← Ансаб

Ансаб · id 9773

أنساب الأشراف - ط الفكر

البلاذري

Полный текст (5 555 стр.). Показаны 176–215 · переход к 181.

стр. 176

﴿يَسْتَعْجِلُونَ﴾ (١)، وكان النضر قدم الحيرة، فتعلم ضرب البربط، وغنى غناء أهل الحيرة، وعلّم ذلك قوما من أهل مكة. وكان غناؤهم قبل ذلك النصب (٢)، واشترى قينتين، فنزلت فيه: ﴿وَ مِنَ النّاسِ مَنْ يَشْتَرِي لَهْوَ الْحَدِيثِ لِيُضِلَّ عَنْ سَبِيلِ اللهِ﴾ (٣). - ولقي النبي ﷺ ، فقال: أنت الذي تزعم أنك ستوقع بقريش عن قليل، وأن الله قد أوحى إليك بذلك؟ فقال: نعم، وأنت منهم. فنزلت: ﴿وَ أَنْ عَسى أَنْ يَكُونَ قَدِ اقْتَرَبَ أَجَلُهُمْ﴾ (٤). وسأل النبي ﷺ : متى تنقضى الدنيا؟ فنزلت فيه: ﴿يَسْئَلُونَكَ عَنِ السّاعَةِ أَيّانَ مُرْساها﴾ الآية (٥). - وكان يقول: إنما يعينه على ما يأتي به في كتابه هذا جبر، غلام الأسود بن المطلب؛ وعدّاس، غلام شيبة بن ربيعة، ويقال غلام عتبة بن ربيعة، وغيرهما. فأنزل الله : ﴿وَ لَقَدْ نَعْلَمُ أَنَّهُمْ يَقُولُونَ إِنَّما يُعَلِّمُهُ بَشَرٌ لِسانُ الَّذِي يُلْحِدُونَ إِلَيْهِ أَعْجَمِيٌّ وَهذا لِسانٌ عَرَبِيٌّ مُبِينٌ﴾ (٦). وأنزل الله فيه: ﴿وَقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ هَذا إِلاّ إِفْكٌ افْتَراهُ وَ أَعانَهُ عَلَيْهِ قَوْمٌ آخَرُونَ فَقَدْ جاؤُ ظُلْماً وَ زُوراً* وَقالُوا أَساطِيرُ الْأَوَّلِينَ اكْتَتَبَها فَهِيَ تُمْلى عَلَيْهِ بُكْرَةً وَ أَصِيلاً﴾ (٧).

стр. 177

-وأسره المقداد يوم بدر. فأمر رسول الله ﷺ بضرب عنقه، فضرب علي بن أبي طالب ﵁ عنقه صبرا بالأثيّل (١). أمر أبي أحيحة - وكان أبو أحيحة سعيد بن العاص بن أمية يقول: دعوا محمدا ولا تعرضوا له، فإن كان ما يقول حقا، كان فينا دون غيرنا من قريش. وإن كان كاذبا، قامت قريش به دونكم. فكان النبي ﷺ يمرّ به. فيقول: إنه ليكلم من السماء، حتى أتاه النضر بن الحارث. فقال له: إنه يبلغني أنك تحسن القول في محمد؛ وكيف ذلك وهو يسبّ الآلهة، ويزعم أن آباءنا في النار، ويتوّعد من لم يتبعه بالعذاب؟ فأظهر أبو أحيحة عداوة رسول الله ﷺ ، و ذّمه، وعيب ما جاء به، وجعل يقول: ما سمعنا بمثل ما جاء به، لا في يهودية ولا نصرانية. - وكان أبو أحيحة ذا شرف بمكة، وقويت أنفس المشركين حين رجع عن قوله الأول، وأتاه النضر شاكرا له على ذلك، لإعظام قريش إياه، وكان إذا اعتمّ، لم يعتم أحد بمكة بعمامة على لون عمامته إعظاما له، فكان يدعى «ذا التاج». وفيه يقول أبو قيس بن الأسلت، واسمه صيفي بن عامر بن جشم، من الأوس: وكان أبو أحيحة قد علمتم … بمكة غير مهتضم ذميم إذا شد العمامة ذات يوم … وقام إلى المجالس والخصوم فقد حرمت على من كان يمشي … بمكة غير ذي دنف سقيم وبيتكم رفيع في قريش … منيف في الحديث وفي القديم

стр. 178

وسطت ذوائب الفرعين منهم … فأنت لباب فرعهم الصميم كريم من سراة بني لؤي … كبدر الليل راق على النجوم - ومات أبو أحيحة في ماله بالطائف سنة اثنتين من الهجرة، ويقال: في أول سنة من الهجرة، وكان له تسعون سنة، فلما غزا رسول الله ﷺ الطائف، رأى قبر أبي أحيحة مشرفا، فقال أبو بكر رضي الله تعالى عنه: لعن الله صاحب هذا القبر، فإنه كان ممن يحادّ الله ورسوله، فقال ابناه، عمرو وأبان: لعن الله أبا قحافة، فإنه لا يقري الضيف، ولا يدفع الضيم، فقال رسول الله ﷺ : سبّ الأموات يؤذي الأحياء؛ فإذا سببتم فعموا. قالوا: وأتى النضر وعقبة بعض أهل الكتاب، فقالوا: أعطونا شيئا نسأل عنه محمدا. فقالوا: سلوه عن فتية هلكوا قديما، وعن رجل طاف حتى بلغ المشرق والمغرب. فسألوه عن أهل الكهف وذي القرنين. فأنزل الله في أمرهم ما أنزل (١). - وقال النضر وأمية بن خلف وأبو جهل للنبي ﷺ : إن كان قرآنك من عند الله، فأحي لنا آباءنا، وأوسع لنا بلدنا بأن تسير هذه الجبال عنا، فقد ضيقت مكة علينا، أو اجعل لنا الصفا ذهبا أستغني عن الرحلة؛ فإن فعلت ذلك، آمنا بك، وكان النضر خطيب القوم. فأنزل الله: ﴿وَ لَوْ أَنَّ قُرْآناً سُيِّرَتْ بِهِ الْجِبالُ أَوْ قُطِّعَتْ بِهِ الْأَرْضُ أَوْ كُلِّمَ بِهِ الْمَوْتى﴾ إلى قوله ﴿فَكَيْفَ كانَ عِقابِ» (٢). وأخذ النضر عظما نخرا، فسحقه ونفخه، وقال: من يحيي هذا يا محمد؟ فنزلت فيه: ﴿وَ ضَرَبَ لَنا مَثَلاً وَ نَسِيَ خَلْقَهُ قالَ مَنْ يُحْيِ الْعِظامَ﴾

стр. 179

﴿وَ هِيَ رَمِيمٌ﴾ (١) وما بعد ذلك. ويقال: إنّ أبي بن خلف صاحب العظم. - قالوا: فلما كان يوم بدر، أسر المقداد بن عمرو - وهو الذي ينسب إلى ربيبه الأسود بن عبد يغوث الزهري - النضر بن الحارث، وجاء به إلى رسول الله ﷺ ، فأمر عليا ﵇ بضرب عنقه، فقال المقداد: أسيرى يا رسول الله؟ فقال رسول الله ﷺ : إنه كان يقول في كتاب الله وفي رسوله ما يقول، ثم قال: اللهم أغن المقداد من فضلك. - وقال النضر، وقد وجيء به أسيرا، لرجل إلى جنبه: «محمد والله قاتلي. لقد نظر إليّ بعينين فيهما الموت». وقال لمصعب بن عمير: «يا مصعب أنت أقرب من ههنا إليّ وأمسهم رحما بي، فكلم صاحبك في أن يجعلني كرجل من أصحابي». فقال له: إنك كنت تقول كذا وتفعل كذا؛ فقال: يا مصعب، ليس هذا الحين عتاب؛ فسله أن يجعلني كرجل من أصحابي؛ فلو أسرتك قريش لدافعت عنك، فقال مصعب: «أنت صادق؛ ولست مثلك. إنّ الإسلام قد قطع العهود بيننا وبينكم». - حدثني عبد الله بن معاذ، عن أبيه، عن شعبة، عن أبي بشر، عن سعيد بن جبير قال: أسر المقداد يوم بدر النضر بن الحارث، فلما أراد رسول الله ﷺ قتله، قال له المقداد: يا رسول الله، أسيرى؟ فقال رسول الله ﷺ : إنه كان يقول في الله ورسوله ما يقول؛ وقرأ: ﴿وَ إِذا تُتْلى عَلَيْهِمْ آياتُنا قالُوا قَدْ سَمِعْنا﴾ الآية (٢). ثم قتله صبرا. وقال: «اللهم أغن المقداد من فضلك» ثلاثا

