← Ансаб

Ансаб · id 9773

أنساب الأشراف - ط الفكر

البلاذري

Полный текст (5 555 стр.). Показаны 1541–1580 · переход к 1546.

стр. 1541

حدثني عمر بن بكير عن الهيثم بن عدي عن عبد الله بن عياش الهمداني قال: دخلت على أبي العباس أمير المؤمنين بعد مقتل مروان فقلت: الحمد لله الذي أبدلنا بحمار الجزيرة وابن أمة النخع ابن عم رسول الله ﷺ وابن عبد المطلب. قال الهيثم: وكان محمد بن مروان بن الحكم أخذ جارية لابراهيم بن الأشتر النخعي حين حاربه أيام مصعب، فولدت مروان بن محمد. وكان الجعد بن درهم قد أفسد دين مروان، وكان مروان عاتيا لا يبالي ما صنع، فكان يقال: مروان أكفر من حمار الأزد، وهو حمار بن مالك بن نصر بن الأزد، وكان جبّارا قتّالا لا يبالي ما أقدم عليه، فسمي حمار الجزيرة. حدثني عبد الله بن صالح، عن رجل، عن عمارة بن حمزة، قال: كان أبو العباس يقول: أو قال كتب: «إذا كان الحلم مفسدة كان العفو معجزة، والصبر حسن إلا على ما أوتغ (١) الدّين وأوهن السلطان، والأناة محمودة إلا عند إمكان الفرصة». وحدثني عباس بن هشام الكلبي عن أبيه قال: دخل على أبي العباس مشيخة من أهل الشام فقالوا: والله ما علمنا أنّ لرسول الله ﷺ قرابة يرثونه إلاّ بني أمية حتى وليتم. فقال إبراهيم بن مهاجر: أيها الناس اسمعوا أخبركم … عجبا زاد على كل عجب عجبا من عبد شمس انهم … فتحوا للناس أبواب الكذب

стр. 1542

ورثوا أحمد فيما زعموا … دون عباس بن عبد المطلب كذبوا والله ما نعلمه … يحرز الميراث ألاّ من قرب وحدثني عبد الله بن صالح، أخبرني الثقة، قال: وجد أبو العباس على إبراهيم بن جبلة بن مخرمة الكندي، وكان من صحابته وسمّاره فحجبه، فذكر عنده وقيل إنه لحسن العلم والحديث، فقال عيسى بن علي: إنه لكذلك أفلا تصفح عنه يا أمير المؤمنين وتعيده إلى مجلسك وسمرك؟ فقال: ما يمنعني من ذلك إلا أني لا أحب أن يتبين الناس أن رضاي قريب من سخطي، وسوف أدعو به. المدائني قال: قالت أم سلمة، امرأة أبي العباس: يا أمير المؤمنين ما أحسن الملك لو كان يدوم، فقال: لو كان يدوم لدام لمن قبلنا فلم يصل إلينا. حدثني الحسن بن علي الحرمازي عن العتبي وغيره، قالوا: كان أبو العباس يقول: إن أردنا علم الحجاز وتهامة فعند سعيد بن عمرو بن الغسيل الأنصاري، وان أردنا علم تميم وعلوم فارس والعجم فعند خالد بن صفوان، وإن أردنا علم الدنيا والآخرة والجن والأنس فعند أبي بكر الهذلي، وكان هؤلاء سمّارة وحدّاثه. وقال عبد الله بن صالح العجلي: ركب أبو العباس بالأنبار فمر بقوم من الفعلة فقال لعيسى بن علي: يا أبا العباس إن السعيد لمن سلم من الدنيا، وددت أني لم أتقلد شيئا مما تقلدت، أهؤلاء أحسن حالا وأخف ظهورا في معادهم أم أنا؟ فقال عيسى: يا أمير المؤمنين قد أحسن الله إليك وإلى الأمة بك وأنقذهم ببركتك من جور بني أمية وجبروتهم.

стр. 1543

المدائني قال: كتب أبو العباس إلى زياد بن عبيد الله بن عبد الله الحارثي وهو عامله على المدينة أن يخرج المخنثين عنها، فأمر بإخراجهم، فقال له صاحب شرطه: إن في دارنا مخنثا، فإن رأى الأمير أن يدعه، فقال: دع في كل دار مخنّثا، فقال: إذا نحتاج إلى أن نجلبهم من الآفاق. وكان زياد بخيلا حقن بادهان لعلة كانت به، فأراد غلمانه هراقة ما خرج منه، فقال: صفّوا هذه الأدهان واستصبحوا بها ولا تهريقوها، وأكل معه رجل يوما فأتي بجدي فجعل الرجل يتناول منه تناولا شديدا، فقال له: إني أراك تأكل لحم هذا الجدي كأن أمه نطحتك، فقال: وأراك أيها الأمير تشفق عليه كأن أمه أرضعتك. وأكل عنده الغاضري، ويقال أشعب، في شهر رمضان فقدمت إليه مضيرة فجعل يأكل منها أكلا شديدا، فقال له: إن أهل السجن يحتاجون في هذا الشهر إلى إمام يصلي بهم فأدخلوا فلانا ليصلي بهم، فقال: أو غير ذلك أصلح الله الأمير، أحلف بالطلاق أن لا آكل مضيرة أبدا. حدثني حفص بن عمر عن الهيثم بن عدي قال: كانت أم سلمة بنت يعقوب المخزومية امرأة أبي العبّاس عند مسلمة بن هشام المعروف بأبي شاكر، وكان أبو شاكر صاحب شراب فشكته أم سلمة إلى العباس بن الوليد بن عبد الملك فعاتبه فطلقها، فصارت إلى فلسطين فتزوجها أبو العباس أمير المؤمنين فكلمته في سليمان بن هشام وقالت انه كان مباينا لمروان فأمر أن لا يعرض له، فكان يدخل عليه. فبينا هو ذات يوم عنده إذ دخل عليه سديف بن ميمون مولى بني هاشم، وكان طويلا أحنى، فأنشده:

стр. 1544

أصبح الدين ثابت الآساس … بالبهاليل من بني العباس يا كريم المطهرين من الرج … س ويا رأس كل قرم وراس أنت مهديّ هاشم ورضاها … كم أناس رجوك بعد أناس رجوك بعد أناس لا تقيلنّ عبد شمس عثارا … واقطعن كل رقلة وغراس انزلوها بحيث انزلها الل … هـ بدار الهوان والاتعاس فلقد غاظني وأوجع قلبي … قربها من نمارق وكراسي اذكروا مصرع الحسين وزيد … وقتيلا بجانب المهراس (١) والامام الذي بحران أمسى … رهن رمس مجاور الأرماس (٢) وأنشد: لا يغرّنك ما ترى من رجال … إن تحت الضلوع داء دويّا فضع السيف في ذوي الغدر حتى … لا ترى فوق ظهرها امويّا (٣) وأنشد: علام وفيم تترك عبد شمس … لها في كل ناحية ثغاء فما بالرمس من حران فيها … وان قتلت بأجمعها، وفاء وكان أبو مسلم يكتب إلى أبي العباس في أمر سليمان: «إذا كان عدوك ووليّك عندك سواء، فمتى يرجوك المطيع لك المائل إليك، ومتى يخافك عدوك المتجانف عنك»؟ فلما خرج سليمان من عند أبي العباس قال لسديف: قتلتني قتلك الله.

стр. 1545

قال: ثم دعا أبو العباس أبا الجهم بن عطية فقال له: قد بلغني عن سليمان بن هشام أمر أكرهه فاقتله، فأخرجه إلى الغريّين فقتله وابنا له وصلبهما، وحضر غلام له أسود فجعل يبكي على مولاه ويقول: هكذا الدنيا تصبح عليك مقبلة وتمسي عنك مدبرة. وقال غير الهيثم: دفع سليمان إلى عبد الجبار صاحب شرط أبي العباس فأمر المسيب بن زهير فقتله. ويقال، إن سديفا لما أنشد الشعر قام سليمان فقال: ان هذا يشحذك عليّ، فقد بلغني أنك تريد اغتيالي، فقال: يا جاهل، ومن يمنعني منك حتى أقتلك اغتيالا، خذوه، فأخذ فقتل. حدثني عبد الله بن مالك الكاتب وغيره، قالوا: ضمّ سالم بن عبد الرحمن كاتب هشام بن عبد الملك: عبد الحميد بن يحيى إلى مروان حين شخص إلى أرمينية، وكان عبد الحميد من حديثة النورة من الأنبار، وأتى الشام فتخّرج هناك، وقوم يقولون إنه مولى لبني أمية، وقوم يقولون إنه مولى لغيرهم من قريش، فلم يزل عبد الحميد مع مروان حتى نزل بمروان الأمر فقال له: إن القوم محتاجون إلى مثلك، فاستأمن إليهم فلعلك تنفعني في حياتي أو تحفظني في حرمتي بعد وفاتي، فأنشأ عبد الحميد يقول أو ينشد: أسرّ وفاء ثم أظهر غدرة … فمن لي بعذر يوسع الناس ظاهره وأنشد أيضا: فلومي ظاهر لا شك فيه … للائمة وعذري بالمغيب ثم قال: يا أمير المؤمنين، إن الذي أمرتني، به أنفع الأمرين لك وأقبحهما لي، ولكني أصبر حتى يفتح الله عليك أو أقتل معك، فأخذ فحبس ثم قتل.

