-حدثني يحيى بن معين، ثنا وكيع، ثنا سفيان، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد قال:
أول ما نزل من القرآن ﴿اِقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ،﴾ ثم ﴿ن وَالْقَلَمِ﴾.
- حدثنا محمد بن حاتم السمين، ثنا وكيع وعبد الرحمن بن مهدي، قالا ثنا شعبة، عن عمرو بن دينار، عن عبيد بن عمير قال:
أول ما نزل من القرآن ﴿اِقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ﴾.
- وحدثني محمد بن سعد، ثنا محمد بن عمر الواقدي، عن عن عبد الحميد بن جعفر، عن وهب بن كيسان، أبي نعيم، قال: سمعت عبيد بن عمير يقول في حديث طويل:
جاء جبريل إلى النبي ﷺ في صورة رجل، فقال له: اقرأ. قال:
وما أقرأ؟ قال: ﴿اِقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ،﴾ إلى قوله ﴿ما لَمْ يَعْلَمْ﴾.
- حدثني بكر بن الهيثم، حدثني بشر بن الوليد الكندي، عن سفيان عن معمر، عن الزهري وقتادة والكلبي قالوا:
علّم جبريل ﵇ رسول الله ﷺ الوضوء، والصلاة، وأقرأه ﴿بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ﴾. فأتى خديجة زوجته، فأخبرها بما أكرمه الله به، وعلمها الوضوء، فصلت معه. فكانت أول من خلق الله صلى معه.
- وحدثني محمد بن سعد، عن الواقدي، عن أبي معشر، عن محمد بن قيس قال:
فحص جبريل بعقبه الأرض، فنبع ماء، فعلم جبريل النبي ﷺ الوضوء، فمضمض ثم استنشق وغسل رجليه، ثم نضح تحت إزاره، ثم
стр. 142
صلى ركعتين. فانصرف رسول الله ﷺ مسرورا، فجاء إلى خديجة فحدثها وأراها ما أراه جبريل. ثم صلت معه ركعتين.
- حدثني محمد بن سعد، عن الواقدي، عن نجيح أبي معشر، عن محمد بن قيس:
أن خديجة لما أتاها رسول الله ﷺ فأخبرها بما بدئ به، جمعت عليها ثيابها، وأتت ورقة فحدثته حديثه وقالت له: ما جبريل؟ فقال ورقة:
سبحان الله القدوس، جبريل ناموس الله الأكبر وسفيره إلى أنبيائه؛ لئن كان صاحبك رأى هذه الرؤيا، إنه لنبي؛ لوددت أن يكون ذلك فأكون له وزيرا، وابن عم (١)، ثم خرجت، فدخلت على عدّاس، غلام عتبة بن ربيعة، وكان نصرانيا، فقالت: يا عدّاس أخبرني عن جبريل، فقال:
«قدّوس، قدّوس، وما ذكر جبريل في هذا البلد الذي أهله عبدة أوثان؟ جبريل ناموس الله الأكبر، ولم يأت قط إلا إلى نبي». فرجعت، فأخبرت رسول الله ﷺ بما قاله الرجلان؛ وبشرته بذلك.
- وحدثني عمرو الناقد، أنبأ إسماعيل بن إبراهيم، عن أبي رجاء، عن الحسن، في حديث طويل قال:
قلت: يا أبا سعيد، هل أري رسول الله ﷺ رؤيا النبوة؟ فقال:
الله أعلم، ولكنه رأى النور الذي رآه، ﵇.
- وحدثني محمد بن سعد، عن الواقدي أنه قال:
أجمع أصحابنا أن أول المسلمين استجاب لرسول الله ﷺ خديجة بنت
стр. 143
خويلد، ثم اختلفوا في ثلاثة نفر أيهم أسلم أوّلا، وهم: علي وأبو بكر، وزيد بن حارثة.
- وحدثني محمد بن سعد، عن الواقدي عن ربيعة بن عثمان، عن عمران بن أبي أنس، وعن الواقدي، عن ابن أبي ذئب، عن الزهري:
أنّ أول من أسلم من الرجال زيد بن حارثة مولى رسول الله ﷺ . ثم أسلم الناس بعده (١).
- وحدثني محمد بن ثابت، عن الواقدي عن مصعب بن ثابت بن عبد الله بن الزبير، عن أبي الأسود، عن سليمان بن يسار، قال:
أول من أسلم زيد بن حارثة.
- حدثنا عفان بن مسلم، ثنا شعبة، أنبأ عمرو بن مرة، عن أبي حمزة مولى الأنصار، عن زيد بن أرقم قال:
أول من صلى مع النبي ﷺ علي بن أبي طالب رضي الله تعالى عنه.
- وحدثني هشام بن عمار، ثنا محمد بن عيسى بن سميع، عن ابن أبي ذئب، عن الزهري، عن [ابن] المسيب قال:
أول النساء إسلاما خديجة، ومن الرجال زيد بن حارثة.
- وقال الواقدي: رأى عليّ النبي ﷺ تصلي معه خديجة، فقال: ما هذا يا محمد؟ فقال رسول الله ﷺ : يا علي هذا دين الله الذي اصطفاه واختاره،
стр. 144
وأنا أدعوك إلى الله وحده، وأن تذر اللات والعزى فإنهما لا ينفعان ولا يضرّان. فقال علي: ما سمعت بهذا الدين إلى اليوم، وأنا أستأمر أبي فيه.
فكره النبي ﷺ أن يفشي ذلك قبل استعلان أمره. فقال: يا علي، إن فعلت ما قلت لك، وإلا فاكتم ما رأيت. فمضى ليلته. ثم غدا على رسول الله ﷺ فقال له: أعد عليّ ما قلت. فأعاده. فأسلم، ومكث يأتي رسول الله ﷺ فيصلي معه على خوف من أبي طالب. وكان هو وزيد بن حارثة يلزمان رسول الله ﷺ ، فكان رسول الله ﷺ يخرج إلى الكعبة أول النهار ويصلي صلاة الضحى، وكانت تلك صلاة لا تنكرها قريش، وكان إذا صلى في سائر اليوم، بعد ذلك، قعد علي أو زيد يرصد له، وأنّ أبا طالب فقد عليا، فقالت له فاطمة بنت أسد، أمه: قد رأيته يلزم محمدا، وأنا أخاف أن يأتيك من قبل محمد في أمر ابنك ما لا تطيقه. فقال: ما كان ابني ليفتات علي بأمر.
واتبع أبو طالب أثر النبي ﷺ وأثر علي، فوجدهما ورسول الله ﷺ يصلي العصر في شعب أبي دبّ أو غيره، وعلي ينظر له، فقال لرسول الله ﷺ : ما هذا الدين يا محمد؟ قال: دين الله الذي بعثني به، فدعاه إلى التوحيد وترك عبادة الأوثان، فقال أبو طالب: «أما دين آبائي، فإنّ نفسي غير مشايعة على تركه؛ وما كنت لأترك ما كان عليه عبد المطلب؛ ولكن انظر الذي بعثت به فأتمم عليه، فو الله لا أسلمتك ما كنت حيا حتى يتمّ الذي تريد». وقال لعلي: «أما أنت يا بني، فما بك رغبة عن الدخول فيما دخل فيه ابن عمك». فاشتدّ ظهر رسول الله ﷺ ، وسرّ بقول أبي طالب. وأتى أبو طالب منزله، فقالت له امرأته: أين ابنك؟ قال: وما تصنعين به؟ قالت:
أخبرتني مولاتي أنها رأته مع محمد وهما يصليان في شعب بأجياد؛ أفترى ابنك صبأ؟ قال أبو طالب: اسكتي، ودعي عنك هذا، فهو والله أحق من آزر ابن
стр. 145
عمه. ولولا أن نفسي لا تطاوعني على ترك دين عبد المطلب، لاتبعت محمدا، فإنه الحليم الأمين الطاهر. فسكتت. وبلغ قريشا، فراعهم وكبر عليهم.
- وقال الواقدي: صلى عليّ ﵇ وله إحدى عشرة سنة، وذلك الثبت ويقال إنه صلى ابن عشر. ويقال ابن تسع. ويقال سبع.
وقال ابن الكلبي: صلى وهو ابن إحدى عشرة سنة، وقتل وله ثلاث وستون سنة، وذلك في سنة أربعين.
- حدثني شيبان بن فروخ الأبلي، ثنا جرير بن حازم، عن الزبير بن الخريت، عن عكرمة عن ابن عباس قال:
أقام رسول الله ﷺ بمكة ثلاث عشرة سنة، ثم هاجر إلى المدينة فأقام بها عشر سنين.
- وحدثني عمرو بن محمد الناقد، ثنا الحسين الجعفي، عن زائدة، عن هشام، عن عكرمة، عن ابن عباس أنه قال:
أنزل القرآن على النبي ﷺ وله أربعون سنة؛ ثم مكث بمكة ثلاث عشرة سنة، وبالمدينة عشر سنين، وقبض وله ثلاث وستون سنة.
- وحدثنا أبو بكر بن أبي شيبة وعمرو الناقد، قالا: ثنا عبده بن سليمان، عن يحيى بن سعيد، عن سعيد بن المسيب قال:
أنزل القرآن على رسول الله ﷺ وهو ابن ثلاث وأربعين سنة، وأقام بمكة عشر سنين، وبالمدينة عشر سنين، وتوفي وهو ابن ثلاث وستين سنة.
стр. 146
-وحدثني شيبان، ثنا جرير بن حازم، عن يحيى بن سعيد، عن سعيد بن المسيب، بمثله.
- حدثنا عبد الله بن أبي شيبة، عن وكيع، عن سفيان، عن خالد بن عمار مولى بني هاشم، عن ابن عباس قال:
بعث النبي ﷺ ابن أربعين، فأقام بمكة خمس عشرة سنة، وبالمدينة عشر سنين، وقبض وله خمس وستون سنة.