стр. 180

-قالت قتيلة ابنة النضر بن الحارث - وبعض الرواة يقول: قتيلة بنت الحارث، والأول أثبت: يا راكبا إنّ الأثيل مظنة … عن صبح خامسة وانت موفق أبلغ بها ميتا بأنّ تحية … ما إن تزال بها النواعج تخفق مني إليه وعبرة مسفوحة … جادت لسافحها (١) وأخرى تخنق قولا لأحمد أنت ضنء (٢) … كريمة لنجيبة والفحل فحل معرق ما كان ضارك لو مننت وربما … منّ الفتى وهو المغيظ المحنق النضر أقرب من قتلت قرابة … وأحقهم إن كان عتق يعتق ظلت سيوف بني أبيه تنرشه … لله أرحام هناك تشقق فيقال إنّ النبي ﷺ قال: لو سمعت هذا الشعر قبل قتله، ما قتلته. والله أعلم. أمر منبه ونبيه ابني الحجاج - وكان منبه ونبيه ابنا الحجاج السهميان على مثل ما كان عليه أصحابهما من أذى رسول الله ﷺ ، والطعن عليه، وكانا يلقيانه فيقولان: «أما وجد الله من يبعثه غيرك؟ إنّ هاهنا من هو أسنّ منك وأيسر، فإن كنت صادقا، فائت بملك يشهد لك، ويكون معك». وإذا ذكراه، قالا: «معلّم مجنون، يعلمه أهل الكتاب ما يأتي به». وكان ﷺ يدعو عليهما، فأما منبه، فقتله عليّ ﵇. ويقال: أبو اليسر الأنصاري. ويقال: أبو أسيد الساعدي، وأما نبيه، فقتله عليّ بن أبي طالب، وقتل أيضا العاص بن منبه، وكان صاحب

стр. 181

ذي الفقار، سيف رسول الله ﷺ . وذلك الثبت، وبعضهم يقول: إنه كان سيف منبه، ويقال أيضا: إنه كان سيف نبيه. وأما زهير بن أبي أمية - فهو أخو أم سلمة، زوج النبي ﷺ ، لأبيها، وكان ممن يظهر تكذيب رسول الله ﷺ ، وينكر ما جاء به، ويطعن عليه، ويردّ الناس عنه، إلا أنه ممن أعان على نقض الصحيفة التي كتبتها قريش على بني عبد المطلب، وكانت أمه عاتكة بنت عبد المطلب، عمة النبي ﷺ ، وقد اختلفوا فيه، فقال بعض الرواة: إنه شخص يريد بدرا، فسقط عن بعيره، فمرض ومات. وقال بعضهم: أسر يوم بدر، فأطلقه رسول الله ﷺ . فلما صار بمكة، مات، وقيل: إنه حضر وقعة أحد، ومات بعدها من سهم أصابه. وقال مصعب بن عبد الله الزبيري: شخص إلى اليمن بعد الفتح، فمات هناك كافرا (١). وأما عبد الله بن أبي أمية - فإن النبي ﷺ دعاه في قوم من المشركين. فقال له بعضهم: ﴿لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتّى تَفْجُرَ لَنا مِنَ الْأَرْضِ يَنْبُوعاً﴾ فإن ماء زمزم ملح. وقال آخر: «إن لم تفعل هذا، فإنا لا نؤمن لك حتى تكون لك بمكة جنة كجنان آل فارس ذات نخيل وأعناب»، وقال الثالث: «لن نؤمن لك حتى تسقط السماء علينا كسفا، أو تأتي بربك وملائكته فنراهم». وقال عبد الله بن أبي أمية: «لن نؤمن لك حتى نرى بيتا من ذهب يحدثه لك ربك ﴿أَوْ تَرْقى فِي السَّماءِ﴾ ثم

стр. 182

لا نؤمن لك حتى تأتينا بكتاب ونحن نراك فنقرأه» (١) فأنزل الله مكانة قولهم، وقال: قل لهم: ﴿سُبْحانَ رَبِّي هَلْ كُنْتُ إِلاّ بَشَراً رَسُولاً» (٢). وأسلم عبد الله، وقتل يوم الطائف. والثبت أن عبد الله قال هذا القول من بينهم، فنزلت فيه الآيات، وكان خطيب القوم ومتكلمهم. - وأما السائب بن أبي السائب، فقتل يوم بدر. قتله الزبير بن العوام. وأما الأسود بن عبد الأسد بن هلال المخزومي، فقتل يوم بدر أيضا. قتله حمزة ﵀. وأما عدي بن الحمراء الخزاعي، فلدغ وهو يريد بدرا، فمات. وأما العاص بن سعيد بن العاص بن أمية، فقتله حمزة أيضا يوم بدر. أمر أبي البختري العاص بن هاشم [بن الحارث] بن أسد بن عبد العزى (٣) بن قصي: - قالوا: كان أبو البختري أقل أذى لرسول الله ﷺ ، على أنه كان يكذّبه ويعيب ما جاء به، وكان ممن أعان على نقض الصحيفة. وكان رسول الله ﷺ أمر يوم بدر أن يستبقيه من لقيه، وأن لا يقتله. فلقيه المجذّر بن ذياد البلوي. فقال له: استأسر، فإنّ النبي ﷺ أمر أن لا تقتل. فقال: إنّ معي رفيقي جنادة بن مليحة؛ فإن استبقيتموه، وإلا فلا حاجة لي في الحياة. فأعيرّ بخذلانه، وجعل يقاتل ويقول: لن يسلم ابن حرة أكيله … حتى يموت أو يرى سبيله

стр. 183

فحمل عليه المجذّر فقتله، وجعل يقول: إما جهلت أو نسيت نسبي … فاثبت النسبة أني من بلي الطاعنين برماح اليزني … وأعبط القرن بعضب مشرفي - ثم إنّ المجذّر أتى النبي ﷺ ، فأخبره الخبر، وقال: والذي بعثك بالحق، لقد جهدت أن يستأسر فآتيك به، فقاتلني فقتلته. وقد قيل: إنّ الذي قتل أبا البختري: عمير بن عامر المازني، من بني مازن بن النجار، ويكنى أبا داود. - وفي أبي البختري نزلت: ﴿وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِياءَ ما نَعْبُدُهُمْ إِلاّ لِيُقَرِّبُونا إِلَى اللهِ زُلْفى إِنَّ اللهَ يَحْكُمُ بَيْنَهُمْ فِي ما هُمْ فِيهِ يَخْتَلِفُونَ﴾ (١). أمر عقبة بن أبي معيط: وكان عقبة بن أبي معيط أشدّ الناس عداوة لرسول الله ﷺ وأذى له، وهو عقبة بن أبي معيط - واسم أبي معيط: أبان - بن أبي عمرو بن أمية. وكان عقبة يكنى أبا الوليد. - حدثني محمد بن سعد كاتب الواقدي، عن محمد بن عمر الواقدي في إسناده: أنّ عقبة بن أبي معيط عمد إلى مكتل، فجعل فيه عذرة ثم ألقاه على باب رسول الله ﷺ ، فبصر به طليب بن عمير بن وهب بن عبد بن قصيّ بن كلاب - وأمه أروى بنت عبد المطلب - فأخذ المكتل منه، وضرب به رأسه، وأخذ بأذنيه، ونشب به عقبة، فذهب به إلى أمه، فقال لها: ألا ترين إلى

стр. 184

ابنك قد صار غرضا دون محمد؟ فقالت: «ومن أولى منه بذلك؟ هو ابن خاله. أموالنا وأنفسنا دون محمد». وجعلت تقول: إنّ طليبا نصر ابن خاله … آساه في ذي دمه وماله (١) فلما كان يوم بدر، أتى بعقبة أسيرا، وكان الذي أسره عبد الله بن سلمة بن مالك العجلاني، من بلي، وعداده في الأنصار، جمح به فرسه، فأخذه. فأمر رسول الله ﷺ عاصم بن ثابت بن أبي الأقلح الأوسي من الأنصار بضرب عنقه، فجعل عقبة يقول: «يا ويلتي، علام أقتل يا معشر قريش، أقتل من بين هؤلاء؟ فقال رسول الله ﷺ : «لعداوتك لله ورسوله». قال: «يا محمد، منّك فضل، فاجعلني كرجل ممن هاهنا من قومك وقومي، يا محمد، من للصبية؟» قال رسول الله ﷺ : «النار». وكان قتله بعرق الظبية. وقال الواقدي: قتل بالصفراء. وقيل: إنّ رسول الله ﷺ أمر به، فصلب. فكان أول مصلوب صلب في الإسلام. حدثني عبد الواحد بن غياث، ثنا حماد بن سلمة، عن عطاء بن السائب، عن عامر الشعبي: أنّ رسول الله ﷺ قال لعقبة يوم بدر: «والله لأقتلنك. فقيل أتقتله من بين قريش؟ قال: نعم، إنه وطئ على عنقي وأنا ساجد، فما رفع حتى ظننت أن عينيّ قد سقطنا؛ وجاء يوما، وأنا ساجد، بسلا شاة فألقاه على رأسي. فأنا قاتله». - وحدثنا عبد الله بن معاذ، عن أبيه معاذ بن معاذ العنبري، عن سعيد، عن أبي بشر، عن سعيد بن جبير، قال:

стр. 185

قتل رسول الله ﷺ ثلاثة صبرا: عقبة بن أبي معيط، وطعيمة بن عدي، والنضر بن الحارث. - قالوا: ولما هاجر النبي ﷺ ، قال عقبة: يا راكب الناقة القصواء هاجرنا … عما قليل تراني راكب الفرس أعلّ رمحي فيكم بعد نهلته … والسيف يأخذ منكم كل ملتمس أمر الأسود بن المطلب بن أسد بن عبد العزى - كان الأسود من المستهزئين، وكان يكنى أبازمعة، وكان هو وأصحابه يتغامزون بالنبي ﷺ وأصحابه، ويقولون: «قد جاءكم ملوك الأرض ومن يغلب على كنوز كسرى وقيصر»، ثم يمكون ويصفرون، وكلم رسول الله ﷺ بكلام شقّ عليه. فدعا عليه رسول الله ﷺ أن يعمي الله بصره ويثكله ولده. فخرج يستقبل ابنه. وقد قدم من الشأم، فلما كان في بعض طريقه، جلس في ظل شجرة. فجعل جبريل ﵇ يضرب وجهه وعينيه بورقة من ورقها خضراء، وبشوك من شوكها، حتى عمي. ويقال: إنّ جبريل ﵇ أومأ إلى عينيه، فعمي، فشغل عن رسول الله ﷺ . ولما كان يوم بدر قتل ابنه زمعة بن الأسود، ويكنى أبا حكيمة؛ قتله أبو دجانة. ويقال: ثابت بن الجذع. وقتل ابنه عقيل أيضا؛ قتله حمزة وعلي رضي الله تعالى عنهما، اشتركا فيه. ويقال: قتله عليّ وحده. وقتل الحارث بن زمعة بن الأسود، قتله عليّ. وقوم يقولون: هو الحارث بن الأسود نفسه. والأول أثبت. - وكان الأسود بن المطلب يقول: دعوت على محمد أن يكون طريدا في غير قومه وبلده. واستجيب لي. ودعا عليّ بعمى عيني، فعميت؛ وأن أثكل ولدي، فثكلتهم.

стр. 186

-قال الواقدي: ومات الأسود بمكة، وهم يتجهزون لأحد، وهو يذمرهم - أي يحثهم - ويشجعهم في مرضه، وقد قارب المائة. - وكان أهل مكة، لما قتل منهم من قتل منهم ببدر، تركوا البكاء على قتلاهم، كراهة أن يبلغ المسلمين جزعهم فيشمتوا بهم، فسمع الأسود بكاء، فسأل عنه: فقيل: امرأة ضلّ لها بعير، فهي تبكي عليه. فقال: أتبكي أن يضلّ لها بعير … ويمنعها من النوم السهود فلا تبكي على بكر ولكن … على بدر تصاعرت الخدود فبكيّ إن بكيت على عقيل … وبكيّ حارثا أسد الأسود وبكّيهم ولا تسمي جميعا … وما لأبي حكيمة من نديد على بدر سراة بني هصيص … ومخزوم ورهط أبي الوليد ألا قد ساد بعدهم رجال … ولولا يوم بدر لم يسودوا (١) - قال: وكان الأسود يجلس، ومعه قوم من المشركين، فيقولون: «ما ندري ما جاء به محمد؟ ما هو إلا سجع كسجع الكهان». فنزلت فيهم: ﴿الَّذِينَ جَعَلُوا الْقُرْآنَ عِضِينَ﴾ (٢)، أي عضة عضة. ويقال: إن الآية نزلت في أهل الكتاب الذين آمنوا ببعضه وكفروا ببعض. والثبت أنها نزلت في كفار قريش. وكانوا يسألون عن النبي ﷺ ، فيقول بعضهم: «مجنون» (٣)؛ ويقول بعضهم: «ساحر» (٤)؛ ويقول بعضهم: «شاعر» (٥)؛

стр. 187

ويتحدثون عليه ويصدّون الناس عنه. فأنزل الله : ﴿وَ لَيَحْمِلُنَّ أَثْقالَهُمْ وَ أَثْقالاً مَعَ أَثْقالِهِمْ﴾ (١). يقول: أوزار من يصدّونه عن الإسلام. - وذكر رسول الله ﷺ عاقر الناقة (٢)، فقال: «كان عزيزا منيعا، كان كأبي زمعة الأسود بن المطلب فيكم». وكان يقال لأبي زمعة بن الأسود «زاد الراكب». وكان ابن الأصداء الهذلي - أحد من يؤذي النبي ﷺ ، فيقول له: إنما يعلمك أهل الكتاب أساطيرهم (٣)، ويقول للناس: هو معلّم مجنون (٤). فدعا عليه رسول الله ﷺ . فإنه لعلى جبل إذ اجتمعت عليه الأروى، فنطحته حتى قتلته. الحكم بن أبي العاص بن أمية: - كان الحكم مؤذيا لرسول الله ﷺ ، يشتمه ويسمعه، وكان رسول الله ﷺ يمشي ذات يوم، وهو خلفه يخلج بأنفه وفمه، فبقي على ذلك، وأظهر الإسلام يوم فتح مكة، وكان مغموصا عليه في دينه. فاطلع يوما على رسول الله ﷺ وهو في بعض حجر نسائه. فخرج إليه بعنزة (٥) وقال: «من عذيري من هذه الوزغة؟ لو أدركته، لفقأت عينيه»، أو كما قال ﷺ . ولعنه وما ولد، وغرّبه عن المدينة، فلم يزل خارجا منها إلى أن استخلف عثمان بن عفان رضي الله تعالى عنه، فردّه وولده. فكان ذلك مما أنكر

стр. 188

عليه، ومات في خلافة عثمان. فضرب على قبره فسطاطا. قال عبد الرحمن بن حسان بن ثابت لمروان بن الحكم: إن اللعين أباك فارم عظامه … إن ترم ترم مخلّجا مجنونا يضحى خميص البطن من عمل التقى … ويظلّ من عمل الخبيث بطينا عتبة بن ربيعة بن عبد شمس بن عبد مناف - كان عتبة يكنى أبا الوليد، ولقي رسول الله ﷺ ، فقال له: «إن أردت الشرف، شرفناك بأن نملكك. وإن كنت تريد المال، أعطيناك منه ما تحبه». فقال: «يا أبا الوليد، اسمع». فقرأ (حم) السجدة (١). فقال: هذا كلام ما سمعت مثله. ثم التفت إلى جماعة من قريش، فقال: دعوه وخلّوا بينه وبين العرب، فليس بتارك أمره. - وأتى رسول الله ﷺ ابن أم مكتوم؛ وعتبة يكلمه، وقد طمع فيه فشغل عنه. فأنزل الله : ﴿عَبَسَ وَ تَوَلّى﴾. وقوله: ﴿أَمّا مَنِ اسْتَغْنى﴾ (٢)، يعني عتبة. ويقال: إنّ الذي تشاغل عن ابن أم مكتوم به: الوليد بن المغيرة. ويقال: إنّ ابن أم مكتوم لما أتاه، قال له: «علمني مما علمك الله». فأقبل على أمية بن خلف الجمحي، وتركه. - وقتل عتبة يوم بدر كافرا، قتله حمزة بن عبد المطلب رضي الله تعالى عنه. وقتل الوليد بن عتبة يوم بدر، قتله علي بن أبي طالب ﵇. وكان لعتبة يوم قتل سبعون سنة، وكان الوليد ابن خمسين سنة.

стр. 189

وكان أبو حذيفة بن عتبة مع رسول الله ﷺ . شيبة بن ربيعة بن عبد سمس ويكنى أبا هاشم. كان شيبة يجتمع مع قريش فيما تكيد به رسول الله ﷺ من الأذى له، غير أنه كان لا يتولى ذلك بيده. وقتل يوم بدر، قتله عبيدة بن الحارث بن المطلب بن عبد مناف، وذفف عليه حمزة وعلي ﵉. وكان شيبة أسنّ من عتبة بثلاث سنين. وقد كان عتبة وشيبة متثاقلين عن الخروج حتى أنبهما أبو جهل، فخرجا (١). - قالوا: ومشى نساء قريش إلى هند بنت عتبة، وهي أم معاوية، فقيل لها: ألا تبكين على أبيك وأخيك وأهل بيتك؟ فقالت: «لا أبكيهم» فيبلغ محمدا ذلك، فيشمت وأصحابه ونساء الخزرج، لا والله، حتى أثأر من محمد وأصحابه. وحرّمت على نفسها الدهن والكحل، وقالت: لو أعلم أن الحزن يذهبه البكاء، لبكيت. ثم قالت بعده: لله عينا من رأى … هلكا كهلك رجاليه يا ربّ باك لي غدا … في النائحات وباكيه كم غادروا يوم القلي … ب غداة تلك الواعية من كل عيث في السني … ن إذا الكواكب خاوية قد كنت أحذر ما أرى … فاليوم حقّ حذاريه يا ربّ قائلة غدا … يا ويح أم معاوية وقالت أيضا:

стр. 190

ويلي على أبوي وال … قبر الذي واراهما رمحين خطيّين في … في كبد السماء تراهما سيفين هنديين س … نّ القبر حد ظباهما لا مثل لهما في الكهو … ل ولا فتى كفتاهما ابني ربيعة لا يم … لّ الناس من ذكراهما ما خلفا إذ ودّعا … وتوليا شرواهما من حس لي الأخوين … كالغصنين أم من رآهما مطعم بن عدي بن نوفل بن عبد مناف - كان مطعم يكنى أبا وهب، وكان أقلّ أصحابه أذى للنبي ﷺ ، ولكنه كان ينكر عليه ما أنكروا، وهو الذي قام بأمر بني هاشم وبني المطلب، حتى خرجوا من الشعب. وأجار النبي ﷺ ، حتى طاف بالبيت. - وقال النبي ﷺ لابنه جبير بن مطعم يوم بدر: لو كان أبوك حيّا فاستوهبني هؤلاء الأسارى، لوهبتهم له وشفعته فيهم. - ومات مطعم في صفر سنة اثنتين من الهجرة قبل بدر بأشهر. ودفن بالحجون (١) وهو ابن بضع وتسعين سنة. وأقيم النوح عليه سنة. طعيمة بن عدي بن نوفل بن عبد مناف - ويكنى أبا الريّان. وكان طعيمة ممن يؤذي رسول الله ﷺ فيبالغ في أذاه ويشتمه ويسمعه ويكذّبه. فلما كان يوم بدر، أسر. فأمر رسول الله ﷺ بقتله صبرا، فقتل.