стр. 1546

وحدثني عدة من ولد عبد الحميد بن يحيى أن عبد الحميد استخفى فوجد بالشام أو بالجزيرة، فدفعه أبو العباس، إلى عبد الجبار بن عبد الرحمن وكان على شرطه، فكان يحمي طستا ويضعه على رأسه حتى مات. وكان يقول: ويحكم إنّا خطباء كل دولة، وسئل عن أموال مروان فقال: والله ما أعلم منها إلا ما تعلمون. وحدثني بعض ولد عبد الحميد أنه كان يكنى أبا يحيى وأنه كان يقول: من كان منطقه أكثر من عقله كان منطقه عليه، ومن كان عقله أكثر من منطقه كان منطقه له. وحدثني ابن القتّات قال: لما ولي أبو العباس مدح أبو عطاء السّندي (١) بني العباس فقال: ان الخيار من البرية هاشم … وبنو أمية أرذل الأشرار وبنو أمية عودهم من خروع … ولهاشم في المجد عود نضار أما الدعاة إلى الجنان فهاشم … وبنو أمية من دعاه النار فلم يصله بشيء، فقال: يا ليت جور بني مروان عاد لنا … وان عدل بني العباس في النّار وقال أبو عطاء أيضا: بني هاشم عودوا إلى نخلاتكم … فقد عاد سعر التمر صاعا بدرهم فإن قلتم رهط النبي محمد … فإن النصارى رهط عيسى بن مريم

стр. 1547

حدثني العمري عن الهيثم بن عدي قال: دفع ابن عياش المنتوف إلى أبي العباس حوائج له وكان فيها أن يجزّ لحية علي بن صفوان ليسويّه به، وكان علي طويل اللحية، فلما ودخل أبو العباس المقصورة وصعد المنبر رأى ابن عياش وابن صفوان قبالته، ورأى طول لحية ابن صفوان فاستضحك فوضع كمه على وجهه فلما انصرف قال لابن عياش: ويلك كدت تفضحني، فقال: والله ما أردت إلا أن تذكر حاجتي. حدثني العمري عن الهيثم بن عدي عن ابن عيّاش قال: ابتدأ أبو العباس آل أبي طالب بالبر والتكرمة، فكان ذلك لا يزيدهم إلا التواء عليه، وكان عبد الله بن حسن بن حسن أشدهم له حسدا، وأقلهم له شكرا، فقال يوما: لقد صدق معاوية حين قال: ما أحد من الناس إلا وأنا استطيع رضاه إلا حاسد نعمة لا يرضيه عني إلا زوال نعمتي فلا أرضاه الله عني أبدا، وهؤلاء بنو أبي طالب قد وصلت أرحامهم وأحسنت برّهم وهم يأبون بحسدهم وسوء نياتهم إلا القطيعة، وإني لأتخوف أن يعود حلمي عليهم بما يكرهون في عواقب الأمور والله المستعان. وحدثني عبد الله بن صالح عن علي بن صالح صاحب المصلّى قال: أقدم أبو العباس عبد الله بن حسن عليه، فبّره وأكرمه وأعطاه ألف ألف درهم، فلما انصرف إلى المدينة أتاه أهلها مسلّمين عليه وجعلوا يدعون لأبي العباس لبّره به واجزاله صلته، فقال عبد الله: يا قوم ما رأيت أحمق منكم تشكرون رجلا أعطانا بعض حقنا وترك أكثره. فبلغ ذلك أبا العباس فدعا إخوته وأهل بيته وجعل يعجبهم من قول عبد الله، فقالوا: يا أمير المؤمنين إنما يتمّ احسانك إليه وإنعامك عليه بالصفح عنه، وتكلم أبو جعفر فيه

стр. 1548

بكلام شديد وقال: إن الحديد بالحديد يفلح. فقال أبو العباس: من تشدّد أنفر، ومن لان تألّف، والجاهل تكفيكه مساوئه. حدثني عمر بن بكير عن الهيثم عن ابن عياش، قال: كان أبو العباس أسخى الناس، ما وعد عدة قط فأخرها عن وقتها أو قام من مجلسه حتى يقضيها، ولقد سمعناه يقول: إن المقدرة تصغّر الأمنية، لقد كنا نستكثر أمورا أصبحنا نستقلّها لأخسّ من صحبنا، ثم يسجد لله شكرا. المدائني قال: سمر خالد بن صفوان عند أبي العباس، ففخر قوم من بني الحارث بن كعب وخالد ساكت، فقال له أبو العباس: تكلم يا خالد، فقال: هؤلاء أخوال أمير المؤمنين، قال: وأنت من أعمامه وليس الأعمام بدون الأخوال، فقال: وما أكلم من قوم إنما هم على افتخارهم بين ناسج برد وسائس قرد ودابغ جلد، دلّ عليهم هدهد، وغرّقتهم فأرة، وملكتهم امرأة، فجعل أبو العباس يضحك. أبو الحسن المدائني عن أبي محمد المغربي قال: قال أبو العباس لخالد بن صفوان حين أخذ سليمان بن حبيب: أشعرت أن سليمان أخذ من بئر؟ فقال: هذا الذي خرج رقصا، دخل قفصا. وحدثني أبو مسعود الكوفي عن عبد الجبار الكاتب قال: دخل بخالد بن صفوان على أبي العباس أمير المؤمنين، فقال له: لقد وليت الخلافة فكنت أهلها وموضعها، ورعيت الحق في مسارحه وأوردته موارده فأعطيت كلا بقسطه من نظرك وعدلك ورأيك ومجلسك، حتى كأنك من كل أحد، وكأنك لست من أحد، فأعجبه قوله وأمر له بمال.

стр. 1549

المدائني قال: دخل خالد بن صفوان على أبي العباس فقال له: ما تقول في أخوالي بني الحارث بن كعب؟ قال: هنالك هامة الشرف، وخرطوم الكرم، وغرس الجود، إنّ فيهم لخصالا ما اجتمعت في غيرهم من قومهم، إنهم لأطولهم أمما وأكرمهم شيما وأطيبهم طعما، وأوفاهم ذمما، وأبعدهم همما، هم الجمرة في الحرب، والرفد في الجدب، والرأس في كل خطب، وغيرهم بمنزلة العجب، فقال: لقد وصفت أبا صفوان فأحسنت. حدثني أبو دهمان بن أبي الأسوار قال: كان أبو العباس يسمع الغناء فإذا قال للمغني «أحسنت» لم ينصرف من عنده إلاّ بجائزه وكسوة. وقيل له أن الخلافة جليلة، فلو حجبت عنك من يشاهدك على النبيذ، فاحتجب عنهم، وكانت صلاته قائمة لهم. حدثني عبد الله بن مالك الكاتب قال: لما بلغ أبا جعفر استئذان أبي مسلم للحج وهو يومئذ بالجزيرة، وكان والي الجزيرة وأرمينية لأبي العباس، كتب إلى ابي العباس يسأله توليته الموسم فكتب إليه يأمره بالقدوم ليقلده الموسم، ووافى أبو مسلم فدخل على أبي العباس وأبو جعفر عنده، فسلم على أبي العباس ولم يسلم على أبي جعفر، فقال له أبو العباس: هذا أبو جعفر أخي؟ فقال: إن مجلس أمير المؤمنين لا تقضي فيه الحقوق. قالوا: وكان سليمان بن كثير الخزاعي من النقباء، فلما قدم المنصور خراسان على أبي مسلم قال له: إنما كنا نحب تمام أمركم وقد تم بحمد الله ونعمته، فإذا شئتم قلبناها عليه، وكان محمد بن سليمان بن كثير خداشيّا فكره تسليم أبيه الأمر إلى أبي مسلم، فلما ظهر أبو مسلم وغلب على الأمر

стр. 1550

قتل محمدا، ثم قال سليمان للكفّية - وهم الذين بايعوا على أن لا يأخذوا مالا وأن تؤخذ أموالهم إن احتيج اليها ويدخلوا الجنة، ويقال إنهم أعطوا كفّا كفّا من حنطة فسمّوا الكفّية-: حفرنا نهرا بأيدينا فجاء غيرنا فأجرى فيه الماء، يعني أبا مسلم، فبلغ قوله أبا مسلم فاستوحش منه، وشهد عليه أبو تراب الداعية ومحمد بن علوان المروزي وغيرهما في وجهه بأنه أخذ عنقود عنب فقال: اللهم سّود وجه أبي مسلم كما سوّدت هذا العنقود واسقني دمه، وشهدوا أن ابنه كان خداشيّا وأنه بال على كتاب الإمام، فقال لبعضهم: خذه بيدك فألحقه بخوارزم، وكذلك كان يقول لمن أراد قتله، فقتل سليمان، وكتب إلى أبي العباس بخبره وقتله إيّاه، فلم يجبه على كتابه، فكان ممّا عاتبه عليه المنصور أن قال: قتلت سليمان بن كثير نقيب نقبائنا، ورئيس شيعتنا، وشيخ دعوتنا، وابنه، وقتلت لاهزا.