- حدثنا شجاع بن مخلد، عن ابن علية، عن خالد بن عمار، عن، ابن عباس بمثله.
- وحدثني عبد الله بن محمد بن أبي شيبة، ثنا خالد بن مخلد، ثنا سليمان بن بلال، عن ربيعة، عن أنس، عن عائشة قالت:
بعث رسول الله ﷺ ابن أربعين، فأقام بمكة عشر سنين، وبالمدينة عشرا، وتوفي على رأس ستين.
- وحدثني عمرو الناقد، ثنا الحسين الجعفي، عن زائدة، عن هشام، عن الحسين:
بمثله.
- وحدثني يحيى بن أيوب الزاهد، عن إسماعيل بن جعفر، عن ربيعة، عن أنس
بمثله.
стр. 147
-وحدثني عباس بن هشام، عن أبيه، عن جده، محمد بن السائب الكلبي قال:
بعث رسول الله ﷺ وهو ابن أربعين سنة فأقام بمكة اثنتي عشرة سنة، وأقام باقي عمره بالمدينة، وتوفي وهو ابن اثنتين وستين سنة ونصف سنة.
стр. 148
دعاء رسول الله ﷺ :
- حدثني الوليد بن صالح ومحمد بن سعد، عن محمد بن عمر الواقدي، حدثني معمر بن راشد عن الزهري قال:
دعا رسول الله ﷺ سرا، وهجر الأوثان، فاستجاب له أحداث من الرجال وضعفاء من الناس، حتى كثر من آمن به، وكفار قريش من وجوهها غير منكرين لما يقول. وكان إذا مرّ عليهم في مجالسهم يشيرون إليه، ويقولون: غلام بني عبد المطلب يكلّم من السماء. فلم يزالوا كذلك حتى أظهر عيب آلهتهم، وأخبر أن آباءهم ماتوا على كفر وضلال، وأنهم في النار.
فشنفوا له، وأبغضوه وعادوه وآذوه.
- قالا: وحدثنا الواقدي، عن جارية بن أبي عمران، عن عبد الرحمن بن القاسم، عن أبيه، قال:
كان بين أن نزلت النبوة على النبي ﷺ إلى أن أمر بإظهار الدعاء ثلاث سنين. فكان دعاؤه ثلاث سنين مستخفيا.
قالا: وحدثنا عن الواقدي، عن محمد بن عبد الله، عن الزهري.
عن عروة، عن عائشة رضي الله تعالى عنها قالت:
стр. 149
دعا رسول الله ﷺ سرا أربع سنين، ثم أعلن الدعاء (١).
قالا: وحدثنا الواقدي، عن عبد الله بن محمد، عن أبيه، عن ابن عباس قال: سمعت سعيد بن زيد بن عمرو بن نفيل يقول:
استخفينا بالإسلام سنة، ما نصلي إلا في بيت مغلق، أو شعب خال، ينظر بعضنا لبعض.
- وحدثني محمد بن الوليد، عن الواقدي، عن محمد بن إسماعيل، عن أبيه، عن عامر بن سعد عن أبيه (٢) قال:
خرجت أنا، وسعيد بن زيد، وخباب بن الأرتّ، وعمار بن ياسر، وعبد الله بن مسعود إلى شعب أبي دبّ نتوضأ ونصلي، ونحن مستخفون، فظهر علينا نفر من المشركين وقد كانوا يرصدوننا فاتبعوا آثارنا: أبو سفيان ابن حرب، والأخنس بن شريق وغيرهما من المشركين. فعابوا علينا، وأنكروا فعلنا حتى بطشوا بنا. فأخذت لحي جمل. فأضرب به رجلا من المشركين، فأشجه شجة أوضحت. وانكسر المشركون، وقوي أصحابي.
فطردناهم حتى خرجوا من الشعب. فكنت أول من هراق دما في الإسلام.
- وحدثني مصعب بن عبد الله الزبيري، عن أشياخهم قال:
كان سعيد بن زيد بن عمرو بن نفيل يرى أباه يذم دين قريش؛ وأسلم حين بعث رسول الله ﷺ ، وكان أبوه (٣) قد أخرجته قريش من مكة، فكان يستقبل البيت ثم يقول: لبيك حقا حقا، تعبدا ورقّا، البرّ أرجو لا الخال (٤)، هل مهجّر كمن قال؟
стр. 150
عذت بما عاذ به ابرهم … مستقبل الكعبة وهو قائم
يقول أنفي لك عان راغم … مهما تجشّمني فإني جاشم
ثم يخر ساجدا
- حدثني محمد بن سعد والوليد، عن الواقدي، عن سلمة بن بخت، عن عميرة بنت عبيد الله بن كعب بن مالك، عن عزيزة بنت أبي تجراة قالت:
كانت قريش لا تنكر غيرها. وكان النبي ﷺ وأصحابه إذا جاء وقت العصر، تفرقوا في الشعاب فصلوا، فرادى ومثنى. فبينا طليب بن عمير وحاطب بن عمرو يصليان في شعب بأجياد الأصغر إذ هجم عليهما ابن الأصداء وابن الغيطلة، وكانا فاحشين؛ فباطشوهما ورموهما بالحجارة ساعة حتى خرجا فانصرفا.
- قال الواقدي: كانوا يصلون الضحى والعصر، ثم نزلت الصلوات الخمس قبل الهجرة. وكانت الصلاة ركعتين ركعتين، ثم نزل إتمامها بالمدينة للمقيم، وبقيت صلاة المسافر ركعتين ركعتين.
- وحدثنا محمد بن سعد، عن الواقدي، عن أسامة بن زيد الليثي، عن مكحول، عن عبد الرحمن بن عائذ، عن عياض بن حمار المجاشعي قال:
لما دعا رسول ﷺ قومه، وصدع بما أمره الله به، واجتمعت قريش على عداوته وخلافه، وحدب عليه أبو طالب وقام دونه، ومضى رسول الله ﷺ مظهرا لأمره لا يعتبهم من شيء أنكروه عليه من عيب آلهتم، اشتدّوا على المسلمين.
стр. 151
-وحدثني محمد بن سعد والوليد بن صالح، عن محمد بن عمر الواقدي، عن ابن أبي سبرة، عن عمر بن عبد الله، عن جعفر بن عبد الله بن أبي الحكم قال:
لما نزلت على النبي ﷺ ﴿وَ أَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ﴾ (١)، اشتدّ ذلك عليه وضاق به ذرعا، فمكث شهرا أو نحوه جالسا في بيته، حتى ظنّ عماته أنه شاك، فدخلن عليه عائدات، فقال: ما اشتكيت شيئا، ولكن الله أمرني أن أنذر عشيرتي الأقربين، فأردت جمع بني عبد المطلب لأدعوهم إلى الله.
قلن: فادعوهم، ولا تجعل عبد العزى فيهم - يعنين أبا لهب - فإنه غير مجيبك إلى ما تدعوه إليه، وخرجن من عنده، وهن يقلن: إنما نحن نساء. فلما أصبح رسول الله ﷺ ، بعث إلى بني عبد المطلب. فحضروا ومعهم عدّة من بني عبد مناف، وجميعهم خمسة وأربعون رجلا. وسارع إليه بو لهب، وهو يظنّ أنه يريد أن ينزع عما يكرهون إلى ما يحبون، فلما اجتمعوا، قال أبو لهب:
«هؤلاء عمومتك وبنو عمك، فتكلم بما تريد، ودع الصلاة، واعلم أنه ليست لقومك بالعرب قاطبة طاقة. وأنّ أحق من أخذك فحبسك أسرتك وبنو أبيك إن أقمت على أمرك، فهو أيسر عليهم من أن تثب بك بطون قريش وتمدّها العرب، فما رأيت، يا بن أخي، أحدا قط جاء بني أبيه بشرّ مما جئتهم به». وأسكت رسول ﷺ ، فلم يتكلم في ذلك المجلس، ومكث أياما، وكبر عليه كلام أبي لهب. فنزل جبريل، فأمره بإمضاء ما أمره الله به، وشجعه عليه. فجمعهم رسول الله ﷺ ثانية، فقال: «الحمد لله أحمده، وأستعينه وأومن به واتوكل عليه، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له». ثم قال: «إن الرائد لا يكذب أهله. والله لو كذبت الناس جميعا،
стр. 152
ما كذبتكم، ولو غررت الناس، ما غررتكم والله الذي لا إله إلا هو، إني لرسول الله إليكم خاصة وإلى الناس كافة، والله، لتموتن كما تنامون، ولتبعثنّ كما تستيقظون، ولتحاسبن بما تعملون، ولتجزون بالإحسان إحسانا وبالسوء سوء. وإنها للجنة أبدا. والنار أبدا. وأنتم لأول من أنذر». فقال أبو طالب: «ما أحب إلينا معاونتك ومرافدتك، وأقبلنا لنصيحتك، وأشد تصديقنا لحديثك. وهؤلاء بنو أبيك مجتمعون. وإنما أنا أحدهم، غير أني والله أسرعهم إلى ما تحب. فامض لما أمرت به. فو الله، لا أزال أحوطك وأمنعك، غير أني لا أجد نفسي تطوع لي فراق دين عبد المطلب حتى أموت على مامات عليه». وتكلم القوم كلاما لينا، غير أبي لهب فإنه قال: «يا بني عبد المطلب، هذه والله السوءة؛ خذوا على يديه قبل أن يأخذ على يده غيركم. فإن اسلمتموه حينئذ، ذللتم، وإن منعتموه قتلتم». فقال أبو طالب: «والله، لنمنعنه ما بقينا».
