وحدثني العمري عن الهيثم بن عدي عن معن بن يزيد الهمداني، قال: كنا نتحدث أن الجعدي قتيل ابن الحارثية.
قالوا: وكان ممّا زاد أمر أبي مسلم بخراسان قوة العصبية التي وقعت بين: مضر، وربيعة، واليمن، بسبب تقديم نصر بن سيار الكناني بني تميم وتوليته إياهم، وتعصّبه على ربيعة واليمن، حتى غضب جديع بن سعيد، ويقال ابن علي الأزدي، المعروف بالكرماني، وإنّما قيل له الكرماني لأنه ولد بجيرفت من كرمان.
وقال ابن الكلبي: هو جديع بن سعيد بن قبيصة بن سراق، وكلم نصرا مرة بعد مرة، فأغلظ له حتى أمر بحبسه، وأخرجه غلام له من مجرى ماء وهو متسلخ فاجتمعت إليه اليمن وربيعة، فلم يزل نصر يحاربه، ثم انفرد بمحاربته الحارث بن سريج بن يزيد المجاشعي، فقتله الحارث، وصلبه نصر وعلق معه سمكة، يعيّره بعمان وصيد السمك، وقام عليّ بن جديع مقام أبيه فقاتله الحارث فقتل الحارث، ويقال إن الحارث قاتل جديعا فقتله جديع، ثم وثبت تميم وفيهم حاتم بن الحارث بن سريج فقتلوا جديعا والله أعلم.
وقال نصر بن سيار للحارث:
يا مدخل الذّلّ على قومه … بعدا وسحقا لك من هالك
ما كانت الأزد وأشياعها … تطمع في عمرو ولا مالك
في أبيات.
وكان تشاغل نصر فرصة لأبي مسلم فقوّى أمره حتى أظهر دعوته وكتب إلى دعاته في الكور بإظهارها.
стр. 1507
فلما قتل الكرماني قام بأمر عسكره عليّ ابنه، فأظهر خلع مروان فانضم إليه خلق، وكان شيبان بن عبد العزيز الخارجي، وهو شيبان الصغير، قد صار من سجستان إلى خراسان، فكتب إليه الكرماني: إنك ونحن خالعون لمروان، فصر إليّ لنجتمع على محاربة أوليائه، أولياء الشيطان، فصار إليه فكانا يحاربان نصر بن سيار، ومال أبو مسلم فيما أظهر إلى ابن الكرماني وسلّم عليه بالإمرة وقال له: قد قوي أمرك ووهن أمر نصر، فابعث عمالك إلى النواحي، فكان يبعث بالرجل إلى الناحية في جماعة، ويبعث أبو مسلم إليها مع صاحبه باضعافها فيدعون إلى الرضا من آل محمد.
ثم إن أبا مسلم إنفرد بعسكره، وبعث إلى نصر وابن الكرماني وشيبان: إني رجل أدعو إلى الرضا من آل محمد ولست أعرض لكم، ولا أعين منكم أحدا على صاحبه.
ولما رأى نصر قوة أمر أبي مسلم بعث إليه يسأله موادعته وأن يدخل مرو، فقصد لدخولها وزوى أصحاب ابن الكرماني وأصحاب نصر عنها، فدخلها في شهر ربيع الأول سنة ثلاثين وهو يقرأ: ﴿وَ دَخَلَ الْمَدِينَةَ عَلى حِينِ غَفْلَةٍ مِنْ أَهْلِها﴾ (١)، فلما استولى عليها قال نصر: لا مقام لنا مع ما أرى من إقبال أمر هذا الرجل وإدبار أمرنا، فبعث إلى ابن الكرماني: هذا رجل يظهر الميل إليك، وإنما يريد ختلك فصالحني، فصالحه على أن يكون أمرهما واحدا، وإن حاربه أبو مسلم رجعا إلى ناحية مرو، وكان أبو مسلم يظهر لابن
стр. 1508
الكرماني إعظاما وإجلالا حتى إذا ضبط أمر خراسان وغلب أصحابه ودعاته عليها، ومال الناس إليه من كل أوب، واشتدّ حجابه، وغلظ أمره، واستفحل، بعث رسله إلى نصر بن سيار، وقد آنسه وبسطه وضمن له أن يكف عنه، ويقوم بشأنه عند الامام، وأعلمه أن كتابا أتاه من عند الإمام يعده فيه ويمنّيه ويضمن له الكرامة. وكان رسله لاهز بن قريظ، وسليمان بن كثير، وعمران بن اسماعيل، وداود بن كرّاز، وقال لهم:
أعلموه اني اريد مشافهته وقراءة كتاب الإمام عليه، فلما أتوه تلا لاهز قول الله : ﴿إِنَّ الْمَلَأَ يَأْتَمِرُونَ بِكَ لِيَقْتُلُوكَ﴾ (١)، فتنبه نصر لما أراد من تحذيره فقال: أنا صائر معكم إلى الأمير أبي مسلم، ودخل بستانا له كأنه يريد أن يلبس ثيابه ثم ركب دابته وهرب إلى الري فمات بقسطانة (٢). وسأل أبو مسلم عن نصر وهل أنذره أحد، فأخبر بتلاوة لاهز الآية، فقال له:
يا لاهز أعصبية في الدين؟! قوما فاضربا عنقه، فضربت عنق لاهز، ويقال إن نصرا سار إلى الري فلما دخلها مرض فحمل إلى ساوة بقرب همذان فمات بها.
ووجّه أبو مسلم إلى ابن الكرماني رسله وقال لهم: ائتوني بابن الكرماني على الحال التي تجدونه عليها، فجاؤوا به فحبسه، وكان أخوه عثمان بناحية هراة فكتب إلى أبي داود في أمره، فقال له أبو داود: إن أبا مسلم كتب إليّ في عبور النهر لأمر ستعرفه، فإذا عدنا خلّيت ما بينك وبين ماوراء النهر وانصرفت إليه، ثم قال: لا يعبرنّ أحد إلا أصحاب عثمان،
стр. 1509
فعبروا حتى إذا بقي في نفر وثب به فقتله، وبعث برأسه إلى أبي مسلم، فأخرج عليّا عند ذلك فقتله، وكان أبو مسلم قد وادع شيبان إلى مدّة، فوجه إليه جيشا فواقعوه فكشفوه، وصار إلى ناحية أبيورد وأهلها أول من سوّد، فكتب أبو مسلم إليه أن بايع للرضا من آل محمد حتى لا أعرض لك، فبعث إليه: بل بايعني أنت، فكتب أبو مسلم إلى بسام بن ابراهيم مولى بني ليث بن بكير، وهو بأبيورد، في مناهضته فناهضه فقتله وأصحابه الا عدة تفرقوا في البلاد، ويقال بل صاروا إلى نصر قبل هربه.
حدثني أبو مسعود عن أشياخه قال: لما ظهر أبو مسلم بعث نصر إليه عرفجة بن الورد فقال: القه فأسأله من هو وما أمره، فأتاه فقال له:
ما اسمك؟ فنظر إليه شزرا، ثم قال: عبد الرحمن بن مسلم. فقال: من من؟ فنظر إليه حتى قيل سيقتله، ثم قال: علم خبري خير لك من علم نسبي، فقال أبو نخيلة:
نفّست عن عرفجة بن الورد … غياطلا من كرب وجهد
ثم إن عرفجة أتى البصرة ومات بها بعد حين.
قالوا: وأتى أبا مسلم قوم من أصحاب الحديث فسألوه عن شيء من الفقه، فقال: ليس هذا بوقت فتيا، نحن مشاغيل عن هذا ومثله.
وحدثني أبو مسعود وغيره، قال: لما ظهر أمر أبي مسلم كتب نصر بن سيّار بن رافع بن جري أحد بني جندع بن ليث بن بكر بن عبد مناة بن كنانة، قال نصر بن سيار:
أبلغ ربيعة في مرو وذا يمن … أن اغضبوا قبل أن لا ينفع الغضب
ما بالكم تنشبون الحرب بينكم … كأنّ أهل الحجى عن رأيكم غيب
стр. 1510
وتتركون عدوّا قد أحاط بكم … ممن تأشّب لا دين ولا حسب
لا عرب مثلكم في الناس نعرفهم … ولا صريح موال إن هم نسبوا
من كان يسألني عن أصل دينهم … فإن دينهم ان تهلك العرب
قوم يقولون قولا ما سمعت به … عن النبيّ ولا جاءت به الكتب
قالوا: وكتب نصر إلى يزيد بن عمر بن هبيرة، عامل مروان على العراق حين ظهرت المسودة:
أبلغ يزيد وخير القول أصدقه … وقد تيقّنت أن لا خير في الكذب
بأن خراسان أرض قد رأيت بها … بيضا لو افرخ قد حدّثت بالعجب
وقد وجدنا فراخا بعد قد كثرت … لمّا يطرن وقد سربلن بالزغب
إلاّ تدارك بخيل الله معلمة … ألهبن نيران حرب أيّما لهب
فقال يزيد: لا عليه فما عندي رجل واحد أمدّه به، وكان مبغضا له مستثقلا لولايته خراسان.