стр. 1551

أمر زياد بن صالح وحدثني أبو الصلت الخراساني وغيره، قالوا: بلغ أبا مسلم عن زياد بن صالح تنقّص له وذم، وأنه كان يقول: إنما بايعنا على إقامة العدل وإحياء السنن، وهذا جائر ظالم يسير سير الجبابرة، وإنه مخالف له قد أفسد عليه قلوب أهل خراسان، فدعا به فقتله. وكان عيسى بن ماهان مولى خزاعة صديقا له ومطابقا على بعض أمره، فقال للناس: إن أمير المؤمنين قد أعظم قتل زياد، وذمّ أبا مسلم وأنكر فعله وقال: إنه قتل رجلا ذا قدم وبلاء حسن في دولتنا، وبرئ منه، وقد بعث إليّ بعهدي على خراسان، ودعا قوما إلى حرب أبي مسلم فأجابوه سرا وخالفه أقوام قتلهم، وكان عيسى يومئذ بإزاء قرية وجهه أبو داود إليها ليحارب أهلها، وقدم رسول أبي العباس وهو أبو حميد إلى أبي مسلم بخلع وبزّ وبكتاب يلعن فيه زياد بن صالح وأشياعه ويصوّب رأي أبي مسلم في قتله، فأمر أبو مسلم أبا داود بقتل عيسى بن ماهان فكتب إليه: إن رسول أمير المؤمنين قد قدم على الأمير بخلع وبزّله وللأولياء، وذكرناك له فصر إلينا لتشركنا في أمرنا وسرورنا

стр. 1552

وترى رسول أمير المؤمنين فتعرّفه حالك، فقدم على أبي داود فقال: خذوا ابن الفاعلة، وأمر به فأدخل في جوالق ثم ضرب بالخشب حتى مات، فكتب أبو العباس إلى أبي مسلم يعظم قتل عيسى، ويأمره أن يقتل أبا داود به، فكتب في جواب ذلك يعذر أبا داود خالد بن إبراهيم ويذكر ان ابن ماهان لو ترك لكان منه مثل الذي كان من زياد بن صالح، من إفساد الناس وحملهم على المعصية والخلاف.

стр. 1553

أمر السّفياني قالوا: ونزل عبد الله بن علي على نهر أبي فطرس، وكانت ببالس ابنة لمسلمة بن عبد الملك، فخطبها عامل عبد الله بن علي، وهو رجل من أهل خراسان فأنعمت له وقالت: أتهيأ لك، وكتبت إلى أبي الورد مجزأة بن الهذيل بن زفر الكلابي تستجير به، فخرج أبو الوازع أخو أبي الورد في جماعة فأتوا بالس والخراساني في الحمام فدخلوا عليه فقتل، ولحق بهم أبو الورد ودعا الناس فأجابه من قيس وغيرها زهاء سبعة ألاف، أكثرهم من قيس، وبلغ أبا محمد زياد بن عبد الله بن يزيد بن معاوية، وذلك الثبت - وقيل ان اسم هذا السفياني العباس بن محمد بن عبد الله بن يزيد بن معاوية، وان زيادا كان خرج طالبا بدم الوليد بن يزيد وليس هو بالخارج أيام عبد الله بن علي، والثبت أنه زياد - فطمع وقال: أنا السفياني الذي يروى أنه يردّ دولة بني أميّة، ونزل دير حنينا، وبايعه الوليد والناس وكتب إلى هشام بن الوليد بن عقبة بن أبي معيط يدعوه إلى الخروج معه فاعتلّ عليه. وبلغ عبد الله بن علي الخبر فقتل جميع من كان معه من بني أمية ومن يهدي هداهم، ووجه عبد الصمد إلى السفياني وأصحابه وهم بقنسّرين في

стр. 1554

سبعة آلاف فاقتتلوا فانهزم الناس عن عبد الصمد حتى أتوا حمص، وأقبل ابن عليّ حتى نزل على أربعة أميال من حمص ووجّه بسام بن إبراهيم وخفافا المازني بين يديه إلى حمص، وكتب إلى حميد بن قحطبة فقدم عليه. وصار السّفياني وأبو الورد إلى مرج الأخرم (١)، وأتاهم عبد الله بن علي ومعه عبد الصمد وحميد بن قحطبة فاقتتلوا في آخر ذي الحجة سنة اثنتين وثلاثين ومائة، وعلى ميمنة أبي محمد أبو الورد وعلى ميسرته الأصبغ بن ذؤالة الكلبي، فانهزم أهل الشام وهرب السفياني وجرح أبو الورد، فحمل إلى أهله فمات، ولجأ قوم من أصحاب أبي الورد إلى أجمة فأحرقت عليهم. وبلغ ابن علي أنّ أبا محمد لبس الحمرة ودعا الناس، فأجابه خلق، فسار إليه فهزمه فتوارى، ثم أتى المدينة وعليها زياد بن عبيد الله الحارثي فاستدّل عليه حتى عرف الدار التي هو فيها فوجّه إليه من يأخذه، فخرج من الدار فقاتل ورماه رجل بسهم فأصاب ساقه فصرعه واعتوروه فقتلوه وكبّروا، فسمع التكبير ابن له يقال له مخلد، فخرج فقاتل حتى قتل، وصلب أبو محمد وابنه. قال الحرمازي: خرج السفياني في أيام أبي العباس ثم انهزم وتوارى حينا فقتل في أول خلافة المنصور.

стр. 1555

أمر بسّام بن إبراهيم قال المدائني وغيره: كان بسام بن إبراهيم مع نصر بن سيار، فلما ظهر أبو مسلم صار إليه وترك نصرا، فقدم مع قحطبة وشخص مع ابن علي إلى الشام، فلما خلع أبو الورد وبايع أبا محمد السفياني ثم هرب السفياني واستخفى، صار بسّام إلى تدمر وعزمه على الخلاف لأشياء أنكرها من سيرة ابن علي، فمنعه أهل تدمر من دخولها فقاتلهم وهزمهم وقتل منهم جماعة بعث برؤوسهم إلى عبد الله بن علي ليوهمه أنه على طاعته. وأظهر بسام الخلاف فانصرف عنه عامة جنده وأتى قرقيسيا، فكتب ابن عليّ بخبره إلى أبي العباس، ثم أتى المدائن في جمع فوجه إليه أبو العباس خازم بن خزيمة فقاتله فانهزم بسام وصار إلى السوس وتفرق عنه أصحابه، ثم مضى إلى ماه وخازم يتبعه، ثم توارى وكتب إلى جعفر بن محمد بن علي بن الحسين: إن أجبتني ضربت بين أهل خراسان وبايعت لك، فخاف جعفر أن يكون أبو العباس دسّ الكتاب إليه فأتى أبا العباس بكتاب بسام، فقال: أحسن الله جزاءك يا بن عم، اكتب إليه فواعده مكانا يلقاك فيه، فواعده الحيرة ووجه إليه

стр. 1556

بذلك ابنه إسماعيل بن جعفر، وأمر أبو العباس أبا غسان مولاه وحاجبه بتفقده ومراعاته، فلما رآه أبو غسان مع إسماعيل بن جعفر عرف أنه بسام وكان عليه سواد بلا سيف، فقال له: من أنت؟ قال له: رجل من أهل الجزيرة من العباد، فرفع أبو غسان عليه العمود، فشتمه بسّام وقال: لو كان معي سيفي ما اجترأت أن ترفع عليّ عمودك، فأخذه وأتى به أبا العباس، فأمر به فقطعت يداه ورجلاه ثم صلب. وحدثني العمري عن الهيثم بن عدي قال: خرج على أبي مسلم ببخارى. شريك بن شيخ المهري وقال: إنما بايعناكم على العدل ولم نبايعكم على سفك الدماء والعمل بغير الحق، فاتبعه أكثر من ثلاثين ألفا، فبعث إليه أبو مسلم زياد بن صالح الخزاعي قبل قتله بسنة أو نحوها، ويقال بعث غيره، فحاربه وأوقع بأصحابه وقتله.