- وروى الواقدي، عن ابن أبي سبرة، عن موسى بن ميسرة، عن هند بنت الحارث:
أن صفية بنت عبد المطلب قالت لأبي لهب: «أي أخيّ، أيحسن بك خذلان ابن أخيك وإسلامه، فو الله ما زال العلماء يخبرون أنه يخرج من ضئضئي عبد المطلب نبي، فهو هو»، فقال: هذا والله الباطل، والأماني، وكلام النساء في الحجال، إذا قامت بطون قريش كلها، وقامت معها العرب، فما قوتنا بهم. والله، ما نحن عندهم إلا أكلة رأس».
- حدثني عباس بن هشام، عن أبيه، عن جده، عن أبي صالح، عن ابن عباس قال:
стр. 153
لما أمر الله نبيه أن ينذر عشيرته الأقربين، جلس على الصفا فقال:
«يآل فهر»، فجاءه من سمع كلامه ممن كان بمكة من بني فهر، فقال له أبو لهب: هذه فهر عندك. فقال: «يآل غالب». فرجع بنو محارب والحارث ابنا فهر. فقال: «يآل لؤي بن غالب». فرجع بنو تيم بن غالب، وهو الأدرم.
فقال: «يآل كعب»، فرجع بنو عامر بن لؤي، فقال: «يآل مرّة بن كعب».
فرجع بنو عدي وسهم وجمح، فقال: «يآل كلاب»، فرجعت بنو مخزوم وبنو تيم بن مرّة، فقال: «يآل قصيّ»، فرجعت بنو زهرة. فقال: «يآل عبد مناف» فرجع بنو عبد الدار وبنو أسد بن عبد العزى. فقال له أبو لهب: هذه عبد مناف، فقال ﷺ : ادعوكم إلى أن تشهدوا أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأني عبده ورسوله، أضمن لكم الجنة». فقال أبو لهب: «ألهذا دعوتنا؟ تبّا لك». فأنزل الله : ﴿تَبَّتْ يَدا أَبِي لَهَبٍ وَ تَبَّ﴾ (١)، السورة.
- وحدثني محمد بن سعد، عن الواقدي، عن ابن أبي حبيبة، عن داود بن الحصين عن عكرمة عن ابن عباس قال:
لما نزلت ﴿وَ أَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ﴾ (٢)، صعد رسول الله ﷺ على الصفا، فنادى: «يا معشر قريش». فقالت قريش: محمد على الصفا يهتف.
فأقبلوا واجتمعوا، فقالوا: ما لك يا محمد؟ قال: «أرأيتم لو أخبرتكم أن خيلا أسفح هذا الجبل، أكنتم تصدّقونني؟» قالوا: «نعم، أنت عندنا غير متهم، وما جربنا عليك كذبا قط». قال: ﴿هُوَ إِلاّ نَذِيرٌ لَكُمْ بَيْنَ يَدَيْ عَذابٍ شَدِيدٍ﴾ (٣). يا بني عبد المطلب، يا بني عبد مناف، يا بني زهرة،- حتى عدّ
стр. 154
الأفخاذ من قريش - إنّ الله أمرني أن أنذر عشيرتي الأقربين وأني لا أملك لكم من الدنيا منفعة، ولا من الآخرة نصيبا إلا أن تقولوا لا إله إلا الله»، قال أبو لهب: «تبّا لك، سائر اليوم، ألهذا جمعتنا؟» فأنزل الله فيه: ﴿تَبَّتْ يَدا أَبِي لَهَبٍ﴾ (١).
- حدثنا محمد بن حاتم بن ميمون المروزي وعمرو بن محمد الناقد، قالا: ثنا أبو معاوية، ثنا الأعمش، عن عمرو بن مرة، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس قال:
صعد رسول الله ﷺ ذات يوم الصفا، فقال: يا صباحاه. فاجتمعت إليه قريش، فقالوا: ما لك؟ فقال: أرأيتم لو أخبرتكم أن العدو مصبحكم أو ممسيكم، أما كنتم تصدّقونني؟ قالوا: بلى. قال: وإني ﴿نَذِيرٌ لَكُمْ بَيْنَ يَدَيْ عَذابٍ شَدِيدٍ﴾ (٢)، فقال أبو لهب: تبّا لك، ألهذا جمعتنا؟ فأنزل الله : ﴿تَبَّتْ يَدا أَبِي لَهَبٍ﴾ إلى آخرها.
- وقد روي أن أبا طالب لما مات، اجتمع بنات عبد المطلب إلى أبي لهب، فقلن له: محمد ابن أخيك؛ فلو عضدته ومنعته، كنت أولى الناس بذلك. فلقي النبي ﷺ وهو عازم على معاضدته، فسأله عن عبد المطلب وغيره من آبائه، فقال: إنهم كانوا على غير هدى ولادين. فقال: تبّا لك.
فنزلت: ﴿تَبَّتْ يَدا أَبِي لَهَبٍ﴾.
- وروي أن أفلح بن النضر السلمي كان سادن العزى. فدخل عليه أبو لهب يعوده وقد احتضر، فقال له: يا أبا عتبة، أظنّ العزّى ستضيع بعدي. فقال أبو لهب: كلاّ، أنا أقوم عليها؛ فإن يظهر محمد - ولن يظهر - فهو ابن أخي؛ وإن تظهر العزّى - فهي الظاهرة - كنت قد اتخذت عندها
стр. 155
يدا، فنزلت: ﴿تَبَّتْ يَدا أَبِي لَهَبٍ وَ تَبَّ﴾. وقال الكلبي: اسم سادن العزى: دبيّة بن حرمي السلمي.
- وروى أن أبا لهب قال: يعدنا محمد عدان (١) بعد الموت؛ ليس في أيدينا منها شيء فنزلت: ﴿تَبَّتْ يَدا أَبِي لَهَبٍ وَ تَبَّ﴾.
- قالوا: ولما دعا رسول الله ﷺ قريشا، فرّد عليه أبو لهب قوله وأباه، لقى هند بنت عتبة بن ربيعة، فقال لها: «لقد باينت محمدا، يا ابنة عتبة، وأبيت ما جاء به، ونصرت اللات والعزى، وغضبت لهما». فقالت: جزيت خيرا يا أبا عتبة.
- وقال بعض المفسرين: «تبت»، خسرت. والعرب تقول: تبت، ضعفت. والبعير التاب، الضعيف. وقالوا في قوله: ﴿وَما كَسَبَ،﴾ يعني ولده.
وحدثني محمد بن سعد، عن محمد بن عمر الواقدي، عن معاذ بن محمد، عن عمران بن أبي أنس قال:
كانت أم جميل بنت حرب بن أمية تحمل أغصان العضاة (٢) والشوك، فتطرحها على طريق رسول الله ﷺ .
وروى عن أبي روق الهمداني، عن الضحاك، عن ابن عباس.
مثل ذلك.
وكان مجاهد يقول: «حمالة النميمة»، تحطب بذلك على ظهرها؛ والممسود، المفتول الموّثق؛ و «الجيد»، العنق، وقال بعضهم: حبل من
стр. 156
«مسد»، من ليف. وقال آخرون: عنى أنّ في جيدها سلسلة من نار، أي من سلاسل جهنم؛ و «الجيد» العنق.
- قالوا: ولما نزلت ﴿تَبَّتْ يَدا أَبِي لَهَبٍ،﴾ وذكر الله امرأته أم جميل، قالت: قد هجاني محمد والله لأهجونه. فقالت:
محمدا قلينا … ودينه أبينا
وأخذت فهرا (١) لتضربه به وهمت. فأعشى الله عينها. وردّها بغيظها.
فعزمت على ابنيها أن يطلقا ابنتي رسول الله ﷺ ، ففعلا. وكانت رقية عند عتبة بن أبي لهب، وأم كلثوم عند معتّب بن أبي لهب؛ ويقال: عتيبة.
- وحدثني الوليد بن صالح ومحمد بن سعد، عن الواقدي، عن ابن أبي حبيبة، عن داود بن الحصين عن عكرمة، عن ابن عباس قال:
خسرت ﴿يَدا أَبِي لَهَبٍ﴾. ﴿وَامْرَأَتُهُ حَمّالَةَ الْحَطَبِ﴾: النميمة: ﴿ما أَغْنى عَنْهُ مالُهُ وَما كَسَبَ﴾: ولده. قال: فلما نزلت تبت، جاءت أم جميل بنت حرب والنبي ﷺ في المسجد، معه أبو بكر وعمر رضي الله تعالى عنهما، وفي يدها فهر. فلما وقعت على النبي ﷺ أخذ الله على بصرها، ورأت أبا بكر وعمر (٢). فكرهت عمر، وأقبلت على أبي بكر، فقالت: أين صاحبك؟ قال: وما تصنعين به؟ قالت: بلغني أنه هجاني؛ والله لو وجدته لضربت بهذا الفهر فمه فقال عمر: ويحك، إنه ليس بشاعر فقالت: إني لأرجو أن أكلمك يا بن الخطاب، ثم أقبلت على أبي بكر، فقالت: أي والثواقب، إنه لشاعر وإني لشاعرة.
стр. 157
-قال الواقدي: وأما قوله ﴿فِي جِيدِها حَبْلٌ مِنْ مَسَدٍ،﴾ فيقال ودعة كانت في رقبتها. وقال: حدثني بذلك معمر، عن قتادة. قال: ويقال:
سلسلة من نار.