قالوا: وكتب نصر إلى مروان يستمدّه، فأمدّه بنباتة بن حنظلة الكلابي فقتل بجرجان. وكتب إلى مروان:
أرى خلل الرماد وميض جمر … حريّ أن يكون له ضرام
فقلت من التعجب ليت شعري … أأيقاظ أميّة أم نيام
فإلاّ تطفئوه يجرّ حربا … يكون وقودها قصر (١) وهام
وقتل ابن لنصر في العصبية يقال له تميم، فقال نصر:
نأى عني العزاء وكنت جلدا … لأن أجلى الفوارس عن تميم
стр. 1511
أمر قحطبة
قالوا: وجه أبو مسلم في ذي القعدة سنة ثلاثين ومائة قحطبة بن شبيب بن خالد بن معدان بن شمس بن قيس بن أكلب بن سعد بن عمرو بن الصامت بن غنم بن مالك بن سعد بن نبهان - وهو أسودان - بن عمرو بن الغوث بن طيء، إلى العراق، ومعه أبو غانم عبد الحميد بن ربعي بن خالد بن معدان، والمسيب بن زهير بن عمرو بن حميل الضبي، وعبد الجبار بن عبد الرحمن الأزدي، وموسى بن كعب بن عيينة بن عائشة بن سري التميمي، ثم احد امرئ القيس بن زيد مناة بن تميم، وحيّة بن عبد الله بن خلدة بن النّطاق، من بني العصبة بن امرئ القيس، ومالك بن الطوّاف بن حضرمي بن مالك بن كنانة، من ولد العصبة أيضا، والقاسم بن مجاشع بن تميم بن حبيب من ولد عرعرة بن عادية بن الحارث بن امرئ القيس، وأبو عون عبد الملك بن يزيد، ومقاتل بن حكيم بن عبد الرحمن العكي وغيرهم، وحمل معهم مالا عظيما لأعطيتهم وكانوا في ستين وفي ثمانين وفي مائة من العطاء. وكان على مقدّمة قحطبة ابنه الحسن بن
стр. 1512
قحطبة، فلما وافى جرجان قال: يا أهل خراسان إن النصر مع الصبّر، والتنازع فشل، وإنكم تقاتلون بقية قوم حرقوا بيت الله وكتابه، واغتصبوا هذا الأمر، فانتزوا عليه بغير حقّ.
وكان مروان قد أمر ابن هبيرة أن يمدّ نصر بن سيار بنباتة بن حنظلة أحد بني بكر بن كلاب بن ربيعة بن عامر، وكان نباتة قد لقي سليمان بن حبيب بن المهلب بن أبي صفرة بالأهواز، وسليمان واليها من قبل عبد الله بن معاوية بن عبد الله بن جعفر بن أبي طالب حين خرج عبد الله ودعا لنفسه، فهرب منه سليمان بعد قتال وصار إلى فارس، فكتب ابن هبيرة إليه في المصير إلى خراسان مددا لنصر بن سيار، فأتى أصبهان، ثم الري ومضى إلى قومس، فلم تحمله وأصحابه، فصار إلى جرجان، وسار قحطبة إليه فالتقيا في مستهل ذي الحجة سنة ثلاثين ومائة يوم جمعة، وقال قحطبة: هذا يوم يرجى فيه النصر ونزول الرحمة، وجعل يدعو إلى الرّضا من آل محمد، ونادى أهل خراسان: يا محمد يا منصور، ونادى أهل الشام: يا مروان يا منصور، فاقتتلوا طويلا فقتل نباتة بن حنظلة، وانهزم أهل الشام أقبح هزيمة، فوضع السيف فيهم، فقتل منهم عشرة آلاف، ويقال ستة آلاف وبعث قحطبة برأس نباتة إلى أبي مسلم، فأمر فطيف به في كور خراسان.
وقال بعض شعراء طيّ:
لما رمتنا مضر بالقبّ … قرضبهم قحطبة القرضبّ
يدعون مروان وأدعو ربّي
стр. 1513
قال الحرمازي: أخبرني علماء من أهل خراسان أن نصر بن سيار كان يتضجّع في طريقه حتى قتل نباتة، فأتى الريّ فمرض بها وحمل إلى ساوة فمات بها.
قالوا: وقدم قحطبة الري وكتب إلى أبي مسلم يستمده، فأمده بأبي الجهم بن عطية مولى باهلة في سبعمائة، ويقال في ألف وسبعمائة، وكان عامر بن ضبارة المرّي قد وجّه لمحاربة شيبان الخارجي ففاته ولحق بكرمان، فأتى كرمان فأوقع به واستباح عسكره، فأتى شيبان سجستان ثم صار إلى خراسان، وواقع عامر عبد الله بن معاوية قبل ذلك بفارس فهزمه، فكتب ابن هبيرة إليه يأمره بالمسير إلى قحطبة ووجه معه ابنه داود بن يزيد بن هبيرة، فسارا في خمسين ألفا حتى نزلا أصبهان وانضم إليهم بها ولد نصر بن سيّار وجماعة من المروانية من أهل خراسان، ووافى قحطبة فاقتتلوا، وعلى ميمنة قحطبة خالد بن برمك والعكّي، وعلى ميسرته أبو غانم عبد الحميد بن ربعي الطائي، ومعه مالك بن الطوّاف التميمي، وقحطبة يومئذ في اثني عشر ألفا، فلم يلبث أهل الشام أن انهزموا، فقتلوا قتلا ذريعا، وقتل عامر بن ضبارة، وقتل مساور، وقديد، ومبشّر بنو نصر بن سيار، وخالد بن الحارث بن سريج المجاشعي، وعامر بن عميرة السمرقندي، وكان مع قحطبة، فانقلب الى ابن ضبارة وبعث برأسه إلى أبي مسلم مع عيسى بن ماهان مولى خزاعة، فاحتبسه أبو مسلم فلم يخرج من خراسان حتى قتله، وهرب داود بن يزيد بن عمر بن هبيرة إلى أبيه.
وكان مالك بن أدهم بن محرز الباهلي على الري فلما قدمها قحطبة
стр. 1514
هرب فصار إلى نهاوند فأمنه قحطبة وفتح نهاوند، وقال قوم: كان بنو نصر بن سيار بها فقتلهم، والثبت أنهم قتلوا بأصبهان.
وبلغ عامل حلوان وهو عبيد الله بن العبّاس الكندي خبر أصبهان ونهاوند، فهرب فلم يلق كيّدا.
ووجه قحطبة عبد الملك بن يزيد الأزدي - أبا عون، ومالك بن الطوّاف في أربعة آلاف إلى شهرزور، وبها عثمان بن سفيان، وهو على مقدمة عبد الله بن مروان بن محمد فناهضا عثمان فقتلاه، وذلك في العشر من سنة احدى وثلاثين ومائة.
وبلغ قحطبة أن ابن هبيرة بالدسكرة يريده، فعدل إلى راذان فعبر القاطول ثم أتى العلث فعبر في السفن، ثم أتى أوانا، ثم الأنبار ثم مليقيا من الفلّوجة، ثم قدّم قحطبة أمامه الحسن بن قحطبة وهو يريد الكوفة، فواقعه ابن هبيرة، ومعه محمد بن نباتة بن حنظلة، وحوثرة بن سهيل الباهلي، فهزمهم أهل خراسان وفقد قحطبة، فيقال ان قوما من الطائيين دلّوه على مخاضة فغرق فيها، ويقال بل وجد مقتولا فدفنه أبو الجهم بن عطية، وكانت الواقعة بفم الزابي من الفلّوجة، ويقال: وجد مقتولا وإلى جانبه حرب بن سلم بن أحوز وقد اختلفا ضربتين فقتل كل واحد منهما صاحبه.
وقال أحلم بن إبراهيم بن بسام: أنا قتلت قحطبة، نظرت إليه واقفا فذكرت شيئا كان في نفسي عليه فقتلته، ويقال انه سقط من جرف وقد اعترم به فرسه فغرق، وقال سلم مولى قحطبة: جزنا المخاضة التي دلّنا الطائيون عليها فقاتل ليلا فوجد فرسه عائرا فلم يدر ما خبره. وزعموا أن معن بن
стр. 1515
زائدة ضرب قحطبة على حبل عاتقه فأسرع فيه السيف وسقط إلى الماء فأخرجوه، وكان قحطبة أوصى إن حدث به حدث فالأمير الحسن بن قحطبة، فبعثوا إليه فردّوه من قرية شاهي فبويع، وسار بالناس حتى نزل النّخيلة، وواقع ابن هبيرة فقتل من أهل الشام أكثر من ثلاثة آلاف.
وسوّد محمد بن خالد بن عبد الله القسري بالكوفة، وخرج في أحد عشر ألفا، فدعا الناس إلى الرضا من آل محمّد، وضبط الكوفة، وهرب عاملها، فدخل الحسن بن قحطبة والناس في السوّاد وسألوا عن أبي سلمة وزير آل محمد، فدلّوا على منزله، فخرج إليهم فقدّموا إليه دابة من دواب الحسن بن قحطبة فركبها وجاء حتى وقف بجبانة السبيع، فبايعه أهل خراسان والناس.
ثم وجه أبو سلمة الحسن بن قحطبة إلى ابن هبيرة، وقد صار إلى واسط، وضم إلى الحسن خازم بن خزيمة التميمي والعكي، وزياد بن مشكان صاحب المشكانية ببغداد، وعثمان بن نوفل وغيرهم، وولّى الكوفة محمد بن خالد، ووجه حميد بن قحطبة إلى المدائن، ووجه خالد بن برمك، والمسيب بن زهير إلى دير قنّى، وبعث يزيد بن حاتم في أربعمائة إلى عين التمر، وبعث بسام بن ابراهيم إلى الأهواز وعليها عبد الواحد بن عمر بن هبيرة فخرج عنها إلى البصرة.