стр. 1557

أمر سلم بن قتيبة بن مسلم حدثني علي بن المغيرة الأثرم عن معمر بن المثنى، وحدثني غيره: أن يزيد بن عمر بن هبيرة قدم واليا على العراق من قبل مروان بن محمد، فكتب ابن هبيرة إلى مروان يستأذنه في تولية سلم بن قتيبة البصرة، فنهاه عن ذلك للذي كان من قتيبة بن مسلم في خلع سليمان بن عبد الملك والخلاف عليه، فلم يزل يراجعه في أمره ويصف له دينه وفضله ومذهبه حتى أذن له في توليته البصرة، وكان سلم يجالس محمد بن سيرين، ومات ابن سيرين وله عليه خمسة آلاف درهم جعله منها في حلّ، وكان يجالس بعده أيوب السختياني فقال بعض أهل البصرة حين ولي سلم: ترفقي تصيدي. ولما ولي سلم، بعث إليه آل المهلب عبد الله بن عبيد الله أبا النضر النحوي الأزدي، وكان خلا له، يستأذنونه في قدوم البصرة، وكان آل المهلب مع عمرو بن سهيل فهربوا، فأذن لهم، وكتب إليه ابن هبيرة يأمره بأخذهم والجدّ في طلبهم فغيّب عنهم وعذر في أمرهم وأمر الناس، وبعث إليه بنو المهلب بثلاثين ألف درهم، ويقال أكثر من ذلك، فلم يقبلها وردّها

стр. 1558

وقال: يا سبحان الله، أبيع المعروف بيعا؟! وكانوا ربما أتوا سلما ليلا في حوائجهم، فلم يزالوا كذلك حتى ظهرت المسوّدة وحصر الحسن بن قحطبة يزيد بن عمر بن هبيرة بواسط. وولّى سلم بن قتيبة شرطته الحكم بن يزيد بن عمير الأسيّدي، فاستخلف ابن رالان المازني، من بني مازن بن مالك بن عمرو واسمه الفضل بن عاصم بن عبد الرحمن بن شداد بن أبي محياة بن جابر بن رويل بن رالان وهو يعرف بابن رالان، ثم إن ابن هبيرة ولّى الحكم بن يزيد كرمان فقتل بها، قتله تميم بن عمر التيمي وأقر ابن رالان على شرطه، فقال سلمة بن عياش (١) يهجوه: أتيت ابن رالان في حاجة … فلم أر خيرا ولم أحمد وقد جاءنا عاقدا نخوة … يضيق لها شكة المربد فيا ليت أني غرمت الذي … أصبت وإنك لم تشهد حدثنا إسحاق حدثنا إسماعيل بن عليّة عن ابن عون قال: مات محمد بن سيرين ولسلم عليه خمسة آلف درهم فجعله منها في حلّ وقال: أترون عبد الله بن محمد مستعديا إن لم آخذها؟ قال: وأتى سلم بن قتيبة رجل فقال له: اني كنت في نعمة من الله فزالت ولم أجد أحدا أولى بأن أفزع إليه منك فافعل ما يشبهك، فقال سلم: يرى بدهات الحمد لا يستطيعها … فيجلس وسط القوم لا يتكلّم ثم نهض، وقال: الرجل لا يبرح، فدخل إلى أهله ثم جمع ملء كمه دنانير وحلى من ذهب وجوهر، ثم خرج إلى الرجل فنبذ ذلك إليه

стр. 1559

وقال: استمتع بهذا. وكان يقول: عجبا لمن يضنّ بما يصير إلى هذه المزابل. وقال له رجل: لي إليك حاجة لا مرزئة عليك فيها ولا عناء، فقال: ما مثلي يسأل عن هذه الحاجة، وقال سلم: ما أعرف قافية يستغنى عن صدرها إلا قول الحطيئة. لا يذهب العرف بين الله والناس (١) المدائني قال: قال عمرو بن هدّاب: إنما كنا نعرف سؤدد سلم بأنه كان يركب وحده ثم يرجع في خمسين. قال: واستنشد سلم أبا عمرو بن العلاء شعر الفرزدق: تحنّ بزوراء المدينة ناقتي … حنين عجول تبتغي البوّ رائم (٢) ونسي أبو عمرو ما فيها من هجاء قيس، فوقف، وعرف سلم ما سبب وقوفه فقال: هات لله أبوك، فقال: اعفني أصلح الله الأمير، قال: والله لتسلسلنّها في آذانهم في سواد هذا الليل. المدائني قال: قيل لسلم بن قتيبة: قد ساءت آداب حشمك لحسن خلقك، فقال: لأن ينسب حشمي إلى سوء الأدب أحبّ إليّ من أنسب إلى سوء الخلق. وكان أهل طستنجان قطعوا الطريق في عمل سلم، ففرض فرضا بالبصرة ووجهه إليهم فقاتلوهم، ثم اصطلحوا فكتب عليهم كتابا وكان أول من فعل ذلك.

стр. 1560

وقال المدائني: قسم يزيد الرّشك بين سلم واخوته أرضا بالطفّ، فجار على سلم، فلما ولي تجنّى عليه فضربه، وكان يزيد قاسم أهل البصرة في زمانه، وتكلم رجل بكلام حسن، فقال بعض من حضر: هذا كلام تعلمه، فقال سلم: قد أحسن من تعلّم كلاما حسنا من غيره فأداه في موضعه. قالوا: و لّما حصر ابن هبيرة، وظهر أمر المسودة كتب سفيان بن معاوية بن يزيد بن المهلّب إلى أبي سلمة حفص بن سليمان الداعية: إنك إن وليتني البصرة أخذتها لك، فكتب إليه بولايتها، فسوّد وأرسل إلى سلم: إني لك شاكر ما سلف من بلائك عندنا وقد ولاني هؤلاء القوم البصرة فأخرج من دار الامارة وانزل حيث شئت في الرحب والسعة، فأرسل إليه سلم: اني غير خارج منها، ولكن وادعني حتى ننظر ما يصنع ابن هبيرة فإن خرج عن واسط وقتل خرجت لك عن دار الامارة فإنك تعلم أن مروان وابن هبيرة لم يقتلا ولم يهزما، فأبى سفيان أن يفعل، فأرسل سلم إلى بني تميم يستنصرهم، فحثّهم على نصرته جيهان بن محرز المنقري وأذكرهم خذلانهم عديّ بن أرطاة، فأجابوه، وسفر بين سلم وسفيان: إسماعيل بن مسلم المكي، هو وعباد بن منصور، وعثمان البتي مولى ثقيف، وأبو سفيان بن العلاء، ومعاوية بن عمر بن غلاب، ومسلمة بن علقمة، وقال أبو النضر النحوي: أنشدك الله في نفسك فإن تميما لا تناصحك وقد ذهبت دولة أهل الشام، فنهره وزبره، وكلم هؤلاء الذين سميناهم سفيان وحذّروه الفتنة، فقال سفيان لابن العلاء: أترى سلما مقاتلي؟ فقال: أي والله ولو كنت في تسعة آلاف وتسعمائة وتسعة وتسعين وهو وحده حتى تخرج نفسه، وكان عبد

стр. 1561

الرحمن بن يزيد بن المهلب حاضرا فصوّب قول ابن العلاء وقال: صدقته ونصحته، فوادعه سفيان وكتب بينهما كتابا على أن يقيما على هيئتهما حتى ينظرا ما يصنع ابن هبيرة والمسودة. وبلغ الخبر أبا سلمة، فكتب إلى بلج بن المثنى بن محربة العبدي: ان قاتل سفيان سلما وإلاّ فأنت أمير البصرة، فأعلم بلج سفيان ذلك، فقال: لا بل أقاتل سفيان، وأمسك بلج عن تولي البصرة، وكتب أبو سلمة إلى الصمّة بن دريد بن حبيب بن المهلب بعهده على البصرة، فحرّك ذلك سفيان بن معاوية تحريكا شديدا وعزم على محاربة سلم، فأرسل إلى المشارع فأخذ كل دابة وجدها، وبلغ ذلك سلما فأبرز سريره وأرسل إلى أصحابه فجاءته: قيس، وتميم، وبنو مسمع من بكر بن وائل، وأتاه تسنيم بن الحواري، واجتمع إلى سفيان أصحابه الأزد وبكر بن وائل وعبد القيس، فعقد سلم لأبان بن معاوية بن هشام بن عبد الملك بن مروان على أهل العالية ومن كان من قريش وثقيف، ولعمر بن المسور بن عمر بن عبّاد على بني عمرو وحنظلة، وعمر بن المسور الذي يقول فيه غيلان بن حريث التميمي: يا عمر بن مسور بن عبّاد … أنت الجواد ابن الخيار الأجواد وجعل سفيان على ميمنته معاوية ابنه، وعلى ميسرته محمد بن المهلّب، وعقد لعبد الواحد بن زياد بن عمرو على طائفة من أصحابه، وصار سفيان في أصحابه إلى موضع بالبصرة يعرف بسقاية ابن برثن، وأتته بنو حنيفة، وبنو هزان من عنزة بن أسد بن ربيعة.