стр. 191

-حدثني عبيد الله بن معاذ، عن أبيه، عن شعبة، عن أبي بشر، عن سعيد بن جبير قال: قتل رسول الله ﷺ طعيمة بن عدي صبرا، وكان الذي قتل طعيمة: حمزة بن عبد المطلب. الحارث بن عامر بن نوفل بن عبد مناف - كان رسول الله ﷺ قال يوم بدر: من لقي الحارث فليدعه لأيتام بني نوفل. وفيه نزلت: ﴿وَقالُوا إِنْ نَتَّبِعِ الْهُدى مَعَكَ نُتَخَطَّفْ مِنْ أَرْضِنا﴾ (١). ولكنه كان أعان على نقض الصحيفة، فقتل يوم بدر كافرا. قتله خبيب بن إساف. مالك بن الطلاطلة: - وقال الكلبي: كان مالك بن الطلاطلة بن عمرو بن غبشان من المستهزئين، وكان سفيها، قالوا: فدعا رسول الله ﷺ عليه، واستعاذ بالله من شرّه. فعصر جبريل بطنه، حتى خرج خلاؤه من فمه، فمات. وقال غيره: أشار جبريل، فامتحض رأسه قيحا. وقال غير الكلبي: هو عمر ابن الطلاطلة، وذلك باطل. - وقال الكلبي: سمعت من يقول هو الحارث بن الطلاطلة، وليس ذلك بشيء، وهم يغلطون بابن الغيطلة وابن الطلاطلة، فيجعلون هذا ذاك وذاك هذا. - وقد ذكر غير الواقدي: أنّ المستهزئين جميعا ماتوا في وقت واحد، وقول الواقدي أثبت.

стр. 192

وقال الواقدي: أليس موت من مات، وعمى من عمي، وما تهيأ لرسول الله ﷺ من أسباب مفارقتهم كفاية له ﷺ ؟ ركانة بن عبد يزيد - قالوا: وكان ركانة بن عبد يزيد بن هاشم بن المطلب الشديد قدم من سفر له، فأخبر خبر النبي ﷺ ، فلقيه في بعض جبال مكة، فقال: يا بن أخي، قد بلغني عنك أمر، وما كنت عندي بكذّاب، فإن صرعتني، علمت أنك صادق، فصرعه النبي ﷺ ثلاثا. فأتى قريشا، فقال: يا هؤلاء، صاحبكم ساحر؛ فساحروا به من شئتم. - وقال هشام بن الكلبي، حدثني أبي، عن أبي صالح، عن ابن عباس قال: لقي رسول الله ﷺ ركانة بن عبد يزيد، وكان أشدّ العرب، لم يصرعه أحد قط. فدعاه إلى الإسلام. فقال: والله لا أسلم حتى تدعو هذه الشجرة، وكانت سمرة أو طلحة، فقال رسول الله ﷺ : أقبلي بإذن الله. فأقبلت تخدّ الأرض خدّا. فقال ركانة: ما رأيت كاليوم سحرا أعظم؛ فمرها فلترجع، فقال: ارجعي بإذن الله. فرجعت. فقال له: ويحك، أسلم. فقال: إن صرعتني أسلمت، وإلا فغنمي لك؛ وإن صرعتك، كففت عن هذا الأمر. وكان ركانة أشد الناس، ما صرعه أحد قط. فأخذه النبي ﷺ ، فصرعه ثلاثا. فقال: يا بن العم، العود. فصرعه أيضا ثلاثا؛ فقال: أسلم. فقال: لا. قال: فإني آخذ غنمك. قال: فما تقول لقريش؟ قال: أقول صارعته، فصرعته فأخذت غنمه. قال: فضحتني وخزيتني. قال: فما أقول لهم؟ قال: قل لهم قمرته. قال: إذا أكذب. قال: أولست في كذب من حين تصبح إلى حين تمسي؟ قال: خذ

стр. 193

غنمك. قال: فأنت والله خير مني وأكرم. قال النبي ﷺ : وأحق بذلك منك (١). هبيرة بن أبي وهب: وكان هبيرة بن أبي وهب المخزومي ممن يؤذي رسول الله ﷺ ، فقيل إنه قتل يوم الخندق. ويقال إنه بقي إلى الفتح، فهرب إلى اليمن، فمات هناك كافرا. وذلك أثبت.

стр. 194

ذكر المستضعفين من أصحاب رسول الله ﷺ - روى عن يزيد بن رومان، عن عروة بن الزبير أنه قال: كان رسول الله ﷺ إذا جلس في المسجد، جلس إليه المستضعفون من أصحابه: عمار بن ياسر، وخبّاب بن الأرتّ، وصهيب بن سنان، وبلال بن رباح، وأبو فكيهة، وعامر بن فهيرة وأشباههم من المسلمين. فتهزأ قريش بهم ويقول بعضهم لبعض: هؤلاء جلساؤه كما ترون، قد منّ الله عليهم من بيننا. فأنزل الله فيهم: ﴿أَ لَيْسَ اللهُ بِأَعْلَمَ بِالشّاكِرِينَ * وَ إِذا جاءَكَ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِآياتِنا فَقُلْ سَلامٌ عَلَيْكُمْ كَتَبَ رَبُّكُمْ عَلى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ﴾ (١). قال: وكانوا قوما لا عشائر لهم ولا منعة. فكانت قريش تعذّبهم في الرمضاء أنصاف النهار، ليرجعوا إلى دينهم. وفيهم نزلت: ﴿وَلا تَطْرُدِ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَداةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ ما عَلَيْكَ مِنْ حِسابِهِمْ مِنْ شَيْءٍ وَما مِنْ حِسابِكَ عَلَيْهِمْ مِنْ شَيْءٍ فَتَطْرُدَهُمْ فَتَكُونَ مِنَ الظّالِمِينَ﴾ (٢).

стр. 195

عمار بن ياسر: - فمنهم عمار بن ياسر بن عامر بن مالك، أحد بني عنس أخي مراد بن مالك بن أدد بن زيد. وكان عنس يسمى زيدا. وكان كنية عمار أبا اليقظان؛ وكنية ياسر أبا عمار. ويقال: أبا عبد الله؛ وكان حليفا لبني مخزوم. - حدثني محمد بن سعد، عن هشام بن الكلبي وغيره قال: قدم ياسر بن عامر، وأخواه الحارث ومالك، مكة من اليمن يطلبون أخا لهم، فرجع الحارث ومالك إلى اليمن، وأقام ياسر بمكة وحالف أبا حذيفة بن المغيرة بن عبد الله بن عمر بن مخزوم، فزّوجه أبو حذيفة أمة له يقال لها سمية بنت خباط، فولدت له عمارا، فأعتقه أبو حذيفة، ولم يزل ياسر، وعمار مع أبي حذيفة إلى أن مات، وجاء الإسلام. فأسلم ياسر، وسمية، وعمار، وأخوه عبد الله بن ياسر، وكان لياسر ابن آخر، أكبر من عمار وعبد الله، يقال له حريث. فقتله بنو الديل في الجاهلية. وخلف على سمية، بعد ياسر، الأزرق، وكان روميا حدّادا غلاما للحارث بن كلدة الثقفي، وهو ممن خرج يوم الطائف إلى النبي ﷺ مع عبيد أهل الطائف، وفيهم أبو بكرة، فعتقوا. فولدت سمية للأزرق قبل الإسلام سلمة بن الأزرق. وكان ياسر قد فارقها، فهو أخو عمار لأمه، ثم أدّعى ولد سلمة - عمرو وعقبة - بنو الأزرق أنهم من ولد الحارث بن أبي شمر الغساني، وأنهم حلفاء لبني أمية، وشرفوا بمكة. وتزوج بعض ولد الأزرق في بني أمية، وعمرو وعقبة من غير سمية (١).

