول قبل أن يصول بك، فقتله ابن علي وابنين له. وقال غير أبي الحسن: وقدم أبو جعفر الكوفة فولاها طلحة بن إسحاق بن محمد بن الأشعث، وسار إلى الأنبار فوجد أبا مسلم بها فولاه حرب ابن علي وأعطى الجند الذين انهضهم معه اثني عشر ألف ألف درهم، ويقال ثمانية عشر ألف ألف. وكان أبو العباس حطّ الأرزاق في سنة خمس وثلاثين إلى ستين ستين فصيرها أبو جعفر ثمانين ثمانين، وسوّغهم عطاء أعطاهم إياه عيسى بن موسى، فشكروا ذلك، ووهب المنصور لكل رجل من عمومته ألف ألف درهم فكان أول خليفة أعطى ألف ألف بصك إلى بيت المال يجري في الدواوين. ولم يقم بالأنبار إلا جمعة، وعزل جهور بن مرار العجلي عن شرطته وولاها عبد الجبار بن عبد الرحمن، ووجه جهور بن مرار إلى قرقيسيا (١) فتلقى أصحاب ابن علي، وخرج المنصور فعسكر بدير

стр. 1482

الجاثليق على دجلة، ووجه عيسى بن عقيل إلى هيت، وعبد العزيز أخا عبد الجبار إلى بلد، وقال له: ان بلغك ان ابن عليّ انهزم فلا تبرح مكانك ولا تخل بمركزك، ووجه قائدا إلى تكريت، وكتب إلى موسى بن كعب: ان استخلف ابنك عيينة واقدم وقد أمرت لك بخمسمائة ألف درهم فاقبضها، وكتب إلى الحسن بن قحطبة وهو بأرمينية فقدم. وقالوا: قدم ابن علي نصيبين فخندق وجمع الأطعمة واستعد للحرب، وكان هشام بن عمرو التغلبي مع أبي مسلم فأشار عليه أن يعسكر دون نصيبين لئلا يكون بينه وبين المنصور عدو، فقال: ليس هذا بشيء، ونزل أبو مسلم بإزاء ابن عليّ وكايده لينزل منزله فغرّب وأظهر أنه يريد الشام لتوليه أمير المؤمنين إياه الجزيرة والشام، وأنّ قادما يقدم لمحاربة ابن علي مكانه، فضج أهل الجزيرة والشام وقالوا: الآن يقدم أبو مسلم بلادنا فيجتاح أموالنا ويسبي نساءنا وذرارينا ويقتل من وراءنا من رجالنا ونحن من ملك الدنيا وسعتها في خندق، فرحل عبد الله من خندقه، ونزل أبو مسلم رأس العين، ثم انكفأ راجعا حتى نزل خندق عبد الله، ونزل عبد الله خندقه وقال: إنما كانت هذه مكيدة من العبد، وكاتب أبو مسلم أهل خراسان فانحاز إليه بشر منهم، ووقعت في نفس ابن علي تهمتهم وسوء الظن بمن بقي معه منهم، فأمر حبّاش بن حبيب صاحب شرطته فقتل منهم خلقا. وحارب أبو مسلم ابن علي أربعة أشهر، ثم إنهم اقتتلوا ذات يوم قتالا شديدا وقد خفّ أصحاب ابن علي وأتت أبا مسلم الامداد وأبو مسلم يقول: فرّ من الموت وفي الموت وقع … من كان ينوي أهله فلا رجع

стр. 1483

فانهزم أصحاب ابن علي أقبح هزيمة، وهرب فصار إلى ناحية حرّان ثم إلى الرقة وعبر إلى جسر الرقة، ثم أحرقه، وسار في البر حتى أتى البصرة فنزل على سليمان بن علي أخيه، وكان أبوه قد أوصاه به فيما يقال. وكان أبو مسلم لما قدّم مقدّمته وعليها حميد بن قحطبة من الموصل لقوا عبد الصمد بن علي ببلد فقاتله حميد فهزمه ثم أخذه أسيرا. ويقال إن أبا مسلم وجه في أيام محاربته ابن علي حميدا إلى عبد الصمد وهو بالجزيرة فقاتله وهزمه حتى لحق بالرّصافة فأخذ بها وأتي به أبو مسلم، فوجّه المنصور مرزوقا أبا الخصيب مولاه فحمله إليه في سلسلة، فكلمه فيه إسماعيل بن علي فعفا عنه وأمر له بألف دينار. وقال بعضهم: قدم به أبو مسلم معه. وقال بعض ولده: أتى الكوفة فاستخفى بها حتى كلّم المنصور فيه فأمّنه ووصله. وقال أبو الحسن المدائني في بعض روايته: هزم عبد الصمد فهرب إلى الرصافة، ووافاه ابن علي منهزما هاربا فمضى، وأقام عبد الصمد لأمر أراده وعزم على أن يتبع ابن علي من يومه ولم ير أنه مطلوب فوافاه زبارة بن جرير، وكان ممّن رتّب بقرقيسيا، فجرّ برجله ثم أوثقه وحمله إلى أبي مسلم وهو بتلّ مذايا، وقدم صالح بن علي بن عبد الله من مصر متمسكا بطاعة المنصور مقيما عليها، فحارب ابن ضبعان في اليوم الذي هزم فيه عبد الله بن علي، وحوى ابو مسلم أموال ابن علي، وجميع ما كان في عسكره، وأطلق الأسرى ووهب لكل أسير أربعة دراهم ولم يقتل إلا أبا غسان لشهادته بما شهد به لابن علي. ولما بلغ عامل ابن عليّ على دمشق، قتل العكّي وخالدا ابنه وكانا في حبسه.

стр. 1484

وكتب أبو مسلم إلى المنصور يعلمه أن أهل الجزيرة والشام بمواضع من الثغور مشحنة للعدو وأنها لا تسدّ إلاّ بهم، وسأله الصفح عنهم، وأشار عليه باستصلاح وجوههم واصطناعهم، ووفد معه إليه عدة من أشرافهم، وكان عبد الله بن علي لما توجه لغزو الصائفة بلغه أن أبان بن معاوية بن هشام بن عبد الملك قد أقبل يريده في أربعة آلاف، فقصد له ووجّه على مقدمته حميد بن قحطبة والعباس بن زبيد، فلم يكن بينهم كبير قتال حتى انهزم أبان وأصحابه وتحصنوا في حصن كيسوم، فنزل عليه عبد الله فطلبوا الأمان فأمنهم وهرب أبان فدلّ عبد الله عليه وكان في غار فقطع عبد الله يديه ورجليه، ثم ضرب عنقه وأتى دابق فبلغه خبر وفاة أبي العباس. قالوا: وكانت عند ابن علي أمة الحميد، ويقال اختها أمّ البنين بنت محمد بن عبد المطلب بن ربيعة بن الحارث بن عبد المطلب بن هاشم، فقالت له: قتلت أهل الشام فأسرفت، ثم قتلت أهل خراسان وكانوا أنصاركم وأولياء دعوتكم ثم انتحلت الخلافة وقاتلت ابن أخيك - وهو الخليفة - فلم تبق غاية ولم تدع جهدا، ثم هربت إلى غير ملجأ ولا حرز، فهلا متّ كريما، وأما والله لنقاسيّن ذلا طويلا، فغضب فطلقها، وكان له منها: محمد، وعيسى، وأم محمد، وأم عبد الله، بنو عبد الله بن علي، ولما هرب ابن علي بلغ المنصور أن عبد الحميد بن ربعي أبا غانم بالرها، وكان صديقا لأبي الأزهر المهلب بن العبيثر المهري فوجهه لطلب الشراة وأهل الفساد من الأعراب ويسكّن الناس، فجعل يقتل الأعراب من أهل الدعارة حتى أتى الرّها فبعث إلى أبي غانم: إني مشتاق إليك وقد وجّهت في أمر فتركته وملت إليك لأحدث بك عهدا، فخرج إليه وجعلا يتنادمان ثم ذاكره