واقتتل أهل خراسان وأهل الشام بواسط مرّات، هزم أهل الشام فيهن كلهن، وجعل محمد بن خالد على شرطه طلحة بن اسحاق الكندي، وكان قبله على شرطة زياد بن صالح الحارثيّ عامل الكوفة من قبل ابن
стр. 1516
هبيرة، وكان يقال لزياد أبا الصواعق، ومدح محمدا بن خالد حويص الأشجعي، فلم يرضه فقال:
أرى كل جار يفيد الغنى … وجار بجيلة لا يفلح
محضت بجيلة حسن الثناء … فما أحسنوا بي ولا انجحوا
ولو انصفوني لقالوا ثناه … عنا فما مثلنا يمدح
وكان أبو العباس وأهل بيته بالكوفة قد أخفاهم أبو سلمة في دار في بني أود، فكان إذا بعث إليه أبو العباس يسأله عن خبرهم عنده يقول: لم يأن ظهوركم بعد، فلم يزل قبل ظهوره كذلك أربعين ليلة وهو يريد أن يعدلها عنهم إلى ولد فاطمة.
وكان أهل خراسان يسألونه عن الإمام فيقول: نحن نتوقعه ولم يأن لظهوره، ثم أرسل أبو العباس إلى أبي سلمة: إني على إتيانك الليلة فقد عرفت أني صاحب هذا الأمر، فقال لسلم مولى قحطبة والأسد بن المرزبان: إن رجلا يأتيني الليلة فإن قمت وتركته فاقتلوه فإنه يحاول فساد ما نحن فيه، فلما صار أبو العباس إليه ناظره فغضب أبو سلمة وأراد القيام، فعلق أبو العباس بثوبه وضاحكه ثم خرج فركب ولم يعرض له، فلمّا لقي أهل بيته حدّثهم حديثه وقال: والله ما أفلتّ منه حتى ساعدته على ما يريد، وانّه لعلى صرف الأمر عنّا. فقال داود بن علي: الرأي أن نرجع إلى المدينة، وقال عبد الله بن علي: اخرج فاعلم الناس أنك هاهنا. وخرج صالح بن الهيثم رضيع أبي العباس ومعه مولى لهم أسود يقال له سابق فلقيهما أبو حميد السمرقندي فعرفهما، لأنه كان يأتي الإمام فقال لصالح: ألست رضيع ابن الحارثية؟ وقال لسابق: ألست مولى الإمام؟ فقالا: بلى،
стр. 1517
قال: فما تصنعان ههنا؟ قالا: أبو العباس ابن الحارثية ورجال من أهل بيته بالكوفة مذ كذا وكذا. فأتى أبو حميد أبا الجهم بن عطية بهما، فصارا معهما إلى بني أود في جماعة، ثم دخل دار الوليد (١) فقال: أيّكم أبو العباس عبد الله بن الحارثية؟ فقالوا: هو هذا، فسلم عليه أبو الجهم بالخلافة، ثم بكى فقال له: تركنا أبو سلمة هاهنا وأنتم حضور فلم يعلمكم خبرنا، وبعث أبو الجهم إلى وجوه الناس فأتى عبد الحميد بن ربعي، وإبراهيم بن سلمة، وشبيب بن راح، صاحب مربعة شبيب ببغداد فوق باب الشام، في جماعة فسلموا عليه بالخلافة وبايعوه، وبلغ الخبر أبا سلمة فسقط في يده، ثم أتى أبا العباس وسلم عليه بالخلافة، فقال له أبو حميد: على رغم أنفك يا بن الخلاّلة، فقال أبو العباس: مه، وجعل أبو سلمة يقول: إنما أردت اظهار أمير المؤمنين بعد أن أحكم له الأمور، ومنع أبو الجهم وأصحابه أبا سلمة من الدخول على أبي العباس إلاّ وحده. وأتى أبو الجهم أو غيره أبا العباس ببرذون أبلق، وأتى أهل بيته بدواب، فركب وركبوا وداود بن علي يسايره وهو عن يساره، فجعل الناس يقولون لداود: هذا أمير المؤمنين، وهم لا يعرفونه، فقصّر دون أبي العباس حتى عرف أنه الخليفة، وكان أبو الجهم، وعبد الله بن بسام يمشيان بين يديه، وأبو سلمة يسير خلفه على فرس له والوجوم يتبيّن فيه.
وصار أبو العباس إلى المسجد فصعد المنبر، وصعده داود بن علي فصار دونه بمرقاة، وأمره أبو العباس بالكلام فقال: «شكرا، شكرا،
стр. 1518
شكرا، إنا والله ما خرجنا فيكم لنحفر نهرا، ولا نبني قصرا، ولا نسير سير الجبارين الذين ساموكم الخسف، ومنعوكم النصف، أظنّ عدوّ الله أن لن يقدر عليه؟ أرخي له في زمامه حتى عثر في فضل خطامه»، ثم ذكر العرب فاستبطأهم وقرّظ أهل خراسان، ثم قال: «الآن عاد الأمر إلى نصابه، الآن طلعت الشمس من مطلعها، الآن أخذ القوس باريها، وصار الأمر إلى النزعة، ورجع الحق إلى مستقرّه في أهل بيت نبيّكم وورثته أهل الرأفة والرحمة، والله لقد كنا نتوجّع لكم ونحن على فرشنا، أمن الأبيض والأسود بأمان الله وذمته وذمة رسوله ﷺ ، وذمّة العباس بن عبد المطلب عمّ رسول الله ﷺ ، إنّه والله ما بينكم وبين رسول الله ﷺ خليفة إلاّ علي بن أبي طالب وأمير المؤمنين، وما بايعتم قطّ بيعة هي أهدى من بيعتكم هذه».
وحدثني عبد الله بن صالح قال داود بن علي في خطبته: «إن العرب قد أطبقت على إنكار حقّنا، ومعاونة الظالمين من بني أميّة، حتى أتاح الله لنا بهذا الجند من أهل خراسان، فأجابوا دعوتنا وتجردوا لنصرنا»، قالوا: ثم أجلس أبو العباس موسى بن كعب لأخذ البيعة على الناس، وبات أبو العباس ليلة الجمعة في قصر الكوفة، ثم صلى بالناس يوم الجمعة.
وقال هشام بن الكلبي: ولد أبو العباس في أوّل أيام يزيد بن عبد الملك وظهر بالكوفة عشيّة يوم الخميس لاثنتي عشرة ليلة خلت من شهر ربيع الآخر سنة اثنتين وثلاثين ومائة، وملك أربع سنين وتسعة أشهر، وتوفي يوم الأحد لاثنتي عشرة ليلة خلت من ذي الحجة سنة ست وثلاثين ومائة وهو ابن ست وثلاثين سنة. قال ابن هشام (١): وبعضهم يقول ظهر يوم الاربعاء
стр. 1519
بالعشيّ، وبويع في يومه، ويوم الخميس، وصلى بالناس يوم الجمعة.
وحدثني ابن القتّات عن المفضّل الضبيّ قال: خطب أبو العباس بعد قيامه بأيام بين الكوفة والحيرة فقال في خطبته: «والله لأعملنّ اللين حتى لا تنفع إلا الشدّة، ولأكرمنّ الخاصّة ما أمنتهم على العامة، ولأغمدنّ سيفي إلاّ أن يسلّه الحق، ولأعطيّن حتى لا أرى للعطية موضعا، إنّ أهل بيت اللعنة كانوا عليكم عذابا، ساموكم الخسف ومنعوكم النصف، وأخذوا الجار منكم بالجار، وسلّطوا شراركم على خياركم، وقد محا الله جورهم وأزهق باطلهم، وأصلح بأهل بيت نبيّه ما أفسدوا منكم، ونحن متعهدوكم بالأعطية والصدقة والمعروف، غير مجمّرين لكم بعثا، ولا راكبين بكم خطرا».