- قالوا: ولما أظهر رسول الله ﷺ دعوته، جعل أبو بكر يدعو ناحية سرا، وكان سعيد بن زيد بن عمرو بن نفيل على مثل ذلك، وكان عثمان على مثل ذلك، وكان عمر يدعو علانية، وكان حمزة بن عبد المطلب، كذلك، وكان أبو عبيدة يدعو، حتى فشا الإسلام بمكة، وأظهر كفار قريش البغي على رسول الله ﷺ ، والحسد له، وكان الذين يبدون صفحتهم في عداوته وأذاه، ويشخصون به، ويخاصمون ويجادلون ويردّون من أراد الإسلام عنه: أبا جهل بن هشام، وأبا لهب، والأسود بن عبد يغوث بن وهب بن عبد مناف بن زهرة - وهو ابن خال رسول الله ﷺ والحارث بن قيس بن عدي السهمي - الذي كان كلما رأى حجرا أحسن من الذي عنده أخذه وألقى ما عنده - وفيه نزلت: ﴿أَ فَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلهَهُ هَواهُ﴾ (١)، وهو ابن الغيطلة، والوليد بن المغيرة، وأمية وأبي ابني خلف الجمحيين، وأبا قيس بن الفاكه بن المغيرة، والعاص بن وائل السهمي، والنضر بن الحارث العبدري، ومنبه ونبيه ابني الحجاج السهميين، وزهير بن أبي أمية المخزومي، والسائب بن أبي السائب - واسمه صيفي - بن عابد بن عبد الله بن عمر بن مخزوم، والأسود بن عبد الأسد المخزومي، والعاص بن سعيد بن العاص، وعدي بن الحمراء الخزاعي، وأبا البختري العاص بن هاشم [بن الحارث] بن أسد بن عبد العزي، وعقبة بن أبي معيط بن أبي عمرو بن أمية، والأسود بن المطلب بن أسد بن عبد العزى، وابن الأصدى
стр. 158
الهذلي وهو الذي نطحته الأروى (١) -والحكم بن أبي العاص بن أمية. وذلك أنّ هؤلاء كانوا جيرانه. وكان الذين تنتهي عداوة رسول الله ﷺ إليهم: أبو جهل، وأبو لهب، وعقبة. وكان أبو سفيان بن حرب، وعتبة وشيبة ابنا ربيعة ذوي عداوة للنبي ﷺ ، ولكنهم لم يكونوا يفعلون كما فعل هؤلاء، وكانوا كجهلة قريش.
أمر أبي جهل
- قالوا: أبو جهل عمرو بن هشام بن المغيرة بن عبد الله بن عمر بن عمر بن مخزوم. كناه النبي ﷺ أبا جهل، لأنه كان يكنى قبل ذلك «أبا الحكم».
- وروي عن رسول الله ﷺ أنه قال: من قال لأبي جهل «أبو الحكم»، فقد أخطأ خطيئة يستغفر الله منها. وروي عنه أنه قال: لكل أمة فرعون، وفرعون هذه الأمة أبو جهل.
- وكان أبو جهل في نفر من قريش، فيهم عقبة بن أبي معيط - وكان أسفه قريش - بالحجر، وكان رسول الله ﷺ يصلي فأطال السجود. فقال أبو جهل: أيكم يأتي حزورا لبني فلان قد نحرت اليوم بأسفل مكة، فيجيء بفرثها فيلقيه على محمد؟ فانطلق عقبة بن أبي معيط، فأتى بفرثها، فألقاه على ما بين كتفيه ورسول الله ﷺ ساجد. فجاءت فاطمة عليها الصلاة والسّلام، فأماطت ذلك عنه، ثم استقبلتهم تشتمهم. فلم يرجعوا إليها شيئا. ودعا رسول الله ﷺ حين رفع رأسه، فقال: اللهم عليك بقريش، عليك بعقبة بن أبي معيط، وبأبي جهل، وبشيبة، وعتبة، وأمية بن
стр. 159
خلف. ثم قال لأبي جهل: والله لتنتهين أو لينزلن الله عليك قارعة.
وخرج رسول الله ﷺ ، فلقيه أبو البختري فأنكر وجهه، فسأله عن خبره.
فأخبره به. وكان معه سوط، فأتى أبا جهل فعلاه به. فتثاور بنو مخزوم وبنو أسد بن عبد العزى، فقال أبو جهل: ويلكم، إنما يريد محمد أن يلقي بينكم العداوة.
- وقال رسول الله ﷺ لعقبة: يا بن أبان - وكان اسم أبي معيط «أبان» - أما أنت بمقصر عما نرى؟ فقال: لا، حتى تدع، ما أنت عليه.
فقال: والله، لتنتهينّ أو لتحلنّ بك قارعة.
- وقال أبو جهل: والله، لئن رأيت محمدا يصلي، لأطأن رقبته، فبلغه أنه يصلي. فأقبل مسرعا، فقال: ألم أنهك، يا محمد، عن الصلاة؟ فانتهره رسول الله ﷺ . فقال: أتنتهرني وتتهدّدني وأنا أعزّ أهل البطحاء؟ فسمعه العباس بن عبد المطلب، فغضب وقال، كذبت. فنزلت: ﴿أَ رَأَيْتَ الَّذِي يَنْهى عَبْداً إِذا صَلّى﴾ -يعني أبا جهل- ﴿أَ رَأَيْتَ إِنْ كانَ عَلَى الْهُدى﴾ - يعني محمدا ﷺ . وقوله: ﴿نادِيَهُ﴾ (١) يقول عشيرته ومن يجالسه. ونهى عن طاعته. فكان ابن عباس يقول: والله، لو دعا لأجابه ربنا بالعذاب. وقال رسول الله ﷺ : نزل اثنا عشر ملكا من الزبانية، رؤوسهم في السماء وأرجلهم في الأرض. ولو فعل، أخذوه عيانا.
- وذكروا: أن أبا جهل قال: يا محمد، ابعث لنا رجلين أو ثلاثة من آبائنا ممن قد مات، فأنت أكرم على الله، فلست بأهون على الله من عيسى فيما تزعم، فقد كان عيسى يفعل ذلك (٢). فقال: لم يقدّرني الله على
стр. 160
ذلك. قال: تسخر لنا الريح تحملنا إلى الشأم في يوم وتردّنا في يوم، فإن طول السفر يجهدنا، فلست بأهون على الله من سليمان، فقد كان يأمر الريح فتغدو به مسيرة شهر وتروح به مسيرة شهر (١). فقال: لا أستطيع ذلك.
فقال أبو جهل: فإن كنت غير فاعل شيئا مما سألتك، فلا تذكر آلهتنا بسوء. فقال عبد الله بن أمية: فأرنا كرامتك على ربك فليكن لك بيت من زخرف وجنة من نخيل وعنب تجري فيها الأنهار، وفجر لنا ينبوعا مكان زمزم، فقد شقّ علينا المتح (٢) عليها، وإلاّ فأسقط علينا كسفا. فقال:
ليس هذا بيدي؛ هو بيد الذي خلقني. قال: فارق إلى السماء فأت بكتاب نقرأه، ونحن ننظر إليك. فأنزلت فيه الآيات (٣).
- وحدثني محمد بن سعد، عن الواقدي، عن عمر بن صالح مولى التوأمة، عن ابن عباس؛ وحدثني بكر بن الهيثم، عن عبد الله بن صالح، عن معاوية بن صالح، عن علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس قال:
لما نزلت هذه الآية: ﴿إِنَّ شَجَرَةَ الزَّقُّومِ طَعامُ الْأَثِيمِ * كَالْمُهْلِ﴾ (٤)، يعني درديّ الزيت، قال أبو جهل: أنا أدعو لكم، يا معشر قريش، بالزقوم، فدعا بزبد وتمر، وقال: «تزقموا من هذا، فإنا لا نعلم زقوما غيره». فبين الله أمرها، فقال: ﴿إِنَّها شَجَرَةٌ تَخْرُجُ فِي أَصْلِ الْجَحِيمِ * طَلْعُها كَأَنَّهُ رُؤُسُ الشَّياطِينِ﴾ (٥). فقالت قريش: شجرة تنبت في النار؟ فكانت فتنة لهم، وجعل المستهزئون يضحكون. قال:
стр. 161
والشوب (١) ما شيب به الشيء وخلط. وقوله (الهيم) (٢)، الإبل العطاش.
قال الواقدي: وقد قيل في (الهيم) إنها الأرضون ذوات الرمل التي لا تروى. و ﴿رُؤُسُ الشَّياطِينِ،﴾ نبت خارج الحرم، يسمى رؤوس الشياطين.
وروي أيضا أنه لما نزلت: ﴿ثُمَّ إِنَّكُمْ أَيُّهَا الضّالُّونَ الْمُكَذِّبُونَ لَآكِلُونَ مِنْ شَجَرٍ مِنْ زَقُّومٍ﴾ (٣)، قال أبو جهل: «ايتونا بزبد وتمر». ثم قال:
«تزقموا، فإن هذا الزقوم». فنزلت: ﴿إِنَّ شَجَرَةَ الزَّقُّومِ طَعامُ الْأَثِيمِ﴾ - يعني أبا جهل- ﴿كَالْمُهْلِ يَغْلِي فِي الْبُطُونِ * كَغَلْيِ الْحَمِيمِ﴾ (٤). ونزلت:
﴿إِنَّها شَجَرَةٌ تَخْرُجُ فِي أَصْلِ الْجَحِيمِ﴾.
قال: و «التوأمة»، ابنة أمية بن خلف الجمحي، ولدت وأخت لها في بطن، فسميت تلك باسم، وسميت هذه «التوأمة».
- وروي عن عطاء بن يسار في قوله ﴿فَأَمّا مَنْ أَعْطى وَاتَّقى﴾ الآية، أنها نزلت في أبي بكر الصديق رضي الله تعالى عنه. ونزل قوله: ﴿وَ أَمّا مَنْ بَخِلَ وَاسْتَغْنى وَ كَذَّبَ بِالْحُسْنى﴾ (٥) في أبي جهل. قال: و ﴿بِالْحُسْنى﴾ الجنة. ويقال: الخلف.