стр. 1485

الخروج إلى أبي جعفر فقال: أنا مستوحش ولا عذر لي ولا حجّة فيما كان مني، ثم إنه خرج إليه يوما في خف فأسكره وحمله وارتحل فأورده على حميد بن قحطبة وهو وال على الجزيرة، فأنفذه إلى المنصور فقال له المنصور: ويحك ما حملك على ما صنعت؟ قال: لا عذر لي فأتكلم. فقال: أنا أكره قتل رجل من آل قحطبة ولكني أهب مسيئهم لمحسنهم وقد وهبتك لابني قحطبة حميد والحسن، فقال: يا أمير المؤمنين إن لم يكن فيّ مصطنع فاقتلني. قال: إنك أحمق أهوج، اخرج فأنت عتيق لهم أبدا. وحدثني الغاضري الرقي قال: نزل أبو غانم بالهني (١) في بعض أيامه فتهدد أهل الرقة وقال: قولوا لنسائكم يحلقن يتهيأن للجماع، وأساء اللفظ، فعبر إليه مصعب بن الضحضح الأسدي، وعبد الله بن البختري العقيلي في جماعة فقتلا من أصحابه بشرا، فقال ابن الضحضح: الحمد لله المنزّل نصره … يوم الخميس عليك يا بن الضحضح عبر الفرات على فظاعة هوله … بالدارعين على الجياد القرح مستشعري حلق الحديد كأنهم … بزل الجمال تخاطرت في مسرح وفي ذلك يقول الشاعر وهو ربيعة يحرض ابن الضحضح: ألا ترى المعشر السودان قد جمعوا … لا بني نزار فماذا بعد ينتظر شمّر فان حروب الناس قد لقحت … وجمّع الأمر إن الأمر منتشر وكن من الحرب إذ شبّت على حذر … ما صاحب الحرب إلا الحازم الحذر في أبيات.

стр. 1486

قالوا: ولما أقام عبد الله بن علي بالبصرة خرج سليمان بن علي إلى أمير المؤمنين المنصور فطلب له أمانا وقال: يا أمير المؤمنين إن عفوك لا يضيق عنه وهو ابن أبيك وفيه مستصلح، فقال: هو آمن إذا رأيته، واستأذن له في الحج فقال: إن حج ظاهرا فقد أذنت له، فلم يحج. ومات يونس بن عبيد الفقيه مولى عبد القيس فمشى عبد الله وسليمان في جنازته. وأراد المنصور استخراج مزارع من البطيحة فضجّ أهل البصرة وقالوا: إنما نستعذب الماء من البطيحة، وأتوا عبد الله بن علي فقالوا: انزل يا أمير المؤمنين إلينا نبايعك، فكفهم سليمان وفرقهم، وكان عبد الله يجمّع بالبصرة ويقعد في حلقة الرقاشي، ووجه المنصور سليمان بن مجالد وأمره بابلاغ سليمان بن علي أن يشخص عبد الله معه وكتب إليه في ذلك فلم يفعل وقال: قد جعلت له عهد الله أن أتوثق له، فولّى المنصور سليمان بن مجالد بريد البصرة وأخبارها، ووجه روح بن حاتم بن قبيصة بن المهلب إلى البصرة في أربعة آلاف من أهل البأس والنجدة والطاعة، وأظهر أنه قد ولاه عمان ونواحيها، ثم وجه سفيان بن معاوية واليا على البصرة في جيش كثيف، وبعث أبا الأسد القائد صاحب النهر في جيش، وأمر أبا الأسد أن يقيم على آخر البطيحة، فعسكر على فم النهر المنسوب إليه. ودخل سفيان البصرة فتسلمها من سليمان بن علي، فوهن أمر سليمان ووجد المنصور عليه لما كان منه في أمر عبد الله، وتتامّ بالبصرة أكثر من اثني عشر ألفا من أهل خراسان، وكتب سليمان إلى عيسى بن علي يسأله أن يستأذن له المنصور في القدوم عليه منفردا، فقدم ودخل مع عيسى إلى المنصور فكلماه في أيمان عبد الله بن علي فأجابهما إلى ذلك.

стр. 1487

وكان عبد الله بن المقفع كاتب عيسى بن علي، فأمره فكتب له أمانا تعدّى فيه ما يكتب الخلفاء من الأمانات وكتب: «فان لم يف أمير المؤمنين بما جعل له فيه فهو بريء من الله ورسوله، والأمّة في حل وسعة من خلعه». ثم شخص عيسى وسليمان ابنا علي من البصرة وأشخصا عبد الله بن علي منها وشخصا معه، ووكّل بهم سفيان قائدا يقال له عقبة بن عازب في ألف، وسار أبو الأسد أيضا معهم، فلما صاروا إلى واسط تسلّم عاملها عبد الله بن علي، ثم سلمه إلى أبي الأسد فأورده الكوفة. وكان المنصور قد وقّع في الأمان: هذا الأمان نافذ إن رأيت عبد الله، فلما قدم به وأتى بابه قال لأبي الأزهر المهلّب بن العبيثر: إذا أمرتك بإدخال عبد الله عليّ فلا ترني وجهه وأدخله المقصورة، ففعل ذلك ووكل به الحرس، فكلمه فيه بنو علي فجعل يقول: أقسمت عليكم لما لم تكلموني فيه فإنه أراد أن يفسد علينا وعليكم أمرنا. ومكث محبوسا تسع سنين، ثم حوله من عنده إلى عيسى بن موسى وأمره بقتله خفية، فحبسه وأراد قتله فقال له أبو عون يونس بن فروة الأنباري، وكان كاتبه: إن قتلته قتلك به، فأمسك عن قتله. ثم إن المنصور سأل عيسى بن موسى عنه فقال: قتلته، فأظهر غضبا وقال: أتقتل عمي! لأقتلنّك به، فقال: إني والله خفت منك فاستبقيته. قال فادفعه إلى المهلب بن العبيثر، فدفعه إليه فغمّه وجارية له حتى مات، ثم جعلها إلى جانبه فكأنها تعانقه، ثم عرقب البيت فسقط عليهما، ودفن عبد الله ببغداد في مقابر أبي سويد بباب الشام بعد أن أدخل عليه ابن علاثة القاضي وعدوله فنظروا إليه وما به كدمة. وبعث المنصور إلى عبد الله بن عياش الهمداني المنتوف أن أخبرني عن خلفاء ثلاثة أول اسم كل امرئ منهم عين قتل رجلا