стр. 1562

وخرج دريد بن الصمّة بن حبيب بن المهلب في أحسن من عدة سفيان، وقدم على سلم مدد من أهل الشام فالتقوا في يوم أربعاء، وأمر سفيان فنودي: من جاء برأس فله خمسمائة درهم ومن جاء بأسير فله ثلاثمائة، ووجه عبد الواحد بن زياد بن عمرو العتكي فحرق ظلال السوق، ووجه سلم أبان بن معاوية ومعه أميّة بن خالد بن أبي عثمان، من ولد خالد بن أسيد، وعبد الله بن عمرو الثقفي إلى ناحية من النواحي فمرّ بقوم لهم صنيع فأخرجوا فالوذج فإنه ليأكل اذ حمل على أصحابه فانهزموا، فمسح يده ووضع بيضته على رأسه وركب فهزم أولئك الذين حملوا على أصحابه وهزم أصحاب سفيان أقبح هزيمة، وقاتل سفيان سلما في يوم الخميس فهزم سفيان وأصحابه حتى خرج من باب البصرة ومعه عبد الرحمن بن يزيد بن المهلب، وقتل معاوية ابنه، وكان على الشاميين الذين أمدّ سلم بهم جابر بن توبة الكلابي، فانتهبوا دور العتيك حتى أخذوا الشاء والدجاج، وارادوا استعراض ربيعة حتى كلّم جابر فكفّهم، وصار سفيان إلى ناحية ميسان أوكسكر، وأقام سلم بالبصرة نحوا من شهرين فلما رأى علوّا من المسودة شخص عن البصرة إلى البادية واستخلف على البصرة محمد بن جعفر أحد بني نوفل بن الحارث بن عبد المطلب، فكان أول من سوّد بعد سفيان بن معاوية. ولما هرب سفيان سوّد مسمع بن مالك بن مسمع الأبرص وضبط البصرة، وقدم بسام وهو والي الأهواز فأمّ بالبصرة حتى ولي سفيان بن معاوية البصرة ثانية. ولما قدم بسام بن إبراهيم البصرة هدم دار عبد الله بن أبي عثمان وهو ابن عبد الله بن خالد بن أسيد، ودار محمد بن واسع بن عبيد بن عاصم بن

стр. 1563

قيس بن الصلت بن حبيب السلمي، ودار ابن رالان ودار بشر بن هلال بن أحوز، ودورا من دور المضرية. وكان بسّام قد ولي الأهواز من قبل أبي سلمة الداعية. وقال المدائني: هدم هذه الدور سفيان حين ولي البصرة بعد أن سكنت الفتنة. وقدم عبد الصمد بن علي فأخذ بيعة أهلها. ولما خرج سلم من البصرة كتب أبو العباس إلى داود بن علي وهو عامله على الحجاز يأمره بطلبه، فوجه في طلبه فلم يقدر عليه، وبعث سلم إلى أبي العبّاس ببيعته مع محمد بن سعد الأنصاري وكتب يذكر طاعته وأنه استخلف على البصرة رجلا من بني هاشم لميله إليهم، فقال: لو أقام لنفعه ذلك، وكتب له أمانا وأمره بالظهور والقدوم. وكتب سفيان إلى أبي العباس مع سليمان بن أبي عيينة يعلمه ما كان من مبادرته إلى الطاعة والتسويد ويشكو اجتماع مضر عليه، فقال أبو سلمة: يكتب عهد سفيان على البصرة، فكتب له عهد من أمير المؤمنين أبي العباس بولايتها، فلما قتل أبو سلمة أمر أبو العباس بعزل سفيان وقال: هو من عمال الناكث أبي سلمة، وولّى البصرة عمر بن حفص هزارمرد، ثم ولّى سليمان بن علي بن عبد الله بن العباس. وقال أبو عبيدة: اتى سلم البادية فأقام في قومه وولد له، ثم أتاه أمان أبي العباس عن غير طلب منه له فأقبل إلى البصرة حتى نزل في دار أبي سفيان بن العلاء ليلا، وبعث إلى سليمان بن علي يعلمه مكانه، وقد كان كتاب أبي العباس ورد عليه بإيمانه وأخذ البيعة عليه، فغدا على سليمان فأمنه وأخذ عليه البيعة، فاعترضه محمد بن أبي عيينة بن المهلب فقال: أصلح الله

стр. 1564

الأمير أتؤمنه وسيفه يقطر من دماء أنصاركم؟ فلم يكلمه، فقال سليمان: كلمه، فقال سلم: إن آل المهلب فراش قين وذبان طمع شرابون بأنقع، لا يوثق منهم بثقة، ولا يحامون على حرمه وهم أصحاب يزيد بالعقر أسلموه، وأصحاب سليمان بن حبيب بالأمس خذلوه، وهذا بعد في نفسه فإنما هو نطفة سكران في رحم صنّاجة. فقال محمد: أصلح الله الأمير خذ لي بحدّي، فأمر سليمان بإخراجه فأخرج، ثم غدا على سليمان مستعديا عليه، فقال له: ويحك ما كان سلم ليقول شيئا إلاّ شهد عليه ألف نزاريّ، فأمسك. وقال يونس النحوي: نظرت إلى رؤبة بن العجاج في مربعة باب عثمان وذلك في الحرب بين سلم وسفيان وهو على فرس متقلدا سيفه ومتنكبّا قوسه يقول: يا معشر الفتيان - يعني بني تميم - أطلقوا لساني بجميل ذكركم، فإذا أتى رجل بأسير أو رأس قتيل قال: لا شلل ولا عمى. وقال ابن المقفع، ويقال يحيى بن زياد الحارثي: ما كنت أعجب ممن نال ميسرة … حتى مررت على دار لسفيان لا تعجبنّ، فقد يلفى الكريم له … جد عثور ويضحي الوغد ذا شأن إن كنت لا تدّعي بيتا له قدم … إلا بقصرك لم تنهض بأركان سام الرجال بآباء لهم شرف … تلك الفضيلة لا ما شيّد الباني وإن سموت بيوم العقر مفتخرا … فذلك العار للباقي وللفاني واذكر ليالي سلم إذ تركت له … ما في رحالك من مال ونسوان فظل يفري أديم الأزد ضاحية … فريا وامعنت منه أيّ إمعان

стр. 1565

وكان سلم لا يؤتي بأسير الا حبسه، حتى أتي بابن عم له يكنى أبا عصام فأمر بضرب عنقه وقال: دقّك بالمنحاز حبّ الفلفل (١) … وكان عمر بن مسور يأخذ أسلحة الاسارى ويخلي سربهم. قالوا: ولما ولي سفيان دعا بخالد بن صفوان وكان قد قتل له ولد أيضا في الحرب فقال له: عزّني، فقال: أنا وأنت كما قالت الباكية: اسعدنني اخواتي فالويل لي ولكنّه فغضب وقال: جدّدت لي حزنا، فقال: ليسلّ عنك ما تجد من اللوعة عليه علمك بأنك غير باق.

стр. 1566

[وفاة السفاح] (١) حدثني أبو مسعود عن مشايخ الكوفيين قالوا: كان أبو العباس طويلا أبيض أقنى ذا شعر أسود جعد حسن اللحية جعدها، قدم من الشام ثم قدم أهله بعده، فجاءته الخلافة ومعه داود بن علي، وموسى بن داود، والمنصور، وعيسى بن موسى، ومحمد وعبد الوهاب ابنا ابراهيم الإمام، والعباس بن محمد، ويحيى بن محمد، وسليمان، وصالح، وعبد الله، وعبد الصمد، واسماعيل، وعيسى بنو علي بن عبد الله، ويحيى بن جعفر بن تمام، ومحمد بن جعفر بن عبيد الله بن العباس، ورجل من بني معبد بن العباس. قال: وكان قاضياه ابن أبي ليلى وابن شبرمة. حدثني أبو مسعود عن زهير بن المسيب الضبي عن أبيه قال: اجتمع لأبي العباس في سنة ست وثلاثين: فتح السند، وإفريقية، ومكاتبة صاحب الأندلس فقال لبعض عمومته: سمعت أنه إذا فتح السند وإفريقية