- قال الواقدي في إسناده: إنّ رجلا من هذيل، يقال له عمرو، قدم بغنم له فباعها، ورآه النبي ﷺ ، فأخبره بالحق ودعاه إليه. فقام إليه أبو
стр. 162
جهل، وكان خفيفا حديد الوجه والنظر، به حول، فقال له: انظر ما دعاك إليه هذا الرجل؛ فإياك أن تركن إلى قوله فيه أو تسمع منه شيئا، فإنه قد سفه أحلامنا، وزعم أن من مات منا كافرا، يدخل النار بعد الموت؛ وما أعجب ما يأتي به. فقال الهذلي: أما تخرجونه من أرضكم؟ قال أبو جهل: لئن خرج من بين أظهرنا فسمع كلامه وحلاوة لسانه قوم أحداث ليتبعنه؛ ثم لا نأمن أن يكرّ علينا بهم. قال الهذلي: فأين أسرته عنه؟ قال أبو جهل: إنما امتنع بأسرته. ثم إن الهذلي أسلم يوم الفتح.
- وقالوا: قدم رجل من أراش، بإبل له، مكة. فباعها من أبي جهل. فمطله بأثمانها. فوقف الرجل على نادي قريش، فقال: إني رجل غريب، ابن سبيل، وإنّ أبا الحكم ابتاع مني ظهرا فمطلني بثمنه وحبسني حتى شق عليّ، فمن رجل يقوم معي فيأخذ لي بحقي منه؟ وكان رسول الله ﷺ جالسا في عرض المسجد، فقالوا، وهم يستهزئون: أترى الرجل الجالس، انطلق إليه، يأخذ لك بحقك. فأتى رسول الله ﷺ ، فقال:
يا محمد، إني رجل غريب، واقتصّ عليه قصته. فقام رسول الله ﷺ ، حتى ضرب باب أبي جهل. فقال أبو جهل: من هذا؟ قال رسول الله ﷺ : محمد بن عبد الله، فاخرج إليّ، ففتح الباب وخرج. فقال له:
أخرج إلى الرجل من حقه، قال: نعم، فقال رسول الله ﷺ : لن أبرح أو تعطيه حقه. فدخل البيت، فخرج إليه بحقه وأعطاه إياه. فانطلق نبي الله ﷺ ، وانصرف الرجل إلى مجلس قريش فقال: جزى الله محمدا خيرا، فقد أخذ لي بحقي بأيسر الأمر. ثم انصرف. وجاء أبو جهل، فقالوا له:
ماذا صنعت؟ فو الله ما بعثنا الرجل إلى محمد إلا هازئين. فقال: دعوني، فو الله ما هو إلا أن ضرب بأبي حتى ذهب فؤادي؛ فخرجت إليه وإنّ على
стр. 163
رأسي لفحلا، ما رأيت مثل هامته وأنيابه قط فاتحا فاه؛ والله لو أبيت لأكلني، فأعطيت الرجل حقه، فقال القوم: ما هو إلا بعض سحره.
- وحدثني بكر بن الهيثم، حدثني أبو الحكم الصنعاني، عن معاوية بن صالح، عن علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس قال:
جاء أبو جهل في عدّة من المشركين يريدون رسول الله ﷺ فخرج عليهم وهو يقرأ يس، وجعل ينثر التراب على رؤوسهم لا يرونه، فلما انصرف، اقبلوا ينفضون التراب عن رؤوسهم ويتعجبون ويقولون: سحر من سحر محمد.
- حدثني محمد بن حاتم، عن يزيد، عن محمد بن إسحاق، عن الزهري، عن عبد الله بن ثعلبة بن صعير قال:
قال أبو جهل: «اللهم أقطعنا للرحم، وآتانا بما لا نعرف، فأحنه الغداة». يقول هذا يوم بدر. فأنزل الله : ﴿إِنْ تَسْتَفْتِحُوا فَقَدْ جاءَكُمُ الْفَتْحُ﴾ (١). واستفتاحه هو قوله هذا (٢).
قالوا: كان رسول الله ﷺ جالسا في المسجد ومعه أبو بكر، وعمر، وسعد بن أبي وقاص رضي الله تعالى عنهم، إذ أقبل رجل من بني زبيد، وهو يقول: يا معشر قريش، كيف تدخل عليكم مادّة أو جلب وأنتم تظلمون من دخل إليكم؟ وجعل يقف على الحلق، حتى انتهى إلى رسول الله ﷺ وهو في أصحابه. فقال له رسول الله ﷺ : من ظلمك؟ قال: أبو الحكم؛ طلب مني ثلاثة أجمال، هي خيار إبلي، فلم أبعه إياها بالوكس، فليس يبتاعها أحد مني اتباعا لمرضاته؛ فقد أكسد سلعتي وظلمني. فقال
стр. 164
رسول الله ﷺ : وأين أجمالك؟ قال: هي هذه بالحزوّرة (١). فابتاعها رسول الله ﷺ منه. فباع جملين منها بالثمن الذي التمسه؛ وباع البعير الثالث وأعطى ثمنه أرامل بني عبد المطلب، وأبو جهل جالس في ناحية من السوق، لا يتكلم، ثم أقبل رسول الله ﷺ ، فقال: يا عمرو، إياك أن تعود لمثل ما صنعت بهذا الأعرابي، فترى مني ما تكره. فجعل يقول:
لا أعود، يا محمد، فلما انصرف رسول الله ﷺ ، أقبل عليه أمية بن خلف ومن حضر من المشركين، فقالوا: لقد ذللت في يد محمد، حتى كأنك تريد اتباعه. فقال: لا أتبعه والله أبدا؛ إنما كان انكساري عنه لما رأيت من سحره، لقد رأيت عن يمينه وشماله رجالا معهم رماح يشرعونها إليّ. لو خالفته لكانت إياها. فقالوا: هذا سحر منه؟ قال: هو ذاك.
- وقتل أبو جهل يوم بدر وهو ابن سبعين سنة، وكان معاذ بن عمرو بن الجموح وبعض بني عفراء ضرباه. ودفف عليه ابن مسعود.
أمر أبي لهب بن عبد المطلب
- قالوا: كان أبو لهب أحد من يؤذي رسول الله ﷺ . ووقع بينه وبين أبي طالب كلام، فصرعه أبو لهب وقعد على صدره وجعل يضرب وجهه. فلما رآه رسول الله ﷺ لم يتمالك أن أخذ بضبعي أبي لهب، فضرب به الأرض.
وقعد أبو طالب على صدره، فجعل يضرب وجهه. فقال أبو لهب للنبي ﷺ : هو عمك وأنا عمك؛ فلم فعلت هذا فيّ؟ والله لا يحبك قلبي أبدا.
- قالوا: وكان أبو لهب يطرح القذر والنتن على باب النبي ﷺ ، فرآه حمزة بن عبد المطلب ﵀ وقد طرح من ذلك شيئا. فأخذه وطرحه على
стр. 165
رأسه. فجعل أبو لهب ينفض رأسه ويقول: صابيء أحمق. فأقصر عما كان يفعل، ولكنه كان يدسّ من يفعله.
- وروى ابن أبي الزناد، عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة رضي الله تعالى عنها قالت:
قال رسول الله ﷺ : كنت بين شرّ جارين: بين أبي لهب وعقبة بن أبي معيط؛ إن كانا ليأتيان بالفروث فيطرحونها في بابي. قالت عائشة:
فكان النبي ﷺ يقول: يا بني عبد مناف، أي جوار هذا؟ ثم يميطه عن بابه.
- قالوا: وبعث أبو لهب ابنه عتبة بن أبي لهب بشيء يؤذي به رسول الله ﷺ ، فسمعه يقرأ: ﴿وَالنَّجْمِ إِذا هَوى﴾ (١). فقال: أنا أكفر برب النجم. فقال رسول الله ﷺ : سلط الله عليك كلبا من كلابه، فخرج في تجارة، فجاء الأسد وهو وأصحابه نيام، بحوران. فجعل يهمس ويشمّ حتى انتهى اليه، فضمغه ضمغة أتت عليه. فجعل يقول، وهو بآخر رمق: ألم أقل لكم إنّ محمدا أصدق الناس؟ ثم مات.
- ومات أبو لهب، واسمه عبد العزى، بداء يعرف بالعدسة (٢).
وكان موته بمكة بعد وقعة بدر بسبعة أيام، فبلغه خبرها ولم يشهدها.
أمر الأسود بن عبد يغوث بن وهب بن عبد مناف بن زهرة بن كلاب:
- وكان الأسود بن عبد يغوث من المستهزئين الذين قال الله :
стр. 166
﴿إِنّا كَفَيْناكَ الْمُسْتَهْزِئِينَ﴾ (١). وكان إذا رأى المسلمين، قال لأصحابه: «قد جاءكم ملوك الأرض الذين يرثون ملك كسرى وقيصر. ويقول للنبي ﷺ :
أما كلمت اليوم من السماء، يا محمد؟ وما أشبه هذا القول. فخرج من عند أهله، فأصابته السموم، فاسودّ وجهه حتى صار حبشيا. فأتى أهله، فلم يعرفوه وأغلقوا دونه الباب. فرجع متلددا حتى مات عطشا.
- ويقال: إن جبريل ﵇ أومأ إلى رأسه، فضربته الأكلة، فامتحض رأسه قيحا. ويقال: أومأ إلى بطنه، فسقي بطنه ومات حبنا.
ويقال: إنه عطش، فشرب الماء حتى انشق بطنه بمكة.
وقال الواقدي: مات حين هاجر النبي ﷺ ، ودفن بالحجون.
- وحدثني أبو بكر الأعين، ثنا علي بن عبد الله المديني، عن سفيان بن عيينة، عن عمرو، عن عكرمة قال:
أخذ جبريل ﵇ بعنق الأسود بن عبد يغوث، فحنا ظهره حتى احقوقف. فقال رسول الله ﷺ : خالي، خالي. فقال جبريل:
يا محمد دعه.