стр. 1488

من أقربية أوّل اسم كل رجل منهم عين، فقال: عبد الله بن الزبير قتل عمرو بن الزبير، وعبد الملك قتل عمرو بن سعيد بن العاص، وعبد الله بن علي سقط عليه البيت، فقال المنصور: فإذا سقط عليه البيت فما ذنبي. وحدثني حماد بن بغسل الوراق قال: حبس عبد الله بن علي في مقصورة مع المنصور، ووكل به، فقال له بنو علي: يا أمير المؤمنين سجنت عبد الله، فقال إن أهل خراسان متسرّعون إليه لما كان منه إليهم، ولا آمن أن يفتكوا به فقد بلغني أنهم مجمعون على ذلك فجعلته عندي إلى أن أدعو به، فيئس سليمان بن علي منه فمضى إلى البصرة فمات في سنة اثنتين وأربعين ومائة. قال: وقد كان عبد الله بن علي مع عبد الله بن معاوية بن عبد الله بن جعفر فأسره ابن ضبارة وبعث به إلى مروان، فقال: إنما أتيته طالبا لرفده، فخلى سبيله، فلما حاربه قيل له: هذا الرجل الشديد البياض الحسن الوجه المصفّر الدقيق الذراعين الفصيح اللهجة الذي كنت أتيت به فعفوت عنه، فقال مروان: رب معروف يخبئ لصاحبه شرّا. وكان عبد الله اذا ضحك انقلبت شفته العليا. ومات في سنة سبع وأربعين ومائة وهو ابن اثنتين وخمسين سنة. قالوا: وهدم عبد الله بن علي قصر مروان بن محمد بحران وكان أنفق عليه عشرة آلاف ألف درهم. قال رؤبة بن العجاج في عبد الله بن علي: أيها القائل قولا أحنفا … سفاهة من رأيه وصلفا ما قام عبد الله إلا أنفا … خوفا على الاسلام أن يستضعفا ومن صلاح الدّين أن يستخلفا … أشجع من ليث عرين أغضفا

стр. 1489

قال أيضا: ان لعبد الله عندي أثرا … ونعما جزاؤها أن تشكر (١) وقال ابن شبرمة: أقول لذي مكاشرة وضغن … سعرت الحرب بين بني أبيكا وأورثت الضغائن من بنيهم … بني أبنائهم وبني بنيكا كأنك قد أصابك سهم حتف … وأسلمك العداة لأقربيكا وقال ابن شبرمة في أبي مسلم: سما بالجياد وفرسانها … إلى الشام كالأسد الأزور

стр. 1490

أمر ولد محمد بن علي بن عبد الله بن العبّاس ولد محمد بن علي، وهو الإمام: ابراهيم الامام وأمه جان أم ولد. وعبد الله أبا العباس وأمّه ريطة الحارثية. وعبد الله أبا جعفر، وأمه سلامة بربرية. وموسى لأم ولد، ويقال أنها أم ابراهيم. ويحيى بن محمد أمّه أم الحكم بنت عبد الله بن الحارث من ولد نوفل بن الحارث بن عبد المطلب وهو ببّة. والعباس بن محمد لأم ولد. ولبابة تزوّجها جعفر بن سليمان بن علي. ويقال إنه كان له داود وعبيد الله ويعقوب فلم يعقبوا. فأما إبراهيم بن محمد: فإن أباه محمد بن علي قال لميسرة وأبي عكرمة مولى قريش وغيرهما ممن كان مع أبي هاشم بن محمد ابن الحنفية، حين عدل أبو هاشم إلى محمد بن علي فأعلمه أنه الامام: هذا ابني ووصيّي والامام بعدي، فبايعوا محمدا، وإبراهيم على ذلك. ووجه محمد أبا رياح ميسرة مولى بني أسد الى الكوفة، بمشورة أبي هاشم، فصيره صاحبه بها، وكان أبو هاشم قال له: عليك

стр. 1491

بالكوفة فبها شيعتك وأهل مودتك، واجتنب الشام فليس ببلد يحتمل دعاتك ولا يصلح لهم، وعليك بخراسان، فوجّه إلى خراسان رجلا أمره أن يدعو إلى الرضا من آل محمد ولا يسمّي أحدا. ويقال: إن ميسرة وجّهه من الكوفة، وهو محمد بن خنيس، فأجابه من أجابه فلما صاروا سبعين جعل منهم اثني عشر نقيبا وهم: سليمان بن كثير مولى خزاعة، ويكنى أبا علي، ويقال هو سليمان بن كثير بن أمية بن اسماعيل بن عبد الله بن المؤتنف من أنفسهم. موسى بن كعب التميمي، ويكنى أبا عيينة، ومالك بن الهيثم، ويكنى أبا نصر. والقاسم بن مجاشع التميمي، ويكنى أبا حامد. ولاهز بن قريظ، ويكنى أبا النضر. وعيسى بن أعين، ويكنى أبا الحكم. وعمرو بن أعين الخزاعي، ويكنى أبا حمزة. وقحطبة بن شبيب الطائي، واسمه زياد، ويكنى أبا عبد الحميد. وشبل بن طهمان الرّبعي، ويكنى أبا اسماعيل. وعمران بن اسماعيل مولى آل أبي معيط، ويكنى أبا النجم. وخالد بن إبراهيم، ويكنى أبا داود. وطلحة بن رزيق، ويكنى أبا منصور. ومنهم من يجعل زياد بن صالح مكان أبي النجم عمران بن إسماعيل، ويجعل العلاء بن حريث مكان عيسى بن أعين. فلم يزل الرجل مقيما بخراسان حتى توفي بها، فقدم قحطبة وسليمان بن كثير بن أميّة إلى الكوفة فلم يعرفا الإمام، فأتيا المدينة فسألا محمد بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب عن الإمام فقال: هو منا وهو بالشام، فمضيا إلى الشام فلقيا محمد بن علي فذاكراه أمرهم وسألاه أن يبعث إلى خراسان رجلا معهما، وكتب إلى أبي عكرمة الصّادق، واسمه