وقال ابن القتات: خطب أبو العباس يوم ظهر فقال: «الحمد لله الذي اصطفى الاسلام دينا لنفسه، فكرّمه وشرّفه وعظّمه، واختاره لنا، وأيّده بنا وجعلنا أهله وكهفه وحصنه والقوّام به والذابيّن عنه والناصرين له، وألزمنا كلمة التقوى وجعلنا أحقّ بها وأهلها [و] (١) خصّنا برحم رسول الله ﷺ وقرابته، ونسلنا من آبائه وأنشأنا من شجرته واشتقّنا من نبعته، وجعله من أنفسنا، فوضعنا من الاسلام وأهله بالموضع الرفيع وذكرنا في كتابه المنزل فقال: ﴿إِنَّما يُرِيدُ اللهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَ يُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيراً﴾ (٢) ثم جعلنا ورثته وعصبته، فزعمت السبئية الضلاّل، والمروانيّة الجهّال أن غيرنا أحق بالأمر منّا، فشاهت وجوههم، بم، ولم،
стр. 1520
وبنا، هدي الناس بعد ضلالهم وبصّروا بعد جهالتهم وأنقذوا بعد هلكتهم! فظهر الحقّ وأدحض الباطل، ورفعت الخسيسة، وتمّمت النقيصة، وجمعت الفرقة وذلك بالنبي ﷺ ، فلما قبض الله نبيّه قام بالأمر من بعده أصحابه فحووا مواريث الأمم فعدلوا فيها ووضعوها مواضعها وأعطوها أهلها وخرجوا من الدنيا خماصا، ثم وثب بنو حرب وبنو مروان فابتزّوها أهلها، فجاروا فيها وأساؤوا، وظلموا فأملى الله لهم حتى آسفوه، فانتقم منهم بأيدينا وردّ علينا حقّنا وتدارك أمّتنا وولي نصرتنا والقيام بأمرنا كما قال:
﴿وَ نُرِيدُ أَنْ نَمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الْأَرْضِ وَ نَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً وَ نَجْعَلَهُمُ الْوارِثِينَ﴾ (١) وإني لأرجو أن يتمّ لنا ما افتتح بنا، وسيأتيكم العدل والخير بعد الجور والشرّ، وما توفيقنا إلا بالله. يا أهل الكوفة انكم محلّ دعاتنا وأوليائنا وأهل محبّتنا، فأنتم أسعد الناس بنا، وأكرمهم علينا، وقد زدتكم في أعطياتكم مائة مائة، فاستعدّوا فإنّي السفّاح المبيح، والثائر المبير». وكان موعوكا فجلس على المنبر، وقام داود دونه فتكلم.
وحدثني عبد الله بن صالح قال: كان المستخفون بالكوفة: أبو العباس، وأبو جعفر، وداود بن علي، وموسى ابنه، وعيسى، وإسماعيل، وعبد الصمد، وعبد الله، وسليمان، وصالح بن علي، والعباس بن محمد، ويحيى بن محمد، وعبد الوهاب بن إبراهيم الإمام، وعيسى بن موسى، ويحيى بن جعفر بن تمام بن العباس، ومحمد بن جعفر بن عبيد الله بن العباس، وبعض ولد معبد بن العباس.
стр. 1521
قال وحدثنا عبثر أبو زبيد قال: أقرّ أبو سلمة محمد بن خالد القسري على صلاة الكوفة، وولّى طلحة بن اسحاق شرطها، فلما بويع أبو العباس ولّى داود بن عليّ الكوفة، فأقرّ طلحة على شرطها، ثم صرف داود وولاّه الحجاز، وولّى يحيى بن جعفر بن تمام بن العباس الكوفة، ثم عزله وولّى عيسى بن موسى بن محمد.
قال: فكان الربيع بن ركين، أو غيره، يختار لعيسى الرجال فيوليهم فقال خلو بن خليفة أو غيره:
أصبح ديني ودين الربيع … على مثل دين أبي مسلم
وأصبحت تطلب أهل الصلاح … فهل لك في شاعر محرم
يقيم الصلاة ويؤتي الزكاة … وقد حلق الرأس بالموسم
قالوا: وكان عيسى يستشير عبد الله بن شبرمة، ومحمد بن عبد الرحمن بن أبي ليلى فيمن يوليه عمله فسميّا له، أو أحدهما، نفرا فخانوا وكسروا الخراج، فأمر بهم عيسى البطين - صاحب استخراجه - فحبسوا وعذبوا، فقال مساور الوراق:
رأيت نواهض البقّال خيرا … من الشبوط والجدي السّمين
وأحمد في العواقب حين تبلى … اذا كان المردّ إلى البطين
فيا هذا اللطيف بقاضيينا … فكن من علم ذاك على يقين
بانك طال ما بهرجت فيها … بمثل الخنفساء على الجبين
وقل لهما إذا عرضا لصك … برئت إلى عرينة من عرين
وحدثني غير واحد أن عيسى تزوج امرأة من آل جرير بن عبد الله، فقال: من يحملها إليّ؟ فقال له ابن شبرمة: يحملها أبو السمح، وهو رجل
стр. 1522
كان يدخل في أعمال الخراج، فقال مساور:
بينما نحن نرتجي لأبي السمح طساسيج تستر والفراتا
إذ أتانا على الزفاف بعهد … ليته قبل هذه كان ماتا
ولقي عبد الرحمن بن زياد بن أنعم عيسى فقال له: ما يمنعك من إتياني؟ قال: وما أصنع عندك، إن أدنيتني فتنتني، وإن أقصيتني حزنتني، وليس عندك ما أرجوه، ولا عندي ما أخافك عليه، وكان عامل عيسى على الصدقات الجرّاح بن مليح، وعلى بيت ماله حميد الرواسي، وكان ابن أبي ليلى على قضاء الكوفة، وابن شبرمة على قضاء الحيرة.
قالوا: لما بويع أبو العباس ندب أهل بيته إلى قتال مروان، فلم ينتدب له إلا عبد الله بن علي فوجهه لحربه، فكان من أمره ما كان.
стр. 1523
أمر ابن هبيرة ومقتله
قالوا: ووجه أبو سلمة: الحسن بن قحطبة إلى ابن هبيرة، وقد تحصّن بواسط فحاصره، وكتب أبو سلمة إلى أبي نصر مالك بن الهيثم وهو بسجستان من قبل أبي مسلم يأمره بالمصير إلى البصرة، فلما قدمها وجد عليها سفيان بن معاوية قد سوّد بها ودعا إلى بني هاشم، فكتب أبو سلمة إلى نصر يأمره بالمصير إلى الحسن بواسط ففعل، وواقع الحسن ابن هبيرة فهزم أهل الشام وغرق منهم خلق، ثم واقعهم أيضا فهزمهم ابن هبيرة، وقاتل عمر بن حفص بن عثمان بن قبيصة بن أبي صفرة قتالا شديدا، وثاب الناس فهزم ابن هبيرة.
ثم إن أبا العباس رأى توجيه أبي جعفر المنصور إلى واسط، وذلك أن قوما من أهل خراسان كان في أنفسهم على الحسن أشياء فكرهوه، وسألوا أبا العباس أن يوجه مكانه رجلا من أهل بيته ليسكنوا إليه ويقاتلوا معه، فلما قدم المنصور واسطا تحول له الحسن بن قحطبة عن مضربه. وكتب أبو العباس إلى الحسن: إنما وجهت أخي إلى ما قبلك ليسكن الناس إليه ويثق ابن هبيرة بأمانه إن طلب الأمان، وأنت على أمرك وجيشك والتدبير لك.
стр. 1524
ثم التقوا وأهل الشام، فانهزم أهل الشام، وثبت معن بن زائدة الشيباني، وكان مع ابن هبيرة فقاتل، وترجل أبو نصر مالك بن الهيثم ثم افترقوا. ومكثوا أياما، فخرج معن بن زائدة، ومحمد بن نباتة بن حنظلة، فقاتلوا أهل خراسان فهزموهم إلى دجلة، فقال لهم أبو نصر: يا أهل خراسان، ويلكم إلى أين تفرون؟ إن الموت بالسيف خير منه غرقا، فثابوا وحملوا فهزموا أهل الشام، فكانوا على ذلك أحد عشر شهرا، فلما طال عليهم الحصار وجاءهم قتل مروان ببوصير من أرض مصر طلبوا الصلح، وأتاهم اسماعيل بن عبد الله القسري فقال: علام تقتلون أنفسكم وقد قتل مروان! فطلب معن بن زائدة الأمان فأمنه المنصور، ثم طلب ابن هبيرة الأمان فأمنه المنصور أيضا، وكتب له كتابا، واشترط عليه أنه إن نكث أو غدر فلا أمان له. وكان مقيما بواسط يغدو ويروح إلى المنصور في جماعة كثيرة، ويتغدّى عنده ويتعشّى إذا حضر في وقت غذائه وعشائه، وهو في ذلك يدسّ إلى محمد بن عبد الله بن حسن بن حسن بن علي بن أبي طالب وغيره، ويهمّ بالدعاء لآل أبي طالب وخلع أبي العباس، فتيقن أبو العباس ذلك من أمره. وكان أبو مسلم يكتب إليه فيشير عليه بقتله، ويقول: إن الطريق إذا كثرت حجارته فسد، وصعب سلوكه، فكتب أبو العباس إلى أبي جعفر يأمره بقتل ابن هبيرة، فأبى ذلك وكرهه للذي أعطاه من الأمان.
فكتب إليه: إن هذا الرجل قد غدر ونكث وهو يريد بنا العظمى، وما لكتاب عبد الرحمن فيه اقتله ولكن لما أبان لي من نكثه وفجوره، فلا تراجعني في أمره فقد أحلّ لنا دمه. فأمر المنصور الحسن بن قحطبة بأن يقتله فأبى. فقال خازم بن خزيمة: أنا أقتله، وساعده على ذلك الاغلب بن سالم
стр. 1525
التميمي، والهيثم بن شعبة وغيرهما، فداروا في القصر ثم دخلوا على ابن هبيرة وعليه قميص مصريّ وملاءة مورّدة أو صفراء، ومعه ابنه داود وكاتبه عمر بن أيوب في عدة من مواليه، وكان قد دعا بحجام ليحتجم، فلما رآهم مقبلين خرّ ساجدا فضرب بالسيوف حتى مات، وقتل ابنه ومن كان معه، وأراد عمر بن أيوب الخروج فقتل، ويقال إنهم جرّوه برجله حتى أنزلوه عن فراشه ثم قتلوه، وجاؤوا برأسه ورؤوس من كان معه إلى المنصور. وأخذ عثمان بن نهيك سيف حوثرة بن سهيل فضرب به عنقه، وفعل بمحمد بن نباتة مثل ذلك، وفعل بيحيى بن حضين بن المنذر مثل ذلك. وكان معن بن زائدة الشيباني قد وفد إلى أبي العباس ببيعة ابن هبيرة، وأقام بالكوفة، فقتل ابن هبيرة وهو بالكوفة فسلم.