أمر الحارث بن قيس السهمي
كان الحارث بن قيس بن عدي بن سعد بن سهم بن عمرو أحد المستهزئين المؤذين لرسول الله ﷺ ، وهو ابن الغيطلة، وهي من ولد شنوق بن مرّة بن عبد مناف بن كنانة، والغيطلة أم أولاد قيس بن عدي، نسبوا إليها، وهو الذي نزلت فيه: ﴿أَ فَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلهَهُ هَواهُ﴾ (٢). وكان
стр. 167
يأخذ حجرا، فإذا رأى أحسن منه تركه وأخذ الأحسن، وكان يقول: لقد غرّ محمد نفسه وأصحابه أن وعدهم أن يحيوا بعد الموت؛ والله ما يهلكنا إلاّ الدهر ومرور الأيام والأحداث. أكل حوتا مملوحا، فلم يزل يشرب عليه الماء حتى مات. ويقال: إنه أصابته الذبحة (١). وقال بعضهم: امتحض رأسه قيحا.
أمر الوليد بن المغيرة بن عبد الله بن عمر بن مخزوم بن يقظة،
وأبي أحيحة سعيد بن العاص بن أمية.
قالوا: كان الوليد يكنى أبا عبد شمس، وهو العدل، وهو الوحيد.
وإنما سمي العدل لأنه يقال إنه يعدل قريشا كلها، ويقال: إنّ قريشا كانت تكسو الكعبة، فيكسوها مثل ما تكسوها كلها.
- وكان جمع قريشا في دار الندوة، ثم قال لهم: يا قوم، إن العرب يأتونكم أيام الحج فيسألونكم عن محمد، فتختلفون، يقول هذا:
«ساحر»، ويقول هذا: «شاعر»، ويقول هذا: «مجنون»، ويقول هذا:
«كاهن»؛ والناس يعلمون أن هذه الأشياء لا تجتمع، فقالوا: نسميه شاعرا؟ قال الوليد: قد سمعتم الشعر وسمعناه؛ فما يشبه ما يجيء شيئا من ذلك؛ قالوا: فكاهن؟ قال: صاحب الكهانة يصدق ويكذب، وما رأينا محمدا كذب قط، قالوا: فمجنون؟ قال: المجنون يخنق، ومحمد لا يخنق. ثم مضى الوليد إلى بيته. فقالوا: صبأ (٢). فقال: ما صبأت،
стр. 168
ولكني فكرت فقلت: أولى ما سمي به ساحر لأنّ الساحر يفرّق بين المرأة وزوجها، والأخ وأخته، فنادوا بمكة: إنّ محمدا ساحر. فنزلت فيه:
﴿ذَرْنِي وَ مَنْ خَلَقْتُ وَحِيداً﴾ إلى قوله ﴿تِسْعَةَ عَشَرَ﴾ (١) فقال أبو الأسدين، واسمه كلدة بن أسيد بن خلف الجمحي: أنا أكفيكم خمسة على ظهري، وأربعة بيدي، فاكفوني بقيتهم، فأنزلت: ﴿وَما جَعَلْنا أَصْحابَ النّارِ إِلاّ مَلائِكَةً وَما جَعَلْنا عِدَّتَهُمْ إِلاّ فِتْنَةً لِلَّذِينَ كَفَرُوا﴾ (٢).
- وقال الوليد: لئن لم ينته محمد عن سبّ آلهتنا، لنسبنّ إلهه، فقال أبو جهل: نعم ما قلت، ووافقهما الأسود بن عبد يغوث، وهو ابن خال رسول الله ﷺ . فنزلت: ﴿وَلا تَسُبُّوا الَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللهِ فَيَسُبُّوا اللهَ عَدْواً بِغَيْرِ عِلْمٍ﴾ (٣).
- قالوا: واعترض الوليد بن المغيرة رسول الله ﷺ . ومع الوليد عدّة من قريش. منهم الأسود بن المطلب بن أسد بن عبد العزى، والعاص بن وائل السهمي، وأمية بن خلف. فقالوا: «يا محمد، هلم، فلنعبد ما تعبد، وتعبد ما نعبد، فنشترك نحن وأنت في الأمر. فإن كان ما تعبد خيرا، كنا قد أخذنا بحظنا، وإن كان ما نعبد خيرا، كنت قد أخذت بحظك». فأنزل الله سورة ﴿قُلْ يا أَيُّهَا الْكافِرُونَ﴾. يقول: قل لهم، ﴿لا أَعْبُدُ﴾ الآن ﴿ما تَعْبُدُونَ * وَلا أَنْتُمْ عابِدُونَ ما أَعْبُدُ* وَلا أَنا عابِدٌ﴾ أبدا ﴿ما عَبَدْتُّمْ * وَلا أَنْتُمْ عابِدُونَ﴾ أبدا ﴿ما أَعْبُدُ* لَكُمْ﴾ كفركم ﴿وَ لِيَ﴾ (٤) إيماني.
стр. 169
-وقال الوليد لأبي أحيحة سعيد بن العاص بن أمية - وكان نديمه:
لولا أنزل هذا القرآن الذي يأتي به محمد على رجل من أهل مكة أو من أهل الطائف، أو مثل أمية بن خلف، فقال أبو أحيحة: أو مثلك، يا أبا عبد شمس، أو على رجل من ثقيف مثل مسعود بن عمرو، أو كنانة بن عبد يا ليل، أو مسعود بن معتب وابنه عروة بن مسعود. فأنزل الله :
﴿وَقالُوا لَوْلا نُزِّلَ هذَا الْقُرْآنُ عَلى رَجُلٍ مِنَ الْقَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ * أَ هُمْ يَقْسِمُونَ رَحْمَتَ رَبِّكَ﴾ (١).
- وقال الواقدي: مات الوليد بعد الهجرة بثلاثة أشهر أو نحوها، وهو ابن خمس وتسعين سنة، ودفن بالحجون. وكان الوليد أحد المستهزئين، فمرّ برجل، يقال له حرّاث بن عامر، من خزاعة وهو الثبت - وبعضهم يقول: حرّاب - ويكنى أبا قصاف، وهو يريش نبلا له ويصلحها. فوطيء على سهم منها، فخدش أخمص رجله خدشا يسيرا، ويقال: علق بإزاره، فخدش ساقه خدشا خفيفا، فأهوى إليه جبريل ﵇ فانتقض الخدش. وضربته الأكلة في رجله أو ساقه، فمات، وأوصى بنيه، فقال: اطلبوا خزاعة بالسهم الذي أصابني. وأعطت خزاعة ولده العقل، وقال: فانظروا عقري عند أبي أزيهر الدوسي من الأزد، فلا يفوتنكم. فغدا هشام بن الوليد على أبي أزيهر بعد بدر، فقتله. وهو أبو أزيهر بن أنيس بن الخيسق، من ولد سعد بن كعب بن الغطريف. وكان أبو أزيهر حليفا لأبي سفيان بن حرب بن أمية. فزوّج ابنته من عتبة بن ربيعة.
وتزوّج الوليد بن المغيرة ابنة له أخرى. فأمسكها أبو أزيهر ولم يهدها إليه.
وزوّج عاتكة ابنته أبا سفيان، فولدت له محمد بن أبي سفيان، وعنبسة بن
стр. 170
أبي سفيان. وكان قتل هشام أبا أزيهر بذي المجاز. فخرج يزيد بن أبي سفيان، فجمع جمعا من بني عبد شمس وغيرهم من بني عبد مناف، وتسلح وأراد قتال بني مخزوم. وبلغ أبا سفيان، وكان حليما يحب قومه، فخاف أن يكون بين قريش نائرة حرب بسبب أبي أزيهر. فأتى يزيد، فأخذ الرمح من يده، وقال: قبحك الله، أتريد أن تضرب بعض قريش ببعض وقد ترى ما هي فيه من محمد؟ فقال: أخفرت صهرك وحليفك وأنت راض بذلك؟ فقال: من لم يصبر على صغير المكروه، فقد تعرّض للكبيرة، وأطفأ أبو سفيان ذلك الأمر. فقال حسان يحرّض على الطلب بدم أبي أزيهر، ويعير أبا سفيان:
غدا أهل ضوجى ذي المجار كليهما … وجار ابن حرب بالمغمس ما يغدو
وقد يمنع العير الضروط ذماره … وما منعت مخزاة والدها هند
كساك هشام بن الوليد خزاية … فأبل وأخلق مثلها جددا بعد (١)
فقال أبو سفيان: إنما ذهب حسان ليغري بيننا فيشتفي هو وأصحابه بذلك. وحمل ديته.
وقال جعدة بن عبد الله بن عبد العزّى:
لا أرى في الأنام مثل هشام … أبدا من مسوّد ومسود
يوم لقّى أبا أزيهر عضبا … لم يكن عند ذاك بالمحدود
ثم ولى بذي المجاز كريما … غير ما طائش ولا رعديد
وكان سعد بن صفيح بن الحارث الدوسي، وهو خال أبي هريرة عمير بن عامر بن عبد الله بن ذي الشركي، لا يأخذ أحدا من قريش إلا قتله
стр. 171
بأبي أزيهر. فممن قتل بجير بن العوام بن خويلد، ولقيه باليمامة؛ وبجاد بن السائب بن عويمر بن عائذ بن عمران بن مخزوم، وكان ضرار بن الخطاب بن مرداس الفهري بالسراة، وهي فوق الطائف وهي بلاد دوس والأزد، فوثبت دوس عليه ليقتلوه بأبي أزيهر، فسعى حتى دخل بيت امرأة من الأزد، يقال لها أم جميل، واتبعه رجل منهم ليضربه. فوقع ذباب السيف على الباب، وقامت في وجوههم فذّبتهم ونادت قومها، فمنعوه لها، فلما استخلف عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه، ظنت أنه أخوه. فأتت المدينة. فلما كلمته، عرف القصة، فقال: لست بأخيه إلا في الإسلام وهو غاز بالشأم، وقد عرفنا منّتك عليه، فأعطاها على أنها ابنة سبيل.