стр. 1492

زياد بن درهم وهو بالكوفة، فخرج معهما إلى خراسان. ويقال بل كتب إلى ميسرة في توجيه رجل يثق به، فوجّه أبا عكرمة، فلما صار بخراسان اكتنى بأبي محمد، وتسمى ماهان، فلم يزل بها حتى قدم أسد بن عبد الله أخو خالد بن عبد الله القسري واليا على خراسان من قبل أخيه، وذلك في أيام هشام فسعى إليه جبلة بن أبي روّاد - واسم أبي روّاد حسين - بأبي عكرمة وأصحابه، فقتل أسد أبا عكرمة، وضرب أبا داود ألفا، ويقال ثلاثمائة، وأمر به فضرب على رأسه حتى عمش، ثم كلم فيهم ورشا بعضهم حتى تخلّصوا. ومكث محمد لا يبعث أحدا سنة، ثم بعث أبا الحسن كثير بن سعد، فأقام ثلاث سنين، ثم قدم، فبعث محمد بن علي: عمار بن يزداد، فتسمى بخداش بن يزيد. ويقال إن عمارا هذا كان فاخرانيا من أهل الحيرة نصرانيا، ثم أظهر الاسلام وصار معلما بالكوفة، فلما مات ميسرة صيّر محمد بن علي بكير بن ماهان، أبا هاشم، مكانه. ويقال: بل صيّر سالما الأعمى أبا الفضل بالكوفة بوصية ميسرة، وصار بكير بعده بالكوفة، فوجه بكير عمارا هذا فغيّر سنن الامام، وبدّل ما كان في سيرة من قبله، وحكم بأحكام منكرة مكروهة، فوثب به أصحاب محمد بن علي فقتلوه، ويقال بل قتله أسد بن عبد الله وصلبه، وكان هشام عزل خالدا فانصرف أسد عن خراسان معزولا، وولّى هشام الجنيد بن عبد الرحمن، ثم ولى هشام: أشرس بن عبد الله السلمي، ثم عاصم بن عبد الله الهذلي. ثم أعيدت خراسان إلى خالد بن عبد الله، فولاّها أسدا، وكان لا يظفر بداعية ولا مدعوّ إلا ضرب عنقه وصلبه حتى أخذ سليمان بن كثير، ومالك بن الهيثم، وموسى بن كعب، ولا هز بن

стр. 1493

قريظ، وخالد بن إبراهيم، وطلحة بن رزيق، فأتي بهم فقال: يا فسقة! ألم اظفر بكم في إمرتي الاولى فأعفو عنكم؟ فقالوا: والله ما نعرف إلاّ طاعة أمير المؤمنين هشام وإنه لمكذوب علينا. فدعا بموسى بن كعب فقال: يا ذا الثنايا أعليّ تتوثّب وفي سلطاني تدغل، ثم تدعو هذه السّفلة إلى هذه الدعوة الضالة؟ فألجمه بلجام حمار، ويقال بايوان، ثم أمر به فجذب حتى حطمت أسنانه، ثم أمر به فرتم أنفه، وأمر بلاهز فضرب ثلاثمائة سوط وحبس، ثم طلب فيهم نفر من الأزد، وشهدوا لهم بالبراءة، فخلى سبيلهم. وقال الهيثم بن عدي: ضرب أبا داود وكان معهم. وحدثني أبو مسعود الكوفي قال: لمّا غيّر خداش سيرة الإمام ونكب عن الحق قيل: خدش خداش الدين، فقال أبو السريّ الاعمى: وخداش المحلّ إذ خدش الدي … ن وأوفى بدعوة الضلاّل دان بالرفض والتخرّم (١) … حينا وبقتل النساء والاطفال أيّ شيء يكون أعجب من ذا … أزرقي (٢) ورافض في حال وشخص بكير إلى خراسان فأصلح ما كان خداش أفسده، ورد الناس إلى أمر الإمام وسنته. قالوا: واحتضر بكير فأوصى إلى سليمان بن حفص أبي سلمة الداعية مولى همدان، وهو صهره، وكان صيرفيا، ويقال خلالا، وكتب إلى

стр. 1494

محمد بن علي الإمام باستخلافه إياه لرضاه مذهبه ونيته ونصيحته، فكتب إليه محمد بن علي بالقيام بما كان بكير بن ماهان يقوم به، وكان سليمان بن كثير القائم بأمر خراسان. ومات أسد بخراسان فولى خالد أمرها جعفر بن حنظلة البهراني، ثم عزل خالد عن العراق، ووليه يوسف بن عمر، فولّى هشام خراسان نصر بن سيار، وأمره بمكاتبة يوسف ومعاملته، وقدم على الإمام محمد بن علي: سليمان بن كثير، ولاهز بن قريظ، وقحطبة بن شبيب في رجال آخرين، ومعهم أموال وكسى فأوصلوا ذلك إليه، فقال لهم: ما أظنكم تلقوني بعد عامي هذا، فإن حدث بي حدث فصاحبكم إبراهيم بن محمد، وأنا أوصيكم به خيرا، فقد أوصيته بكم، ومات محمد بن علي فصار الأمر إلى ابراهيم الإمام. وكان أبو مسلم عبد الرحمن بن مسلم من أهل ضياع بني معقل العجليين بأصبهان أو غيرها من الجبل، وكان يسمّى إبراهيم بن حيّكان، وانما سماه عبد الرحمن وكناه أبا مسلم ابراهيم الامام، وكان ادريس وعيسى ابنا معقل محبوسين بالكوفة مع قوم، حبسهم يوسف بن عمر من أهل الجبل بسبب الخراج، فكان أبو مسلم يخدمهما ويقضي حوائجهما، وهو في ذلك مع أبي موسى السراج صاحبه يخرز الأعنّة، ويعمل السروج وله بضاعة في الأدم، وكان عاصم بن يونس العجلي محبوسا بسبب فساد، فكان يخدمه أيضا وكان شيعيا، فقدم سليمان بن كثير، ولاهز، وقحطبة الكوفة يريدون الحج، فدخلوا على عاصم مسلّمين فرأوا أبا مسلم عنده فأعجبهم عقله وظرفه وأدبه وشدة نفسه وذهابه بها، ومال إليهم فعرف أمرهم فقال: أنا

стр. 1495

أصحبكم وأكون معكم، فسألوا أبا موسى السراج أن يعينهم به، وكان من كبار الشيعة، ففعل وكتب معه كتابا الى إبراهيم الإمام، وقد كان علم أن إبراهيم على الحج في سنته، وأن القوم واعدوه الالتقاء بمكة. فشخص أبو مسلم معهم ووجدوا إبراهيم بمكة فأعطوه عشرين ألف دينار، ومائتي ألف درهم، وأوصلوا إليه كسى حملوها له، ورأى إبراهيم الإمام فعرفه وأثبته لأنه كان يراه أيّام اختلافه إلى أبيه في محبسه، وتأمل أمره وأخلاقه فأعجبه منطقه ورأيه وجزالته، فقال: هذا عضلة من العضل، ومضى به فكان يخدمه، ثم إن هؤلاء النقباء قدموا على إبراهيم يطلبون رجلا يتوجه معهم إلى خراسان، فعرض على سليمان بن كثير أن يكون ذلك الرجل فأبى، وعرض مثل ذلك على قحطبة، فأبى فأراد توجيه رجل من أهل بيته فكره ذلك، وذكر أبا مسلم فأطرياه، ووصفا عقله وعلمه بما يأتي ويذر؛ فاستخار الله ووجهه إلى خراسان، فنزل على سليمان بن كثير فكان والشيعة جميعا له مكرمين مبجّلين سامعين مطيعين، وجعل أمرهم ينمو حتى كان منه ما كان. وحدثني عبد الصمد بن موسى بن محمد بن إبراهيم الامام قال: كان أبو مسلم لبعض أهل هراة أو بوشنج، فقدم مولاه على الإمام، وقدم به معه فأعجبه عقله فابتاعه منه بألفين وعشرين درهما وأعتقه، ومكث عنده سنين، ثم وجهه إلى خراسان. وقال هشام بن الكلبي: كان ابوه من خول آل معقل فأسلم إلى أبي موسى السراج فكان معه، وقدم أبو موسى الكوفة فبينا ابو مسلم يخرز شيئا في يده اذ رأى الناس يتعادون، فقال: ما هذا؟ قالوا: هاهنا فيل ينظر