حدثني العمري عن الهيثم بن عدي قال: كان ابن هبيرة إذا رأى وهنا وضعفا من أمره أنشد:
والثوب إن أسرع فيه البلى … أعيا على ذي الحيلة الصانع
كنا نداريها فقد مزّقت … واتسع الخرق على الراقع
قال الهيثم: وكان زياد بن صالح الحارثي مع ابن هبيرة، فكتب إليه أبو العباس: ان لك قرابة وحقا، وأرغبه فخرج إليه، فانكسر ابن هبيرة وطلب الأمان.
قال الهيثم: لما أو من ابن هبيرة ونزل بواسط كتب ابو مسلم: انه قلّ طريق سهل فيه حجارة إلا أضرّت بأهله، ولا يصلح والله لكم أمر دونه ابن هبيرة فاقتلوه عاجلا فلست آمن ان يكيدكم، فوجّه ابو العباس رسولا إلى المنصور بكتاب منه يعزم عليه فيه ليقتلنّه، فوجه المنصور أبا خزيمة والهيثم بن
стр. 1526
شعبة والاغلب بن سالم وسليمان بن سلام الحاجب في جماعة فدخلوا رحبة القصر وارسلوا إلى ابن هبيرة، انا نريد حمل ما في الخزائن، فقال:
افعلوا، فدخلوا الخزائن فوكلوا بكل باب خزانة جماعة ودخلوا عليه فقتلوه، ونادى منادي المنصور: أمن خلق الله إلاّ عمر بن ذر، والحكم بن بشر، وخالد بن سلمة المخزومي، وقتل من وجوه أصحاب ابن هبيرة خمسون رجلا، ونودي: يا أهل الشام الحقوا بشامكم، فاشهدوا أسماءكم هناك، ووجّه الى المثنى بن يزيد بن عمر أبا حمّاد الابرص، وهو إبراهيم بن حسّان، فقتله ويقال إن داود بن علي وجّهه، واستخلف أبو جعفر بواسط الهيثم بن زياد الخزاعي، وانصرف هو والحسن ومن معهم إلى أبي العباس.
قال أبو عطاء السندي يرثي ابن هبيرة:
ألا إنّ عينا لم تجد يوم واسط … عليك بجاري دمعها لجمود
عشيّة قام النائحات وصفّقت … جيوب بأيدي مأتم وخدود
فإن تمس مهجور الفناء فربما … اقام به بعد الوفود وفود
يقولون لا تبعد على متعهد … بلى كلّ من تحت التراب بعيد
أبو الحسن المدائني عن مسلم بن المغيرة قال: كنت مع أبي أيوب الخوزى في عسكر أبي جعفر، وكان لأبي جعفر بيت قد بني له ومضربه يحيط به وكان في ستارة المضرب خلل، فكنت أنظر منه فرأيت الحسن بن قحطبة إلى جانب المنصور يحدثه، ثم دعا بحوثرة بن سهيل فجاء عثمان فأخذ سيفه فأراد أن يتكلم ثم سكت فأدخل البيت وأغلق عليه، ثم خرج سلام صاحب أبي جعفر فدعا بمحمد بن نباتة فصنع به مثل ذلك، ثم خرج فقال: أين يحيى بن الحضين؟ ثم دعي ببشر بن عبد الملك بن بشر، أو قال
стр. 1527
بالحكم بن عبد الملك، فقام ومعه أخوه أبان فقال: ما فرق بيني وبينه شيء قط، فقال له سلام: اجلس فانما نفعل ما نؤمر به فجلس، ثم دعا بخالد بن سنان المرّي وكان على شرطة ابن هبيرة، ثم قتل خالد بن سلمة المخزومي، وابنه، ثم قتل حرب بن قطن الهلالي، ثم خرج سلام فقال للناس: انصرفوا.
قال مسلم بن المغيرة: فسألت عثمان بن نهيك عن السبعة النفر، فقال: أما حوثرة فإني أدخلت السيف بين ضلعين من أضلاعه وقلت:
يا عدو الله أنت الكاتب إلى مروان إنّ الله مخزيهم، ثم لم يرضك إلاّ شتمنا! ولم يكن في القوم أجزع من ابن نباتة، كان يصيح كما يصيح الصبيان على شجاعته وبأسه، وأما خالد بن سنان فقال: يا مجوس قتلتمونا غدرا، والله لقد قتلنا سيدكم قحطبة، وقتل مع ابن هبيرة رباح بن أبي عمارة مولى هشام، وكان هشام اشتراه بعشرة آلاف فأعتقه، فلما جرى الصلح بين ابن هبيرة وبين أبي جعفر قال له أبو جعفر: أعربي أم مولى؟ قال: ان كانت العربية لسانا فقد نطقنا بها، وإن كانت دينا فقد دخلنا فيه، فاستبرعه فسأل عنه فقيل قتل، ويقال إنه أمر أن يستبقى فعجل عليه، وهرب ابن علاثة، وهشام بن هشيم بن صفوان الفزاريان فلحقا فقتلا على الفرات، وقتل أبو عثمان الحاجب وهو يتغدى بلحم بقر، دعا به خازم فضرب وسطه. وقتل الحكم بن عبد الملك أخو بشر بن عبد الملك وابنان له، وقيل إنه هرب، وأبو علاثة الفزاري وكان على حلوان، ويوسف بن محمد بن القاسم الثقفي. ودعي بحرب بن قطن فطلب فيه الحسن بن قحطبة وقال:
стр. 1528
خالكم، فقال أبو جعفر: إن أمير المؤمنين كتب يؤمنك لرحمك وحقن دمك.
قال بعض الرواة: قام سعد الموصلي - ويقال سعيد - خليفة عثمان الحاجب دون ابن هبيرة فقال: وراءكم، فضربه الهيثم على حبل عاتقه فصرعه، وقام داود دون أبيه فقتل.
قالوا: وكان عمر بن ذر يقول: ضاقت عليّ الأرض، فخرجت على دابتي أقرأ آية الكرسي فما عرض لي أحد، فاستأمن لي زياد بن عبيد الله الحارثي فآمنني أبو العباس، وكان عمر يقص ويحرّض على المسوّدة. وكان أبو جعفر قد آمن خالد بن سلمة، فقال أبو العباس، لو كانت له ألف نفس لأتيت عليه، فقتله.
قالوا: وكان خازم يقول: والله ما بدرت إلى قتل ابن هبيرة إلاّ مخافة أن يدفع الى رجل من اليمانية فيفخر علينا بقتله،. وطلب سليمان بن علي الأمان لعقال بن شبة بن عقال المجاشعي، فأمنوه فذكر بني العباس ففضّلهم وذمّ بني أمية وتنقصهم، وتكلم ثمامة بن الرحيل الحنفي، وكان خطيبا، فقال:
ألا ليت أم الجهم سقيا لذكرها … ترى حيث قمنا بالفراق مقامي
عشية بذّ الناس جهدي ومنظري … وبذّ كلام الناطقين كلامي
وحدثت ان ابن هبيرة لما بنى مدينته همّ بأن يسميها الجامعة، فقال له سلم بن قتيبة، وهو يومئذ معه: أرأيت إن قيل أين الامير، أيقال في الجامعة؟ فتطيّر فسماها المحفوظة، فلما قدم أبو العباس سماها الهاشمية وأتم بناءها.
стр. 1529
قالوا: وكان يزيد سخيا وكان يطعم الناس طعاما واسعا ويؤتون قبل الطعام بعساس اللبن وبأنواع الأشربة. وكان جلساؤه وسمّاره داود بن أبي هند، وابن شبرمة وابن ابي ليلى، فقال ابن شبرمة:
اذا نحن أعتمنا وماد بنا الكرى … أتانا باحدى الركعتين عياض
يعني حاجبه. وكان يقضي في كل ليلة عشر حوائج، فإذا أصبح أنفذها. وكان ربما لحن في كلامه، فقال له سلم بن قتيبة في ذلك فتحفظ.
حدثنا المدائني قال: كتب أبو مسلم إلى أبي العباس: إن أهل الكوفة قد شاركوا شيعة أمير المؤمنين في الاسم، وخالفوهم في الفعل، ورأيهم في آل علي الرأي الذي يعلمه أمير المؤمنين، يؤتى فسادهم من قبلهم باغوائهم إياهم واطماعهم فيما ليس لهم، فالحظهم يا أمير المؤمنين بلحظة بوار ولا تؤهلهم لجوارك فليست دارهم لك بدار، واشار عليه أيضا عبد الله بن علي بنحو من ذلك، فابتنى مدينته بالأنبار وتحول إليها وبها توفي.