стр. 196

-وروى ابن أبي الزناد، عن هشام بن عروة، عن وهب بن كيسان، عن محمد بن عمرو بن عطاء، عن سعيد بن سلمة بن الأزرق، عن أبي هريرة. ان النبي ﷺ سمع نساء يبكين في جنازة، فزجرهنّ عمر ﵁، فقال رسول الله ﷺ : يا عمر، دعهن فإن النفس مصابة، والعين دامعة، والعهد حديث. وقاتل عمرو بن الأزرق يوم أحد مع المشركين، فأسر. - وحدثني محمد بن سعد، عن الواقدي، عن عبد الله بن أبي عبيدة، عن أبيه قال: قال عمار بن ياسر: لقيت صهيب بن سنان على باب دار الأرقم بن أبي الأرقم والنبي ﷺ فيها، فقلت له: ما تريد؟ فقال: ما تريد أنت؟ قلت: أريد أن أدخل على محمد فأسمع كلامه. قال: وأنا أريد ذلك. فدخلنا عليه، فعرض علينا الإسلام. فأسلمنا، ثم مكثنا يومنا على ذلك حتى أمسينا. ثم خرجنا مستخفين. فكان إسلام عمار وصهيب بعد إسلام بضعة وثلاثين رجلا (١). - حدثنا عبد الله بن محمد بن أبي شيبة أبو بكر، ثنا جرير بن عبد الحميد الضبي، عن منصور، عن مجاهد قال: أول من أظهر الإسلام أبو بكر، وبلال، وخبّاب، وصهيب، وعمار. فأما رسول الله ﷺ ، فمنعه عمه وأما أبو بكر فمنعه قومه وأما الآخرون فألبسوا دروع الحديد، وصهروا في الشمس حتى بلغ الجهد منهم، وجاء أبو

стр. 197

جهل إلى سمية، فطعنها في قبلها، فهي أول شهيد في الإسلام، قال عبد الله بن محمد: بلغني أنها أغلظت له في القول، فأغضبته. - حدثني محمد بن سعد عن الواقدي، عن عثمان بن محمد عن الحارث بن الفضيل، عن محمد بن كعب القرظي قال: أخبرني من رأى عمار بن ياسر متجرّدا في سراويل، قال: ونظرت إلى ظهره، فإذا فيه حبط، فقلت له: ما هذا؟ قال: هذا مما كانت قريش تعذبني في رمضاء مكة (١). - قال الواقدي، وحدثني عثمان بن محمد في إسناده، قال: كان عمار يعذّب حتى لا يدري ما يقول، وكان أبو فكيهة يعذّب حتى لا يدري ما يقول، وبلال، وعامر بن فهيرة، وقوم من المسلمين. وفيهم نزلت هذه الآية: ﴿وَالَّذِينَ هاجَرُوا فِي اللهِ مِنْ بَعْدِ ما ظُلِمُوا لَنُبَوِّئَنَّهُمْ فِي الدُّنْيا حَسَنَةً وَ لَأَجْرُ الْآخِرَةِ أَكْبَرُ لَوْ كانُوا يَعْلَمُونَ * الَّذِينَ صَبَرُوا وَ عَلى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ﴾ (٢). قال الواقدي: انها نزلت في أبي سلمة بن عبد الأسد، وعثمان ابن مظعون، وكان أول من قدم المدينة. - حدثنا محمد بن حاتم المروزي، ثنا هشيم، عن حصين، عن أبي مالك، في قوله: ﴿إِلاّ مَنْ أُكْرِهَ وَ قَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالْإِيمانِ﴾ (٣)، قال: هو عمار. - حدثنا أبو صالح الفراء الأنطاكي، ثنا أبو إسحاق الفزاري، عن عبد

стр. 198

الله بن المبارك، عن معمر، عن عبد الكريم، عن أبي عبيدة بن محمد بن عمار بن ياسر قال: لما أخذ المشركون عمارا، فعذّبوه لم يتركوه حتى سبّ النبيّ ﷺ وذكر آلهتهم بخير، فلما أتى النبي ﷺ ، قال: وما وراءك؟ قال: شرّ، والله، ما تركني المشركون حتى نلت منك وذكرت آلهتهم بخير. قال: فكيف تجد قلبك؟ قال: مطمئنا بالإيمان، قال: فإن عادوا، فعد. فنزلت فيه: ﴿إِلاّ مَنْ أُكْرِهَ وَ قَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالْإِيمانِ﴾. - حدثني يحيى بن أيوب الزاهد، ثنا إسماعيل بن علية، عن ابن عون، عن محمد بن سيرين. أنّ النبي ﷺ لقي عمارا وهو يبكي، فجعل يمسح عينيه ويقول: أخذك الكفار، فغطوك في الماء؛ فقلت كذا وكذا. فإن عادوا، فقل ذاك لهم. - وحدثني الوليد بن صالح، ومحمد بن سعد، عن الواقدي، عن عبد الله بن أبي عبيدة، عن عبد الحكيم بن صهيب، قال: عذّب المشركون عمارا، وقالوا: لا نفارقك أبدا حتى تشتم محمدا، وحتى تقول اللات والعزّى خير من دين محمد. ففعل. فتركوه. فأتى النبي ﷺ ، فقال: أفلح وجهك. فقال: والله، ما أفلح، قال: ولم؟ قال: نلت منك، وزعمت أن اللات والعزّى خير من دينك، قال رسول الله ﷺ : فكيف وجدت قلبك؟ قال: وجدته مطمئنا بالإيمان، أشد من الحديد في ديني، قال: فلا عليك؛ وإن عادوا، فعد. قال: فعمار الذي أكره وقلبه مطمئن بالإيمان، والذي ﴿شَرَحَ بِالْكُفْرِ صَدْراً﴾ (١)، عبد الله بن سعد بن أبي سرح.

стр. 199

-حدثنا عمرو بن محمد الناقد، ثنا عبد الله بن جعفر الرقي، عن عبيد الله بن عمرو، عن عبد الكريم، عن أبي عبيدة بن محمد بن عمار: في قوله ﴿إِلاّ مَنْ أُكْرِهَ وَ قَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالْإِيمانِ،﴾ قال: ذاك عمار. وفي قوله: ﴿وَلكِنْ مَنْ شَرَحَ بِالْكُفْرِ صَدْراً،﴾ قال: عبد الله بن سعد بن أبي سرح. - حدثني عباس بن هشام، عن أبيه عن جده، عن أبي صالح، عن أم هانئ: أنّ عمار بن ياسر، وأباه ياسرا، وأخاه عبد الله بن ياسر، وسمية أم عمار كانوا يعذّبون في الله، فمر بهم النبي ﷺ ، فقال: صبرا آل ياسر، فإن موعدكم الجنة، فمات ياسر في العذاب، وأغلظت سمية لأبي جهل، فطعنها في قبلها، فماتت. ورمي عبد الله، فسقط. - وحدثني محمد بن سعد، ثنا الفضل بن عنبسة الواسطي، عن شعبة، عن أبي بشر، عن يوسف المكي بنحوه. - حدثني الحسين بن الأسود، ثنا يحيى بن آدم، عن الحسن بن صالح، عن أبي ربيعة، عن الحسن، عن أنس، قال: قال رسول الله ﷺ : «الجنة تشتاق إلى ثلاثة من أصحابي: علي، وعمار، وبلال». - حدثنا أحمد بن هشام بن بهرام، ثنا وكيع، عن سفيان، عن أبي قيس، عن هذيل بن شرحبيل، قال: أتي النبي ﷺ فقيل له: وقع على عمار حائط، فمات. فقال: ما مات عمار.

стр. 200

-حدثنا الحسين بن علي بن الأسود، وإبراهيم بن مسلم الخوارزمي، قالا: ثنا وكيع، ثنا شعبة، عن قيس بن مسلم، عن طارق بن شهاب قال: غزت بنو عطارد من البصرة ماه، وأمدّوا بعمار بن ياسر وهو على الكوفة. فخرج عمار قبل الوقعة وقدم بعدها، فقال: نحن شركاؤكم في الغنيمة. فقام رجل من بني عطارد، فقال: أيها العبد الأجدع - وقال إبراهيم في حديثه: «المجدع»، وكانت أذنه أصيبت في سبيل الله - أتريد أن نقسم لك غنيمتنا؟ فقال عمار: عيرتني بخير أذنيّ، وأحبّ أذنيّ إليّ، فكتب بذلك إلى عمر. فكتب: الغنيمة لمن شهد الوقعة. - حدثني محمد بن سعد، عن الواقدي، عن عبد الله بن نافع، عن أبيه، عن ابن عمر، قال: رأيت عمار بن ياسر يوم اليمامة على صخرة وقد أشرف، وهو يصيح: «يا معشر المسلمين، أمن الجنة تفرّون؟ أنا عمار بن ياسر. هلموا إليّ». وأنا أنظر إلى أذنه قد قطعت، فهي تذبذب وهو يقاتل اشد قتال. - حدثنا أبو مسلم مستملي يزيد، ثنا يزيد بن هارون، عن شعبة، عن قيس بن مسلم، عن طارق، عن ابن شهاب، قال: قال رجل من بني تميم لعمار: أيها الأجدع. فقال عمّار: خير أذنيّ سببت. - حدثنا محمد بن سعد، ثنا مسلم بن إبراهيم وأبو قطن، قالا ثنا القاسم بن الفضل الحداني، قال ثنا عمرو بن مرة الجهني، عن سالم بن أبي الجعد: أن عثمان بن عفان رضي الله تعالى عنه قال:

стр. 201

أقبلت ورسول الله ﷺ آخذ بيدي ونحن نتماشى بالبطحاء، إذ أتينا على أبي عمار، وعمار، وأمه، وهم يعذبون. فقال ياسر: أهكذا يكون الدهر كله. فقال له النبي ﷺ : اصبر، اللهم اغفر لآل ياسر؛ وقد فعلت. - حدثني أحمد بن إبراهيم الدورقي، ثنا وكيع بن الجراح، عن سالم بن أبي العلاء، عن عمرو [بن] هرم، عن ربعي بن حراش، عن حذيفة بن اليمان قال: قال رسول الله ﷺ : «اهتدوا بهدي عمار، وتمسكوا بعهد ابن مسعود. أو قال: ابن أم عبد». - حدثني أبو مسلم، عن وكيع عن النبي ﷺ بهذا الإسناد، قال: «وتمسكوا بعهد ابن أم عبد». - حدثني شريح بن يونس، عن مؤمل بن إسماعيل، عن أبي إسحاق، عن أبي العلاء قال: قال عمار: «مثل الجليس الصالح مثل العطار، إلاّ تجد من عطره، يصل إليك ريحه. ومثل الجليس السوء مثل الكير، إن لم يحرقك بناره، أصابك من شرره ونتن ريحه». - حدثني أحمد بن هشام بن بهرام، ثنا يزيد بن هارون، أنبأ المسعودي، عن القاسم بن عبد الرحمن، قال: كان أول من أفشى القرآن بمكة من في رسول الله ﷺ عبد الله بن مسعود، وأول من بني مسجدا يصلى فيه عمار بن ياسر. - حدثني عمرو الناقد، وبكر بن الهيثم، قالا: ثنا قبيصة بن عقبة، ثنا سفيان، عن أبيه قال: أول من اتخذ مسجدا في بيته يصلى فيه عمار.