стр. 1496

الناس إليه، فقال: وأي عجب في الفيل؟ انما العجب أن تروني وقد قلبت دولة وقمت بدولة. وقال غير ابن الكلبي: كانت أمّه أمة لبني معقل، وكان أبوه من أهل ضياعهم فأتى الكوفة معهم فابتيع للامام، وذكر بعضهم أنه من أهل أصبهان وأن رجلا من ضبّة اختدعه وهو صبي فأقدمه الكوفة، وقيل أيضا إن أباه كان من أهل بابل أو خطرنية (١) وكيلا للعجليين وكان اسمه زاذان بن بنداد هرمز، وأمه وشيكة، فقدم العراق مع عيسى بن معقل فكان يخدمه في سجن الكوفة ويسمع قول الشيعة، فمال إليهم، وقوم يزعمون أنه كان يسمى ابراهيم وكان يقال لأبيه عثمان، وأنه من ولد كسرى، وأن الامام كان يبعثه إلى خراسان. وذكر بعض ولد قحطبة أنه كان عبدا للعجليين فأسلموه إلى أبي موسى، فتعلم منه السراجة، فابتيع للإمام بسبعمائة درهم، وأهدي إليه، وان اللذين أهدياه: سليمان بن كثير ولاهز بن قريظ. وحدثنا المدائني عن شهاب بن عبد الله قال: كان أبو مسلم يختلف الى خراسان، يبعثه الإمام بكتبه إلى سليمان بن كثير فيشخص على حمار له، فقال خادم لسليمان: لقد جاءنا مرة فلم نعرض عليه الطعام، فلامنا سليمان على ذلك، وكان أصغر عندنا من أن نلتفت اليه. قالوا: ووجه إبراهيم أبا مسلم إلى خراسان، وكتب إلى من بها من أوليائه بالسمع والطاعة له، وإلى أبي حفص سليمان بن سلمة الداعية يعلمه

стр. 1497

توجيهه إياه، ويأمره بإنفاذه إلى خراسان، فشخص فنزل على سليمان بن كثير، فكان يجلّه ويوقره ويعظم أمره؛ حتى إذا ظهر أمر أبي مسلم والدعاة بخراسان، وعليها نصر بن سيار، دسّ نصر رجلا استأمن إلى أبي مسلم، وأظهر الدخول معه في أمره فعرف أن الذي يكاتبهم ويكاتبونه ويدعون له إبراهيم بن محمد بن علي بن عبد الله بن العباس، فكتب بذلك إلى مروان بن محمد، فكتب مروان إلى الوليد بن معاوية بن عبد الملك بن مروان - ومن قال الوليد بن معاوية بن مروان باطل، لم يكن لمعاوية بن مروان ابن يقال له الوليد - وهو عامله على دمشق يأمره أن يكتب إلى عامله على البلقاء في المسير إلى كداد والحميمة وأخذ إبراهيم بن محمد بن علي، وشدّه وثاقا، وحمله إليه في خيل كثيفة يحتفظ به، فإذا وافى إلى ما قبله أنفذه إليه مع من يقوم بحفظه وحراسته، فأتي إبراهيم وهو في مسجد القرية، فأخذ ولفّ رأسه وحمل إلى دمشق، فأنفذه الوليد بن معاوية إلى مروان، وكان معه عدة من أهله قد شيّعوه فيهم: عبد الله بن علي، وعيسى بن علي، وعيسى بن موسى، فانصرفوا من حرّان، ووبّخ مروان إبراهيم حين دخل اليه فاشتدّ لسان ابراهيم عليه فيما خاطبه به، وقال له مروان: أيرجو مثلك أن ينال الخلافة؟ فقال: رجوتها وقلدّتها وأنت ابن طريد رسول الله ولعينه، وكيف لا أرجوها وأنا ابن عمّه وولّيه؟! وقال: لقد علمنا أن الذي يذكر من بغضك بني هاشم ومن به شرفوا، لحق، فأمر به إلى الحبس فحبس بحرّان في سجنها، وفيه عبد الله بن عمر بن عبد العزيز. ثم بعث مروان في بعض الليالي إلى حاجبه صقلاب ومعه عشرون من مواليه خزر، وصقالبة، وروم إلى السجن، ومعهم صاحب السجن ففتح لهم ودخلوا،

стр. 1498

ثم خرجوا فأصبح إبراهيم، وعبد الله بن عمر ميّتين؛ فيقال ديست بطونهما، ويقال غمّا، ويقال سمّا، ويقال عصر ما تحت سراويلهما حتى ماتا. وقال الهيثم بن عدي: غمّ إبراهيم الإمام في جراب نورة، وغمّ الآخر بمرفقة فيها ريش، وكان مهلهل مولاه يقول: كنت أخدمه وهو محبوس بحران، وأشتري حوائجه، وكان شراحيل بن معاوية بن هشام بن عبد الملك محبوسا في حجرة غير حجرة ابراهيم التي كان محبوسا فيها، وكان صديقا لابراهيم فكانا يتلاطفان ويتهاديان في محبسهما، فأتي ابراهيم بلبن مسموم أو غير لبن وقيل له: بعث إليك به أخوك شراحيل، ولم يكن شراحيل بعث به، فشربه فتوفي، قال: فأنا الذي صليت عليه. وقال أبو مسعود الكوفي: بلغني أن إبراهيم أخرج فوضع على باب السجن فأخذه رجل من بني سهم فكفنه وصلى عليه ودفنه، قال: وبلغني أن أبا العباس كان أشبه الناس بأخيه إبراهيم الإمام، فلما جاء الرسول لحمل ابراهيم وجد ابراهيم متغيّبا فأخذ أبا العباس، فلما علم ابراهيم بأخذه قال: ما من الموت مفرّ ولا لأمر الله مدفع، فخرج فقال للرسول: أنا بغيتك فخلّ عن أخي، فحمله، وكان لإبراهيم يوم مات فما يقال تسع وأربعون سنة، وقال بعضهم أربع وثلاثون سنة. وهرب أبو العباس بعد مقتل إبراهيم إلى الكوفة ومعه أهل بيته، فأخفاهم أبو سلمة الداعية في سرداب في دار بني أود حتى قدم المسوّدة، فكان يقال: ما رأى الناس أبعد همما، ولا أكبر نفسا من قوم خرجوا على تلك الحال يطلبون الخلافة.