وقال الواقدي: اسمها أم غيلان، وذلك أثبت، والذي زعم أنها «أم جميل»، أبو عبيدة معمر بن المثنى. وقال ضرار بن الخطاب:
جزى الله عنا أم غيلان صالحا … ونسوتها إذ هنّ شعث عواطل
فهنّ دفعن الموت بعد اقترابه … وقد برزت للثائرين المقاتل
دعت دعوة دوسا فسالت شعابها … بعز ولما يبد منهم تخاذل
وجردت سيفي ثم قمت بنصله … وعن أي نفس بعد نفسي أقاتل (١)
وقيل إنّ أم غيلان هذه كانت مولاة للأزد ماشطة.
- وقال ابن الكلبي: ولد أبو أزيهر أبا جنادة. فولد أبو جنادة:
شميلة. تزوّجها مجاشع بن مسعود السلمي، فقتل عنها يوم الجمل.
стр. 172
ويقال: طلقها، فتزوّجها عبد الله بن عباس. وإياها عنى ابن فسوة (١) في قوله:
أتيح لعبد الله يوم لقيته … شميلة ترمي بالحديث المقتر
وروي عن قتادة أن الوليد وطيء على سهم، فقطع أكحله فمات.
- وكان نضر بن الحجاج بن علاط السلمي جميلا، وكان عند مجاشع، وامرأته شميلة حاضرة، وكان مجاشع أميا، وشميلة تكتب، فكتب نضر بن الحجاج في الأرض: «أنا والله أحبك حبا لو كان فوقك لأظلك، ولو كان تحتك لأقلك». فكتبت: «وأنا والله». فأكب مجاشع على الكتابة إناء. ثم أتى بمن قرأ الكتاب. فأخرج نضرا، وطلق شميلة، ويقال: إن نضرا محا ما كتب وبقي «وأنا والله». فقال: ما كتابك «وأنا والله»؟ قالت: «لا إله إلا الله». فقال: هذا لا يلائم «وأنا والله». ولم يزل بها حتى صدقته.
- وقال الجون بن أبي الجون الخزاعي:
نحن عقرنا بالصعيد وليدكم … وما مثلها من رهطه ببعيد
كبا للجبين والأنف صاغرا … فأهون علينا صاغرا بوليد
وأما أمية وأبيّ ابنا خلف:
- فكانا على شرّ ما يكون عليه أحد من أذى النبي ﷺ وتكذيبه، وجاء أبيّ بعظم نخر، ففته في يده ثم قال: زعمت يا محمد أنّ ربك يحيى هذا
стр. 173
العظم؛ ثم نفخه. فنزلت: ﴿قالَ مَنْ يُحْيِ الْعِظامَ وَ هِيَ رَمِيمٌ﴾ (١).
وحدثني محمد بن حاتم المروزي، ثنا عبد الله بن نمير، عن سفيان الثوري، عن أبي السوداء، عن ابن سابط:
أن أبيا صنع طعاما، ثم أتى حلقة فيها النبي ﷺ ، فدعاهم ودعاه، فقال رسول الله ﷺ : لا أقوم حتى تشهد أن لا إله إلا الله، ففعل، فقام النبي ﷺ معه، فلقيه عقبة بن أبي معيط، فقال: أقلت كذا وكذا؟ قال:
إنما قلت ذلك لطعامنا. فنزلت: ﴿وَ يَوْمَ يَعَضُّ الظّالِمُ عَلى يَدَيْهِ﴾ (٢) الآية.
وقد قيل: إنّ الذي دعا النبي ﷺ ، فيمن دعا، عقبة بن أبي معيط، فأنكر أبيّ ذلك عليه، وكان صديقا له ونديما، وقال: اتبعت محمدا؟ فقال: لا والله، ولكني تذممت أن لا أدعوه، وإذ دعوته ألا يأكل من طعامي؛ فقلت له قولا لم أعتقده. فقال له: وجهي من وجهك حرام إن لم تكفر به وتتفل في وجهه. ففعل ورجع ما خرج من فيه إلى وجهه، فأنزل الله: ﴿وَ يَوْمَ يَعَضُّ الظّالِمُ عَلى يَدَيْهِ،﴾ يعني عقبة. وقوله ﴿فُلاناً﴾ (٣)، يعني أبيّ بن خلف، وهي قراءة عبد الله بن مسعود: ﴿لَيْتَنِي لَمْ أَتَّخِذْ﴾ أبيا ﴿خَلِيلاً﴾. وبعض الرواة يقول: إنّ أمية بن خلف فعل هذا. ولا يذكر أبيا.
- وقتل أمية يوم بدر، قتله خبيب بن إساف، ويقال: اشترك خبيب وبلال في قتله، ويقال: قتله أبو رفاعة بن رافع الأنصاري.
- وقتل رسول الله ﷺ أبيا يوم أحد، أخذ حربته أو حربة غيره، فقتله بها.
стр. 174
وكان أبو قيس بن الفاكه بن المغيرة من المؤذين لرسول الله ﷺ ، المغرقين في أذاه، يعين أبا جهل على صنيعه، قتله حمزة بن عبد المطلب يوم بدر، ويقال: قتله الحباب بن المنذر.
العاص بن وائل السهمي
- كان العاص بن وائل من المستهزئين. ولما مات عبد الله ابن رسول الله ﷺ ، قال: إنّ محمدا أبتر، لا يعيش له ذكر، فأنزل الله فيه:
﴿إِنَّ شانِئَكَ هُوَ الْأَبْتَرُ﴾ (١). فركب حمارا له - ويقال: بغلة له بيضاء - فلما صار بشعب من تلك الشعاب، وهو يريد الطائف، ربض به الحمار أو البغلة على شبرقة (٢)، فأصابت رجله شوكة منها، فانتفخت حتى صار كعنق البعير، ومات. ويقال: إنه لما ربض به حماره أو بغلته، لدغ فمات مكانه، وكان ابنه عمرو يقول: لقد مات أبي وهو ابن خمس وثمانين سنة، وإنه ليركب حمارا له من هذه الدبابه إلى ماله بالطائف، فيمشى عنه أكثر مما يركبه.
- وقال الواقدي: مات العاص بعد هجرة النبي ﷺ إلى المدينة بأشهر، وهو ابن خمس وثمانين سنة. وكان يكنى أبا عمرو.
وحدثني محمد بن سعد قال: قلت للواقدي: قال الله ﴿إِنّا كَفَيْناكَ الْمُسْتَهْزِئِينَ﴾ (٣)، وهذه السورة مكية؟ فقال: سألت مالكا وابن أبي ذئب عن هذا، فقالا: كفاه إياهم، فبعضهم مات، وبعضهم عمي فشغل
стр. 175
عنه، وبعضهم كفاه إياه إذ هيأ الله له من أسباب مفارقته بالهجرة ما هيأ له.
قال: وقال غيرهما: كفاه الله أمرهم، فلم يضرّوه بشيء.
النضر بن الحارث العبدري
كان النضر بن الحارث بن علقمة بن كلدة بن عبد مناف بن عبد الدار يكنى أبا فائد، وكان أشد قريش مباداة للنبي ﷺ بالتكذيب والأذى، وكان صاحب أحاديث، ونظر في كتب الفرس، ومخالطة النصارى واليهود، وكان لما سمع بذكر النبي ﷺ وحضور وقت مبعثه، يقول: والله لئن جاءنا نذير لنكونن أهدى من إحدى الأمم، فنزلت فيه: ﴿وَ أَقْسَمُوا بِاللهِ جَهْدَ أَيْمانِهِمْ لَئِنْ جاءَهُمْ نَذِيرٌ لَيَكُونُنَّ أَهْدى مِنْ إِحْدَى الْأُمَمِ﴾ (١).
وكان يحدّث، ثم يقول: أينا أحسن حديثا، أنا أم محمد؟ ويقول: إنما يأتيكم محمد بأساطير الأولين. فنزلت فيه: ﴿وَ إِذا تُتْلى عَلَيْهِمْ آياتُنا قالُوا قَدْ سَمِعْنا لَوْ نَشاءُ لَقُلْنا مِثْلَ هذا إِنْ هذا إِلاّ أَساطِيرُ الْأَوَّلِينَ﴾ (٢). ونزلت فيه:
﴿اللهُمَّ إِنْ كانَ هذا هُوَ الْحَقَّ مِنْ عِنْدِكَ فَأَمْطِرْ عَلَيْنا حِجارَةً مِنَ السَّماءِ أَوِ ائْتِنا بِعَذابٍ أَلِيمٍ﴾ (٣). ونزلت فيه: ﴿وَقالُوا رَبَّنا عَجِّلْ لَنا قِطَّنا قَبْلَ يَوْمِ الْحِسابِ﴾ (٤). ونزلت فيه: ﴿سَأَلَ سائِلٌ بِعَذابٍ واقِعٍ﴾ (٥). ونزلت فيه:
﴿وَ مِنَ النّاسِ مَنْ يُجادِلُ فِي اللهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ﴾ (٦). ونزلت فيه: ﴿أَ فَبِعَذابِنا﴾
стр. 176
﴿يَسْتَعْجِلُونَ﴾ (١)، وكان النضر قدم الحيرة، فتعلم ضرب البربط، وغنى غناء أهل الحيرة، وعلّم ذلك قوما من أهل مكة. وكان غناؤهم قبل ذلك النصب (٢)، واشترى قينتين، فنزلت فيه: ﴿وَ مِنَ النّاسِ مَنْ يَشْتَرِي لَهْوَ الْحَدِيثِ لِيُضِلَّ عَنْ سَبِيلِ اللهِ﴾ (٣).