стр. 202

-حدثني إسحاق الفروي أبو موسى، ثنا أبو معاوية، عن الأعمش، عن عمرو بن مرة، عن أبي البختري، عن علي رضي الله تعالى عنه قال: قلنا له: أخبرنا عن عمار بن ياسر، قال: مؤمن نسّاء إذا ذكّر ذكر. - حدثني عفان، عن القاسم بن الفضل، عن عمرو بن مرة، عن أبي البختري، عن علي بنحوه. - حدثني محمد بن سعد، ثنا محمد بن كناسة الأسدي، عن الكلبي، عن أبي صالح، عن ابن عباس في قوله: ﴿أَمَّنْ هُوَ قانِتٌ آناءَ اللَّيْلِ﴾ (١)، قال: نزلت في عمار بن ياسر. - وقال الواقدي: أقطع رسول الله ﷺ عمارا موضع داره. وشهد وقعة بدر، وأحد، والخندق، والمشاهد كلها مع النبي ﷺ . - حدثني الحسين بن الأسود، ثنا وكيع، عن سفيان، عن أبي إسحاق، عن حارثة بن مضرب العيدي، قال: قرئ علينا كتاب عمر رضي الله تعالى عنه بالكوفة: «أما بعد فإني قد بعثت إليكم عمار بن ياسر أميرا، وابن مسعود معلما ووزيرا، وهما من النجباء من أصحاب رسول الله ﷺ من أهل بدر، وقد آثرتكم بابن أم عبد على نفسي، فاسمعوا لهما وأطيعوا، واقتدوا بهما، وقد جعلت ابن مسعود على بيت مالكم، وحذيفة وعثمان بن حنيف على السواد، ورزقتهم في كل يوم شاة». قال: فجعل شطرها وبطنها لعمار، والشطر الباقي بين هؤلاء الثلاثة. - حدثنا هدبة بن خالد البصري، عن أبي هلال الراسبي، عن الحسين، قال:

стр. 203

قال عمر: إنما وليت عمارا لقول الله : ﴿وَ نُرِيدُ أَنْ نَمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الْأَرْضِ وَ نَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً وَ نَجْعَلَهُمُ الْوارِثِينَ﴾ (١). - حدثنا أبو مسعود الكوفي، ثنا عوانه - أو قال: أبو عوانه - عن عبد الملك بن عمير، عن جابر بن سمرة: أنّ أهل الكوفة شكوا سعدا، فأكثروا، فعزله وولىّ عمارّ بن ياسر الكوفة. - وحدثني محمد بن سعد، عن الواقدي، عن إسماعيل بن إبراهيم بن عقبة، عن أبيه، عن سالم بن عبد الله، عن أبيه: إن عمر عزل سعدا عن العراق، وقاسمه ماله. وولى عمار بن ياسر بعده. - حدثنا عمرو بن محمد، حدثني عبيد الله بن موسى، عن إسرائيل، عن أبي إسحاق: أن عبد الله بن مسعود كان يخطب كل خميس، ويدع خطبة الجمعة للأمير، وهو عمار. - حدثني أحمد بن إبراهيم، ثنا العقدي أبو عامر، عن شعبة، عن سماك، عن رجل من تيم الله سمعه، يقول: كان عمارا علينا سنة يخطبنا في كل جمعة، في عمامة سوداء. - وحدثني أبو بكر الأعين، حدثنا عفان، ثنا شعبة، عن أبي إسحاق، عن حارثة بن مضرب: أن عمارا كان إذا خطب، سلّم. - حدثنا بكر بن الهيثم، ثنا أبو عاصم، عن سفيان، عن مغيرة، عن إبراهيم:

стр. 204

أن عمار بن ياسر كان يقرأ على المنبر «يس». فقال له الأشعث بن قيس: وما أرحنا من ياسينك. - وحدثني الحسين بن الأسود، حدثني يحيى بن آدم، عن أبي زبيدة عبثر، قال: خطب عمار بخطبة وجيزة. فقيل له: لو زدت في خطبتك؟ فقال: أمرنا بتقصير الخطب وإطالة الصلاة. قال: وكان يقرأ على المنبر: ﴿إِذَا السَّماءُ انْشَقَّتْ﴾ (١) فينزل فيسجد. - حدثنا بكر بن أبي حذيفة، عن سفيان بن يسير بن ذعلوق، عن أبي مريم، قال: قال عمار: احذفوا هذه الصلاة قبل وسوسة الشيطان. - حدثني الحسين، عن يحيى، عن شريك، عن عاصم بن بهدلة، عن زر بن حبيش، قال: رأيت عمارا قرأ يوم جمعة ﴿إِذَا السَّماءُ انْشَقَّتْ،﴾ فنزل عن المنبر فسجد. - وحدثني عبد الله بن صالح، عن حماد بن سلمة، عن عمرو بن دينار، عن سعيد: أن عمارا كان لا يرى بأسا بالمعراض إذا قتل. - حدثنا زهير بن حرب أبو خيثمة، ثنا جرير، عن الأعمش عن زيد بن وهب قال: إنا لمع عمار بن ياسر رضي الله تعالى عنه بظهر الكوفة إذ عرض له حمار وحش، فأسرعنا إليه بالرماح، فطعنّاه بها. فقال عمار: والله لا تقوم

стр. 205

الساعة حتى إذا رئي رجل من قريش فعل به كما فعل بهذا، وحتى إنّ الرجل ليرى على أحدهم العمامة الحسنة فتعجبه فيضرب عنقه من أجلها ويأخذها منه. - حدثني أبو عبيد القاسم بن سلام، ثنا مروان بن معاوية، عن إسماعيل بن سميع، عن علي بن أبي كثير، قال: رأى عمار رجلا يصلي على دابته، فأخذ بقفاه، فحطه على قرار الأرض، وقال: صلّ ها هنا. - حدثنا علي بن شور المقرئ، عن عبد الوهاب، عن عطاء الخفاف، عن سعيد بن أبي عروبة، عن قتادة: أن رجلا طلق امرأته ثلاثا، ثم جعل يغشاها، وظنّ أنه لا طلاق إلا طلاق السنّة. فقالت له المرأة: ويحك إني قد بنت منك. فأتى الكوفة، فسأل عمارا، فقال: ما تقول في رجل طلق امرأته ثلاثا دفعة، ثم غشيها؟ فقال عمار: لو قدرت عليه، لرجمته. فانطلق إلى امرأته، فسرّحها، وقال: كانت حلالا أم عبد الله … لي لو لم تطلّق حجز التقى عنها ومن … لا يتق الرحمن يوبق - حدثني عمرو بن محمد الناقد، ثنا أبو أحمد الزبيري، ثنا سفيان، عن منصور، عن ربعي: أن عمارا أتي بشاة مصلية (١) في اليوم الذي يشك فيه قبل رمضان. فتنحى رجل. فقال له: إن كنت تؤمن بالله واليوم الآخر، فادن واطعم.

стр. 206

-حدثني شجاع بن مخلد الفلاس، ويوسف، عن موسى، ثنا جرير، عن أبي سنان، عن عبد الله بن أبي الهذيل، قال: لما بنى عبد الله بن مسعود داره، قال لعمار: تعال فانظر إلى ما بنيت. فنظر، وقال: بنيت شديدا، وأملت بعيدا، وستموت قريبا. - حدثني إبراهيم بن محمد بن عرعرة، ثنا أبو عامر، عن سفيان، عن حبيب بن أبي ثابت، عن ميمون بن شبيب، قال: سمعت عمارا يقول: لا يضرب رجل عبده ظالما إلا أقيد منه يوم القيامة. - حدثني عبد الله بن صالح، قال: ذكر لنا عن أبي الأحوص أنه رأى عمار بن ياسر يخطب يوم الجمعة، فبدت له حية. فنزل، فضربها حتى قتلها لقول النبي ﷺ : «اقتلوا الحية والعقرب ولو كنتم في صلاتكم». - حدثنا محمد بن سعد، ثنا أبو نعيم الفضل بن دكين، ثنا سفيان، عن أجلح، عن ابن أبي الهذيل قال: رأيت عمار يشتري قتّا (١) بدرهم، فاستزاد حبلا، فأبى صاحبه أن يزيده. فجاذبه، حتى قاسمه إياه نصفين، وحمله عمار على ظهره إلى منزله - أو قال: القصر - وهو أمير الكوفة. - حدثنا وهب بن بقية، أنبأ يزيد بن هارون، أنبأ جرير بن حازم، عن سعيد بن أبي سلمة، عن أبي نضرة، عن مطرف قال: رأيت عمار بن ياسر يقطع على لحاف ثعالب ثوبا.