стр. 1499

وقال الهيثم بن عدي: رأى إبراهيم الإمام رجلا من ولد زياد بن أبي سفيان يجر ثيابه، وإن إبراهيم لفي محمل على غير وطاء يؤتى به مروان، فقال: أطلها فيما طول الثياب بنافع … إذا كان فرع الوالدين قصيرا وقال الهيثم: لما وقعت العصبية بخراسان، وتحرك أمر الدعاة، كتب إبراهيم الإمام إلى أبي مسلم: دونك امر قد بدت أشراطه … وريّشت من نبله مراطه إن الهدى لواضح صراطه … لم يبق الا السيف واختراطه إن السبيل واضح صراطه حدثني داود بن عبد الحميد قاضي الرقة عن أبيه قال: كان إبراهيم الإمام يدعو وهو في حبس مروان: اللهم رب السموات السبع، والأرضين السّبع، والبحار السّبع، وربّ العرش العظيم، والآيات والذكر الحكيم صل على نبيك ونجيبك محمد وعلى آله وخلفه، علينا وعلى أهل ملتنا ودعوتنا، بما ينعش العاثر، ويبرئ السقيم ويفك الأسير، ويشفي المريض، اللهم العن أهل بيت اللعنة، وأنزل بهم النقمة وحقّق فيهم الرواية، واحصدهم بالسّيف حصدا، إنك على كل شيء قدير، وبكل شيء عليم. وحدثني داود عن أبيه، قال: كان إبراهيم الإمام يصلي في كل يوم خمسمائة ركعة ويقول: هذه صلاة أبي وجدّي. وحدثني داود عن أبيه قال: تحيّن إبراهيم غفلة من كان وكّل به حين حمل، فكتب كتابا إلى أخيه أبي العباس، ودفعه إلى سابق مولاه وأمره أن يوصله

стр. 1500

إليه، فلمّا وقف بباب مروان بحران أسرّ إلى سابق شيئا سئل عنه سابق بعد ذلك فقال: أمرني أن أقرأ على أبي العباس السّلام وأعلمه أنه وصيّه، بأمر الإمام محمد بن علي. وكانت نسخة الكتاب: «بسم الله الرحمن الرحيم. حفظك الله يا أخي بحفظ أهل الايمان، وتولاك بالخير والإحسان، كتابي إليك وقد وردت حران، والرجل قاتلي لا محالة، فإذا أنا هلكت فأنت الإمام الذي يقيم أمرنا، ويرعى حرمة أوليائنا، ودعاتنا، ويتم الله به وعلى يديه ما أثلّنا وأثّل لنا، فعليك أي أخي بتقوى الله وطاعته في قولك وفعلك، وإصلاح نيتك ليصلح لك عملك، واستوص بأهل دعوتنا وشيعتنا فاحفظ عبد الرحمن أميننا والسّاعي في أمورنا، وعرّف أهل خراسان ما توجبه لنا بايثار طاعتنا، ولا يكونن لك رأي، ولا لأهلنا إلا الشخوص عن الحميمة وكداد إلى أوليائنا وشيعتنا بالكوفة، مخفين لأشخاصكم مستترين عمن تخافون غيلته لكم وسعيه بكم إن شاء الله، وأنا استودعكم الله وحده، وأسأله لكم الصنع والكفاية، وعليكم السّلام ورحمة الله وبركاته». وحدثني بعض أصحابنا عن أبي الحسن المدائني قال: كان إبراهيم الإمام جوادا معطاء، فوفد عليه رجل من الأنصار فأعطاه كل دينار كان عنده، فلقيه رجل فحدثه بما أعطاه إبراهيم وقال: هو والله كما قال الشاعر: يرى البخل مرّا والعطاء كأنما … يلذ به عذبا من الماء باردا

стр. 1501

قالوا: وقدم إبراهيم الإمام المدينة فأتته عجوز من ولد الحارث بن عبد المطلب، فشكت الحاجة، فقال: نحن على سفر وما يحضرنا لك الكثير، ولا نرضى بالقليل، فاقبلي بما حضر، وتفضلي بالعذر، فأعطاها ناقة له برحلها وعبدا ومائة دينار. وقال المدائني: كان إبراهيم الإمام يقول: إنّا قوم لا نخشو عند السؤال ولا نجفو عند الاستعطاف. قال: وكان يقول: السّخاء من رقّة القلب والرحمة أصل كل حسنة. وحدثني ابو مسعود الكوفي عن هشام بن الكلبي قال: كان إبراهيم الإمام يقول: الكامل المروءة من حصّن دينه، ووصل رحمه، واجتنب ما يلام عليه. حدثنا علي بن المغيرة الأثرم عن أبي عبيدة، قال: كان إبراهيم الإمام يقول: سمعت أبي يقول: لا يزال الرجل يزداد في رأيه ما نصح لمن استشاره، قال: وأنا أقول نصح المستشير قضاء لحق النعمة في صواب الرأي. المدائني عن اسماعيل بن حفص، قال: أتى رجل إبراهيم الإمام فسأله فأعطاه وكساه وحمله، فقال: أنتم والله أحق بهذا البيت ممن قيل فيه: زينت أحسابهم أحلامهم … وكذاك الحلم زين للحسب وحدثني محمد بن الاعرابي، قال: سأل أبو مسلم إبراهيم بن محمد الإمام عن البلاغة فقال: معرفة الوصل من الفصل، وإصابة المعنى، واختصار الطريق إلى الغاية التي يريد.

стр. 1502

قالوا: قدم إبراهيم المدينة فشكا إليه عبيد مواليهم، فابتاعهم وأعتقهم ورفدهم، وسأل عن ابن هرمة فقيل مستخف من دين عليه، فقضاه عنه، فقال ابن هرمة في قصيدته التي يقول فيها: كريم اذا ما أوجب اليوم نائلا … عليه جزيلا بث أضعافه غدا أغرّ كضوء البدر يستمطر الندى … ويهتز مرتاحا اذا هو أنفدا وأولها: جزى الله ابراهيم عن جلّ قومه … رشادا بكفيه ومن شاء أرشدا (١) وقال ابن هرمة في الإمام إبراهيم: ناع نعى لي ابراهيم قلت له … شلّت يداك وعشت الدهر خزيانا ولا رجعت الى مال ولا ولد … ما كنت حيّا وما سميت إنسانا تنعي الإمام وخير الناس كلهم … أخنت عليه يد الجعدي مروانا فاستدرج الله مروانا بقدرته … سبحان مستدرج الجعدي سبحانا فأصبح القوم لم تطلل دماؤهم … وكان حين بني مروان قد حانا (٢) وقال سديف بن ميمون (٣): كيف بالعفو عنهم وقدما … قتّلونا وهتّكوا الحرمات قتلوا سبط أحمد لا عفا … الرحمن عنهم مكفّر السيئات