стр. 1567

مات القائم من آل محمد، فقال له: كلا، فما برح حتى دعا بدوّاج لقشعريرة أصابته. المدائني وأبو مسعود قالا: كان الدم قد هاج بأبي العباس فأشار عليه الاطبّاء بالفصد فلم يقدم عليه فحمّ، ثم خرج بعد الموم (١) فمات بالأنبار. وكان أراد البيعة لابنه محمد، ثم قال: ابني حدث فما عذري عند ربي، فقالت له أم سلمة بنت يعقوب امرأته وهي أم محمد: ولّ غيره واجعله ثانيا، وكلمت أخواله في أن يسألوه ذلك، فقال: أخاف أن يقصر عمر من اجعله قبله فتدركه الخلافة وهو صغير فيصير الأمر إليه قبل أن يستحقه، ولكني أصيّره إلى رجل من أهلي أثق بفضله واحتماله، فاثبت اسم أبي جعفر المنصور، وعيسى بن موسى بن محمد من بعده في كتاب، وختم الكتاب، وجعل في منديل وجمعت أطرافه وختم عليه بخاتم أبي العباس، وأخذه عيسى بن علي إليه. وحدثني أبو الحسن المدائني قال: كان أبو العباس يتقلب فيبقى جلده على الفراش، وخرج رجيع داود بن علي من فمه، وسقي بطن يحيى بن محمد. وحدثني أبو الحسن المدائني قال: قال لأبي العباس بعض عمومته: كيف أصبح أمير المؤمنين؟ فقال الطبيب: أصبح صالحا، فسلت ذراعه بيده فتناثر لحمه وقال: كيف يكون صالحا من هذه حاله؟ وكانت خلافة أبي العباس أربع سنين وثمانية أشهر وأياما، وتوفي بالأنبار سنة ست وثلاثين

стр. 1568

ومائة ودفن بالأنبار، وصلى عليه عيسى بن علي عمه، وقال بعضهم عيسى بن موسى ابن أخيه، وكان له يوم توفي ست وثلاثون سنة، ويقال أقل من ذلك. وكان آخر ما تكلم به أن تشهّد، ثم قال: إليك ربيّ لا إلى النار. وحدثني عبد الله بن صالح قال: بلغني أن عيسى بن علي قال لأبي العباس: يا أمير المؤمنين اذكر رجلا يمدّ الناس إليه أعناقهم بعدك، فإن ذلك لا يقدم ولا يؤخر، فقال: كنت وعدت عبد الله بن علي إن قام بهذا الأمر أن أوليه الخلافة بعدي، فقال له سعيد بن عمرو بن جعدة المخزومي: لا تخرجها من ولد محمد بن علي، فقبل قوله. وولد لأبي العباس محمّد والعباس وعلي وابراهيم واسماعيل، درج هؤلاء الأربعة، وريطة، وأمهم أم سلمة بنت يعقوب بن سلمة بن عبد الله بن الوليد بن الوليد بن المغيرة المخزومي. فأما ريطة فتزوجها محمد بن عبد الله بن علي المخالف لأبي جعفر، فتوفي قبل أن يجتمعا، فتزوجها محمد فولدت له عليّا وعبد الله ابني المهدي، وكانت ريطة من أشد الناس قوة وبطشا. وأمّا محمد بن أبي العباس، فكان أشد الناس أيضا بطشا عابثه المهدي وهو أمير فغمز ركابه حتى ضاق وضغط رجله فلم يقدر على إخراجها منه حتى ردّه فأخرجها. وأغزى المنصور محمد بن أبي العباس الديلم في سنة إحدى وأربعين ومائة في أهل البصرة والكوفة والجزيرة والسواد، ووجهه في سنة

стр. 1569

سبع وأربعين ومائة عاملا على البصرة، فاشتكى واستعفى فأعفاه، واستخلف على البصرة عقبة بن سلم، فأقرّه المنصور بعده إلى سنة إحدى وخمسين ومائة. وكان محمد يقول الشعر ويتغنى به الحكم الوادي المغني، فمن شعره: زينب ما ذنبي وماذا الذي … غضبتم فيه ولم تغضبوا والله ما أعرف لي عندكم … ذنبا، ففيم العتب يا زينب (١) ويقال ان حمادا المعروف بعجرد قال له هذا الشعر، وقال له: يا ساكن المربد قد هجت لي … شوقا فما أنفكّ بالمربد سوف أوافي حفرتي عاجلا … يا منيتي إن أنت لم تسعدي وحدثني عباس بن هشام عن أبيه قال: دخل دحمان الأشقر المغني، وحكم الوادي على محمد بن أبي العباس بالبصرة، فدعا بكيس فيه أربعة آلاف درهم فقال: من غنّى صوتا يطربني فالكيس له، فغنى دحمان صوتا قديما ثقيلا فلم يطرب له، فغنّى حكم هزجا (٢) فطرب له وحرّك رجليه ورأسه، وأمر بالكيس فدفع إليه. قال: والحكم منسوب إلى وادي القرى. وحدثني عبد الله بن مالك الكاتب قال: كان محمد بن أبي العباس يلوي العمود ويلقيه إلى أخته ريطة فتردّه؛ قال: وولاه المنصور البصرة، فكان يخضب لحيته بالغالية فكنوه أبا الدبس. قال: وكان معه حكم الوادي

стр. 1570

وكان ضاربا، قال: وقد رأيته في خلافة الرشيد جسيما أحول. قال المدائني: ومن غناء الحكم شعر حمّاد عجرد (١) في محمد بن أبي العباس: أرجو بعد أبي العباس إذ بانا … يا أكرم الناس أعراقا وعيدانا فأنت أكرم من يمشي على قدم … وانضر الناس عند المحل أغصانا لو مجّ عود على قوم غضارته … لمجّ عودك فينا المسك والبانا وقال المدائني: قال محمد بن أبي العباس: قولا لزينب لو رأي … ت تشوفي لك واشترافي وتبدّدي كيما أرا … ك وكان شخصك غير جاف ووجدت ريحك ساطعا … كالبيت جمّر للطواف وتركتني وكأنما … قلبي يوجّأ بالأثافي (٢) قال: وفيه غناء ليونس الكاتب. قال: ويقال إن زينب هذه زينب بنت سليمان، ويقال زينت بنت محمد بن عبد الله بن حسن بن حسن، وكان قد زوّجها فأراد الابتناء بها في المدينة حين قتل أبوها فمنعه عيسى بن موسى من ذلك ولامه عليه وقال له: يا جاهل، ما يؤمنك أن تقتلك بأبيها؟ فيقال ان عيسى بن موسى تزوجها بعد وفاته، ولم يدخل بها محمد حتى توفي. وكان موت محمد بن أبي العباس ببغداد.

стр. 1571

وقال الحرمازي: كان حماد عجرد يقول الشعر لمحمد بن أبي العباس في زينب بنت سليمان بن علي، فطلب محمد بن سليمان عجردا فاستجار عجرد بقبر سليمان بن علي فلم ينفعه ذلك عنده. وقيل إن محمّد بن سليمان لما ولي الكوفة طلب عجردا فشخص إلى البصرة فاستجار بقبر سليمان بن علي، وقال في أبيات له: إن اكن مذنبا فأنت اب … ن من كان لمن كان مذنبا غفارا يا بن بنت النبي إنّي لا أجع … ل إلاّ إليك منك الفرارا غير أني جعلت قبر أبي أيو … ب لي من حوادث الدهر جارا لم أجد لي من الأنام مجيرا … فاستجرت التراب والأحجارا فألح في طلبه فأتى قبر سليمان فكتب عليه: قل لوجه الخصيّ ذي العار إني … سوف أهدي لزينب الأشعارا قد لعمري فررت من شدّة الخو … ف وأنكرت صاحبيّ جهارا وظننت القبور تمنع جارا … فاستجرت التراب والأحجارا فاذا القبر ليس لي بمجير … فحشا الله ذلك القبر نارا وكانت أم سلمة بنت يعقوب عند مسلمة بن هشام المعروف بأبي شاكر، فطلقها فخلف أبو العباس عليها؛ ويقال كانت عند عبد الله بن عبد الملك، ويقال عند مسلمة بن عبد الملك، والثبت عند أبي شاكر، وكان اسماعيل بن علي تزوج أم سلمة بعد أبي العباس، فغضب المنصور من ذلك فطلقها، وقال بعضهم: خطبها فلمّا أنكر المنصور ذلك أمسك.