стр. 207

-حدثني محمد بن سعد، ثنا موسى بن إسماعيل، ثنا وهيب عن داود بن أبي هند، عن عامر الشعبي قال: سئل عمار عن مسألة، فقال: هل كان هذا؟ قالوا: لا. قال: فدعونا حتى يكون؛ فإذا كان تجشّمناها لكم. - وحدثنا محمد بن سعد، ثنا أبو نعيم، ثنا سفيان، عن الأعمش، عن إبراهيم التيمي، عن الحارث بن سويد، قال: وشى بعمار رجل إلى عمر، فرفع عمار يديه فقال: اللهم إن كان كذب عليّ، فابسط له في الدنيا واجعله موطوء العقب. - حدثنا محمد بن سعد، ثنا عفان، ثنا الأسود بن شيبان، ثنا أبو نوفل بن أبي عقرب، قال: كان عمار من أطول الناس سكوتا وأقلهم كلاما. وكان يقول: أعوذ بالله من الفتنة، أعوذ بالله من الفتنة. ثم عرضت له فتنة عظيمة. - حدثني الحسين بن الأسود، ثنا عبيد الله بن موسى وأبو نعيم، قالا ثنا سعد العبسي، عن بلال بن يحيى العبسي أن حذيفة قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «أبو اليقظان على الفطرة، أبو اليقظان على الفطرة، لن يدعها حتى يموت أو ينسيه الهرم». - حدثنا سعيد بن سليمان، ثنا شريك، عن عطاء، عن أبي عبد الرحمن السلمي قال: شاتم عمارا رجل؛ فقال له: «إن كنت كما تقول، فأنا كتارك الغسل يوم الجمعة، وإن كنت كاذبا، فأكثر الله مالك، وأوطأ الرجال عقبك». - حدثني أحمد بن إبراهيم الدورقي، ثنا وهب بن جرير، عن أبيه، قال: سمعت أبا يزيد المدني يحدث:

стр. 208

أن عمارا قال لعائشة رضي الله تعالى عنها يوم الجمل بعد ما فرغ الناس من القتال: سبحان الله يا أم المؤمنين، ما أبعد هذا الأمر من الأمر الذي عهد رسول الله ﷺ إليك فيه، أمرك أن تقري في بيتك، فقالت: من هذا، أبو اليقظان؟ قال: نعم: قالت: والله انك، ما علمت، لقوال بالحق. فقال: الحمد لله الذي قضى لي على لسانك. - وحدثنا خلف بن هشام البزاز، ثنا أبو عوانة، أنبأ أبو بلج، عن عمرو بن ميمون، قال: أحرق المشركون عمار بن ياسر بالنار، فكان رسول الله ﷺ يمرّ به، فيمرّ يده على رأسه فيقول: «﴿يا نارُ كُونِي بَرْداً وَ سَلاماً ١ عَلى﴾ عمار كما كنت على إبراهيم، تقتلك الفئة الباغية، يا عمار». - حدثني محمد بن سعد، ثنا عفان بن مسلم، ثنا وهيب، ثنا داود، عن أبي نضرة العبدي - المنذر بن مالك، عن أبي سعيد الخدري ﵁، قال: لما أخذ النبي ﷺ في بناء المسجد، جعل يحمل لبنة لبنة، وجعل عمار يحمل لبنتين لبنتين، فحدثني أصحابي أن النبي ﷺ جعل ينفض التراب عن رأسه فيقول: «ويحك، يا بن سمية، تقتلك الفئة الباغية». - وحدثني المدائني، عن علي بن مجاهد، قال: وقع بين عبد الله بن مسعود وبين عمار بن ياسر تشاجر في شيء، فعجل عمار، فحبس ابن مسعود. فبلغ ذلك عمر رضي الله تعالى عنه، فقال: أتحبس ابن أم عبد؟ فعزل عمارا، وولى الكوفة المغيرة بن شعبة. - حدثني أحمد بن هشام بن بهرام أبو عبد الله، ثنا عمرو بن عون،

стр. 209

أنبأ هشيم، عن العوام بن حوشب، عن الأسود بن مسعود، عن حنظلة بن خويلد - وكان يأمن عند علي وعند معاوية ﵄ قال: بينا أنا عند معاوية إذ أتاه رجلان يختصمان في رأس عمار، فقال عبد الله بن عمرو بن العاص: لتطب نفس كل واحد منكما لصاحبه برأس عمار، فإني سمعت رسول الله ﷺ يقول: «تقتل عمارا الفئة الباغية». فالتفت معاوية إلى عمرو بن العاص، فقال: ألا تثنى عنا مجنونك هذا، فلم يقاتل معنا إذا؟ فقال: إنّ رسول الله ﷺ أمرني بطاعة أبي، فأنا معكم، ولست أقاتل. - حدثنا أحمد بن إبراهيم الدورقي ووهب بن بقية الواسطي، قالا: ثنا يزيد بن هارون، أنبأ شريك، عن محمد بن عبد الله المرادي، عن عمرو بن مرة، عن عبد الله بن سلمة، قال: كنا عند عمار بصفّين، وعنده شاعر ينشد هجاء في معاوية وعمرو بن العاص، وعمار يقول: «ألصق بالعجوزين». فقال رجل: أيقال عندكم الشعر وأنتم أصحاب رسول الله ﷺ وأهل بدر؟ فقال: إنا لما هجانا المشركون، شكونا ذلك إلى رسول الله ﷺ ؛ فقال: قولوا كما يقولون لكم. فإن كنا لنعلّمه الإماء بالمدينة. - حدثني أحمد بن هشام بن بهرام. ثنا وكيع، عن سفيان، عن عمار بن معاوية الدهني، عن سالم بن أبي الجعد، عن عبد الله قال: قال رسول الله ﷺ : «ما عرض على ابن سمية أمران قط إلا اختار الأرشد منهما». - وحدثني أبو بكر الأعين، عن عفان، عن شعبة، عن أبي إسحاق، عن صلة بن زفر، عن عمار قال:

стр. 210

ثلاث من كمال الإيمان: الإنفاق في الإقتار، وإنصاف الناس من نفسك، وبذل السّلام. - حدثني أحمد بن هشام وعمرو بن محمد، قالا: ثنا أبو معاوية، ثنا الأعمش، عن عبد الرحمن بن زياد، عند عبد الله بن الحارث، قال: إني لأسير مع معاوية منصرفه من صفين، بينه وبين عمرو بن العاص، فقال عبد الله بن عمرو بن العاص: يا أبت، سمعت رسول الله ﷺ يقول لعمار: «ويحك يا بن سمية، تقتلك الفئة الباغية». قال: فقال عمرو لمعاوية: ألا تسمع ما يقول هذا؟ فقال معاوية: «ما تزال تأتينا بهنة تدحض بها في قولك. أنحن قتلناه؟ إنما قتله الذين جاؤوا به». - حدثني محمد بن سعد، عن أبي معاوية، عن الأعمش، عن عبد الرحمن، عن عبد الله بن الحارث: بمثله. - حدثنا خلف بن هشام البزار، ثنا خالد بن عبد الله الطحان، ثنا داود بن أبي هند، عن عامر قال: قال عمر لعمار ﵄: أساءك عزلنا إياك؟ قال: لئن قلت ذاك، لقد ساءني استعمالك إياي، وساءني عزلك. - حدثني محمد بن سعد، عن الواقدي، قال حدثني عبد الله بن الحارث، عن الفضيل، عن أبيه، عن عمارة، عن ابن خزيمة بن ثابت، قال: شهد خزيمة بن ثابت الجمل، فلم يسلّ سيفا، وشهد صفّين، فقال: لا أقاتل أبدا حتى يقتل عمار؛ فأنظر من يقتله؟ فإني سمعت رسول الله ﷺ يقول: «تقتله الفئة الباغية». فلما قتل عمار، قال خزيمة: قد أبانت

стр. 211

لي الضلالة. ثم اقترب، فقاتل حتى قتل، وكان الذي قتل عمارا: أبو الغادية المريّ، طعنه برمح، فسقط. وكان يومئذ يقاتل في محفة، فقتل وهو ابن أربع وتسعين سنة، فلما وقع، أكبّ عليه رجل آخر فاحتزّ رأسه، فاختصما فيه. فقال عمرو: والله ما يختصمان إلا في النار، فقال معاوية: أتقول هذا لقوم بذلوا أنفسهم دوننا؟ فقال عمرو: هو والله ذاك؛ وإنك لتعلمه، ولوددت أني مت قبل هذا اليوم بعشرين سنة. - حدثني بكر بن الهيثم، ثنا أبو نعيم، ثنا عبد الجبار، عن أبي إسحاق، قال: لما قتل عمار، دخل خزيمة بن ثابت فسطاطه، فشنّ عليه الماء، وطرح عليه سلاحه، ثم قاتل حتى قتل: - وحدثني محمد بن سعد، عن الواقدي، عن عبد الله بن جعفر، عن ابن أبي عون، قال: قتل عمار ﵁ وهو ابن إحدى وتسعين سنة، وكان أقدم في الميلاد من رسول الله ﷺ ، وكان أقبل إليه ثلاثة نفر: عقبة بن عامر الجهني، وعمير بن الحارث الخولاني، وشريك بن سلمة المرادي، فانتهوا إليه، فحملوا عليه فقتلوه، وزعم بعض الناس أن عقبة بن عامر هو الذي كان ضربه حين أمر به عثمان بن عفان رضي الله تعالى عنه، حتى أصابه الفتق. ويقال: بل الذي قتله عمير بن الحارث الخولاني. وقال الكلبي: يقول أهل الشأم: إن الذي قتل عمارا: حويّ بن ماتع بن زرعة بن يحض السكسكي، من كندة. قال: وغيره يقول: قتله أبو الغادية المريّ.