- ولقي النبي ﷺ ، فقال: أنت الذي تزعم أنك ستوقع بقريش عن قليل، وأن الله قد أوحى إليك بذلك؟ فقال: نعم، وأنت منهم. فنزلت:
﴿وَ أَنْ عَسى أَنْ يَكُونَ قَدِ اقْتَرَبَ أَجَلُهُمْ﴾ (٤). وسأل النبي ﷺ : متى تنقضى الدنيا؟ فنزلت فيه: ﴿يَسْئَلُونَكَ عَنِ السّاعَةِ أَيّانَ مُرْساها﴾ الآية (٥).
- وكان يقول: إنما يعينه على ما يأتي به في كتابه هذا جبر، غلام الأسود بن المطلب؛ وعدّاس، غلام شيبة بن ربيعة، ويقال غلام عتبة بن ربيعة، وغيرهما. فأنزل الله : ﴿وَ لَقَدْ نَعْلَمُ أَنَّهُمْ يَقُولُونَ إِنَّما يُعَلِّمُهُ بَشَرٌ لِسانُ الَّذِي يُلْحِدُونَ إِلَيْهِ أَعْجَمِيٌّ وَهذا لِسانٌ عَرَبِيٌّ مُبِينٌ﴾ (٦). وأنزل الله فيه: ﴿وَقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ هَذا إِلاّ إِفْكٌ افْتَراهُ وَ أَعانَهُ عَلَيْهِ قَوْمٌ آخَرُونَ فَقَدْ جاؤُ ظُلْماً وَ زُوراً* وَقالُوا أَساطِيرُ الْأَوَّلِينَ اكْتَتَبَها فَهِيَ تُمْلى عَلَيْهِ بُكْرَةً وَ أَصِيلاً﴾ (٧).
стр. 177
-وأسره المقداد يوم بدر. فأمر رسول الله ﷺ بضرب عنقه، فضرب علي بن أبي طالب ﵁ عنقه صبرا بالأثيّل (١).
أمر أبي أحيحة
- وكان أبو أحيحة سعيد بن العاص بن أمية يقول: دعوا محمدا ولا تعرضوا له، فإن كان ما يقول حقا، كان فينا دون غيرنا من قريش. وإن كان كاذبا، قامت قريش به دونكم. فكان النبي ﷺ يمرّ به. فيقول: إنه ليكلم من السماء، حتى أتاه النضر بن الحارث. فقال له: إنه يبلغني أنك تحسن القول في محمد؛ وكيف ذلك وهو يسبّ الآلهة، ويزعم أن آباءنا في النار، ويتوّعد من لم يتبعه بالعذاب؟ فأظهر أبو أحيحة عداوة رسول الله ﷺ ، و ذّمه، وعيب ما جاء به، وجعل يقول: ما سمعنا بمثل ما جاء به، لا في يهودية ولا نصرانية.
- وكان أبو أحيحة ذا شرف بمكة، وقويت أنفس المشركين حين رجع عن قوله الأول، وأتاه النضر شاكرا له على ذلك، لإعظام قريش إياه، وكان إذا اعتمّ، لم يعتم أحد بمكة بعمامة على لون عمامته إعظاما له، فكان يدعى «ذا التاج». وفيه يقول أبو قيس بن الأسلت، واسمه صيفي بن عامر بن جشم، من الأوس:
وكان أبو أحيحة قد علمتم … بمكة غير مهتضم ذميم
إذا شد العمامة ذات يوم … وقام إلى المجالس والخصوم
فقد حرمت على من كان يمشي … بمكة غير ذي دنف سقيم
وبيتكم رفيع في قريش … منيف في الحديث وفي القديم
стр. 178
وسطت ذوائب الفرعين منهم … فأنت لباب فرعهم الصميم
كريم من سراة بني لؤي … كبدر الليل راق على النجوم
- ومات أبو أحيحة في ماله بالطائف سنة اثنتين من الهجرة، ويقال: في أول سنة من الهجرة، وكان له تسعون سنة، فلما غزا رسول الله ﷺ الطائف، رأى قبر أبي أحيحة مشرفا، فقال أبو بكر رضي الله تعالى عنه: لعن الله صاحب هذا القبر، فإنه كان ممن يحادّ الله ورسوله، فقال ابناه، عمرو وأبان:
لعن الله أبا قحافة، فإنه لا يقري الضيف، ولا يدفع الضيم، فقال رسول الله ﷺ : سبّ الأموات يؤذي الأحياء؛ فإذا سببتم فعموا.
قالوا: وأتى النضر وعقبة بعض أهل الكتاب، فقالوا: أعطونا شيئا نسأل عنه محمدا. فقالوا: سلوه عن فتية هلكوا قديما، وعن رجل طاف حتى بلغ المشرق والمغرب. فسألوه عن أهل الكهف وذي القرنين. فأنزل الله في أمرهم ما أنزل (١).
- وقال النضر وأمية بن خلف وأبو جهل للنبي ﷺ : إن كان قرآنك من عند الله، فأحي لنا آباءنا، وأوسع لنا بلدنا بأن تسير هذه الجبال عنا، فقد ضيقت مكة علينا، أو اجعل لنا الصفا ذهبا أستغني عن الرحلة؛ فإن فعلت ذلك، آمنا بك، وكان النضر خطيب القوم. فأنزل الله: ﴿وَ لَوْ أَنَّ قُرْآناً سُيِّرَتْ بِهِ الْجِبالُ أَوْ قُطِّعَتْ بِهِ الْأَرْضُ أَوْ كُلِّمَ بِهِ الْمَوْتى﴾ إلى قوله ﴿فَكَيْفَ كانَ عِقابِ» (٢).
وأخذ النضر عظما نخرا، فسحقه ونفخه، وقال: من يحيي هذا يا محمد؟ فنزلت فيه: ﴿وَ ضَرَبَ لَنا مَثَلاً وَ نَسِيَ خَلْقَهُ قالَ مَنْ يُحْيِ الْعِظامَ﴾
стр. 179
﴿وَ هِيَ رَمِيمٌ﴾ (١) وما بعد ذلك. ويقال: إنّ أبي بن خلف صاحب العظم.
- قالوا: فلما كان يوم بدر، أسر المقداد بن عمرو - وهو الذي ينسب إلى ربيبه الأسود بن عبد يغوث الزهري - النضر بن الحارث، وجاء به إلى رسول الله ﷺ ، فأمر عليا ﵇ بضرب عنقه، فقال المقداد: أسيرى يا رسول الله؟ فقال رسول الله ﷺ : إنه كان يقول في كتاب الله وفي رسوله ما يقول، ثم قال: اللهم أغن المقداد من فضلك.
- وقال النضر، وقد وجيء به أسيرا، لرجل إلى جنبه: «محمد والله قاتلي.
لقد نظر إليّ بعينين فيهما الموت». وقال لمصعب بن عمير: «يا مصعب أنت أقرب من ههنا إليّ وأمسهم رحما بي، فكلم صاحبك في أن يجعلني كرجل من أصحابي». فقال له: إنك كنت تقول كذا وتفعل كذا؛ فقال: يا مصعب، ليس هذا الحين عتاب؛ فسله أن يجعلني كرجل من أصحابي؛ فلو أسرتك قريش لدافعت عنك، فقال مصعب: «أنت صادق؛ ولست مثلك. إنّ الإسلام قد قطع العهود بيننا وبينكم».
- حدثني عبد الله بن معاذ، عن أبيه، عن شعبة، عن أبي بشر، عن سعيد بن جبير قال:
أسر المقداد يوم بدر النضر بن الحارث، فلما أراد رسول الله ﷺ قتله، قال له المقداد: يا رسول الله، أسيرى؟ فقال رسول الله ﷺ : إنه كان يقول في الله ورسوله ما يقول؛ وقرأ: ﴿وَ إِذا تُتْلى عَلَيْهِمْ آياتُنا قالُوا قَدْ سَمِعْنا﴾ الآية (٢). ثم قتله صبرا. وقال: «اللهم أغن المقداد من فضلك» ثلاثا
стр. 180
-قالت قتيلة ابنة النضر بن الحارث - وبعض الرواة يقول: قتيلة بنت الحارث، والأول أثبت:
يا راكبا إنّ الأثيل مظنة … عن صبح خامسة وانت موفق
أبلغ بها ميتا بأنّ تحية … ما إن تزال بها النواعج تخفق
مني إليه وعبرة مسفوحة … جادت لسافحها (١) وأخرى تخنق
قولا لأحمد أنت ضنء (٢) … كريمة
لنجيبة والفحل فحل معرق
ما كان ضارك لو مننت وربما … منّ الفتى وهو المغيظ المحنق
النضر أقرب من قتلت قرابة … وأحقهم إن كان عتق يعتق
ظلت سيوف بني أبيه تنرشه … لله أرحام هناك تشقق
فيقال إنّ النبي ﷺ قال: لو سمعت هذا الشعر قبل قتله، ما قتلته.
والله أعلم.
أمر منبه ونبيه ابني الحجاج
- وكان منبه ونبيه ابنا الحجاج السهميان على مثل ما كان عليه أصحابهما من أذى رسول الله ﷺ ، والطعن عليه، وكانا يلقيانه فيقولان: «أما وجد الله من يبعثه غيرك؟ إنّ هاهنا من هو أسنّ منك وأيسر، فإن كنت صادقا، فائت بملك يشهد لك، ويكون معك». وإذا ذكراه، قالا: «معلّم مجنون، يعلمه أهل الكتاب ما يأتي به». وكان ﷺ يدعو عليهما، فأما منبه، فقتله عليّ ﵇. ويقال: أبو اليسر الأنصاري. ويقال: أبو أسيد الساعدي، وأما نبيه، فقتله عليّ بن أبي طالب، وقتل أيضا العاص بن منبه، وكان صاحب