стр. 1503

اين زيد واين يحيى بن زيد … يا لها من مصيبة وترات والامام الذي أصيب بح … ران إمام الهدى ورأس الثّقات (١) وقال ابن هرمة، ويقال سديف: قد كنت أحسبني جلدا فضعضعني … قبر بحرّان أمسى عصمة الدين قبر الامام وخير الناس كلهم … بين الصفائح والاحجار والطين قبر الامام الذي عمّت مصيبته … وعيّلت كل ذي وفر ومسكين فلا عفا الله عن مروان مظلمة … فإنه كان ملعونا لملعون (٢) فولد إبراهيم بن محمد الامام: عبد الوهاب، ومحمدا، وأخوة لهما درجوا، وأم حبيب تزوجها عيسى بن موسى فولدت له موسى بن عيسى بن موسى بن محمد. والعقب من ولد ابراهيم لعبد الوهاب، ومحمد الأصغر. وكان المنصور ولّى عبد الوهاب بن إبراهيم الشام فمات هناك. فولد عبد الوهاب: محمد بن عبد الوهاب، وأمّه عائشة بنت سليمان بن علي. فولد محمد: إبراهيم، ويكنى أبا إسحاق، وكان يقال له ابن عائشة، نسب إلى جدته، وكان أبوه أيضا ينسب إلى أمه عائشة، وكان إبراهيم هذا أراد الخروج على أمير المؤمنين المأمون، وبايعه على ذلك قوم من أهل الحضرة ببغداد، منهم: محمد بن إبراهيم الإفريقي، وفرج البغواري

стр. 1504

مولى أم جعفر بنت جعفر بن المنصور، ومالك بن شاهي الكاتب، ودبّوا معه في أمره، فاطلع المأمون على من كان يسعى له، فحبسه في المطبق ببغداد، فأفسد أهله حتى شغبوا فركب المأمون ليلا إلى باب المطبق، فأخرج إليه إبراهيم هذا، فأمر بضرب عنقه وصلبه، فضربت عنقه، والمأمون واقف، وصلب في صبيحة تلك الليلة، ثم أنزل من يومه. وولد محمد بن إبراهيم الإمام: عبد الله، وأمه زينب بنت سليمان بن علي، فإليها نسب الزينبي محمد بن سليمان بن عبد الله بن محمد بن إبراهيم الإمام، وكان المنصور ولّى محمد بن ابراهيم مكة والمدينة واليمن، ثم ولاّه الجزيرة، فلما توفي أخوه عبد الوهاب بالشام، ولاه الشام مكانه. ولمحمد بن إبراهيم يقول العنبري: اقض عنّي يا بن عم المصطفى … أنا بالله من الدين وبك من غريم فاحش يقذعني … أشوه الوجه لعرضي منتهك ليس بالمقلع عنى دهره … حيث مازلت من الأرض سلك (١) وقال، ورهن مصحفه: ما ان عمدت كتاب الله ارهنه … إلا ولم يبق هذا الدهر لي نشبا فافتكّ طه وياسينا فانهما … والسبع من محكم الآيات قد نشبا

стр. 1505

وأمّا عبد الله بن محمد بن علي أبو العباس: (١) فحدثني غير واحد أنه لما قتل إبراهيم الإمام خرج من الحميمة يريد الكوفة، وكان أول بني أبيه خروجا لخوفه على نفسه لمصير الإمامة إليه، فلقيه عمه داود بن علي بدومة الجندل فقال: يا بن أخي أين تريد؟ قال: الكوفة، قال: أتأتي الكوفة وشيخ بني مروان بحران مطلّ على العراق في خيل العرب ورجالها؟! فقال: يا عم ان الله إذا اراد أمرا بلغه، ومن أحبّ الحياة ذل، وتمثل: وما موتة إن متّها غير عاجز … بعار إذا ما غالت النفس غولها (٢) فالتفت داود إلى ابنه موسى، وأمه أم موسى بنت علي بن الحسين بن علي فقال: صدق ابن عمك فارجع بنا معه نحيا أعزّاء أو نموت كراما، فلم يزل أبو العباس بالكوفة حتى ولي الخلافة.

стр. 1506

وحدثني العمري عن الهيثم بن عدي عن معن بن يزيد الهمداني، قال: كنا نتحدث أن الجعدي قتيل ابن الحارثية. قالوا: وكان ممّا زاد أمر أبي مسلم بخراسان قوة العصبية التي وقعت بين: مضر، وربيعة، واليمن، بسبب تقديم نصر بن سيار الكناني بني تميم وتوليته إياهم، وتعصّبه على ربيعة واليمن، حتى غضب جديع بن سعيد، ويقال ابن علي الأزدي، المعروف بالكرماني، وإنّما قيل له الكرماني لأنه ولد بجيرفت من كرمان. وقال ابن الكلبي: هو جديع بن سعيد بن قبيصة بن سراق، وكلم نصرا مرة بعد مرة، فأغلظ له حتى أمر بحبسه، وأخرجه غلام له من مجرى ماء وهو متسلخ فاجتمعت إليه اليمن وربيعة، فلم يزل نصر يحاربه، ثم انفرد بمحاربته الحارث بن سريج بن يزيد المجاشعي، فقتله الحارث، وصلبه نصر وعلق معه سمكة، يعيّره بعمان وصيد السمك، وقام عليّ بن جديع مقام أبيه فقاتله الحارث فقتل الحارث، ويقال إن الحارث قاتل جديعا فقتله جديع، ثم وثبت تميم وفيهم حاتم بن الحارث بن سريج فقتلوا جديعا والله أعلم. وقال نصر بن سيار للحارث: يا مدخل الذّلّ على قومه … بعدا وسحقا لك من هالك ما كانت الأزد وأشياعها … تطمع في عمرو ولا مالك في أبيات. وكان تشاغل نصر فرصة لأبي مسلم فقوّى أمره حتى أظهر دعوته وكتب إلى دعاته في الكور بإظهارها.