وأخذ يوما بيد عبد الله بن حسن فجعل يطوف به فيها وكان له مكرما، وكان ذلك لا يمنعه من حسد، فجعل يتمثل قول الشاعر:
ألم تر حوشبا أضحى يبنّي … منازل نفعها لبني بقيله
يؤمّل أن يعمّر عمر نوح … وأمر الله يأتي كل ليله
فتطيّر أبو العباس وقال: أفّ، لقلّ ما يملك الحسود نفسه ولسانه، فقال عبد الله: اقلني، فقال: لا أقالني الله إذا، اخرج عني، فخرج إلى المدينة. ويقال إنه أنشد هذا الشعر، وقد طوّفه الهاشمية حين استتمّ بناءها.
стр. 1530
قالوا: واستعمل أبو العباس أبا جعفر المنصور على: الجزيرة، وأرمينية، وأذربيجان، في ذي العقدة سنة اثنتين وثلاثين ومائة، وولى يحيى بن محمد بن علي الموصل، فقدم ابو جعفر قرقيسيا وعليها المنذر بن الزبير بن عبد الرحمن بن هبّار بن الأسود بن المطلب بن أسد بن عبد العزّى، فدعاه إلى الطاعة فأبى، فخلّف عليها مالك بن الهيثم فقتل المنذر وصلبه وذلك في سنة ثلاث وثلاثين ومائة، وفي تلك السنة ولد عبد الله بن مالك. ومضى المنصور إلى الرقة فدعاهم فلم يجيبوه، فخلف عليها موسى بن كعب ففتحها وغلب عليها، وسار المنصور في مدن الجزيرة يصالح من دخل في طاعته، ويخلّف على من التوى عليه حتى فتحها، فكان ممن صالح أهل الرها، وأهل نصبين، وأهل دارا.
قالوا: وخرج على أبي العباس، والمنصور عامله على الجزيرة، قوم من الخوارج وأميرهم بكر بن حميد الشيباني، فوجه إليهم محقن بن غزوان فهزموهم فأتى رأس عين، وبلغ ذلك أبا جعفر فوجه اليهم مقاتل بن حكيم العكّي، وأتبعه أبو جعفر من كفرتوثى، إلى بعض قرى دارا، فالتقوا فقتل محمد بن سعيد خدينة بن عبد العزيز بن الحارث بن الحكم بن أبي العاص، وكان مع الخوارج، وانهزمت الخوارج؛ واعتصم بكر بجبل دارا، فتوجه اليه العكي فقتله. وأمر أبو جعفر بهدم مدائن الجزيرة إلا حرّان، واستعمل على أرمينية يزيد بن أسيد بن زافر السّلمي، ثم شخص أبو جعفر في جمادى الأولى سنة خمس وثلاثين ومائة إلى أرمينية فدوخّها، واستأمن إليه جماعة كانوا في قلعة الكلاب، وقفل منها سنة ست وثلاثين ومائة؛ وعزل يزيد بن أسيد، وولّى أرمينية الحسن بن قحطبة.
стр. 1531
وقال الهيثم بن عدي: وجّه أبو العباس حين استخلف أبا جعفر في ثلاثين من بني هاشم والفقهاء فيهم الحجاج بن أرطاة، إلى أبي مسلم ليهنؤوه بظهور الإمام وما فتح الله على يديه، ويعلموه ما كان له من الأثر الجميل عند أمير المؤمنين والذي هو عليه من شكره، فلما قدم عليه ابو جعفر وقف على بابه محجوبا ساعات. ثم أذن له ولم يظهر له من التبجيل ما كان يستحقه ولم يؤمّره، فحقد عليه، فلما قدم على أبي العباس قال: إنه لا ملك ولا سلطان حتى تقتل أبا مسلم فقد أفرط في الدالّة وعدا طوره، فأشار إليه أن أسكت.
وحدثني أبو مسعود الكوفي عن اسحاق بن عيسى بن علي عن المنصور، حدثني عبد الله بن صالح عن الهيثم بن عدي وغيره قال: أرسل يزيد بن عمر بن هبيرة وهو محصور بواسط إلى المنصور وهو بإزائه: «إني خارج اليك يوم كذا وداعيك الى المبارزة فقد بلغني تجبينك إيّاي»، فكتب إليه المنصور: «يا بن هبيرة إنك امرؤ متعدّ لطورك جار في عنان غيّك، يعدك الشّيطان ما الله مكذّبه، ويقرّب لك ما الله مباعده، أفصح رويدا تتمّ الكلمة ويبلغ الكتاب أجله وقد ضرّيت لي، مثلي ومثلك أن أسدا لقي خنزيرا فقال الخنزير: قاتلني، فقال الأسد: إنما أنت خنزير ولست لي بكفؤ ولا نظير، ومتى فعلت الذي دعوتني إليه فقتلتك قيل قتل خنزيرا، فلم أعتقد بذلك فخرا ولا ذكرا، وإن نالني منك شيء كان سبّة عليّ وإن قلّ، فقال: إن أنت لم تفعل رجعت فأعلمت السباع أنك نكلت عني وجبنت عن قتالي، فقال الأسد: احتمال عار كذبك أيسر عليّ من لطخ شاربي
стр. 1532
بدمك»، ولم يمكث ابن هبيرة بعد ذلك إلاّ أيّاما حتى طلب الأمان وضرع إليه.
حدثني المدائني قال: قال بعض أهل خراسان لبعض الفزاريين:
ما كان أعظم رأس صاحبكم؟! فقال: أمانكم له كان أعظم.
وقال أبو الحسن: حصره أبو جعفر تسعة أشهر، ولما قتل أخرج إلى باب المضمار بواسط فصبّ النّفط على جثته وأحرق، وأمر أبو جعفر بهدم مدينة واسط، وقال: حصر ابن هبيرة وما في رأسه بيضاء، فما قتل إلا وقد شاب.
قالوا: وكان ابن هبيرة يقول حين حصر: والله لو كان أبو جعفر أعزّ من كليب وائل ما قدر عليّ، ولو كان أشجع من شبيب ما هبته. وقال المنصور لإسحاق بن مسلم العقيلي: كيف رأيت صنيعي بابن هبيرة؟ قال:
تغرير وقد سلّم الله، كنت في خرق وحولك من يطيعه ويموت دونه ويتعصب له من قيس وغيرها، فلو ثاروا لذهب الناس ولكنّ أمركم جديد والناس بين راج وهائب.
وقال هشام: خرج ابن هبيرة حين خرج إلى أبي جعفر في جماعة، فيهم جعفر بن حنظلة البهراني، فألقى له الحاجب وسادة وقال: اجلس راشدا يا أبا خالد، وقد أطاف بالحجرة عشرة آلاف من أهل خراسان، ثم أذن له فدخل على أبي جعفر فالقيت له وسادة فحدّث أبا جعفر ساعة، وكان يركب في خمسمائة فارس وثلاثمائة راجل، فقال يزيد بن حاتم:
ما ذهب سلطان ابن هبيرة بعد، إنه ليأتينا فيتضعضع له العسكر، فليت شعري ما يقول في هذا عبد الجبار وجهور بن مرّار وأشباههم؟! فقال سلاّم
стр. 1533
لابن هبيرة: يقول لك الأمير لا تسر في هذه الجماعة، فلما ركب ركب في ثلاثين، فقال سلام: كأنك تريد المباهاة؟! فقال: إن أحببتم أن نمشي إليكم فعلنا، فقال: ما هذا باستخفاف ولكن أهل العسكر كرهوا هذا الجمع، فأمر الأمير بهذا نظرا لك، فكان يركب في رجلين وغلامه، وختمت خزانته وبيت ماله ودار الرزق وفيها طعام كثير، وعزم أبو العباس على قتله ووجد له كتاب إلى عبد الله بن حسن، فأمر أبو جعفر عثمان بن نهيك بقتله، فقال: ليقتله رجل من العرب، فندب له خازما، والأغلب، والهيثم بن شعبة.
قالوا: وسأل المنصور ابن هبيرة عن أدم كان قسمه، فقال: أيها الرجل توسّع توسّعا قرشيا ولا تضق ضيقا حجازيا فما مثلي يسأل عن أدم ولا يعاتب عليه، وهذا ضرب أخماس لأسداس، وقال له المنصور يوما:
يا أبا خالد حدّثنا، فقال: والله لأمحضنك النصيحة إمحاضا، ولأخلصنها لك إخلاصا، إنّ عهد الله لا ينكث وعقده لا يحلّ، وإن امارتكم حديثة، وخلافتكم بكر فأذيقوا الناس حلاوتها وجنّبوهم مرارتها، ثم نهض ونهض معه سبعمائة من القيسية، فقال المنصور: لا يعزّ ملك هذا فيه.
المدائني عن أبي عمرو القرشي قال: دخل ابن هبيرة على أبي جعفر فجعل يحدّثه وأبو جعفر مزورّ عنه، فجعل ابن هبيرة يقول: عليّ، فأقبل أيها الرجل، فلما خرج قال أبو جعفر، ألا تعجبون من ابن اللخناء وقوله لي.
стр. 1534
حدثني ابن القتّات قال: قال أبو جعفر لسلم بن قتيبة: ما كلمت عربيا قط أعظم نخوة من ابن هبيرة ولا أحسن عقلا، قال لي يوما وهو يكلمني: اسمع لله أبوك، ثم تداركها فقال: إن عهدنا بالإمرة والولاية قريب فلا تلمني فإنها خرجت مني على غير تقدير فاغفرها، فقلت: قد غفرتها.