стр. 212

-حدثنا أحمد بن إبراهيم الدورقي، ثنا أبو داود الطيالسي، أنبأ شعبة، أنبأني عمرو بن مرة، قال: سمعت عبد الله بن سلمة يقول: رأيت عمارا يوم صفين شيخا آدم، في يده الحربة، وإنها لترعد. فنظر إلى عمرو بن العاص ومعه الراية، فقال: إنّ هذه راية قد قاتلتها مع رسول الله ﷺ ثلاث مرات، وهذه الرابعة. والله لو ضربونا حتى يبلغوا بنا سعفات هجر، لعرفت أنّ مصلحينا على الحقّ وأنهم على الضلال. - حدثنا محمد بن سعد، ثنا الفضل بن دكين، ثنا موسى بن قيس الحضرمي، عن سلمة بن كهيل قال: قال عمار يوم صفين: «الجنة تحت البارقة، الظمآن قد يرد الماء، الماء مورود. اليوم ألقى الأحبة: محمدا وحزبه. والله لو ضربونا حتى يبلغونا سعفات هجر، لعلمت أنا على حق وأنهم على باطل. والله لقد قاتلت هذه الراية ثلاث مرات مع رسول الله ﷺ ، وما هذه المرة بأبرهنّ ولا أنقاهن». - وحدثني محمد بن سعد، عن الواقدي، عن عبد الله بن أبي عبيدة، عن أبيه، عن لؤلؤة مولاة أم الحكم بنت عمار بن ياسر، قالت: لما كان اليوم الذي قتل فيه عمار، والراية مع هاشم بن عتبة، وقد قاتل أصحاب عليّ ﵇ ذلك اليوم، حتى كادت الشمس تغرب، وعمار من وراء هاشم، وقد جنحت الشمس للغروب. ومع عمار ضيح (١) من لبن. فقال حين وجبت الشمس، وشرب الضيح سمعت رسول الله ﷺ يقول: «آخر زادك من الدنيا ضيح من لبن». قالت: ثم اقترب، فقاتل حتى قتل، وهو ابن أربع وتسعين سنة.

стр. 213

-حدثنا عمرو الناقد، ثنا وكيع، عن سفيان، عن حبيب بن أبي ثابت، عن أبي البختري، قال: أتي عمار يوم صفين بلبن، فضحك وقال: قال لي رسول الله ﷺ : «إنّ آخر شراب تشربه حتى تموت شربة لبن». - حدثنا أحمد بن هشام بن بهرام، ثنا وكيع، عن سفيان، عن حبيب، عن أبي البختري قال: قال عمار يوم صفيّن: ائتوني بشربة لبن، فإنّ رسول الله ﷺ قال: «إنّ آخر شربة تشربها في الدنيا شربة لبن». فأتى بلبن، فشربه. ثم قاتل حتى قتل. رضي الله تعالى عنه. - حدثني عمرو الناقد، ثنا عفان، ثنا ربيعة بن كلثوم بن جبر، حدثني أبي قال: كنت بواسط القصب عند عبد الأعلى بن عبد الله بن عامر. فقال الآذن: هذا أبو الغادية الجهني بالباب. فقال عبد الأعلى: أدخلوه، فدخل وعليه مقطعات له، فإذا رجل طوال، ضرب من الرجال كأنه ليس من هذه الأمة، فلما دخل، قعد، قال: بايعت رسول الله ﷺ ، قلت: بيمينك؟ قال: لم؟ وذكر كلاما، ثم قال: «إنا كنا نعد عمار بن ياسر فينا حنّانا، فبينا أنا في مسجد قباء، إذا هو يقول: «إنّ نعثلا هذا» يعني عثمان. فقلت: لو أجد عليه أعوانا، لوطئته حتى أقتله، وقلت: اللهم. إن تشأ تمكني من عمار، فلما كان يوم صفين، أقبل في أول الكتيبة، حتى إذا كان بين الصّفين، أبصر رجل عورة منه، فطعنه في ركبته بالرمح، فعثر فانكشف المغفر عنه، فضربته، فإذا رأس عمار. قال: فلم أر رجلا أبين ضلالة عندي منه: إنه سمع من النبي ﷺ ، وبايعه، ثم قتل عمارا. واستسقى أبو غادية ماء. فأتي بماء في

стр. 214

زجاج. فأبى أن يشرب. فأتي بماء في خزف، فقال رجل بالنبطية: «يتورّع عن الشرب في زجاج، ولم يتورّع عن قتل عمار». - وحدثنا محمد بن سعد، ثنا عفان، ثنا حماد بن سلمة، أنبأ سلمة، أنبأ كلثوم بن جبر، عن أبي غادية، قال: سمعت عمارا يقع في عثمان ويشتمه بالمدينة، فتوعّدته بالقتل. فلما كان يوم صفّين، جعل عمار يحمل على الناس. فقيل: هذا عمار. فرأيت فرجة بينّ الرانين (١) وبين الساقين، فحملت عليه، فطعنته في ركبته. فوقع، فقتلته. فقيل: قتل عمار بن ياسر. - وأخبر عمرو بن العاص، فقال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «قاتله وسالبه في النار». فقيل لعمرو: سمعت هذا من رسول الله ﷺ وها أنت قاتله. قال: إنما قال: «قاتله وسالبه». - وقال الواقدي في إسناد له: حمل على عمار حويّ السكسكي وأبو الغادية المرّي، فقتلاه، فقيل لأبي الغادية: كيف قتلته؟ قال: لما دلف إلينا في الكتيبة، دلفنا إليه، فنادى: هل من مبارز؟ فبرز إليه رجل من السكاسك، ثم بارز رجلا من حمير، فقتله عمار. وأثخن الحميري عمارا. ونادى: هل من مبارز؟ فاختلفنا ضربتين، واضطربت يد عمار، فضربته بسيفي حتى برد، ونادى الناس: قتلت أبا اليقظان، قتلك الله، فقال له محمد بن المنتشر: خصمك، يا أبا الغادية، مازندر،- يعني ضخما - فضحك. وكان أبو الغادية شيخا كبيرا جسيما آدم. - وقال عليّ ﵇: إنّ امرءا من المسلمين لم يعظم عليه قتل عمار ويدخل عليه بقتله مصيبة موجعة، لغير رشيد، رحم الله عمارا يوم أسلم،

стр. 215

ورحم الله عمارا يوم قتل، ورحم الله عمارا يوم يبعث حيا. لقد رأيت عمارا ما يذكر من أصحاب رسول الله ﷺ أربعة إلا كان الرابع، ولا خمسة إلا كان الخامس، وما كان أحد من أصحاب محمد يشكّ في أنّ عمارا قد وجبت له الجنة في غير موطن ولا اثنين، فهنيئا له الجنة، عمار مع الحق أين دار، وقاتل عمار في النار. - حدثني الحسين بن الأسود، عن عبيد الله بن موسى، عن عبد العزيز بن سياه، عن حبيب بن أبي ثابت قال: قتل عمار يوم قتل وهو مجتمع العقل. - حدثنا أحمد بن إبراهيم، ثنا إسماعيل بن إبراهيم، عن ابن عون، عن الحسن، قال: قال عمرو بن العاص: إني لأرجو أن لا يكون رسول الله ﷺ مات يوم مات وهو يحبّ رجلا، فيدخله الله النار. فقال: قد كان يحبك ويستعملك، فقال: الله أعلم أحبني أم تألفني؛ لكنا كنا نراه يحب رجلا. قال: فمن ذاك الرجل؟ قال: عمار بن ياسر، قالوا: فذاك قتيلكم يوم صفيّن. قال: قد والله قتلناه. - وقال بعض الرواة: كان أبو الغادية عامليا. وأثبت ذلك أنه مرّى. وقال الواقدي في إسناده: كان عمار آدم، طوالا، مضطربا، أشهل العينين، بعيد ما بين المنكبين، وكان لا يغير شيبه. وقتل مع علي بصفّين في صفر سنة سبع وثلاثين، وهو ابن ثلاث وتسعين، وذلك الثبت. ويقال: إحدى وتسعين، ودفن بصفين (١). رحمه الله تعالى.
следующие страницы →