стр. 1507

فلما قتل الكرماني قام بأمر عسكره عليّ ابنه، فأظهر خلع مروان فانضم إليه خلق، وكان شيبان بن عبد العزيز الخارجي، وهو شيبان الصغير، قد صار من سجستان إلى خراسان، فكتب إليه الكرماني: إنك ونحن خالعون لمروان، فصر إليّ لنجتمع على محاربة أوليائه، أولياء الشيطان، فصار إليه فكانا يحاربان نصر بن سيار، ومال أبو مسلم فيما أظهر إلى ابن الكرماني وسلّم عليه بالإمرة وقال له: قد قوي أمرك ووهن أمر نصر، فابعث عمالك إلى النواحي، فكان يبعث بالرجل إلى الناحية في جماعة، ويبعث أبو مسلم إليها مع صاحبه باضعافها فيدعون إلى الرضا من آل محمد. ثم إن أبا مسلم إنفرد بعسكره، وبعث إلى نصر وابن الكرماني وشيبان: إني رجل أدعو إلى الرضا من آل محمد ولست أعرض لكم، ولا أعين منكم أحدا على صاحبه. ولما رأى نصر قوة أمر أبي مسلم بعث إليه يسأله موادعته وأن يدخل مرو، فقصد لدخولها وزوى أصحاب ابن الكرماني وأصحاب نصر عنها، فدخلها في شهر ربيع الأول سنة ثلاثين وهو يقرأ: ﴿وَ دَخَلَ الْمَدِينَةَ عَلى حِينِ غَفْلَةٍ مِنْ أَهْلِها﴾ (١)، فلما استولى عليها قال نصر: لا مقام لنا مع ما أرى من إقبال أمر هذا الرجل وإدبار أمرنا، فبعث إلى ابن الكرماني: هذا رجل يظهر الميل إليك، وإنما يريد ختلك فصالحني، فصالحه على أن يكون أمرهما واحدا، وإن حاربه أبو مسلم رجعا إلى ناحية مرو، وكان أبو مسلم يظهر لابن

стр. 1508

الكرماني إعظاما وإجلالا حتى إذا ضبط أمر خراسان وغلب أصحابه ودعاته عليها، ومال الناس إليه من كل أوب، واشتدّ حجابه، وغلظ أمره، واستفحل، بعث رسله إلى نصر بن سيار، وقد آنسه وبسطه وضمن له أن يكف عنه، ويقوم بشأنه عند الامام، وأعلمه أن كتابا أتاه من عند الإمام يعده فيه ويمنّيه ويضمن له الكرامة. وكان رسله لاهز بن قريظ، وسليمان بن كثير، وعمران بن اسماعيل، وداود بن كرّاز، وقال لهم: أعلموه اني اريد مشافهته وقراءة كتاب الإمام عليه، فلما أتوه تلا لاهز قول الله : ﴿إِنَّ الْمَلَأَ يَأْتَمِرُونَ بِكَ لِيَقْتُلُوكَ﴾ (١)، فتنبه نصر لما أراد من تحذيره فقال: أنا صائر معكم إلى الأمير أبي مسلم، ودخل بستانا له كأنه يريد أن يلبس ثيابه ثم ركب دابته وهرب إلى الري فمات بقسطانة (٢). وسأل أبو مسلم عن نصر وهل أنذره أحد، فأخبر بتلاوة لاهز الآية، فقال له: يا لاهز أعصبية في الدين؟! قوما فاضربا عنقه، فضربت عنق لاهز، ويقال إن نصرا سار إلى الري فلما دخلها مرض فحمل إلى ساوة بقرب همذان فمات بها. ووجّه أبو مسلم إلى ابن الكرماني رسله وقال لهم: ائتوني بابن الكرماني على الحال التي تجدونه عليها، فجاؤوا به فحبسه، وكان أخوه عثمان بناحية هراة فكتب إلى أبي داود في أمره، فقال له أبو داود: إن أبا مسلم كتب إليّ في عبور النهر لأمر ستعرفه، فإذا عدنا خلّيت ما بينك وبين ماوراء النهر وانصرفت إليه، ثم قال: لا يعبرنّ أحد إلا أصحاب عثمان،

стр. 1509

فعبروا حتى إذا بقي في نفر وثب به فقتله، وبعث برأسه إلى أبي مسلم، فأخرج عليّا عند ذلك فقتله، وكان أبو مسلم قد وادع شيبان إلى مدّة، فوجه إليه جيشا فواقعوه فكشفوه، وصار إلى ناحية أبيورد وأهلها أول من سوّد، فكتب أبو مسلم إليه أن بايع للرضا من آل محمد حتى لا أعرض لك، فبعث إليه: بل بايعني أنت، فكتب أبو مسلم إلى بسام بن ابراهيم مولى بني ليث بن بكير، وهو بأبيورد، في مناهضته فناهضه فقتله وأصحابه الا عدة تفرقوا في البلاد، ويقال بل صاروا إلى نصر قبل هربه. حدثني أبو مسعود عن أشياخه قال: لما ظهر أبو مسلم بعث نصر إليه عرفجة بن الورد فقال: القه فأسأله من هو وما أمره، فأتاه فقال له: ما اسمك؟ فنظر إليه شزرا، ثم قال: عبد الرحمن بن مسلم. فقال: من من؟ فنظر إليه حتى قيل سيقتله، ثم قال: علم خبري خير لك من علم نسبي، فقال أبو نخيلة: نفّست عن عرفجة بن الورد … غياطلا من كرب وجهد ثم إن عرفجة أتى البصرة ومات بها بعد حين. قالوا: وأتى أبا مسلم قوم من أصحاب الحديث فسألوه عن شيء من الفقه، فقال: ليس هذا بوقت فتيا، نحن مشاغيل عن هذا ومثله. وحدثني أبو مسعود وغيره، قال: لما ظهر أمر أبي مسلم كتب نصر بن سيّار بن رافع بن جري أحد بني جندع بن ليث بن بكر بن عبد مناة بن كنانة، قال نصر بن سيار: أبلغ ربيعة في مرو وذا يمن … أن اغضبوا قبل أن لا ينفع الغضب ما بالكم تنشبون الحرب بينكم … كأنّ أهل الحجى عن رأيكم غيب

стр. 1510

وتتركون عدوّا قد أحاط بكم … ممن تأشّب لا دين ولا حسب لا عرب مثلكم في الناس نعرفهم … ولا صريح موال إن هم نسبوا من كان يسألني عن أصل دينهم … فإن دينهم ان تهلك العرب قوم يقولون قولا ما سمعت به … عن النبيّ ولا جاءت به الكتب قالوا: وكتب نصر إلى يزيد بن عمر بن هبيرة، عامل مروان على العراق حين ظهرت المسودة: أبلغ يزيد وخير القول أصدقه … وقد تيقّنت أن لا خير في الكذب بأن خراسان أرض قد رأيت بها … بيضا لو افرخ قد حدّثت بالعجب وقد وجدنا فراخا بعد قد كثرت … لمّا يطرن وقد سربلن بالزغب إلاّ تدارك بخيل الله معلمة … ألهبن نيران حرب أيّما لهب فقال يزيد: لا عليه فما عندي رجل واحد أمدّه به، وكان مبغضا له مستثقلا لولايته خراسان. قالوا: وكتب نصر إلى مروان يستمدّه، فأمدّه بنباتة بن حنظلة الكلابي فقتل بجرجان. وكتب إلى مروان: أرى خلل الرماد وميض جمر … حريّ أن يكون له ضرام فقلت من التعجب ليت شعري … أأيقاظ أميّة أم نيام فإلاّ تطفئوه يجرّ حربا … يكون وقودها قصر (١) وهام وقتل ابن لنصر في العصبية يقال له تميم، فقال نصر: نأى عني العزاء وكنت جلدا … لأن أجلى الفوارس عن تميم
следующие страницы →