стр. 1535
أمر أبي سلمة
قال ابن القتّات: قال المنصور: دعاني أبو العباس فذاكرني أمر أبي سلمة، فقال: والله ما أدري لعل الذي كان منه عن رأي أبي مسلم وما لها غيرك، اخرج إلى أبي مسلم مهنّئا بما وهب الله لنا، وبنجح سعيه فيما قام به من أمرنا، وخذ البيعة عليه وأعلمه بما كان من أمر أبي سلمة، واعرف رأيه، وعرّفه الذي نحن عليه من شكره ومعرفة حقّه. قال: فخرجت إلى خراسان ومعي ثلاثون رجلا منهم إسحاق بن الفضل الهاشمي والحجاج بن أرطاة ونحن على وجل، فلما شارفت مرو تلقاني أبو مسلم فلما دنا مني نزل وقبّل يدي، فقلت: اركب، فركب وقدمت مرو فنزلت دارا، ومكث ثلاثة أيام لا يسألني عن شيء، ثم قال لي: ما أقدمك يا أبا جعفر؟ فأخبرته، فقال: قد تقدّمت بيعتي وأخذتها لأمير المؤمنين قبل قدومك عليّ ولكني أماسحك له، فماسحني، ثم قال: أفعلها أبو سلمة؟ قلت: قد فعلها، فقال: اكفيكموه، ودعا بمرار بن أنس الضبي فقال: انطلق إلى حفص بن سليمان بالكوفة فاقتله حيث لقيته، فقدم مرار الكوفة، وكان أبو
стр. 1536
سلمة يسمر عند أبي العباس فقعد له بعض الليالي على طريقه فلما خرج قتله، فقالوا: قتلته الخوارج. وكان أبو جعفر يأتي دهليز أبي مسلم فيجلس فيه ويستأذن له الحاجب، ثم أمره بعد ذلك أن يرفع له الستور إذا جاء ويفتح له الأبواب.
وحدثنا ابن القتّات عن إسحاق بن عيسى قال: أراد أبو العباس قتل أبي سلمة فقال له عمه داود بن علي: لا تتولّ قتله فتخبث نفس أبي مسلم ويحتج بذلك عليك، ولكن اكتب إليه فليوجّه من يقتله، ففعل.
وقال أبو اللفائف الأسدي:
ويح من كان مذ ثلاثون حولا … يبتغي حتف نفسه غير آل
لم يزل ذاك داب كفيّه حتى … عضّه حدّ صارم في القذال
كاده الهاشمي منه بكيد … حيلة غير حيلة الخلال
وحدثني أبو مسعود عن المفضل الضبيّ قال: كتب أبو العباس بخطه أو بإملائه إلى أبي مسلم كتابا مع أبي جعفر حين وجّهه إلى خراسان: «إنه لم يزل من رأي أمير المؤمنين وأهل بيته الإحسان إلى المحسن، والتجاوز عن المسيء ما لم يكد دينا، وإن أمير المؤمنين قد وهب جرم حفص بن سليمان لك وترك إساءته لإحسانك إن أحببت ذلك». فلما قرأ أبو مسلم الكتاب وجّه مرار بن أنس إلى الكوفة لقتل حفص حيث ثقفه، وكتب: «إنه لا يتم إحسان أحد حتى لا تأخذه في الله لومة لائم، وقد قلبت منّة أمير المؤمنين وآثرت الانتقام له»، فقتل مرار أبا سلمة غيلة، فقيل قتلته الخوارج، وأمر أبو العباس أخاه يحيى بن محمد بالصّلاة عليه.
стр. 1537
وقال الهيثم بن عدي: كان أبو مسلم يكتب إلى أبي سلمة: «لوزير آل محمد من عبد الرحمن بن مسلم أمين آل محمد». فكتب أبو العباس إلى أبي مسلم يعلمه الذي كان من تدبيره في صرف الأمر عنه ونكث بيعة الإمام، فكتب أبو مسلم يشير بقتله، فكتب إليه: «أنت أولى بالحكم فيه فابعث من يقتله»، فوجّه مرار بن أنس الضبيّ فلقيه ليلا فأنزله عن دابته ثم ضرب عنقه، ثم جمع أبو الجهم بن عطية، وكان عينا لأبي مسلم، يكتب إليه بالأخبار، جميع القواد، فقال: إن حفصا كان غاشا لله ورسوله والأئمة فالعنوه، فلعن. فقال سليمان بن مهاجر البجلي:
إن الوزير وزير آل محمد … أودى فمن يشناك كان وزيرا
قالوا: وقال المنصور حين قتل أبو سلمة: دوي العبد وأصاب أمير المؤمنين دواه. وقال عبد الله بن علي حين بلغه قتله: كلب أصابه قدر فطاح.
قال: وسمع أبو العباس الصراخ على أبي سلمة فتمثل قول الشاعر:
أفي أن أحشّ الحرب فيمن يحشّها … ألام وفي ان لا اقر المخاويا
ألم آل نارا يتقي الناس حرّها … فترهبني إن لم تكن لي راجيا
وكان بقاء أبي سلمة في الدولة ثلاثة أشهر، أو أربعة أشهر.
أعطى أبو العباس محمد بن خالد بن عبد الله القسري ضياع أبيه، فأعطى محمد ولد أخيه يزيد نصفها، فقال له أبو العباس: إنا إنما سلّمنا هذه الضياع إليك لبلائك ومخاطرتك بنفسك ولم نعطك إياها لتقسمها بينك وبين ورثة أبيك. قال: وقال قوم إنما أعطاه نصف ضياع أبيه، فقال له داود بن
стр. 1538
علي: ما جزاؤه معما فعل إلا أن تعطيه إياها كملا، فقد أحسن وأجمل، فأعطاه جميعها.
وقال المدائني: حصر عبد الله بن علي إسحاق بن مسلم العقيلي بسميساط، أو بسروج، أو غيرها أيام ولايته لأبي العباس، فقال: إن في عنقي بيعة فأنا لا أنكثها ولا أزال متمسكا بها حتى أعلم أن صاحبها قد هلك، فقال له عبد الله: إن مروان قد قتل، فلما تيقن ذلك طلب الصلح والأمان فأومن وحمل إلى أبي العباس فكان أثيرا عنده وعند المنصور. وكانوا ينسبونه إلى الوفاء وكان فيه جفاء يدارى له، فلما خالف عبد الله بن علي أبا جعفر وصار بكار بن مسلم معه فكان أشد الناس على أهل خراسان قال أبو جعفر: يا إسحاق ألا تكفينا أخاك؟! قال: اكفني عمك حتى أكفيك أخي، فضحك لقوله.
قالوا: وكان أبو نخيلة (١) يوما عند أبي العباس وإسحاق بن مسلم حاضر، وذلك بعد قتل ابن هبيرة وهدم مدينة واسط وبناء أبي العباس مدينته بالأنبار، فأنشده:
أصبحت الأنبار دارا تعمر … وخرجت من النفاق أدور
حمص وقنّسرينها وتدمر … أين أبو الورد وأين الكوثر
وأين مروان وأين الأشقر … وأين أجساد رجال قبروا
стр. 1539
هيهات لا نصر لمن لا ينصر … وواسط لم يبق إلا القرقر (١)
بها وإلاّ الديدبان الأخضر … منازل كانت بهنّ العهّر (٢)
فغضب إسحاق وقال: والله لقد سمعته يقول فيكم مثل هذا القول، فقال المنصور: إنما أنت يا أبا نخيلة مع كل ريح، وكان في إسحاق جفاء، وأمر أبو العباس لأبي نخيلة بخمسين ألف درهم.
وحدثنا المدائني قال: جلس أبو العباس للناس ذات يوم، فقام رجل فذمّ أهل الشام والجزيرة، فقال له إسحاق: كذبت يا بن الزانية، فقال زياد بن عبيد الله: خذ للرجل بحقه يا أمير المؤمنين. فقال أبو العباس:
أترى قيسا ترضى بأن يضرب سيدها حدّا؟ لو دعوته بالبينة لجاء مائة من قيس يشهدون أن القول قوله، فترك الرجل مطالبته.
стр. 1540
ذكر برد رسول الله ﷺ وقضيبه وقعبه ومخضبه
وحدثني عبد الله بن صالح العجلي، حدثنا يحيى بن آدم عن الحسن بن صالح، أن رسول الله ﷺ دفع بردا له إلى أناس من النصارى من أهل دومة الجندل أو أهل مقنا أمانا لهم فاشتراه أبو العباس أمير المؤمنين من أولادهم بأربعمائة دينار، فهو الذي يلبسه الخلفاء.
قال عبد الله، وذكر الواقدي، أن الذين دفع البرد إليهم أهل تبوك، قال: وقال الهيثم بن عدي: هم أهل أيلة. وقال بعضهم: دفن مروان البرد والقعب والقضيب والمخضب لئلا يصير إلى بني العباس فدلهم عليه خصيّ لمروان.
حدثني محمد بن الربيع بن أبي الجهم بن عطية عن أبيه قال: قال أمير المؤمنين أبو العباس: إذا عظمت القدرة قلّت الشهوة، وقلّ تبرّع إلا ومعه حق مضاع.
وحدثني محمد بن الربيع عن أبيه قال: قال أبو العباس: إن من أدنياء الناس ووضعائهم من عدّ البخل حزما والحلم ذلا.