стр. 1572

وأما عبد الله بن محمد أبو جعفر وهو المنصور: فكان يعرف بعبد الله الطويل، ولم يزل مشهورا بطلب العلم والفقه والآثار. حدثني ابن الاعرابي الراوية عن سعيد بن سلم قال: وجه محمد بن علي عبد الله ابنه أبا جعفر إلى البصرة ليزور من بها، ويدعو إلى الرضا من آل محمد، فكان يأتي عمرو بن عبيد ويألفه، فلما صار إلى الشام سمعه أبوه يتكلم بشيء يقايس فيه فأنكره عليه وقال: هذا من كلام مولى بني تميم، يعني عمرو بن عبيد. وحدثني جماعة من المشايخ قالوا: لما خرج عبد الله بن معاوية بن عبد الله بن جعفر على عبد الله بن عمر بن عبد العزيز، عامل يزيد بن الوليد بن عبد الملك، سار إليه المنصور فيمن أتاه من بني هاشم، فولاه ايذج من الأهواز، فأخذه سليمان بن حبيب بن المهلب وكان عامل عبد الله بن عمر على الأهواز فحبسه وشتمه ومن هو منه وأراد قتله، فقال له سفيان بن معاوية ويزيد بن حاتم: إنما أفلتنا من بني أميّة بالأمس، أفتريد أن يكون

стр. 1573

لبني هاشم عندنا دم؟ فخلى سبيله، ويقال إنه كان ضربه؛ فلما خلّصا المنصور من يد سليمان بن حبيب، صار إلى عمرو بن عبيد فأقام عنده، ثم سار مستترا إلى الحميمة من أرض الشراة. وحدثني أبو مسعود عن اسحاق بن عيسى قال: لما شخص ابو جعفر يريد عبد الله بن معاوية مرّ بالراوي (١) فقيل له: إن ها هنا منجما يقال له نوبخت، فعدل إليه وسأله عما يؤول إليه حاله في وجهه فيما بعد ذلك، فقال له نوبخت: أما أنت فسيصير إليك ملك العرب، وأما وجهك هذا فسينالك فيه مكروه، فلحق بعبد الله وكان من أمره ما كان. حدثني عمر بن بكير عن الهيثم بن عدي وغيره، أن أبا مسلم كتب إلى أبي العباس يستأذنه في الحج، فكتب إليه: إن الجهاد أفضل من الحج، فكتب إنه لا بدّ لي من الحج فإني حججت وأنا تابع بغير مالي وعلى غير ظهري، وفي نفسي من ذلك شيء، فكتب إليه يأمره بالقدوم في ألف ويقول: إنما تسير في سلطان أهلك، وطريق مكة طريق لا يحتمل العساكر، فأما المال فلا تستكثر منه وعوّل علينا فيه؛ فأقبل في الرجال ومعه الأموال حتى نزل الري وخلف بها ثمانية آلاف فارس، وخلف الأموال، وأتى الأنبار في ألف وقال: أني لأرجو ان يموت أبو العباس فأكون مع أقوى من يأتي بعده، ثم أغلب على الأمر، ويكون لي شأن من الشأن فلا يبقى بلد إلاّ وطئته برجليّ هاتين.

стр. 1574

فلما دخل على أبي العباس أظهر أبو العباس له جفوة، لما بلغه عنه، ثم أظهر مبرته وقال له: لولا أن أخي على الحج في عامه هذا لوليتك الموسم فإنك رجل منّا أهل البيت، وكان المنصور لما بلغه أن أبا مسلم على الحج كتب من الجزيرة يسأل أن يولّى الموسم، ويقال: بل كره أبو العباس أن يسأله أبو مسلم ولاية الموسم فلا يجد بدا من توليته إياه. فكان أبو مسلم يتقدم أمام أبي جعفر باديا وراجعا خوفا على نفسه لما كان حقد عليه حين أتاه بخراسان من إجلاسه إياه في دهليزه، وكتابه إليه يبدأ بنفسه، مع أشياء كانت تبلغه عنه فكان أبو مسلم يقول: أما وجد أبو جعفر سنة يحج فيها إلا هذه السنة التي حججت فيها؟ فلما قضيا حجهما، فأقبل أبو مسلم فكان بين البستان وذات عرق (١) جاء المنصور خبر وفاة أبي العباس، وأبو مسلم متقدمه بمرحلة، فكتب إلى أبي مسلم: إنه قد حدث حدث ليس مثلك غاب عنه فصر إليّ، فلم يقدم عليه وكتب إلى المنصور كتابا بدأ فيه بنفسه، فقال المنصور: انا بريء من العباس ان لم أقتل ابن وشيكة. وكان أبو مسلم يصلح العقاب ويكسو الأعراب في كلّ منزل، فكان ذلك يغيظ أبا جعفر، ويرى أنه استطالة منه عليه. فلما ورد أبو جعفر الأنبار وجد عيسى بن موسى بها وقد حوى الخزائن والأموال وحفظها، فسلمها إليه. وكان عبد الله بن علي قد خلع، فندب المنصور أبا مسلم لحربه، فسارع إلى ذلك ليتخلص من يده. وذكروا أن أبا مسلم لما ورد الأنبار أراد

стр. 1575

عيسى بن موسى على خلع المنصور ومخالفته، وقال له: أنت وصيّ الإمام وأحق بالأمر من أبي جعفر، فقال له: الأمر لعمّي ولو قدّمني أبو العباس لقدّمته على نفسي. وحدثني ابن الأعرابي عن المفضّل قال: أتت أبا مسلم وفاة أبي العباس ولم يعلم أنه قد ولّى المنصور الخلافة بعده، فكتب إلى المنصور: «عافاك الله وأمتع بك، أتاني خبر وفاة أمير المؤمنين ﵀، فبلغ مني أعظم مبلغ وأمسّه وجعا وألما، فأعظم الله أجرك، وجبر مصيبتك، ورحم الله أمير المؤمنين وغفر له وجزاه بأحسن من عمله». فلما قرأ المنصور كتابه استشاط غضبا، وكتب إليه: «من عبد الله عبد الله أمير المؤمنين إلى عبد الرحمن، وصل إليّ كتابك فرأيتك غير موفق فيه للرشد ولا مسدّد للصواب، ولكني ذكرت ما تقدم من طاعتك فعطفني عليك، وقد وليتك مقدمتي فسر على اسم الله وبركته حتى توافي الأنبار، ومن انكرت من أمره شيئا من عمالنا فصرفه والاستبدال به إليك»، فحقد كل واحد منهما على صاحبه. قال ابن الأعرابي: وحدثني سعد بن الحسن، أن المنصور لما قرأ كتابه أجابه عليه وقد استشاط فقال لعطية بن عبد الرحمن التغلبي: لمثلها كنت أحسيك الحسى، إن العبد كتب إليّ بما ترى وقد أجبته فانطلق بالكتاب إليه، فإذا أخذ في قراءته فاضرب عنقه، فإن قتلت فشهادة والله خليفتك على من تخلّف وهم عندي عدل ولدي، وإن سلمت فلك من المكافأة ما تطأ العرب به عقبك، فقال له اسحاق بن مسلم: يا أمير المؤمنين إنه لا يؤمن أن ينبو سيفه فيقتل باطلا ويكرّ العلج علينا، وقال له يزيد بن أسيد اذكر قول القطامي:

стр. 1576

قد يدرك المتأنّي بعض حاجته … وقد يكون مع المستعجل الزّلل (١) وقال له أبو أيوب كاتبه: أخّر الأمر حتى تقدم إلى شيعتك وأهل بيتك. فأنفذ المنصور كتابه مع غير عطية. وحدثني عبد الله بن خلف الوراق عن عدة من آل حميد بن قحطبة قالوا: لما بلغ أبا مسلم موت أبي العباس كتب به إلى أبي جعفر وهو لا يعلم باستخلافه إياه، فلما أتاه أنه قد استخلفه كتب إليه: «أصلحك الله يا أمير المؤمنين صلاحا ناميا باقيا، بلغني هذا الأمر الذي أفظعني وأتاني به كتاب عيسى بن موسى مع محمد بن الحصين، إلا أنه سرّى عني الغمّ ولوعة المصيبة ما صار إليك من الأمر، فنسأل الله أن يعظّم أجرك ويحسن الخلافة عليك فيما ولاّك، وأن يبارك لك فيما قلدته، إعلم أنه ليس أحد يا أمير المؤمنين أشد تعظيما لحقك وحرصا على مسرّتك مني، والله اسأل لك السّلامة في الدين والدنيا». وكان ورود الكتاب بصفينة (٢)، ثم بعث ابو مسلم بالبيعة بعد يومين، وإنما أراد أن يرهبه. حدثني أبو مسعود الكوفي عن اسحاق بن عيسى بن عليّ، أن أبا العباس توفي والمنصور بمكة، وأبو مسلم حاج أيضا، فقام أبي - عيسى بن علي - فخطب الناس بالأنبار فقال: «الحمد لله أهل الحمد وولّيه، ذي المجد والعظمة الكبرياء والقدرة الذي كتب الموت على خلقه وسوّى فيه بين عباده