стр. 1541
حدثني عمر بن بكير عن الهيثم بن عدي عن عبد الله بن عياش الهمداني قال: دخلت على أبي العباس أمير المؤمنين بعد مقتل مروان فقلت:
الحمد لله الذي أبدلنا بحمار الجزيرة وابن أمة النخع ابن عم رسول الله ﷺ وابن عبد المطلب.
قال الهيثم: وكان محمد بن مروان بن الحكم أخذ جارية لابراهيم بن الأشتر النخعي حين حاربه أيام مصعب، فولدت مروان بن محمد.
وكان الجعد بن درهم قد أفسد دين مروان، وكان مروان عاتيا لا يبالي ما صنع، فكان يقال: مروان أكفر من حمار الأزد، وهو حمار بن مالك بن نصر بن الأزد، وكان جبّارا قتّالا لا يبالي ما أقدم عليه، فسمي حمار الجزيرة.
حدثني عبد الله بن صالح، عن رجل، عن عمارة بن حمزة، قال:
كان أبو العباس يقول: أو قال كتب: «إذا كان الحلم مفسدة كان العفو معجزة، والصبر حسن إلا على ما أوتغ (١) الدّين وأوهن السلطان، والأناة محمودة إلا عند إمكان الفرصة».
وحدثني عباس بن هشام الكلبي عن أبيه قال: دخل على أبي العباس مشيخة من أهل الشام فقالوا: والله ما علمنا أنّ لرسول الله ﷺ قرابة يرثونه إلاّ بني أمية حتى وليتم. فقال إبراهيم بن مهاجر:
أيها الناس اسمعوا أخبركم … عجبا زاد على كل عجب
عجبا من عبد شمس انهم … فتحوا للناس أبواب الكذب
стр. 1542
ورثوا أحمد فيما زعموا … دون عباس بن عبد المطلب
كذبوا والله ما نعلمه … يحرز الميراث ألاّ من قرب
وحدثني عبد الله بن صالح، أخبرني الثقة، قال: وجد أبو العباس على إبراهيم بن جبلة بن مخرمة الكندي، وكان من صحابته وسمّاره فحجبه، فذكر عنده وقيل إنه لحسن العلم والحديث، فقال عيسى بن علي: إنه لكذلك أفلا تصفح عنه يا أمير المؤمنين وتعيده إلى مجلسك وسمرك؟ فقال: ما يمنعني من ذلك إلا أني لا أحب أن يتبين الناس أن رضاي قريب من سخطي، وسوف أدعو به.
المدائني قال: قالت أم سلمة، امرأة أبي العباس: يا أمير المؤمنين ما أحسن الملك لو كان يدوم، فقال: لو كان يدوم لدام لمن قبلنا فلم يصل إلينا.
حدثني الحسن بن علي الحرمازي عن العتبي وغيره، قالوا: كان أبو العباس يقول: إن أردنا علم الحجاز وتهامة فعند سعيد بن عمرو بن الغسيل الأنصاري، وان أردنا علم تميم وعلوم فارس والعجم فعند خالد بن صفوان، وإن أردنا علم الدنيا والآخرة والجن والأنس فعند أبي بكر الهذلي، وكان هؤلاء سمّارة وحدّاثه.
وقال عبد الله بن صالح العجلي: ركب أبو العباس بالأنبار فمر بقوم من الفعلة فقال لعيسى بن علي: يا أبا العباس إن السعيد لمن سلم من الدنيا، وددت أني لم أتقلد شيئا مما تقلدت، أهؤلاء أحسن حالا وأخف ظهورا في معادهم أم أنا؟ فقال عيسى: يا أمير المؤمنين قد أحسن الله إليك وإلى الأمة بك وأنقذهم ببركتك من جور بني أمية وجبروتهم.
стр. 1543
المدائني قال: كتب أبو العباس إلى زياد بن عبيد الله بن عبد الله الحارثي وهو عامله على المدينة أن يخرج المخنثين عنها، فأمر بإخراجهم، فقال له صاحب شرطه: إن في دارنا مخنثا، فإن رأى الأمير أن يدعه، فقال: دع في كل دار مخنّثا، فقال: إذا نحتاج إلى أن نجلبهم من الآفاق.
وكان زياد بخيلا حقن بادهان لعلة كانت به، فأراد غلمانه هراقة ما خرج منه، فقال: صفّوا هذه الأدهان واستصبحوا بها ولا تهريقوها، وأكل معه رجل يوما فأتي بجدي فجعل الرجل يتناول منه تناولا شديدا، فقال له: إني أراك تأكل لحم هذا الجدي كأن أمه نطحتك، فقال: وأراك أيها الأمير تشفق عليه كأن أمه أرضعتك. وأكل عنده الغاضري، ويقال أشعب، في شهر رمضان فقدمت إليه مضيرة فجعل يأكل منها أكلا شديدا، فقال له:
إن أهل السجن يحتاجون في هذا الشهر إلى إمام يصلي بهم فأدخلوا فلانا ليصلي بهم، فقال: أو غير ذلك أصلح الله الأمير، أحلف بالطلاق أن لا آكل مضيرة أبدا.
حدثني حفص بن عمر عن الهيثم بن عدي قال: كانت أم سلمة بنت يعقوب المخزومية امرأة أبي العبّاس عند مسلمة بن هشام المعروف بأبي شاكر، وكان أبو شاكر صاحب شراب فشكته أم سلمة إلى العباس بن الوليد بن عبد الملك فعاتبه فطلقها، فصارت إلى فلسطين فتزوجها أبو العباس أمير المؤمنين فكلمته في سليمان بن هشام وقالت انه كان مباينا لمروان فأمر أن لا يعرض له، فكان يدخل عليه. فبينا هو ذات يوم عنده إذ دخل عليه سديف بن ميمون مولى بني هاشم، وكان طويلا أحنى، فأنشده:
стр. 1544
أصبح الدين ثابت الآساس … بالبهاليل من بني العباس
يا كريم المطهرين من الرج … س ويا رأس كل قرم وراس
أنت مهديّ هاشم ورضاها … كم أناس رجوك بعد أناس رجوك بعد أناس
لا تقيلنّ عبد شمس عثارا … واقطعن كل رقلة وغراس
انزلوها بحيث انزلها الل … هـ بدار الهوان والاتعاس
فلقد غاظني وأوجع قلبي … قربها من نمارق وكراسي
اذكروا مصرع الحسين وزيد … وقتيلا بجانب المهراس (١)
والامام الذي بحران أمسى … رهن رمس مجاور الأرماس (٢)
وأنشد:
لا يغرّنك ما ترى من رجال … إن تحت الضلوع داء دويّا
فضع السيف في ذوي الغدر حتى … لا ترى فوق ظهرها امويّا (٣)
وأنشد:
علام وفيم تترك عبد شمس … لها في كل ناحية ثغاء
فما بالرمس من حران فيها … وان قتلت بأجمعها، وفاء
وكان أبو مسلم يكتب إلى أبي العباس في أمر سليمان: «إذا كان عدوك ووليّك عندك سواء، فمتى يرجوك المطيع لك المائل إليك، ومتى يخافك عدوك المتجانف عنك»؟ فلما خرج سليمان من عند أبي العباس قال لسديف: قتلتني قتلك الله.
стр. 1545
قال: ثم دعا أبو العباس أبا الجهم بن عطية فقال له: قد بلغني عن سليمان بن هشام أمر أكرهه فاقتله، فأخرجه إلى الغريّين فقتله وابنا له وصلبهما، وحضر غلام له أسود فجعل يبكي على مولاه ويقول: هكذا الدنيا تصبح عليك مقبلة وتمسي عنك مدبرة.
وقال غير الهيثم: دفع سليمان إلى عبد الجبار صاحب شرط أبي العباس فأمر المسيب بن زهير فقتله. ويقال، إن سديفا لما أنشد الشعر قام سليمان فقال: ان هذا يشحذك عليّ، فقد بلغني أنك تريد اغتيالي، فقال:
يا جاهل، ومن يمنعني منك حتى أقتلك اغتيالا، خذوه، فأخذ فقتل.
حدثني عبد الله بن مالك الكاتب وغيره، قالوا: ضمّ سالم بن عبد الرحمن كاتب هشام بن عبد الملك: عبد الحميد بن يحيى إلى مروان حين شخص إلى أرمينية، وكان عبد الحميد من حديثة النورة من الأنبار، وأتى الشام فتخّرج هناك، وقوم يقولون إنه مولى لبني أمية، وقوم يقولون إنه مولى لغيرهم من قريش، فلم يزل عبد الحميد مع مروان حتى نزل بمروان الأمر فقال له: إن القوم محتاجون إلى مثلك، فاستأمن إليهم فلعلك تنفعني في حياتي أو تحفظني في حرمتي بعد وفاتي، فأنشأ عبد الحميد يقول أو ينشد:
أسرّ وفاء ثم أظهر غدرة … فمن لي بعذر يوسع الناس ظاهره
وأنشد أيضا:
فلومي ظاهر لا شك فيه … للائمة وعذري بالمغيب
ثم قال: يا أمير المؤمنين، إن الذي أمرتني، به أنفع الأمرين لك وأقبحهما لي، ولكني أصبر حتى يفتح الله عليك أو أقتل معك، فأخذ فحبس ثم قتل.