стр. 1577

فلم يعزّ منه ملكا مقربا ولا نبيا مرسلا ولا خليفة هاديا، جعلهم فيه شرعا، وجعله عليهم حتما، فقال لنبيه ﷺ : ﴿وَما جَعَلْنا لِبَشَرٍ مِنْ قَبْلِكَ الْخُلْدَ أَ فَإِنْ مِتَّ فَهُمُ الْخالِدُونَ﴾ (١)، وقال: ﴿إِنَّكَ مَيِّتٌ وَ إِنَّهُمْ مَيِّتُونَ﴾ ﴿فَتَبارَكَ اللهُ رَبُّ الْعالَمِينَ﴾ (٢). ثم ان خليفتكم عبد الله أبا العباس أمير المؤمنين رحمة الله عليه كان عبدا من عباد الله الذين كتب عليهم الموت ونقلهم إلى دار الثواب، أكرمه بخلافته وأحيا به سنّة نبيه وردّ به حقّ أهل هذا البيت إليهم حتى استقر في مقرّه، وحلّ محله وخرج من أيدي الفجرة الظلمة أهل بيت اللّعنة الذين أخذوه اغتصابا وظلما وابتزازا بالتمويه والشّبه وادّعاء الأباطيل، ثم استعمله الله بطاعته الى انقضاء مدته وأثره ونفاد أجله وأكله، وقبضه إليه حميدا رشيدا، قد رضي سعيه وأقام به حقّه، فرحمة الله عليه وبركاته وصلواته، وقد استخلف أخاه أبا جعفر أصلحه الله وأمتع الخاصّة والعامّة به لكمال سنّه، وفضل رأيه، وصحة عزمه، ونفاذ بصيرته، وجعل وليّ العهد بعده عيسى بن موسى بن علي، وهو من قد عرفتم جزالته وبراعته وفضله، فعند الله نحتسب أبا العباس أمير المؤمنين، وإياه نسأل أن يعظّم أجورنا وأجوركم فيه، وأن يبارك لأمير المؤمنين فيما ولاّه واسترعاه، ويحضره الرشد والسداد في أموره. فبايعوا رحمكم الله لأمير المؤمنين عبد الله أمتع الله به، ولعيسى بن موسى بن محمد بن علي إن كان من بعده، بيعة صادقة عن طوع واعتقاد ونيّة حسنة بيعة تنشرح بها صدوركم، وتخلص فيها نياتكم، لتنالوا بها عاجل المكافأة وآجل الثواب إن شاء الله، أحسن الله عليكم

стр. 1578

الخلافة وتولاكم بالكفاية». ثم بكى وبكى الناس، فلما نزل كتب إلى عيسى بن موسى بالقدوم وكان بالكوفة فقدم الأنبار وأعطى الناس أرزاقهم، وكتب عيسى بن علي إلى أبي جعفر: «أما بعد، أصلح الله أمير المؤمنين، وأصلح به وعلى يديه، فإن أقل المصائب يا أمير المؤمنين نكاية وإن عظمت بها الرزّية وجلّ الخطب وأفظع الأمر مصيبة جبرت بحسن العوض في الدنيا وجزيل الثواب في الآخرة، وإن أمير المؤمنين أبا العباس رحمة الله وصلاته عليه كان من عباد الله الذين حتم عليهم الموت وخلقهم للفناء، فقبضه الله حميدا سعيدا قائما بالحق جميل النظر للخاصة والعامة، مشفقا عليهم، معفّيا بعدله على جور الظلمة من أهل بيت اللعنة، وبإحسانه على إساءتهم وشرارتهم، وقد استخلفك يا أمير المؤمنين بعده وجعل وليّ عهدك عيسى بن موسى بن محمد، فأعظم الله أجر أمير المؤمنين على الرزيّة الفاجعة، وبارك له في العطية الفاضلة، فلا مصيبة أجلّ من مصيبته ولا عقبى أحسن من عقباه، ورحم الله أبا العباس وغفر له وضاعف له حسناته، وجعل الله أمير المؤمنين خير خليفة وإمام، أعمله بعدل، وأقومه بحق، وأنظره لعامّة، وأحناه على خاصة بمنّه وقدرته، وقد دعوت الناس إلى بيعتك يا أمير المؤمنين، فسارعوا إليها واحتسبوا الخير فيها، حقّق الله آمالهم وبلّغهم لك وفيك أمانيهم يا أمير المؤمنين، فاشكر الله يزدك، واستعنه يعنك، واستكفه يكفك، أسأل الله لأمير المؤمنين أحسن الحفظ وأدوم العافية والسلامة في الدنيا والآخرة». قال: وكتب رقعة أدرجها في الكتاب لم يدر ما فيها، وبعث بالكتاب مع محمد بن الحصين العبدي، فلما قرأه أبو جعفر بكى. وحمّل عيسى بن

стр. 1579

علي وعيسى بن موسى محمّد بن الحصين كتابين إلى أبي مسلم بالتعزية والتهنئة بولاية أمير المؤمنين أبي جعفر. وقال محمد بن الحصين لأبي جعفر حين قرأ كتاب عيسى بن علي إليه: قد أعقب الله المصيبة الجليلة بالنعمة العظيمة، فأحسن الله يا أمير المؤمنين من المصيبة عقباك وبارك لك فيما ولاك وأعطاك، فأمر له بخمسائة دينار، ويقال بألف دينار، وكتب إلى عيسى بن علي بأبرّ كتاب وألطفه وجزاه الخير على ما كان منه، وكتب إلى عيسى بن علي وعيسى بن موسى في القيام بأمر الناس وضبط ما قبلهما إلى قدومه. قال: وكتب عيسى بن علي إلى عبد الله بن علي بالخبر وعزاه عن أبي العباس وهنأه بولاية أمير المؤمنين أبي جعفر، وأنفذ الكتاب مع أبي غسّان حاجب أبي العباس والهيثم بن زياد الخزاعي، فلما دخلا عليه سلم الهيثم بالإمرة وسلم أبو غسان بالخلافة، فقال الهيثم: مه فإن أبا العباس قد استخلف أبا جعفر أخاه، فقال عبد الله: أنا أحق بالأمر منه، إن أمير المؤمنين ﵀ ندب الناس إلى الجعدي فتثاقلوا عنه فقال: من انتدب إليه فهو الخليفة بعدي، فانتدبت، فقال الهيثم: نشدتك الله أن تهيج الفتنة وتعرض أهل بيتك لزوال النعمة، فقال: اسكت لا أمّ لك، وقام فخطب ونعى أبا العباس وادّعى أنه ولاّه الخلافة بعده، فصدّقه أبو غسّان وكذّبه الهيثم ورجل آخر معه، فأمر بالهيثم والرجل فضربت أعناقهما. وخرج ابن علي من دابق، وكان متوجها إلى بلاد الروم للغزو في مائة ألف، فقال له ابن حنظلة البهراني: يا أمير المؤمنين، الرأي أن توجه ألف رجل وتبعث عليهم رجلا تثق بصرامته وبأسه ونصيحته، وتأمره أن يأخذ طريق السماوة فلا يشعر أبو جعفر وأبو مسلم إلا بموافاته إياهما، وتغذّ أنت السير حتى تنزل

стр. 1580

الأنبار، فلم يقبل مشورته لأنه من أهل الشام، وقد كان أبو جعفر خاف هذا الفعل من عبد الله فأسرع السير وأغذّه حتى نزل الأنبار فسأل عن ابن علي فأخبر أنه بحران قد صمد صمد مقاتل بن حكيم العكي لإبائه بيعته حتى يجتمع الناس، فحمد الله على ذلك، ثم بلغه أنه قد أخذه وبعث به إلى عثمان بن سراقة فحبسه بدمشق فقال: لله العكي ماذا يذهب منه. حدثني أبو مسعود قال: لما أتى أبا جعفر خبر وفاة أبي العباس دعا إسحاق بن مسلم العقيلي، وكان قد حجّ معه، فقال له: ماذا ترى أن نصنع؟ فقال: يا أمير المؤمنين، إن كان ابن علي حازما فسيوجه خيلا تلقانا في هذه البراري فتحول بيننا وبين دار الخلافة، ويأخذنا أسراء فاقعد على دوابك فإنما هي ليال حتى نقدم الأنبار، قال: فإن هو لم يخالف؟ قال: فلا حياة به، والرأي اغذاذ السّير على حال. قال: فارتحل أبو جعفر وقدّم أبا مسلم أمامه يطوي المراحل إلى الأنبار، وندب أبا مسلم لعبد الله بن علي فسارع إلى محاربته. حدثني محمد بن الأعرابي قال: لقيت المنصور أعرابيّة في طريقه، وقد توفي أبو العباس والمنصور مقبل إلى الأنبار، فقالت له: أعظم الله أجرك يا أمير المؤمنين في أخيك، فإنه لا مصيبة أعظم من مصيبتك، ولا عوض أفضل من خلافتك، فقال: بلى، الأجر؛ فقالت: هو لك مذخور إن شاء الله، فوهب لها ألف درهم. وحدثني أبو مسعود قال: حجّ المنصور أمير المؤمنين في السنة التي استخلف فيها، وفي سنة سبع وأربعين ومائة أو ثمان وأربعين ومائة، وفي السّنة التي توفي فيها، وكانت وفاته بمكة.
следующие страницы →